Полный текст (921 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
مُصَمِّمٌ عَلَى جَهْلِهِ، فَفِي الْمَصِيرِ إِلَى أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي فِعْلِهِ قَطْعُ طَلَبَاتِ الشَّرَائِعِ، وَالتَّكْذِيبُ بِمَا جَاءَ بِهِ الْمُرْسَلُونَ، فَإِنْ زَعَمَ مَنْ لَمْ يُوَفَّقْ لِمَنْهَجِ الرَّشَادِ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي مَقْدُورِهِ أَصْلًا. وَإِذَا طُولِبَ بِمُتَعَلِّقِ طَلَبِ اللَّهِ بِفِعْلِ الْعَبْدِ تَحْرِيمًا وَفَرْضًا؛ ذَهَبَ فِي الْجَوَابِ طُولًا وَعَرْضًا، وَقَالَ: لِلَّهِ أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ، وَلَا يَتَعَرَّضُ الْمُتَعَرِّضُونَ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] قِيلَ لَهُ: لَيْسَ لِمَا جِئْتَ بِهِ حَاصِلٌ، كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، نَعَمْ، يَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَلَكِنْ يَتَقَدَّسُ عَنِ الْخُلْفِ وَنَقِيضِ الصِّدْقِ، وَقَدْ فَهِمْنَا بِضَرُورَاتِ الْمَعْقُولِ مِنَ الشَّرْعِ الْمَنْقُولِ أَنَّهُ - عَزَّتْ قُدْرَتُهُ - طَالَبَ عِبَادَهُ بِمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ مُمَكَّنُونَ مِنَ الْوَفَاءِ بِهِ، فَلَمْ يُكَلِّفْهُمْ إِلَّا مَبْلَغَ الطَّاقَةِ، وَالْوُسْعَ فِي مَوَارِدِ الشَّرْعِ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ فِي مَقْدُورِهَا كَمَا لَا أَثَرَ لِلْعَلَمِ فِي مَعْلُومِهِ؛ فَوَجْهُ مُطَالَبَةِ الْعَبْدِ بِأَفْعَالِهِ عِنْدَهُ كَوَجْهِ مُطَالَبَتِهِ بِأَنْ يُثْبِتَ فِي نَفْسِهِ أَلْوَانًا وَإِدْرَاكَاتٍ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدَالِ إِلَى الْتِزَامِ الْبَاطِلِ وَالْمُحَالِ، وَفِيهِ إِبْطَالُ الشَّرَائِعِ وَرَدُّ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَإِذَا لَزِمَ الْمَصِيرُ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعَبْدَ خَالِقُ أَعْمَالِهِ؛ فَإِنَّهُ فِيهِ الْخُرُوجُ عَمَّا دَرَجَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الْأَئِمَّةُ، وَاقْتِحَامُ وَرَطَاتِ الضَّلَالِ. وَلَا سَبِيلَ إِلَى الْوُقُوعِ فِي أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ بِقُدْرَتِهِ الْحَادِثَةِ وَالْقُدْرَةِ الْقَدِيمَةِ. فَإِنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ يَسْتَحِيلُ حُدُوثُهُ بِقَادِرَيْنِ، إِذِ الْوَاحِدُ لَا يَنْقَسِمُ، فَإِنْ وَقَعَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ اسْتَقَلَّ بِهَا، وَيَسْقُطُ أَثَرُ الْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَقَعَ بَعْضُهُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ الْفِعْلَ الْوَاحِدَ لَا بَعْضَ لَهُ، وَهَذِهِ مِهْوَاةٌ لَا يَسْلَمُ مِنْ غَوَائِلِهَا إِلَّا مُرْشَدٌ مُوَفَّقٌ، إِذِ الْمَرْءُ بَيْنَ أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْدَادَ، وَبَيْنَ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ عَنْ كَوْنِهِ مُطَالَبًا بِالشَّرَائِعِ، وَفِيهِ إِبْطَالُ دَعْوَةِ الْمُرْسَلِينَ، وَبَيْنَ أَنْ يُثْبِتَ نَفْسَهُ شَرِيكًا لِلَّهِ فِي إِيجَادِ الْفِعْلِ الْوَاحِدِ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ بِجُمْلَتِهَا بَاطِلَةٌ وَلَا يُنْجِي مِنْ هَذَا الْمُلْتَطَمِ ذِكْرُ اسْمٍ مَحْضٍ وَلَقَبٍ مُجَرَّدٍ مِنْ غَيْرِ تَحْصِيلِ مَعْنًى، وَذَلِكَ أَنَّ قَائِلًا لَوْ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ يَكْتَسِبُ، وَأَثَرُ قُدْرَتِهِ الِاكْتِسَابُ، وَالرَّبُّ - تَعَالَى - مُخْتَرِعٌ خَالِقٌ لِمَا الْعَبْدُ مُكْتَسِبٌ لَهُ؛ قِيلَ لَهُ: فَمَا الْكَسْبُ؟ وَمَا مَعْنَاهُ؟ وَأُدِيرَتِ الْأَقْسَامُ الْمَذْكُورَةُ عَلَى هَذَا الْقَائِلِ، فَلَا يَجِدُ عَنْهُ مَهْرَبًا. ثُمَّ قَالَ - يَعْنِي إِمَامَ الْحَرَمَيْنِ - فَنَقُولُ: قُدْرَةُ الْعَبْدِ مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِاتِّفَاقِ الْقَائِلِينَ بِالصَّانِعِ، وَالْفِعْلُ الْمَقْدُورُ
стр. 317
بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ وَاقِعٌ بِهَا قَطْعًا، لَكِنَّهُ يُضَافُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَقْدِيرًا وَخَلْقًا، فَإِنَّهُ وَقَعَ بِفِعْلِ اللَّهِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ، وَلَيْسَتِ الْقُدْرَةُ فِعْلًا لِلْعَبْدِ، وَإِنَّمَا هِيَ صِفَةٌ لَهُ، وَهِيَ مِلْكٌ لَهُ - تَعَالَى - وَخَلْقٌ لَهُ، فَإِذَا كَانَ مَوْقِعُ الْفِعْلِ خَلْقًا لِلَّهِ فَالْوَاقِعُ بِهِ مُضَافٌ خَلْقًا إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَتَقْدِيرًا، وَقَدْ مَلَّكَ اللَّهُ الْعَبْدَ اخْتِيَارًا يُصَرِّفُ بِهِ الْقُدْرَةَ، فَإِذَا أَوْقَعَ بِالْقُدْرَةِ شَيْئًا آلَ الْوَاقِعُ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ وَقَعَ بِفِعْلِ اللَّهِ.
وَلَوِ اهْتَدَتْ إِلَى هَذَا الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ خِلَافٌ، وَلَكِنَّهُمُ ادَّعَوُا اسْتِبْدَادًا بِالِاخْتِرَاعِ وَانْفِرَادًا بِالْخَلْقِ وَالِابْتِدَاعِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، قَالَ: وَنُبَيِّنُ تَمَيُّزَنَا عَنْهُمْ بِتَفْرِيعِ الْمَذْهَبَيْنِ، فَإِنَّا لَمَّا أَضَفْنَا فِعْلَ الْعَبْدِ إِلَى تَقْدِيرِ الْإِلَهِ؛ قُلْنَا: أَحْدَثَ اللَّهُ الْقُدْرَةَ فِي الْعَبْدِ عَلَى أَقْدَارٍ أَحَاطَ بِهَا عِلْمًا، وَهَيَّأَ أَسْبَابَ الْفِعْلِ، وَسَلَبَ الْعَبْدَ الْعِلْمَ بِالتَّفَاصِيلِ، وَأَرَادَ مِنَ الْعَبْدِ أَنْ يَفْعَلَ، فَأَحْدَثَ فِيهِ دَوَاعِيَ مُسْتَحْسَنَةً وَخِيَرَةً وَإِرَادَةً، وَعَلِمَ أَنَّ الْأَفْعَالَ سَتَقَعُ عَلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ بِالْقُدْرَةِ الَّتِي اخْتَرَعَهَا لِلْعَبْدِ عَلَى مَا عَلِمَ وَأَرَادَ، فَاخْتِيَارُهُمْ وَاتِّصَافُهُمْ بِالْأَقْدَارِ، وَالْقُدْرَةُ خَلْقُ اللَّهِ ابْتِدَاءً، وَمَقْدُورُهَا مُضَافٌ إِلَيْهِ مَشِيئَةً وَعِلْمًا وَقَضَاءً وَخَلْقًا وَفِعْلًا، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ نَتِيجَةُ مَا انْفَرَدَ بِخَلْقِهِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ، وَلَوْ لَمْ يُرِدْ وُقُوعَ مَقْدُورِهَا لَمَا أَقْدَرَهُ عَلَيْهِ، وَلَمَا هَيَّأَ أَسْبَابَ وُقُوعِهِ، وَمَنْ هُدِيَ لِهَذَا اسْتَمَرَّ لَهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، فَالْعَبْدُ فَاعِلٌ مُخْتَارٌ مُطَالَبٌ مَأْمُورٌ مَنْهِيٌّ، وَفِعْلُهُ تَقْدِيرٌ لِلَّهِ مُرَادٌ لَهُ خَلْقٌ مَقْضِيٌّ. قَالَ: وَنَحْنُ نَضْرِبُ فِي ذَلِكَ مَثَلًا شَرْعِيًّا يَسْتَرْوِحُ إِلَيْهِ النَّاظِرُ فِي ذَلِكَ، فَنَقُولُ: الْعَبْدُ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِ سَيِّدِهِ، وَلَوِ اسْتَبَدَّ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ لَمْ يَنْفُذْ تَصَرُّفُهُ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي بَيْعِ مَالِهِ فَبَاعَهُ نَفَذَ، وَالْبَيْعُ فِي التَّحْقِيقِ مَعْزُوٌّ إِلَى السَّيِّدِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ سَبَبَهُ إِذْنُهُ، وَلَوْلَا إِذْنُهُ لَمْ يَنْفُذِ التَّصَرُّفُ، وَلَكِنَّ الْعَبْدَ يُؤْمَرُ بِالتَّصَرُّفِ، وَيُنْهَى وَيُوَبَّخُ عَنِ الْمُخَالَفَةِ، وَيُعَاقِبُ، فَهَذَا وَاللَّهِ الْحَقُّ الَّذِي لَا غِطَاءَ دُونَهُ، وَلَا مِرَاءَ فِيهِ لِمَنْ رَعَاهُ حَقَّ رِعَايَتِهِ.
وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ فَإِنَّهُمُ اعْتَقَدُوا انْفِرَادَ الْعَبْدِ بِالْخَلْقِ ثُمَّ صَارُوا إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَصَى فَقَدِ انْفَرَدَ بِخَلْقِهِ فِعْلَهُ، وَالرَّبُّ كَارِهٌ. فَكَانَ الْعَبْدُ عَلَى هَذَا الرَّأْيِ الْفَاسِدِ مُزَاحِمًا لِرَبِّهِ فِي التَّدْبِيرِ مُوْقِعًا مَا أَرَادَ إِيقَاعَهُ شَاءَ الرَّبُّ، أَوْ كَرِهَ؟ إِلَى هُنَا كَلَامُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّظَامِيَّةِ بِلَفْظِهِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ كَذَلِكَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ
стр. 318
ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ، وَنَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ إِبْرَاهِيمُ الْكُورَانِيُّ الْأَشْعَرِيُّ فِي شَرْحِ مَنْظُومَةِ شَيْخِهِ الْقُشَاشِيِّ. وَلَا يَخْفَى عَلَى مَنْ نَظَرَ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحُهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ بِأَنَّ الْعَبْدَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي فِعْلِهِ بِالِاخْتِيَارِ، وَمُرَادُهُ أَنَّ الْعَبْدَ لَيْسَ مُسْتَقِلًّا فِي إِيقَاعِ أَفْعَالِهِ بِمُجَرَّدِ مَشِيئَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تُوَافِقْ مَشِيئَةَ الْحَقِّ، بَلْ إِنَّمَا تُؤَثِّرُ قُدْرَتُهُ إِذَا شَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ وَمَكَّنَهُ مِنْهُ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْإِذْنِ. قَالَ الْكُورَانِيُّ: اخْتَارَ هَذَا شَيْخُنَا، وَأَلَّفَ فِيهِ سَابِقًا رِسَالَةً سَمَّاهَا " الِانْتِصَارَ لِإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِيمَا شَنَّعَ عَلَيْهِ فِيهِ بَعْضُ النُّظَّارِ "، ثُمَّ اخْتَصَرَهَا، وَزَادَ فِيهَا نُقُولًا وَقَفَ عَلَيْهَا فِيمَا بَعْدُ، وَسَمَّاهُ " اخْتِصَارَ الِانْتِصَارِ ".
ثُمَّ وَقَفْنَا عَلَى كِتَابِ شِفَاءِ الْعَلِيلِ لِابْنِ الْقَيِّمِ الْمَنْقُولِ فِيهِ كَلَامُ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّظَامِيَّةِ فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، وَأَمَرَ بِإِلْحَاقِهِ بِآخِرِ اخْتِصَارِ الِانْتِصَارِ ; لِيَعْلَمَ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ أَنَّ النَّقْلَ عَنْهُ بِالتَّأْثِيرِ بِالْإِذْنِ صَحِيحٌ، خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ثُبُوتَهُ عَنْهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. قَالَ الْكُورَانِيُّ: وَقَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ الْمَوَاهِبِ اللَّدُنِّيَّةِ عَلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى - ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ: وَاعْتِقَادُ جَمَاعَةٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ سَلْبُ فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ وَإِضَافَتُهُ إِلَى اللَّهِ، وَجَعْلُهُمْ ذَلِكَ أَصْلًا فِي الْجَبْرِ، وَإِبْطَالُ نِسْبَةِ الْأَفْعَالِ إِلَى الْعِبَادِ. فَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي إِثْبَاتِ الْكَسْبِ عَلَى طَرِيقَةِ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَتَأْيِيدِهِ بِدَلَائِلِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى أَنْ نَقَلَ عَنْهُ كَلَامَهُ الْمَذْكُورَ فِي النِّظَامِيَّةِ. ثُمَّ قَالَ: وَفِي شِفَاءِ الْعَلِيلِ: قَالَ الْأَشْعَرِيُّ ﵀ وَابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ، هُوَ كَوْنُ الْفِعْلِ كَسْبًا دُونَ كَوْنِهِ مَوْجُودًا، أَوْ مُحْدَثًا، فَكَوْنُهُ كَسْبًا وَصْفٌ لِلْوُجُودِ بِمَثَابَةِ كَوْنِهِ مَعْلُومًا - انْتَهَى - وَفَهِمُوا مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ - يَعْنِي الْأَشْعَرِيَّ - فِي مَقْدُورِهِ كَمَا لَا تَأْثِيرَ لِلْعِلْمِ فِي مَعْلُومِهِ، فَقَالُوا فِي قُدْرَةِ الْعَبْدِ: إِنَّهَا مُصَاحِبَةٌ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ قَصْدًا إِلَى التَّوَسُّطِ.
قَالَ: وَتَفْسِيرُ كَلَامِ الْأَشْعَرِيِّ بِهَذَا مَيْلٌ عَنِ التَّوَسُّطِ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ، وَإِنَّمَا التَّوَسُّطُ الْمُحَصِّلُ لِلْكَسْبِ النَّافِي لِطَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ مِنَ الِاسْتِقْلَالِ وَالْجَبْرِ - هُوَ الْقَوْلُ بِأَنَّ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ تَأْثِيرًا فِي مَقْدُورِهِ، وَلَكِنْ بِإِذْنِ اللَّهِ، لَا عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، فَاللَّائِقُ أَنْ يُفَسِّرَ كَلَامَ الْأَشْعَرِيِّ بِمَا يَتَنَزَّلُ عَلَى هَذَا التَّوَسُّطِ، وَكَلَامُهُ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ
стр. 319
نَصًّا فِي عَدَمِ التَّأْثِيرِ، فَإِنَّ أَوَّلَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَسْبَ وَاقِعٌ بِالْقُدْرَةِ الْحَادِثَةِ، وَالْوُقُوعَ فَرْعُ التَّأْثِيرِ، نَعَمْ آخِرُ كَلَامِهِ يُعْطِي أَنْ لَا تَأْثِيرَ لَهَا حَيْثُ شَبَّهَهُ بِتَعَلُّقِ الْعِلْمِ بِالْمَعْلُومِ، عَلَى أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ نَصَّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى التَّأْثِيرِ عَلَى مَا نَقَلَهُ عَنْهُ صَاحِبُ شِفَاءِ الْعَلِيلِ، ثُمَّ حَطَّ الْقُشَاشِيُّ كَلَامَهُ عَلَى أَنَّ الْكَسْبَ عِنْدَ الْأَشْعَرِيِّ تَحْصِيلُ الْعَبْدِ بِقُدْرَتِهِ الْمُؤَثِّرَةِ بِإِذْنِ اللَّهِ مَا تَعَلَّقَتْ بِهِ مَشِيئَتُهُ الْمُوَافِقَةُ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَتَقْرِيرُ كَلَامِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُوَافِقٌ لِمَا قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنَ التَّوَسُّطِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ بِهِ مُؤَدَّى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنَ الْمُكَلَّفِ بِلَا تَكَلُّفٍ. قَالَ الْكُورَانِيُّ: ثُمَّ رَأَيْتُ مِنْ نُصُوصِ الشَّيْخِ الْأَشْعَرِيِّ ﵀ فِي كِتَابِهِ الْإِبَانَةِ الَّذِي هُوَ آخِرُ تَصَانِيفِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَهُوَ - أَيْ كِتَابُ الْإِبَانَةِ - الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ فِي الْمُعْتَقَدِ مِنْ بَيْنِ كُتُبِهِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْحَافِظِ ابْنِ عَسَاكِرَ؛ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - أَيِ الْأَشْعَرِيَّ - إِنَّمَا نَفَى الِاسْتِقْلَالَ لَا أَصِلَ التَّأْثِيرِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَتَمْكِينِهِ.
