← Акыда

Акыда · id 8353

لوامع الأنوار البهية

السفاريني

Полный текст (921 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وَأَوَّلُ الْبُغْيَةِ آخِرُ الْمُدْرَكِ. وَيُقَالُ: إِنَّ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ - بِهَا صَارَ الْفَاعِلُ فَاعِلًا، فَمَنْ فَعَلَ فِعْلًا لِمَطْلُوبٍ، يَطْلُبُهُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ؛ كَانَ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ بَعْدَ الْفِعْلِ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ قَدِيمًا؛ كَانَ الْفِعْلُ قَدِيمًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَلَوْ قِيلَ: إِنَّهُ يَفْعَلُ لِعِلَّةٍ قَدِيمَةٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ مِنَ الْحَوَادِثِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ فَعَلَ لِعِلَّةٍ حَادِثَةٍ لَزِمَ مَحْذُورَانِ. أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ، فَإِنَّ الْعِلَّةَ إِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهِ مِنْهَا حُكْمٌ؛ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا أَوْلَى بِهِ مِنْ عَدَمِهَا، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ عَادَ إِلَيْهِ مِنْهَا حُكْمٌ؛ كَانَ ذَلِكَ حَادِثًا، فَتَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ، وَالْمَحْذُورُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ الْحَادِثَةَ الْمَطْلُوبَةَ بِالْفِعْلِ هِيَ أَيْضًا مِمَّا يُحْدِثُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ لَزِمَ الْعَبَثُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنْ كَانَ لِعِلَّةٍ عَادَ التَّقْسِيمُ فِيهَا، فَإِذَا كَانَ كُلُّ مَا يُحْدِثُهُ أَحْدَثَهُ لِعِلَّةٍ، وَالْعِلَّةُ: مَا أَحْدَثَهُ؛ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ، الثَّانِي: أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً لِنَفْسِهَا، أَوْ لِعِلَّةٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ امْتَنَعَ حُدُوثُهَا ; لِأَنَّ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لِذَاتِهِ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ؛ لَا يُؤَخِّرُ إِحْدَاثَهُ، وَإِنْ كَانَ الثَّانِي فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ الْغَيْرِ كَالْقَوْلِ فِيهَا وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ. فَهَذِهِ الْحُجَجُ مِنْ حُجَجِ مَنْ يَنْفِي تَعْلِيلَ أَفْعَالِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَحْكَامِهِ. التَّقْدِيرُ الثَّانِي: قَوْلُ مَنْ يَجْعَلُ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ قَدِيمَةً كَمَا يَجْعَلُ الْعِلَّةَ الْفَاعِلِيَّةَ قَدِيمَةً، كَمَا يَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ الْقَائِلُونَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ، وَأَصْلُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْمُبْدِعَ لِلْعَالَمِ - عِلَّةٌ تَامَّةٌ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْهَا مَعْلُولُهَا، وَأَعْظَمُ حُجَجِهِمْ قَوْلُهُمْ إِنَّ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كَوْنِهِ فَاعِلًا إِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي الْأَزَلِ لَزِمَ وُجُودُ الْمَفْعُولِ فِي الْأَزَلِ ; لِأَنَّ الْعِلَّةَ التَّامَّةَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا مَعْلُولُهَا، فَإِنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُ شُرُوطِ الْفِعْلِ وُجِدَتْ فِي الْأَزَلِ، فَإِنَّا لَا نَعْنِي بِالْعِلَّةِ التَّامَّةِ إِلَّا مَا تَسْتَلْزِمُ الْمَعْلُولَ، فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْهَا الْمَعْلُولُ؛ لَمْ تَكُنْ تَامَّةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنِ الْعِلَّةُ التَّامَّةُ الَّتِي هِيَ جَمِيعُ الْأُمُورِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْفِعْلِ، وَهِيَ الْمُقْتَضَى التَّامُّ لِوُجُودِ الْفِعْلِ، وَهِيَ جَمِيعُ شُرُوطِ الْفِعْلِ الَّتِي يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهَا وُجُودُ الْفِعْلِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ جَمِيعُهَا فِي الْأَزَلِ؛ فَلَا بُدَّ إِذَا وُجِدَ الْمَفْعُولُ بَعْدَ ذَلِكَ - مِنْ تَجَدُّدِ سَبَبٍ حَادِثٍ، وَإِلَّا لَزِمَ تَرْجِيحُ أَحَدِ طَرَفَيِ الْمُمْكِنِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَإِذَا

стр. 282

كَانَ هُنَاكَ سَبَبٌ حَادِثٌ فَالْقَوْلُ فِي حُدُوثِهِ كَالْقَوْلِ فِي الْحَادِثِ الْأَوَّلِ وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ. قَالُوا: فَالْقَوْلُ بِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِلْمَفْعُولِ يُوجِبُ إِمَّا التَّسَلْسُلَ وَإِمَّا التَّرْجِيحَ بِلَا مُرَحِّجٍ، ثُمَّ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ يُثْبِتُونَ عِلَّةً غَائِيَّةً لِلْفِعْلِ، وَهِيَ بِعَيْنِهَا الْفَاعِلَةُ، لَكِنَّهُمْ مُتَنَاقِضُونَ، فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ لَهُ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ، وَيُثْبِتُونَ لِفِعْلِهِ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ، وَيَقُولُونَ مَعَ هَذَا: لَيْسَ لَهُ إِرَادَةٌ، بَلْ هُوَ مُوجِبٌ بِالذَّاتِ، لَا فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ. وَقَوْلُهُمْ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي مَحَالِّهَا، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي كِتَابِهِ (حُسْنِ الْإِرَادَةِ) : هَذَا الْقَوْلُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ وَأَنَّ كُلَّ مَا حَدَثَ حَدَثَ بِغَيْرِ إِحْدَاثِ مُحْدِثٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ بُطْلَانَ هَذَا بَيِّنٌ - وَأَطَالَ فِي رَدِّ ذَلِكَ، وَمِمَّا ذَكَرَ: أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: حُدُوثُ حَادِثٍ بَعْدَ حَادِثٍ بِلَا نِهَايَةٍ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُمْكِنًا فِي الْعَقْلِ، أَوْ مُمْتَنِعًا، فَإِنْ كَانَ مُمْتَنِعًا لَزِمَ أَنَّ الْحَوَادِثَ جَمِيعَهَا لَهَا أَوَّلٌ كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْحَقِّ، وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ بِقِدَمِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ، وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حُدُوثُ مَا أَحْدَثَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - كَالسَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضِ مَوْقُوفٌ عَلَى حَوَادِثَ قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِيمَا يَحْدُثَ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَالنَّبَاتِ، وَالْمَعَادِنِ، وَالْمَطَرِ، وَالسَّحَابِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَيَلْزَمُ فَسَادُ حُجَّتِكُمْ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ، ثُمَّ يُقَالُ إِمَّا أَنْ تُثْبِتُوا لِمُبْدِعِ الْعَالَمِ حِكْمَةً وَغَايَةً مَطْلُوبَةً، أَوْ لَا، فَإِنْ لَمْ تُثْبِتُوا بَطَلَ قَوْلُكُمْ بِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْغَائِيَّةِ وَبَطَلَ مَا تَذْكُرُونَهُ مِنْ حِكْمَةِ الْبَارِي تَعَالَى فِي خَلْقِ الْحَيَوَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَيْضًا فَالْوُجُودُ يُبْطِلُ هَذَا الْقَوْلَ، فَإِنَّ الْحِكْمَةَ الْمَوْجُودَةَ فِي الْوُجُودِ أَمْرٌ يَفُوتُ الْعَدَّ وَالْإِحْصَاءَ، كَإِحْدَاثِهِ سُبْحَانَهُ لِمَا يَحْدُثُ مِنْ نِعْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَقْتَ حَاجَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهِ كَإِحْدَاثِ الْمَطَرِ وَقْتَ الشِّتَاءِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ وَإِحْدَاثِهِ لِلْإِنْسَانِ الْآلَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُ إِلَيْهَا بِقَدْرِ حَاجَتِهِ. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ - كَثِيرٌ جِدًّا. وَإِنْ أَثْبَتُّمْ لَهُ تَعَالَى حِكْمَةً مَطْلُوبَةً وَهِيَ بِاصْطِلَاحِكُمُ الْعِلَّةَ الْغَائِيَّةَ لَزِمَ أَنْ تُثْبِتُوا لَهُ الْمَشِيئَةَ، وَالْإِرَادَةَ بِالضَّرُورَةِ، فَإِنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْفَاعِلَ فَعَلَ كَذَا لِحِكْمَةِ كَذَا بِدُونِ كَوْنِهِ مُرِيدًا لِتِلْكَ الْحِكْمَةِ الْمَطْلُوبَةِ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةُ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ تَنَاقُضًا، وَلِهَذَا يَجْعَلُونَ الْعِلْمَ هُوَ الْعَالَمُ، وَالْعِلْمَ هُوَ الْإِرَادَةُ، وَالْإِرَادَةَ هِيَ الْقُدْرَةُ، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ. وَالتَّقْدِيرُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ فَعَلَ الْمَفْعُولَاتِ، وَأَمَرَ بِالْمَأْمُورَاتِ لِحِكْمَةٍ

стр. 283

مَحْمُودَةٍ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ النَّاسِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ ﵃، وَقَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، وَالْكَرَّامِيَّةِ، وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالتَّصَوُّفِ وَأَهْلِ التَّفْسِيرِ وَأَكْثَرِ قُدَمَاءِ الْفَلَاسِفَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ كَأَبِي الْبَرَكَاتِ وَأَمْثَالِهِ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ عَلَى أَقْوَالٍ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّ الْحِكْمَةَ الْمَطْلُوبَةَ مَخْلُوقَةٌ وَمُنْفَصِلَةٌ عَنْهُ تَعَالَى، وَهُمُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَالشِّيعَةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، قَالُوا: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ إِحْسَانُهُ لِلْخَلْقِ، وَالْحِكْمَةُ فِي الْأَمْرِ تَعْرِيضُ الْمُكَلَّفِينَ لِلثَّوَابِ، قَالُوا: فِعْلُ الْإِحْسَانِ إِلَى الْغَيْرِ حَسَنٌ مَحْمُودٌ فِي الْعَقْلِ، فَخَلَقَ الْخَلْقَ لِهَذِهِ الْحِكْمَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ حُكْمٌ وَلَا قَامَ بِهِ نَعْتٌ وَلَا فِعْلٌ، فَقَالَ لَهُمُ النَّاسُ: أَنْتُمْ تَتَنَاقَضُونَ فِي هَذَا الْقَوْلِ ; لِأَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَى الْغَيْرِ مَحْمُودٌ لِكَوْنِهِ يَعُودُ مِنْهُ إِلَى فَاعِلِهِ حُكْمٌ يُحْمَدُ لِأَجْلِهِ، إِمَّا لِتَكْمِيلِ نَفْسِهِ بِذَلِكَ، وَإِمَّا لِقَصْدِهِ الْحَمْدَ وَالثَّوَابَ بِذَلِكَ، وَإِمَّا لِرِقَّةٍ وَأَلَمٍ يَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ، يَدْفَعُ بِالْإِحْسَانِ ذَلِكَ الْأَلَمَ، وَإِمَّا لِالْتِذَاذِهِ وَسُرُورِهِ وَفَرَحِهِ بِالْإِحْسَانِ، فَإِنَّ النَّفْسَ الْكَرِيمَةَ تَفْرَحُ وَتُسَرُّ وَتَلْتَذُّ بِالْخَيْرِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَالْإِحْسَانُ إِلَى الْغَيْرِ مَحْمُودٌ لِكَوْنِ الْمُحْسِنِ يَعُودُ إِلَيْهِ مِنْ فِعْلِهِ هَذِهِ الْأُمُورُ. أَمَّا إِذَا قَدَّرَ أَنَّ وُجُودَ الْإِحْسَانِ وَعَدَمَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَاعِلِ سَوَاءٌ؛ لَمْ يَقُلْ: إِنَّ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ يَحْسُنُ مِنْهُ، بَلْ مِثْلُ هَذَا يُعَدُّ عَبَثًا فِي عُقُولِ الْعُقَلَاءِ، وَكُلُّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا لَيْسَ فِيهِ لِنَفْسِهِ لَذَّةٌ وَلَا مَصْلَحَةٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَا عَاجِلَةٌ وَلَا آجِلَةٌ، كَانَ عَبَثًا، وَلَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا عَلَى هَذَا، وَأَنْتُمْ عَلَّلْتُمْ أَفْعَالَهُ تَعَالَى فِرَارًا مِنَ الْعَبَثِ فَوَقَعْتُمْ فِيهِ، فَإِنَّ الْعَبَثَ هُوَ الْفِعْلُ الَّذِي لَا مَصْلَحَةَ وَلَا مَنْفَعَةَ وَلَا فَائِدَةَ تَعُودُ عَلَى الْفَاعِلِ ; وَلِهَذَا لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ - تَعَالَى - وَلَا رَسُولُهُ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ أَحَدًا بِالْإِحْسَانِ إِلَى غَيْرِهِ وَنَفْعِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ إِلَّا لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَالْمَصْلَحَةِ، فَأَمْرُ الْفَاعِلِ بِفِعْلٍ لَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْهُ لَذَّةٌ وَلَا سُرُورٌ وَلَا مَنْفَعَةٌ وَلَا فَرَحٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَا فِي الْعَاجِلِ وَلَا فِي الْآجِلِ - لَا يُسْتَحْسَنُ مِنَ الْآمِرِ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ((لَكِنَّهُ)) تَعَالَى وَتَقَدَّسَ. هَذَا اسْتِدْرَاكٌ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ إِنَّهُ يَخْلُقُ الْخَلْقَ بِالِاخْتِيَارِ، أَيْ لَا بِالذَّاتِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ

стр. 284

مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَيْهِ وَلَا اضْطِرَارٍ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا ((لَا يَخْلُقُ الْخَلْقَ سُدًى)) أَيْ هَمَلًا بِلَا أَمْرٍ وَلَا نَهْيٍ وَلَا حِكْمَةٍ، وَمَعْنَى السُّدَى الْمُهْمَلُ، وَإِبِلٌ سُدًى إِذَا كَانَتْ تَرْعَى حَيْثُ شَاءَتْ بِلَا رَاعٍ ((كَمَا أَتَى فِي النَّصِّ)) الْقُرْآنِيِّ، وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْآثَارِ مِمَّا هُوَ كَثِيرٌ جِدًّا أَنَّ اللَّهَ ﵎ لَا يَفْعَلُ إِلَّا لِحِكْمَةٍ وَعِلْمٍ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، فَمَا خَلَقَ شَيْئًا وَلَا قَضَاهُ وَلَا شَرَعَهُ إِلَّا بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، وَإِنْ تَقَاصَرَتْ عَنْهُ عُقُولُ الْبَشَرِ ((فَاتَّبِعِ الْهُدَى)) بِاقْتِفَاءِ الْمَأْثُورِ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَلَا تَجْحَدْ حِكْمَتَهُ كَمَا لَا تَجْحَدْ قُدْرَتَهُ فَهُوَ الْحَكِيمُ الْقَدِيرُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَنَشَأَ مِنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ التَّحْسِينِ، وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّ، فَأَثْبَتَ ذَلِكَ الْمُعْتَزِلَةُ، وَالْكَرَّامِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ ﵃ وَحَكَوْا ذَلِكَ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ ﵁، وَنَفَى ذَلِكَ الْأَشْعَرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ، وَاتَّفَقَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ إِذَا فُسِّرَ بِكَوْنِ الْفِعْلِ نَافِعًا لِلْفَاعِلِ مُلَائِمًا لَهُ، وَكَوْنِهِ ضَارًّا لِلْفَاعِلِ مُنَافِرًا لَهُ أَنَّهُ تُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالْعَقْلِ كَمَا يُعْرَفُ بِالشَّرْعِ، وَظَنَّ مَنْ ظَنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْمَعْلُومَ بِالشَّرْعِ خَارِجٌ عَنْ هَذَا، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ - تَعَالَى - وَنَدَبَ إِلَيْهَا هِيَ نَافِعَةٌ لِفَاعِلِيهَا وَمَصْلَحَةٌ لَهُمْ، وَجَمِيعُ الْأَفْعَالِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا هِيَ ضَارَّةٌ لِفَاعِلِيهَا وَمَفْسَدَةٌ فِي حَقِّهِمْ. وَالْحَمْدُ وَالثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى طَاعَةِ الشَّارِعِ نَافِعٌ لِلْفَاعِلِ وَمَصْلَحَةٌ لَهُ، وَالذَّمُّ وَالْعِقَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ضَارٌّ لِلْفَاعِلِ مَفْسَدَةٌ لَهُ. وَالْمُعْتَزِلَةُ أَثْبَتَتِ الْحُسْنَ فِي أَفْعَالِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا بِمَعْنَى حُكْمٍ يَعُودُ إِلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِهِ تَعَالَى. قَالَ الشَّيْخُ: وَمُنَازِعُوهُمْ لَمَّا اعْتَقَدُوا أَنْ لَا حُسْنَ وَلَا قُبْحَ فِي الْفِعْلِ إِلَّا مَا عَادَ إِلَى الْفَاعِلِ مِنْهُ حُكْمٌ نَفَوْا ذَلِكَ وَقَالُوا: الْقَبِيحُ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - هُوَ الْمُمْتَنِعُ لِذَاتِهِ، وَكُلُّ مَا يُقَدَّرُ مُمْكِنًا مِنَ الْأَفْعَالِ فَهُوَ الْحُسْنُ إِذْ لَا فَرْقَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ عِنْدَهُمْ بَيْنَ مَفْعُولٍ وَمَفْعُولٍ، وَأُولَئِكَ - يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ - أَثْبَتُوا حُسْنًا وَقُبْحًا لَا يَعُودُ إِلَى الْفَاعِلِ مِنْهُ حُكْمٌ يَقُومُ بِذَاتِهِ، وَعِنْدَهُمْ لَا يَقُومُ بِذَاتِهِ لَا وَصْفٌ وَلَا فِعْلٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يَتَنَاقَضُونَ، ثُمَّ أَخَذُوا يَقِيسُونَ ذَلِكَ عَلَى مَا يَحْسُنُ

