بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمات:
مقدمة الطبعة الرابعة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد مضت عشر سنوات على ظهور كتاب "كتابة البحث العلمي، ومصادر الدراسات الإسلامية" في طبعات ثلاث، وبفضل الله وتوفيقه لاقى إقبالًا طيبًا في الأوساط العلمية الجامعية.
لم يفتقد الكتاب منذ ظهوره النقد البَنَّاء، والمقترحات الوجهية المفيدة، مشافهة، وكتابة، وعلى صفحات الصحف، بعبارات صادقة، ونوايا مخلصة.
ولئن تقلدت بتقريظاتها شرفًا، فقد استوجبت جهدًا وعملًا، تعجز إمكاناتي وقدراتي المحدودة عن الاضطلاع بهما.
ومضيتُ مستعينًا بالله في تحقيق تلك الآمال والمقترحات، وكان ثمرتها الأولى ظهور القسم الأول "كتابة البحث العلمي صياغة جديدة" عام ١٤٠٨هـ مستقلًّا عن المصادر، يواكب في دراسته آخر مستجدات مناهج كتابة البحث وتقنياتها.
стр. 2
وللتمكن من تطوير قسم المصادر وتحديثه تم تقسيمه إلى ثلاثة أقسام مستقلة:
الأول: مصادر الدراسات القرآنية، والسنة النبوية، والعقيدة الإسلامية.
الثاني: مصادر الدراسات الفقهية.
الثالث: مصادر الدراسات العربية والتاريخية.
أما ترتيبها في كل قسم وتحت كل عنوان فهو بحسب وفاة المؤلفين، الأقدم فالذي يليه، وهكذا.
وقد شمل التطوير في هذه الأقسام إضافات لبعض المصادر في كل قسم من تلك الأقسام بنسب متفاوتة، بالإضافة إلى تدوين معلومات النشر في عمومها، وما لم تُستوفَ له معلومات النشر لم يكن نقصها سهوًا؛ وإنما هو المتوافر منها مطبوعًا في النسخة التي بين يدي.
ومن ما هو معلوم بداهة وضرورة أن قائمة مصادر كل علم بحاجة إلى إضافات وإضافات، وإلى متابعة علمية مستمرة، وسيكون هذا ممكنًا -بإذن الله- بعد استقلال كل مجموعة من المصادر بمطبوعة مستقلة، كما هو التقسم الحالي.
كما سيكون لهذا التقسيم دور في تخفيض التكاليف، وإخراج كل قسم في حجم معقول، وإعطاء الدراس فرصة الاختيار بينها بما يتفق ومجال تخصصه.
ومن أجل أن يكون كل قسم من أقسام المصادر الثلاثة مستقلًّا عن الآخر اقتضى هذا وضع القسم الأول "كتابة البحث العلمي" والقسم الثاني "مدونات المصادر الإسلامية العامة" في بداية كل منها، ثم وضع قائمة المصادر المتخصصة في
نهاياتها جميعًا.
стр. 3
وأود التنويه بأن التوثيق بالهامش في القسم الأول "كتابة البحث العلمي" جرى على البدء باللقب، أو اسم الشهرة -كما هو المتبع في البحوث العلمية- في حين جرى البدء بالاسم، ثم اللقب في التوثيق في قسم المصادر؛ ليتم التوافق بينه وبين العرض للمصادر في صلب الكتاب.
واللهَ أسألُ أن يجعله عملًا خالصًا لوجهه الكريم؛ إنه سميع مجيب.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
العزيزية - مكة المكرمة
الاثنين ٢٧/ ١/ ١٤١٠هـ
الموافق ٢٨/ ٢/ ١٩٨٩م
المؤلف
عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان
قسم الدراسات العليا الشرعية
جامعة أم القرى - مكة المكرمة
стр. 4
كلمة شكر:
أسهم في إخراج هذا الكتاب وتقويم مادته العلمية واستكمالها عددٌ من الأساتذة الأكاديميين، ذوي الكفاءة العلمية العالية، وعددٌ من الإخوة الأدباء والمثقفين بما قدموه من نقد بَنَّاء، واقتراحات مفيدة على صفحات الدوريات المتخصصة، والصحف اليومية، أو عبر مراسلات شخصية، وهذا -لا شك- يدل على إحساس علمي رفيع، وتقدير للمسئولية التعليمية حق قدرها، وقد أفاد المؤلف من تلك المقترحات الشيء الكثير، فإخراج هذا القسم "كتابة البحث العلمي" منفصلًا عن مصادر الدراسات الإسلامية، والإضافات الجديدة، وإعادة صياغة بعض الموضوعات -تجاوبٌ صادق لتلك المقترحات والنقد البناء.
والمجال لا يتسع هنا لذكر أسمائهم جميعًا، غير أني أخص بالذكر: المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ الدكتور إسماعيل الفاروقي ﵀ مؤسس المعهد العالمي للفكر الإسلامي بواشنطن، وأستاذ علم الأديان بجامعة تمبل في فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأمريكية.
والأستاذ الدكتور عبد الفتاح إسماعيل شلبي أستاذ علم النحو والقراءات بقسم الدراسات العليا بكلية اللغة العربية بجامعة أم القرى، فقد حظي هذا العمل منه بالرعاية منذ البداية.
وقد أفاد كل من الإخوة الأستاذ الدكتور عباس صالح طاشكندي أمين المجلس العلمي سابقًا بجامعة الملك عبد العزيز.
стр. 5
والدكتور هشام عبد الله العباس عميد شئون المكتبات سابقًا بجامعة الملك عبد العزيز بالكثير من خبراتهما في تطوير القسم الأول من الكتاب.
كما أن للدكتور فؤاد عبد المنعم أحمد أستاذ السياسة الشرعية بجامعة أم القرى الفضل في تطوير قسم مصادر السياسة الشرعية.
ولا أنسى في هذا الصدد الإخوة طلاب الدراسات العليا بجامعة أم القرى الذين تجاوبوا مخلصين مع مادة "قاعة البحث"، فأفدت أثناء تدريسهم من ملاحظاتهم القيمة، واستدراكاتهم الدقيقة.
فللجميع مني أصدق الشكر، وأخلص التقدير.
