← Акыда

Акыда · id 8353

لوامع الأنوار البهية

السفاريني

Полный текст (921 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُ. وَذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ: قَالَ حُذَيْفَةُ ﵁: كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: التَّوْبَةُ مِنَ الْغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ، وَقَالَ سُفْيَانُ: بَلْ تَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا قُلْتَ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا تُؤْذِهِ مَرَّتَيْنِ. وَمِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْمُبَارَكِ اخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الصَّلَاحِ الشَّافِعِيُّ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ: فَكُلُّ مَظْلَمَةٍ فِي الْعِرْضِ مِنِ اغْتِيَابٍ صَادِقٍ وَبُهْتٍ كَاذِبٍ؛ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْقَذْفِ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا فَيَكُونُ غِيبَةً، وَقَدْ يَكُونُ كَاذِبًا فَيَكُونُ بُهْتًا، قَالَ: وَاخْتَارَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يُعْلِمُهُ، بَلْ يَدْعُو لَهُ دُعَاءً يَكُونُ إِحْسَانًا إِلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ مَظْلَمَتِهِ، فَإِنَّ تَضَرُّرَ الْإِنْسَانِ بِمَا عَلِمَهُ مِنْ شَتْمِهِ أَبْلَغُ مِنْ تَضَرُّرِهِ بِمَا لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْإِعْلَامُ سَبَبَ الْعُدْوَانِ عَلَى الظَّالِمِ أَوَّلًا، إِذِ النُّفُوسُ لَا تَقِفُ غَالِبًا عِنْدَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَأَيْضًا فِيهِ زَوَالُ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ كَمَالِ الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ، أَوْ تَجَدُّدُ الْقَطِيعَةِ وَالْبِغْضَةِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ وَنَهَى عَنِ الْفُرْقَةِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ سَأَلَ الْمَقْذُوفُ وَالْمَسْبُوبُ قَاذِفَهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ أَمْ لَا؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِاعْتِرَافُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ، إِذْ تَوْبَتُهُ صَحَّتْ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - بِالنَّدَمِ، وَفِي حَقِّ الْعَبْدِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَنَحْوِهِ. وَهَلْ يَجُوزُ الِاعْتِرَافُ، أَوْ يُسْتَحَبُّ، أَوْ يُكْرَهُ، أَوْ يَحْرُمُ؟ الْأَشْبَهُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ. وَعَلَى هَذَا لَوِ اسْتُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ وَيُعْرِضَ ; لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ بِالِاسْتِحْلَافِ، فَإِذَا كَانَ تَابَ وَصَحَّتْ تَوْبَتُهُ لَمْ يَبْقَ لِذَلِكَ عَلَيْهِ حَقٌّ، فَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ -: قَدْ سُئِلْتُ عَنْ نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ تَعَرَّضَ لِامْرَأَةِ غَيْرِهِ فَزَنَى بِهَا، ثُمَّ تَابَ مِنْ ذَلِكَ وَسَأَلَهُ زَوْجُهَا عَنْ ذَلِكَ فَأَنْكَرَ، فَطَلَبَ اسْتِحْلَافَهُ، فَإِنْ حَلِفَ عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ كَانَتْ يَمِينُهُ غَمُوسًا، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قَوِيَتِ التُّهْمَةُ، وَإِنْ أَقَرَّ جَرَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا مِنَ الشَّرِّ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَالَ: فَأَفْتَيْتُهُ أَنْ يُضَمَّ إِلَى التَّوْبَةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى - الْإِحْسَانَ إِلَى الزَّوْجِ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ أَوِ الصَّدَقَةِ عَنْهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ بِإِزَاءِ إِيذَائِهِ لَهُ فِي أَهْلِهِ، فَإِنَّ الزِّنَا بِهَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى، وَحَقُّ زَوْجِهَا مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فِي عِرْضِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُجْبَرُ بِالْمِثْلِ كَالدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، بَلْ هُوَ مِنْ جنسِ

стр. 387

الْقَذْفِ الَّذِي جَزَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَتَكُونُ تَوْبَةُ هَذَا كَتَوْبَةِ الْقَاذِفِ، وَتَعْرِيضُهُ كَتَعْرِيضِهِ، وَحَلِفُهُ عَلَى التَّعْرِيضِ كَحَلِفِهِ. وَأَمَّا لَوْ ظَلَمَهُ فِي دَمٍ، أَوْ مَالٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إِيفَاءِ الْحَقِّ، فَإِنَّ لَهُ بَدَلًا، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ وَتَوْبَةِ الْقَاذِفِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَفِي هَذَا خَلَاصٌ عَظِيمٌ وَتَفْرِيجُ كُرُبَاتِ النُّفُوسِ مِنْ آثَارِ الْمَعَاصِي، وَالْمَظَالِمِ، فَإِنَّ الْفَقِيهَ كُلَّ الْفَقِيهِ الَّذِي لَا يُؤَيِّسُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَا يُجَرِّئُهُمْ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَجَمِيعُ النُّفُوسِ لَا بُدَّ أَنْ تُذْنِبَ، فَتَعْرِيفُ النُّفُوسِ مَا يُخَلِّصُهَا مِنَ الذُّنُوبِ؛ مِنَ التَّوْبَةِ، وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَاتِ، كَالْكَفَّارَاتِ، وَالْعُقُوبَاتِ مِنْ أَعْظَمِ فَوَائِدِ الشَّرِيعَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [حال من مات ولم يتب] ((وَمَنْ)) أَيْ أَيُّ امْرِئٍ مُذْنِبٍ ((يَمُتْ)) أَيْ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذُنُوبِهِ وَمُنْهَمِكٌ فِي شَهَوَاتِهِ ((وَلَمْ يَتُبْ مِنَ الْخَطَأِ)) الَّذِي ارْتَكَبَهُ، وَالْإِثْمِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ؛ لَمْ نَحْكُمْ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ، كَمَا زَعَمَتِ الْخَوَارِجُ، وَلَمْ نَقُلْ بِأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِارْتِكَابِهِ كَبَائِرَ الْآثَامِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْكُفْرِ، بَلْ هُوَ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ مَنْزِلَتَيِ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَلَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ، بَلْ وَلَا بِدُخُولِهَا، بَلْ نَقُولُ فِي مَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا ((فَأَمْرُهُ)) الَّذِي يَئُولُ إِلَيْهِ ((مُفَوَّضٌ)) أَيْ مَوْكُولٌ وَمَرْدُودٌ ((لِذِي)) أَيْ صَاحِبِ ((الْعَطَا)) الْوَاسِعِ، وَالْكَرَمِ وَالْجُودِ وَالنِّعَمِ. وَالْعَطَا - وَيُمَدُّ - النَّوَالُ، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُعْطِي أَيْ يُعْطِي مَنْ يُرِيدُ مَا يُرِيدُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ((فَإِنْ يَشَأْ)) ((يَعْفُ)) أَيْ يَتَجَاوَزُ عَمَّنْ مَاتَ مُرْتَكِبًا لِذُنُوبِهِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا، وَالْعَفْوُ هُوَ التَّجَاوُزُ عَنِ الذَّنْبِ وَتَرْكُ الْعِقَابِ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ الْمَحْوُ وَذَهَابُ الْأَثَرِ، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْعَفُوُّ، هُوَ فَعُولٌ، مِنَ الْعَفْوِ الَّذِي هُوَ التَّجَاوُزُ ((وَإِنْ شَاءَ انْتَقَمَ)) مِنْهُ، فَإِنْ عَامَلَهُ بِالْفَضْلِ عَفَا وَأَنْعَمَ، وَإِنْ عَامَلَهُ بِالْعَدْلِ انْتَقَمَ وَآلَمَ، وَالِانْتِقَامُ أَنْ يَبْلُغَ فِي الْعُقُوبَةِ حَدَّهَا، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُنْتَقِمُ، وَهُوَ الْمُبَالِغُ فِي الْعُقُوبَةِ لِمَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ مُفْتَعِلٌ، مَنْ نَقَمَ يَنْقِمُ إِذَا بَلَغَتْ بِهِ الْكَرَاهَةُ حَدَّ السُّخْطِ ((وَإِنْ يَشَأْ أَعْطَى)) النَّوَالَ السَّهْلَ ((وَأَجْزَلَ)) أَيْ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ لَهُمْ ((النِّعَمَ)) بِكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَالِاسْمُ بِالْفَتْحِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: النِّعْمَةُ بِالْكَسْرِ