стр. 285

مِنَ الْعَبْدِ وَيَقْبُحُ، فَجَعَلُوا يُوجِبُونَ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ جِنْسِ مَا يُوجِبُونَ عَلَى الْعَبْدِ وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِ مَنْ جِنْسِ مَا يُحَرِّمُونَ عَلَى الْعَبْدِ وَيُسَمُّونَ ذَلِكَ الْعَدْلَ، وَالْحِكْمَةَ، مَعَ قُصُورِ عَقْلِهِمْ عَنْ مَعْرِفَةِ حِكْمَتِهِ، فَلَا يُثْبِتُونَ لَهُ مَشِيئَةً عَامَّةً وَلَا قُدْرَةً تَامَّةً، فَلَا يَجْعَلُونَهُ " عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ "، وَلَا يَقُولُونَ: " مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ "، وَلَا يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ، وَيُثْبِتُونَ لَهُ مِنَ الظُّلْمِ مَا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] أَيْ لَا يَخَافُ أَنْ يُظْلَمَ، فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ، وَلَا يُهْضَمَ مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: ٢٩] وَفِي حَدِيثِ الْبِطَاقَةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ " «لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ» ". وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِعْلَ اللَّهِ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ - وَأَمْرَهُ لَا يَكُونُ لِعِلَّةٍ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ اخْتَارَهُ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَالَهُ الظَّاهِرِيَّةُ، وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَالْجَهْمِيَّةُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا لِعِلَّةٍ وَحِكْمَةٍ. اخْتَارَهُ الطُّوفِيُّ، وَهُوَ مُخْتَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ وَابْنِ الْقَيِّمِ وَابْنِ قَاضِي الْجَبَلِ، وَحَكَاهُ عَنْ إِجْمَاعِ السَّلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشِّيعَةِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، لَكِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَقُولُ بِوُجُوبِ الصَّلَاحِ، وَلَهُمْ فِي الْأَصْلَحِ قَوْلَانِ كَمَا يَأْتِي فِي النَّظْمِ، وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ يَقُولُونَ بِالتَّعْلِيلِ لَا عَلَى مَنْهَجِ الْمُعْتَزِلَةِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي تَعْلِيلِ أَفْعَالِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَحْكَامِهِ قَوْلَانِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى التَّعْلِيلِ، وَالْحِكْمَةِ، وَهَلْ هِيَ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الرَّبِّ لَا تَقُومُ بِهِ، أَوْ قَائِمَةٌ مَعَ ثُبُوتِ الْحُكْمِ الْمُنْفَصِلِ؟ لَهُمْ فِيهِ أَيْضًا قَوْلَانِ، وَهَلْ تَتَسَلْسَلُ الْحِكَمُ، أَوْ لَا تَتَسَلْسَلُ، أَوْ تَتَسَلْسَلُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي؟ فِيهِ أَقْوَالٌ، قَالَ: احْتَجَّ الْمُثْبِتُونَ لِلْحِكْمَةِ، وَالْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢] وَقَوْلِهِ: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ [الحشر: ٧] وَقَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: ١٤٣] وَنَظَائِرِهَا ; وَلِأَنَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ شَرَعَ الْأَحْكَامَ لِحِكْمَةٍ وَمَصْلَحَةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، وَالْإِجْمَاعُ وَاقِعٌ عَلَى اشْتِمَالِ الْأَفْعَالِ عَلَى الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ جَوَازًا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَوُجُوبًا عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ بِحِكْمَتِهِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ النَّافِينَ لِلْحِكْمَةِ وَالْعِلَّةِ احْتَجُّوا مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ الْعِلَّةِ قِدَمُ الْمَعْلُولِ وَهُوَ مُحَالٌ، وَمِنْ حُدُوثِهَا

стр. 286

افْتِقَارُهَا إِلَى عِلَّةٍ أُخْرَى وَأَنَّهُ يَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ، قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ: وَهُوَ مُرَادُ الْمَشَايِخِ بِقَوْلِهِمْ كُلُّ شَيْءٍ صَنَعَهُ وَلَا عِلَّةَ لِصُنْعِهِ، وَمَا أَجَابَ بِهِ مَنْ قَالَ بِالْحِكْمَةِ وَأَنَّهَا قَدِيمَةٌ: لَا يَلْزَمُ مِنْ قِدَمِ الْعِلَّةِ قِدَمُ مَعْلُولِهَا، كَالْإِرَادَةِ فَإِنَّهَا قَدِيمَةٌ وَمُتَعَلِّقُهَا حَادِثٌ، وَتَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ إِلَى مُحَصَّلِ هَذَا كُلِّهِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ وَجَمْعًا مِنْ تَلَامِذَتِهِ أَثْبَتُوا الْحِكْمَةَ، وَالْعِلَّةَ فِي أَفْعَالِ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا وَأَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْبَرَاهِينِ مَا لَعَلَّهُ لَا يُبْقِي فِي مُخَيَّلَةِ الْفَطِينِ السَّالِمِ مِنْ رِبْقَةِ تَقْلِيدِ الْأَسَاطِينِ أَدْنَى اخْتِلَاجٍ وَأَقَلَّ تَخْمِينٍ. وَأَمَّا الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ شَمْسُ الدِّينِ ابْنُ الْقَيِّمِ فَقَدْ أَجْلَبَ وَأَجْنَبَ، وَأَتَى بِمَا يُقْضَى مِنْهُ الْعَجَبُ فِي كِتَابَيْهِ (شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ) وَ (مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ) وَغَيْرِهِمَا، فَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ فِي مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١] فَدَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا حُكْمٌ بِشَيْءٍ قَبِيحٍ يَتَنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهُ فَأَنْكَرَهُ مِنْ جِهَةِ قُبْحِهِ فِي نَفْسِهِ، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ. وَمِنْ هَذَا إِنْكَارُهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ جَوَّزَ أَنْ يَتْرُكَ عِبَادَهُ سُدًى لَا يَأْمُرُهُمْ وَلَا يَنْهَاهُمْ وَلَا يُثِيبُهُمْ وَلَا يُعَاقِبُهُمْ - وَأَنَّ هَذَا الْحُسْبَانَ بَاطِلٌ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - مُتَعَالٍ عَنْهُ لِمُنَافَاتِهِ لِحِكْمَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦] فَأَنْكَرَ - سُبْحَانَهُ - عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَتْرُكُ سُدًى - إِنْكَارَ مَنْ جَعَلَ فِي الْعَقْلِ اسْتِقْبَاحَ ذَلِكَ، وَاسْتِهْجَانَهُ، وَأَنَّهُ لَا يَلِيقُ أَنْ يُنْسَبَ ذَلِكَ إِلَى أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ١١٥] فَنَزَّهَ نَفْسَهُ وَبَاعَدَهَا عَنْ هَذَا الْحُسْبَانِ، وَأَنَّهُ مُتَعَالٍ عَنْهُ فَلَا يَلِيقُ بِهِ لِقُبْحِهِ وَمُنَافَاتِهِ الْحِكْمَةَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْمَعَادِ بِالْعَقْلِ كَمَا يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِهِ بِالسَّمْعِ. ثُمَّ إِنَّ ابْنَ الْقَيِّمِ بَسَطَ الْقَوْلَ وَوَسَّعَ الْعِبَارَةَ فِي أَزْيَدَ مِنْ عَشَرَةِ كَرَارِيسَ، ثُمَّ قَالَ: الْكَلَامُ هُنَا فِي مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي التَّلَازُمِ بَيْنَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ الْعَقْلِيَّيْنِ وَبَيْنَ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ، شَاهِدًا وَغَائِبًا، وَالثَّانِي فِي انْتِفَاءِ اللَّازِمِ وَثُبُوتِهِ، فَأَمَّا الْمَقَامُ الْأَوَّلُ فَلِمُثْبِتِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فِيهِ طَرِيقَانِ، أَحَدُهُمَا ثُبُوتُ التَّلَازُمِ، وَالْقَوْلُ بِاللَّازِمِ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَعَلَيْهِ يُنَاظِرُونَ وَهُوَ الْقَوْلُ الَّذِي نَصَبَ خُصُومُهُمُ

стр. 287

الْخِلَافَ مَعَهُمْ فِيهِ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي إِثْبَاتُ الْحُسْنِ، وَالْقُبْحِ، وَأَرْبَابُهُ يَقُولُونَ بِإِثْبَاتِهِ وَيُصَرِّحُونَ بِنَفْيِ الْإِيجَابِ قَبْلَ الشَّرْعِ عَلَى الْعَبْدِ، وَيَنْفِي إِيجَابَ شَيْءٍ عَلَى اللَّهِ الْبَتَّةَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةِ كَأَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ، وَالشَّافِعِيَّةِ كَسَعْدِ بْنِ عَلِيٍّ الزَّنْجَانِيِّ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ وَغَيْرِهِ، وَلِهَؤُلَاءِ فِي نَفْيِ الْإِيجَابِ الْعَقْلِيِّ فِي الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَثُبُوتِهِ خِلَافٌ. قَالَ: فَالْأَقْوَالُ أَرْبَعَةٌ لَا مَزِيدَ عَلَيْهَا، أَحَدُهَا: نَفْيُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَنَفْيُ الْإِيجَابِ الْعَقْلِيِّ فِي الْعَمَلِيَّاتِ دُونَ الْعِلْمِيَّاتِ، كَالْمَعْرِفَةِ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطَّابِ وَغَيْرِهِ، فَعَرَّفَ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَبَيْنَ الْإِيجَابِ وَالتَّحْرِيمِ الْعَقْلِيَّيْنِ، فَهَذَا أَحَدُ الْمَقَامَيْنِ. (وَأَمَّا الْمَقَامُ الثَّانِي) : وَهُوَ انْتِفَاءُ اللَّازِمِ وَثُبُوتُهُ، فَالنَّاسُ فِيهِ هَاهُنَا ثَلَاثُ طُرُقٍ. أَحَدُهُمَا: الْتِزَامُ ذَلِكَ وَالْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ الْعَقْلِيَّيْنِ شَاهِدًا وَغَائِبًا. وَهَذَا قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ، هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: يَتَرَتَّبُ الْوُجُوبُ شَاهِدًا وَيَتَرَتَّبُ الْمَدْحُ وَالذَّمُّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الصِّفَاتُ فَلَهُمْ فِيهَا اخْتِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ، فَمَنْ أَثْبَتَهُ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعَذَابَ الثَّابِتَ بَعْدَ الْإِيجَابِ الشَّرْعِيِّ نَوْعٌ آخَرُ غَيْرُ الْعَذَابِ الثَّابِتِ عَلَى الْإِيجَابِ الْعَقْلِيِّ، وَبِذَلِكَ يُجِيبُونَ عَنِ النُّصُوصِ النَّافِيَةِ لِلْعَذَابِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ. وَأَمَّا الْإِيجَابُ وَالتَّحْرِيمُ الْعَقْلِيَّانِ غَائِبًا فَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِهِمَا وَيُفَسِّرُونَ ذَلِكَ بِاللُّزُومِ الَّذِي أَوْجَبَتْهُ حِكْمَتُهُ، وَأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلَافُهُ، كَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَالنَّوْمُ، وَالتَّعَبُ، وَاللُّغُوبُ، فَهَذَا مَعْنَى الْوُجُوبِ وَالِامْتِنَاعِ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - عِنْدَهُمْ، فَهُوَ وُجُوبٌ اقْتَضَتْهُ ذَاتُهُ وَحِكْمَتُهُ، وَامْتِنَاعٌ مُسْتَحِيلٌ عَلَيْهِ الِاتِّصَافُ بِهِ لِمُنَافَاتِهِ كَمَالَهُ وَغِنَاهُ، قَالُوا: وَهَذَا فِي الْأَفْعَالِ نَظِيرُ مَا يَقُولُ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي الصِّفَاتِ أَنَّهُ يَجِبُ لَهُ كَذَا وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ كَذَا، فَكَمَا أَنَّ ذَاكَ وُجُوبٌ وَامْتِنَاعٌ ذَاتِيٌّ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلَافُهُ، فَهَكَذَا مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ وَتَأْبَاهُ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْإِخْلَالُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَقْدُورًا لَهُ، لَكِنَّهُ لَا يُخِلُّ بِهِ لِكَمَالِ حِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ وَغِنَاهُ. (الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ) مَنَعَتْ ذَلِكَ جُمْلَةً وَأَحَالَتِ الْقَوْلَ بِهِ وَجَوَّزَتْ عَلَى الرَّبِّ - تَعَالَى - كُلَّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ، وَرَدَّتِ الْإِحَالَةَ وَالِامْتِنَاعَ فِي أَفْعَالِهِ - تَعَالَى - إِلَى غَيْرِ الْمُمْكِنِ مِنَ الْمُحَالَاتِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَبَابِهِ، فَقَابَلُوا الْمُعْتَزِلَةَ أَشَدَّ مُقَابَلَةٍ وَاقْتَسَمَا طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، وَرَدَّ هَؤُلَاءِ الْوُجُوبَ، وَالتَّحْرِيمَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ إِلَى مُجَرَّدِ صِدْقِ الْخَبَرِ، فَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ يَكُونُ فَهُوَ وَاجِبٌ لِتَصْدِيقِ

стр. 288

خَبَرِهِ، وَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ فَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِتَصْدِيقِ خَبَرِهِ، وَالتَّحْرِيمُ عِنْدَهُمْ رَاجِعٌ إِلَى مُطَابَقَةِ الْعِلْمِ لِمَعْلُومِهِ، وَالْمُخْبَرِ لِخَبَرِهِ، وَقَدْ يُفَسِّرُونَ التَّحْرِيمَ بِالِامْتِنَاعِ عَقْلًا كَتَحْرِيمِ الظُّلْمِ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّهُمْ يُفَسِّرُونَهُ بِالْمُسْتَحِيلِ لِذَاتِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ فِي الْمَقْدُورِ شَيْءٌ هُوَ ظُلْمٌ يَتَنَزَّهُ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ، فَهَذَا قَوْلُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ. (الْفُرْقَةُ الثَّالِثَةُ) هُمُ الْوَسَطُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْفِرْقَتَيْنِ، فَإِنَّ الْفِرْقَةَ الْأُولَى أَوْجَبَتْ عَلَى اللَّهِ شَرِيعَةً بِعُقُولِهَا، حَرَّمَتْ عَلَيْهِ وَأَوْجَبَتْ مَا لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى نَفْسِهِ وَلَمْ يُوجِبْهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ جَوَّزَتْ عَلَيْهِ مَا يَتَعَالَى وَيَتَنَزَّهُ عَنْهُ لِمُنَافَاتِهِ حِكْمَتَهُ وَكَمَالَهُ، وَالْفُرْقَةُ الْوَسَطُ أَثْبَتَتْ لَهُ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنَ الْإِيجَابِ، وَالتَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ، نَسَبَتْهُ إِلَى ضِدِّهِ ; لِأَنَّهُ مُوجِبُ كَمَالِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ، وَلَمْ تُدْخِلْهُ تَحْتَ شَرِيعَةٍ وَضَعَتْهَا بِعُقُولِهَا، كَمَا فَعَلَتِ الْفِرْقَةُ الْأُولَى وَلَمْ تُجَوِّزْ عَلَيْهِ مَا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ كَمَا فَعَلَتِ الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ، قَالَتِ الْفِرْقَةُ الْوَسَطُ: قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ حَرَّمَ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ ﷺ : " «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي» " وَقَالَ: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وَقَالَ: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] وَقَالَ: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧] فَأَخْبَرَ بِتَحْرِيمِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ فِعْلَهُ وَإِرَادَتَهُ، وَلِلنَّاسِ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الظُّلْمِ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ تَعَالَى وَتَنَزَّهَ عَنْ فِعْلِهِ وَإِرَادَتِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، بِحَسَبِ أُصُولِهِمْ وَقَوَاعِدِهِمْ. أَحَدُهَا: أَنَّهُ نَظِيرُ الظُّلْمِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَشَبَّهُوهُ فِي الْأَفْعَالِ مَا يَحْسُنُ مِنْهَا وَمَا لَا يَحْسُنُ بِعِبَادِهِ، فَضَرَبُوا لَهُ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمُ الْأَمْثَالَ فَصَارُوا بِذَلِكَ مُشَبِّهَةً مُمَثِّلَةً فِي الْأَفْعَالِ، وَامْتَنَعُوا مِنْ إِثْبَاتِ الْمَثَلِ الْأَعْلَى الَّذِي أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ، ثُمَّ ضَرَبُوا لَهُ الْأَمْثَالَ وَمَثَّلُوهُ فِي أَفْعَالِهِ بِخَلْقِهِ كَمَا أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ الْمُعَطِّلَةَ امْتَنَعَتْ مِنْ إِثْبَاتِ الْمَثَلِ الْأَعْلَى الَّذِي أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ ضَرَبُوا لَهُ الْأَمْثَالَ وَمَثَّلُوهُ فِي صِفَاتِهِ بِالْجَمَادَاتِ النَّاقِصَةِ بَلْ بِالْمَعْدُومَاتِ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ نَزَّهُوهُ عَنْ هَذَا وَهَذَا وَأَثْبَتُوا مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَنُعُوتِ الْجَلَالِ، وَنَزَّهُوهُ فِيهَا عَنِ الشَّبِيهِ، وَالْمِثَالِ، فَأَثْبَتُوا لَهُ الْمَثَلَ الْأَعْلَى وَلَمْ يَضْرِبُوا لَهُ الْأَمْثَالَ، فَكَانُوا أَسْعَدَ النَّاسِ بِمَعْرِفَتِهِ وَأَحَقَّهُمْ بِوِلَايَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ. ثُمَّ الْتَزَمَ أَصْحَابُ

стр. 289

هَذَا التَّفْسِيرِ عَنْهُ مِنَ اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ مَا لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ، فَقَالُوا: إِذَا أَمَرَ الْعَبْدَ وَلَمْ يُعِنْهُ بِجَمِيعِ مَقْدُورِهِ - تَعَالَى - مِنْ وُجُوهِ الْإِعَانَةِ؛ فَقَدْ ظَلَمَهُ، وَالْتَزَمُوا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَهْدِيَ ضَالًّا كَمَا زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُضِلَّ مُهْتَدِيًا، وَقَالُوا: إِنَّهُ إِذَا أَمَرَ اثْنَيْنِ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ، وَخَصَّ أَحَدَهُمَا بِإِعَانَتِهِ عَلَى فِعْلِ الْمَأْمُورِ؛ كَانَ ظَالِمًا، وَإِنَّهُ إِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فِي ذَنْبٍ يُوجِبُ الْعِقَابَ فَعَاقَبَ أَحَدَهُمَا وَعَفَا عَنِ الْآخَرِ؛ كَانَ ظَالِمًا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اللَّوَازِمِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي جَعَلُوا لِأَجْلِهَا تَرْكَ تَسْوِيَتِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ ظُلْمًا. فَعَارَضَهُمْ أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ الثَّانِي وَقَالُوا: الظُّلْمُ الْمُنَزَّهُ عَنْهُ مِنَ الْأُمُورِ الْمُمْتَنِعَةِ لِذَاتِهَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا لَهُ - تَعَالَى، وَلَا أَنَّهُ تَرَكَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَجَعْلِ الْجِسْمِ الْوَاحِدِ فِي مَكَانَيْنِ وَقَلْبِ الْقَدِيمِ مُحْدَثًا، وَالْمُحْدَثِ قَدِيمًا، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَكَلُّ مَا يُقَدِّرُهُ الذِّهْنُ وَكَانَ وُجُودُهُ مُمْكِنًا، وَالرَّبُّ قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَيْسَ بِظُلْمٍ سَوَاءٌ فَعَلَهُ أَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَتَلَقَّى هَذَا الْقَوْلَ عَنْهُمْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفَسَّرُوا الْحَدِيثَ بِهِ، وَأَسْنَدُوا ذَلِكَ وَقَوَّوْهُ بِآيَاتٍ وَآثَارٍ زَعَمُوا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] يَعْنِي لَمْ تَتَصَرَّفْ فِي غَيْرِ مِلْكِكَ، بَلْ إِنَّمَا عَذَّبْتَ مَنْ تَمْلِكُ، وَعَلَى هَذَا فَجَوَّزُوا تَعْذِيبَ كُلِّ عَبْدٍ لَهُ وَلَوْ كَانَ مُحْسِنًا، وَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ ظُلْمًا، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ " إِنَّ «اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ» " وَبِمَا رُوِيَ عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: مَا نَاظَرْتُ بِعَقْلِي كُلِّهِ أَحَدًا إِلَّا الْقَدَرِيَّةَ، قَلْتُ لَهُمْ: مَا الظُّلْمُ؟ قَالُوا: أَنْ تَأْخُذَ مَا لَيْسَ لَكَ، وَأَنْ تَتَصَرَّفَ فِيمَا لَيْسَ لَكَ. قُلْتُ: فَلِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ، وَالْتَزَمَ هَؤُلَاءِ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ لَوَازِمَ بَاطِلَةً، كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَذِّبَ أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَأَهْلَ طَاعَتِهِ، وَيُخَلِّدَهُمْ فِي الْعَذَابِ الْأَلِيمِ، وَيُكْرِمَ أَعْدَاءَهُ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالْمُشْرِكِينَ، وَالشَّيَاطِينِ، وَيَخُصَّهُمْ بِجَنَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَكِلَاهُمَا عَدْلٌ وَجَائِزٌ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ خَبَرِهِ، فَصَارَ مُمْتَنِعًا ; لِإِخْبَارِهِ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ لَا لِمُنَافَاةِ حِكْمَتِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَلَكِنْ أَرَادَ هَذَا وَأَخْبَرَ بِهِ وَأَرَادَ الْآخَرَ وَأَخْبَرَ بِهِ، فَوَجَبَ هَذَا لِإِرَادَتِهِ وَخَبَرِهِ، وَامْتَنَعَ ضِدُّهُ لِعَدَمِ إِرَادَتِهِ وَإِخْبَارِهِ بِأَنَّهُ لَا يَكُونُ. وَالْتَزَمُوا أَيْضًا أَنَّهُ يَجُوزُ