المؤلف
عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان
مكة المكرمة
стр. 6
المحتويات:
الموضوع الصفحة
مقدمة الطبعة الرابعة ٥
كلمة شكر ٩
مقدمة الكتاب ١٩
القسم الأول: كتاب البحث العلمي صياغة جديدة
الفصل الأول: مباديء في البحث العلمي
البحث العلمي ٢٥
مدلوله - خصائصه
البحوث الجامعية ٣١
أقسامها - أنواعها
стр. 7
الباحث ٣٧
الإشراف العلمي ٤٠
جدول خطوات كتابة البحث ٤٤
اختيار موضوع البحث ٤٧
عنوان البحث ٥٣
خطة البحث ٥٥
عناصر الخطة ٥٨
الطريقة العلمية للبحث ٦٤
خطوات البحث العلمي ٦٧
مصادر البحث ٧٠
وسائل التعرف على المصادر ٧٤
القائمة الأولية للمصادر ٧٨
بطاقة التعريف بالمصادر ٧٩
نماذج تسجيل المعلومات عن المصادر ببطاقة التعريف ٨٢
الفصل الثاني: الإعداد
تدوين المعلومات ١٠٧
كيفية التعرف على أهمية الكتاب ١١٠
أهمية تدوين الأفكار العارضة ١١٠
طرق نقل المعلومات من المصادر ١١٢
تنظيم البطاقات ١١٦
اختيار المادة العلمية ١١٨
اقتباس النصوص ١٢١
стр. 8
الهوامش ١٢٤
أهميتها - وظائفها
طرق التهميش ومكانه من البحث ١٢٧
توثيق المعلومات ١٣١
١- التوثيق الكامل بالهامش ١٣٣
٢- التوثيق المختصر المباشر ١٥٣
نماذج كيفية توثيق المعلومات من المصادر حسب الطريقة المختصرة ١٥٧
٣- التوثيق بالأرقام ١٦٧
تدوين المصادر لدى تَكْرَار ذكرها ١٧٠
قواعد عامة لتوثيق المعلومات، والاقتباس ١٧٣
العلامات الإملائية ١٧٨
الفصل الثالث: الكتابة
كتابة البحث ١٨٧
كتابة مُسَوَّدَةِ البحث ١٩١
مقدمة البحث ١٩٦
خاتمة البحث ١٩٨
مراجعة البحث ٢٠٠
تنظيم قائمة المصادر "بيبلوجرافي" ٢٠٣
مقارنة بين تدوين المعلومات عن المصادر بالهامش، وتدوينها في قائمة المصادر البيبلوجرافية" ٢٠٧
стр. 9
الفصل الرابع: البحث في شكله الأخير
أولًا: تعليمات الطبع ٢١٣
تقديم ٢١٣
الطباعة ٢١٤
أرقام الصفحات ٢١٥
التصحيح والتعديلات ٢١٦
العناوين الرئيسة ٢١٧
العناوين الجانبية ٢١٧
الهوامش الجانبية ٢١٨
الفقرات الجديدة ٢١٩
الإحالات ٢١٩
الجداول والبيانات التوضيحية ٢١٩
العلامات الإملائية ٢٢٠
الورق ٢٢٠
التجليد ٢٢٠
ثانيًا: ترتيب الرسالة ٢٢٢
تقديم ٢٢٣
١- صفحة العنوان ٢٢٤
٢- صفحة البسملة ٢٢٥
٣- مستخلص الرسالة ٢٢٥
٤- تقديم أو "شكر، واعتراف" ٢٢٦
٥- قائمة محتويات البحث "الفهرسة" ٢٢٧
٦ المصطلحات والرموز ٢٢٧
стр. 10
٧- نصوص الرسالة ومباحثها ٢٢٨
٨- ملحقات البحث ٢٣١
٩- قائمة المصادر "البيبلوجرافية" ٢٣١
١٠- نظرة أخيرة على البحث ٢٣٢
١١- مناقشة الرسالة، ومعايير تقويمها ٢٣٢
стр. 11
مقدمة الكتاب:
الحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فإن هذا الكتاب يقدم تصورًا مختارًا لكتابة البحث العلمي ومنهج السير فيه، مقتبسًا مادته العلمية من كتب عديدة تمثل خبرات جامعية متقدمة في مؤسسات علمية متطورة، يردفها معايشة طويلة مع طلاب الدراسات العليا والبحث العلمي، فلا عجب أن يضم هذا الكتاب بن دفتيه النظريات ولخبرات المتقدمة في مجال البحث العلمي، متوخيًا في هذه المادة حاجة الطالب في هذه المرحلة.
حمل هذا الكتاب في طبعتيه السابقتين عام ١٤٠٠هـ، وعام ١٤٠٣هـ عنوان "كتابة البحث العلمي" ممثلًا للقسم الأول من "كتابة البحث العلمي ومصادر الدراسات الإسلامية".
توالت المقترحات بفصل هذا القسم عن القسم الآخر "مصادر الدراسات الإسلامية"، واقتضت التجربة التعليمية مع طلاب الدراسات العليا إضافة موضوعات جديدة تمس الحاجة إليها، وأعيدت صياغة الكثير منها، كما أعيد ترتيب الموضوعات وتنظيمها.
стр. 12
في ضوء هذه التغييرات والتطوير الجذري للكتاب مع رغبة الاحتفاظ بالعنوان القديم الذي اشْتُهر به في الوسط العلمي رأيت أن يصبح عنوانه: "كتابة البحث العلمي صياغة جديدة"؛ فقد عرض الكتاب فيما عرض من موضوعات جديدة إلى تحديد مفهوم "البحث العلمي" بصورة دقيقة وعنوان مستقل؛ لترسيخ معناه الصحيح لدى طلاب الدراسات العليا، كما تحدث بنفس الطريقة عن "الموضوعية" و"المنهجية" و"الباحث" و"الإشراف العلمي"؛ ليخدم المدرس والطالب سويًّا نحو الاتجاه السليم في هذه المرحلة الدراسية العالية.
كما شرح الخطوات المقترحة للسير في البحث في موضوع مستقل بعنوان: "الطريقة العلمية للبحث".
ومن الموضوعات الجديدة التي ضمها هذه الكتاب عَرْضُ طرق أخرى من التوثيق غير ما ألفناه ودرجت عليه الجامعات في الشرق، وهو ما أسميته بـ"التوثيق المباشر المختصر"، وإن كانت التسمية باللغة الإنجليزية هي: "Parenthetical Documentation"، وهي طريقة جديدة من التوثيق تحتوي على ثلاثة أنواع، فرأيت من الأفضل ألا أغفل عرض هذا وشرحه في هذا الكتاب؛ حيث يتحقق من خلاله التوثيق العلمي المطلوب، بالإضافة إلى توفير الوقت والجُهْد للباحث.
دخل الحاسب الآلي "الكومبيوتر" عالمنا الجديد، وأضحى وسيلة متقدمة، تسجل على أشرطتها ألوان المعرفة الإنسانية قديمها وحديثها، فأصبح مصدرًا من المصادر التي تزود الباحثين بالمعلومات، فتعرض هذا الكتاب في صياغته الجديدة إلى توضيح كيفية توثيق المعلومات المقتبسة منه.
وأخيرًا وليس أخيرًا، فقد قدم الفصل الرابع من هذا الكتاب معلومات تفصيلية لتعليمات طبع البحث، وما ينبغي أن يكون عليه في
стр. 13
شكله الأخير.
ومن الإضافات المهمة فيه "مناقشة الرسالة العلمية ومعايير تقويمها".
ولا أريد أن أعدد هنا ما استجد أو جدد في مادة هذا الكتاب تفصيلًا؛ فقد أريد له أن يكون جديدًا موضوعًا، ومنهجًا في هذا المجال، وعسى أن يكون قد تحقق له.
وإني أسأل المولى الكريم أن يكون محققًا للأهداف المتوخاة منه، مساعدًا للباحثين في تصحيح مسارهم؛ حتى تخرج الأبحاث والدراسات في مستوى العصر شكلًا ومضمونًا. والله من وراء القصد، وهو نعم المولى، ونعم النصير.