وَحِينَئِذٍ يَكُونُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ مُوَافِقًا لِلْأَشْعَرِيِّ فِي التَّحْقِيقِ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُ فِي الْإِبَانَةِ. ثُمَّ قَالَ الْكُورَانِيُّ: وَهَذَا قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ، قَالَ: وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، قَالَ: وَقَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ هُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الشُّكْرِ مِنَ الْإِحْيَاءِ: وَلَا قَادِرَ إِلَّا الْمَلِكُ الْجَبَّارُ. وَقَالَ فِي جَوْهَرِ الْقُرْآنِ، فِي جَدِيرِ الْمَحَبَّةِ: لَا قَدَرَ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا عِلْمَ إِلَّا لِلْوَاحِدِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا لِغَيْرِهِ الْقُدْرَةُ الَّتِي أَعْطَاهُ إِلَخْ. وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ: وَمَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ - يَعْنِي الْإِنْسَانَ - مِنْ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَيْسَتْ قُدْرَتُهُ مِنْ نَفْسِهِ وَبِنَفْسِهِ، بَلِ اللَّهُ خَالِقُهُ وَخَالِقُ قُدْرَتِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَالْمُمَكِّنُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَوْ سَلَّطَ بَعُوضَةً عَلَى أَعْظَمِ مَلِكٍ وَأَقْوَى شَخْصٍ مِنَ الْحَيَوَانَاتِ لَأَهْلَكَهُ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ قُدْرَةٌ إِلَّا بِتَمْكِينِ مَوْلَاهُ. قَالَ الْكُورَانِيُّ: فَهُوَ قَائِلٌ: إِنَّ لِلْعَبْدِ قُدْرَةً مُؤَثِّرَةً بِتَمْكِينِ اللَّهِ لَا مُسْتَقِلًّا، وَهَذَا التَّمْكِينُ هُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْإِذْنِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَإِنَّمَا ذَكَرَ لَكَ أَقَاوِيلَ هَؤُلَاءِ مَعَ أَنَّ عُمْدَةَ الْمُعْتَقَدِ عِنْدَنَا الْغَيْرِ الْمُنْتَقَدِ فِي عَقْدِنَا - مَذْهَبُ السَّلَفِ الْمُقَرَّرُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُرْضِي الْمُحَرَّرِ ; لِتَعْلَمَ أَنَّ مُحَقِّقِي الْأَشَاعِرَةِ لَهُمْ مُوَافَقَةٌ عَلَى حَقِيقَةِ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَالْإِغْضَاءُ عَمَّا يُنَمِّقُهُ الْخَلَفُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 320
[أَفْعَالَ الْبَارِي لَا تُعَلَّلُ]
ثُمَّ أَشَارَ فِي النَّظْمِ إِلَى مَسْأَلَةٍ عَظِيمَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْبَارِي لَا تُعَلَّلُ، فَقَالَ:
((وَجَازَ لِلْمَوْلَى يُعَذِّبُ الْوَرَى ... مِنْ غَيْرِمَا ذَنْبٍ وَلَا جُرْمٍ جَرَى))
((فَكُلُّ مَا مِنْهُ - تَعَالَى - يَجْمُلُ ... لِأَنَّهُ عَنْ فِعْلِهِ لَا يُسْأَلُ
))
стр. 321
NzNzZ
فَإِنْ يُثِبْ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلِهِ
وَإِنْ يُعَذِّبْ فَبِمَحْضِ عَدْلِهِ)) ... ((فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَصْلَحِ
وَلَا الصَّلَاحُ وَيْحَ مَنْ لَمْ يُفْلِحِ)) ... ((فَكُلُّ مَنْ شَاءَ هُدَاهُ يَهْتَدِي
وَإِنْ يُرِدْ ضَلَالَ عَبْدٍ يَعْتَدِ))
стр. 322
((وَجَازَ لِلْمَوْلَى)) جَلَّ وَعَلَا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَوْلَى اسْمٌ يَقَعُ عَلَى جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ، فَهُوَ الرَّبُّ، وَالْمَالِكُ، وَالسَّيِّدُ، وَالْمُنْعِمُ، وَالْمُعْتِقُ، وَالنَّاصِرُ، وَالْمُحِبُّ، وَالتَّابِعُ
стр. 323
وَالْجَارُ، وَابْنُ الْعَمِّ، وَالْحَلِيفُ، وَالْعَقِيدُ، وَالصِّهْرُ، وَالْعَبْدُ، وَالْمُعْتِقُ، وَالْمُنْعِمُ عَلَيْهِ، وَأَكْثَرُهَا قَدْ جَاءَتْ فِي الْحَدِيثِ، فَيُضَافُ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الْوَارِدُ فِيهِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا اخْتِيرَ هُنَا الْمَوْلَى دُونَ غَيْرِهِ مِنْ
стр. 324
سَائِرِ الْأَسْمَاءِ لِمُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ ((يُعَذِّبُ الْوَرَى)) كَفَتَى، الْخَلْقُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا ذَوُو الْعُقُولِ ((أَوِ)) الْحَيَوَانُ مِنْ كُلِّ جِسْمٍ نَامٍ مُتَحَرِّكٍ بِالْإِرَادَةِ، أَوْ عَلَى عُمُومِهِ، وَإِرَادَةُ الْأَوَّلِ أَوْلَى بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ((مِنْ غَيْرِمَا)) زَائِدَةٌ لِمَزِيدِ تَأْكِيدِ النَّفْيِ،
стр. 325
أَيْ مِنْ غَيْرِ ((ذَنْبٍ)) أَيْ إِثْمٍ ((وَلَا جُرْمٍ)) وَهُوَ بِمَعْنَى مَا قَبْلَهُ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْجُرْمُ الذَّنْبُ، وَقَدْ جَرَمَ وَاجْتَرَمَ وَتَجَرَّمَ انْتَهَى. وَفِي الْقَامُوسِ: الْجُرْمُ بِالضَّمِّ الذَّنْبُ كَالْجَرِيمَةِ، وَالْجَمْعُ جِرَامٌ وَجُرُومٌ، وَإِنَّمَا حَسُنَ عَطْفُهُ عَلَيْهِ
стр. 326
فِي هَذَا الْمَحَلِّ لِقَصْدِ الْبَيَانِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالتَّعْرِيفِ لِشِبْهِهِ بِالْخَطَابَةِ ((جَرَى)) مِنَ الْعَبْدِ وَلَا صَدَرَ عَنْهُ، وَلَا تَمَادَى عَلَيْهِ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ - تَعَالَى - عَقْلًا أَنْ يُثِيبَ الْعَاصِيَ، وَأَنْ يُعَاقِبَ الطَّائِعَ لَوْلَا مَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ إِثَابَةِ الْمُطِيعِ، فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَاحِدٌ مِنَ الْأَمْرَيْنِ ((فَكُلُّ مَا)) أَيْ شَيْءٍ ((مِنْهُ - تَعَالَى -)) مِنْ إِثَابَةٍ وَعُقُوبَةٍ وَخَلْقِ خَيْرٍ وَشَرٍّ ((يَجْمُلُ)) أَيْ يَحْسُنُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْجَمَالُ الْحُسْنُ فِي الْخَلْقِ، وَالْخَلْقُ يُقَالُ جَمُلَ كَكَرُمَ، فَهُوَ جَمِيلٌ كَأَمِيرٍ وَغُرَابٍ
стр. 327
وَرُمَّانٍ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْجَمَالُ يَقَعُ عَلَى الصُّوَرِ، وَالْمَعَانِي، وَمِنْهُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، أَيْ حَسَنُ الْأَفْعَالِ كَامِلُ الْأَوْصَافِ. فَكُلُّ مَا يَصْدُرُ عَنِ الْبَارِي - جَلَّ شَأْنُهُ - مِنَ الْأَمْرِ، وَالْخَلْقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ - حَسَنٌ جَمِيلٌ، حَتَّى إِثَابَةُ الْعَاصِي وَعُقُوبَةُ الْمُطِيعِ ((لِأَنَّهُ)) - تَعَالَى - ((عَنْ فِعْلِهِ)) الَّذِي يَصْدُرُ عَنْهُ ((لَا يُسْأَلُ)) كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ((فَإِنْ يُثِبْ)) عِبَادَهُ الْمُطِيعِينَ وَخَلْقَهُ الْمُتَّقِينَ، وَالثَّوَابُ الْجَزَاءُ، وَمِنْهُ حَدِيثُ ابْنِ التَّيِّهَانِ ( «أَثِيبُوا أَخَاكُمْ» ) أَيْ جَازُوهُ عَلَى صَنِيعِهِ، يُقَالُ أَثَابَهُ يُثِيبُهُ إِثَابَةً، وَالِاسْمُ الثَّوَابُ، وَيَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ إِلَّا أَنَّهُ فِي الْخَيْرِ أَخَصُّ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا، وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا ((فَإِنَّهُ)) أَيْ إِثَابَتُهُ بِالْخَيْرِ وَالْجَزَاءِ الْحَسَنِ ((مِنْ فَضْلِهِ)) - تَعَالَى - الزَّائِدِ وَكَرَمِهِ الْجَزِيلِ ; لِأَنَّ أَتْقَى النَّاسِ وَأَعْبَدَهُمْ، لَا تُعَادِلُ عِبَادَتُهُ وَتَقْوَاهُ نِعْمَةَ إِيجَادِهِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ فَضْلًا عَنْ سَائِرِ نِعَمِهِ - تَعَالَى - عَلَى عَبْدِهِ مِنَ الْبَصَرِ وَالسَّمْعِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْفَضْلُ الْعَطَاءُ عَنِ اخْتِيَارٍ، لَا عَنْ إِيجَابٍ كَمَا تَزْعُمُهُ الْحُكَمَاءُ، وَلَا عَنْ وُجُوبٍ كَمَا تَقُولُ الْمُعْتَزِلَةُ، ((وَإِنْ يُعَذِّبْ)) عِبَادَهُ وَلَوِ الْمُطِيعِينَ مِنْهُمْ ((فَبِمَحْضِ)) أَيْ خَالِصِ ((عَدْلِهِ)) - تَعَالَى، وَالْمَحْضُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ، فِي اللُّغَةِ: اللَّبَنُ الْخَالِصُ غَيْرُ مَشُوبٍ بِشَيْءٍ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ " «بَارَكَ لَهُمْ فِي مَحْضِهَا وَمَخْضِهَا» " أَيِ الْخَالِصِ، وَالْمَمْخُوضِ - يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ عَذَّبَهُمْ لَعَذَّبَهُمْ بِعَدْلِهِ الْخَالِصِ مِنْ شَائِبَةِ الظُّلْمِ ; لِأَنَّهُ - تَعَالَى - تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ. وَالْعَدْلُ: وَضْعُ الشَّيْءِ فِي مَحَلِّهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَاضٍ عَلَى الْفَاعِلِ، عَكْسُ الظُّلْمِ الَّذِي هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ مَعَ الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْفَاعِلِ، فَطَاعَاتُ الْعَبْدِ وَإِنْ كَثُرَتْ لَا تَفِي بِشُكْرِ بَعْضِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَا بِنِعْمَةِ الْإِقْدَارِ عَلَى الطَّاعَةِ وَالتَّوْفِيقِ لَهَا، فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ اسْتِحْقَاقُهُ عِوَضًا عَلَيْهَا؟ وَاسْتُدِلَّ لِهَذَا بِقَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] يَعْنِي لَمْ تَتَصَرَّفْ فِي غَيْرِ مِلْكِكَ، بَلْ إِنْ عَذَّبْتَ عَذَّبْتَ مَنْ تَمْلِكُ، وَبِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ، وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ» ". وَبِقَوْلِهِ ﷺ فِي دُعَاءِ الْهَمِّ، وَالْحُزْنِ: " «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ» ". وَبِمَا رُوِيَ عَنْ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: مَا نَاظَرْتُ بِعَقْلِي كُلِّهِ
стр. 328
أَحَدًا إِلَّا الْقَدَرِيَّةَ، قُلْتُ لَهُمْ: مَا الظُّلْمُ؟ قَالُوا: أَنْ تَأْخُذَ مَا لَيْسَ لَكَ، وَأَنْ تَتَصَرَّفَ فِي مَا لَيْسَ لَكَ. قُلْتُ: فَلِلَّهِ كُلُّ شَيْءٍ. وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: لَكِنَّهُ لَا يَخْلُقُ الْخَلْقَ سُدًى فَلْيُرَاجَعْ، فَإِنَّ الْإِمَامَ الْمُحَقِّقَ ابْنَ الْقَيِّمِ كَشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَجَمْعٍ - لَمْ يَرْتَضُوا بِهَذَا، وَنَقَّبُوا عَلَيْهِ وَبَرْهَنُوا وَأَثْبَتُوا الْحِكْمَةَ وَالْعِلَّةَ فِي أَفْعَالِهِ - تَعَالَى - عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي شَرَحْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ.
وَمَذْهَبُ الْأَشَاعِرَةِ أَنَّ أَفْعَالَ الْبَارِي - تَعَالَى - لَيْسَ مُعَلَّلَةً بِالْأَغْرَاضِ وَالْمَصَالِحِ وَالْغَرَضِ، مَا لِأَجْلِهِ يَصْدُرُ الْفِعْلُ عَنِ الْفَاعِلِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَفْعَلُ هَذِهِ الْحَوَادِثَ عِنْدَ الْأَسْبَابِ الْمُقَارِنَةِ لَهَا، وَإِنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ مَحْضَةٌ، وَيَجْعَلُونَ اللَّامَ فِي أَفْعَالِهِ لَامَ الْعَاقِبَةِ، لَا لَامَ التَّعْلِيلِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ مُحَرَّرٌ. وَمَذْهَبُ الْمَاتُرِيدِيَّةِ امْتِنَاعُ خُلُوِّ فِعْلِهِ عَنِ الْمَصْلَحَةِ.
قَالَ السَّعْدُ: وَالْحَقُّ أَنَّ تَعْلِيلَ بَعْضِ الْأَفْعَالِ لَا سِيَّمَا الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ بِالْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ - ظَاهِرٌ. وَمَذْهَبُ سَلَفِ الْأَئِمَّةِ عَلَى مَا حَكَاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي شَرْحِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ، وَأَنَّهُ الْقَوْلُ الْوَسَطُ الْجَامِعُ لِلْحَقِّ الْمُوَافِقُ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ، وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ. وَعَلَيْهِ أَشْهَرُ الطَّوَائِفِ انْتِسَابًا إِلَى السُّنَّةِ هُمْ مُثْبِتَةُ الْقَدَرِ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا مِنْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ، وَأَنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَأَنَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَيُثْبِتُونَ لِلَّهِ - تَعَالَى - حِكْمَةً يَفْعَلُ لِأَجْلِهَا قَائِمَةً بِهِ - تَعَالَى - لَا مُنْفَصِلَةً عَنْهُ، وَيُثْبِتُونَ لَهُ رَحْمَةً وَمَحَبَّةً وَرِضًا وَسُخْطًا، وَيُثْبِتُونَ لِلْحَوَادِثِ أَسْبَابًا تَقْتَضِي التَّخْصِيصَ، وَيُثْبِتُونَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، وَالْمَوَانِعِ، قَالَ: وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ، وَهُوَ الَّذِي يَجْمَعُ مَا فِي الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنَ الصَّوَابِ، وَيَجْتَنِبُ مَا فِيهَا مِنَ الْخَطَأِ، قَالَ: فَهَذِهِ طَرِيقَةُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ، وَهِيَ الَّتِي يَدُلُّ عَلَيْهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ الْحَقَّ وَأَدِلَّتَهُ بِمَا ضَرَبَهُ فِيهِ مِنَ الْأَمْثَالِ وَسَنَّهُ مِنَ الْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ. انْتَهَى.
قَالَ بَعْضُ مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَةِ: إِنَّ الْأَشَاعِرَةَ يَقُولُونَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ; لِأَنَّهُمْ يَمْنَعُونَ الْعَبَثَ فِي أَفْعَالِهِ - تَعَالَى - كَمَا يَمْنَعُونَ الْغَرَضَ ; وَلِذَلِكَ كَانَ التَّعَبُّدِيُّ مِنَ الْأَحْكَامِ مَا لَا يُطَّلَعُ عَلَى حِكْمَتِهِ، لَا مَا لَا حِكْمَةَ لَهُ، عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ نَقَلَ عَنِ الْأَشَاعِرَةِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَمْنَعُونَ وُجُوبَ التَّعْلِيلِ لَا أَنَّهُمْ يُحِيلُونَهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ بَعْضُ الْأَشَاعِرَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 329
فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ وَفَهِمْتَهُ ((فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ)) ((فِعْلُ الْأَصْلَحِ)) أَيِ الْأَنْفَعِ ((وَلَا)) يَجِبُ عَلَيْهِ أَيْضًا فِعْلُ ((الصَّلَاحِ)) لِعِبَادِهِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، فَمُعْتَزِلَةُ الْبَصْرَةِ قَالُوا بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ فِي الدِّينِ، وَقَالُوا: تَرْكُهُ بُخْلٌ وَسَفَهٌ يَجِبُ تَنْزِيهُ الْبَارِي عَنْهُ، وَمِنْهُمُ الْجُبَّائِيُّ، وَذَهَبَ مُعْتَزِلَةُ بَغْدَادَ إِلَى وُجُوبِ الْأَصْلَحِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَعًا، لَكِنْ بِمَعْنَى الْأَوْفَقِ فِي الْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُتَرْجَمَةٌ فِي كُتُبِ الْقَوْمِ بِمَسْأَلَةِ وُجُوبِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ، وَحَاصِلُهَا أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قَالُوا بِوُجُوبِ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ - تَعَالَى. وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا بَعْدَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ - تَعَالَى - وَعَلَى وُجُوبِ الْإِقْدَارِ وَالتَّمْكِينِ وَأَقْصَى مَا يُمْكِنُ فِي مَعْلُومِ اللَّهِ - تَعَالَى - مِمَّا يُؤْمِنُ عِنْدَهُ الْكَافِرُ وَيُطِيعُ الْعَاصِي، وَأَنَّهُ - تَعَالَى - فَعَلَ بِكُلِّ أَحَدٍ غَايَةَ مَقْدُورِهِ مِنَ الْأَصْلَحِ، قَالُوا: وَلَيْسَ فِي مَقْدُورِهِ - تَعَالَى - عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - لُطْفٌ لَوْ فَعَلَ بِالْكُفَّارِ لَآمَنُوا جَمِيعًا، وَإِلَّا لَكَانَ تَرْكُهُ بُخْلًا وَسَفَهًا.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ الْأَصْلَحِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا أَوِ الدِّينِ فَقَطْ عَلَى مَا مَرَّ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْأَصْلَحِ هَلْ هُوَ الْأَوْفَقُ فِي الْحِكْمَةِ وَالتَّدْبِيرِ، أَوْ هُوَ الْأَنْفَعُ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ مُعْتَزِلَةُ الْبَصْرَةِ، فَمِنْهُمْ مَنِ اعْتَبَرَ الْأَنْفَعَ فِي عِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى. فَأَوْجَبَ مَا عَلِمَ اللَّهُ نَفْعِيَّتَهُ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْجُبَّائِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ ذَلِكَ، فَزَعَمَ أَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ الْكُفْرَ عَلَى تَقْدِيرِ تَكْلِيفِهِ إِيَّاهُ يَجِبُ تَعْرِيضُهُ لِلثَّوَابِ بِأَنْ يُبْقِيَهُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ عَاقِلًا قَادِرًا عَلَى اكْتِسَابِ الْخَيْرَاتِ. وَالْبَغْدَادِيَّةُ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُمْ فِيهَا شَيْءٌ، لَكِنَّ الْإِلْزَامَ عَلَيْهِمْ فِي تَخْلِيدِ الْفُسَّاقِ فِي النَّارِ أَشَدُّ قُبْحًا وَشَنَاعَةً، وَتَمَسَّكُوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: نَحْنُ نَقْطَعُ بِأَنَّ الْحَكِيمَ إِذَا أَمَرَ بِطَاعَتِهِ أَحَدًا، وَقَدَرَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْمَأْمُورَ مَا يَصِلُ بِهِ إِلَى الطَّاعَةِ مِنْ غَيْرِ تَضَرُّرٍ بِذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْ؛ كَانَ مَذْمُومًا عِنْدَ الْعُقَلَاءِ، مَعْدُودًا فِي زُمْرَةِ الْبُخَلَاءِ، وَكَذَلِكَ مَنْ دَعَا عَدُوَّهُ إِلَى الْمُوَالَاةِ وَالرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالْمُصَافَاةِ؛ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعَامِلَهُ مِنَ الْغِلَظِ وَاللِّينِ إِلَّا بِمَا هُوَ أَنْجَعُ فِي حُصُولِ الْمُرَادِ وَأَدْعَى إِلَى تَرْكِ الْعِنَادِ.