стр. 388

الْمَسَرَّةُ وَالْيَدُ الْبَيْضَاءُ الصَّالِحَةُ، كَالنُّعْمَى بِالضَّمِّ، وَالنَّعْمَاءُ بِالْفَتْحِ مَمْدُودَةٌ، وَالْجَمْعُ أَنْعُمٌ وَنِعَمٌ وَنِعِمَاتٌ بِكَسْرَتَيْنِ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَنَعِيمُ اللَّهِ عَطِيَّتُهُ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ: النِّعْمَةُ نِعْمَتَانِ: نِعْمَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَنِعْمَةٌ مُقَيَّدَةٌ، فَالنِّعْمَةُ الْمُطْلَقَةُ هِيَ الْمُتَّصِلَةُ بِسَعَادَةِ الْأَبَدِ، وَهِيَ نِعْمَةُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَسْأَلَهُ فِي صِلَاتِنَا أَنْ يَهْدِيَنَا إِلَى صِرَاطِ أَهْلِهَا، وَمَنْ خَصَّهُمْ بِهَا وَجَعَلَهُمْ أَهْلَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَيْثُ يَقُولُ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا فَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ الْأَرْبَعَةُ هُمْ أَهْلُ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَهُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، وَإِذَا قِيلَ لَيْسَ لِلَّهِ عَلَى الْكَافِرِ نِعْمَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَالنِّعْمَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ النِّعْمَةُ الْمُقَيَّدَةُ، كَنِعْمَةِ الصِّحَّةِ، وَالْغِنَى، وَعَافِيَةِ الْجَسَدِ، وَبَسْطِ الْجَاهِ وَكَثْرَةِ الْوَلَدِ، وَالزَّوْجَةِ الْحَسَنَةِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَإِذَا قِيلَ: لِلَّهِ عَلَى الْكَافِرِ نِعْمَةٌ؛ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَهُوَ حَقٌّ، فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ السَّلْبِ وَلَا الْإِيجَابِ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ النِّعَمَ الْمُقَيَّدَةَ لَمَّا كَانَتِ اسْتِدْرَاجًا لِلْكَافِرِ، وَمَآلُهَا إِلَى الْعَذَابِ وَالشَّقَاءِ، فَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً، وَإِنَّمَا كَانَتْ بَلِيَّةً كَمَا سَمَّاهَا اللَّهُ - تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر: ١٥] الْآيَتَيْنِ ; وَلِهَذَا قَالَ كُلًّا أَيْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَكْرَمْتُهُ فِي الدُّنْيَا وَنَعَّمْتُهُ فِيهَا قَدْ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ ابْتِلَاءٌ مِنِّي وَاخْتِبَارٌ، وَلَا كُلُّ مَنْ قَدَّرْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَجَعَلْتُهُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَضْلَةٍ أَكُونُ قَدْ أَهَنْتُهُ، بَلْ أَبْتَلِي عَبْدِي بِالنِّعَمِ كَمَا أَبْتَلِيهِ بِالْمَصَائِبِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُذْنِبًا، وَلَوْ مُصِرًّا عَلَى كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ؛ لَمْ نَقْطَعْ لَهُ بِخُرُوجٍ مِنَ الدِّينِ، بَلْ نُثْبِتُ أَنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ نَقْطَعْ لَهُ بِدُخُولِ النَّارِ بَلْ نُفَوِّضُ أَمْرَهُ إِلَى الْحَلِيمِ الْغَفَّارِ، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّدُهُ فِي النَّارِ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ابْتِدَاءً، إِمَّا بِشَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ، أَوْ بِدَعْوَةِ صَالِحٍ، أَوْ بِمُصِيبَةٍ؛ مِنْ تَشْدِيدٍ عِنْدَ الْمَوْتِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَصَائِبِ الْبَرْزَخِ، وَالصَّدَقَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْأَعْمَالِ الْصَالِحَةِ

стр. 389

الَّتِي يُهْدِيهَا غَيْرُهُ لَهُ، أَوْ يَرْحَمُهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ عَنْهُ الْعَذَابَ وَأَجْزَلَ لَهُ الثَّوَابَ وَرَفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتِ، وَبَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ. تَنْبِيهَانِ: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُتَرْجِمُهَا بَعْضُ الْقَوْمِ بِمَسْأَلَةِ وَعِيدِ الْفُسَّاقِ، وَبَعْضُهُمْ بِمَسْأَلَةِ عُقُوبَةِ الْعُصَاةِ، وَبَعْضُهُمْ بِمَسْأَلَةِ انْقِطَاعِ عَذَابِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَضَابِطُهَا أَنْ يَرْتَكِبَ الْمُؤْمِنُ كَبِيرَةً؛ غَيْرَ مُكَفِّرٍ بِلَا اسْتِحْلَالٍ وَيَمُوتُ بِلَا تَوْبَةٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَقْطَعُونَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ وَلَا بِالْعَفْوِ، بَلْ هُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَإِنَّمَا يَقْطَعُونَ بِعَدَمِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ بِمُقْتَضَى مَا سَبَقَ مِنْ وَعْدِهِ وَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: نَقْطَعُ لَهُ بِالْعَذَابِ الدَّائِمِ، وَالْبَقَاءِ الْمُخَلَّدِ فِي النَّارِ، لَكِنَّهُ عِنْدَهُمْ يُعَذَّبُ عَذَابَ الْفُسَّاقِ لَا عَذَابَ الْكُفَّارِ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُعَذَّبُ عَذَابَ الْكُفَّارِ لِكُفْرِهِ عِنْدَهُمْ، وَالدَّلِيلُ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَذَابِ وَدُخُولِ النَّارِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ انْقِطَاعِ الْعَذَابِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْعَفْوِ التَّامِّ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [غافر: ٧ - ٤٠] وَقَالَ ﷺ : " «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» " وَقَالَ: " «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ» " وَكَقَوْلِهِ ﷺ : " «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ بَعْدَ مَا امْتُحِشُوا وَصَارُوا حُمَمًا وَفَحْمًا، فَيُفَرَّقُونَ عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ وَيُرَشُّ عَلَيْهِمْ مِنْ مَائِهَا، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ فَيَحْيَوْنَ وَيَعُودُونَ لِحَالِهِمُ الْأُولَى وَأَحْسَنَ» " وَقَوْلِهِ ﷺ : " «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ» "، وَسَيَأْتِي تَمَامُ هَذَا بَعْدُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. ((الثَّانِي:)) ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ سَمْعًا مِنْ نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعُصَاةِ، أَوْ طَائِفَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ؛ كَالزُّنَاةِ وَشَرَبَةِ الْخَمْرِ