أ. د. عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان
مكة المكرمة - جامعة أم القرى
٧/ ٨/ ١٤٠٦ الموافق ١٦ إبريل ١٩٨٦م
стр. 14
الفصل الأول: مبادئ في البحث العلمي
البحث العلمي مدلوله وخصائصه
...
الفصل الأول: مبادئ في البحث العلمي
البحث العلمي مدلوله - خصائصه:
البحث: كلمة لها مدلول لغوي عام تعني: طلب الشيء، وإثارته، وفحصه.
هذه المعاني كلها مجتمعة تشير بالفعل إلى طبيعة البحث العلمي؛ إذ هو طلب لمجهول، يستدعي إثارة كل ما يمكن أن يمد الباحث بمعلومات مفيدة في مجال البحث، والتنقيب عنه، ثم فحص ما تجمع من تلك المعلومات لطرح ما ليس ذا صلة بالبحث المطلوب وإبعاده، ثم دراسة وتحليل ما تبقى مما له به صلة مباشرة، أو يساعد على دراسة جانب من جوانبه.
ويُعرِّف العلماء المتخصصون البحث بأنه: عملية علمية تُجمع لها الحقائق والدراسات، وتُستوفى فيها العناصر المادية والمعنوية حول موضوع معين دقيق في مجال التخصص، لفحصها وفق مناهج علمية مقررة، يكون للباحث منها موقف معين؛ ليتوصل من كل ذلك إلى نتائج جديدة.
هذه النتائج هي ثمرة البحث، والغاية التي ينشدها الباحث من وراء العملية العلمية الفكرية، سواء كانت نظرية أو تجريبية، وهي ما يعبر عنها علميًّا بـ"الإضافة الجديدة" المطلوبة في البحوث العلمية العالية.
وهذا شيء مهم جدًّا؛ بل هو عنصر أساسي في البحث؛ ليتطابق الاسم مع المسمى، والعنوان مع المضمون.
стр. 15
والإضافة الجديدة في البحوث تتخذ صورًا شتى؛ فقد تكون أفكارًا جديدة في المجال العلمي، كما تكون حلًّا لمشكلة علمية، أو بيانًا لغموض علمي، إلى غير ذلك من الأغراض المطلوبة مما يتفق ومدلول كلمة "البحث العلمي"١.
فحينما يحقق العمل العلمي واحدًا من هذه الأغراض تتحقق أساسياته، ويتجلى فيه معناه الحقيقي بأوضح صورة، ويصدق عليه حينئذ أنه إضافة جديدة للمعرفة.
وفي المقابل، فإن كثيرًا من الأعمال العلمية التي تختلف بطبيعتها عن "البحث العلمي" لا يمكن أن يطلق عليها هذا العنوان؛ من ذلك:
المؤلفات التقريرية التي لا تتجاوز إعادة الصياغة والتقسيمات.
ما كان جمعًا لمعلومات ووصفًا لها فقط.
الكتاب الدراسي مهما بلغت جودته، أو أهميته في مجال التدريس، فليست هذه من قبيل البحث العلمي٢؛ لأنها تقرر حقائق معلومة، وقضايا مسلمة في مجال التخصص، وجمع المعلومات في البحث العلمي هو جزء منه؛ ولكنه ليس هو كل البحث أو الجزء الأهم فيه. كما لا يعد من البحث أنواع الدراسات الآتية:
جمع المعلومات التاريخية وحدها لا يسهم بجديد إلى المعرفة، إذا لم يكن ثمة تحليل لها، أو فحص للأفكار التي تضمنتها.
وصف حالة من الحالات، أو قضية من القضايا إذا لم يكن توضيحًا لنظرية، أو أفكار جديدة.
стр. 16
تطوير مشروع علمي يعتمد على معلومات معروفة في مجال التخصص لا يعد في نطاق البحوث العلمية الأصيلة؛ إلا في حالات مقارنة النتائج والدراسات.
تطوير طريقة معينة، أو نظام معين، ووضعه موضع التنفيذ في مجال من المجالات الاجتماعية، أو التجارية، أو الحكومية، أو الجامعية، ربما يكون نشاطًا مبتكرًا؛ ولكن لا ينطبق عليه مفهوم البحث.
ربما يضع الدارس برنامج كمبيوتر لعمل إحصائية تحليلية، قد يكون هذا مشروعًا جيدًا ومفيدًا؛ ولكن لا يمثل بحثًا يستحق به درجة علمية جامعية، ليس لشيء؛ ولكن لأنه يمثل تطوير مشروع لا يضيف للعلم جديدًا١.
ومن باب أَوْلَى ألا تعد المقالات الطويلة أبحاثًا، وبخاصة إذا كانت تقدم معلومات مسلمة، فللبحث العلمي طبيعته وخصائصه.
الحجم في البحث العلمي طولًا أو قصرًا ليس معيارًا من المعايير التي تقاس بها الأبحاث، أو يحكم عليها من خلاله؛ ولكنه المضمون، والخصائص، والجوانب الفنية التي تصاغ في ضوئها، وحسب قوانينها.
أما خصائص البحث العلمي، فأهمها:
أولًا: الموضوعية: ويقصد منها الباحثون جانبين مهمين؛ هما:
أ- حصر الدراسة، وتكثيف الجُهْد في إطار موضوع البحث، بعيدًا عن الاستطراد، والخروج عن موضوع البحث إلى نقاط جانبية هامشية، مما يسبب تشتيت أفكار القارئ، وهو
стр. 17
من قبل هذا جُهْد يأتي على حساب الموضوع الرئيس، فيؤثر على مستواه، في حين أن المفروض الاحتفاظ للبحث بكل مجهود ومساحة على صفحاته.
ب- تجرد الأفكار والأحكام من النزعات الشخصية، وعدم التحيز مسبقًا لأفكار، أو أشخاص معينين، فالهدف الأول والأخير من البحث هو التوصل إلى الحقيقة كما هي، مؤيدة بالأدلة والشواهد، بعيدة عن المؤثرات الشخصية والخارجية، التي من شأنها أن تغير الموازين.
".... وليست أهمية العلوم وعظمتها في الحقائق التي كشفت عنها، بقدر ما هي كامنة في الطريقة، وفي الروح العلمية التي تبحث بها الحقائق"١.
ثانيًا: المنهجية: نسبة إلى المنهج؛ وهو طريقة تنظيم المعلومات؛ بحيث يكون عرضها عرضًا منطقيًّا سليمًا، متدرجًا بالقارئ من السهل إلى الصعب، ومن المعلوم إلى المجهول، منتقلًا من المسلمات إلى الخلافيات، متوخيًا في كل ذلك انسجام الأفكار وترابطها. جاء تعريفه بأنه: "فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين نكون بها جاهلين، وإما من أجل البرهنة عليها للآخرين حين نكون بها عارفين"٢.
стр. 18
" ... إن المهم بالدرجة الأولى من هذا التدريب العلمي فحص خبرة الكاتب، وقدرته الفنية التي يبرزها، والتي تظهر من خلال استعماله للمعلومات في موضعها الصحيح"١.
ولئن كانت هذه هي أهم خصائص البحث العلمي ومكوناته، فهناك أمور أخرى مهمة تدل بنفسها على أصالة البحث، وجودته، والتزامه المنهج العلمي الصحيح.