قَالُوا: وَأَيْضًا مَنِ اتَّخَذَ ضِيَافَةً لِرَجُلٍ وَاسْتَدْعَاهُ إِلَى الْحُضُورِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ تَلَقَّاهُ بِبِشْرٍ وَطَلَاقَةِ وَجْهٍ لَدَخَلَ وَأَكَلَ، وَإِلَّا لَمْ يَدْخُلْ؛ فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُقَلَاءِ الْبِشْرُ، وَالطَّلَاقَةُ، وَالْمُلَاطَفَةُ، لَا أَضْدَادُهَا. وَأَجْلَبُوا وَأَجْنَبُوا مِنْ هَذَا التَّمْوِيهِ الَّذِي لَا يَصْدُرُ
стр. 330
إِلَّا مِنْ ضَالٍّ سَفِيهٍ، وَلِهَذَا قَالَ: ((وَيْحَ)) هَذِهِ كَلِمَةُ تَرَحُّمٍ وَتَوَجُّعٍ، تُقَالُ لِمَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَهِيَ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِ، وَقَدْ تُرْفَعُ وَتُضَافُ كَمَا هُنَا، وَضِدُّهُ " وَيْلٌ " فَإِنَّهَا تُقَالُ لِلْحُزْنِ، وَالْهَلَاكِ، وَالْمَشَقَّةِ مِنَ الْعَذَابِ، وَكُلُّ مَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَةٍ دَعَا بِالْوَيْلِ، وَقِيلَ: " وَيْ " كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ، وَلَامُهُ مُفْرَدَةٌ، وَهِيَ كَلِمَةُ تَفَجُّعٍ وَتَعَجُّبٍ، فَإِنْ قُلْتَ: كَانَ الْمُنَاسِبُ هُنَا الْإِتْيَانَ بِكَلِمَةِ " وَيْلٌ " لِاقْتِضَاءِ الْمَقَامِ؛ قُلْتُ: بَلِ الْأَنْسَبُ كَلِمَةُ " وَيْحَ " ; لِأَنَّهُ يَتَوَجَّعُ وَيَتَرَحَّمُ لِإِخْوَانِهِ مِنَ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، كَيْفَ اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ وَتَلَاعَبَ بِهِمْ تَلَاعُبَ الصِّبْيَانِ بِالْكُرَةِ وَالصَّوْلَجَانِ، مَعَ ظُهُورِ أَدِلَّةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَعَلَى عُقُولِهِمُ الدَّمَارُ، وَعَلَى فُهُومِهِمُ الْبَوَارُ ((مَنْ)) أَيْ شَخْصٌ بَالِغٌ عَاقِلٌ ((لَمْ يُفْلِحْ)) أَيْ لَمْ يَفُزْ بِمُتَابَعَةِ الْحَقِّ، وَمُوَافَقَةِ الشِّرْعَةِ، وَرَفْضِ الْبَاطِلِ، وَمُجَانَبَةِ الْبِدْعَةِ، وَالْفَلَاحُ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْجَوَامِعِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: بَقَاءٌ بِلَا فَنَاءٍ، وَغِنًى بِلَا فَقْرٍ، وَعِزٌّ بِلَا ذُلٍّ، وَعِلْمٌ بِلَا جَهْلٍ، قَالُوا: فَلَا كَلِمَةَ فِي اللُّغَةِ أَجْمَعَ لِلْخَيْرَاتِ مِنْهَا.
وَلِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ لَوَازِمُ فَاسِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى فَسَادِهِ، مِنْهَا أَنَّ الْقُرُبَاتِ مِنَ النَّوَافِلِ صَلَاحٌ، فَلَوْ كَانَ الصَّلَاحُ وَاجِبًا وَجَبَتْ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ. وَمِنْهَا أَنَّ خُلُودَ أَهْلِ النَّارِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ صَلَاحًا لَهُمْ دُونَ أَنْ يُرَدُّوا فَيَعْتِبُوا رَبَّهُمْ وَيَتُوبُوا إِلَيْهِ، وَلَا يَنْفَعُكُمُ اعْتِذَارُكُمْ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُمْ لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا، فَإِنَّ هَذَا حَقٌّ وَلَكِنْ لَوْ أَمَاتَهُمْ وَأَعْدَمَهُمْ فَقَطَعَ عِتَابَهُمْ كَانَ أَصْلَحَ لَهُمْ، وَلَوْ غَفَرَ لَهُمْ وَأَخْرَجَهُمْ مِنَ النَّارِ كَانَ أَصْلَحَ مِنْ إِمَاتَتِهِمْ وَإِعْدَامِهِمْ، وَلَمْ يَتَضَرَّرْ - سُبْحَانَهُ - بِذَلِكَ.
وَمِنْهَا أَنَّ عَدَمَ خَلْقِ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ أَصْلَحُ لِلْخَلْقِ وَأَنْفَعُ، وَقَدْ خَلَقَهُ الْبَارِي - جَلَّ شَأْنُهُ. وَأَيْضًا إِنْظَارُهُ وَتَمْكِينُهُ وَتَمْكِينُ جُنُوَدِهِ وَجَرَيَانُهُمْ مِنَ الْآدَمِيِّ مَجْرَى الدَّمِ فِي أَبْشَارِهِمْ - يُنَافِي مَذْهَبَهُمْ، فَكَانَ يَلْزَمُهُمْ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ. وَمِنْهَا مَا أَلْزَمَهُ الْإِمَامُ أَبُو الْحُسْنِ الْأَشْعَرِيُّ لِلْجُبَّائِيِّ، وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ ثَلَاثَةِ إِخْوَةٍ، أَمَاتَ اللَّهُ أَحَدَهُمْ صَغِيرًا، وَأَحْيَا الْآخَرَيْنِ، فَاخْتَارَ أَحَدُهُمَا الْإِيمَانَ، وَالْآخِرُ الْكُفْرَ، فَرَفَعَ اللَّهُ دَرَجَةَ الْمُؤْمِنِ الْبَالِغِ عَنْ أَخِيهِ الصَّغِيرِ فِي الْجَنَّةِ بِعَمَلِهِ، فَقَالَ أَخُوهُ الصَّغِيرُ: يَا رَبِّ لِمَ لَا بَلَّغْتَنِي مَنْزِلَةَ أَخِي؟ فَقَالَ: إِنَّهُ عَاشَ وَعَمِلَ عَمَلًا اسْتَحَقَّ بِهِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ فَهَلَّا أَحْيَيْتَنِي حَتَّى أَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ فَأَبْلُغَ مَنْزِلَتَهُ؟ فَقَالَ: كَانَ الْأَصْلَحُ لَكَ أَنْ تَوَفَّيْتُكَ صَغِيرًا لِأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِنْ
стр. 331
بَلَغْتَ اخْتَرْتَ الْكُفْرَ، فَكَانَ الْأَصْلَحُ لَكَ فِي حَقِّكَ أَنْ أَمَتُّكَ صَغِيرًا. قَالَ الْأَشْعَرِيُّ: فَإِنْ قَالَ الثَّانِي: يَا رَبِّ لِمَ لَمْ تُمِتْنِي صَغِيرًا لِئَلَّا أَعْصِيَ فَلَا أَدْخُلَ النَّارَ، مَاذَا يَقُولُ الرَّبُّ؟ فَبُهِتَ الْجُبَّائِيُّ، وَكَانَ الْأَشْعَرِيُّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ، فَتَرَكَ مَذْهَبَهُ. قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: كَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ أَوَّلًا مُعْتَزِلِيًّا، ثُمَّ تَابَ مِنَ الْقَوْلِ بِالْعَدْلِ وَخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَقَامَ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ بِالْبَصْرَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَرَقَى كُرْسِيًّا، وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا أُعَرِّفُهُ بِنَفْسِي، أَنَا فُلَانٌ ابْنُ فُلَانٍ، كُنْتُ أَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يُرَى بِالْأَبْصَارِ، وَأَنَّ أَفْعَالَ الْبَشَرِ أَنَا أَفْعَلُهَا، وَأَنَا تَائِبٌ مُقْلِعٌ مُعْتَقِدٌ لِلرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ مُخْرِجٌ لِفَضَائِحِهِمْ وَمَعَايِبِهِمْ.
قَالَ ابْنُ خَلِّكَانَ: مَوْلِدُ الْأَشْعَرِيِّ سَنَةَ سَبْعِينَ، وَقِيلَ: سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ، وَدُفِنَ بَيْنَ الْكَرْخِ وَبَابِ الْبَصْرَةِ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ: فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَوِ اخْتَرَمَ الْعَبْدَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَكَمَالِ الْعَقْلِ لَكَانَ نَاجِيًا، وَلَوْ أَمْهَلَهُ وَسَهَّلَ عَلَيْهِ النَّظَرَ لَعَنَدَ وَكَفَرَ وَجَحَدَ، فَكَيْفَ يُقَالُ إِنَّ الْأَصْلَحَ فِي حَقِّهِ إِبْقَاؤُهُ حَتَّى يُبْلُغَ، قَالَ: وَالْمَقْصُودُ عِنْدَكُمْ - يَعْنِي الْمُعْتَزِلَةَ الْقَائِلِينَ بِالْأَصْلَحِ - بِالتَّكْلِيفِ الِاسْتِصْلَاحُ، وَالتَّفْوِيضُ بِأَسْنَى الدَّرَجَاتِ الَّتِي لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْأَعْمَالِ.
وَأَيْضًا قَالَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ: الرَّبُّ - تَعَالَى - قَادِرٌ عَلَى التَّفَضُّلِ بِمِثْلِ الثَّوَابِ ابْتِدَاءً بِلَا وَاسِطَةِ عَمَلٍ، فَأَيُّ غَرَضٍ لَهُ فِي تَعْرِيضِ الْعِبَادِ لِلْبَلْوَى، وَالْمَشَاقِّ؟ وَكَوْنُهُ - تَعَالَى - قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ حَقٌّ، ثُمَّ كَذَّبُوا وَافْتَرَوْا فَقَالُوا: الْغَرَضُ فِي التَّكْلِيفِ أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمُسْتَحِقِّ حَقَّهُ أَهْنَأُ وَأَلَذُّ مِنْ قَبُولِ التَّفَضُّلِ وَاحْتِمَالِ الْمِنَّةِ.
وَهَذَا كَلَامُ أَجْهَلِ الْخَلْقِ بِالرَّبِّ - تَعَالَى - وَبِحَقِّهِ وَعَظَمَتِهِ، وَمُسَاوَاةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ آحَادِ النَّاسِ، وَهُوَ مِنْ أَقْبَحِ التَّشْبِيهِ وَأَخْبَثِهِ، تَعَالَى عَنْ ضَلَالِهِمْ وَإِفْكِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَأَيْضًا يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ أَنْ يُوجِبُوا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُمِيتَ كُلَّ مَنْ عَلِمَ مِنَ الْأَطْفَالِ أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ لَكَفَرَ وَعَانَدَ، فَإِنَّ اخْتِرَامَهُ هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ بِلَا رَيْبٍ، أَوْ أَنْ يَجْحَدُوا عِلْمَهُ سُبْحَانَهُ بِمَا سَيَكُونُ قَبْلَ كَوْنِهِ الْتَزَمَهُ سَلَفُهُمُ الْخَبِيثُ الَّذِينَ اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ، وَلَا خَلَاصَ لَهُمْ عَنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْإِلْزَامَيْنِ إِلَّا بِالْتِزَامِ مَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ شَرَائِعِ عُقُولِهِمُ الْقَاصِرَةِ، وَلَا تُقَاسُ بِأَفْعَالِهِمُ الْخَاسِرَةِ، بَلْ
стр. 332
أَفْعَالُهُ - تَعَالَى - لَا تُشْبِهُ أَفْعَالَ خَلْقِهِ، وَلَا صِفَاتُهُ صِفَاتِهِمْ، وَلَا ذَاتُهُ ذَوَاتِهِمْ، إِذْ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . وَأَيْضًا يَلْزَمُهُمْ أَنَّ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ - تَعَالَى - إِذَا بَلَغَ مِنَ الْأَطْفَالِ يَخْتَارُ الْإِيمَانَ، وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ - أَنْ لَا يُمِيتَهُ طِفْلًا، فَإِنَّ الْأَصْلَحَ فِي حَقِّهِ أَنْ يُحْيِيَهُ حَتَّى يَبْلُغَ وَيُؤْمِنَ وَيَعْمَلَ صَالِحًا، فَيَنَالَ بِذَلِكُمُ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةَ، وَهَذَا مَا لَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْهُ، وَأَيْضًا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ فِي مَقْدُورِ اللَّهِ - تَعَالَى - لُطْفٌ لَوْ فَعَلَهُ - تَعَالَى - بِالْكُفَّارِ لَآمَنُوا، وَقَدِ الْتَزَمَهُ الْمُعْتَزِلَةُ الْقَدَرِيَّةُ، وَبَنَوْهُ عَلَى أَصْلِهِمُ الْفَاسِدِ، أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - أَنْ يَفْعَلَ فِي حَقِّ كُلِّ عَبْدٍ مَا هُوَ الْأَصْلَحُ لَهُ، فَلَوْ كَانَ فِي مَقْدُورِهِ مَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ عِنْدَهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ بِهِ، وَالْقُرْآنُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ يَرُدُّ هَذَا الْقَوْلَ وَيُكَذِّبُهُ وَيُخْبِرُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا، وَلَوْ شَاءَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا.