стр. 290

أَنْ يُعَذِّبَ الْأَطْفَالَ الَّذِينَ لَا ذَنْبَ لَهُمْ أَصْلًا، وَيُخَلِّدَهُمْ فِي الْجَحِيمِ، وَرُبَّمَا قَالُوا بِوُقُوعِ ذَلِكَ. فَأَنْكَرَ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا أَصْحَابُ التَّفْسِيرِ الثَّالِثِ، وَقَالُوا: الصَّوَابُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ أَنَّ الظُّلْمَ الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَتَنَزَّهَ عَنْهُ فِعْلًا وَإِرَادَةً، هُوَ مَا فَسَّرَهُ بِهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا أَنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ، وَلَا يُعَذَّبُ بِمَا لَا تَكْتَسِبُ يَدَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ سَعَى فِيهِ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَلَا يُجَازَى بِهَا، أَوْ بِبَعْضِهَا إِذَا قَارَنَهَا، أَوْ طَرَأَ عَلَيْهَا مَا يَقْتَضِي إِبْطَالَهَا، أَوِ اقْتِصَاصَ الْمَظْلُومِينَ مِنْهَا. وَهَذَا الظُّلْمُ الَّذِي نَفَى اللَّهُ - تَعَالَى - خَوْفَهُ عَنِ الْعَبْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه: ١١٢] قَالَ السَّلَفُ وَالْمُفَسِّرُونَ: لَا يَخَافُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَهَذَا هُوَ الْمَعْقُولُ مِنَ الظُّلْمِ وَمِنْ عَدَمِ خَوْفِهِ، وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ، وَقَلْبِ الْقَدِيمِ مُحْدَثًا، وَالْمُحْدَثِ قَدِيمًا، فَمِمَّا يَتَنَزَّهُ كَلَامُ آحَادِ الْعُقَلَاءِ عَنْ تَسْمِيَتِهِ ظُلْمًا، وَعَنْ نَفْيِ خَوْفِهِ عَنِ الْعَبْدِ فَكَيْفَ بِكَلَامِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ ! . قَالُوا: وَأَمَّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِتِلْكَ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ إِنْ عَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُهُ، وَأَنَّهُ غَيْرُ ظَالِمٍ، وَأَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَأَنَّ قَضَاءَهُ فِيهِمْ عَدْلٌ، وَبِمُنَاظَرَةِ إِيَاسٍ لِلْقَدَرِيَّةِ فَهَذِهِ النُّصُوصُ وَأَمْثَالُهَا كُلُّهَا حَقٌّ، يَجِبُ الْقَوْلُ بِمُوجَبِهَا وَلَا تُحَرَّفُ مَعَانِيهَا، وَالْكُلُّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَيُّ دَلِيلٍ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ - تَعَالَى - أَنْ يُعَذِّبَ أَهْلَ طَاعَتِهِ، وَيُنَعِّمَ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ، وَيُعَذِّبَ بِغَيْرِ جُرْمٍ، وَيُحْرِمَ الْمُحْسِنَ جَزَاءَ عَمَلِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، بَلْ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ مُتَطَابِقَةٌ دَالَّةٌ عَلَى كَمَالِ الْقُدْرَةِ، وَكَمَالِ الْعَدْلِ، وَالْحِكْمَةِ، فَالنُّصُوصُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا تَقْتَضِي كَمَالَ عَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ وَغِنَاهُ، وَوَضْعِهِ الْعُقُوبَةَ، وَالثَّوَابَ مَوَاضِعَهُمَا، وَأَنَّهُ لَمْ يَعْدِلْ بِهِمَا عَنْ مُسَبِّبِهَا، وَالنُّصُوصُ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا تَقْتَضِي كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَانْفِرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْحُكْمِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ آمِرٌ وَلَا نَاهٍ يَتَعَقَّبُ أَفْعَالَهُ بِسُؤَالٍ، وَأَنَّهُ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ، لَكَانَ ذَلِكَ تَعْذِيبًا لِحَقِّهِ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا إِذْ ذَاكَ مُسْتَحِقِّينَ لِلْعَذَابِ ; لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ لَا تَفِي بِنَجَاتِهِمْ كَمَا قَالَ ﷺ : " «لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ " قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: " وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» " فَرَحْمَتُهُ لَهُمْ لَيْسَتْ فِي مُقَابَلَةِ أَعْمَالِهِمْ، وَلَا هِيَ ثَمَنًا لَهَا، فَإِنَّهَا خَيْرٌ مِنْهَا، كَمَا قَالَ الْحَدِيثُ نَفْسُهُ " وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ

стр. 291

رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيْرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ ". فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فِي الْحَدِيثِ، إِنَّهُ لَوْ عَذَّبَهُمْ لَعَذَّبَهُمْ بِاسْتِحْقَاقِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ ظَالِمًا، وَأَنَّهُ لَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ فَضْلِهِ وَكَرَمِهِ، لَا بِأَعْمَالِهِمْ إِذْ رَحْمَتُهُ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، فَطَاعَاتُ الْعَبْدِ كُلُّهَا لَا تَكُونُ فِي مُقَابَلَةِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَا مُسَاوِيَةً لَهَا، بَلْ وَلَا لِلْقَلِيلِ مِنْهَا، فَكَيْفَ يَسْتَحِقُّونَ بِهَا عَلَى اللَّهِ النَّجَاةَ، وَطَاعَةُ الْمُطِيعِ لَا نِسْبَةَ لَهَا إِلَى نِعْمَةٍ مِنْ نَعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَتَبْقَى سَائِرُ النِّعَمِ تَتَقَاضَاهُ شُكْرًا، وَالْعَبْدُ لَا يَقُومُ بِمَقْدُورِهِ الَّذِي يَجِبُ لِلَّهِ عَلَيْهِ، فَجَمِيعُ عِبَادِهِ تَحْتَ عَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ، فَمَا نَجَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ، وَلَا فَازَ بِالْجَنَّةِ إِلَّا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ حَالَ الْعِبَادِ، فَلَوْ عَذَّبَهُمْ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ قَادِرًا عَلَيْهِمْ، وَهُمْ مِلْكٌ لَهُ، بَلْ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ لَا بِأَعْمَالِهِمْ، وَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيدُ تَحْرِيرٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ: [أفعال العباد] [أفعال العباد خلق لله وكسب لهم] ((أَفْعَالُنَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ ... لَكِنَّهَا كَسْبٌ لَنَا يَا لَاهِي)) ((وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الْعِبَادُ ... مِنْ طَاعَةٍ أَوْ ضِدِّهَا مُرَادُ)) ((لِرَبِّنَا مِنْ غَيْرِمَا اضْطِرَارِ ... مِنْهُ لَنَا فَافْهَمْ وَلَا تُمَارِ)) ((أَفْعَالُنَا)) - مَعْشَرَ الْخَلْقِ - جَمِيعُهَا خَيْرُهَا وَشَرُّهَا، كَبِيرُهَا وَصَغِيرُهَا ((مَخْلُوقَةٌ)) وَمَصْنُوعَةٌ ((لِلَّهِ)) تَعَالَى خَلَقَهَا وَأَوْجَدَهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر: ٦٢]- ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]- ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾ [الأنعام: ١٠٢] وَ ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣] . قَالَ الْعُلَمَاءُ: اتَّفَقَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ قَبْلَ ظُهُورِ الْبِدَعِ، وَالْأَهْوَاءِ عَلَى أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ لَا سِوَاهُ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ كُلَّهَا حَادِثَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا يَتَعَلَّقُ بِقُدْرَةِ الْعَبْدِ، وَبَيْنَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، فَهِيَ مَقْدُورَةٌ بِقُدْرَةِ اللَّهِ اخْتِرَاعًا وَبِقُدْرَةِ الْعَبْدِ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ: ((لَكِنَّهَا)) أَيْ أَفْعَالَنَا الَّتِي تَصْدُرُ عَنَّا فِي بَادِي الرَّأْيِ ((كَسْبٌ لَنَا)) - مَعْشَرَ الْخَلْقِ. وَالْكَسْبُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ: مَا وَقَعَ مِنَ الْفَاعِلِ مُقَارِنًا لِقُدْرَةٍ مُحْدَثَةٍ وَاخْتِيَارٍ، وَقِيلَ: هُوَ مَا وُجِدَ بِقُدْرَةٍ مُحْدَثَةٍ فِي الْمُكْتَسِبِ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَمْدَانَ، مِنْ عُلَمَائِنَا: الْكَسْبُ هُوَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ فِي مَحَلِّ قُدْرَةِ الْمُكْتَسِبِ عَلَى وِفْقِ إِرَادَتِهِ فِي كَسْبِهِ،

стр. 292

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي " شَرْحِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ ": فَسَّرُوا الْكَسْبَ بِمَا قَارَنَ الْقُدْرَةَ الْمُحْدَثَةَ فِي مَحَلِّهَا، وَمُجَرَّدُ الْمُقَارِنَةِ لَا يُمَيِّزُ الْقُدْرَةَ عَنْ غَيْرِهَا، فَإِنَّ الْفِعْلَ يُقَارِنُ الْعِلْمَ وَالْإِرَادَةَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ. قَالُوا: وَالْقُدْرَةُ هِيَ التَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ. وَقِيلَ: سَلَامَةُ الْبِنْيَةِ. وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ، مِنْ عُلَمَائِنَا: خَلَقَ الشَّيْءَ بِقَوْلِهِ " كُنْ " وَهُوَ قَائِمٌ بِاللَّهِ غَيْرُ بَائِنٍ مِنْهُ وَمُرَادِهِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِيمَا كَتَبَهُ عَلَى حُسْنِ إِرَادَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -: الْكَسْبُ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ عِبَارَةٌ عَنِ اقْتِرَانِ الْمَقْدُورِ بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ، وَالْخَلْقُ هُوَ الْمَقْدُورُ بِالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ، وَقَالُوا أَيْضًا: الْكَسْبُ هُوَ الْفِعْلُ الْقَائِمُ بِمَحَلِّ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَالْخَلْقُ هُوَ الْفِعْلُ الْخَارِجُ عَنْ مَحَلِّ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: ((يَا لَاهِي)) تَكْمِلَةٌ لِلْبَيْتِ بِالْإِتْيَانِ بِالْقَافِيَّةِ، وَإِشَارَةٌ إِلَى الْحَثِّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الدَّأْبِ فِي الطَّاعَةِ، وَعَدَمِ الْخُلُودِ إِلَى الرَّاحَةِ، وَقَلْبِ الْقَلْبِ عَنِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ، يُقَالُ: لَهَا لَهْوًا؛ لَعِبَ كَالتَهَى، وَأَلْهَاهُ ذَلِكَ، وَالْمَلَاهِي آلَاتُهُ، قَالَ النَّسَفِيُّ فِي عَقَائِدِهِ كَغَيْرِهِ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ: وَلِلْعِبَادِ أَفْعَالٌ اخْتِيَارِيَّةٌ يُثَابُونَ بِهَا إِنْ كَانَتْ طَاعَةً، وَيُعَاقَبُونَ عَلَيْهَا إِنْ كَانَتْ مَعْصِيَةً، لَا كَمَا زَعَمَتِ الْجَبْرِيَّةُ أَنَّهُ لَا فِعْلَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا، وَأَنَّ حَرَكَاتِهِ بِمَنْزِلَةِ حَرَكَاتِ الْجَمَادَاتِ لَا قُدْرَةَ عَلَيْهَا، وَلَا قَصْدَ وَلَا اخْتِيَارَ، وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّا نُفَرِّقُ بِالضَّرُورَةِ بَيْنَ حَرَكَةِ الْبَطْشِ، وَحَرَكَةِ الِارْتِعَاشِ، وَنَعْلَمُ أَنَّ الْأَوَّلَ بِاخْتِيَارِهِ دُونَ الثَّانِي ; وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ فِعْلٌ أَصْلًا لَمَا صَحَّ تَكْلِيفٌ، وَلَا يَتَرَتَّبُ اسْتِحْقَاقُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى أَفْعَالِهِ، وَلَا إِسْنَادُ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَقْتَضِي سَابِقَةَ الْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ إِلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ، مِثْلُ: صَلَّى وَصَامَ وَكَتَبَ - بِخِلَافِ مِثْلِ طَالَ وَاسْوَدَّ لَوْنُهُ، وَالنُّصُوصُ الْقَطْعِيَّةُ تَنْفِي ذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ - فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ١٧ - ٢٩] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. قَالَ الْمُحَقِّقُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ: فَإِنْ قِيلَ بَعْدَ تَعْمِيمِ عِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِرَادَتِهِ: الْجَبْرُ لَازِمٌ قَطْعًا لِأَنَّهُمَا إِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَا بِوُجُودِ الْفِعْلِ فَيَجِبُ، أَوْ بِعَدَمِهِ فَيَمْتَنِعُ. قُلْنَا: يَعْلَمُ وَيُرِيدُ أَنَّ الْعَبْدَ يَفْعَلُهُ أَوْ يَتْرُكُهُ بِاخْتِيَارِهِ فَلَا إِشْكَالَ. فَإِنْ قِيلَ: فَيَكُونُ فِعْلُهُ الِاخْتِيَارِيُّ وَاجِبًا أَوْ مُمْتَنِعًا، وَهَذَا يُنَافِي الِاخْتِيَارَ. قُلْنَا: مَمْنُوعٌ فَإِنَّ الْوُجُوبَ بِالِاخْتِيَارِ مُحَقِّقٌ لِلِاخْتِيَارِ لَا مُنَافٍ، وَأَيْضًا مَنْقُوضٌ بِأَفْعَالِ الْبَارِي تَعَالَى، فَإِنْ قِيلَ: لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْعَبْدِ فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ إِلَّا كَوْنُهُ مُوجِدًا

стр. 293

لِأَفْعَالِهِ بِالْقَصْدِ، وَالْإِرَادَةِ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مُسْتَقِلٌّ بِخَلْقِ الْأَفْعَالِ وَإِيجَادِهَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْدُورَ الْوَاحِدَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ. قَالَ التَّفْتَازَانِيُّ: قُلْنَا لَا كَلَامَ فِي قُوَّةِ هَذَا الْكَلَامِ وَمَتَانَتِهِ، إِلَّا أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ بِالْبُرْهَانِ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَبِالضَّرُورَةِ أَنَّ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ وَإِرَادَتِهِ مَدْخَلًا فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ، كَحَرَكَةِ الْبَطْشِ دُونَ الْبَعْضِ كَحَرَكَةِ الِارْتِعَاشِ؛ احْتَجْنَا فِي التَّفَصِّي عَنْ هَذَا الْمَضِيقِ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَالِقٌ وَالْعَبْدَ كَاسِبٌ، وَإِيجَادَ اللَّهِ - تَعَالَى - الْفِعْلَ عَقِيبَ ذَلِكَ خَلْقٌ، وَالْمَقْدُورَ الْوَاحِدَ دَاخِلٌ تَحْتَ قُدْرَتَيْنِ، لَكِنْ بِجِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. فَإِنَّ الْفِعْلَ مَقْدُورُ اللَّهِ بِجِهَةِ الْإِيجَادِ، وَمَقْدُورُ الْعَبْدِ بِجِهَةِ الْكَسْبِ، وَهَذَا الْقَدَرُ مِنَ الْمَعْنَى الضَّرُورِيِّ، وَإِنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلَى أَزْيَدَ مِنْ ذَلِكَ فِي تَلْخِيصِ الْعِبَارَةِ الْمُفْصِحَةِ عَنْ تَحْقِيقِ كَوْنِ الْعَبْدِ كَاسِبًا بِخَلْقِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِيجَادِهِ مَعَ مَا لِلْعَبْدِ مِنَ الْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ. وَمِنْ جُمْلَةِ مَا لَهُمْ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْكَسْبِ، وَالْخَلْقِ أَنَّ الْكَسْبَ وَقَعَ بِآلَةٍ، وَالْخَلْقَ لَا بِآلَةٍ، وَالْكَسْبَ لَا يَصِحُّ انْفِرَادُ الْقَادِرِ بِهِ، وَالْخَلْقَ يَصِحُّ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَثْبَتُّمْ مَا نَسَبْتُمْ إِلَى الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ إِثْبَاتِ الشَّرِكَةِ، قُلْنَا: الشَّرِكَةُ أَنْ يَجْتَمِعَ اثْنَانِ عَلَى شَيْءٍ وَيَنْفَرِدَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِمَا هُوَ لَهُ دُونَ الْآخَرِ كَشُرَكَاءِ الْقَرْيَةِ وَالْمَحَلَّةِ، كَمَا إِذَا جُعِلَ الْعَبْدُ خَالِقًا لِأَفْعَالِهِ، وَالصَّانِعُ خَالِقًا لِسَائِرِ الْأَعْرَاضِ وَالْأَجْسَامِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا أُضِيفَ أَمْرٌ إِلَى شَيْئَيْنِ بِجِهَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، كَالْأَرْضِ تَكُونُ مِلْكًا لِلَّهِ - تَعَالَى - بِجِهَةِ التَّخْلِيقِ، وَلِلْعِبَادِ بِجِهَةِ ثُبُوتِ التَّصَرُّفِ، وَكَفِعْلِ الْعَبْدِ يُنْسَبُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - بِجِهَةِ الْخَلْقِ، وَإِلَى الْعَبْدِ بِجِهَةِ الْكَسْبِ. فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ كَانَ كَسْبُ الْقَبِيحِ قَبِيحًا سَفَهًا مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِ الذَّمِّ بِخِلَافِ خَلْقِهِ؟ قُلْنَا: لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْخَالِقَ حَكِيمٌ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا إِلَّا وَلَهُ عَاقِبَةٌ حَمِيدَةٌ، وَإِنْ لَمْ نَطَّلِعْ عَلَيْهَا، فَجَزَمْنَا بِأَنَّ مَا نَسْتَقْبِحُهُ مِنَ الْأَفْعَالِ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِيهَا حِكَمٌ وَمَصَالِحُ كَمَا فِي خَلْقِ الْأَجْسَامِ الْخَبِيثَةِ الضَّارَّةِ الْمُؤْلِمَةِ، بِخِلَافِ الْكَاسِبِ فَإِنَّهُ قَدْ يَفْعَلُ الْحَسَنَ وَقَدْ