" ... فالبحث العلمي يُعرف من العنوان الذي يجمع بين الجدة والدقة والتبويب، وما بين الفصول والفقر من ترابط وتجانس وتناسب، والهوامش، وما هي عليه من إيجاز في الدلالة على المصادر، ثم ما يصحب كل ذلك من فهارس، وقائمة تامة للمعلومات عن المصادر والمراجع....
وإذا كانت هذه الأمور أدخل بالجانب الشكلي من البحث، فإن قراءة فقرة هنا وهناك بن المقدمة والخاتمة تؤيد علمية البحث، إذا وقع القارئ على حسن الرأي، وجودة المناقشة، وشخصية الكاتب، وسيطرته على المادة، وإعرابه عن كل ذلك في لغة سليمة، جميلة، بعيدة عن التطويل والثرثرة، وكلما زاد في القراءة ازداد قربًا من المؤلف...."٢.
стр. 19
والبحث العلمي يُقوَّم بمقدار جدواه العلمية والاجتماعية، وبقدر ظهور شخصية الباحث المتمثلة في أصالة أفكاره، المبنية على أساس من تفهم المادة العلمية، ومنهجيته في عرضها، ومناقشتها بأسلوب علمي هادئ متجرد، والتزام الجوانب الفنية المطلوبة للبحث.
"فالشيء الأساسي -والذي ينبغي أن نحفظه دائمًا في عقولنا- هو أن الدراسة والبحث ليست مجرد تجميع البيانات والمعلومات والحقائق ... ؛ ولكن تفسير الباحث لهذه الحقائق، وبيان معانيها، ووضعها في إطار منطقي مفيد هو الذي يميز التفكير العلمي عن سواه، فالبحث يتطلب الفكر.... ومن هنا كان التفكير الذي يتضمنه البحث هو ما يسمى بالتفكير العلمي النقدي "Critical Thinking"١.
стр. 20
البحوث الجامعية أقسامها وأنواعها
...
البحوث الجامعية أقسامها أنواعها:
البحوث الجامعية أقسام وأنواع حسب المستوى والتخصص.
أما من حيث المستوى فهي على قسمين:
أ- بحوث على مستوى المرحلة الجامعية الأولى "البكالوريوس".
ب- بحوث على مستوى درجتي الماجستير والدكتوراه.
وليس من الصعب التمييز بين هذين القسمين.
البحث على مستوى المرحلة الجامعية الأولى "البكالوريوس":
تقتضي طبيعة البحث على هذا المستوى تجميع المادة العلمية من مصادرها الأصلية والثانوية، وإعادة صياغتها في أسلوب علمي واضح، وبطريقة منهجية منظمة، ليس من الضروري في مثل هذه البحوث أن يدون الطالب آراءه الخاصة، أو انطباعاته الشخصية حول الفكرة الأساسية، لأن المقصود من هذا في هذه المرحلة هو تدريب الطالب على منهجية البحث، وممارسة المصادر، والقدرة على اختيار المادة العلمية المطلوبة والمناسبة، ثم تنظيمها، والتوفيق بينها، وصياغتها في أسلوبه الخاص، وأمثال هذه البحوث في حقيقتها لا تعدو أن تكون تقارير علمية.
البحث على مستوى الماجستير والدكتوراه:
محور الدراسة في مثل هذه البحوث موضوع معين، ذو إطار محدود، يجمع له الباحث ما أمكن من: دراسات، وأفكار، وبيانات، ومعلومات،
стр. 21
يتفحصها وينقدها بموازين النقد العلمي السليم، ويضع فيها تحليلاته وتفسيراته، وما يتوصل إليه من آراء، مؤيدًا كل هذا بالأدلة والبراهين والشواهد، وأن يكون له موقف من القضايا المعروضة بعامة، ومن موضوع البحث الأساسي بخاصة، يكون لها أثر في مجال المعرفة.
"وفي حالة الدكتوراه بخاصة ينبغي أن يكون الموضوع شديد التحديد، بعيدًا عن الشمول والعموميات، يكرس على الأصالة والتجديد، فيختار الطالب موضوعًا دقيقًا، ويعالجه معالجة تحليلية علمية"١.
هذا النوع من البحوث هو الذي يتقدم بالبحث العلمي، ويضيف الجديد من المعلومات والأفكار.
في ضوء هذا المستوى من البحوث تمنح الجامعات العريقة الدرجات العلمية العالية: الماجستير والدكتوراه؛ حيث الأصالة والجدة شرط أساسي لمنحهما٢.
والبحوث الجامعية متنوعة تنوع التخصصات، ومجالات المعرفة؛ إلا أنها جميعًا تقع تحت واحد من الأنواع التالية:
أولًا: البحث الوصفي.
ثانيًا: البحث التاريخي.
ثالثًا: البحث التطبيقي.
стр. 22
قد يجمع البحث الواحد بين نوعين فأكثر في آنٍ واحد؛ حيث تستوجب الدراسة ذلك.
وفيما يلي تعريف مختصر بخصائص كل واحد منها:
أولًا: البحث الوصفي: يطلق عليه أحيانًا "البحث غير التطبيقي".
موضوعه الوصف والتفسير والتحليل في العلوم الإنسانية من دينية واجتماعية وثقافية، ولما هو كائن من الأحداث التي وقعت لملاحظتها، ووصفها، وتعليلها، وتحليلها، والتأثيرات والتطورات المتوقعة، كما يصف الأحداث الماضية، وتأثيرها على الحاضر، ويهتم أيضًا بالمقارنة بين أشياء مختلفة أو متجانسة، ذات وظيفة واحدة، أو نظريات مسلمة.
من أهم خصائص البحث الوصفي:
١- يبحث العَلاقة بين أشياء مختلفة في طبيعتها لم تسبق دراستها، يتخير منها الباحث ما له صلة بدراسته لتحليل العَلاقة بينها.
٢- يتضمن مقترحات وحلولًا مع اختبار صحتها.
٣- كثيرًا ما يتم استخدام الطريقة المنطقية:
الاستقرائية - الاستنتاجية١.
"Inductive - Deductive"
للتوصل إلى قاعدة عامة.
٤- طرح ما ليس صحيحًا من الفرضيات والحلول.
٥- وصف النماذج المختلفة والإجراءات بصورة دقيقة كاملة بقدر المستطاع؛ بحيث تكون مفيدة للباحثين فيما بعد.
стр. 23
وهنا يحسن التفريق بين دراسات أخرى مشابهة تلتبس بهذا النوع من البحوث؛ وهي:
أ- التقدير: Assessment
ب- التقويم: Evaluation
وفيما يلي التفريق بينها.
أما التقدير: فإنه يصف ظاهرة حالة من الحالات في وقت معين من دون الحكم عليها، أو تعليلها وذكر أسبابها، أو إعطاء توصية بخصوصها، كما لا يتحدث عن فاعليتها؛ إلا أنه ربما تطلب بعض الأحكام والآراء لبعض الحالات؛ بقصد عرضها لما لا يمكن توقعه.
التقويم: في حين أن التقويم يضيف إلى الأوصاف الحكم على الوسائل الاجتماعية، وما هو المرغوب فيه، ومدى تأثير الإجراءات والإنتاجية والبرامج، كما يتضمن أحيانًا توصيات لبعض ما ينبغي اتخاذه.