وَأَيْضًا يَلْزَمُهُمْ - وَقَدِ الْتَزَمُوهُ - أَنَّ لُطْفَهُ - تَعَالَى - وَنِعْمَتَهُ وَتَوْفِيقَهُ بِالْمُؤْمِنِ كَلُطْفِهِ بِالْكَافِرِ، وَأَنَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمَا سَوَاءٌ، لَمْ يَخُصَّ الْمُؤْمِنَ بِفَضْلٍ عَنِ الْكَافِرِ، وَكَفَى بِالْوَحْيِ وَصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَفِطْرَةِ اللَّهِ وَالِاعْتِبَارِ الصَّحِيحِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ رَدًّا لِهَذَا الْقَوْلِ وَتَكْذِيبًا لَهُ. وَأَيْضًا مَا مِنْ أَصْلَحَ إِلَّا وَفَوْقَهُ مَا هُوَ أَصْلَحُ مِنْهُ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ كَالِاقْتِصَارِ عَلَى الصَّلَاحِ، فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِكُمْ يَجِبُ مُرَاعَاةُ الْأَصْلَحِ إِذْ لَا نِهَايَةَ لَهُ، فَلَا يُمْكِنُ فِي الْفِعْلِ رِعَايَتُهُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَلْزَمُ الْقَائِلِينَ بِالصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ، فَإِنَّهُ - تَعَالَى - خَلَقَ الْكَافِرَ الْفَقِيرَ الْمُعَذَّبَ فِي الدُّنْيَا بِالْأَسْقَامِ، وَالْآلَامِ، وَالْمِحَنِ، وَالْآفَاتِ مَعَ الْكُفْرِ، وَالْهَفَوَاتِ، وَكَيْفَ يَنْهَضُ لَهُمْ دَلِيلٌ وَخُلُودُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ لَيْسَ بِأَصْلَحَ لَهُمْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
تَنْبِيهٌ:
مَذْهَبُ الْقَوْلِ بِالصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ مَبْنِيٌّ فِيمَا قَالَهُ مُتَكَلِّمُو الْأَشَاعِرَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: تَحْسِينُ الْعَقْلِ وَتَقْبِيحُهُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. الثَّانِيَةُ: اسْتِلْزَامُ الْأَمْرِ لِلْإِرَادَةِ، فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ أَسْلَفْتَ عَنْ أَسْلَافِكَ مِثْلَ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَتِلْمِيذِهِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ وَغَيْرِهِمَا - الْمَيْلَ، وَالِاسْتِدْلَالَ لِإِثْبَاتِ التَّعْلِيلِ وَالْحِكْمَةِ فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ، وَذَلِكَ مِنْ أُصُولِ الْقَوْلِ بِالصَّلَاحِ
стр. 333
وَالْأَصْلَحِ، ثُمَّ هُنَا أَبْطَلْتَ هَذَا الْقَوْلَ وَذَكَرْتَ مِنْ لَوَازِمِهِ مَا لَا جَوَابَ عَنْهُ، فَمَا تَصْنَعُ فِي هَذِهِ اللَّوَازِمِ الَّتِي أُلْزِمَتْ بِهَا الْمُعْتَزِلَةُ، وَمَا الْجَوَابُ عَنْهَا إِذَا وُجِّهَتْ إِلَيْكُمْ؟ قُلْتُ: لَا رَيْبَ أَنَّنَا نُثْبِتُ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ وَشَهِدَتْ بِهِ الْفِطْرَةُ وَالْعُقُولُ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، فَكُلُّ مَا خَلَقَ وَأَمَرَ بِهِ فَلَهُ فِيهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَآيَةٌ قَاهِرَةٌ، لِأَجْلِهَا خَلَقَهُ وَأَمَرَ بِهِ، وَلَكِنْ نَقُولُ إِنَّ لِلَّهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ كُلِّهِ حِكْمَةً لَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِلْمَخْلُوقِ، وَلَا مُشَابِهَةً لَهُ، بَلِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْحِكْمَتَيْنِ، كَالْفَرْقِ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ، وَكَالْفَرْقِ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ، وَالذَّاتَيْنِ، فَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فِي وَصْفِهِ، وَلَا فِي فِعْلِهِ، وَلَا فِي حِكْمَةٍ مَطْلُوبَةٍ لَهُ مِنْ فِعْلِهِ، بَلِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَعْظَمُ فَرْقٍ وَأَبْيَنُهُ وَأَوْضَحُهُ عِنْدَ الْعُقُولِ، وَالْفِطَرِ، وَعَلَى هَذَا فَجَمِيعُ مَا أُلْزِمَتْ بِهِ الْفِرْقَةُ الْقَائِلَةُ بِالصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ، بَلْ وَأَضْعَافُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْإِلْزَامَاتِ لِلَّهِ فِيهِ حِكْمَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا، لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، وَلِأَجْلِهَا حَسُنَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَقَبُحَ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لِانْتِفَاءِ تِلْكَ الْحِكْمَةِ فِي حَقِّهِمْ، وَهَذَا كَمَا يَحْسُنُ مِنْهُ - تَعَالَى - مَدْحُ نَفْسِهِ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهَا، وَإِنْ قَبُحَ مَنْ أَكْثَرِ خَلْقِهِ ذَلِكَ، وَيَلِيقُ بِجَلَالِهِ الْكِبْرِيَاءُ وَالْعَظَمَةُ، وَيَقْبُحُ مِنْ خَلْقِهِ تَعَاطِيهِمَا كَمَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ حَكَى عَنِ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: " «الْكِبْرِيَاءُ إِزَارِي، وَالْعَظْمَةُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدَةً مِنْهَا عَذَّبْتُهُ» " وَكَمَا يَحْسُنُ مِنْهُ إِمَاتَةُ خَلْقِهِ وَابْتِلَاؤُهُمْ وَامْتِحَانُهُمْ بِأَنْوَاعِ الْمِحَنِ، وَيَقْبُحُ ذَلِكَ مِنْ خَلْقِهِ، وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ أَمْثِلَتُهُ، فَلَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ جَامِعٌ يُوجِبُ أَنْ يَحْسُنَ مِنْهُ مَا حَسُنَ مِنْهُمْ، وَيَقْبُحَ مِنْهُ مَا قَبُحَ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا تَتَوَجَّهُ تِلْكَ الْإِلْزَامَاتُ عَلَى مَنْ قَاسَ أَفْعَالَ اللَّهِ - تَعَالَى - بِأَفْعَالِ عِبَادِهِ، دُونَ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ حِكْمَةً يَخْتَصُّ بِهَا وَلَا تُشْبِهُ مَا لِلْمَخْلُوقِينَ مِنَ الْحِكْمَةِ، فَهُوَ عَنْ تِلْكَ الْإِلْزَامَاتِ بِمَعْزِلٍ، وَمَنْزِلُهُ مِنْهَا أَبْعَدُ مَنْزِلٍ، وَنُكْتَةُ الْفَرْقِ أَنَّ بُطْلَانَ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ لَا يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الْحِكْمَةِ، وَالتَّعْلِيلِ، كَمَا أَنَّ التَّعْلِيلَ الَّذِي نُثْبِتُهُ غَيْرُ الَّذِي تُثْبِتُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، كَمَا مَرَّ، فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ أَثْبَتُوا لِلَّهِ شَرِيعَةً عَقْلِيَّةً، وَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ فِيهَا وَحَرَّمُوا بِمُقْتَضَى عُقُولِهِمْ، فَالْمُعْتَزِلَةُ يُوجِبُونَ عَلَى اللَّهِ وَيُحَرِّمُونَ بِالْقِيَاسِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ وَأَبْطَلِهِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ وَبَيَّنَهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ. وَأَمَّا زَعْمُ الْمُعْتَزِلَةِ اسْتِلْزَامُ الْأَمْرِ لِلْإِرَادَةِ الْكَوْنِيَّةِ فَبَاطِلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 334
((فَكُلُّ مَنْ)) أَيْ: أَيُّ آدَمِيٍّ مِنْ خَلْقِهِ ((شَاءَ)) أَيِ اللَّهِ - تَعَالَى - ((هَدَاهُ)) الْمُرَادُ بِالْهُدَى هُنَا التَّوْفِيقُ، وَالْإِلْهَامُ، وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ هِيَ الْمُسْتَلْزِمَةُ لِلِاهْتِدَاءِ، فَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] وَفِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧] وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ» "، وَفِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] فَنَفَى عَنْهُ هَذِهِ الْهِدَايَةَ، وَأَثْبَتَ لَهُ هِدَايَةَ الدَّعْوَةِ وَالْبَيَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] ، وَالْمَشِيئَةُ تُرَادِفُ الْإِرَادَةَ، فَكُلُّ مَنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - هِدَايَتَهُ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ ((يَهْتَدِي)) الْهِدَايَةَ الْمَطْلُوبَةَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧] مِنَ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَالشُّهَدَاءِ، وَالصَّالِحِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَنْوَاعَ الْهِدَايَةِ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: الْهِدَايَةُ الْعَامَّةُ الْمُشْتَرِكَةُ بَيْنَ الْخَلْقِ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: ٥٠] أَيْ أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ صُورَتَهُ الَّتِي لَا يَشْتَبِهُ فِيهَا بِغَيْرِهِ، وَأَعْطَى كُلَّ عُضْوٍ شَكْلَهُ وَهَيْئَتَهُ، وَأَعْطَى كُلَّ مَوْجُودٍ خَلْقَهُ الْمُخْتَصَّ بِهِ، ثُمَّ هَدَاهُ إِلَى مَا خَلَقَهُ لَهُ مِنْ أَعْمَالٍ، وَهَذِهِ الْهِدَايَةُ تَعُمُّ هِدَايَةَ الْحَيَوَانِ الْمُتَحَرِّكِ بِإِرَادَتِهِ إِلَى جَلْبِ مَا يَنْفَعُهُ، وَدَفْعِ مَا يَضُرُّهُ، وَهِدَايَةَ الْجَمَادِ الْمُسَخَّرِ لِمَا خُلِقَ لَهُ، فَلَهُ هِدَايَةٌ تَلِيقُ بِهِ كَمَا أَنَّ لِكُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْحَيَوَانِ هِدَايَةً تَلِيقُ بِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهَا وَضُرُوبُهَا، وَكَذَلِكَ لِكُلِّ عُضْوٍ هِدَايَةٌ تَلِيقُ بِهِ، فَالرِّجْلَانِ لِلْمَشْيِ، وَالْيَدَانِ لِلْبَطْشِ وَالْعَمَلِ، وَاللِّسَانُ لِلْكَلَامِ، وَالْأُذُنُ لِلِاسْتِمَاعِ، وَالْعَيْنُ لِكَشْفِ الْمَرْئِيَّاتِ، وَكُلُّ عُضْوٍ لِمَا خُلِقَ لَهُ، وَهَدَى الزَّوْجَيْنِ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ لِلِازْدِوَاجِ وَالتَّنَاسُلِ وَتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ، وَهَدَى الْوَلَدَ إِلَى الْتِقَامِ الثَّدْيِ عِنْدَ وَضْعِهِ وَطَلَبِهِ. وَمَرَاتِبُ هِدَايَتِهِ سُبْحَانَهُ لَا يُحْصِيهَا إِلَّا هُوَ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَقَدْ هَدَى النَّحْلَ إِلَى أَنْ تَتَّخِذَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا، وَمِنَ الشَّجَرِ، وَمِنَ الْأَبْنِيَةِ، ثُمَّ تَسْلُكُ سُبُلَ رَبِّهَا مُذَلَّلَةً لَهَا لَا تَسْتَعْصِي عَلَيْهَا، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى بُيُوتِهَا، وَهَدَاهَا إِلَى طَاعَةِ يَعْسُوبِهَا، ثُمَّ هَدَاهَا إِلَى بِنَاءِ الْبُيُوتِ الْعَجِيبَةِ الصِّفَةِ الْمُحْكَمَةِ الْبِنَاءِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ بَعْضَ هِدَايَتِهِ الْمَبْثُوثَةِ فِي الْعَالِمِ شَهِدَ لَهُ بِأَنَّهُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالَمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
стр. 335
النَّوْعُ الثَّانِي: هِدَايَةُ الْبَيَانِ، وَالدَّلَالَةِ، وَالتَّعْرِيفِ لِنَجِدَيِ الْخَيْرِ، وَالشَّرِّ، وَطَرِيقَيِ الْهَلَاكِ، وَالنَّجَاةِ، وَهَذِهِ لَا تَسْتَلْزِمُ الْهُدَى التَّامَّ، فَإِنَّهَا سَبَبٌ وَشَرْطٌ لَا مُوجِبٌ ; وَلِهَذَا يَنْتَفِي الْهُدَى مَعَهَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] أَيْ: بَيَّنَّا لَهُمْ وَأَرْشَدْنَاهُمْ وَدَلَلْنَاهُمْ فَلَمْ يَهْتَدُوا، وَمِنْهَا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] الثَّالِثُ: هِدَايَةُ التَّوْفِيقِ وَالْإِلْهَامِ، الْمُسْتَلْزِمَةُ لِلِاهْتِدَاءِ، الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا. الرَّابِعُ: غَايَةُ هَذِهِ الْهِدَايَةِ، وَهِيَ الْهِدَايَةُ إِلَى الْجَنَّةِ، وَالنَّارِ إِذَا سِيقَ أَهْلُهُمَا إِلَيْهِمَا، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩] وَقَالَ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِيهَا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣] وَقَالَ - تَعَالَى - عَنْ أَهْلِ النَّارِ: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ - مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٢ - ٢٣] وَتَفَاصِيلُ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ وَأَسْبَابِهَا وَمُتَعَلِّقَاتِهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، ذَكَرَهَا الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ، وَقَدْ لَخَّصْتُ لَكَ مِنْهُ مَا لَعَلَّهُ يَحْصُلُ بِهِ أَصْلُ الْمَقْصُودِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
تَنْبِيهٌ:
الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَمِنْ مَذْهَبِهِمْ - أَنَّ الْهِدَايَةَ هِيَ الدَّلَالَةُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْمَطْلُوبِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُوَصِّلَةً إِلَى الْمَطْلُوبِ فَلَيْسَتْ بِهِدَايَةٍ عِنْدَهُمْ، وَعِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْهِدَايَةَ مُجَرَّدُ الدَّلَالَةِ عَلَى طَرِيقٍ يُوَصِّلُ إِلَى الْمَطْلُوبِ، سَوَاءٌ حَصَلَ الْوُصُولُ، وَالِاهْتِدَاءُ، أَوْ لَمْ يَحْصُلْ، كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ الْهِدَايَةِ، وَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ((وَإِنْ يُرِدِ)) اللَّهُ ((ضَلَالَ عَبْدٍ)) مِنْ خَلْقِهِ بِتَرْكِ الْمَأْمُورِ وَارْتِكَابِ الْمَحْظُورِ ((يَعْتَدِي)) بِارْتِكَابِ ذَلِكَ وَانْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ وَاقْتِحَامِ الْمَهَالِكِ، وَالضَّلَالُ ضِدُّ الْهُدَى، يُقَالُ عَدَا عَدْوًا وَعَدَوَانًا مُحَرَّكَةٌ، وَتَعَدَّى وَأَعْدَى، أَحْضَرَ وَعَدَا عَلَيْهِ عُدْوَانًا بِالظُّلْمِ، ظَلَمَهُ كَعَدَى وَاعْتَدَى. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: إِنَّ الْعُدْوَانَ أَنْ يَعْتَدِيَ مَا أُبِيحَ مِنْهُ إِلَى الْقَدْرِ الْمُحَرَّمِ، كَالِاعْتِدَاءِ فِي أَخْذِ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، إِمَّا أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى مَالِهِ، أَوْ بَدَنِهِ، أَوْ عِرْضِهِ، فَإِذَا أَتْلَفَ إِنْسَانٌ عَلَيْهِ شَيْئًا أَتْلَفَ عَلَيْهِ أَضْعَافَهُ، وَإِذَا قَالَ فِيهِ كَلِمَةً، قَالَ فِيهِ أَضْعَافَهَا، فَهَذَا كُلُّهُ عُدْوَانٌ وَتَعَدٍّ لِلْعَدْلِ. قَالَ: وَهُوَ نَوْعَانِ: عُدْوَانٌ فِي
стр. 336
حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، وَعُدْوَانٌ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، فَالَّذِي فِي حَقِّ اللَّهِ كَمَا إِذَا تَعَدَّى مَا أَبَاحَ لَهُ مِنَ الْوَطْءِ الْحَلَالِ فِي الْأَزْوَاجِ وَالْمَمْلُوكَاتِ، إِلَى مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ مِنْ سِوَاهُمَا كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ - إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ - فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧] وَكَذَلِكَ لَوْ تَعَدَّى مَا أُبِيحَ لَهُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَأَمَتِهِ إِلَى مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ مِنْهَا، كَوَطْئِهَا فِي حَيْضِهَا، أَوْ نِفَاسِهَا، أَوْ فِي إِحْرَامِ أَحَدِهِمَا، أَوْ صِيَامِهِ الْوَاجِبِ، وَكَذَا كُلُّ مَا أُبِيحَ لَهُ مِنْهُ قَدْرٌ مُعَيَّنٌ، فَتَعَدَّاهُ إِلَى مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ، فَهُوَ مِنَ الْعُدْوَانِ، وَكَذَلِكَ الْعُدْوَانُ فِي حَقِّ الْعَبْدِ تَجَاوُزُ الْقَدْرِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ مِنْهُ، فَمَتَى تَجَاوَزَ الْقَدْرَ الْمَحْدُودَ كَانَ مُعْتَدِيًا وَبَاغِيًا وَظَالِمًا، فَارْتِكَابُ الْإِثْمِ، وَالْعُدْوَانِ، وَالْفَحْشَاءِ، وَالْمُنْكَرِ، وَالْخَطَايَا، وَالذُّنُوبِ مِنَ الضَّلَالِ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا الْقَوْلُ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ، فَهُوَ أَشَدُّ الْمُحَرَّمَاتِ تَحْرِيمًا وَأَعْظَمُهَا إِثْمًا ; وَلِهَذَا ذُكِرَ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ، وَمِنْ مَرَاتِبِ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ، وَالْأَدْيَانُ، وَلَا تُبَاحُ بِحَالٍ بَلْ لَا تَكُونُ إِلَّا مُحَرَّمَةً وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣] وَفِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] الْآيَاتِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - إِذَا شَاءَ هِدَايَةَ عَبْدِهِ يَهْتَدِي، وَإِذَا أَرَادَ ضَلَالَهُ وَهَلَاكَهُ يَعْتَدِي، فَهُوَ - سُبْحَانَهُ - الْمُوَفِّقُ لِمَنْ أَرَادَ لَهُ السَّعَادَةَ، وَالْخَاذِلُ مَنْ شَاءَ إِبْعَادَهُ، فَالتَّوْفِيقُ وَالْخِذْلَانُ مِنَ الْحَكِيمِ الْمَنَّانِ.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: قَدْ أَجْمَعَ الْعَارِفُونَ بِاللَّهِ أَنَّ التَّوْفِيقَ أَنْ لَا يَكِلَكَ اللَّهُ إِلَى نَفْسِكَ، وَالْخِذْلَانُ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، فَالْعِبَادُ مُتَقَلِّبُونَ بَيْنَ تَوْفِيقِهِ وَخِذْلَانِهِ، بَلِ الْعَبْدُ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ يَنَالُ نَصِيبَهُ مِنْ هَذَا وَهَذَا، فَيُطِيعُهُ وَيُرْضِيهِ وَيَذْكُرُهُ وَيَشْكُرُهُ بِتَوْفِيقِهِ، ثُمَّ يَعْصِيهِ وَيُخَالِفُهُ وَيُسْخِطُهُ وَيَغْفُلُ عَنْهُ بِخِذْلَانِهِ لَهُ، فَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ تَوْفِيقِهِ وَخِذْلَانِهِ، فَإِنْ وَفَّقَهُ فَبِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ، وَإِنْ خَذَلَهُ فَبِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهُوَ - تَعَالَى - الْمَحْمُودُ فِي هَذَا وَهَذَا، لَهُ أَتَمُّ حَمْدٍ وَأَكْمَلُهُ، وَلَمْ يَمْنَعِ الْعَبْدَ شَيْئًا هُوَ لَهُ، وَإِنَّمَا مَنْعَهُ مَا هُوَ مُجَرَّدُ فَضْلِهِ وَعَطَائِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَضَعُهُ وَأَيْنَ يَجْعَلُهُ. فَإِذَا عَلِمَ الْعَبْدُ هَذَا الْمَقَامَ وَشَهِدَهُ وَأَعْطَاهُ حَقَّهُ؛ عَلِمَ ضَرُورَتَهُ، وَفَاقَتَهُ إِلَى التَّوْفِيقِ وَالْهِدَايَةِ فِي كُلِّ نَفَسٍ وَلَحْظَةٍ وَطَرْفَةِ عَيْنٍ، وَعَلِمَ أَنَّ تَوْحِيدَهُ وَإِيمَانَهُ مُمْسَكٌ
стр. 337
بِيَدِ غَيْرِهِ لَوْ تَخَلَّى عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَثُلَّ عَرْشُهُ، وَلَخَرَّتْ سَمَاءُ إِيمَانِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَنَّ الْمُمْسِكَ لَهُ مَنْ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَدَأَبُ هَذَا الْمُشَاهِدِ لِهَذَا الْمَقَامِ أَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قَلِّبِي إِلَى طَاعَتِكَ، وَدَعْوَاهُ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ.