стр. 390

وَقَتَلَةِ الْأَنْفُسِ وَأَكَلَةِ الرِّبَا، وَأَهْلِ السَّرِقَةِ وَالْغُصُوبِ إِذَا مَاتُوا عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِي كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ لَا لِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ لِجَوَازِ الْعَفْوِ، وَأَقَلُّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ نُفُوذُ الْوَعِيدِ وَاحِدٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، وَالْأَدِلَّةُ قَاضِيَةٌ بِقَصْرِ الْعُصَاةِ عَلَى عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، وَقَدْ رَتَّبَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ امْتِنَاعَ سُؤَالِ الْعَفْوِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِمُنَافَاتِهِ لِذَلِكَ، وَهَذَا سَاقِطٌ، إِلَّا إِذَا قَصَدَ الْعَفْوَ ابْتِدَاءً لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ، عَلَى أَنَّ الْعَفْوَ يَصْدُقُ بِمَا بَعْدَ الْعَذَابِ وَالتَّعْذِيبِ، فَمَنْ قَالَ بِمَنْعِ الْمَنْعِ فَهُوَ الْمُصِيبُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَنْ قِيلَ بِعَدَمِ قَبُولِ إِسْلَامِهِ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْعِنَادِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ] اعْلَمْ - وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ - أَنَّ عُلَمَاءَنَا ذَكَرُوا تَحَتُّمَ قَتْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ وَأَهْلِ الْإِلْحَادِ ; لِعَدَمِ قَبُولِ إِسْلَامِهِمْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ كَالزِّنْدِيقِ، وَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، أَوْ كَفَرَ بِسِحْرِهِ، أَوْ سَبِّ اللَّهِ، أَوْ رَسُولِهِ، أَوْ تَنَقُّصِهِ، وَأَمَّا حُكْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ صَدَقُوا قُبِلَ بِلَا خِلَافٍ، وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ تُقْبَلُ كَغَيْرِهِمْ وَهَذَا الَّذِي نَخْتَارُهُ ; وَلِهَذَا قَالَ: ((وَقِيلَ فِي الدُّرُوزِ وَالزَّنَادِقَةِ ... وَسَائِرِ الطَّوَائِفِ الْمُنَافِقَةِ)) ((وَكُلِّ دَاعٍ لِابْتِدَاعٍ يَقْتُلُ ... كَمَنْ تَكَرَّرَ نَكْثُهُ لَا يُقْبَلُ)) ((لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدُ مِنْ إِيمَانِهِ ... إِلَّا الَّذِي أَذَاعَ مِنْ لِسَانِهِ)) ((كَمُلْحِدٍ وَسَاحِرٍ وَسَاحِرَةْ ... وَهُمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ فِي الْآخِرَةْ)) ((قُلْتُ وَإِنْ دَلَّتْ دَلَائِلُ الْهُدَى ... كَمَا جَرَى لِلْعَيْلَبُونِيِّ اهْتَدَى)) ((فَإِنَّهُ أَذَاعَ مِنْ أَسْرَارِهِمْ ... مَا كَانَ فِيهِ الْهَتْكُ عَنْ أَسْتَارِهِمْ)) ((وَكَانَ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ نَاصِرَا ... فَصَارَ مِنَّا بَاطِنًا وَظَاهِرَا)) ((فَكُلُّ زِنْدِيقٍ وَكُلُّ مَارِقِ ... وَجَاحِدٍ وَمُلْحِدٍ مُنَافِقِ)) ((إِذَا اسْتَبَانَ نُصْحُهُ لِلدِّينِ ... فَإِنَّهُ يُقْبَلُ عَنْ يَقِينِ))

стр. 391

((وَقِيلَ)) وَهُوَ الْمَذْهَبُ فِقْهًا ((فِي)) طَوَائِفِ ((الدُّرُوزِ)) مَنِ الْحَمْزَاوِيَّةِ أَتْبَاعِ حَمْزَةَ، الْمَدْعُو عِنْدَهُمْ بِهَادِي الْمُسْتَجِيبِينَ، وَالْبَرْذَعِيِّ، وَالدُّرْزِيِّ وَغَيْرِهِمْ، مِنَ الْحَاكِمِيينَ الْقَائِلِينَ بِإِلَهِيَّةِ الْحَاكِمِ الْعُبَيْدِيِّ، وَكَانَ أَخُصَّهُمْ بِالْحَاكِمِ وَأَعْجَبُهُمْ إِلَيْهِ حَمْزَةُ الْمَدْعُو بِهَادِي الْمُسْتَجِيبِينَ، وَهُوَ حَمْزَةُ اللَّبَّادُ وَكَانَ أَعْجَمِيًّا مِنَ الزَّوْرَى فَأَظْهَرَ الدُّعَاءَ إِلَى عِبَادَةِ الْحَاكِمِ، وَزَعَمَ أَنَّ الْإِلَهَ حَلَّ فِيهِ وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ غُلَاةِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، وَكَثُرَ جَمْعُهُ وَمَنْ دَخَلَ فِي دَعْوَتِهِ وَشَاعَ ذَلِكَ فَظَهَرَ. وَكَانَ الْحَاكِمُ إِذَا رَكِبَ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ الَّتِي هُوَ بِهَا، فَإِنَّهُ كَانَ مُقِيمًا فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي عِنْدَ سِقَايَةِ زَيْدَانَ بِظَاهِرِ بَابِ النَّصْرِ مِنْ مِصْرَ؛ خَرَجَ إِلَيْهِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَانْفَرَدَ بِهِ وَيَقِفُ الْحَاكِمُ لَهُ رَاكِبًا، فَيُحَادِثُهُ وَيُفَاوِضُهُ وَارْتَفَعَ شَأْنُ هَذَا الْمَلْعُونِ، وَاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ خَوَاصًا لَقَّبَهُمْ بِأَلْقَابٍ، مِنْهُمْ رَجُلٌ لَقَّبَهُ بِسَفِيرِ الْقُدْرَةِ وَجَعَلَهُ رَسُولًا، فَكَانَ يُرْسِلُهُ لِأَخْذِ الْبَيْعَةِ عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ الْحَاكِمُ، ثُمَّ نَبَغَ شَابٌّ مِنْ مَوَالِي الْأَتْرَاكِ اسْمُهُ أَنُوشْتِكِينَ الْبُخَارِيُّ، وَيُعْرَفُ بِالدُّرْزِيِّ فَسَلَكَ طَرِيقَ الزَّوْرِيِّ، فَكَثُرَ تَبِعُهُ وَالْمُنْتَابُونَ إِلَيْهِ، وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ طَائِفَةُ الدُّرُوزِ، وَكَانَ أَيْضًا يَقِفُ لِلْحَاكِمِ وَيَخْلُو بِهِ وَيُقَرِّرُ مَعَهُ مَا يَفْعَلُهُ، وَسَمَّى نَفْسَهُ سَيِّدَ الْهَادِينَ وَحَيَاةَ الْمُسْتَجِيرِينَ، وَهَؤُلَاءِ وَأَتْبَاعُهُمْ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ هُمُ الطَّائِفَةُ الْمَوْسُومَةُ بِالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ كَانُوا مُلُوكَ مِصْرَ الْقَاهِرَةِ، وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ خُلَفَاءُ عَلَوِيُّونَ فَاطِمِيُّونَ، وَهُمْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ ذُرِّيَّةِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْقَدَّاحِ، وَقَالَ فِيهِمُ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ عَلَيْهِمْ: ظَاهِرُ مَذْهَبِهِمُ الرَّفْضُ وَبَاطِنُهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ. وَقَدْ جَزَمَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ بِكُفْرِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ فِي مَحَلَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ مُصَنَّفَاتِهِ، وَأَنَّهُمْ مِنَ الْقَرَامِطَةِ النَّصِيرِيَّةِ، وَأَنَّهُمْ أَشَدُّ كُفْرًا مِنَ الْغَالِيَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِإِلَهِيَّةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَنُبُوَّتِهِ. وَعُبَيْدُ اللَّهِ هُوَ الْمُلَقَّبُ بِالْمَهْدِيِّ أَوَّلُ الْعُبَيْدِينَ، وَالْمُحَقِّقُونَ يُنْكِرُونَ دَعْوَاهُ فِي نِسْبَتِهِ لِآلِ الْبَيْتِ وَيَقُولُونَ: إِنَّ اسْمَهُ سَعِيدٌ وَلَقَبَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَزَوْجُ أُمِّهِ الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحُ، وَسُمِّي قَدَّاحًا ; لِأَنَّهُ كَانَ كَحَّالًا يَقْدَحُ الْعَيْنَ الَّتِي يَنْزِلُ فِيهَا الْمَاءُ، وَسُمُّوا بِالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ نِسْبَةً إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ

стр. 392

بْنِ جَعْفَرَ. وَهُوَ أَبُو طَاهِرٍ الْمَنْصُورُ بْنُ الْقَائِمِ بْنِ الْمَهْدِيِّ صَاحِبُ إِفْرِيقِيَّةَ، وَهُمْ أَهْلُ هَذِهِ الْبِدْعَةِ، وَيُقَالُ إِنَّ جَدَّهُمْ كَانَ يَهُودِيًّا، وَلَا مَزِيدَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْإِلْحَادِ، وَالزَّنْدَقَةِ، وَالْعِنَادِ، وَقَدْ فَشَتْ نِحْلَتُهُمْ وَانْتَشَرَتْ بِدْعَتُهُمْ، وَكَثُرَتْ وَعَظُمَ ضَرَرُهَا وَاسْتَفْحَلَ كُفْرُهَا وَشَرَرُهَا، وَلَا سِيَّمَا فِي شَوْفِ ابْنِ مَعْنٍ وَنَوَاحِي كَسْرُوَانَ، وَفِي الْكَرْمَلِ وَنَوَاحِي عَكَّا وَتِلْكَ الْبُلْدَانِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ((وَالزَّنَادِقَةِ)) جَمْعُ زِنْدِيقٍ، قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: الزِّنْدِيقُ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَجَمْعُهُ زَنَادِقَةٌ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: الْهَاءُ فِي زَنَادِقَةٍ بَدَلَ مِنْ يَاءِ زَنَادِيقَ. قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَقَدْ تَزَنْدَقَ، وَالِاسْمُ الزَّنْدَقَةُ. قَالَ ثَعْلَبٌ: لَيْسَ زِنْدِيقٌ وَلَا فَرْزِينٌ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، إِنَّمَا يَقُولُونَ: زَنْدَقٌ وَزَنْدَقِيُّ إِذَا كَانَ شَدِيدَ الْبُخْلِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الزِّنْدِيقُ بِالْكَسْرِ مِنَ الثَّنَوِيَّةِ أَوِ الْقَائِلُ بِالنُّورِ وَالظُّلْمَةِ، أَوْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ وَبِالرُّبُوبِيَّةِ، أَوْ مَنْ يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الْإِيمَانَ، أَوْ مُعَرَّبُ " زَنْ دِينَ " أَيْ دِينُ الْمَرْأَةِ، قَالَ: وَالْجَمْعُ زَنَادِقَةٌ، أَوْ زَنَادِيقُ. انْتَهَى. قَالَ الْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي: الزِّنْدِيقُ هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُخْفِي الْكُفْرَ وَكَانَ يُسَمَّى مُنَافِقًا، وَيُسَمَّى الْيَوْمَ زِنْدِيقًا. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: ((وَسَائِرِ)) أَيْ بَقِيَّةِ ((الطَّوَائِفِ)) جَمْعُ طَائِفَةٍ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ أَوِ الْوَاحِدُ فَصَاعِدًا، أَوْ إِلَى الْأَلْفِ، أَوْ أَقَلُّهَا رَجُلَانِ، أَوْ رَجُلٌ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى النَّفْسِ - كُلُّهُ فِي الْقَامُوسِ. وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: الطَّائِفَةُ الْجَمَاعَةُ مِنَ النَّاسِ، وَيَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ كَأَنَّهُ أَرَادَ نَفْسًا طَائِفَةً، قَالَ: وَسُئِلَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ عَنْهُ فَقَالَ: الطَّائِفَةُ دُونَ الْأَلْفِ ((الْمُنَافِقَةِ)) مِنَ النِّفَاقِ وَهُوَ إِبِطَانُ الْكُفْرِ وَإِظْهَارُ الْإِيمَانِ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْأَحَادِيثِ ذِكْرُ النِّفَاقِ وَمَا تَصَرَّفَ مِنْهُ اسْمًا وَفِعْلًا، قَالَ: وَهُوَ اسْمٌ إِسْلَامِيٌّ لَمْ تَعْرِفْهُ الْعَرَبُ بِالْمَعْنَى الْمَخْصُوصِ بِهِ - وَهُوَ الَّذِي يَسْتُرُ كُفْرَهُ وَيُظْهِرُ إِيمَانَهُ -، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ مَعْرُوفًا، يُقَالُ: نَافَقَ يُنَافِقُ مُنَافَقَةً وَنِفَاقًا، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّافِقَاءِ إِحْدَى جِحَرَةِ الْيَرْبُوعِ، إِذَا طُلِبَ مِنْ وَاحِدٍ هَرَبَ مِنَ الْآخَرِ وَخَرَجَ مِنْهُ، قِيلَ: وَهُوَ مِنَ النَّفَقِ وَهُوَ السَّرَبُ الَّذِي يُسْتَتَرُ فِيهِ؛ لِسَتْرِهِ كُفْرَهُ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالزَّنْدَقَةِ: فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْجِنْسِ - يَعْنِي التَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةَ بِأُصُولِ الْعَقَائِدِ الْمُهِمَّةِ - قَالَ: وَأُصُولُ الْإِيمَانِ ثَلَاثَةٌ: الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِالْيَوْمِ

стр. 393

الْآخِرِ، وَمَا عَدَاهُ فُرُوعٌ، فَيَجِبُ تَكْفِيرُ مَنْ يُغَيِّرُ الظَّاهِرَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ قَاطِعٍ، كَالَّذِي يُنْكِرُ الْعُقُوبَاتِ الْحِسِّيَّةَ فِي الْآخِرَةِ بِظُنُونٍ وَأَوْهَامٍ وَاسْتِبْعَادَاتٍ مِنْ غَيْرِ بُرْهَانٍ قَاطِعٍ، فَيَجِبُ تَكْفِيرُهُ قَطْعًا. وَيَجِبُ تَكْفِيرُ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ إِلَّا نَفْسَهُ، أَوْ لَا يَعْلَمُ إِلَّا الْكُلِّيَّاتِ فَأَمَّا الْأُمُورُ الْجُزْئِيَّةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْأَشْخَاصِ فَلَا يَعْلَمُهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلرَّسُولِ ﷺ قَطْعًا، وَلَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الدَّرَجَاتِ الَّتِي يَسُوغُ فِيهَا التَّأْوِيلُ إِذْ أَدِلَّةُ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارُ عَلَى تَفْهِيمِ حَشْرِ الْأَجْسَادِ، وَتَفْهِيمِ عِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - لِكُلِّ مَا يَجْرِي عَلَى الْإِنْسَانِ - مُجَاوِزَةٌ حَدًّا لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ، وَهُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ التَّأْوِيلِ، قَالُوا: وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ صَلَاحُ الْخَلْقِ فِي أَنْ يَعْتَقِدُوا حَشْرَ الْأَجْسَادِ لِقُصُورِ عُقُولِهِمْ عَنْ فَهْمِ الْمَعَادِ الْعَقْلِيِّ، وَكَانَ صَلَاحُهُمْ فِي أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ، وَرَقِيبٌ عَلَيْهِمْ لِيُورِثَ ذَلِكَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً فِي قُلُوبِهِمْ، جَازَ لِلرَّسُولِ ﷺ أَنْ يُفَهِّمَهُمْ ذَلِكَ، قَالُوا: وَلَيْسَ بِكَاذِبٍ مَنْ أَصْلَحَ غَيْرَهُ، فَقَالَ مَا فِيهِ صَلَاحُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا قَالَهُ، قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ قَطْعًا ; لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِالتَّكْذِيبِ، وَيَجِبُ إِجْلَالُ مَنْصِبِ النُّبُوَّةِ عَنْ هَذِهِ الرَّزِيلَةِ، فَفِي الصِّدْقِ وَإِصْلَاحِ الْخَلْقِ بِهِ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الْكَذِبِ، قَالَ: وَهَذِهِ أَوَّلُ دَرَجَاتِ الزَّنْدَقَةِ، وَهِيَ رُتْبَةٌ بَيْنَ الِاعْتِزَالِ وَبَيْنَ الزَّنْدَقَةِ الْمُطْلَقَةِ، فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ تَقْرُبُ مَنَاهِجُهُمْ مِنْ مَنَاهِجِ الْفَلَاسِفَةِ إِلَّا فِي هَذَا الْأَمْرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَزِلِيَّ لَا يُجَوِّزُ الْكَذِبَ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ بِمِثْلِ هَذَا، بَلْ يَئَوِّلُ الظَّاهِرَ مَهْمَا ظَهَرَ لَهُ بِالْبُرْهَانِ خِلَافُهُ، وَالْفَلْسَفِيُّ لَا يَقْتَصِرُ مُجَاوَزَتُهُ لِلظَّوَاهِرِ عَلَى مَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ عَلَى قُرْبٍ أَوْ بَعْدٍ، قَالَ: وَأَمَّا الزَّنْدَقَةُ الْمُطْلَقَةُ هُوَ أَنْ يُنْكِرَ أَصْلَ الْمَعَادِ بِنَوْعٍ عَقْلِيٍّ مَعَ نَفْيِ الْآلَامِ، وَاللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ، وَإِثْبَاتِ الصَّانِعِ مَعَ نَفْيِ عِلْمِهِ بِتَفَاصِيلِ الْأُمُورِ، فَهِيَ زَنْدَقَةٌ مُقَيَّدَةٌ بِنَوْعِ اعْتِرَافٍ بِصِدْقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَظَاهِرٍ ظَنِّيٍّ، قَالَ: وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُرَادُونَ بِقَوْلِهِ ﷺ : «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي نَيِّفًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الزَّنَادِقَةَ» ، وَهِيَ فِرْقَةٌ " قَالَ: وَهَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ، قَالَ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الزَّنَادِقَةَ مِنْ أُمَّتِهِ إِذْ قَالَ:

стр. 394

" «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي» " وَمَنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِنُبُوَّتِهِ فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِهِ، وَالَّذِينَ يُنْكِرُونَ أَصْلَ الْمَعَادِ وَأَصْلَ الصَّانِعِ، فَلَيْسُوا مُعْتَرِفِينَ بِنُبُوَّتِهِ، إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَأَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ مَوْجُودًا لِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ صَانِعٍ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَنْسُبُونَ الْأَنْبِيَاءَ إِلَى التَّلْبِيسِ، فَلَا يُمْكِنُ نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْأُمَّةِ، فَإِذًا لَا مَعْنَى لِزَنْدَقَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ. انْتَهَى. أَقُولُ: أَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ، فَلَا أَصْلَ لَهُ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، وَقَوْلُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - طَيَّبَ اللَّهُ مَثْوَاهُ - بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِينَ بِهَذَا اللَّفْظِ، بَلِ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي كُتُبِ السُّنَنِ، وَالْمَسَانِيدِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ قَالَ: " «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ» " وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «هِيَ الْجَمَاعَةُ» " وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ " «هِيَ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» " وَتَقَدَّمَ الْحَدِيثُ وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ: بِأَنَّ ذِي الْأُمَّةَ سَوْفَ تَفْتَرِقُ ... بِضْعًا وَسَبْعِينَ اعْتِقَادًا وَالْمُحِقُّ الْأَبْيَاتَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَأَيْضًا لَفْظُ الزَّنْدَقَةِ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا لَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ، وَهُوَ لَفْظٌ أَعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ مِنْ كَلَامِ الْفُرْسِ بَعْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بِهِ السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فِي تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، قَالَ: وَالزِّنْدِيقُ الَّذِي تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ فِي الظَّاهِرِ - الْمُرَادُ بِهِ عِنْدَهُمُ الْمُنَافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ، وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ يُصَلِّي وَيَصُومُ وَيَحُجُّ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَسَوَاءٌ كَانَ فِي بَاطِنِهِ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، أَوْ مُشْرِكًا، أَوْ وَثَنِيًّا، وَسَوَاءٌ كَانَ مُعَطِّلًا لِلصَّانِعِ وَلِلنُّبُوَّةِ، أَوْ لِلنُّبُوَّةِ فَقَطْ، أَوْ لِنُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﷺ فَقَطْ، فَهَذَا زِنْدِيقٌ وَهُوَ مُنَافِقٌ، وَمَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ يَتَنَاوَلُ هَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا - إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٤٥ - ١٤٦] قَالَ: وَمِثْلُ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ كُفَّارٌ فِي الْبَاطِنِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانُوا مُظْهِرِينَ لِلشَّهَادَتَيْنِ

стр. 395

وَالْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَمُؤَدِّينَ لِلْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ بِقُلُوبِهِمْ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَبِهَذَا يَظْهَرُ ضَعْفُ مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِزَنْدَقَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ مِنَ الزَّنْدَقَةِ الْمُقَيَّدَةِ، الَّتِي هِيَ مَذْهَبُ الْفَلَاسِفَةِ الْمَشَّائِينَ، فَإِنَّ الزَّنْدَقَةَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَغَيْرِهَا بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَعَمُّ مِنْ هَذَا كَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ كُلُّهُمْ فِي بَابِ تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الزِّنْدِيقِ وَارِدًا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، بَلْ مَعْنَاهُ عَنْدَهُمُ الْمُنَافِقُ، وَجَمِيعُ مَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ وَمُنَافِقٌ، وَالْمُنَافِقُ كَافِرٌ فِي الْبَاطِنِ مُسْلِمٌ فِي الظَّاهِرِ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَصْفَ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَنْزَلَ أَرْبَعَ آيَاتٍ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَآيَتَيْنِ فِي الْكَافِرِينَ وَبِضْعَ عَشْرَةَ آيَةً فِي الْمُنَافِقِينَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَعَامَّةُ مَا يُوجَدُ النِّفَاقُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ، فَإِنَّ الَّذِي ابْتَدَعَ الرَّفْضَ كَانَ مُنَافِقًا زِنْدِيقًا، وَكَذَلِكَ يُقَالُ عَنِ الَّذِي ابْتَدَعَ التَّجَهُّمَ، وَكَذَلِكَ رُءُوسُ الْقَرَامِطَةِ وَأَمْثَالِهِمْ لَا رَيْبَ أَنَّهُمْ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنَافِقِينَ، وَهَؤُلَاءِ لَا يَتَنَازَعُ الْمُسْلِمُونَ فِي كُفْرِهِمْ ; وَلِهَذَا قَالَ: ((وَكُلِّ دَاعٍ لِـ)) انْتِحَالِ ((ابْتِدَاعٍ)) مُكَفِّرٍ مِنْ بِدَعِ الضَّلَالِ، ذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَذَاهِبِ رِوَايَةً عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ دَاعِيَةٍ إِلَى بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ، وَاخْتَارَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا، وَفِي الرِّعَايَةِ: مَنْ كَفَرَ بِبِدْعَةٍ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: إِنِ اعْتَرَفَ بِهَا، وَقِيلَ: لَا تُقْبَلَ مِنْ دَاعِيَةٍ، وَالْمَذْهَبُ تُقْبَلُ تَوْبَةُ مَنْ كَفَرَ بِبِدْعَةٍ: وَلَوْ دَاعِيَةً خِلَافًا لِابْنِ حَمْدَانَ وَالْبَلْيَانِيِّ فِي عَقِيدَتَيْهِمَا. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّهُ يَتُوبُ عَلَى أَئِمَّةِ الْكُفْرِ الَّذِينَ هُمْ أَعْظَمُ مِنْ أَئِمَّةِ الْبِدَعِ. قَالَ شَيْخُ مَشَايِخِنَا بَدْرُ الدِّينِ الْبَلْيَانِيُّ فِي مُخْتَصَرِ عَقِيدَةِ ابْنِ حَمْدَانَ: وَلَا تُقْبَلُ - يَعْنِي التَّوْبَةَ - ظَاهِرًا مِنْ دَاعِيَةٍ إِلَى بِدْعَتِهِ الْمُضِلَّةِ، وَلَا مِنْ سَاحِرٍ وَزِنْدِيقٍ وَهُوَ الْمُنَافِقُ، وَلَا مِمَّنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ ; وَلِذَا قَالَ: ((يُقْتَلُ)) الدَّاعِيَةُ لِبِدْعَتِهِ الْمُضِلَّةِ لِعَدَمِ قَبُولِ تَوْبَتِهِ ظَاهِرًا، كَالدُّرْزِيِّ، وَالزِّنْدِيقِ وَسَائِرِ طَوَائِفِ الْمُنَافِقِينَ ((كَمَنْ)) أَيْ كَمُكَلَّفٍ ((تَكَرَّرَ نَكْثُهُ)) أَيْ نَقْضُهُ لِلْإِسْلَامِ بِأَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، وَاتَّجَهَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي غَايَتِهِ أَنَّ أَقَلَّ تَكْرَارٍ ثَلَاثٌ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: النَّكْثُ