هذه الثلاثة الأنواع المتشابهة "البحث الوصفي - التقدير - التقويم" متقاربة، ويكاد لا يُفرَّق بينها، فهي جميعًا طريق للوقوف على معلومات تتطلب خبرة وموضوعية وتنفيذًا دقيقًا.
كلها تستعمل أسلوبًا متشابهًا في الملاحظة والوصف والتحليل، والفرق بينها يكمن في الأهداف التي يرمي إليها الباحث، وتعامله مع المعلومات والنتائج المتوخاة منها.
ثانيًا: البحث التاريخي
إذا كان التاريخ هو سجل الحياة الإنسانية ومنجزاتها، فإن البحث التاريخي يوضح حقائق العَلاقات بين الأشخاص والأحداث والزمان والمكان، نحن نقرأ التاريخ لنفهم
стр. 24
الماضي، ولنتفهم الحاضر في ضوء الماضي وتطوره.
التحليل التاريخي يكون لأشخاص، أو لأفكار، أو لحركة، أو لمؤسسة علمية، مع دراسة تفاعلاتهم مع الأطفال، والحركات، والبيئة، والمؤسسات في زمانهم، وليس بمعزل عنها.
فالبحث التاريخي لا يتم إلا باستخدام الطريقة العلمية لوصف الأحداث وتحليلها مع ما حولها تأثرًا وتأثيرًا.
يحصل المؤرخون على إحصائياتهم من الملاحظة وتجارب الآخرين إذا لم يكونوا في موقع الحدث، كما لا بُدَّ لهم من استعمال الحس المنطقي لإكمال ما يبدو غير كامل من الأحداث.
المصادر الأولى في هذا المجال هي الشهادات، أو ما تبقى من الآثار مثل: العظام، أو الملابس، أو الآلات والأدوات المنزلية "Utensils, Fossils" والأطعمة، والأسلحة، والنقود، وغيرها من الأشياء التي تفيد في البحث التاريخي.
التسجيل التاريخي المتمثل في الوثائق والسجلات يعد مصدرًا آخر أساسيًّا للتزود من المعلومات؛ مثل: الدساتير، والقوانين، والأحكام القضائية، الصحف، الخطابات، العقود، الوصايا، الشهادات، المجلات، الأفلام، التسجيلات الصوتية، والأبحاث.
ثالثًا: البحث التطبيقي
يقوم الباحث فيه بإجراء تجارب ودراسة عينات، أو حالات طبيعية، وملاحظة تغيراتها وتأثراتها، تتم بطريقة علمية منظمة. والباحث في هذا المجال لَا بُدَّ أن يكون ذا
стр. 25
دراية تامة بالنظريات الأخرى التي تؤثر في نتائج ما يقوم به من تجارب، وذا قدرة على تحويرها أو ضبطها؛ بحيث يستخلص منها نتائج جديدة.
تحديد الباحث للمشكلة يستهدف إجابة عملية، أو طرح فرضيات أخرى. إنه يفحص الفرضيات للتأكد من صحتها أو إبطالها في ضوء ما يجريه من تجارب وملاحظات.
والمختبر هو المكان التقليدي لإجراء التجارب العلمية؛ حيث يمكن ضبط التأثيرات والتفاعلات ومراقبتها.
إن الهدف المباشر من البحث التطبيقي هو اكتشاف جديد للتجربة التي يقوم بها الباحث؛ للوصول في النهاية إلى نظرية عامة من عَلاقات الأشياء بعضها مع البعض الآخر؛ بما يمكن تطبيقه خارج المختبر بشكل واسع١.
стр. 26
الباحث:
شخص توافرت فيه الاستعدادات الفطرية والنفسية، بالإضافة إلى الكفاءة العلمية المكتسبة التي تؤهله مجموعة للقيام ببحث علمي.
فالتأهيل العلمي المسبق في مجال البحث، والتزود من المعارف بقدر كافٍ مطلبٌ أساسي لإيجاد الباحث، وتكوين شخصيته العلمية.
الباحث الأصيل هو الذي يتطلع إلى المجهول للخروج بالجديد من الأبحاث والأفكار، وهو يبدأ من حيث انتهى السابقون، وفي سبيل تحقيق هذه الغاية يبحث عن المصادر الأصلية، ويركز اهتمامه عليها.
وهو يتميز بالمرونة الفكرية التي تحمله على تقدير أعمال الآخرين، وتفهم اجتهاداتهم -وإن خالفوه الرأي- في تقدير واحترام، وإنصافهم -نقلًا لآرائهم، أو تفسيرًا لمواقفهم- دون تحيز أو تحامل.
الباحث هو مَن له القدرة على تنظيم المعلومات التي يريد نقلها إلى القارئ تنظيمًا منطقيًّا له معناه ومدلوله، مرتبًا أفكاره ترتيبًا متسلسلًا في أسلوب علمي رصين، بعيد عن الغموض والإطالة، فـ"العلم بالشيء وحده لا يُكوِّن باحثًا بالمعنى الحديث، قد يكون المرء علَّامة في الأدب: أعلامه، عصوره، شعره، مصادره، وفي اللغة نحوها: صرفها، فقهها، تاريخها ... ؛ ولكن ذلك لا يعني حتمًا أنه يستطيع أن يكتب بحثًا منهجيًّا، ولا ينفعه مع علمه ما له من صبر وتتبع وحافظة، وأنه زاول البحث في الكتب والمصادر مرارًا، إنه يبقي حيث هو.
стр. 27
والسبب معروف؛ ذلك أن المقدرة على التنظيم أمر لا يُستهان به، ولا يستغنى عنه، وما كل امرئ بمستطيع تبويب المادة، وتوحيد أجزائها، ووضع كل منها في مكانه اللائق به بقدره المناسب، بعد طرد ما هو تافه وخارج عن الموضوع.
إنك الآن تبني، وتُكوِّن من موادك الخام عمارة، ولَا بُدَّ أن تكون مهندسًا بارعًا ليجيء عملك متناسقًا مترابطًا متكاملًا من دون زيادة هنا أو نقص من هناك، ومن دون اضطراب أو تفكك...."١.
والأمانة العلمية المتمثلة في نسبة الأفكار والنصوص إلى أصحابها -مهما تضاءلت- هي عنوان شرف الباحث؛ بل الشعار الذي يعلنه في كل خطوات البحث.
والصبر على متاعب البحث ومشكلاته رياضة يأخذ بها الباحث نفسه؛ تجعل البحث شغله الشاغل في جميع الأوقات، يبعد بعد الملل عن نفسه، فمن ثَمَّ تتكشف له جوانب البحث، وتَتَابع الأفكار، وتنقاد له المعاني.
والتأني لازم من لوازم البحث العلمي، وصفة جدير أن يتحلي بها الباحث؛ حتى يتمكن من تكوين الانطباع السليم، وتأسيس أحكام وتقديرات صحيحة.
والإخلاص للبحث هو رُوح العمل العلمي وسر الإبداع؛ حيث لا يضن الباحث في سبيل كماله بمال، أو جُهْد، أو وقت، أو تفكير.