стр. 294

يَفْعَلُ الْقَبِيحَ، فَجَعَلْنَا كَسْبَهُ لِلْقَبِيحِ مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ قَبِيحًا سَفَهًا مُوجِبًا لِاسْتِحْقَاقِ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ ((وَكُلُّ مَا)) أَيْ فِعْلٍ أَوِ الَّذِي ((يَفْعَلُهُ الْعِبَادُ مِنْ طَاعَةٍ)) وَهِيَ مَا تَكُونُ مُتَعَلَّقَ الْمَدْحِ فِي الْعَاجِلِ، وَالثَّوَابِ فِي الْأَجَلِ ((أَوْ)) أَيْ: وَكُلُّ مَا يَفْعَلُونَهُ مِنْ ((ضِدِّهَا)) أَيْ ضِدِّ الطَّاعَةِ، وَهِيَ الْمَعْصِيَةُ، يَعْنِي: مَا فِيهِ ذَمٌّ فِي الْعَاجِلِ أَوِ اللَّوْمُ فِي الْآجِلِ ((مُرَادٌ لِرَبِّنَا)) - تَعَالَى - أَيْ دَاخِلٌ تَحْتَ إِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَاللَّهُ - تَعَالَى - خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ

стр. 295

مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَهُوَ - تَعَالَى - يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وَالْمُتَّقِينَ، وَيَرْضَى عَنِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَلَا يُحِبُّ الْفَسَادَ، وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ، وَمَعَ كَوْنِهِ - تَعَالَى - خَالِقَ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبَّهُ وَمَلِيكَهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَمَيَّزَ بَيْنَ أَعْيَانِهَا وَأَفْعَالِهَا، كَمَا قَالَ: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ - أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ - أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: ٣٥ - ٢٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر: ٢٢] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ مِمَّا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ وَانْقِسَامِ الْخَلْقِ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]

стр. 296

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠] وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ((مِنْ غَيْرِمَا)) زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ ((اضْطِرَارٍ)) افْتِعَالٌ مِنَ الضُّرِّ، وَأَصِلُهُ مُضْتَرِرٌ، فَأُدْغِمَتِ الرَّاءُ، وَقُلِبَتِ التَّاءُ طَاءً لِأَجْلِ الضَّادِ، أَيْ مِنْ غَيْرِ إِلْجَاءٍ وَجَبْرٍ وَإِكْرَاهٍ، فَالْحَقُّ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَصَرَفَهُ فِي مَا شَاءَ مِنْ تَوْبَةٍ وَإِصْرَارٍ وَحَوْبَةٍ وَاسْتِغْفَارٍ، وَثَنَى عِنَانَهُ إِلَى مُرَادَاتِهِ بِقُوَّةٍ وَاقْتِدَارٍ، مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ وَلَا إِجْبَارٍ وَلَا اضْطِهَادٍ وَلَا اضْطِرَارٍ، بَلْ خَلَقَ لَهُ قُدْرَةً وَنَوْعَ اخْتِيَارٍ فَيَفْعَلُ الْفِعْلَ وَيُوقِعُهُ بِإِذْنِ الْقَادِرِ الْجَبَّارِ، وَقَوْلُهُ: ((مِنْهُ)) أَيْ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - ((لَنَا)) - مَعْشَرَ الْعِبَادِ، بَلْ خَلَقَ فِينَا قُدْرَةً، وَأَقْدَرَنَا عَلَى إِيقَاعِ أَفْعَالِنَا بِالْإِذْنِ مِنْهُ، وَالتَّمْكِينِ لَنَا مِنَ التَّوَصُّلِ إِلَى امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ، وَالِانْكِفَافِ عَنْ مَوَاقِعِ الزَّوَاجِرِ، فَلِقُدْرَةِ الْعَبْدِ تَأْثِيرٌ فِي إِيجَادِ فِعْلِهِ لَا بِالِاسْتِقْلَالِ، وَالِاسْتِبْدَادِ، بَلْ بِالْإِعَانَةِ، وَالْإِذْنِ، وَالتَّمْكِينِ مِنَ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ الْجَوَادِ ((فَافْهَمْ)) فَهْمَ إِذْعَانٍ وَتَحْقِيقٍ وَتَحْرِيرٍ وَتَدْقِيقٍ، يُقَالُ: فَهِمَ الشَّيْءَ إِذَا عَلِمَهُ وَعَرَفَهُ بِقَلْبِهِ ((وَلَا تُمَارِ)) فِي عِلْمِكَ وَلَا تُجَارِ فِي فَهْمِكَ، بَلْ كُنْ مَعَ الْحَقِّ حَيْثُ كَانَ، وَلَا تَغْتَرَّ بِنُحَاتَةِ الْأَفْهَامِ وَزُبَالَةِ الْأَذْهَانِ، فَمَا ثَمَّ إِلَّا النَّصُّ الصَّرِيحُ وَالنَّقْلُ الصَّحِيحُ دُونَ الْمِحَالِ، وَمَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ، فَلَا تَكُونُ إِمَّعَةً فِي هَذَا الْبَابِ، وَتَخْلُدُ إِلَى الدَّعَةِ؛ فَيَحِيقُ بِكَ الْعَذَابُ، وَالْمِرَاءُ الْجِدَالُ، وَالْمُمَارَاةُ الْمُجَادَلَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّكِّ، وَالرِّيبَةِ، وَيُقَالُ لِلْمُنَاظَرَةِ مُمَارَاةٌ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَسْتَخْرِجُ مَا عِنْدَ صَاحِبِهِ وَيَمْتَرِيهِ، كَمَا يَمْتَرِي الْحَالِبُ اللَّبَنَ مِنَ الضَّرْعِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ» " وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قِيلَ أَرَادَ الْمِرَاءَ وَالْجِدَالَ فِي الْآيَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا الْقَدَرُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْمَعَانِي عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْكَلَامِ وَأَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْآرَاءِ، دُونَ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْأَحْكَامِ وَأَبْوَابِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ جَرَى بَيْنَ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ

стр. 297

مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْهُ وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ ظُهُورَ الْحَقِّ لِيُتَّبَعَ دُونَ الْغَلَبَةِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ - وَاللَّفْظُ لَهُ - وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا، وَمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا» "، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ وَلَفْظُهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنَا زَعِيمُ بَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ، وَبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ مَازِحٌ، وَبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَتْ سَرِيرَتُهُ» " وَرَبَضُ الْجَنَّةِ بِفَتْحِ الرَّاءِ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ: مَا حَوْلَهَا. وَهَذَا الْمَقَامُ زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ وَضَلَّتْ فِيهِ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالتَّصَوُّفِ، وَصَارُوا إِلَى مَا هُوَ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ النَّاسَ انْقَسَمُوا إِلَى طَرَفَيْ تَفْرِيطٍ وَإِفْرَاطٍ وَوَسَطٍ، أَمَّا الْمُفَرِّطُونَ فَالْقَدَرِيَّةُ يُعَظِّمُونَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، وَطَاعَةَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، لَكِنْ ضَلُّوا فِي الْقَدَرِ وَاعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ إِذَا أَثْبَتُوا مَشِيئَةً عَامَّةً وَقُدْرَةً تَامَّةً، وَخَلْقًا مُتَنَاوِلًا لِكُلِّ شَيْءٍ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْحُ فِي عَدْلِ الرَّبِّ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ، وَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ، وَالْقَدَرِيَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ هُوَ الْمُحْدِثُ لِلْمَعْصِيَةِ، كَمَا هُوَ الْمُحْدِثُ لِلطَّاعَةِ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - مَا أَحْدَثَ هَذَا وَلَا هَذَا، بَلْ أَمَرَ بِالطَّاعَةِ وَنَهَى عَنِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ لِلَّهِ نِعْمَةٌ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدِّينِ إِلَّا وَقَدْ أَنْعَمَ بِمِثْلِهَا عَلَى الْكُفَّارِ، فَعِنْدَهُمْ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَأَبَا لَهَبٍ مُسْتَوِيَانِ فِي نِعْمَةِ اللَّهِ الدِّينِيَّةِ، إِذْ كَلٌّ مِنْهُمَا أُرْسِلَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ، وَأُقْدِرَ عَلَى الْفِعْلِ، لَكِنْ هَذَا فَعَلَ الْإِيمَانَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخُصَّهُ بِنِعْمَةٍ آمَنَ بِهَا، وَهَذَا فَعَلَ الْكُفْرَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَضِّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمُؤْمِنَ، وَلَا خَصَّهُ بِنِعْمَةٍ آمَنَ لِأَجْلِهَا، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَبَّبَ الْإِيمَانَ إِلَى الْكُفَّارِ كَأَبِي لَهَبٍ وَأَمْثَالِهِ، كَمَا حَبَّبَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ كَعَلِيٍّ ﵁ وَأَمْثَالِهِ،

стр. 298

وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِ الطَّائِفَتَيْنِ وَكَرَّهَ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ إِلَيْهِمَا بِالسَّوَاءِ، لَكِنْ هَؤُلَاءِ كَرِهُوا مَا كَرَّهَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ نِعْمَةٍ خَصَّهُمْ بِهَا، وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَكْرَهُوا مَا كَرَّهَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: مَنْ تَوَهَّمَ مِنْهُمْ، أَوْ مَنْ نَقَلَ عَنْهُمْ أَنَّ الطَّاعَةَ مِنَ اللَّهِ، وَالْمَعْصِيَةَ مِنَ الْعَبْدِ، فَهُوَ جَاهِلٌ بِمَذْهَبِهِمْ، فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْقَدَرِيَّةِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولُوهُ، فَإِنَّ أَصْلَ قَوْلِهِمْ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ لِلطَّاعَةِ كَفِعْلِهِ لِلْمَعْصِيَةِ كِلْتَاهُمَا فَعَلَهُ بِقُدْرَةٍ تَحْصُلُ لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخُصَّهُ اللَّهُ - تَعَالَى - بِإِرَادَةٍ خَلَقَهَا فِيهِ تَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا، وَلَا قُوَّةٍ جَعَلَهَا فِيهِ تَخْتَصُّ بِأَحَدِهِمَا، فَمَنِ احْتَجَّ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩] عَلَى مَذْهَبِهِمْ كَانَ جَاهِلًا بِمَذْهَبِهِ، وَكَانَتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ لَا لَهُمْ؛ لِأَنَّهُ - تَعَالَى - قَالَ: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] وَعِنْدَهُمْ لَيْسَتِ الْحَسَنَاتُ الْمَفْعُولَةُ وَلَا السَّيِّئَاتُ الْمَفْعُولَةُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، بَلْ كِلَاهُمَا مِنَ الْعَبْدِ، وَاللَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ: الْحَسَنَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالسَّيِّئَةُ مِنَ الْعَبْدِ، قَالَ: وَلَمْ يُقِلْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ الْحَسَنَةَ الْمَفْعُولَةَ مِنَ اللَّهِ، وَالسَّيِّئَةَ الْمَفْعُولَةَ مِنَ الْعَبْدِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ: وَأَثْبَتَتِ الْقَدَرِيَّةُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَنَحْوِهِمْ مَا فِي الْحَيَوَانِ مِنَ الْقُدْرَةِ وَالِاخْتِيَارِ وَالْأَفْعَالِ دُونَ سَائِرِ الْقُوَى، وَالطَّبَائِعِ، وَالْأَفْعَالِ الَّتِي فِيهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَجْسَامِ وَغَلَوْا فِي أَفْعَالِ الْحَيَوَانِ حَتَّى جَعَلُوهَا تَحْدُثُ بِلَا سَبَبٍ مُحْدِثٍ لَهَا كَمَا زَعَمَهُ الْفَلَاسِفَةُ فِي الْحَرَكَةِ الْفَلَكِيَّةِ، وَجَعَلَ أَكْثَرُهُمْ مَا يَحْدُثُ بِسَبَبٍ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ فِعْلًا يُسَمُّونَهَا الْأَفْعَالَ الْمُتَوَلِّدَةَ، كَالشِّبَعِ عَنِ الْأَكْلِ، وَالرِّيِّ عَنِ الشُّرْبِ، وَخُرُوجِ السَّهْمِ عَنِ النَّزْعِ، وَحُصُولِ الْمَوْتِ عَنِ الضَّرْبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةُ تَارَةً يُثْبِتُونَ حَادِثًا بِلَا مُحْدِثٍ، وَمُمْكِنًا يُرَجَّحُ وُجُودُهُ عَلَى عَدَمِهِ، بِلَا مُرَجِّحٍ كَحُدُوثِ فِعْلِ الْحَيَوَانِ، وَتَارَةً يُضِيفُونَ الْحَدَثَ إِلَى بَعْضِ أَسْبَابِهِ دُونَ سَائِرِ أَسْبَابِهِ، كَإِضَافَةِ الْمُتَوَلِّدَاتِ إِلَى فِعْلِ الْإِنْسَانِ دُونَ غَيْرِهِ، وَتَارَةً يُنْكِرُونَ الْأَسْبَابَ كَإِنْكَارِهِمْ مَا فِي الْأَجْسَامِ مِنَ الْقُوَّةِ الطَّبِيعِيَّةِ غَيْرِ الْإِرَادِيَّةِ. وَالْأَسْبَابُ ثَابِتَةٌ، وَهِيَ حَادِثَةٌ بِإِحْدَاثِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى أَسْبَابٍ أُخَرَ، وَلَهَا مَوَانِعُ، وَهَؤُلَاءِ يَنْفُونَ بَعْضَهَا وَيَجْعَلُونَ بَعْضَهَا حَادِثًا بِغَيْرِ إِحْدَاثِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَيَجْعَلُونَ ذَلِكَ الْمُحْدَثَ مُسْتَقِلًّا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى مُشَارِكٍ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ

стр. 299

- قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْجَبْرِيَّةِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ، فَإِنَّ قَوْلَ الْجَبْرِيَّةِ كَمَا يَأْتِي يَتَضَمَّنُ تَرْجِيحَ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُرَجَّحٍ، وَحُدُوثَ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا، وَقَوْلُ الْقَدَرِيَّةِ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، وَيَزِيدُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ حُدُوثَ جَمِيعِ الْحَوَادِثِ بِلَا مُحْدِثٍ أَصْلًا، وَيَتَضَمَّنُ إِضَافَتَهُمُ الْحَوَادِثَ إِلَى مَا لَا يُعْلَمُ ثُبُوتُهُ بَلْ يُعْلَمُ انْتِفَاؤُهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَيَتَضَمَّنُ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ السَّبَبَ مُسْتَقِلًّا بِالْإِحْدَاثِ مَعَ افْتِقَارِهِ إِلَى شَرِيكٍ يُعَاوِنُهُ وَمَانِعٍ يُعَارِضُهُ. وَافْتِقَارُهُ إِلَى مُحْدِثٍ يُحْدِثُهُ فَلَا يُثْبِتُونَ لَا مُحْدِثَهُ وَلَا شَرِيكَهُ وَلَا مَانِعَهُ. بَلْ يُضِيفُونَ إِلَى السَّبَبِ الْمُحْدِثِ، الَّذِي لَهُ شُرَكَاءُ وَمَوَانِعُ، وَحُصُولُ الْأَثَرِ بِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى فِعْلِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَيُضِيفُونَ إِلَيْهِ مَعَ هَذَا - مَا هُوَ مَخْلُوقٌ لِلرَّبِّ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا ضِدَّ لَهُ، وَلَا رَبَّ سِوَاهُ. وَلِهَذَا كَانَ إِلْحَادُ هَؤُلَاءِ ظَاهِرًا عِنْدَ أَهْلِ الْمِلَّةِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِينَ فَإِنَّهُمْ مَعْدُودُونَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ. قَالَ: وَهَذَا الْمَقَامُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَامَاتِ الَّتِي اضْطَرَبَ فِيهَا مُبْتَدِعَةُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَمَلَاحِدَةُ الْفَلَاسِفَةِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْوَاحِدَ يُصَنِّفُ الْكُتُبَ الْمُتَعَدِّدَةَ، فَيَنْصُرُ قَوْلَ هَؤُلَاءِ فِي كِتَابٍ، كَمَا يَقَعُ فِي كُتُبِ الرَّازِيِّ، وَالْآمِدِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِمْ. [تنبيهات] [التنبيه الأول أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ] تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلَ: أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، وَكَانَ أَوَّلًا يَجْلِسُ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، ثُمَّ سَلَكَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ بَعْدَهُ مَسْلَكَهُ، لَمَّا رَأَوْا عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ يَنْتَحِلُهُ، وَقِيلَ: بَلْ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ مَعْبَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُوَيْمِرٍ. قَالَهُ السَّمْعَانِيُّ، وَبَعْضُ عُلَمَاءِ الْأَشَاعِرَةِ وَغَيْرُهُمْ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي كِتَابِهِ " شَرْحِ الْإِيمَانِ ": أَوَّلُ مَنِ ابْتَدَعَهُ بِالْعِرَاقِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ سِيسَوَيْهِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمَجُوسِ وَتَلَقَّاهُ عَنْهُ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ. وَقَالَ الْعَلَامَةُ الطَّوْفِيُّ فِي شَرْحِ تَائِيَّةِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: كَانَ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ سَوْسَنُ رَجُلٌ مِنْ أَبْنَاءِ الْمَجُوسِ، ثُمَّ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، وَأَخَذَ غَيْلَانُ عَنْ مَعْبَدٍ. وَيُقَالُ: أَوَّلُ مَا حَدَثَ - فِي الْحِجَازِ لَمَّا احْتَرَقَتِ الْكَعْبَةُ، فَقَالَ رَجُلٌ: احْتَرَقَتْ بِقَدَرِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَقَالَ آخَرُ: لَمْ يَقْدِرِ اللَّهُ هَذَا. وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَحَدٌ يُنْكِرُ الْقَدَرَ، فَلَمَّا ابْتَدَعَ هَؤُلَاءِ التَّكْذِيبَ بِالْقَدَرِ رَدَّ عَلَيْهِمْ مَنْ بَقِيَ مِنَ الصَّحَابَةِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ

стр. 300

بْنِ عَبَّاسٍ وَوَائِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵃، وَكَانَ أَكْثَرُهُ بِالْبَصْرَةِ وَالشَّامِ، وَقَلِيلٌ مِنْهُ بِالْحِجَازِ. فَأَكْثَرُ كَلَامِ السَّلَفِ فِي ذَمِّ هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ ; وَلِهَذَا قَالَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ: الْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ: الْأَمْرُ مُسْتَقْبَلٌ، وَأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْدِرِ الْكِتَابَةَ وَالْأَعْمَالَ، وَالْمُرْجِئَةُ يَقُولُونَ: الْقَوْلُ يُجْزِي عَنِ الْعَمَلِ. والْجَهْمِيَّةُ يَقُولُونَ: الْمَعْرِفَةُ تُجْزِي عَنِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، قَالَ وَكِيعٌ: هُوَ كُلُّهُ الْكُفْرُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلَكِنْ لَمَّا اشْتَهَرَ الْكَلَامُ فِي الْقَدَرِ، وَدَخَلَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ، وَالْعِبَادَةِ، صَارَ جُمْهُورُ الْقَدَرِيَّةِ يُقِرُّونَ بِتَقَدُّمِ الْعِلْمِ، وَإِنَّمَا يُنْكِرُونَ عُمُومَ الْمَشِيئَةِ، وَالْخَلْقِ. وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فِي إِنْكَارِ الْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَالسَّعَادَةِ - رِوَايَتَانِ. [التنبيه الثاني الْقَدَرِيَّةُ فِرْقَتَانِ غلاة ودونهم] الثَّانِي: الْقَدَرِيَّةُ فِرْقَتَانِ. الْأَوْلَى: تُنْكِرُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ سَبْقِ الْعِلْمِ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُجُودِهَا، وَتَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّرِ الْأُمُورَ أَزَلًا، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ عِلْمُهُ بِهَا، وَإِنَّمَا يَأْتَنِفُهَا عِلْمًا حَالَ وُقُوعِهَا، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْعِبَادَ وَنَهَاهُمْ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مَنْ يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، وَلَا مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِمَّنْ يَدْخُلُ النَّارَ حَتَّى فَعَلُوا ذَلِكَ، فَعَلِمَهُ بَعْدَ مَا فَعَلُوهُ ; وَلِهَذَا قَالُوا: الْأَمْرُ أُنُفٌ، أَيْ مُسْتَأْنَفٌ، يُقَالُ: رَوْضٌ أُنُفٌ إِذَا كَانَتْ وَافِيَةً لَمْ تُرْعَ قَبْلَ ذَلِكَ، يَعْنِي أَنَّهُ يَسْتَأْنِفُ الْعَمَلَ السَّعِيدُ وَالشَّقِيُّ، وَيَبْتَدِئُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَدْ تَقَدَّمَ بِذَلِكَ عِلْمٌ وَلَا كِتَابٌ، فَلَا يَكُونُ الْعَمَلُ عَلَى مَا قَدَّرَ، فَيَحْتَذِي بِهِ حَذْوَ الْقَدَرِ، بَلْ هُوَ أَمْرٌ مُسْتَأْنَفٌ مُبْتَدَأٌ، وَالْوَاحِدُ مِنَ النَّاسِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا قَدَّرَ فِي نَفْسِهِ مَا يُرِيدُ عَمَلَهُ، ثُمَّ يُوقِعُهُ كَمَا قَدَّرَ فِي نَفْسِهِ، وَرُبَّمَا أَظْهَرَ مَا قَدَّرَهُ فِي الْخَارِجِ بِصُورَتِهِ، وَيُسَمَّى هَذَا التَّقْدِيرُ الَّذِي فِي النَّفْسِ خَلْقًا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَا خَلَقْتَ وَبِعْـ ... ـضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي يَقُولُ: إِذَا قَدَّرْتَ أَمْرًا أَمْضَيْتَهُ وَأَنْفَذْتَهُ، بِخِلَافِ غَيْرِكَ، فَإِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ إِمْضَاءِ مَا يُقَدِّرُهُ، وَالرَّبُّ تَعَالَى أَوْلَى. قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - يَعْلَمُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَشْيَاءَ كُلَّ مَا سَيَكُونُ، وَهُوَ يَخْلُقُ بِمَشِيئَتِهِ، فَهُوَ يَعْلَمُهُ وَيُرِيدُهُ، وَإِرَادَتُهُ - تَعَالَى - قَائِمَةٌ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ يَتَكَلَّمُ بِهِ وَيُخْبِرُ بِهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥] وَقَالَ: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [طه: ١٢٩] وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ - إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ - وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣] وَقَالَ:

стр. 301

﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [هود: ١١٠] الْآيَةَ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ كَتَبَ مَا يُقَدِّرُهُ فِيمَا يُقَدِّرُهُ فِيهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَلَقَ الْخَلْقَ وَعَلِمَ مَا هُمْ عَامِلُونَ، ثُمَّ قَالَ لِعِلْمِهِ كُنْ كِتَابًا فَكَانَ كِتَابًا، ثُمَّ أَنْزَلَ تَصْدِيقَ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَالْمُنْكِرُونَ لِهَذَا انْقَرَضُوا، وَهُمُ الَّذِينَ كَفَّرَهُمْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مَالِكٌ، وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ ﵃، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمُ الشَّافِعِيُّ: إِنْ سَلَّمَ الْقَدَرِيَّةُ الْعِلْمَ خُصِمُوا. يَعْنِي يُقَالُ لَهُمْ: أَيَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فِي الْوُجُودِ خِلَافُ مَا تَضَمَّنَهُ الْعِلْمُ؟ فَإِنْ مَنَعُوا وَافَقُوا أَهْلَ السُّنَّةِ، وَإِنْ أَجَازُوا لَزِمَهُمْ نِسْبَةُ الْجَهْلِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] هَذِهِ حُجَّةٌ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الْبَدَائِعِ: أَرَادَ الْقَدَرِيَّةَ الْمُنْكِرَةَ لِلْعِلْمِ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا، وَهُمْ غُلَاتُهَا الَّذِينَ كَفَّرَهُمُ السَّلَفُ، وَإِلَّا فَلَا تَعَرُّضَ فِيهَا لِمَسْأَلَةِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ. انْتَهَى. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَدِ انْقَرَضَ هَذَا الْمَذْهَبُ فَلَا نَعْرِفُ أَحَدًا يُنْسَبُ إِلَيْهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. الثَّانِيَةُ مِنْ فِرْقَتَيِ الْقَدَرِيَّةِ: الْمُقِرُّونَ بِالْعِلْمِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: الْقَدَرِيَّةُ الْيَوْمَ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَإِنَّمَا خَالَفُوا السَّلَفَ فِي زَعْمِهِمْ بِأَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَقْدُورَةٌ لَهُمْ وَوَاقِعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِقْلَالِ، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ مَذْهَبًا بَاطِلًا أَخَفُّ مِنَ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ، قَالَ: وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْهُمْ أَنْكَرُوا تَعَلُّقَ الْإِرَادَةِ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ فِرَارًا مِنْ تَعَلُّقِ الْقَدِيمِ بِالْمُحْدَثِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَأَمَّا هَؤُلَاءِ - يَعْنِي الْفِرْقَةَ الثَّانِيَةَ - فَإِنَّهُمْ مُبْتَدِعُونَ ضَالُّونَ لَكِنَّهُمْ لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ أُولَئِكَ، قَالَ: وَفِي هَؤُلَاءِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْعُبَّادِ، كُتِبَ عَنْهُمْ، وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ لِجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ، لَكِنْ مَنْ كَانَ دَاعِيَةً لَمْ يُخَرِّجُوا لَهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ فُقَهَاءِ الْحَدِيثِ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ كَانَ دَاعِيَةً إِلَى بِدْعَةٍ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ لِدَفْعِ ضَرَرِهِ عَنِ النَّاسِ

стр. 302

، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ مُجْتَهِدًا، فَأَقَلُّ عُقُوبَتِهِ أَنْ يُهْجَرَ، فَلَا يَكُونَ لَهُ مَرْتَبَةٌ فِي الدِّينِ، فَلَا يُؤْخَذَ عَنْهُ الْعِلْمُ وَلَا يُسْتَقْضَى، وَلَا تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ; وَلِهَذَا لَمْ يُخَرِّجْ أَصْحَابُ الصَّحِيحِ لِمَنْ كَانَ دَاعِيَةً، وَلَكِنْ رَوَوْا هُمْ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ كَانَ يَرَى فِي الْبَاطِنِ رَأْيَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَوْ تَرَكْنَا الرِّوَايَةَ عَنِ الْقَدَرِيَّةِ لَتَرَكْنَا أَكْثَرَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ -: هَذَا لِأَنَّ مَسْأَلَةَ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَإِرَادَةِ الْكَائِنَاتِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ ; وَلِهَذَا الْقَدَرِيَّةُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ أَخْطَئُوا فِيهَا، وَقَدْ أَخْطَأَ أَيْضًا كَثِيرٌ مِمَّنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُمْ سَلَكُوا فِي رَدِّهِمْ عَلَيْهِمْ مَسْلَكَ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَأَتْبَاعِهِ، فَنَفَوْا حِكْمَةَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، وَنَفَوْا رَحْمَتَهُ بِعِبَادِهِ، وَنَفَوْا مَا جَعَلَهُ سُبْحَانَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ خَلْقًا وَأَمْرًا وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةُ فَرَّطُوا غَايَةَ التَّفْرِيطِ، بِحَيْثُ إِنَّهُمْ نَفَوْا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ - تَعَالَى - خَالِقًا لِأَفْعَالِ عِبَادِهِ، فَأَثْبَتُوا خَالِقًا غَيْرَهُ مُسْتَقِلًّا بِالْخَلْقِ، وَالْأَمْرِ دُونَهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [التنبيه الثالث بَعْضِ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْقَدَرِيَّةِ] الثَّالِثُ: فِي بَعْضِ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّ الْقَدَرِيَّةِ مِنَ الْآثَارِ، وَالْأَخْبَارِ، وَمَا رَدَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ الْأَخْيَارِ، وَالْأَئِمَّةِ الْأَبْرَارِ. رَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ، أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ، فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوَفَّقَ لَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قَبْلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَفَقَّدُونَ الْعِلْمَ - وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ - وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ، فَقَالَ: إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدْرِ - ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ جِبْرِيلَ ﵇ وَفِيهِ " وَتُؤْمِنَ بِالْقَدْرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ - زَادَ فِي رِوَايَةٍ - وَحُلْوِهِ

стр. 303

وَمُرِّهِ " الْحَدِيثَ، وَفِي رَاوِيَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ، وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَا: «لَقِينَا ابْنَ عُمَرَ فَذَكَرْنَا لَهُ الْقَدَرَ وَمَا يَقُولُونَ فِيهِ فَذَكَرَا نَحْوَهُ، وَزَادَ قَالَ: وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ، أَوْ جُهَيْنَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فِيمَ نَعْمَلُ؟ فِي شَيْءٍ خَلَا وَمَضَى، أَوْ شَيْءٍ مُسْتَأْنَفٍ؟ " قَالَ: فِي شَيْءٍ خَلَا وَمَضَى - فَقَالَ الرَّجُلُ، أَوْ بَعْضُ الْقَوْمِ: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ قَالَ: " إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ» " وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَفِيهِ قَالَ: «يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ قَالَ: " أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَالْكِتَابِ، وَالنَّبِيِّينَ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ " قَالَ: فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْتُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَعَمْ " قَالَ: صَدَقْتَ» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنَ بِالْمَوْتِ، وَيُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ» ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ: أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ، وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ، وَيُثْبِتُ الْحُجَّةَ عَلَيْهِمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ شَيْءٌ مَضَى عَلَيْهِمْ، وَقُضِيَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: فَقَالَ: فَلَا يَكُونُ ظَالِمًا؟ قَالَ: فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا، وَقُلْتُ: كُلُّ شَيْءٍ خَلَقَ اللَّهُ وَمَلَكَ اللَّهُ فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ. فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ، إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ إِلَّا لِأَحْزُرَ عَقْلَكَ، «إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ، أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ؟ وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا - فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧ - ٨] » وَفِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا " «الْقَدَرُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَآمَنَ بِالْقَدَرِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى» " وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا " «الْقَدَرُ سِرُّ اللَّهِ» " وَفِي الْجَامِعِ الْكَبِيرِ عَنِ الْحَارِثِ، قَالَ: جَاءَ

стр. 304

رَجُلٌ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ، قَالَ: طَرِيقٌ مُظْلِمٌ لَا تَسْلُكْهُ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ، قَالَ: بَحْرٌ عَمِيقٌ لَا تَلِجْهُ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ، قَالَ: سِرُّ اللَّهِ خَفِيَ عَلَيْكَ فَلَا تُفْشِهِ، قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ - وَسَاقَ الْكَلَامَ فِي جَوَابِ السَّائِلِ، إِلَى أَنَّهُ قَالَ: أَيُّهَا السَّائِلُ تَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِمَنْ؟ قَالَ: إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، قَالَ: أَفَتَعْلَمُ مَا فِي تَفْسِيرِهَا؟ قَالَ: تُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: إِنَّ تَفْسِيرَهَا لَا يَقْدِرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَلَا تَكُونُ لَهُ قُوَّةٌ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا إِلَّا بِاللَّهِ، أَيُّهَا السَّائِلُ أَلَكَ مَعَ اللَّهِ مَشِيئَةٌ، أَوْ فَوْقَ اللَّهِ مَشِيئَةٌ، أَوْ دُونَ اللَّهِ مَشِيئَةٌ؟ فَإِنْ قُلْتَ: إِنَّ لَكَ دُونَ اللَّهِ مَشِيئَةً، اكْتَفَيْتَ بِهَا عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ لَكَ فَوْقَ اللَّهِ مَشِيئَةً، فَقَدِ ادَّعَيْتَ أَنَّ قُوَّتَكَ وَمَشِيئَتَكَ غَالِبَتَانِ عَلَى قُوَّةِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَإِنْ زَعَمْتَ أَنَّ لَكَ مَعَ اللَّهِ مَشِيئَةً، فَقَدِ ادَّعَيْتَ مَعَ اللَّهِ شِرْكًا فِي مَشِيئَتِهِ. الْأَثَرُ الْمَرْوِيُّ بِطُولِهِ، وَالْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَأَمَّا ذَمُّ الْقَدَرِيَّةِ فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَرِجَالُهُ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ، لَكِنْ ذَكَرَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ أَنَّ فِي سَنَدِهِ انْقِطَاعًا، وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بِأَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْقَطَّانِ الْفَاسِيَّ الْحَافِظَ صَحَّحَ سَنَدَهُ، وَقَالَ: إِنَّ أَبَا حَازِمٍ عَاصَرَ ابْنَ عُمَرَ وَكَانَ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ، وَمُسْلِمٌ يَكْتَفِي فِي الِاتِّصَالِ بِالْمُعَاصِرَةِ، فَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. قُلْتُ: وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمَوْضُوعَاتِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَلَفْظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسًا، وَمَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْقَدَرِيَّةُ، فَلَا تَعُودُوهُمْ إِذَا مَرِضُوا وَلَا تُصَلُّوا عَلَيْهِمْ إِذَا مَاتُوا» " رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ. وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ، وَتَعَقَّبَهُ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ بِأَنَّ جَعْفَرَ بْنَ الْحَارِثِ الَّذِي أَعَلَّهُ بِهِ قَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، فَقَالَ: لَمْ أَرَ فِي أَحَادِيثِهِ حَدِيثًا مُنْكَرًا، أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ

стр. 305

بِهِ. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: حِفْظُهُ سَيِّئٌ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ، وَالْحَدِيثُ وَرَدَ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ فِي الْأَوْسَطِ، وَاللَّالَكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ، بَعْضُهَا عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ، وَسَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، واللَّالَكَائِيُّ أَيْضًا، وَأَنَسٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ أَخْرَجَهُ اللَّالَكَائِيُّ، وَوَرَدَ عَنْ عُمَرَ مَوْقُوفًا أَخْرَجَهُ اللَّالَكَائِيُّ. وَأَقُولُ: قَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَلَا أَعْرِفُ لَهُ عِلَّةً عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمْ كُلُّ نَبِيٍّ مُجَابٍ: الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ عَلَى أُمَّتِي بِالْجَبَرُوتِ لِيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ وَيُعِزَّ مَنْ أَزَلَّ اللَّهُ، وَالْمُسْتَحِلُّ حُرْمَةَ اللَّهِ، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالتَّارِكُ لِلسُّنَّةِ» " وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «تَكُونُ قَدَرِيَّةٌ ثُمَّ تَكُونُ زَنَادِقَةٌ ثُمَّ تَكُونُ مَجُوسٌ، وَإِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسًا، وَإِنَّ مَجُوسَ أُمَّتِي الْمُكَذِّبَةُ بِالْقَدَرِ، فَإِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ، وَلَا تَتْبَعُوا لَهُمْ جَنَازَةً» " قَالَ الْخَاطِبِيُّ: إِنَّمَا جَعَلَهُمْ مَجُوسًا لِمُضَاهَاةِ مَذْهَبِهِمْ مَذْهَبَ الْمَجُوسِ فِي قَوْلِهِمْ بِالْأَصْلَيْنِ، وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخَيْرَ مَنْ فَعَلَ النُّورَ، وَالشَّرَّ مَنْ فَعَلَ الظُّلْمَةَ فَصَارُوا ثَنَوِيَّةً، وَكَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ يُضِيفُونَ الْخَيْرَ إِلَى اللَّهِ، وَالشَّرَّ إِلَى غَيْرِهِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - خَالِقُ الْأَمْرَيْنِ مَعًا. وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: الْقَدَرِيَّةُ فِي إِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْخَيْرَ مِنَ اللَّهِ، وَالشَّرَّ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُرِيدُ أَفْعَالَ الْعُصَاةِ، وَسُمُّوا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ أَثْبَتُوا لِلْعَبْدِ قُدْرَةً تُوجِدُ الْفِعْلَ بِانْفِرَادِهَا وَاسْتِقْلَالِهَا دُونَ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَنَفَوْا أَنْ تَكُونَ الْأَشْيَاءُ بِقَدَرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ، قَالَ: وَهَؤُلَاءِ مَعَ ضَلَالَتِهِمْ يُضِيفُونَ الِاسْمَ إِلَى مُخَالِفِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْهُدَى، فَيَقُولُونَ: أَنْتُمُ الْقَدَرِيَّةُ حِينَ تَجْعَلُونَ الْأَشْيَاءَ جَارِيَةً بِقَدَرٍ مِنَ اللَّهِ، وَإِنَّكُمْ أَوْلَى بِهَذَا

стр. 306

الِاسْمِ مِنَّا لِأَنَّكُمْ تُثْبِتُونَ الْقَدَرَ، وَنَحْنُ نَنْفِيهِ، وَمُثْبِتُهُ أَحَقُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مِنْ نَافِيهِ، فَأَنْتُمُ الدَّاخِلُونَ تَحْتَ وَعِيدِ الْحَدِيثِ دُونَنَا. فَأَجَابَهُمُ الْمُثْبِتُونَ بِأَنَّكُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ ; لِأَنَّكُمْ تُثْبِتُونَ الْقَدَرَ لِأَنْفُسِكُمْ وَنَحْنُ نَنْفِيهِ عَنْ أَنْفُسِنَا، وَمُثْبِتُ الشَّيْءِ لِنَفْسِهِ أَوْلَى بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مِمَّنْ نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَيْضًا هَذَا الْحَدِيثُ يُبْطِلُ مَا قَالُوهُ، فَإِنَّهُ قَالَ ﷺ : " «الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمَّةِ» " وَمَعَنَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ لِمُشَابِهَتِهِمُ الْمَجُوسَ فِي مَذْهَبِهِمْ وَقَوْلِهِمْ بِالْأَصْلَيْنِ، وَهُمَا النُّورُ وَالظُّلْمَةُ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يُهْمَلْ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْمُفَرِّطُونَ فَالْجَبْرِيَّةُ وَهُمُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ لَا فِعْلَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا، وَأَنَّ حَرَكَاتِهِ بِمَنْزِلَةِ حَرَكَاتِ الْجَمَادَاتِ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَا قَصْدَ وَلَا اخْتِيَارَ، فَأَثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَهَذَا جَيِّدٌ، لَكِنْ نَفَوْا تَأْثِيرَ الْأَسْبَابِ، وَالْحِكَمِ فِي الْجَمَادِ وَالْحَيَوَانِ، وَأَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ لِلْحَيَوَانِ مِنَ الْإِنْسَانِ أَوْ غَيْرِهِ فِعْلٌ يَفْعَلُهُ بِقُدْرَتِهِ، وَحَقِيقَةُ قَوْلِ هَؤُلَاءِ تَرْجِيحُ أَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مَرْجُوحٍ، وَحُدُوثُ الْحَوَادِثِ بِلَا سَبَبٍ أَصْلًا، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: قَابَلَ الْقَدَرِيَّةَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْعُبَّادِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ، وَالتَّصَوُّفِ، فَأَثْبَتُوا الْقَدَرَ وَآمَنُوا بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَهَذَا حَسَنٌ، لَكِنَّهُمْ قَصَّرُوا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَأَفْرَطُوا حَتَّى غَلَا بِهِمُ الْأَمْرُ إِلَى الْإِلْحَادِ فَصَارُوا مِنْ جِنْسِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] قَالَ: فَأُولَئِكَ الْقَدَرِيَّةُ، وَإِنْ كَانُوا يُشْبِهُونَ الْمَجُوسَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ أَثْبَتُوا فَاعِلًا لِمَا اعْتَقَدُوهُ شَرًّا غَيْرَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَهَؤُلَاءِ شَابَهُوا الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] فَالْمُشْرِكُونَ شَرٌّ مِنَ الْمَجُوسِ ; لِأَنَّ الْمَجُوسَ يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، حَتَّى ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى حِلِّ نِسَائِهِمْ وَطَعَامِهِمْ، وَأَمَّا الْمُشْرِكُونَ فَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ نِسَائِهِمْ. وَمَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ، وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لَا يُقَرُّونَ بِالْجِزْيَةِ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ الْقَدَرَ وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَى إِبْطَالِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ

стр. 307

فَهُوَ شَرٌّ مِمَّنْ أَثْبَتَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَلَمْ يُثْبِتِ الْقَدَرَ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَلِ، بَلْ بَيْنَ جَمِيعِ الْخَلْقِ، فَإِنَّ مَنِ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ وَشَهِدَ الرُّبُوبِيَّةَ الْعَامَّةَ لِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَحْظُورِ، وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَأَهِلِ الطَّاعَةِ وَأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ؛ لَمْ يُؤْمِنْ بِأَحَدٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَلَا شَيْءٍ مِنَ الْكِتَابِ، وَكَانَ عِنْدَهُ آدَمُ وَإِبْلِيسُ سَوَاءً، وَنُوحٌ وَقَوْمُهُ سَوَاءً، وَمُوسَى وَفِرْعَوْنُ سَوَاءً، وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ وَكُفَّارُ مَكَّةَ سَوَاءً، وَهَذَا الضَّلَالُ قَدْ كَثُرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ التَّصَوُّفِ وَالزُّهْدِ وَالْعِبَادَةِ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا قَرَنُوا بِهِ تَوْحِيدَ أَهْلِ الْكَلَامِ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ وَالْمَشِيئَةِ مِنْ غَيْرِ إِثْبَاتِ الْمَحَبَّةِ وَالْبُغْضِ وَالرِّضَا وَالسُّخْطِ، الَّذِينَ يَقُولُونَ: التَّوْحِيدُ هُوَ تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَأَمَّا الْإِلَهِيَّةُ فَهِيَ عِنْدَهُمُ الْقُدْرَةُ عَلَى الِاخْتِرَاعِ، وَعِنْدَهُمْ مُجَرَّدُ الْإِقْرَارِ بِأَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ كَافٍ، لَا يَدَّعُونَ التَّحْقِيقَ وَالْفَنَاءَ فِي التَّوْحِيدِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا نِهَايَةُ الْمَعْرِفَةِ وَإِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْمَقَامِ لَا يَسْتَحْسِنُ حَسَنَةً، وَلَا يَسْتَقْبِحُ سَيِّئَةً لِشُهُودِهِ الرُّبُوبِيَّةَ الْعَامَّةَ وَالْقَيُّومِيَّةَ الشَّامِلَةَ، وَهَذَا الْمَوْضُوعُ وَقَعَ فِيهِ مِنَ الشُّيُوخِ الْكِبَارِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَغَايَةُ تَوْحِيدِ هَؤُلَاءِ تَوْحِيدُ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهِمْ: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٥] الْآيَاتِ وَنَحْوَهَا، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا مُقِرِّينَ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَبِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَكَانُوا مُقِرِّينَ بِالْقَدَرِ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ عَنْهُمْ فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، وَمَعَ هَذَا فَلَمَّا لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، بَلْ عَبَدُوا غَيْرَهُ كَانُوا مُشْرِكِينَ شَرًّا مِنَ الْيَهُودِ، وَالنَّصَارَى، فَمَنْ كَانَ غَايَةُ تَوْحِيدِهِ وَمُنْتَهَى تَحْقِيقِهِ هَذَا التَّوْحِيدَ كَانَ تَوْحِيدُهُ مِنْ تَوْحِيدِ الْمُشْرِكِينَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - وَهَذَا الْمَقَامُ مَقَامٌ وَأَيُّ مَقَامٍ زَلَّتْ فِيهِ أَقْدَامٌ وَضَلَّتْ فِيهِ أَفْهَامٌ وَبُدِّلَ فِيهِ دِينُ الْإِسْلَامِ، وَالْتَبَسَ فِيهِ أَهْلُ التَّوْحِيدِ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ عَلَى مَنْ يَدَّعِي نِهَايَةَ التَّوْحِيدِ وَالتَّحْقِيقِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالْكَلَامِ. وَمَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ وَالشِّيعَةَ وَالْقَدَرِيَّةَ الْمُثْبِتِينَ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ - خَيْرٌ مِمَّنْ يُسَوِّي بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَالْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالنَّبِيِّ الصَّادِقِ وَالْمُتَنَبِّي الْكَاذِبِ، وَأَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَائِهِ، بَلْ هُمْ

стр. 308

أَحَقُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ بِالذَّمِّ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنِ الْمَرْوَذِيِّ، قَالَ: قُلْتٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ، يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁: رَجُلٌ يَقُولُ عَنِ اللَّهِ أَجْبَرَ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي، فَقَالَ: هَكَذَا لَا نَقُولُ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر: ٣١] . وَأَنْكَرَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَيْضًا عَلَى مَنْ قَالَ جَبَرَ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَبَلَ الْعِبَادَ. وَقَالَ الْمَرْوَذِيُّ: أَرَادَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَشَجَّ عَبْدِ الْقَيْسِ، يَعْنِي قَوْلَهُ: " «إِنَّ فِيكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ - تَعَالَى - الْحِلْمَ، وَالْأَنَاةَ " فَقَالَ: أَخُلُقَيْنِ تَخَلَّقْتُ بِهِمَا أَمْ خُلُقَيْنِ جُبِلْتُ عَلَيْهِمَا؟ فَقَالَ: بَلْ خُلُقَيْنِ جُبِلْتَ عَلَيْهِمَا، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلَى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُمَا» "، وَذُكِرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ قَالَ: قَالَ لِي الْأَوْزَاعِيُّ: أَتَانِي رَجُلَانِ فَسَأَلَانِي عَنِ الْقَدَرِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ آتِيَكَ بِهِمَا تَسْمَعَ كَلَامَهُمَا وَتُجِيبَهُمَا، قُلْتُ: رَحِمَكَ اللَّهُ أَنْتَ أَوْلَى بِالْجَوَابِ، قَالَ: فَأَتَانِي الْأَوْزَاعِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ فَقَالَ: تَكَلَّمَا، فَقَالَا: قَدِمَ عَلَيْنَا أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْقَدَرِ فَنَازَعُونَا فِي الْقَدَرِ وَنَازَعْنَاهُمْ حَتَّى بَلَغَ بِنَا وَبِهِمُ الْجَوَابُ إِلَى أَنْ قُلْنَا: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَبَرَنَا عَلَى مَا نَهَانَا عَنْهُ، وَحَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَا أَمَرَنَا بِهِ، وَرَزَقَنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا. فَقُلْتُ: يَا هَؤُلَاءِ إِنَّ الَّذِينَ أَتَوْكُمْ بِمَا أَتَوْكُمْ بِهِ قَدِ ابْتَدَعُوا بِدْعَةً، وَأَحْدَثُوا حَدَثًا، وَإِنِّي أَرَاكُمْ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الْبِدْعَةِ إِلَى مِثْلِ مَا خَرَجُوا إِلَيْهِ. فَقَالَ - يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ -: أَصَبْتَ وَأَحْسَنْتَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ. وَذَكَرَ الْخَلَّالُ عَنْ بَقِيَّةَ بنِ الْوَلِيدِ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّبَيْدِيَّ وَالْأَوْزَاعِيَّ عَنِ الْجَبْرِ فَقَالَ الزُّبَيْدِيُّ: أَمْرُ اللَّهِ أَعْظَمُ وَقُدْرَتُهُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَجْبُرَ أَوْ يُعْضِلَ، وَلَكِنْ يَقْدِرُ وَيَقْضِي وَيُقَدِّرُ وَيَخْلُقُ وَيَجْبُلُ عَبْدَهُ عَلَى مَا أَحَبَّ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: مَا أَعْرِفُ لِلْجَبْرِ أَصْلًا مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَأَهَابُ أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ، وَالْخَلْقَ وَالْجَبْلَ فَهَذَا يُعْرَفُ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: أُدْخِلَ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ الْقَائِلِينَ بِالْجَبْرِ فِي مُسَمِّي الْقَدَرِيَّةِ، وَإِنْ كَانُوا لَا يَحْتَجُّونَ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَاصِي فَكَيْفَ بِمَنْ يَحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْمَعَاصِي. وَيَدْخُلُ فِي ذَمِّ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ عَلَى إِسْقَاطِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ أَعْظَمَ مِمَّا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُنْكِرُ لَهُ، فَإِنَّ ضَلَالَ هَذَا أَعْظَمُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَلِهَذَا قُرِنَتِ الْقَدَرِيَّةُ بِالْمُرْجِئَةِ فِي كَلَامٍ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ. قُلْتُ: وَهُوَ مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ

стр. 309

الْخُدْرِيِّ ﵁ مَرْفُوعًا " «إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ أَرْبَعَةً عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيًّا - قُلْنَا: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " الْقَدَرِيَّةُ والْجَهْمِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ وَالرَّوَافِضُ» " الْحَدِيثَ. «وَفِيهِ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُرْجِئَةُ، قَالَ: الَّذِينَ يَقُولُونَ الْإِيمَانُ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ» . ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ. وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا: " «الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ وَالرَّوَافِضُ وَالْخَوَارِجُ يُسْلَبُ مِنْهُمْ رُبُعُ التَّوْحِيدِ فَسَيَلْقَوْنَ اللَّهَ كُفَّارًا خَالِدِينَ مُخَلَّدِينَ فِي النَّارِ» " أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَقَالَ: فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ رَزِينٍ دَجَّالٌ يَضَعُ الْحَدِيثَ - وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْ هَاتَيْنِ الْبِدْعَتَيْنِ تُفْسِدُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْوَعْدَ وَالْوَعِيدَ، فَالْإِرْجَاءُ يُضْعِفُ الْإِيمَانَ بِالْوَعِيدِ، وَيُهَوِّنُ مِنْ أَمْرِ الْفَرَائِضِ وَالْمَحَارِمِ، وَالْقَدَرِيُّ - يَعْنِي الْجَبْرِيَّ - إِنِ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ كَانَ عَوْنًا لِلْمُرْجِئِ، وَإِنْ كَذَّبَ بِهِ - أَيْ بِالْقَدَرِ؛ كَانَ هُوَ وَالْمُرْجِئُ مُتَقَابِلَيْنِ، هَذَا يُبَالِغُ فِي التَّشْدِيدِ حَتَّى يَجْعَلَ الْعَبْدَ لَا يَسْتَعِينُ بِاللَّهِ عَلَى فِعْلِ مَا أَمَرَهُ بِهِ وَتَرْكِ مَا نَهَى عَنْهُ، وَهَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةُ حَقِيقَةً، وَهَذَا - يَعْنِي الْمُرْجِئَ - يُبَالِغُ فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَرْسَلَ الرُّسُلَ وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ لِتُصَدِّقَ الرُّسُلَ فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ، وَتُطَاعَ فِيمَا أَمَرَتْ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤] وَقَالَ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، وَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ مِنْ تَمَامِ ذَلِكَ، فَمَنْ أَثْبَتَ الْقَدَرَ وَجَعَلَ ذَلِكَ مُعَارِضًا لِلْأَمْرِ فَقَدْ أَذْهَبَ الْأَصْلَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَنْ أَسْقَطَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ، فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، بَلْ هَؤُلَاءِ قَوْلُهُمْ مُتَنَاقِضٌ، لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنْ يَعِيشَ بِهِ، وَلَا تَقُومُ بِهِ مَصْلَحَةُ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ، وَلَا يَتَعَاشَرُ عَلَيْهِ اثْنَانِ، فَإِنَّ الْقَدَرَ إِنْ كَانَ حُجَّةً فَهُوَ حُجَّةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَإِلَّا فَلَيْسَ هُوَ حُجَّةً لِأَحَدٍ، فَإِذَا ظَلَمَ الْإِنْسَانَ ظَالِمٌ، أَوْ شَتَمَهُ شَاتِمٌ، أَوْ أَخَذَ مَالَهُ، وَأَفْسَدَ عِيَالَهُ فَمَتَى لَامَهُ أَوْ ذَمَّهُ أَوْ طَلَبَ عُقُوبَتَهُ أَبْطَلَ الِاحْتِجَاجَ بِالْقَدَرِ، قَالَ: وَمَنِ ادَّعَى أَنَّ الْعَارِفَ إِذَا شَهِدَ الْإِرَادَةَ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ؛ كَانَ هَذَا مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي لَا يَرْضَاهُ أَحَدٌ، بَلْ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي الْعَقْلِ مُحَالٌ فِي الشَّرْعِ. وَقَالَ تِلْمِيذُهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ " شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ ": مَشْهَدُ أَصْحَابِ الْجَبْرِ: وَهُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ مُجْبَرُونَ عَلَى أَفْعَالِهِمْ، وَأَنَّهَا وَاقِعَةٌ بِغَيْرِ قُدْرَتِهِمْ

стр. 310

وَاخْتِيَارِهِمْ، بَلْ لَا يَشْهَدُونَ أَنَّهَا أَفْعَالُهُمُ الْبَتَّةَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ أَحَدَهُمْ غَيْرُ فَاعِلٍ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا قَادِرٍ، وَأَنَّ الْفَاعِلَ فِيهِ غَيْرُهُ، وَالْمُحَرِّكَ لَهُ سِوَاهُ، وَأَنَّهُ آلَةٌ مَحْضَةٌ، وَحَرَكَاتُهُ بِمَنْزِلَةِ هُبُوبِ الرِّيَاحِ وَحَرَكَاتِ الْأَشْجَارِ، وَهَؤُلَاءِ إِذَا أَنْكَرْتَ عَلَيْهِمْ أَفْعَالَهُمُ احْتَجُّوا بِالْقَدَرِ وَحَمَلُوا ذُنُوبَهُمْ عَلَيْهِ، وَقَدْ يَغْلُونَ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَرَوْا أَفْعَالَهُمْ كُلَّهَا طَاعَاتٍ خَيْرَهَا وَشَرَّهَا لِمُوَافَقَتِهَا الْمَشِيئَةَ وَالْقَدَرَ، وَيَقُولُونَ: كَمَا أَنَّ مُوَاجَهَةَ الْأَمْرِ طَاعَةٌ، فَمُوَافَقَةُ الْمَشِيئَةِ طَاعَةٌ، كَمَا حَكَى اللَّهُ - تَعَالَى - عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِخْوَانِهِمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَشِيئَةَ اللَّهِ لِأَفْعَالِهِمْ دَلِيلًا عَلَى أَمْرِهِ بِهَا وَرِضَاهُ بِهَا، قَالَ: وَهَؤُلَاءِ شَرٌّ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ النُّفَاةِ، وَأَشَدُّ عَدَاوَةً لِلَّهِ وَمُنَاقِضَةً لِكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَدِينِهِ، حَتَّى إِنَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَعْتَذِرُ عَنْ إِبْلِيسَ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَيَتَوَجَّعُ لَهُ، وَيُقِيمُ عُذْرَهُ بِجَهْدِهِ، وَيَنْسُبُ رَبَّهُ إِلَى ظُلْمِهِ بِلِسَانِ الْحَالِ وَالْقَالِ، وَيَقُولُ: مَا ذَنْبُهُ وَقَدْ صَانَ وَجْهَهُ مِنَ السُّجُودِ لِغَيْرِ خَالِقِهِ، وَقَدْ وَافَقَ حُكْمَهُ وَمَشِيئَتَهُ فِيهِ وَإِرَادَتَهُ مِنْهُ، ثُمَّ كَيْفَ يُمْكِنُهُ السُّجُودُ، وَهُوَ الَّذِي مَنَعَهُ مِنْهُ وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَهَلْ كَانَ فِي تَرْكِ سُجُودِهِ لِغَيْرِكَ إِلَّا مُحْسِنًا؟ وَلَكِنْ: إِذَا كَانَ الْمُحِبُّ قَلِيلَ حَظٍّ ... فَمَا حَسَنَاتُهُ إِلَّا ذُنُوبُ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: وَهَؤُلَاءِ أَعْدَاءُ اللَّهِ حَقًّا، وَأَوْلِيَاءُ إِبْلِيسَ وَأَحْبَابُهُ وَإِخْوَانُهُ، وَإِذَا نَاحَ مِنْهُمْ نَائِحٌ عَلَى إِبْلِيسَ، رَأَيْتَ مِنَ الْبُكَاءِ وَالْحَنِينِ أَمْرًا عَجَبًا، وَرَأَيْتَ مِنْ تَظَلُّمِ الْأَقْدَارِ وَاتِّهَامِ الْجَبَّارِ مَا يَبْدُو عَلَى فَلَتَاتِ أَلْسِنَتِهِمْ، وَصَفَحَاتِ وُجُوهِهِمْ، وَتَسْمَعُ مِنْ أَحَدِهِمْ مِنَ التَّظَلُّمِ، وَالتَّوَجُّعِ مَا تَسْمَعُهُ مِنَ الْخَصْمِ الْمَغْلُوبِ الْعَاجِزِ عَنْ خَصْمِهِ، قَالَ: فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي تَائِيَّتِهِ: وَتُدْعَى خُصُومُ اللَّهِ يَوْمَ مَعَادِهِمْ ... إِلَى النَّارِ طُرًّا فِرْقَةُ الْقَدَرِيَّةِ يَعْنِي الْجَبْرِيَّةَ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - قَالَ: إِنَّ بِدْعَةَ الْقَدَرِيَّةِ النُّفَاةِ كَانَتْ فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ ﵃، قَالَ: وَأَمَّا بِدْعَةُ هَؤُلَاءِ الْمُحْتَجِّينَ بِالْقَدَرِ فَلَمْ يُعْرَفْ لَهَا إِمَامٌ، وَلَمْ تُعْرَفْ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ مَعْرُوفَةٌ، قَالَ: وَإِنَّمَا كَثُرَ ذَلِكَ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ وَسَمَّوْا هَذَا حَقِيقَةً، وَجَعَلُوا الْحَقِيقَةَ تُعَارِضُ الشَّرِيعَةَ، وَلَمْ يُمَيِّزُوا بَيْنَ الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ تَحْقِيقَ أَحْوَالِ الْقُلُوبِ كَالْإِخْلَاصِ، وَالصَّبْرِ، وَبَيْنَ الْحَقِيقَةِ