стр. 396

نَقْضُ الْعَهْدِ، وَالِاسْمُ النِّكْثُ بِالْكَسْرِ ((لَا يُقْبَلُ)) مِنْهُ بَعْدَ تَكَرُّرِ رِدَّتِهِ مِنْهُ - الْإِسْلَامُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِظَاهِرِ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٣٧] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] ، وَالِازْدِيَادُ يَقْتَضِي كُفْرًا مُتَجَدِّدًا، أَوْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ إِيمَانٍ عَلَيْهِ. وَلِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ ظَبْيَانَ بْنِ عُمَارَةَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ أُتِيَ بِرَجُلٍ فَقَالَ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ أُتِيَ بِكَ مَرَّةً، فَزَعَمْتَ أَنَّكَ تُبْتَ، وَأَرَاكَ قَدْ عُدْتَ فَقَتَلَهُ ; وَلِأَنَّ تَكْرَارَ الرِّدَّةِ مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ عَقِيدَتِهِ، وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِالدِّينِ، وَالسَّبَبُ فِي عَدَمِ قَبُولِ تَوْبَةِ نَحْوِ الْمُنَافِقِ ((لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدُ)) لِلْعِيَانِ ظَاهِرًا ((مِنْ إِيمَانِهِ)) الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ أَتَى بِهِ وَدَخَلَ بِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَالدِّينِ الْقَوِيمِ ((إِلَّا الَّذِي أَذَاعَ)) أَيْ أَظْهَرَ وَنَشَرَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ ((مِنْ لِسَانِهِ)) مَعَ عَدَمِ اعْتِقَادِهِ لِلْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ يَقُولُهُ وَيَأْتِي بِهِ وَيُذِيعُهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَكِتْمَانِهِ لِلْعَقِيدَةِ الْفَاسِدَةِ، وَالنِّحْلَةِ الْبَاطِلَةِ، وَالْكُفْرِ الْمَسْتُورِ - شَيْئًا، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] وَهَؤُلَاءِ لَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ عَلَى مَا تَبَيَّنَ بِهِ رُجُوعُهُمْ فَلَا يَظْهَرُ مِنْهُمْ بِالتَّوْبَةِ خِلَافُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْفُونَ عَنْهُمُ الْكُفْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَقُلُوبُهُمْ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهَا، فَلَا يَكُونُ لِمَا قَالَهُ حُكْمٌ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ إِنَّمَا سَيَدْفَعُونَ عَنْهُمُ الْقَتْلَ بِإِظْهَارِ التَّوْبَةِ إِذَا بَدَا مِنْهُمْ مَا يُؤْخَذُونَ بِهِ ((كَـ)) مَا لَا يُقْبَلُ إِيمَانُ ((مُلْحِدٍ)) مَأْخُوذٌ مِنَ الْإِلْحَادِ، وَهُوَ الْمَيْلُ وَالْعُدُولُ عَنِ الشَّيْءِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ طَهْفَةَ " «لَا يَلْطُطْ فِي الزَّكَاةِ وَلَا يُلْحِدْ فِي الْحَيَاةِ» " أَيْ لَا يَجْرِي مِنْكُمْ مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ مَا دُمْتُمْ أَحْيَاءَ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: وَرَوَاهُ الْقُتَيْبِيُّ " لَا تَلْطُطْ وَلَا تُلْحِدْ " عَلَى النَّهْيِ لِلْوَاحِدِ، قَالَ: وَلَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ خِطَابٌ لِلْجَمَاعَةِ، وَذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ " لَا نَلْطُطْ وَلَا نَحِدْ " بِالنُّونِ، قَالَ: وَالْوَجْهُ بِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، وَاللَّطُّ الْمَنْعُ، وَفِي حَدِيثٍ " «أَنْشَأَتْ تَلُطُّهَا» " أَيْ تَمْنَعُهَا حَقَّهَا، وَفِي كَلَامِ الْأَعْشَى الْحَرْمَازِيِّ فِي شَأْنِ امْرَأَتِهِ " أَخْلَفَتِ الْوَعْدَ وَلَطَّتْ بِالذَّنْبِ " أَرَادَ مَنَعَتْهُ بُضْعَهَا مَنْ لَطَّتِ النَّاقَةُ بِذَنَبِهَا، إِذَا سَدَّتْ فَرْجَهَا بِهِ إِذَا أَرَادَهَا الْفَحْلُ. قَالَ فِي كَنْزِ الْأَسْرَارِ: الْمَلَاحِدَةُ وَالزَّنَادِقَةُ هُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ اللَّهَ ، أَوْ وَاحِدًا مِنْ أَنْبِيَائِهِ، وَكَذَلِكَ مَنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ عَابَهُ، أَوْ أَلْحَقَ بِهِ نَقْصًا فِي نَفْسِهِ، أَوْ نَسَبِهِ

стр. 397

أَوْ دِينِهِ، أَوْ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِهِ، أَوْ شَبَّهَهُ بِشَيْءٍ عَلَى طَرِيقِ التَّشْوِيهِ، أَوِ الِازْدِرَاءِ عَلَيْهِ أَوِ التَّصْغِيرِ لِشَأْنِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُقْتَلُ مَنْ سَبَّ اللَّهَ، أَوْ رَسُولَهُ، نَقَلَ حَنْبَلٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: أَوْ تَنَقَّصَهُ وَلَوْ تَعْرِيضًا. قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. وَسَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ: مَا الشَّتِيمَةُ الَّتِي يُقْتَلُ بِهَا؟ قَالَ: نَحْنُ نَرَى فِي التَّعْرِيضِ الْحَدَّ. وُفِي فُصُولِ ابْنِ عَقِيلٍ عَنِ الْأَصْحَابِ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إِنْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ لِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ لَمْ يُعْلَمْ إِسْقَاطُهُ، وَأَمَّا إِنْ سَبَّ اللَّهَ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ ; لِأَنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ فِي خَالِصِ حَقِّهِ. ((وَ)) كَـ ((سَاحِرٍ وَسَاحِرَةْ)) مِمَّنْ يَكْفُرُ بِسِحْرِهِ، مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى؛ لِمَا رَوَى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسَّيْفِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ. وَعَنْ بَجَالَةَ بْنِ عَبْدَةَ قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجُزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ أَنِ اقْتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ وَسَاحِرَةٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنَ الْمَجُوسِ، وَانْهُوهُمْ عَنِ الزَّمْزَمَةِ - فَقَتَلْنَا ثَلَاثَ سَوَاحِرَ وَجَعَلْنَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَحَرِيمِهِ. رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ ذِي الْمَحَارِمِ. وَرَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ ﵂ قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا، وَكَانَتْ قَدْ دَبَّرَتْهَا، فَأَمَرَتْ بِهَا فَقُتِلَتْ. وَكُلُّ مَنْ قُلْنَا إِنَّ إِسْلَامَهُ لَا يُقْبَلُ بَلْ حُكْمُهُ أَنْ يُقْتَلَ، يَعْنِي بِحَسَبِ الظَّاهِرِ فِي الدُّنْيَا ((وَهُمْ)) - يَعْنِي الزَّنَادِقَةَ وَالدُّرُوزَ وَالْمُنَافِقَةَ وَنَحْوَهُمْ - يُبْعَثُونَ ((عَلَى نِيَّاتِهِمْ فِي)) الدَّارِ ((الْآخِرَةِ)) فَمَنْ صَدَقَ مِنْهُمْ فِي تَوْبَتِهِ قُبِلَتْ بَاطِنًا، وَنَفَعَهُ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ وَمُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَقِيلَ: يُقْبَلُ الْإِسْلَامُ وَالتَّوْبَةُ مِنْ كُلِّ مَنْ ذَكَرَ حَتَّى فِي الدُّنْيَا. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ: التَّوْبَةُ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ مَقْبُولَةٌ خِلَافًا لِإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الزِّنْدِيقِ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِذَا أَظْهَرَ لَنَا الزِّنْدِيقُ التَّوْبَةَ وَالرُّجُوعَ عَنْ زَنْدَقَتِهِ؛ يَجِبُ أَنْ نَحْكُمَ بِإِيمَانِهِ ظَاهِرًا، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ كَافِرًا، قَالَ: وَلِأَنَّ الزَّنْدَقَةَ نَوْعُ كُفْرٍ، فَجَازَ أَنْ تَحْبَطَ بِالتَّوْبَةِ كَسَائِرِ