ثُمَّ قَالَ: وَالتَّوْفِيقُ إِرَادَةُ اللَّهِ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ بِعَبْدِهِ مَا يَصْلُحُ بِهِ الْعَبْدُ، بِأَنْ يَجْعَلَهُ قَادِرًا عَلَى فِعْلِ مَا يُرْضِيهِ، مُرِيدًا لَهُ، مُحِبًّا لَهُ، مُؤْثِرًا لَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيُبَغِّضُ إِلَيْهِ مَا يُسْخِطُهُ وَيَكْرَهُهُ، وَهَذَا مُجَرَّدُ فِعْلٍ، وَالْعَبْدُ مَحَلٌّ لَهُ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ - فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨] فَهُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الْفَضْلِ، وَمَنْ لَا يَصْلُحُ لَهُ، حَكِيمٌ يَضَعُهُ فِي مَوَاضِعِهِ وَعِنْدَ أَهْلِهِ، فَلَا يَمْنَعُهُ أَهْلَهُ، وَلَا يَضَعُهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ. وَلَمْ يَرْتَضِ بِتَفْسِيرِ التَّوْفِيقِ بِأَنَّهُ خَلْقُ الطَّاعَةِ، وَالْخِذْلَانَ خَلْقُ الْمَعْصِيَةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِ الْجَبْرِ، وَإِنْكَارِ الْأَسْبَابِ وَالْحِكَمِ، وَقَابَلَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ فَفَسَّرُوا التَّوْفِيقَ بِالْبَيَانِ الْعَامِّ، وَالْهُدَى الْعَامِّ، وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الطَّاعَةِ، وَالِاقْتِدَارِ عَلَيْهَا وَتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهَا، وَهَذَا حَاصِلٌ لِكُلِّ أَحَدٍ كَافِرٍ وَمُشْرِكٍ بَلَغُتْهُ الْحُجَّةُ، وَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِيمَانِ، فَالتَّوْفِيقُ عِنْدَهُمْ أَمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْكُفَّارِ، وَالْمُؤْمِنِينَ، إِذِ الْإِقْدَارُ، وَالتَّمْكِينُ، وَالدَّلَالَةُ، وَالْبَيَانُ قَدْ عَمَّ بِهِ الْفَرِيقَيْنِ، وَلَوْ أَفْرَدَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَهُمْ بِتَوْفِيقٍ وَقَعَ بِهِ الْإِيمَانُ مِنْهُمْ، وَالْكَفَّارَ بِخِذْلَانٍ امْتَنَعَ بِهِ الْإِيمَانُ مِنْهُمْ، لَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مُحَابَاةً وَظُلْمًا، وَالْتَزَمُوا لِهَذَا الْأَصْلِ لَوَازِمَ قَامَتْ بِهَا عَلَيْهِمْ سُوقُ الشَّنَاعَةِ مِنَ الْعُقَلَاءِ، وَلَمْ يَجِدُوا بُدًّا مِنِ الْتِزَامِهَا، فَظَهَرَ فَسَادُ مَذْهَبِهِمْ وَتَنَاقُضُهُ لِمَنْ أَحَاطَ بِهِ عِلْمًا، وَتَصَوَّرَهُ حَقَّ تَصَوُّرِهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ مِنْ أَرْدَأِ مَذْهَبٍ فِي الدُّنْيَا وَأَبْطَلِهِ، ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣] ، فَأَثْبَتُوا الْقَضَاءَ، وَالْقَدَرَ وَعُمُومَ مَشِيئَةِ اللَّهِ لِلْكَائِنَاتِ، وَأَثْبَتُوا الْأَسْبَابَ، وَالْحِكَمَ، وَالْغَايَاتِ، وَالْمَصَالِحَ، كَمَا مَرَّ، وَنَزَّهُوا اللَّهَ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ مَا لَا يَشَاءُ، وَأَنْ يُقْدِرَ خَلْقَهُ عَلَى مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَأَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَفْعَالِهِمْ وَاقِعًا بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَبِدُونِ مَشِيئَتِهِ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ
стр. 338
فَلَمْ يَعْرِفْ رَبَّهُ وَلَمْ يُثْبِتْ لَهُ كَمَالَ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالتَّوْفِيقُ فِي اللُّغَةِ التَّأْلِيفُ وَجَعْلُ الْأَشْيَاءِ مُتَوَافِقَةً، وَنَقَلَ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْعِصْمَةَ هِيَ التَّوْفِيقُ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ عَمَّتْ كَانَ تَوْفِيقًا عَامًّا، وَإِنْ خَصَّتْ كَانَ تَوْفِيقًا خَاصًّا، وَأَنَّ اللُّطْفَ هُوَ التَّوْفِيقُ أَيْضًا، وَأَنَّ الْمُوَفَّقَ لَا يَعْصِي، إِذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، كَمَا أَنَّ الْمَخْذُولَ لَا يُطِيعُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ عَلَى مَا قَرَّرَهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ أَنَّ الْهِدَايَةَ وَالتَّوْفِيقَ إِرَادَةُ اللَّهِ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ بِعَبْدِهِ مَا يُصْلِحُ الْعَبْدَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - الْهَادِي، وَهُوَ الَّذِي بَصَّرَ عِبَادَهُ وَعَرَّفَهُمْ طَرِيقَ مَعْرِفَتِهِ حَتَّى أَقَرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَهَدَى كُلَّ مَخْلُوقٍ إِلَى مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فِي بَقَائِهِ وَدَوَامِ وُجُوبِهِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
تَنْبِيهٌ:
فُهِمَ مِنَ النَّظْمِ أَنَّ الْبَارِيَ - جَلَّ وَعَلَا - يُرِيدُ مِنَ الْعَبِيدِ مَا لَا يَرْضَاهُ وَلَا يُحِبُّهُ، فَإِنَّ الْإِرَادَةَ، وَالْمَشِيئَةَ مُتَرَادِفَتَانِ، وَهِيَ لَا تَسْتَلْزِمُ الْأَمْرَ، وَالرِّضَا، وَالْمَحَبَّةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَحْثِهَا. وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ: يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ - تَعَالَى - إِرَادَةُ الشُّرُورِ وَالْمَعَاصِي وَالْقَبَائِحِ، وَقَالُوا: يُرِيدُ مَا لَا يَقَعُ وَيَقَعُ مَا لَا يُرِيدُ، فَزَعَمُوا أَنَّهُ - تَعَالَى - أَرَادَ مِنَ الْكَافِرِ الْإِيمَانَ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ، لَا الْكُفْرَ وَإِنْ وَقَعَ، وَكَذَا أَرَادَ مِنَ الْفَاسِقِ الطَّاعَةَ لَا الْفِسْقَ، حَتَّى زَعَمُوا أَنَّ أَكْثَرَ مَا يَقَعُ مِنْ عِبَادِهِ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَزَعَمُوا أَنَّ إِرَادَةَ الْقَبِيحِ قَبِيحَةٌ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنِ الْقَبَائِحِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ - تَعَالَى - لَا يَقْبُحُ مِنْهُ شَيْءٌ وَإِنْ خَفِيَ عَلَيْنَا وَجْهُ حُسْنِهِ، وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي قَوْلِهِ:
وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الْعِبَادُ ... مِنْ طَاعَةٍ أَوْ ضِدَّهَا مُرَادُ
الْأَبْيَاتَ الْمَارَّةَ آنِفًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ وَالرِّضَا وَالْمَحَبَّةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْخَيْرِ، وَقَدْ تَكُونُ فِي غَيْرِهِ، فَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مُمْكِنٍ كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]- ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] ، فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] فَالْجَوَابُ أَنَّ الْإِرَادَةَ الَّتِي نَعْنِيهَا هِيَ الْإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ، وَأَمَّا الْإِرَادَةُ الدِّينِيَّةُ فَهِيَ تُرَادِفُ الرِّضَا، وَالْمَحَبَّةَ. وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ الَّذِي نَعْنِيهِ أَوْ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهِ - الْأَمْرُ الدِّينِيُّ. وَأَمَّا
стр. 339
الْأَمْرُ الْكَوْنِيُّ فَهُوَ يُرَادِفُ الْإِرَادَةَ كَمَا فِي عِدَّةِ آيَاتٍ قُرْآنِيَّةٍ، عَلَى أَنَّ أَظْهَرَ تَفَاسِيرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦] أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِطَاعَتِنَا، وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِنَا عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِنَا، فَفَسَقُوا بِمُخَالَفَةِ رُسُلِنَا. وَمِمَّا يُحْكَى أَنَّ الْقَاضِيَ عَبْدَ الْجَبَّارِ الْهَمَذَانِيَّ الْمُعْتَزِلِيَّ دَخَلَ عَلَى الصَّاحِبِ بْنِ عَبَّادٍ، وَكَانَ مُعْتَزِلِيًّا أَيْضًا، وَكَانَ عِنْدَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَمُحَقِّقِي الْأَشَاعِرَةِ، فَقَالَ عَبْدُ الْجَبَّارِ عَلَى الْفَوْرِ: سُبْحَانَ مَنْ تَنَزَّهَ عَنِ الْفَحْشَاءِ. فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فَوْرًا: سُبْحَانَ مَنْ لَا يَقَعُ فِي مُلْكِهِ إِلَّا مَا يَشَاءُ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَفَهِمَ أَنَّهُ قَدْ عَرَفَ مُرَادَهُ: أَيُرِيدُ رَبُّنَا يُعْصَى؟ فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَيُعْصَى رَبُّنَا قَهْرًا؟ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ: أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَنِي الْهُدَى، وَقَضَى عَلَيَّ بِالرَّدَى، أَحْسَنَ إِلَيَّ أَمْ أَسَاءَ؟ فَقَالَ لَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: إِنْ كَانَ مَنَعَكَ مَا هُوَ لَكَ فَقَدْ أَسَاءَ، وَإِنْ كَانَ مَنَعَكَ مَا هُوَ لَهُ فَيَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ. فَانْصَرَفَ الْحَاضِرُونَ وَهُمْ يَقُولُونَ: وَاللَّهِ لَيْسَ عَنْ هَذَا جَوَابٌ. وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا لَعَلَّهُ يَشْفِي وَيَكْفِي، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُرِيدُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - أَمْرًا لَا يَرْضَاهُ وَلَا يُحِبُّهُ، وَكَيْفَ يَشَاؤُهُ وَيُكَوِّنُهُ، وَكَيْفَ تَجْتَمِعُ إِرَادَتُهُ لَهُ وَبُغْضُهُ وَكَرَاهَتُهُ؟ فَالْجَوَابُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ أَصْلُ الِافْتِرَاقِ وَالضَّلَالِ الْوَاقِعِ بَيْنَ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ وَفِرَقِ الْمُوَحِّدِينَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ نَوْعَانِ: مُرَادٌ لِنَفْسِهِ، وَمُرَادٌ لِغَيْرِهِ، فَالْمُرَادُ لِنَفْسِهِ مَطْلُوبٌ مَحْبُوبٌ لِذَاتِهِ، وَمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ فَهُوَ مُرَادُ إِرَادَةِ الْغَايَاتِ وَالْمَقَاصِدِ، وَالْمُرَادُ لِغَيْرِهِ قَدْ لَا يَكُونُ فِي نَفْسِهِ مَقْصُودًا لِلْمُرِيدِ، وَلَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ بِالنَّظَرِ إِلَى ذَاتِهِ، وَإِنْ كَانَ إِلَى مَقْصُودِهِ وَمُرَادِهِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ نَفْسِهِ وَذَاتِهِ، مُرَادٌ لَهُ مِنْ حَيْثُ إِفْضَاؤُهُ وَإِيصَالُهُ - إِلَى مُرَادِهِ، فَيَجْتَمِعُ فِيهِ الْأَمْرَانِ، بُغْضُهُ وَإِرَادَتُهُ مِنْ غَيْرِ تَنَافٍ، لِاخْتِلَافِ مُتَعَلِّقِهِمَا، كَالدَّوَاءِ الْمُتَنَاهِي فِي الْكَرَاهَةِ، إِذَا عَلِمَ مُتَنَاوِلُهُ أَنَّ فِيهِ شِفَاءَهُ، وَقَطْعِ الْعُضْوِ الْمُتَآكِلِ إِذَا عَلِمَ أَنَّ فِي قَطْعِهِ بَقَاءَ جَسَدِهِ، وَقَطْعِ الْمَسَافَةِ الشَّاقَّةِ جِدًّا إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا تُوصِلُ إِلَى مُرَادِهِ وَمَحْبُوبِهِ، بَلِ الْعَاقِلُ يَكْتَفِي فِي إِيثَارِ هَذَا الْمَكْرُوهِ وَإِرَادَتِهِ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ، وَإِنْ خَفِيَتْ عَنْهُ عَاقِبَتُهُ، وَطُوِيَتْ عَنْهُ مَغَبَّتُهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ الْعَوَاقِبُ؟ فَهُوَ - سُبْحَانَهُ - يَكْرَهُ الشَّيْءَ وَيَبْغَضُهُ فِي ذَاتِهِ، وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ إِرَادَتَهُ لِغَيْرِهِ وَكَوْنَهُ سَبَبًا لِأَمْرٍ هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ فَوْتِهِ،
стр. 340
مِنْ ذَلِكَ خَلْقُ إِبْلِيسَ الَّذِي هُوَ مَادَّةٌ لِفَسَادِ الْأَدْيَانِ، وَالْأَعْمَالِ، وَالِاعْتِقَادَاتِ، وَالْإِرَادَاتِ، وَهُوَ سَبَبُ شَقَاءِ الْعَبِيدِ وَعَمَلِهِمْ بِمَا يُغْضِبُ الرَّبَّ الْمُرِيدَ، وَهُوَ السَّاعِي فِي وُقُوعِ مَسَاخِطِ اللَّهِ وَمَنَاهِيهِ بِكُلِّ طَرِيقَةٍ وَحِيلَةٍ، فَهُوَ مَسْخُوطٌ لِلْبَارِي مَبْغُوضٌ، قَدْ لَعَنَهُ وَأَبْعَدَهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَطَرَدَهُ، وَمَعَ هَذَا فَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى مَحَابَّ كَثِيرَةٍ لِلْبَارِي - جَلَّ وَعَلَا - تَرَتَّبَ وُجُودُهَا عَلَى خَلْقِهِ وَإِيجَادِهِ، وَوُجُودُهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَدَمِهَا ; لِحِكْمَةٍ جَرَتْ مِنْهُ فِي عِبَادِهِ عَلَى وَفْقِ مُرَادِهِ. مِنْهَا إِظْهَارُ الْقُدْرَةِ عَلَى خَلْقِ الْمُتَضَادَّاتِ الْمُتَقَابِلَاتِ، كَخَلْقِ هَذِهِ الذَّاتِ الَّتِي هِيَ أَخْبَثُ الذَّوَاتِ وَشَرُّهَا، وَهِيَ سَبَبُ كُلِّ شَرٍّ فِي مُقَابَلَةِ ذَاتِ جِبْرِيلَ الَّتِي هِيَ مِنْ أَشْرَفِ الذَّوَاتِ وَأَطْهَرِهَا وَأَزْكَاهَا، وَهِيَ مَادَّةُ كُلِّ خَيْرٍ، فَتَبَارَكَ اللَّهُ خَالِقُ الْأَضْدَادِ، وَكَمَا ظَهَرَتْ قُدْرَتُهُ التَّامَّةُ فِي خَلْقِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالضِّيَاءِ وَالظَّلَامِ، وَالدَّاءِ وَالدَّوَاءِ، وَالْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ، وَالْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، وَالْمَاءِ وَالنَّارِ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَكُلُّ ذَلِكَ وَنَظَائِرُهُ مِنْ دَلَائِلِ كَمَالِ قُدْرَتِهِ وَعِزَّتِهِ، فَإِنَّهُ خَلَقَ هَذِهِ الْمُتَضَادَّاتِ وَقَابَلَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ، وَسَلَّطَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ وَجَعَلَهَا مَحَالَّ تَصَرُّفِهِ وَتَدْبِيرِ مَمْلَكَتِهِ. وَمِنْهَا ظُهُورُ آثَارِ أَسْمَائِهِ الْقَهْرِيَّةِ كَالْقَهَّارِ، وَالْمُنْتَقِمِ، وَالْعَدْلِ، وَالضَّارِّ وَنَحْوِهَا، وَظُهُورُ آثَارِ أَسْمَائِهِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِحِلْمِهِ وَعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَسَتْرِهِ، وَتَجَاوُزِهِ عَنْ حَقِّهِ وَعِتْقِهِ لِمَنْ شَاءَ مِنْ عَبِيدِهِ، فَلَوْلَا خَلْقُ مَا يَكْرَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى ظُهُورِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ ; لَتَعَطَّلَتْ هَذِهِ الْحِكَمُ وَالْفَوَائِدُ، وَفِي الْحَدِيثِ " «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ» ".
وَمِنْهَا ظُهُورُ آثَارِ أَسْمَاءِ الْحِكْمَةِ وَالْخِبْرَةِ، فَإِنَّهُ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ الَّذِي يَضَعُ الْأَشْيَاءَ مَوَاضِعَهَا، وَيُنْزِلُهَا مَنَازِلَهَا اللَّائِقَةَ بِهَا، فَلَا يَضَعُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وَلَا يُنْزِلُهُ غَيْرَ مَنْزِلَتِهِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا كَمَالُ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَخِبْرَتِهِ مِنَ الْمَنْعِ وَالْعَطَاءِ وَالثَّوَابِ، وَالْعِقَابِ، وَالْخَفْضِ وَالرَّفْعِ، وَالْعِزِّ وَالذُّلِّ، وَنَحْوِهَا.
وَمِنْهَا: حُصُولُ الْعُبُودِيَّةِ الْمُتَنَوِّعَةِ الَّتِي لَوْلَا خَلْقُ إِبْلِيسَ لَمَا حَصَلَتْ، وَلَكَانَ الْحَاصِلُ بَعْضُهَا لَا كُلُّهَا، فَعُبُودِيَّةُ الْجِهَادِ سَبَّبَهَا الْكُفْرُ، وَالْعِنَادُ النَّاشِئُ عَنْ تَلْبِيسِ إِبْلِيسَ، وَعُبُودِيَّةُ التَّوْبَةِ الْمَحْبُوبَةُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -، وَعُبُودِيَّةُ مُخَالَفَةِ أَعْدَائِهِ وَمُرَاغَمَتِهِمْ،
стр. 341
وَمِنْهَا: عُبُودِيَّةَ الِاسْتِعَاذَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَنَفْسُ اتِّخَاذِ إِبْلِيسَ عَدُوًّا مِنْ أَكْبَرِ أَنْوَاعِ الْعُبُودِيَّةِ وَأَجَلِّهَا، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ وَالْفَوَائِدِ الَّتِي أَبْدَاهَا الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ، فَلَخَّصْتُ مِنْهَا مَا لَعَلَّهُ يَدُلُّ الْفَطِنَ عَلَى مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْإِحْصَاءِ، فَإِنَّ وُجُودَهَا مُتَرَتِّبٌ عَلَى وُجُودِ إِبْلِيسَ تَرْتِيبَ وُجُودِ الْمُسَبَّبِ عَلَى سَبَبِهِ، وَالْمَلْزُومِ عَلَى لَازَمِهِ.
ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَسْبَابُ مُرَادَةً لِمَا تُفْضِي إِلَيْهِ مِنَ الْحِكَمِ، فَهَلْ تَكُونُ مَرْضِيَّةً مَحْبُوبَةً مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، أَمْ هِيَ مَسْخُوطَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ يَرِدُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مِنْ جِهَةِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ، وَهَلْ يَكُونُ مُحِبًّا لَهَا مِنْ جِهَةِ إِفْضَائِهَا إِلَى مَحْبُوبِهِ، وَإِنْ كَانَ يَبْغَضُهَا لِذَوَاتِهَا؟ وَالثَّانِي: مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ، وَهُوَ أَنَّهُ هَلْ يَتَسَرَّعُ لَهُ الرِّضَا بِهَا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ أَيْضًا؟ فَاعْلَمْ أَنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْعَدَمِ، أَعْنِي عَدَمَ الْخَيْرِ وَأَسْبَابِهِ الْمُفْضِيَةِ إِلَيْهِ، وَهُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ شَرٌّ، وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ وُجُودِهِ الْمَحْضِ فَلَا شَرَّ فِيهِ، مِثَالُهُ أَنَّ النُّفُوسَ الشِّرِّيرَةَ وَجُودُهَا خَيْرٌ مِنْ حَيْثُ هِيَ مَوْجُودَةٌ، وَإِنَّمَا حَصَلَ لَهَا الشَّرُّ بِقَطْعِ مَادَّةِ الْخَيْرِ عَنْهَا، فَإِنَّهَا خُلِقَتْ فِي الْأَصْلِ مُتَحَرِّكَةً لَا تَسْكُنُ، فَإِنْ أُعِينَتْ بِالْعِلْمِ وَإِلْهَامِ الْخَيْرِ تَحَرَّكَتْ بِهِ، وَإِنْ تُرِكَتْ تَحَرَّكَتْ بِطَبْعِهَا إِلَى خِلَافِهِ، وَحَرَكَتُهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ حَرَكَةٌ - خَيْرٌ، وَإِنَّمَا تَكُونُ شَرًّا بِالْإِضَافَةِ، لَا مِنْ حَيْثُ هِيَ حَرَكَةٌ، وَالشَّرُّ كُلُّهُ ظُلْمٌ، وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، فَلَوْ وُضِعَ فِي مَوْضِعِهِ لَمْ يَكُنْ شَرًّا، فَعُلِمَ أَنَّ جِهَةَ الشَّرِّ فِيهِ نِسْبَةٌ إِضَافِيَّةٌ ; وَلِهَذَا كَانَتِ الْعُقُوبَاتُ الْمَوْضُوعَةُ فِي مَحَالِّهَا خَيْرًا فِي نَفْسِهَا، وَإِنْ كَانَتْ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَحَلِّ الَّذِي حَلَّتْ بِهِ ; لَمَا أَحْدَثَتْ فِيهِ مِنَ الْأَلَمِ الَّذِي كَانَتِ الطَّبِيعَةُ قَابِلَةً لِضِدِّهِ مِنَ اللَّذَّةِ، مُسْتَعِدَّةً لَهُ، فَصَارَ ذَلِكَ الْأَلَمُ شَرًّا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، وَهُوَ خَيْرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْفَاعِلِ، حَيْثُ وَضَعَهُ مَوْضِعَهُ، فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - لَا يَخْلُقُ شَرًّا مَحْضًا مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ وَالِاعْتِبَارَاتِ، فَإِنَّ حِكْمَتَهُ تَأْبَى ذَلِكَ، بَلْ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ شَرًّا وَمَفْسَدَةً بِبَعْضِ الِاعْتِبَارَاتِ، وَفِي خَلْقِهِ مَصَالِحُ وَحِكَمٌ بِاعْتِبَارٍ آخَرَ أَرْجَحَ مِنِ اعْتِبَارَاتِ مَفَاسِدِهِ، بَلِ الْوَاقِعُ مُنْحَصِرٌ فِي ذَلِكَ، فَلَا يُمْكِنُ فِي جَنَابِ الْحَقِّ ﷻ أَنْ يُرِيدَ شَيْئًا يَكُونُ فَسَادًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَبِكُلِّ اعْتِبَارٍ، لَا مَصْلَحَةَ فِي خَلْقِهِ بِوَجْهٍ مَا، هَذَا مِنْ أَبْيَنِ الْمُحَالِ، فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - بِيَدِهِ
стр. 342
الْخَيْرُ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْهِ، بَلْ كُلُّ مَا إِلَيْهِ فَخَيْرٌ، وَالشَّرُّ إِنَّمَا حَصَلَ لِعَدَمِ هَذِهِ الْإِضَافَةِ وَالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، لَوْ كَانَ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ شَرًّا، فَتَأَمَّلْهُ. فَانْقِطَاعُ نِسْبَتِهِ إِلَيْهِ هُوَ الَّذِي صَيَّرَهُ شَرًّا.
فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ تَنْقَطِعُ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ خَلْقًا وَمَشِيئَةً؟ قُلْتُ: هُوَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَيْسَ بِشَرٍّ، وَالشَّرُّ الَّذِي فِيهِ مِنْ عَدَمِ إِمْدَادِهِ بِالْخَيْرِ وَأَسْبَابِهِ، وَالْعَدَمُ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يُنْسَبَ إِلَى مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ، فَإِنْ أَرَدْتَ مَزِيدًا مِنْ إِيضَاحِ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّ أَسْبَابَ الْخَيْرِ ثَلَاثَةٌ: الْإِيجَادُ، وَالْإِعْدَادُ، وَالْإِمْدَادُ، فَهَذِهِ هِيَ الْخَيْرَاتُ وَأَسْبَابُهَا، فَإِيجَادُ هَذَا السَّبَبِ خَيْرٌ، وَهُوَ إِلَى اللَّهِ، وَإِعْدَادُهُ خَيْرٌ، وَهُوَ إِلَيْهِ أَيْضًا، وَإِمْدَادُهُ خَيْرٌ، وَهُوَ إِلَيْهِ أَيْضًا، فَإِذَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ إِعْدَادًا وَلَا إِمْدَادًا؛ حَصَلَ فِيهِ الشَّرُّ بِسَبَبِ هَذَا الْعَدَمِ الَّذِي لَيْسَ إِلَى الْفَاعِلِ، وَإِنَّمَا إِلَيْهِ ضِدُّهُ، فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلَّا أَمَدَّهُ إِذَا أَوْجَدَهُ؟ قُلْتُ: مَا اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ إِيجَادَهُ وَإِمْدَادَهُ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ يُوجِدُهُ وَيَمُدُّهُ، وَمَا اقْتَضَتِ الْحِكْمَةُ إِيجَادَهُ وَتَرْكَ إِمْدَادِهِ؛ أَوْجَدَهُ بِحِكْمَتِهِ وَلَمْ يَمُدَّهُ بِحِكْمَتِهِ، فَإِيجَادُهُ خَيْرٌ، وَالشَّرُّ وَقَعَ مِنْ عَدَمِ إِمْدَادِهِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَهَلَّا أَمَدَّ الْمَوْجُودَاتِ كُلَّهَا؟ فَالْجَوَابُ: هَذَا سُؤَالٌ فَاسِدٌ، يَظُنُّ مُورِدُهُ أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ أَبْلَغُ فِي الْحِكْمَةِ، وَهَذَا عَيْنُ الْجَهْلِ، بَلِ الْحِكْمَةُ كُلُّ الْحِكْمَةِ فِي هَذَا التَّفَاوُتِ الْعَظِيمِ الْوَاقِعِ بَيْنَهَا، وَلَيْسَ فِي خَلْقِ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا تَفَاوُتٌ، فَكُلُّ نَوْعٍ مِنْهَا لَيْسَ فِي خَلْقِهِ مِنْ تَفَاوُتٍ، وَالتَّفَاوُتُ إِنَّمَا وَقَعَ بِأُمُورٍ عَدَمِيَّةٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا الْخَلْقُ، وَإِلَّا فَلَيْسَ فِي الْخَلْقِ مِنْ تَفَاوُتٍ. قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنِ اعْتَاصَ ذَلِكَ عَلَيْكَ وَلَمْ تَفْهَمْهُ حَقَّ الْفَهْمِ، فَرَاجِعْ قَوْلَ الْقَائِلِ: إِذَا لَمْ تَسْتَطِعْ شَيْئًا فَدَعْهُ وَجَاوِزْهُ إِلَى مَا تَسْتَطِيعُ
وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الرِّضَا بِاللَّهِ يَسْتَلْزِمُ الرِّضَا بِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَسْمَائِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَلَا يَسْتَلْزِمُ الرِّضَا بِمَفْعُولَاتِهِ كُلِّهَا، بَلْ حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ أَنْ يُوَافِقَهُ عَبْدُهُ فِي رِضَاهُ وَسُخْطِهِ، فَيَرْضَى مِنْهَا بِمَا رَضِيَ وَيَسْخَطُ مِنْهَا مَا سَخِطَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: هُوَ سُبْحَانَهُ يَرْضَى عُقُوبَةَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ الْعَبْدَ أَنْ يَرْضَى بِعُقُوبَتِهِ لَهُ، فَالْجَوَابُ لَوْ وَافَقَهُ فِي رِضَاهُ بِعُقُوبَتِهِ لَانْقَلَبَتْ لَذَّةً وَسُرُورًا، وَلَكِنْ لَا يَقَعُ مِنْهُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُ فِي مَحَبَّةِ طَاعَتِهِ الَّتِي هِيَ سُرُورُ النَّفْسِ وَقُرَّةُ الْعَيْنِ وَحَيَاةُ الْقَلْبِ، فَكَيْفَ يُوَافِقُهُ فِي مَحَبَّةِ الْعُقُوبَةِ الَّتِي هِيَ أَكْرَهُ شَيْءٍ
стр. 343
إِلَيْهِ وَأَشَقُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ، بَلْ مِنْ كَانَ كَارِهًا لِمَا يُحِبُّهُ مِنْ طَاعَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، فَلَا يَكُونُ رَاضِيًا بِمَا يَخْتَارُهُ مِنْ عُقُوبَتِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَارْتَفَعَتْ عَنْهُ الْعُقُوبَةُ. وَيَأْتِي لِهَذَا تَتِمَّةٌ فِي الرِّضَا بِالْقَضَاءِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
[فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الرِّزْقِ]
((فَصْلٌ))
فِي الْكَلَامِ عَلَى الرِّزْقِ، وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يَسُوقُهُ اللَّهُ - تَعَالَى - إِلَى الْحَيَوَانِ فَيَأْكُلُهُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الرِّزْقُ بِالْكَسْرِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ كُلُّ مُرْتَزَقٍ، وَالْجَمْعُ أَرْزَاقٌ، وَبِالْفَتْحِ الْمَصْدَرُ، وَقَدْ أَشَارَ النَّاظِمُ إِلَى ذِكْرِهِ بِقَوْلِهِ:
((وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ مِنْ حَلَالِ ... أَوْ ضِدُّهُ فَحُلْ عَنِ الْمُحَالِ))
((لِأَنَّهُ رَازِقٌ كُلَّ الْخَلْقِ ... وَلَيْسَ مَخْلُوقٌ بِغَيْرِ رِزْقِ))
((وَمَنْ يَمُتْ بِقَتْلِهِ مِنَ الْبَشَرِ ... أَوْ غَيْرِهِ فَبِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ))
((وَلَمْ يَفُتْ مِنْ رِزْقِهِ وَلَا الْأَجَلِ ... شَيْءٌ فَدَعْ أَهْلَ الضَّلَالِ وَالْخَطَلِ))
((وَالرِّزْقُ مَا يَنْفَعُ)) الْمُرْتَزَقُ، أَيْ يَنْتَفِعُ الْمُرْتَزَقُ بِحُصُولِهِ سَوَاءٌ كَانَ
стр. 344
ذَلِكَ الْمُنْتَفَعُ بِهِ ((مِنْ حَلَالٍ)) وَهُوَ مَا انْحَلَّتْ عَنْهُ التَّبِعَاتُ، وَهُوَ ضِدُّ الْحَرَامِ ; وَلِهَذَا قَالَ ((أَوْ ضِدُّهُ)) أَيْ ضِدُّ الْحَلَالِ، وَهُوَ الْحَرَامُ، وَهُوَ مَا مُنِعَ مِنْهُ شَرْعًا، إِمَّا لِصِفَةٍ فِي ذَاتِهِ ظَاهِرَةٍ كَالسُّمِّ وَالْخَمْرِ، أَوْ خَفِيَّةٍ كَالرِّبَا وَمُذَكَّى الْمَجُوسِ وَنَحْوِهِ ; لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْمَيْتَةِ، وَإِمَّا لِخَلَلٍ فِي تَحْصِيلِهِ كَالرِّبَا وَالْغَصْبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ ذَلِكَ رِزْقٌ ; لِأَنَّ اللَّهَ يَسُوقُهُ لِلْحَيَوَانِ فَيَتَنَاوَلُهُ وَيَتَغَذَّى بِهِ، وَخَالَفَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: الْحَرَامُ لَيْسَ بِرِزْقٍ، وَفَسَّرُوهُ تَارَةً بِمَمْلُوكٍ يَأْكُلُهُ الْمَالِكُ، وَتَارَةً بِمَا لَا يُمْنَعُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَا حَلَالًا، فَيَلْزَمُهُمْ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ أَنَّ مَا يَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ لَيْسَ بِرِزْقٍ مَعَ ظَاهِرِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] فَيَكُونُ مُصَادِمًا لِلْقُرْآنِ ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ كُلُّ دَابَّةٍ مَرْزُوقَةً، وَلَا يَنْفَعُهُمْ زَعْمُهُمْ أَنَّ تَسْمِيَةَ مَا يَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ رِزْقًا مَبْنِيٌّ عَلَى تَشْبِيهِهِ بِمَا هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْإِنْسَانِ فَيَأْكُلُهُ، فَيَكُونُ لَفْظُ الرِّزْقِ مَجَازًا عَمَّا تَأْكُلُهُ الدَّوَابُّ، فَلَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ دَابَّةٍ مَرْزُوقَةً حَقِيقَةً ; لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا التَّأْوِيلُ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ، وَهُوَ خِلَافُ الْمُتَعَارَفِ فِي اللُّغَةِ، فَلَا يَصِحُّ ارْتِكَابُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، ثُمَّ إِنَّ تَفْسِيرَهُمُ الرِّزْقَ بِذَلِكَ لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ، وَلَا مُنْعَكِسٍ لِدُخُولِ مِلْكِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَخُرُوجِ رِزْقِ الدَّوَابِّ، وَالْعَبِيدِ، وَالْإِمَاءِ، وَيَلْزَمُهُمْ أَيْضًا عَلَى الْوَجْهَيْنِ أَنَّ مَنْ أَكَلَ الْحَرَامَ طُولَ عُمُرِهِ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ - تَعَالَى - أَصْلًا، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ الْحَاصِلِ مِنَ الْأُمَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنْ لَا رَازِقَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِنِ اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ الذَّمَّ وَاللَّوْمَ عَلَى أَكْلِ الْحَرَامِ.
وَالْإِضَافَةُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى - مُعْتَبَرَةٌ فِي مَفْهُومِ الرِّزْقِ، وَكُلُّ أَحَدٍ مُسْتَوْفٍ رِزْقَ نَفْسِهِ، حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِنْسَانٌ رِزْقَهُ، أَوْ يَأْكُلَ غَيْرَ رِزْقِهِ ; لِأَنَّ مَا قَدَّرَ اللَّهُ - تَعَالَى - غِذَاءً لِشَخْصٍ يَجِبُ أَنْ يَأْكُلَهُ وَيَمْتَنِعَ أَنْ يَأْكُلَهُ غَيْرُهُ ; وَلِهَذَا قَالَ: ((فَحُلْ)) أَيْ زُلَّ وَارْجِعْ ((عَنِ الْمُحَالِ)) وَجْهُ كَوْنِهِ مُحَالًا أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَبْقَى بِلَا رِزْقٍ، وَلَا يُمْكِنُ إِلَّا أَنْ يَأْكُلَ رِزْقَهُ، فَإِذَا تَغَذَّى طُولَ عُمُرِهِ بِالْحَرَامِ؛ يَكُونُ مَا رَزَقَهُ اللَّهُ - تَعَالَى -، وَهُوَ مُحَالٌ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ ضَرْبٌ مِنَ الْمُحَالِ، وَلِهَذَا أَوْضَحَ كَوْنَ ذَلِكَ مُحَالًا بِقَوْلِهِ: ((لِأَنَّهُ)) ((رَزَقَ كُلَّ الْخَلْقِ)) كَمَا فِي الْأَدِلَّةِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِمَّا
стр. 345
لَا يُحْصِي إِلَّا بِكُلْفَةٍ؛ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] ، ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: ٥٨] ((وَلَيْسَ)) يُوجَدُ ((مَخْلُوقٌ)) مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَيَبْقَى ((بِغَيْرِ رِزْقٍ)) فَظَهَرَ فَسَادُ مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَحَقِيقَةُ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَسَّمَ بَيْنَ الْخَلْقِ مَعَايِشَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَرَامَ مَعِيشَةٌ لِبَعْضِ الْأَنَامِ، وَاللَّهُ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ ((وَمَنْ يَمُتْ)) مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ ((بِقَتْلِهِ)) مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ ((مِنَ الْبَشَرِ)) مُحَرَّكَةٌ: الْإِنْسَانُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَاحِدًا أَوْ جَمْعًا، وَقَدْ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ أَبْشَارًا وَقَدَّمَهُ لِلِاعْتِنَاءِ بِهِ، وَالِاهْتِمَامِ بِأَحْوَالِهِ ; وَلِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ((أَوْ غَيْرِهِ)) مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ مَا قُتِلَ مِنْهَا لَيْسَ كَذَلِكَ ((فَـ)) مَوْتُهُ ((بِالْقَضَاءِ)) أَيْ بِقَضَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَهُوَ لُغَةً: الْحُكْمُ، وَعُرْفًا: إِرَادَةُ اللَّهِ الْأَزَلِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ فِيمَا لَا يَزَالُ ((وَالْقَدَرِ)) بِتَحَرِّيكِ الدَّالِّ وَتُسَكَّنُ، مَصْدَرُ قَدَرْتُ الشَّيْءَ بِفَتْحِ الدَّالِّ، مُخَفَّفَةً؛ إِذَا أَحَطْتُ بِمِقْدَارِهِ، وَ " أَلْ " فِيهِ وَفِي الْقَضَاءِ عِوَضٌ عَنْ مُضَافٍ إِلَيْهِ، أَيْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَ الْمَاتُرِيدِيَّةِ: تَحْدِيدُهُ - تَعَالَى - أَزَلًا كُلَّ مَخْلُوقٍ بِحَدِّهِ الَّذِي يُوجَدُ بِهِ مِنْ حُسْنٍ وَقُبْحٍ، وَنَفْعٍ وَضُرٍّ، وَمَا يَحْوِيهِ مِنْ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ طَاعَةٍ وَعِصْيَانٍ وَثَوَابٍ وَعِقَابٍ وَغُفْرَانٍ.
وَعِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ: إِيجَادُ اللَّهِ - تَعَالَى - الْأَشْيَاءَ عَلَى قَدَرٍ مَخْصُوصٍ، وَتَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ فِي ذَوَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا، طِبْقَ مَا سَبَقَ بِهِ الْعِلْمُ وَجَرْي بِهِ الْقَلَمُ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ، ﵀ تَعَالَى -: قَدْ يَحْسَبُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ مَعْنَى الْقَدَرِ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَالْقَضَاءُ مَعْنَى الْإِجْبَارِ وَالْقَهْرِ لِلْعَبْدِ عَلَى مَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ، وَيَتَوَهَّمُ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ : " «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» " مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَنْ تَقَدُّمِ عِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِمَا يَكُونُ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَاكْتِسَابِهِمْ وَصُدُورِهَا عَنْ تَقْدِيرٍ مِنْهُ - تَعَالَى -، وَخَلْقٍ لَهَا خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، قَالَ: وَالْقَدَرُ اسْمٌ لِمَا صَدَرَ مُقَدَّرًا عَنْ فِعْلِ الْقَادِرِ كَالْهَدْمِ، وَالنَّشْرِ، وَالْقَبْضِ، أَسْمَاءٌ لِمَا صَدَرَ عَنْ فِعْلِ الْهَادِمِ، وَالنَّاشِرِ، وَالْقَابِضِ، يُقَالُ: قَدَرْتُ الشَّيْءَ، وَقَدَّرْتُ خَفِيفَةً وَثَقِيلَةً بِمَعْنًى وَاحِدٍ، قَالَ: وَالْقَضَاءُ مَعْنَاهُ فِي هَذَا - الْخَلْقُ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -:
стр. 346
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] أَيْ: خَلَقَهُنَّ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَرَاءِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِمْ أَفْعَالُهُمْ وَاكْتِسَابُهُمْ وَمُبَاشَرَتُهُمْ تِلْكَ الْأُمُورَ، وَمُلَابَسَتُهُمْ إِيَّاهَا عَنْ قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ وَتَقْدِيمِ إِرَادَةٍ وَاخْتِيَارٍ، وَالْحُجَّةُ إِنَّمَا تَلْزَمُهُمْ بِهَا، وَاللَّائِمَةُ تَلْحَقُهُمْ عَلَيْهَا، قَالَ: وَجُمَّاعُ الْقَوْلِ فِي هَذَا أَنَّهُمَا أَمْرَانِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ ; لِأَنَّ أَحَدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأَسَاسِ، وَالْآخِرَ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ، فَمَنْ رَامَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ رَامَ هَدْمَ الْبِنَاءِ وَنَقْضَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مَوْضِعُ الْحُجَّةِ لِآدَمَ عَلَى مُوسَى ﵉ أَنَّ اللَّهَ كَانَ قَدْ عَلِمَ مِنْ آدَمَ أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الشَّجَرَةَ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا، فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرُدَّ عِلْمَ اللَّهِ فِيهِ، وَأَنْ يُبْطِلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَبَيَانُ هَذَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فَأَخْبَرَ قَبْلَ كَوْنِ آدَمَ أَنَّمَا خَلَقَهُ لِلْأَرْضِ، وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى يَنْقُلَهُ عَنْهَا إِلَيْهَا، وَأَنَّمَا كَانَ تَنَاوُلُهُ سَبَبًا لِوُقُوعِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي خُلِقَ لَهَا لِيَكُونَ فِيهَا خَلِيفَةً وَالِيًا عَلَى مَنْ فِيهَا، فَإِنَّمَا أَدْلَى آدَمُ بِالْحُجَّةِ عَلَى مُوسَى لِهَذَا الْمَعْنَى وَدَفْعِ لَائِمَةِ مُوسَى عَنْ نَفْسِهِ ; وَلِذَلِكَ قَالَ: أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَخْلُقَنِي، قَالَ: فَقَوْلُ مُوسَى وَإِنْ كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنْهُ شُبْهَةٌ، وَفِي ظَاهِرِهِ مُتَعَلَّقٌ؛ لِاحْتِجَاجِهِ بِالسَّبَبِ الَّذِي جُعِلَ أَمَارَةً لِخُرُوجِهِ مِنَ الْجَنَّةِ، فَقَوْلُ آدَمَ فِي تَعَلُّقِهِ بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ أَرْجَعُ وَأَقْوَى، وَالْفَلْجُ قَدْ يَقَعُ مَعَ الْمُعَارَضَةِ بِالتَّرْجِيحِ، كَمَا يَقَعُ بِالْبُرْهَانِ الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ. انْتَهَى.
وَالْحَدِيثُ الَّذِي احْتَجَّ فِيهِ آدَمُ عَلَى مُوسَى رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرُوِيَ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵃ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى» " وَفِي لَفْظٍ: «إِنَّ مُوسَى قَالَ: يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا مِنَ الْجَنَّةِ بِخَطِيئَتِهِ، فَقَالَ مُوسَى: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، لِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِكَلَامِهِ، وَكَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ، فَبِكَمْ تَجِدُ فِيهَا مَكْتُوبًا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١] قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ: بِأَرْبَعِينَ سَنَةً» ، وَفِي لَفْظٍ قَالَ: «أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ:
стр. 347
فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى» " قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: ظَنَّ طَوَائِفُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ آدَمَ أَحَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى الذَّنْبِ، وَأَنَّهُ حَجَّ مُوسَى بِذَلِكَ، فَطَائِفَةٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَدَّعُونَ التَّحْقِيقَ وَالْعِرْفَانَ، يَحْتَجُّونَ بِالْقَدَرِ عَلَى الذُّنُوبِ، مُسْتَدِلِّينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَطَائِفَةٌ يَقُولُونَ: الِاحْتِجَاجُ بِهِ سَائِغٌ فِي الْآخِرَةِ لَا فِي الدُّنْيَا، وَطَائِفَةٌ يَقُولُونَ: هُوَ حُجَّةٌ لِلْخَاصَّةِ الْمُشَاهِدِينَ لِلْقَدَرِ دُونَ الْعَامَّةِ، وَطَائِفَةٌ كَذَّبَتْ بِهِ كَالْجُبَّائِيِّ وَغَيْرِهِ، وَطَائِفَةٌ تَأَوَّلَتْهُ تَأْوِيلَاتٍ فَاسِدَةً، مِثْلَ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّمَا حَجَّهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ تَابَ، وَقَوْلٌ آخَرُ: كَانَ أَبَاهُ، وَالِابْنُ لَا يَلُومُ أَبَاهُ، وَقَوْلٌ آخَرُ: كَانَ الذَّنْبُ فِي شَرِيعَةٍ، وَاللَّوْمُ فِي أُخْرَى، قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ تَعْرِيجٌ عَنْ مَقْصُودِ الْحَدِيثِ.
وَظَاهِرُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ وَمِنْ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ - أَنَّ آدَمَ إِنَّمَا حَجَّ مُوسَى ﵉ لِكَوْنِهِ قَدْ كَانَ تَابَ مِنَ الذَّنْبِ الصُّورِيِّ، وَاسْتَسْلَمَ لِلْمُصِيبَةِ الَّتِي لَحِقَتِ الذُّرِّيَّةَ بِسَبَبِ أَكْلِهِ الْمُقَدَّرَ عَلَيْهِ، فَالْحَدِيثُ تَضَمَّنَ التَّسْلِيمَ لِلْقَدَرِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ لَا عِنْدَ الذُّنُوبِ، وَالْمَعَايِبِ، فَيَصْبِرُ عَلَى الْمَصَائِبِ، وَيَسْتَغْفِرُ مِنَ الذُّنُوبِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر: ٥٥] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَقُولُ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ.
فَالْإِيمَانُ بِالْقَدَرِ وَالرِّضَا بِمَا قَدَّرَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَصَائِبِ، وَالتَّسْلِيمُ لِذَلِكَ هُوَ مِنْ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ عَلَى فِعْلِهَا بِقَدَرِ اللَّهِ - تَعَالَى -، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَفْعَلَهَا، وَإِذَا فَعَلَهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ مِنْهَا كَمَا فَعَلَ آدَمُ ﵇. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ: قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: مُوسَى قَالَ: لِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ، فَلَامَهُ عَلَى الْمُصِيبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِسَبَبِ فِعْلِهِ، لَا لِأَجْلِ كَوْنِهَا ذَنْبًا ; وَلِهَذَا احْتَجَّ عَلَيْهِ آدَمُ ﵇ بِالْقَدَرِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ لِأَجْلِ الذَّنْبِ كَمَا يَظُنُّهُ طَوَائِفُ مِنَ النَّاسِ، فَلَيْسَ مُرَادًا بِالْحَدِيثِ، فَإِنَّ آدَمَ ﵇ كَانَ قَدْ تَابَ مِنَ الذَّنْبِ، وَالتَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ لَوْمُ التَّائِبِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، قَالَ: وَلِأَنَّ آدَمَ ﵇ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى الذَّنْبِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ وَسَائِرِ الْعُقَلَاءِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا
стр. 348
فِي كِتَابِهِ الْفُرْقَانِ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ ضَلَّتْ بِهِ طَائِفَتَانِ، طَائِفَةٌ كَذَّبَتْ بِهِ لَمَّا ظَنُّوا أَنَّهُ يَقْتَضِي رَفْعَ الذَّمِّ وَالْعِقَابِ عَمَّنْ عَصَى اللَّهَ لِأَجْلِ الْقَدَرِ، وَطَائِفَةٌ شَرٌّ مِنْ هَؤُلَاءِ جَعَلُوهُ حُجَّةً لِأَهْلِ الْحَقِيقَةِ الَّذِينَ شَهِدُوهُ أَوِ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ أَنَّ لَهُمْ فِعْلًا. وَذَكَرَ نَحْوَ مَا قَدَّمْنَا مِنَ الطَّوَائِفِ، ثُمَّ قَالَ: وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ، وَلَكِنْ وَجْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ مُوسَى ﵇ لَمْ يَلُمْ أَبَاهُ إِلَّا لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي لَحِقَتْهُ مِنْ أَجْلِ أَكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: لِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ؟ لَمْ يَلُمْهُ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ أَذْنَبَ وَتَابَ مِنْهُ، فَإِنَّ مُوسَى ﵇ يَعْلَمُ أَنَّ التَّائِبَ مِنَ الذَّنْبِ لَا يُلَامُ، وَلَوْ كَانَ آدَمُ ﵇ يَعْتَقِدُ رَفْعَ الْمَلَامِ عَنْهُ لِأَجْلِ الْقَدَرِ لَمْ يُقِلْ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] ، وَالْمُسْلِمُ مَأْمُورٌ عِنْدَ الْمَصَائِبِ أَنْ يَصْبِرَ وَيُسَلِّمَ، وَعِنْدَ الذُّنُوبِ يَسْتَغْفِرَ وَيَتُوبَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
إِذَا عَلِمْتَ هَذَا مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ تَحْتَ قَوْلِهِ:
وَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الْعِبَادُ
الْبَيْتَيْنِ، وَالتَّنْبِيهَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي أَثْنَاءِ ذَلِكَ؛ عَلِمْتَ أَنَّ الْقَدَرَ عِنْدَ السَّلَفِ مَا سَبَقَ بِهِ الْعِلْمُ وَجَرَى بِهِ الْقَلَمُ، مِمَّا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الْأَبَدِ، وَأَنَّهُ قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ وَمَا يَكُونُ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ فِي الْأَزَلِ، وَعَلِمَ أَنَّهَا سَتَقَعُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهُ - تَعَالَى -، وَعَلَى صِفَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فَهِيَ تَقَعُ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّرَهَا. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - أَغْدَقَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ عَلَى ضَرِيحِهِ -: وَإِنَّ عِلْمَ اللَّهِ السَّابِقَ مُحِيطٌ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَلَا مَحْوَ فِيهِ وَلَا تَغْيِيرَ، وَلَا زِيَادَةَ وَلَا نَقْصَ، فَإِنَّهُ - سُبْحَانَهُ - يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَا يَكُونُ لَوْ كَانَ كَيْفَ كَانَ يَكُونُ كَمَا تَقَدَّمَ، قَالَ: وَأَمَّا مَا جَرَى بِهِ الْقَلَمُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، فَهَلْ يَقَعُ فِيهِ مَحْوٌ وَإِثْبَاتٌ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ، قَالَ: وَأَمَّا الصُّحُفُ الَّتِي بِيَدِ الْمَلَائِكَةِ فَيَحْصُلُ فِيهَا الْمَحْوُ وَالْإِثْبَاتُ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ. إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَقَوْلُهُ: وَمَنْ يَمُتْ بِقَتْلِهِ إِلَخْ، إِنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ، أَيِ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لِمَوْتِهِ، لَا كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدْ قَطَعَ عَلَيْهِ الْأَجَلَ، وَالْحَقُّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَيِّتٌ فِي الْوَقْتِ الَّذِي قَدَّرَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - لَهُ وَعَلِمَ أَنَّهُ يَمُوتُ فِيهِ، لَا كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَنَّهُ قَدْ قَطَعَ عَلَيْهِ الْأَجَلَ، يَعْنِي لَمْ يُوَصِّلْهُ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعَاشَ إِلَى أَمَدٍ هُوَ أَجَلُهُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ - تَعَالَى - مَوْتَهُ فِيهِ لَوْلَا
стр. 349
الْقَتْلُ، فَهُمْ يَقْطَعُونَ بِامْتِدَادِ الْعُمُرِ لَوْلَا الْقَتْلُ.
وَحَاصِلُ النِّزَاعِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَجَلِ الْمُضَافِ زَمَانٌ تَبْطُلُ فِيهِ الْحَيَاةُ قَطْعًا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمٍ وَلَا تَأَخُّرٍ، فَهَلْ يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْمَقْتُولِ أَمِ الْمَعْلُومِ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ إِنْ قُتِلَ مَاتَ، وَإِنْ لَمْ يُقْتَلْ فَيَعِيشُ إِلَى وَقْتٍ هُوَ أَجَلٌ لَهُ، فَعِنْدَهُمُ الْقَاتِلُ قَدْ قُطِعَ عَلَيْهِ الْأَجَلُ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعَاشَ إِلَى أَمَدٍ هُوَ أَجْلُهُ الَّذِي عَلِمَ اللَّهُ - تَعَالَى - مَوْتَهُ فِيهِ لَوْلَا الْقَتْلُ، وَزَعَمَ أَبُو الْهُذَيْلِ مِنْهُمْ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَمَاتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْبَتَّةَ، وَقَوْلُ غَيْرِهِ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَجَازَ أَنْ يَمُوتَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَنْ لَا يَمُوتَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، يَعْنِي إِلَى أَجْلِهِ الَّذِي إِذَا جَاءَ لَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ، وَلَا يَتَقَدَّمُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] وَادَّعَى أَبُو الْحُسَيْنِ وَمَنْ تَابَعَهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ بَدِيهِيَّةٌ - يَعْنِي: مَوْتُ الْمَقْتُولِ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ وَبَقَاؤُهُ لَوْلَا الْقَتْلُ - ضَرُورِيَّةٌ، يُدْرَكُ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ، بَلْ بِمُجَرَّدِ الْبَدِيهَةِ، وَالْجُمْهُورُ مِنْهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَسْأَلَةَ اسْتِدْلَالِيَّةٌ، وَقَالَ الْكَعْبِيُّ مِنْهُمْ: إِنَّ الْمَقْتُولَ تَبْطُلُ حَيَاتُهُ بِأَجَلِ الْقَتْلِ، وَلَيْسَ الْمَقْتُولُ بِمَيِّتٍ، فَيَخُصُّ الْمَوْتَ بِمَا لَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْقَتْلِ، عَلَى مَا يُشْعِرُ بِهِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] الْآيَةَ، لَكِنَّ الْمَعْنَى مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، فَمُجَرَّدُ بُطْلَانِ الْحَيَاةِ مَوْتٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَقْتُولَ مَاتَ بِأَجَلِهِ الَّذِي أَجَّلَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - الَّذِي لَا يَتَقَدَّمُ مَوْتُهُ عَلَيْهِ لَحْظَةً، وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ لَحْظَةً، فَإِنَّهُ حَكَمَ بِآجَالِ الْعِبَادِ عَلَى عِلْمٍ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ، ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] .
وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الَّتِي فِيهَا أَنَّ بَعْضَ الطَّاعَاتِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ، مِثْلَ صِلَةِ الرَّحِمِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا جَاءَ أَنَّهُ يُقَصِّرُ الْعُمُرَ، فَهَذَا فِي الصُّحُفِ الَّتِي يَقَعُ فِيهَا الْمَحْوُ، وَالْإِثْبَاتُ، وَعِلْمُ اللَّهِ - تَعَالَى - لَا يَقَعُ فِيهِ تَغْيِيرٌ وَلَا زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ كَمَا مَرَّ آنِفًا، وَالْحَقُّ أَنَّ الْأَجَلَ وَاحِدٌ، لَا كَمَا زَعَمَ الْكَعْبِيُّ أَنَّ لِلْمَقْتُولِ أَجَلَيْنِ: الْقَتْلَ، وَالْمَوْتَ، وَأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعَاشَ إِلَى أَجَلِهِ الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ، وَلَا كَمَا
стр. 350
زَعَمَتِ الْفَلَاسِفَةُ أَنَّ لِلْحَيَوَانِ أَجَلًا طَبِيعِيًّا، قِيلَ: هُوَ فِي الْإِنْسَانِ أَنْ يَبْلُغَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَمَوْتُهُ عِنْدَهُمْ بِتَحَلُّلِ رُطُوبَتِهِ، وَانْطِفَاءِ حَرَارَتِهِ الْغَرِيزِيَّتَيْنِ، وَأَجَلًا آخَرَ غَيْرَ الطَّبِيعِيِّ، اخْتِرَامُهُ بِحَسَبِ الْآفَاتِ، وَالْأَمْرَاضِ. وَلِرَدِّ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ الْبَاطِلَةِ، وَالْعَقَائِدِ الْفَاسِدَةِ الْعَاطِلَةِ أُشِيرُ بِقَوْلِهِ: ((وَلَمْ يَفُتْ)) عَلَى الْمَقْتُولِ وَلَا غَيْرِهِ ((مِنْ رِزْقِهِ)) الْمَقْسُومِ لَهُ فِي عِلْمِ الْمَلِكِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ شَيْءٌ، قَلَّ وَلَا جَلَّ ((وَلَا)) فَاتَهُ أَيْضًا مِنَ ((الْأَجَلِ)) الْمَحْتُومِ ((شَيْءٌ)) وَلَا لَحْظَةٌ وَاحِدَةٌ ((فَدَعْ)) أَيِ اتْرُكْ وَجَانِبْ ((أَهْلَ الضَّلَالِ)) مِنْ طَوَائِفِ الِاعْتِزَالِ، فَإِنَّهُمْ ضَلُّوا الطَّرِيقَ الْقَوِيمَ وَأَضَلُّوا عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ ((وَ)) دَعْ أَهْلَ ((الْخَطَلِ)) وَهُوَ، بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ - الْخِفَّةُ وَالسُّرْعَةُ وَالْكَلَامُ الْفَاسِدُ الْكَثِيرُ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِحَالِ الْفَلَاسِفَةِ لِسُرْعَةِ كَلَامِهِمْ وَتَنْمِيقِهِ وَخِفَّتِهِ، وَتَزْوِيقِهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الِاضْطِرَابِ وَكَثْرَةِ الْخَطَأِ وَقِلَّةِ الصَّوَابِ وَالتَّنَاقُضِ وَالتَّحَكُّمِ بِالْعُقُولِ، وَالْخَوْضِ فِيمَا لَا يُعْلَمُ حَقِيقَتُهُ إِلَّا بِالتَّلَقِّي عَنِ الرَّسُولِ، فَكَمْ لَهُمْ مِنْ هَفْوَةٍ بَارِدَةٍ، وَمُقَالَةٍ فَاسِدَةٍ، فَدَعْ نُحَاتَةَ أَفْكَارِهِمْ وَنُحَالَةَ آرَائِهِمْ وَابْتِكَارِهِمْ، وَاكْرَعْ مِنَ الْمَنْهَلِ الْعَذْبِ الزُّلَالِ الصَّافِي، وَتَضَلَّعْ مِنَ الْغِذَاءِ الْهَنِيءِ الْمَرِيءِ الشَّافِي الَّذِي جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ عَنْ جِبْرِيلَ، عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا مَا قَذَفَتْهُ الْأَفْكَارُ مِنَ الْوَسَاوِسِ وَوَحْيِ الشَّيَاطِينِ.