هذا كله في الحقيقة مظهر الحب الصادق، والرغبة الطموح في البحث بشكل عام، والموضوع الذي وقع عليه الاختيار بشكل خاص، "فالعلم لا يعطيك خالص الحكمة حتى تعطيه خالص المحبة".
стр. 28
إن اكتساب القدرة على القيام ببحث علمي منهجي مكتمل الجوانب ليس بالأمر السهل؛ ولكن التدريب المتواصل، والاستعداد الفطري والعلمي، والإصغاء إلى توجيهات الأساتذة المتخصصين، كفيلة أن تنمي مواهب الطلاب، وتضاعف قدراتهم على البحث بصورة مستقلة، وهو الهدف الأساسي في برامج البحوث في الدراسات العليا بالجامعات.
стр. 29
الإشراف العلمي:
هو توجيه أستاذ متخصص طالبَ البحث إلى المنهج العلمي في دراسة موضوع ما، وكيفية عرض قضاياه، ومناقشتها، واستخلاص النتائج منها، وفق المعايير العلمية المقررة.
ليس هذا فحسب؛ ولكن استثارة مواهب الطالب، وتنمية مَلَكَتِهِ أهم ما يوليه عنايته، ويركز عليه جهوده في سبيل إيجاد باحث يستقيم له التفكير، يلتزم منهجية البحث، وموضوعية المناقشة.
يضطلع بمهمة الإشراف العلمي عادة أساتذة متخصصون في الجامعات، ممن لهم ممارسة طويلة في مجال البحوث العلمية تأليفًا وتوجيهًا، تهيئوا لهذا العمل الفكري القيادي من خلال تجاربهم الطويلة، ودراساتهم الجادة، ونتاجهم العلمي الرفيع، الخاضع للمقاييس العلمية، والمعايير الجامعية المعتبرة.
هذا النموذج من العلماء المتخصصين هم الأَكْفَاء، المهيأون فعلًا للإشراف العلمي، القادرون على نقل الخبرات العلمية المتقدمة للأجيال الناشئة.
والمشرف العلمي الجدير بهذا العمل هو الذي يحاول تجديد معلوماته، ومعرفة ما استجد في مجاله العلمي، وكما يكون هذا بالقراءة، فإنه يتحقق أيضًا بحضور الندوات العلمية، وكتابة الأبحاث.
إن النتاج العلمي المتميز لعضو هيئة التدريس بالجامعة، وثقافته الواسعة، ومرونته الفكرية، هي القاعدة الأساسية لاختياره لتحمل
стр. 30
مسئولية الإشراف العلمي. فمثل هذا هو الذي يمكن أن يستفيد منه الطالب، ويفيد في مجال البحث.
لس الإشراف عملًا روتينيًّا أو إداريًّا يستطيع أن يقوم به أي عضو في هيئة التدريس إذا لم يمارس البحث العلمي بعد حصوله على الدرجة العلمية؛ إذ إن حصوله عليها هو البداية، فهو لا يزال في المرحلة الابتدائية في مجال البحوث؛ حتى تترسخ في نفسه عن طريق متابعة النتاج العلمى الرصين.
دَوْرُ المشرف هو دور المدرس والباحث معًا، فهو يوجه الطالب في مراحله التعليمية الأخيرة؛ ليضطلع بمسئولية التخطيط والبحث في حرية تامة، ويرشده إلى المصادر، وطريقة السير في البحث؛ بما يوفر عليه الجُهْد والزمن، إلى جانب معايشته للموضوع، ومشاركته الطالب في حل مشكلات البحث وهمومه، وتذليل صعوباته بما يعده باحثًا آخر إلى جانب الطالب.
عادة ما يبدو الطالب مضطربًا في بداية البحث، يمتلكه شعور من القلق نحو قدرته على إنجاز ما هو متوقع منه، فهو يتطلع إلى مساعدة المشرف، وينظر إليه بأنه أحد الذين أنجزوا الكثير من الأبحاث، وأن لديه القدرة أن يعلمه طريقة إنجازه، وأن يقدم له من خبراته وما يحتاج إليه من معارف ومهارات؛ إلا أن اهتمام المشرف منذ البداية بمدى صلاحية الموضوع، وبث الثقة في نفس الطالب في قدرته على معالجة قضايا البحث كفيلة أن تشيع في نفسه الطمأنينة، وتعيد إلى نفسه الثقة المطلوبة.
الطالب مسئولية المشرف، وأمانة لديه، يحتاج إلى عنايته ورعايته، يُقوِّم أفكاره، ويبرز مواهبه، ويوجهه إلى ما هو الأفضل له في جميع الحالات، واستغلال كل الفرص في إنجاح بحثه وتقدمه.
стр. 31
عَلاقة المشرف بالطالب في صورتها المثالية عَلاقة والد بابنه، يظللها الحب والتقدير، وتحوطها الثقة المتبادلة، إن لم تكن عَلاقة صداقة.
وإذا كان المشرف بهذه المثابة فليس غريبًا أن يتنوع أسلوب تعامله مع الطالب، إقناعيًّا تارة، وتشجيعيًّا أخرى، كما أن له أن يتخذ منه موقفًا حازمًا أحيانًا عندما يلمس منه الاسترخاء وعدم التجاوب.
سيكون كل هذا مقبولًا ومعقولًا إلى درجة كبيرة عندما يشعر الطالب بأن المشرف يتصرف تصرفًا مجردًا، بعيدًا عن المصالح الشخصية، والتحيزات الفردية.
بناء شخصية الطالب العلمية وتعويده الاستقلال في الرأي هدفان أساسيان من أهداف هذه المرحلة، وليس مما يحمد للمشرف تدخله المستمر، وافتراض قصور الطالب وعجزه، فهذا من شأنه القضاء على قدرته الإبداعية، وإضعاف مواهبه، ومحو شخصيته.
إذا كان مفهومًا أن الوالد يدافع عن ابنه تحت أي ظرف وحالة؛ إلا أن مثل هذا من المشرف العلمي عُد -بلا شك- تجاوزًا لحدوده، وذَهَابًا إلى أبعد مما يتطلبه السلوك المعقول١.
كل هذا يجعل المشرف يبتعد عن بعض المواقف التي تؤثر على سمعته، وسمعة المؤسسة التي يعمل فيها؛ وذلك كاستغلال الطالب في مصالحه الشخصية، أو قبول خدمات، أو تسهيلات مادية، أو إدارية، أو تقبل هدايا، وغير ذلك مما يقدم عليه ضعاف النفوس، بنوايا غير حسنة.
стр. 32
المشرف في نظر الطالب والهيئات العلمية التي وضعت ثقتها فيه هو القدوة فيما يتصل بالمنهج العلمي والأمانة العلمية، وهو أرفع من أن يدعي عمل الطالب لنفسه لأي غرض من الأغراض دون نسبته إليه، وهو بهذا يعطي مثلًا للأجيال التي تنشأ على يديه، تحسن إذا أحسن تدريبها وتربيتها، وتسيء إذا أساء.
الإشراف بالنسبة للطالب هو فرصته المتاحة للاستفادة من خبرات المشرف العلمية والمنهجية بعامة، وفيما يتصل ببحثه بخاصة، فعليه إيجاد الوسائل والسبل التي يستطيع بها أن يستفيد قدر الإمكان من تجارب المشرف وخبراته العلمية.