стр. 398

الْكُفْرِ مِنَ التَّوَثُّنِ، وَالتَّمَجُّسِ، وَالتَّهَوُّدِ، وَالتَّنَصُّرِ، إِذْ لَيْسَ عَلَيْنَا مَعْرِفَةُ الْبَاطِنِ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا الْمَأْخُوذُ عَلَيْنَا حُكْمُ الظَّاهِرِ، فَإِذَا بَانَ لَنَا فِي الظَّاهِرِ حُسْنُ طَرِيقَتِهِ وَتَوْبَتِهِ وَجَبَ قَبُولُهَا، وَلَمْ يَجُزْ رَدُّهَا لِمَا بَيَّنَّا وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ تَتَعَلَّقُ بِهَا. قَالَ: وَلَمْ أَجِدْ لَهُمْ - يَعْنِي الْقَائِلِينَ بِعَدَمِ الْقَبُولِ - شُبْهَةً أُورِدُهَا إِلَّا أَنَّهُمْ حَكَوْا عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَتَلَ زِنْدِيقًا، وَلَا أَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ إِذَا رَأَى قَتْلَهُ لِأَنَّهُ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، سَاغَ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا أَنْ تَكُونَ تَوْبَتُهُ لَا تُقْبَلُ بِدَلَالَةِ أَنَّ قَطَّاعَ الطَّرِيقِ لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ عَنْهُمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ، وَيُحْكَمُ بِصِحَّتِهَا عِنْدَ اللَّهِ فِي غَيْرِ إِسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهُمْ، فَلَيْسَ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَسْقُطِ الْقَتْلُ لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ، وَلَعَلَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ عَنَى بِقَوْلِهِ " لَا تُقْبَلُ " فِي إِسْقَاطِ الْقَتْلِ فَيَكُونُ مَا قَبْلَهُ هُوَ مَذْهَبُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَ: وَكَمَنْ قَالَ لَا تُقْبَلُ تَوْبَةُ الْمُبْتَدِعِ، فَإِنَّا لَا نَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ مُطَالَبًا بِمَظَالِمِ الْآدَمِيِّينَ، وَلَكِنْ لَا يَمْنَعُ هَذَا صِحَّةَ التَّوْبَةِ، كَالتَّوْبَةِ مِنَ السَّرِقَةِ وَقَتْلِ النَّفْسِ، وَغَصْبِ الْأَمْوَالِ صَحِيحَةٍ مَقْبُولَةٍ. وَالْأَمْوَالُ وَالْحُقُوقُ لِلْآدَمِيِّ لَا تَسْقُطُ، وَيَكُونُ الْوَعِيدُ رَاجِعًا إِلَى ذَلِكَ، وَيَكُونُ نَفْيُ الْقَبُولِ عَائِدًا إِلَى الْقَبُولِ الْكَامِلِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵁ رَادًّا قَوْلَ مَنْ قَالَ: الدَّاعِيَةُ إِلَى الْبِدْعَةِ لَا يُغْفَرُ لَهُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، قَالَ: وَيَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ الْإِسْرَائِيلِيِّ، وَفِيهِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ بِمَنْ أَضْلَلْتَ؟ وَهَذَا تَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، وَلَيْسُوا مِنَ الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ، كَأَبِي عَلِيٍّ الْأَهْوَازِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِمَّنْ لَا يُمَيِّزُونَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالْمَوْضُوعَةِ، وَمَا يُحْتَجُّ بِهِ، بَلْ يَرْوُونَ كُلَّ مَا فِي الْبَابِ مُحْتَجِّينَ بِهِ، وَقَدْ حَكَى هَذَا طَائِفَةٌ قَوْلًا فِي مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَرِوَايَةً عَنْهُ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِهِ مَعَ سَائِرِ مَذَاهِبِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ تُقْبَلُ تَوْبَةُ الدَّاعِيَةِ إِلَى الْكُفْرِ، وَتَوْبَةُ مَنْ فَتَنَ النَّاسَ عَنْ دِينِهِمْ، وَقَدْ تَابَ قَادَةُ الْأَحْزَابِ، مِثْلُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَغَيْرِهِمْ، بَعْدَ أَنْ قُتِلَ عَلَى الْكُفْرِ بِدُعَائِهِمْ وَحَضِّهِمْ عَلَيْهِ مَنْ قُتِلَ، وَكَانُوا أَحْسَنَ النَّاسِ إِسْلَامًا، وَغَفَرَ اللَّهُ لَهُمْ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وَكَذَلِكَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ الدُّعَاةِ إِلَى الْكُفْرِ وَالْإِيذَاءِ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 399

وَسَلَّمَ - لَمَّا أَسْلَمَ: " «يَا عَمْرُو أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ " فَالدَّاعِي إِلَى الْكُفْرِ وَالْبِدْعَةِ، وَإِنْ كَانَ أَضَلَّ غَيْرَهُ» ، فَذَلِكَ الْغَيْرُ يُعَاقَبُ عَلَى ذَنْبِهِ ; لِكَوْنِهِ قَبِلَ مِنْ هَذَا وَتَبِعَهُ، وَهَذَا عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَوِزْرُ مَنْ تَبِعَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَعَ بَقَاءِ أَوْزَارِ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا تَابَ هَذَا مِنْ ذَنْبِهِ غُفِرَ لَهُ ذَنَبُهُ، فَلَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ وِزْرُهُ وَلَا وِزْرُ مَنْ تَبِعَهُ، وَلَا مَا حَمَلَهُ هُوَ لِأَجْلِ إِضْلَالِهِمْ، وَأَمَّا هُوَ فَسَوَاءٌ تَابَ مَنْ أَضَلَّهُمْ أَوْ لَمْ يَتُبْ؛ حَالُهُمْ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّ تَوْبَةَ مِثْلِ هَذَا تَحْتَاجُ إِلَى ضِدِّ مَا كَانَ هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ إِلَى الْهُدَى، كَمَا تَابَ كَثِيرٌ مِنَ الْكُفَّارِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ، وَصَارُوا دُعَاةً إِلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَسَحَرَةُ فِرْعَوْنَ كَانُوا أَئِمَّةً فِي الْكُفْرِ وَتَعْلِيمِ السِّحْرِ، وَتَعَلَّمُوا ثُمَّ أَسْلَمُوا وَخُتِمَ لَهُمْ بِخَيْرٍ، وَكَذَا قَاتِلُ النَّفْسِ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَا تُقْبَلُ، وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ، وَحَدِيثُ قَاتِلِ الْمِائَةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَيَرُدُّ ذَلِكَ، فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِ، وَآيَةُ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَآيَةُ النِّسَاءِ إِنَّمَا فِيهَا وَعِيدُ قَاتِلِ النَّفْسِ إِذَا لَمْ يَتُبْ؛ كَسَائِرِ وَعِيدِ الْقُرْآنِ، وَقَالَ: وَكُلُّ وَعِيدٍ فِي الْقُرْآنِ فَهُوَ مَشْرُوطٌ بِعَدَمِ التَّوْبَةِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، فَبِأَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ وَعِيدُ الْقَاتِلِ لَاحِقًا بِهِ وَإِنْ تَابَ؟ ! هَذَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بِمَعْنَى لَا تُسْقِطُ حَقَّ الْمَظْلُومِ بِالْقَتْلِ، وَإِنَّمَا التَّوْبَةُ تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ، وَالْمَقْتُولُ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِحَقِّهِ، فَهَذَا صَحِيحٌ فِي جَمِيعِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ حَتَّى الدَّيْنِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ " الشَّهِيدُ يُغْفَرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ ". وَحَقُّ الْآدَمِيِّ يُعْطَاهُ مِنْ حَسَنَاتِ مَنْ ظَلَمَهُ، فَمِنْ تَمَامِ التَّوْبَةِ أَنْ يَسْتَكْثِرَ الْعَبْدُ مِنَ الْحَسَنَاتِ لِيُوَفِّيَ غُرَمَاءَهُ، وَتَبْقَى لَهُ بَقِيَّةٌ يَدْخُلُ بِهَا الْجَنَّةَ. قَالَ: وَلَعَلَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ رَأَى أَنَّ الْقَتْلَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ بَعْدَ الْكُفْرِ، فَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِهِ حَسَنَاتٌ تُقَابِلُ حَقَّ الْمَقْتُولِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى لَهُ سَيِّئَاتٌ يُعَذَّبُ بِهَا، وَهَذَا الَّذِي رَآهُ يَقَعُ فِي بَعْضِ النَّاسِ، فَيَبْقَى الْكَلَامُ فِيمَنْ تَابَ وَأَصْلَحَ، وَعَجَزَ عَنْ حَسَنَاتٍ تُعَادِلُ حَقَّ الْمَظْلُومِ هَلْ يُجْعَلُ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمَظْلُومِ مَا يُعَذَّبُ بِهِ؟ هَذَا مَوْضُوعٌ دَقِيقٌ، عَلَى مِثْلِهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ لَا يُنَافِي مُوجِبَ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] الْآيَاتِ