стр. 311

الْكَوْنِيَّةِ الْقَدَرِيَّةِ الَّتِي نُؤْمِنُ بِهَا، وَلَا نَحْتَجُّ بِهَا عَلَى الْمَعَاصِي، وَفِيهِمْ مَنْ يَقُولُ أَنَّ الْعَارِفَ إِذَا فَنِيَ فِي شُهُودِ تَوْحِيدِ الرُّبُوبِيَّةِ لَمْ يَسْتَحْسِنْ حَسَنَةً وَلَمْ يَسْتَقْبِحْ سَيِّئَةً. وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: مَنْ شَهِدَ الْإِرَادَةَ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ، وَالنَّهْيُ. وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْخَضِرَ ﵇ إِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ التَّكْلِيفُ ; لِأَنَّهُ شَهِدَ الْإِرَادَةَ - إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِهِمْ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ أَشْنَعِ الْمَقَالَاتِ وَأَفْظَعِ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ، وَالْمُحْتَجُّ بِقَدَرِ اللَّهِ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ - تَعَالَى - زِنْدِيقٌ، وَخَارِجٌ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَعَادِمٌ التَّحْقِيقَ، وَمَارِقٌ مِنَ الدِّينِ، وَمُبَايِنٌ التَّوْفِيقَ، وَالْبَارِي جَلَّ شَأْنُهُ قَدْ أَرْسَلَ الرُّسُلَ قَاطِبَةً بِتَحْصِيلِ الْمَصَالِحِ وَتَكْمِيلِهَا وَتَعْطِيلِ الْمَفَاسِدِ وَتَقْلِيلِهَا، وَفِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْمَعَاصِي بِالْقَدَرِ انْعِكَاسُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنْ تَعْظِيمِ النَّهْيِ وَالْأَمْرِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَأَمَّا الْمُتَوَسِّطُونَ فَهُمْ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَلَمْ يُفَرِّطُوا تَفْرِيطَ الْقَدَرِيَّةِ النُّفَاةِ، وَلَمْ يُفْرِطُوا إِفْرَاطَ الْجَبْرِيَّةِ الْمُحْتَجِّينَ بِالْقَدَرِ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ، وَهَؤُلَاءِ عَلَى مَذْهَبَيْنِ: مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْخَلَفِ، وَمَذْهَبِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ السُّنَّةِ، فَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ كَافَّةً أَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الطَّاعَاتِ، وَالْمَعَاصِي، وَالْكُفْرَ وَالْفَسَادَ - وَاقِعَةٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ لَا خَالِقَ سِوَاهُ، فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - خَيْرُهَا وَشَرُّهَا حَسَنُهَا وَقَبِيحُهَا، وَالْعَبْدُ غَيْرُ مَجْبُورٍ عَلَى أَفْعَالِهِ، بَلْ هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا، هَذَا الْقَدَرُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ، ثُمَّ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْهُمْ أَثْبَتَ لِلْعَبْدِ كَسْبًا، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِهِ، وَإِنْ كَانَتْ قُدْرَتُهُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي ذَلِكَ كَمَا مَرَّ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: هَذَا قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنَ الْمُثْبِتَةِ لِلْقَدَرِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَطَوَائِفِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، حَيْثُ لَا يُثْبِتُونَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ قُوًى وَلَا طَبَائِعَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - فَعَلَ عِنْدَهَا لَا بِهَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي الْفِعْلِ، وَيَقُولُ الْأَشْعَرِيُّ: إِنَّ اللَّهَ فَاعِلٌ فِعْلَ الْعَبْدِ، وَإِنَّ عَمَلَ الْعَبْدِ لَيْسَ فِعْلًا لِلْعَبْدِ بَلْ كَسْبًا لَهُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يُنْكِرُ الْأَسْبَابَ وَالْقُوَى الَّتِي فِي الْأَجْسَامِ، وَيُنْكِرُ تَأْثِيرَ الْقُدْرَةِ الَّتِي لِلْعَبْدِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْفِعْلُ، وَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا أَثَرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ أَصْلًا فِي فِعْلِهِ لَكِنَّ الْأَشْعَرِيَّ يُثْبِتُ

стр. 312

لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُحْدِثَةً وَاخْتِيَارًا، وَيَقُولُ: إِنَّ الْفِعْلَ كَسْبٌ لِلْعَبْدِ، لَكِنْ يَقُولُ: لَا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي إِيجَادِ الْمَقْدُورِ، وَهُوَ مَقَامٌ دَقِيقٌ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ هَذَا الْكَسْبَ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْأَشْعَرِيُّ غَيْرُ مَعْقُولٍ، قَالَ: حَتَّى قَالَ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا: طَفْرَةُ النَّظَّامِ، وَأَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ، وَكَسْبُ الْأَشْعَرِيِّ. وَذَلِكَ أَنَّهُ يَلْزَمُ أَنْ لَا يَكُونَ فَرْقٌ بَيْنَ الْقَادِرِ وَالْعَاجِزِ، إِذْ مُجَرَّدُ الِاقْتِرَانِ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْقُدْرَةِ، فَإِنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ يُقَارِنُ حَيَاتَهُ وَعِلْمَهُ وَإِرَادَتَهُ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْقُدْرَةِ تَأْثِيرٌ إِلَّا مُجَرَّدَ الِاقْتِرَانِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْقُدْرَةِ وَغَيْرِهَا. وَمِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ مُؤَثِّرَةٌ فِي صِفَةِ الْفِعْلِ لَا فِي أَصْلِهِ، كَمَا يَقُولُهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ مُتَكَلِّمَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُ، فَإِنَّهُ أَثْبَتَ تَأْثِيرًا بِدُونِ خَلْقِ الرَّبِّ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْحَوَادِثِ لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ، وَإِنْ جَعَلَ ذَلِكَ مُعَلَّقًا بِخَلْقِ الرَّبِّ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالصِّفَةِ. قِيلَ: وَمَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ يَقْرُبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ مَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ الْجَهْمِيَّةِ، فَإِنَّهُ يُحْكَى عَنِ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَغُلَاةِ أَتْبَاعِهِ أَنَّهُمْ سَلَبُوا الْعَبْدَ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ حَرَكَتَهُ حَرَكَةُ الْأَشْجَارِ بِالرِّيَاحِ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّ الْجَهْمَ كَانَ يَقُولُ: لَا أَثَرَ لِحَرَكَةِ الْعَبْدِ أَصْلًا فِي فِعْلِهِ، وَكَانَ يُثْبِتُ مَشِيئَةَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَيُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لَهُ حِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ، وَيُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ فِعْلٌ أَوْ قُدْرَةٌ مُؤَثِّرَةٌ. قَالَ: وَقَدْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إِلَى الْجَذْمَى وَيَقُولُ: أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ يَفْعَلُ هَذَا؟ إِنْكَارًا لِأَنْ يَكُونَ لَهُ - تَعَالَى - رَحْمَةٌ يَتَّصِفُ بِهَا سُبْحَانَهُ، زَعْمًا مِنْهُ أَنَّهَا لَيْسَتْ إِلَّا مَشِيئَةٌ مَحْضَةٌ لَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِحِكْمَةٍ، بَلْ يُرَجِّحُ أَحَدَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ بِلَا مُرَجِّحٍ. وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَجُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتَةِ لِلْقَدَرِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ يَقُولُونَ: إِنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّ لَهُ قُدْرَةً حَقِيقِيَّةً وَاسْتِطَاعَةً حَقِيقِيَّةً، وَلَا يُنْكِرُونَ الْأَسْبَابَ الطَّبِيعِيَّةَ، بَلْ يُقِرُّونَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ، وَالْعَقْلُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَخْلُقُ السَّحَابَ بِالرِّيَاحِ، وَيُنْزِلُ الْمَاءَ بِالسَّحَابِ وَيُنْبِتُ النَّبَاتَ بِالْمَاءِ، وَلَا يَقُولُونَ: الْقُوَى وَالطَّبَائِعُ الْمَوْجُودَةُ فِي الْمَخْلُوقَاتِ لَا تَأْثِيرَ لَهَا، بَلْ يُقِرُّونَ بِأَنَّ لَهَا أَثَرًا لَفْظًا وَمَعْنًى، لَكِنْ يَقُولُونَ: هَذَا التَّأْثِيرُ هُوَ تَأْثِيرُ الْأَسْبَابِ فِي

стр. 313

مُسَبَّبَاتِهَا، وَاللَّهُ - تَعَالَى - خَالِقُ السَّبَبِ وَالْمُسَبَّبِ، وَمَعَ أَنَّهُ خَالِقُ السَّبَبِ، فَلَا بُدَّ لِلسَّبَبِ مِنْ سَبَبٍ آخَرَ يُشَارِكُهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُعَارِضٍ يَمْنَعُهُ فَلَا يَتِمُّ أَثَرُهُ إِلَّا مَعَ خَلْقِ اللَّهِ لَهُ، بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ السَّبَبَ الْآخَرَ وَيُزِيلَ الْمَوَانِعَ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْأَعْمَالُ وَالْأَقْوَالُ وَالطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي هِيَ مِنَ الْعَبْدِ، بِمَعْنَى أَنَّهَا قَائِمَةٌ بِهِ وَحَاصِلَةٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَهُوَ الْمُتَّصِفُ بِهَا، وَالْمُتَحَرِّكُ بِهَا، الَّذِي يَعُودُ حُكْمُهَا عَلَيْهِ، وَهِيَ مِنَ اللَّهِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَهَا قَائِمَةً بِالْعَبْدِ، وَجَعَلَهَا عَمَلًا لَهُ وَكَسْبًا كَمَا يَخْلُقُ الْمُسَبَّبَاتِ بِأَسْبَابِهَا، فَهِيَ مِنَ اللَّهِ، مَخْلُوقَةٌ لَهُ، وَمِنَ الْعَبْدِ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ وَاقِعَةٌ بِقُدْرَتِهِ وَكَسْبِهِ، كَمَا إِذَا قُلْنَا: هَذِهِ الثَّمَرَةُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَهَذَا الزَّرْعُ مِنَ الْأَرْضِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ حَدَثَ مِنْهَا، وَمِنَ اللَّهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ خَلَقَهُ مِنْهَا - لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا تَنَاقُضٌ. قَالَ: فَالْحَوَادِثُ تُضَافُ إِلَى خَالِقِهَا بِاعْتِبَارٍ وَإِلَى أَسْبَابِهَا بِاعْتِبَارٍ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص: ١٥] وَقَالَ: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف: ٦٣] مَعَ قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] وَأَخْبَرَ أَنَّ الْعِبَادَ يَفْعَلُونَ وَيَصْنَعُونَ وَيَعْمَلُونَ وَيُؤْمِنُونَ وَيَكْفُرُونَ وَيَفْسُقُونَ وَيَتَّقُونَ وَيَصْدُقُونَ وَيَكْذِبُونَ. وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ أَئِمَّةَ أَهْلِ السُّنَّةِ يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، كَمَا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ الْأَشْيَاءِ بِالْأَسْبَابِ، وَأَنَّهُ - تَعَالَى - خَلَقَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً بِهَا يَكُونُ فِعْلُهُ، وَأَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً، فَقَوْلُهُمْ فِي خَلْقِ فِعْلِ الْعَبْدِ بِإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ كَقَوْلِهِمْ فِي خَلْقِ سَائِرِ الْحَوَادِثِ بِأَسْبَابِهَا، وَقَدْ دَلَّتِ الدَّلَائِلُ الْيَقِينِيَّةُ عَلَيَّ أَنَّ كُلَّ حَادِثٍ فَاللَّهُ خَالِقُهُ وَفِعْلُ الْعَبْدِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ، وَفِعْلُ الْعَبْدِ مِنْ جُمْلَةِ الْمُمْكِنَاتِ. قَالَ: وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ وَجُمْهُورُ طَوَائِفِهِمْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْوَسَطِ، الَّذِي لَيْسَ هُوَ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَلَا قَوْلَ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَأَتْبَاعِهِ الْجَبْرِيَّةِ، فَمَنْ قَالَ: إِنَّ شَيْئًا مِنَ الْحَوَادِثِ أَفْعَالُ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ، لَمْ يَخْلُقْهَا اللَّهُ - تَعَالَى، فَقَدْ خَالَفَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَإِجْمَاعَ السَّلَفِ وَالْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ ; وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مَنْ قَالَ: إِنَّ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ وَأَفْعَالَ الْعِبَادِ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ سَمَاءَ اللَّهِ وَأَرْضَهُ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ وَمُحَقِّقِي أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَلَقَ قُدْرَةَ الْعَبْدِ وَإِرَادَتَهُ وَفِعْلَهُ، وَأَنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً وَمُحْدِثٌ لِفِعْلِهِ، وَاللَّهُ

стр. 314

سُبْحَانَهُ جَعَلَهُ فَاعِلًا لَهُ مُحْدِثًا لَهُ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] فَأَثْبَتَ مَشِيئَةَ الْعَبْدِ وَأَخْبَرَ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَهَذَا صَرِيحُ قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِ مَشِيئَةِ الْعَبْدِ، وَأَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ الرَّبِّ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَشْعَرِيِّ كَأَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، فَيَقُولُونَ: الْعَبْدُ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً، وَلَهُ قُدْرَةٌ وَاخْتِيَارٌ، وَقُدْرَتُهُ مُؤَثِّرَةٌ فِي مَقْدُورِهَا، كَمَا تُؤَثِّرُ الْقُوَى وَالطَّبَائِعُ وَالْأَسْبَابُ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّرْعُ، وَالْعَقْلُ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧] وَقَالَ: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤] وَقَالَ يَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، يُخْبِرُ - تَعَالَى - أَنَّهُ يُحْدِثُ الْحَوَادِثَ بِالْأَسْبَابِ، وَكَذَلِكَ دَلَّ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ عَلَى إِثْبَاتِ الْقُوَى، وَالطَّبَائِعِ لِلْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] وَقَالَ ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وَقَالَ فِي الْجَمَادَاتِ: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢] وَقَالَ: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: ٥] وَقَالَ: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] وَقَالَ: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] ، ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] ، ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح: ٢٩] وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ جِدًّا. وَقَالَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ بَعْدَ مَا نَقَلَ الْخِلَافَ مُلَخَّصًا - مَا نَصُّهُ: ثُمَّ الْمَشْهُورُ فِيمَا بَيْنَ الْقَوْمِ، الْمَذْكُورُ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّ مَذْهَبَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ وَاقِعٌ بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ إِيجَابًا، كَمَا هُوَ رَأْيُ الْحُكَمَاءِ، مَعَ قَوْلِ الْإِمَامِ فِي الْإِرْشَادِ: اتَّفَقَ أَئِمَّةُ السَّلَفِ قَبْلَ ظُهُورِ الْبِدَعِ، وَالْأَهْوَاءِ عَلَى أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ اللَّهُ وَلَا خَالِقَ سِوَاهُ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ كُلَّهَا حَدَثَتْ بِقُدْرَةِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَا تَعَلَّقُ قُدْرَةُ الْعَبْدِ بِهِ وَبَيْنَ مَا لَا يَتَعَلَّقُ. قَالَ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيمُ الْكُورَانِيُّ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ شَيْخِهِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيِّ الْقُشَاشِيِّ مَا نَصُّهُ: مَذْهَبُ الشَّيْخِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ فِيمَا قِيلَ عَنِ الْأَصْحَابِ - يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّةَ - مِنْ أَنَّ أَصْلَ فِعْلِ الْعَبْدِ وَاقِعٌ مِنْهُ بِتَأْثِيرِ قُدْرَتِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ، قَالَ:

стр. 315

وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْإِرْشَادِ وَهُوَ آخِرُ قَوْلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْبَقِيُّ، فَلَا يَقْدَحُ مُخَالَفَةُ مَا فِي الْإِرْشَادِ وَبَقِيَّةِ كُتُبِهِ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَى التَّفْتَازَانِيِّ وَغَيْرِهِ لِمَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْهُ فِي غَيْرِ الْإِرْشَادِ وَبَقِيَّةِ كُتُبِهِ فِي هَذَا الْفَنِّ الْمَرْجُوعِ عَنْهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. قَالَ الْكُورَانِيُّ: وَهَذَا الْكِتَابُ الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ آخِرَ قَوْلَيْهِ هُوَ كِتَابُهُ الْمُتَرْجَمُ بِالنِّظَامِيَّةِ فِيمَا وَقَفْتُ عَلَى كَلَامِهِ مَنْقُولًا عَنْهُ بِلَفْظِهِ فِي كِتَابِ (شِفَاءِ الْعَلِيلِ فِي مَسَائِلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَالْحِكْمَةِ وَالتَّعْلِيلِ) لِلْعَلَّامَةِ شَمْسِ الدِّينِ بْنِ الْقَيِّمِ فِي الْبَابِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْهُ، وَلَفْظُهُ: اضْطَرَبَتْ آرَاءُ أَتْبَاعِ الْأَشْعَرِيِّ فِي الْكَسْبِ اضْطِرَابًا عَظِيمًا، وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَبُو الْقَاسِمِ سَلْمَانُ بْنُ نَاصِرٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ، ثُمَّ سَاقَ عَنْ تِلْمِيذِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ شَارِحِ الْإِرْشَادِ، هَذَا الْأَنْصَارِيُّ - كَلَامًا فِيهِ أَنَّ إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ ذَكَرَ لِنَفْسِهِ مَذْهَبًا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ الْمُتَرْجَمِ بِالنِّظَامِيَّةِ، وَانْفَرَدَ بِهِ عَنِ الْأَصْحَابِ، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ شِفَاءِ الْعَلِيلِ فِي آخِرِ كَلَامِ شَارِحِ كِتَابِ الْإِرْشَادِ الْمَذْكُورِ: قُلْتُ: الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ فِي النِّظَامِيَّةِ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ مِمَّا قَالَهُ الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُمَا، وَنَحْنُ نَذْكُرُ كَلَامَهُ بِلَفْظِهِ، قَالَ - يَعْنِي إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ: قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَ كُلِّ حَاظٍ بِعَقْلِهِ، مُتَرَقٍّ عَنْ مَرَاتِبِ التَّقْلِيدِ فِي قَوَاعِدِ التَّوْحِيدِ أَنَّ الرَّبَّ مَطَالِبٌ عِبَادَهُ بِأَعْمَالِهِمْ وَدَاعِيهِمْ إِلَيْهَا وَمُثِيبُهُمْ وَمُعَاقِبُهُمْ عَلَيْهَا، وَتَبَيَّنَ بِالنُّصُوصِ الَّتِي لَا تَتَعَرَّضُ بِالتَّأْوِيلَاتِ أَنَّهُ أَقْدَرَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا طَالَبَهُمْ وَمَكَّنَهُمْ مِنَ التَّوَصُّلِ إِلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ، وَالِانْكِفَافِ عَنْ مَوَاقِعِ الزَّجْرِ، وَلَوْ ذَهَبْتُ أَتْلُو الْآيَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِهَذِهِ الْمَعَانِيَ لَطَالَ الْمَرَامُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ مَعَ قَطْعِ اللَّبِيبِ الْمُنْصِفِ بِهِ، وَمَنْ نَظَرَ فِي كُلِّيَّاتِ الشَّرَائِعِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الِاسْتِحْثَاثِ، وَالزَّوَاجِرِ عَنِ الْمَعَاصِي الْمُوبِقَاتِ وَمَا نِيطَ بِبَعْضِهَا مِنَ الْحُدُودِ، وَالْعُقُوبَاتِ، ثُمَّ تَلَفَّتَ عَلَى الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَمَا يَجِبُ عَقْدُهُ مِنْ تَصْدِيقِ الْمُرْسَلِينَ فِي الْأَنْبَاءِ، وَقَوْلِ اللَّهِ لَهُمْ: لِمَ تَعَدَّيْتُمْ وَعَصَيْتُمْ وَأَبَيْتُمْ وَقَدْ أَرْخَيْتُ لَكُمُ الطِّوَلَ وَفَسَحْتُ لَكُمُ الْمَهَلَ، وَأَرْسَلْتُ الرُّسُلَ وَأَوْضَحْتُ الْمَحَجَّةَ ; لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ، وَأَحَاطَ بِذَلِكَ كُلِّهِ، ثُمَّ اسْتَرَابَ فِي أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ وَاقِعَةٌ عَلَى حَسَبِ إِيثَارِهِمْ وَاخْتِيَارِهِمْ وَاقْتِدَارِهِمْ، فَهُوَ مُصَابٌ فِي عَقْلِهِ، أَوْ مُسْتَقِرٌّ عَلَى تَقْلِيدِهِ