إن شعور الطالب بأهمية الوقت الذي يقضيه مع المشرف يدفعه للحرص على استغلاله، والاستفادة منه، وإعطاء أهمية كبرى لاقتراحاته وآرائه وتوجيهاته؛ إذ إن هذه تمثل المساعدة الحقيقية التي يقدمها المشرف ليشق الطالب طريقه للبحث والدراسة.
تحضير الأسئلة والنقاط المشكلة مسبقًا، وتدوين الإجابة حالًا بعد عرضها على المشرف مهم جدًّا، وكفيل بنجاح البحث وتقدمه.
إن الحياء أو التردد أو الخوف من سؤال المشرف أو استشارته يجب ألا يكون لها مكان في نفس الطالب؛ فإن المشرف لم يوجد في مكانه إلا لمساعدة الطالب.
ليكن الطالب على ذكر أنه سيكون أكثر حاجة إلى مساعدة المشرف عندما يكون في شدة وحرج، أو يكون متأخرًا في عمله وقد ضاق به الوقت، فإذا عرض له شيء من هذه الحالات؛ فليحاول ألا ينفرد بالعمل؛ فإن خبرة المشرف ستكون خير عون له في مثل هذه الحالات، ومعرفة الخطوات المطلوبة.
стр. 33
جدول خطوات كتابة البحث:
يقدم الجدول التالي صورة كاملة بمراحل كتابة البحث من البداية حتى النهاية، وهو بمثابة دليل يوضح للباحث الخطوات التفصيلية، وما ينبغي استكماله في كل منها، بالإضافة إلى أنه يبين له مصدر الخلل حن تكون الإجابة من قبل الباحث نفيًا؛ أي بـ"لا"، مشيرًا إليه بالسهم ليعود فيستكمل النقص، فإذا وفاها بحثًا تقدم إلى الخطوة بعدها، وهكذا.
стр. 34
اختيار موضوع البحث "المشكلة ":
إن إحساس الدارس الملح بوجود موضوع جدير بالدراسة، أو شعوره بوجود مشكلة يراد حلها، هما البداية المنطقية للقيام ببحث علمي أصيل.
هذا هو السبيل السليم إلى الإبداع الفكري والأصالة العلمية؛ إذ إن أفضل البحوث وأرفعها ما كان مصدره الإلحاح الداخلي والرغبة الذاتية، فالاختيار الشخصي للبحث مهم جدًّا في تقدمه وتفوقه.
أثبتت التجربة بين طلاب البحوث بأن الذين يتوفقون إلى اختيار الموضوعات بأنفسهم يكونون أكثر تفوقًا، ونجاحًا، وسعادة بالعمل، من أولئك الذين يفرض عليهم بحث معين١.
وفي المقابل يُحذِّر العلماء والباحثون من اعتماد طالب الدراسات العليا على مقترحات الآخرين في اختيار موضوع البحث. يقول الدكتور شوقي ضيف:
"يجد ناشئة الباحثين صعوبة في اختيار موضوعات بحوثهم، وكثيرًا ما يلجئون إلى بعض الباحثين، وبخاصة من أساتذة الجامعات ليدلوهم على موضوعات يبحثونها. وهي طريقة خطرة؛ إذ قد يدلهم هؤلاء الباحثون على موضوعات لا تتفق وميولهم الحقيقية؛ فيتعثرون فيها، وقلما يحسنونها، ولعل في ذلك ما يجعل أول واجب على هؤلاء الناشئة ألا يلقوا بزمامهم في بحوثهم إلى غيرهم، وأن يعملوا على الاهتداء إليها من خلال قراءاتهم، وعكوفهم على كتب الباحثين من
стр. 35
قبلهم، يستعرضون موضوعاتها، ويقرءون فيها؛ حتى يستبين لهم موضوع يتفق وميولهم، ويحاولون بحثه ودراسته.....، ومن أخطر الأشياء أن يبدأ الباحث حياته عالة على غيره من الباحثين الذين سبقوه؛ فإن ذلك يصبح خاصة من خواص بحوثه، ولا يستطيع فيما بعد أن يتحول باحثًا بالمعنى الدقيق لكلمة باحث؛ فقد انطبع بطوابع التبعية لغيره، ولم يعد يشعر لنفسه بوجود حقيقي، فوجوده دائمًا تابع لوجود غيره؛ كوجود النباتات المتسلقة على الأشجار الشامخة"١.
والطريقة العملية في التوصل إلى اختيار بحث مناسب أن يتخير الباحث مجموعة من المصادر والكتب في حقل التخصص، متنوعة بين قديم وحديث، تمثل مدارس فكرية متنوعة، ومناهج علمية مختلفة، يعكف على تأملها، ودراسة موضوعاتها بتأنٍّ ورَوِيَّة، ولن تخونه هذه الدراسة في اكتشاف عدد من البحوث والموضوعات التي تحتاج إلي زيادة في الدراسة والبحث. سيجد بعد ذلك أمامه قائمة طويلة بعناوين كثيرة، يُلقي بعد ذلك عليها نظرة فحص واختبار؛ ليقع اختياره على أحدها مما يتوقع فيه مجالًا واسعًا للبحث والكتابة.
حسن اختيار الموضوع -أو المشكلة- هو محور العمل العلمي الناجح، وليضع الباحث في اعتباره أنه سيكون محور نشاطه، وبؤرة تفكيره لسنوات معدودة؛ بل ربما كان قرين حياته إذا استمرت نشاطاته الفكرية في اتجاهه، وليتوخَ في الاختيار ما يتوقعه من فوائد علمية في مجال التخصص، أو أهمية اجتماعية تعود بفوائدها على المجتمع، يستحق ما يبذل له من وقت وجُهْد ومال. فالمهم في هذه المرحلة "أن تتخير وتحصل على موضوع له فائدته، وقيمته العلمية في مجال التخصص، وأن
стр. 36
تضع في الاعتبار كل الاحتمالات المتوقعة قبل البدء؛ من حيث مناسبته للزمن المقدر لمثل هذه المرحلة الدراسية، وأن تكون هذه بداية لدراسة أوسع"١.
".... كثيرًا ما يستهوي الطالب موضوع جذاب؛ ولكن يتبين له أنه محدود للغاية، فلا يصلح لبحث طويل ينال عليه درجة علمية؛ وإنما قد يصلح لأن يكون موضوعًا لمقال يُنشر في إحدى المجلات المتخصصة، وكثيرًا ما يغير الطلبة موضوعات أبحاثهم بعد أن يكتشفوا ذلك؛ ولكن بعد أن يكونوا قد صرفوا وقتًا وجُهْدا كان أولى بهم أن يبذلوه فيما يعود بالنفع عليهم....."٢.
وفي سبيل اختيار موفق لدراسة موضوع علمي يستحسن أن يتفادى الباحث في هذا الاختيار الأمور التالية:
أولًا: الموضوعات التي يشتد حولها الخلاف؛ حيث إنها بحاجة إلى فحص وتمحيص، ومن الصعب للباحث أن يكون موضوعيًّا في الوقت الذي تكون فيه الحقائق والوقائع مختلفًا فيها؛ إذ ليس البحث مجرد عرض آراء المخالفين والمؤيدين فقط.