تَتِمَّةٌ: فِي ذِكْرِ بَعْضِ مَا وَرَدَ فِي هَذَا الْفَصْلِ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ. رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَا تَسْتَبْطِئُوا الرِّزْقَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَبْدٌ لِيَمُوتَ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ رِزْقٍ هُوَ لَهُ، فَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، أَخْذِ الْحَلَالِ وَتَرْكِ الْحَرَامِ» " وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ» " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ
стр. 351
، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَا عَمَلٌ يُقَرِّبُ مِنَ النَّارِ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَلَا يَسْتَبْطِئَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَلْقَى فِي رُوعِي أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنِ اسْتَبْطَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ، فَلَا يَطْلُبْهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ فَضْلُهُ بِمَعْصِيَتِهِ» ".
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ جِبْرِيلُ ﵇ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَا تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا» ". رَوَاهُ الْبَزَّارُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ» " الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْإِسْفَاطِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي حَدَّثَ عَنْكَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ؟ فَقَالَ ﷺ : " وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ حَدَّثْتُهُ بِهِ أَنَا " يَقُولُهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لِلْأَعْمَشِ كَمَا حَدَّثَ بِهِ، وَغَفَرَ اللَّهُ لِمَنْ حَدَّثَ بِهِ قَبْلَ الْأَعْمَشِ، وَلِمَنْ حَدَّثَ بِهِ بَعْدَهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا، قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثًى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» ". وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَيَكْتُبُ عَمَلَهُ وَأَثَرَهُ وَأَجَلَهُ وَرِزْقَهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ» . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ «يَكْتُبُ عَلَى جَبْهَتِهِ، أَوْ بَطْنِ كَفِّهِ، أَوْ وَرَقَةٍ تُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «بَيْنَ عَيْنَيْهِ» . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ: وَبِكُلِّ حَالٍ فَهَذِهِ الْكِتَابَةُ الَّتِي
стр. 352
تُكْتَبُ لِلْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ غَيْرُ كِتَابَةِ الْمَقَادِيرِ السَّابِقَةِ لِخَلْقِ الْخَلَائِقِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» " كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ: فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَصِفَتَهُ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا، وَيَكْتُبُ أَجَلَهُ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْكَلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمُتَعَلِّقَاتِ ذَلِكَ]
[علة التكليف]
((الْبَابُ الثَّالِثُ
فِي الْأَحْكَامِ وَالْكَلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمُتَعَلِّقَاتِ ذَلِكَ))
اعْلَمْ - وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ لِمَرْضَاتِهِ - أَنَّ طُرُقَ النَّاسِ قَدِ اخْتَلَفَتْ فِي عِلَّةِ التَّكْلِيفِ وَحِكْمَتِهِ، مَعَ كَوْنِ اللَّهِ لَا يَنْتَفِعُ بِطَاعَةٍ، وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةٌ، فَسَلَكَتِ الْجَبْرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مَسْلَكَهُمُ الْمَعْرُوفَ، وَأَنَّ ذَلِكَ صَادِرٌ عَنْ مَحْضِ الْمَشِيئَةِ وَصَرْفِ الْإِرَادَةِ، وَأَنَّهُ لَا عِلَّةَ وَلَا حِكْمَةَ لَهُ وَلَا مَا يَحُثُّ عَلَيْهِ سِوَى مَحْضِ الْإِرَادَةِ، وَسَلَكَتِ الْقَدَرِيَّةُ مَسْلَكَهَا الْمَعْرُوفَ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِئْجَارٌ مِنْهُ لِعَبِيدِهِ لِيَنَالُوا أَجْرَهُمْ بِالْعَمَلِ، فَيَكُونَ الذَّنْبُ اقْتِضَاءَهُمُ الثَّوَابَ بِلَا عَمَلٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْدِيرِ الْمِنَّةِ، وَالْمَسْلَكَانِ فَاسِدَانِ كَمَا تَرَى، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَحَسْبُكَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ الصَّرِيحُ وَالنَّقْلُ الصَّحِيحُ مِنْ بُطْلَانِ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ وَفَسَادِهِمَا، وَلَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ هَذَيْنِ الْمَسْلَكَيْنِ إِلَّا مَسْلَكُ مَنْ هُوَ خَارِجٌ عَنِ الدِّيَانَاتِ، وَاتِّبَاعِ الرُّسُلِ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الشَّرَائِعَ وَضَعَتْ نَوَامِيسَ تَقُومُ عَلَيْهَا مَصْلَحَةُ النَّاسِ وَمَعَايِشُهُمْ، وَأَنَّ فَائِدَتَهَا تَكْمِيلُ قُوَّةِ النَّفْسِ الْعَمَلِيَّةِ وَارْتِيَاضُهَا ; لِتَخْرُجَ عَنْ شِبْهِ الْأَنْعَامِ فَتَصِيرَ مُسْتَعِدَّةً لِأَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِقَبُولِ الْفَلْسَفَةِ الْعُلْيَا وَالْحِكْمَةِ.
وَهَذَا مَسْلَكٌ خَارِجٌ عَنْ مَنَاهِجِ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ. وَأَمَّا أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْبَصَائِرِ، فَحِكْمَةُ اللَّهِ فِي تَكْلِيفِهِمْ مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَخْطُرُ بِالْبَالِ، أَوْ أَعْرَبَ بِهِ الْمَقَالُ، فَيَشْهَدُونَ
стр. 353
لَهُ - سُبْحَانَهُ - فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ، وَالْأَسْرَارِ الْعَظِيمَةِ، أَكْثَرَ مِمَّا يَشْهَدُونَهُ فِي مَخْلُوقَاتِهِ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْأَسْرَارِ، وَالْحِكَمِ، وَيَعْلَمُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا نِسْبَةَ لِمَا أَطْلَعَهُمْ - سُبْحَانَهُ - عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا طَوَى عِلْمَهُ عَنْهُمْ وَاسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَهُمْ، وَأَنَّ حِكْمَتَهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ; لِأَنَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - أَهْلٌ أَنْ يُعْبَدَ، وَإِلَى هَذَا الْمَقَامِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
[وجوب عبادة الله تعالى]
((وَوَاجِبٌ عَلَى الْعِبَادِ طُرًّا ... أَنْ يَعْبُدُوهُ طَاعَةً وَبِرًّا))
((وَيَفْعَلُوا الْفِعْلَ الَّذِي بِهِ أَمَرْ ... حَتْمًا وَيَتْرُكُوا الَّذِي عَنْهُ زَجَرْ))
((وَوَاجِبٌ عَلَى الْعِبَادِ طُرًّا))
أَيْ جَمِيعًا، وَفِي حَدِيثِ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيِّ: وَمُرَادًا لِمَحْشَرِ الْخَلْقِ طُرًّا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ جَمِيعًا، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوِ الْحَالِ ((أَنْ يَعْبُدُوهُ)) ((طَاعَةً)) أَيْ لِأَجْلِ الطَّاعَةِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ لِمَا نَدَبَ الْخَلْقَ مِنَ التَّكْلِيفِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ((وَبِرًّا)) أَيْ لِأَجْلِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ النَّاشِئِ عَنْهُمَا الْمَحَبَّةُ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْبِرُّ بِالْكَسْرِ الْإِحْسَانُ وَالتَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -. فَهُوَ - سُبْحَانَهُ - أَهْلٌ أَنْ يُعْبَدَ، وَأَهْلٌ أَنْ يَكُونَ الْحُبُّ كُلُّهُ لَهُ، وَالْعِبَادَةُ لَهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا وَضَعَ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا ; لَكَانَ - جَلَّ شَأْنُهُ - أَهْلًا أَنْ يُعْبَدَ أَقْصَى مَا تَنَالُهُ قُدْرَةُ خَلْقِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ الْإِلَهِيَّةِ: " «لَوْ لَمْ أَخْلُقْ جَنَّةً وَلَا نَارًا أَلَمْ أَكُنْ أَهْلًا أَنْ أُعْبَدَ» " وَفِي الْفِطْرَةِ وَالْعَقْلِ مَا يَقْتَضِي شُكْرَهُ وَإِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ كَمَا فِيهَا مَا يَقْتَضِي تَنَاوُلَ الْمَنَافِعِ وَاجْتِنَابِ الْمَضَارِّ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - فَطَرَ خَلْقَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَابْتِغَاءِ الْوَسِيلَةِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَحَبَّ إِلَى الْعِبَادِ مِنْهُ، وَإِنْ فَسَدَتْ فِطَرُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ بِمَا طَرَأَ عَلَيْهَا بِمَا اقْتَطَعَهَا وَاجْتَالَهَا عَمَّا خَلَقَ فِيهَا، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] فَبَيَّنَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّ إِقَامَةَ الْوَجْهِ وَهُوَ إِخْلَاصُ الْقَصْدِ وَبَذْلُ الْوُسْعِ لِدِينِهِ الْمُتَضَمِّنُ مَحَبَّتَهُ وَعِبَادَتَهُ حَنِيفًا مُقْبِلًا عَلَيْهِ مُعْرِضًا عَمَّا سِوَاهُ - هُوَ فِطْرَتُهُ الَّتِي فَطَرَ عَلَيْهَا عِبَادَهُ، فَلَوْ خُلُّوا وَدَوَاعِيَ فِطَرِهِمْ لَمَا مَالُوا عَنْ ذَلِكَ وَلَا اخْتَارُوا سِوَاهُ، وَلَكِنْ غُيِّرَتِ الْفِطَرُ وَأُفْسِدَتْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ
стр. 354
الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا» " ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ اقْرَءُوا ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١] وَ " مُنِيبِينَ " نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمَفْعُولِ، أَيْ: فَطَرَهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، وَالْإِنَابَةُ إِلَيْهِ تَتَضَمَّنُ الْإِقْبَالَ عَلَيْهِ بِمَحَبَّتِهِ وَحْدَهُ وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا سِوَاهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ - بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي فِي مَقَامِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَا نَحَلْتُهُ عَبْدًا فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَأَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاسْتَجَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ» " فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَ عِبَادَهُ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِكَمَالِ حُبِّهِ، وَالْخُضُوعِ لَهُ، وَالذُّلِّ لَهُ، وَكَمَالِ طَاعَتِهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَهَذَا مِنَ الْحَقِّ الَّذِي خُلِقَتْ لَهُ، وَبِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهِ قَامَ الْعِلْمُ، وَلِأَجْلِهِ خُلِقَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَلِأَجْلِهِ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ، وَلِأَجْلِهِ أَهْلَكَ الْقُرُونَ الَّتِي خَرَجَتْ عَنْهُ وَآثَرَتْ غَيْرَهُ، فَكَوْنُهُ سُبْحَانَهُ أَهْلًا أَنْ يُعْبَدَ وَيُحَبَّ وَيُثْنَى عَلَيْهِ أَمْرٌ ثَابِتٌ لَهُ لِذَاتِهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْإِلَهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَالْإِلَهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُؤَلَّهَ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا وَخَشْيَةً وَخُضُوعًا وَتَذَلُّلًا وَعِبَادَةً، فَهُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ وَلَوْ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ، وَهُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ وَلَوْ لَمْ يَعْبُدُوهُ، فَهُوَ الْمَعْبُودُ حَقًّا، الْإِلَهُ حَقًّا، الْمَحْمُودُ حَقًّا، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ خَلْقَهُ لَمْ يَعْبُدُوهُ وَلَمْ يَحْمَدُوهُ وَلَمْ يُؤَلِّهُوهُ؛ لَمْ يَسْتَحْدِثْ - تَعَالَى - بِخَلْقِهِ لَهُمْ وَلَا بِأَمْرِهِ إِيَّاهُمُ اسْتِحْقَاقَ الْإِلَهِيَّةِ وَالْحَمْدِ، بَلْ إِلَهِيَّتُهُ وَحَمْدُهُ وَمَجْدُهُ وَغِنَاهُ أَوْصَافٌ ذَاتِيَّةٌ لَهُ - سُبْحَانَهُ، يَسْتَحِيلُ مُفَارَقَتُهَا لَهُ كَحَيَاتِهِ وَوُجُودِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِ كَمَالِهِ.
وَقَدْ جَاءَتِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتِ الْكُتُبُ بِتَقْرِيرِ مَا اسْتَوْدَعَ - سُبْحَانَهُ - فِي الْفِطَرِ وَالْعُقُولِ مِنْ ذَلِكَ، وَتَكْمِيلِهِ وَتَفْصِيلِهِ وَزِيَادَتِهِ حُسْنًا إِلَى حُسْنِهِ، فَاتَّفَقَتْ شَرِيعَتُهُ وَفِطْرَتُهُ وَتَطَابَقَا وَتَوَافَقَا، فَعَبَدَهُ عِبَادُهُ وَأَحَبُّوهُ وَمَجَّدُوهُ بِدَاعِي الشَّرْعِ وَدَاعِي الْفِطْرَةِ وَالْعَقْلِ، فَاجْتَمَعَتْ لَهُمُ الدَّوَاعِي وَدَعَتْهُمْ إِلَى وَلِيِّهِمْ وَإِلَهِهِمْ وَفَاطِرِهِمْ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ بِقُلُوبٍ سَلِيمَةٍ لَمْ يُعَارِضْ خَبَرَهُ عِنْدَهَا شُبْهَةٌ
стр. 355
تُوجِبُ رَيْبًا وَشَكًّا، وَلَا أَمْرَهُ شَهْوَةٌ تُوجِبُ رَغْبَتَهَا عَنْهُ وَإِيثَارَهَا سِوَاهُ، وَقَدْ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: " «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» " وَاقْتَصَرَ ﷺ مِنْ جَوَابِهِمْ عَلَى مَا تُدْرِكُهُ عُقُولُهُمْ، وَتَنَالُهُ أَفْهَامُهُمْ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ بَاعِثَهُ عَلَى ذَلِكَ الشُّكْرِ أَمْرٌ يَجِلُّ عَلَى الْوَصْفِ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْعِبَارَةُ وَالْأَذْهَانُ، فَأَيْنَ هَذَا الشُّهُودُ مِنْ شُهُودِ طَائِفَتَيِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ قَطُّ أَنْ يَعْبُدَهُ - تَعَالَى - حَقَّ عِبَادَتِهِ، وَلَا يُوَفِّيَهُ حَقَّهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَالْحَمْدِ، وَلِهَذَا قَالَ أَكْمَلُ خَلْقِهِ وَأَفْضَلُهُمْ وَأَعْرَفُهُمْ بِهِ وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ وَأَطْوَعُهُمْ لَهُ: " «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ» " وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ عَمَلَهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِالنَّجَاةِ، فَقَالَ: " «لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ " قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» " وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ الْمَشْهُورِ: «إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَنْ هُوَ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُنْذُ خُلِقَ، وَمِنْهُمْ رَاكِعٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ مُنْذُ خُلِقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ» .
وَلَمَّا كَانَتْ عِبَادَتُهُ تَابِعَةً لِمَحَبَّتِهِ وَإِجْلَالِهِ، وَكَانَتِ الْمَحَبَّةُ نَوْعَيْنِ: مَحَبَّةً تَنْشَأُ عَنِ الْإِنْعَامِ، وَالْإِحْسَانِ فَتُوجِبُ شُكْرًا وَعُبُودِيَّةً، بِحَسَبِ كَمَالِهَا وَنُقْصَانِهَا، وَمَحَبَّةً تَنْشَأُ عَنِ جَمَالِ الْمَحْبُوبِ وَكَمَالِهِ، فَتُوجِبُ عُبُودِيَّةً وَطَاعَةَ أَمْرٍ وَاجْتِنَابَ نَهْيٍ أَكْمَلَ مِنَ الْأُولَى، وَكَانَ الْبَاعِثُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، قَالَ النَّاظِمُ عَاطِفًا امْتِثَالَ الْأَمْرِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا عَنْهُ الزَّجْرُ: ((وَيَفْعَلُوا)) يَعْنِي الْعِبَادَ ((الْفِعْلَ الَّذِي بِهِ أَمَرْ)) ، أَيِ الْفِعْلَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ وَالتَّأْكِيدِ فَعَلُوهُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ فَعَلَى النَّدْبِ ; وَلِهَذَا قَالَ ((حَتْمًا)) أَيْ لَازِمًا، مَصْدَرُ حَتَمَ، يَعْنِي أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَمْرًا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ وَاللُّزُومِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ فَفِعْلُهُ غَيْرُ لَازِمٍ، بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ وَمَرْغُوبٌ فِيهِ وَمُسْتَحَبٌّ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْحَتْمُ اللَّازِمُ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ ((وَ)) أَنْ ((يَتْرُكُوا)) الشَّيْءَ ((الَّذِي عَنْهُ زَجَرْ)) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الزَّجْرَ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ ; لِأَنَّ مَعْنَى الزَّجْرِ الْمَنْعُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: زَجَرَهُ مَنَعَهُ
следующие страницы →