стр. 316

مُصَمِّمٌ عَلَى جَهْلِهِ، فَفِي الْمَصِيرِ إِلَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي فِعْلِهِ قَطْعُ طَلَبَاتِ الشَّرَائِعِ، وَالتَّكْذِيبُ بِمَا جَاءَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ، فَإِنْ زَعَمَ مَنْ لَمْ يُوَفَّقْ لِمَنْهَجِ الرَّشَادِ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي مَقْدُورِهِ أَصْلًا. وَإِذَا طُولِبَ بِمُتَعَلِّقِ طَلَبِ اللَّهِ بِفِعْلِ الْعَبْدِ تَحْرِيمًا وَفَرْضًا؛ ذَهَبَ فِي الْجَوَابِ طُولًا وَعَرْضًا، وَقَالَ: لِلَّهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ، وَلَا يَتَعَرَّضُ الْمُتَعَرِّضُونَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لِمَا جِئْتَ بِهِ حَاصِلٌ، كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، نَعَمْ، يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَلَكِنْ يَتَقَدَّسُ عَنِ الْخُلْفِ وَنَقِيضِ الصِّدْقِ، وَقَدْ فَهِمْنَا بِضَرُورَاتِ الْمَعْقُولِ مِنَ الشَّرْعِ الْمَنْقُولِ أَنَّهُ - عَزَّتْ قُدْرَتُهُ - طَالَبَ عِبَادَهُ بِمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ مُمَكَّنُونَ مِنَ الْوَفَاءِ بِهِ، فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ إِلَّا مَبْلَغَ الطَّاقَةِ، وَالْوُسْعَ فِي مَوَارِدِ الشَّرْعِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ فِي مَقْدُورِهَا كَمَا لَا أَثَرَ لِلْعَلَمِ فِي مَعْلُومِهِ؛ فَوَجْهُ مُطَالَبَةِ الْعَبْدِ بِأَفْعَالِهِ عِنْدَهُ كَوَجْهِ مُطَالَبَتِهِ بِأَنْ يُثْبِتَ فِي نَفْسِهِ أَلْوَانًا وَإِدْرَاكَاتٍ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ إِلَى الْتِزَامِ الْبَاطِلِ وَالْمُحَالِ، وَفِيهِ إِبْطَالُ الشَّرَائِعِ وَرَدُّ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَإِذَا لَزِمَ الْمَصِيرُ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَبْدَ خَالِقُ أَعْمَالِهِ؛ فَإِنَّهُ فِيهِ الْخُرُوجُ عَمَّا دَرَجَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الْأَئِمَّةُ، وَاقْتِحَامُ وَرَطَاتِ الضَّلَالِ. وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْوُقُوعِ فِي أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ بِقُدْرَتِهِ الْحَادِثَةِ وَالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ. فَإِنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ يَسْتَحِيلُ حُدُوثُهُ بِقَادِرَيْنِ، إِذِ الْوَاحِدُ لَا يَنْقَسِمُ، فَإِنْ وَقَعَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ اسْتَقَلَّ بِهَا، وَيَسْقُطُ أَثَرُ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَقَعَ بَعْضُهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ لَا بَعْضَ لَهُ، وَهَذِهِ مِهْوَاةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْ غَوَائِلِهَا إِلَّا مُرْشَدٌ مُوَفَّقٌ، إِذِ الْمَرْءُ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْدَادَ، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَالَبًا بِالشَّرَائِعِ، وَفِيهِ إِبْطَالُ دَعْوَةِ الْمُرْسَلِينَ، وَبَيْنَ أَنْ يُثْبِتَ نَفْسَهُ شَرِيكًا لِلَّهِ فِي إِيجَادِ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ بِجُمْلَتِهَا بَاطِلَةٌ وَلَا يُنْجِي مِنْ هَذَا الْمُلْتَطَمِ ذِكْرُ اسْمٍ مَحْضٍ وَلَقَبٍ مُجَرَّدٍ مِنْ غَيْرِ تَحْصِيلِ مَعْنًى، وَذَلِكَ أَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ يَكْتَسِبُ، وَأَثَرُ قُدْرَتِهِ الِاكْتِسَابُ، وَالرَّبُّ - تَعَالَى - مُخْتَرِعٌ خَالِقٌ لِمَا الْعَبْدُ مُكْتَسِبٌ لَهُ؛ قِيلَ لَهُ: فَمَا الْكَسْبُ؟ وَمَا مَعْنَاهُ؟ وَأُدِيرَتِ الْأَقْسَامُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ، فَلَا يَجِدُ عَنْهُ مَهْرَبًا. ثُمَّ قَالَ - يَعْنِي إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ - فَنَقُولُ: قُدْرَةُ الْعَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِالصَّانِعِ، وَالْفِعْلُ الْمَقْدُورُ

стр. 317

بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ وَاقِعٌ بِهَا قَطْعًا، لَكِنَّهُ يُضَافُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَقْدِيرًا وَخَلْقًا، فَإِنَّهُ وَقَعَ بِفِعْلِ اللَّهِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ، وَلَيْسَتِ الْقُدْرَةُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ لَهُ، وَهِيَ مِلْكٌ لَهُ - تَعَالَى - وَخَلْقٌ لَهُ، فَإِذَا كَانَ مَوْقِعُ الْفِعْلِ خَلْقًا لِلَّهِ فَالْوَاقِعُ بِهِ مُضَافٌ خَلْقًا إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَقْدِيرًا، وَقَدْ مَلَّكَ اللَّهُ الْعَبْدَ اخْتِيَارًا يُصَرِّفُ بِهِ الْقُدْرَةَ، فَإِذَا أَوْقَعَ بِالْقُدْرَةِ شَيْئًا آلَ الْوَاقِعُ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَقَعَ بِفِعْلِ اللَّهِ. وَلَوِ اهْتَدَتْ إِلَى هَذَا الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ خِلَافٌ، وَلَكِنَّهُمُ ادَّعَوُا اسْتِبْدَادًا بِالِاخْتِرَاعِ وَانْفِرَادًا بِالْخَلْقِ وَالِابْتِدَاعِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، قَالَ: وَنُبَيِّنُ تَمَيُّزَنَا عَنْهُمْ بِتَفْرِيعِ الْمَذْهَبَيْنِ، فَإِنَّا لَمَّا أَضَفْنَا فِعْلَ الْعَبْدِ إِلَى تَقْدِيرِ الْإِلَهِ؛ قُلْنَا: أَحْدَثَ اللَّهُ الْقُدْرَةَ فِي الْعَبْدِ عَلَى أَقْدَارٍ أَحَاطَ بِهَا عِلْمًا، وَهَيَّأَ أَسْبَابَ الْفِعْلِ، وَسَلَبَ الْعَبْدَ الْعِلْمَ بِالتَّفَاصِيلِ، وَأَرَادَ مِنَ الْعَبْدِ أَنْ يَفْعَلَ، فَأَحْدَثَ فِيهِ دَوَاعِيَ مُسْتَحْسَنَةً وَخِيَرَةً وَإِرَادَةً، وَعَلِمَ أَنَّ الْأَفْعَالَ سَتَقَعُ عَلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي اخْتَرَعَهَا لِلْعَبْدِ عَلَى مَا عَلِمَ وَأَرَادَ، فَاخْتِيَارُهُمْ وَاتِّصَافُهُمْ بِالْأَقْدَارِ، وَالْقُدْرَةُ خَلْقُ اللَّهِ ابْتِدَاءً، وَمَقْدُورُهَا مُضَافٌ إِلَيْهِ مَشِيئَةً وَعِلْمًا وَقَضَاءً وَخَلْقًا وَفِعْلًا، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ نَتِيجَةُ مَا انْفَرَدَ بِخَلْقِهِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ وُقُوعَ مَقْدُورِهَا لَمَا أَقْدَرَهُ عَلَيْهِ، وَلَمَا هَيَّأَ أَسْبَابَ وُقُوعِهِ، وَمَنْ هُدِيَ لِهَذَا اسْتَمَرَّ لَهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، فَالْعَبْدُ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ مُطَالَبٌ مَأْمُورٌ مَنْهِيٌّ، وَفِعْلُهُ تَقْدِيرٌ لِلَّهِ مُرَادٌ لَهُ خَلْقٌ مَقْضِيٌّ. قَالَ: وَنَحْنُ نَضْرِبُ فِي ذَلِكَ مَثَلًا شَرْعِيًّا يَسْتَرْوِحُ إِلَيْهِ النَّاظِرُ فِي ذَلِكَ، فَنَقُولُ: الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَلَوِ اسْتَبَدَّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ فَبَاعَهُ نَفَذَ، وَالْبَيْعُ فِي التَّحْقِيقِ مَعْزُوٌّ إِلَى السَّيِّدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ سَبَبَهُ إِذْنُهُ، وَلَوْلَا إِذْنُهُ لَمْ يَنْفُذِ التَّصَرُّفُ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ يُؤْمَرُ بِالتَّصَرُّفِ، وَيُنْهَى وَيُوَبَّخُ عَنِ الْمُخَالَفَةِ، وَيُعَاقِبُ، فَهَذَا وَاللَّهِ الْحَقُّ الَّذِي لَا غِطَاءَ دُونَهُ، وَلَا مِرَاءَ فِيهِ لِمَنْ رَعَاهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ. وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ فَإِنَّهُمُ اعْتَقَدُوا انْفِرَادَ الْعَبْدِ بِالْخَلْقِ ثُمَّ صَارُوا إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَصَى فَقَدِ انْفَرَدَ بِخَلْقِهِ فِعْلَهُ، وَالرَّبُّ كَارِهٌ. فَكَانَ الْعَبْدُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ الْفَاسِدِ مُزَاحِمًا لِرَبِّهِ فِي التَّدْبِيرِ مُوْقِعًا مَا أَرَادَ إِيقَاعَهُ شَاءَ الرَّبُّ، أَوْ كَرِهَ؟ إِلَى هُنَا كَلَامُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّظَامِيَّةِ بِلَفْظِهِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ كَذَلِكَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ

стр. 318

ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ، وَنَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيمُ الْكُورَانِيُّ الْأَشْعَرِيُّ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ شَيْخِهِ الْقُشَاشِيِّ. وَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ نَظَرَ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي فِعْلِهِ بِالِاخْتِيَارِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا فِي إِيقَاعِ أَفْعَالِهِ بِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تُوَافِقْ مَشِيئَةَ الْحَقِّ، بَلْ إِنَّمَا تُؤَثِّرُ قُدْرَتُهُ إِذَا شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ وَمَكَّنَهُ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْإِذْنِ. قَالَ الْكُورَانِيُّ: اخْتَارَ هَذَا شَيْخُنَا، وَأَلَّفَ فِيهِ سَابِقًا رِسَالَةً سَمَّاهَا " الِانْتِصَارَ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِيمَا شَنَّعَ عَلَيْهِ فِيهِ بَعْضُ النُّظَّارِ "، ثُمَّ اخْتَصَرَهَا، وَزَادَ فِيهَا نُقُولًا وَقَفَ عَلَيْهَا فِيمَا بَعْدُ، وَسَمَّاهُ " اخْتِصَارَ الِانْتِصَارِ ". ثُمَّ وَقَفْنَا عَلَى كِتَابِ شِفَاءِ الْعَلِيلِ لِابْنِ الْقَيِّمِ الْمَنْقُولِ فِيهِ كَلَامُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّظَامِيَّةِ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِإِلْحَاقِهِ بِآخِرِ اخْتِصَارِ الِانْتِصَارِ ; لِيَعْلَمَ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّقْلَ عَنْهُ بِالتَّأْثِيرِ بِالْإِذْنِ صَحِيحٌ، خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ثُبُوتَهُ عَنْهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ الْكُورَانِيُّ: وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ عَلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ: وَاعْتِقَادُ جَمَاعَةٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ سَلْبُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ وَإِضَافَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَجَعْلُهُمْ ذَلِكَ أَصْلًا فِي الْجَبْرِ، وَإِبْطَالُ نِسْبَةِ الْأَفْعَالِ إِلَى الْعِبَادِ. فَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي إِثْبَاتِ الْكَسْبِ عَلَى طَرِيقَةِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَتَأْيِيدِهِ بِدَلَائِلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى أَنْ نَقَلَ عَنْهُ كَلَامَهُ الْمَذْكُورَ فِي النِّظَامِيَّةِ. ثُمَّ قَالَ: وَفِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ: قَالَ الْأَشْعَرِيُّ ﵀ وَابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ، هُوَ كَوْنُ الْفِعْلِ كَسْبًا دُونَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا، أَوْ مُحْدَثًا، فَكَوْنُهُ كَسْبًا وَصْفٌ لِلْوُجُودِ بِمَثَابَةِ كَوْنِهِ مَعْلُومًا - انْتَهَى - وَفَهِمُوا مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ - يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ - فِي مَقْدُورِهِ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِلْعِلْمِ فِي مَعْلُومِهِ، فَقَالُوا فِي قُدْرَةِ الْعَبْدِ: إِنَّهَا مُصَاحِبَةٌ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ قَصْدًا إِلَى التَّوَسُّطِ. قَالَ: وَتَفْسِيرُ كَلَامِ الْأَشْعَرِيِّ بِهَذَا مَيْلٌ عَنِ التَّوَسُّطِ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ، وَإِنَّمَا التَّوَسُّطُ الْمُحَصِّلُ لِلْكَسْبِ النَّافِي لِطَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ مِنَ الِاسْتِقْلَالِ وَالْجَبْرِ - هُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ تَأْثِيرًا فِي مَقْدُورِهِ، وَلَكِنْ بِإِذْنِ اللَّهِ، لَا عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، فَاللَّائِقُ أَنْ يُفَسِّرَ كَلَامَ الْأَشْعَرِيِّ بِمَا يَتَنَزَّلُ عَلَى هَذَا التَّوَسُّطِ، وَكَلَامُهُ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ

стр. 319

نَصًّا فِي عَدَمِ التَّأْثِيرِ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَسْبَ وَاقِعٌ بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ، وَالْوُقُوعَ فَرْعُ التَّأْثِيرِ، نَعَمْ آخِرُ كَلَامِهِ يُعْطِي أَنْ لَا تَأْثِيرَ لَهَا حَيْثُ شَبَّهَهُ بِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومِ، عَلَى أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ نَصَّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى التَّأْثِيرِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ شِفَاءِ الْعَلِيلِ، ثُمَّ حَطَّ الْقُشَاشِيُّ كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ الْكَسْبَ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ تَحْصِيلُ الْعَبْدِ بِقُدْرَتِهِ الْمُؤَثِّرَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ الْمُوَافِقَةُ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَتَقْرِيرُ كَلَامِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنَ التَّوَسُّطِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ بِهِ مُؤَدَّى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنَ الْمُكَلَّفِ بِلَا تَكَلُّفٍ. قَالَ الْكُورَانِيُّ: ثُمَّ رَأَيْتُ مِنْ نُصُوصِ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الْإِبَانَةِ الَّذِي هُوَ آخِرُ تَصَانِيفِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَهُوَ - أَيْ كِتَابُ الْإِبَانَةِ - الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمُعْتَقَدِ مِنْ بَيْنِ كُتُبِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ؛ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - أَيِ الْأَشْعَرِيَّ - إِنَّمَا نَفَى الِاسْتِقْلَالَ لَا أَصِلَ التَّأْثِيرِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَمْكِينِهِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مُوَافِقًا لِلْأَشْعَرِيِّ فِي التَّحْقِيقِ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُ فِي الْإِبَانَةِ. ثُمَّ قَالَ الْكُورَانِيُّ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ، قَالَ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، قَالَ: وَقَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الشُّكْرِ مِنَ الْإِحْيَاءِ: وَلَا قَادِرَ إِلَّا الْمَلِكُ الْجَبَّارُ. وَقَالَ فِي جَوْهَرِ الْقُرْآنِ، فِي جَدِيرِ الْمَحَبَّةِ: لَا قَدَرَ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا عِلْمَ إِلَّا لِلْوَاحِدِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا لِغَيْرِهِ الْقُدْرَةُ الَّتِي أَعْطَاهُ إِلَخْ. وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ - يَعْنِي الْإِنْسَانَ - مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَيْسَتْ قُدْرَتُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَبِنَفْسِهِ، بَلِ اللَّهُ خَالِقُهُ وَخَالِقُ قُدْرَتِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَالْمُمَكِّنُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ سَلَّطَ بَعُوضَةً عَلَى أَعْظَمِ مَلِكٍ وَأَقْوَى شَخْصٍ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ لَأَهْلَكَهُ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ إِلَّا بِتَمْكِينِ مَوْلَاهُ. قَالَ الْكُورَانِيُّ: فَهُوَ قَائِلٌ: إِنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِتَمْكِينِ اللَّهِ لَا مُسْتَقِلًّا، وَهَذَا التَّمْكِينُ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْإِذْنِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَإِنَّمَا ذَكَرَ لَكَ أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّ عُمْدَةَ الْمُعْتَقَدِ عِنْدَنَا الْغَيْرِ الْمُنْتَقَدِ فِي عَقْدِنَا - مَذْهَبُ السَّلَفِ الْمُقَرَّرُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُرْضِي الْمُحَرَّرِ ; لِتَعْلَمَ أَنَّ مُحَقِّقِي الْأَشَاعِرَةِ لَهُمْ مُوَافَقَةٌ عَلَى حَقِيقَةِ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْإِغْضَاءُ عَمَّا يُنَمِّقُهُ الْخَلَفُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 320

[أَفْعَالَ الْبَارِي لَا تُعَلَّلُ] ثُمَّ أَشَارَ فِي النَّظْمِ إِلَى مَسْأَلَةٍ عَظِيمَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْبَارِي لَا تُعَلَّلُ، فَقَالَ: ((وَجَازَ لِلْمَوْلَى يُعَذِّبُ الْوَرَى ... مِنْ غَيْرِمَا ذَنْبٍ وَلَا جُرْمٍ جَرَى)) ((فَكُلُّ مَا مِنْهُ - تَعَالَى - يَجْمُلُ ... لِأَنَّهُ عَنْ فِعْلِهِ لَا يُسْأَلُ ))
следующие страницы →