ثانيًا: الموضوعات العلمية المعقدة التي تحتاج إلى تقنية عالية؛ لأن موضوعات كهذه ستكون صعبة على المبتدئ في هذه المرحلة.
ثالثًا: الموضوعات الخاملة التي لا تبدو ممتعة، فإذا كانت المادة العلمية من الأساس غير مشجعة، فإنه سيصبح مملًّا وعائقًا من التقدم.
стр. 37
رابعًا: الموضوعات التي يصعب العثور على مادتها العلمية في مراكز المعلومات المحلية، وبصورة كافية، فليس من الحكمة أن يستمر الطالب في بحث تندر مصادره.
خامسًا: الموضوعات الواسعة جدًّا؛ فإن الباحث سيعاني كثيرًا من المتاعب، وعليه من البداية أن يحاول حصره وتحديده، بدلًا من طرحه كما خطر بباله.
سادسًا: الموضوعات الضيقة جدًّا؛ بعض الموضوعات قصيرة وضيقة، ولا تتحمل لضيقها تأليف رسالة علمية في حدودها، وسيصيب الباحث الكثير من العنت في معالجتها.
سابعًا: الموضوعات الغامضة؛ يتبعها غموض الفكرة، فلا يعرف الباحث ما الذي يمكن تصنيفه من المعلومات مما يدخل تحتها، والأخرى التي يجب حذفها منه، وينتج عن هذا أن الباحث ربما قرأ الكثير مما ليس له صلة أو عَلاقة بالموضوع؛ وحينئذ يصعب أن خرج برؤية وتصور واضح له١.
فإذا تم اختيار البحث على ضوء التعليمات السابقة -وهو الجانب الأول- فإن اختبار استعداد الباحث له هو الجانب الآخر، فليتلمس في نفسه مدى توافره على العناصر التالية: الكفاءة العلمية أولًا، والرغبة الصادقة في البحث ثانيًا.
أما بالنسبة للعنصر الأول -وهو الكفاءة العلمية- "فإن دراسة أي بحث من البحوث العلمية يتطلب مستوى علميًّا معينًا، وسيكون لهذا دوره الكبير في الإحاطة بالموضوع، وتحديد زمن دراسته.
стр. 38
والبحث بحاجة إلى وقت قد يطول وقد يقصر حسب طبيعة الموضوع، فمن الموضوعات ما يحتاج إلى رَوِيَّة وقراءة متأنية، ومنها ما يحتاج إلى الكتابة المسهبة، وكلاهما يستلزم الصبر.
وأما بالنسبة للرغبة في كتابة بحث بعينه، فإن نتائج هذا على البحث واضحة؛ إذ يكون أكثر متعة، والكتابة فيه تكون في مستوى أفضل؛ وبالتالي يتضاعف حماسه لإنهائه في أحسن شكل وأسلوب، وعلى العكس من ذلك، فإن الطلاب الباحثين يشعرون بالسآمة حالًا حينما لا يكون الموضوع ممتعًا أو مستهويًا لهم؛ ولهذا تأثيره في سيرهم في البحث بالبطء والإهمال، فمن المستحسن مقدمًا تبيُّن هذه الأحوال قبل التورط فيها، وهذا يتطلب إمعان النظر طويلًا، وبشكل دقيق في الموضوع الذي وقع عليه الاختيار، والتأكد من أهميته.
وأخيرًا، فإن موافقة المشرف على موضوع البحث هو حجر الزاوية، فمما لا شك فيه أن أكثر المشرفين من الأساتذة على الرسائل العلمية عندما يُعرض عليهم موضوع للموافقة عليه، ينظرون أولًا إلى مدى استعداد الطالب للقيام بتلك الدراسة، وإلى توافر المادة العلمية، ومصادر البحث ثانيًا. والمشرف الواعي هو الذي ينظر نظرة متساوية إلى الموضوع الذي وقع عليه اختيار الطالب بأنه مفيد ومهم، وإلى المستوى العلمي للطالب، ومدى استعداده لبحثه، ومعالجة موضوعاته"١.
اختيار الموضوع لا يعني تلقائيًّا تحديده، وبخاصة في الموضوعات العلمية والثقافية ذات العَلاقة بأكثر من علم أو فن، وحتى في الموضوعات المختصة بعلوم معينة، فإنها بحاجة إلى تحديد العناصر المطلوب دراستها.
стр. 39
فلَا بُدَّ أولًا قبل كل شيء من صياغة الموضوع -أو المشكلة- صياغة تتبين منها: أبعاده، طبيعته، عناصره، الإشكالات حوله، من كل هذه الأمور مجموعة يتوصل الباحث إلى تحديد الموضوع أو المشكلة بصورة دقيقة، ومنها ينطلق إلى وضع خطة البحث.
من المسلم به أن هذه المرحلة تعد من أصعب المراحل، وبخاصة بالنسبة للباحث المبتدئ؛ إلا أنه يساعد على التغلب عليها:
أولًا: قراءة كل ما له صلة بالموضوع -أو المشكلة- من البحوث والكتابات؛ بحيث يصبح على إلمام تام بكل ما كتب حولها أو في مجالها.
ثانيًا: الاستفادة من الخبرات العملية التي اكتسبها الباحث خلال السنين من القيام بعمل من الأعمال إذا كان ذا صلة بموضوع البحث -أو المشكلة مما يهيئ له كفاءة علمية جيدة في البحث.
ثالثًا: البحوث الماضية التي سبق للباحث القيام بها.
أما الباحث المبتدئ فإن استيعابه قراءة المكتوب في الموضوع -أو المشكلة- يعطيه الثقة بأهمية البحث، وأنه جدير بالدراسة. والبحث الجيد هو الذي يمد الباحث بالكثير من الأفكار، ويثير تساؤلات أكثر مما يقدم من إجابات١.
стр. 40
عنوان البحث:
العنوان هو مطلع البحث، وهو أول ما يصافح نظر القارئ؛ فينبغي أن يكون جديدًا مبتكرًا، لائقًا بالموضوع، مطابقًا للأفكار بعده؛ فهو الذي يعطي الانطباع الأول في عبارة موجزة، تدل بمضمونها على الدراسة المقصودة بها، والعنوان الجيد هو الذي يراعي الأمور التالية:
أولًا: أن يكون مفصحًا عن موضوعه.
ثانيًا: أن تتبين منه حدود الموضوع وأبعاده.
ثالثًا: ألا يتضمن ما ليس داخلًا في موضوعه.
رابعًا: إيحاؤه بالأفكار الرئيسة بصورة ذكية١.
والدراسة العلمية المنهجية تقضي بأن يحمل العنوان الطابع العلمي الهادئ الرصين، بعيدًا عن العبارات الدعائية المثيرة، التي هي أنسب وألصق بالإعلانات التجارية منها إلى الأعمال العلمية، كما يستبعد الباحث العناوين الوصفية المسجعة المتكلفة، التي لا تتناسب وأسلوب العصر الحديث.
يفضل في اختيار العنوان أن يكون مرنًا، ذا طابع شمولي؛ بحيث لو استدعت الدراسة التعرض لتفريعاته وأقسامه لما اعتبر هذا خروجًا عن