стр. 400

فَهِيَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَغْفِرُ كُلَّ ذَنَبٍ مِنَ الشِّرْكِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ، فَهِيَ عَامَّةٌ فِي الْأَفْعَالِ مُطْلَقَةٌ فِي الْأَشْخَاصِ، مُخْتَصَّةٌ بِالتَّائِبِينَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر: ٥٤] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ - تَعَالَى - يَغْفِرُ جَمِيعَ الذُّنُوبِ، وَلَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ يَغْفِرُ لِكُلِّ مُذْنِبٍ، بَلْ قَدْ أَخْبَرَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا، فَمَنْ تَابَ مِنَ الْكُفْرِ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ حَيْثُ كَانَتِ التَّوْبَةُ قَبْلَ مَجِيءِ الْعَذَابِ وَقَبْلَ الْغَرْغَرَةِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ وَمَنْ نَحَا مَنْحَاهُ لَمْ يَمْنَعْ تَوْبَةَ تَائِبٍ مِنْ زِنْدِيقٍ وَمُنَافِقٍ وَسَاحِرٍ، وَدَاعِيَةِ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٍ، وَقَاتِلِ نَفْسٍ، وَلَا مَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠] : أَيْ ثَبَتُوا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتُوا، وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّائِبَ رَاجِعٌ عَنِ الْكُفْرِ وَغَيْرِهِ، وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَإِنَّهُ مُسْتَمِرٌّ يَزْدَادُ كُفْرًا بَعْدَ كُفْرٍ، فَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠] بِمَنْزِلَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: ثُمَّ أَصَرُّوا عَلَى الْكُفْرِ وَاسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ، فَهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: ٩٠] أَيِ ازْدَادَ كُفْرُهُمْ، فَهَؤُلَاءِ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُمْ، يَعْنِي عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَمَّا مَنْ تَابَ قَبْلَ حُضُورِ الْمَوْتِ فَقَدْ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ، وَرَجَعَ عَنْ كُفْرِهِ، فَلَمْ يَزْدَدْ كُفْرًا بَلْ نَقَصَ بِخِلَافِ الْمُصِرِّ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي إِلَى حِينِ الْمُعَايَنَةِ، فَإِنَّهُ فِي ازْدِيَادٍ مِنْ ذَلِكَ، وَمَا بَقِيَ لَهُ زَمَانٌ مُخَفِّفٌ لِبَعْضِ كُفْرِهِ فَضْلًا عَنْ هَدْمِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ سُئِلَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَمَّا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ اللَّهَ احْتَجَزَ التَّوْبَةَ عَنْ صَاحِبِ بِدْعَةٍ» ، وَحَجْزُ التَّوْبَةِ أَيُّ شَيْءٍ مَعْنَاهُ؟ فَقَالَ: لَا يُوَفَّقُ وَلَا يُيَسَّرُ صَاحِبُ بِدْعَةٍ لِتَوْبَةٍ. «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩] فَقَالَ ﷺ : هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ لَيْسَتْ لَهُمْ تَوْبَةٌ» . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: لِأَنَّ اعْتِقَادَ الْمُبْتَدِعِ الْفَاسِدِ يَدْعُوهُ إِلَى أَلَّا يَنْظُرَ نَظَرًا تَامًّا إِلَى دَلِيلٍ خِلَافِهِ، فَلَا يَعْرِفُ الْحَقَّ ; وَلِهَذَا قَالَ السَّلَفُ: إِنَّ الْبِدْعَةَ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ الْمُبْتَدِعَ لَا يَرْجِعُ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا: التَّوْبَةُ مِنَ الِاعْتِقَادِ الَّذِي كَثُرَ مُلَازَمَةُ صَاحِبِهِ لَهُ وَمَعْرِفَتُهُ بِحُجَجِهِ - تَحْتَاجُ إِلَى مَا يُقَابِلُ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ وَالْأَدِلَّةِ، وَمِنْ هَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ :

стр. 401

" «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَبْقُوا شَبَابَهُمْ» ". قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ: لِأَنَّ الشَّيْخَ قَدْ عَسَا فِي الْكُفْرِ فَإِسْلَامُهُ بِعِيدٌ، بِخِلَافِ الشَّابِّ، فَإِنَّ قَلْبَهُ لَيِّنٌ، فَهُوَ قَرِيبٌ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّيْخَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ بَلْ وَجُمْهُورَ الْأُمَّةِ وَأَكْثَرَ الْأَئِمَّةِ جَزَمُوا بِقَبُولِ تَوْبَةِ كُلِّ زِنْدِيقٍ وَمُنَافِقٍ وَمُلْحِدٍ وَمَارِقٍ ظَاهِرًا، وَوَكَلُوا سَرِيرَتَهُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -، وَالْمَشْهُورُ فِقْهًا عَدَمُ تَوْبَتِهِمْ كَمَا مَرَّ، وَقَدْ تَوَسَّطْتُ فِي الْمَسْأَلَةِ فِيمَا أُشِيرُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ((قُلْتُ وَإِنْ دَلَّتْ)) مِنَ الشَّخْصِ التَّائِبِ، وَالْمُسْلِمِ الْآيِبِ ((دَلَائِلُ الْهُدَى)) وَقَرَائِنُ الْأَحْوَالِ ((كَمَا جَرَى لِـ)) الرَّجُلِ الصَّالِحِ الْفَاضِلِ حَسَنٍ ((الْعَيْلَبُونِيِّ)) نِسْبَةً إِلَى بَلْدَةِ عَيْلَبُونَ، وَهِيَ بُلَيْدَةٌ مَا بَيْنَ قَرْيَةِ حِطِّينَ وَدَيْرِ حَنَّا، كَانَتْ لِطَائِفَةٍ مِنَ الدُّرُوزِ وَمَسْكَنًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِ صَفَدَ، وَكَانَ هُوَ دُرْزِيًّا مِنْ جُمْلَتِهِمْ، فَتَابَ وَرَجَعَ عَنْ كُفْرِهِ وَإِلْحَادِهِ وَزَنْدَقَتِهِ وَعِنَادِهِ، وَحَسُنَ حَالُهُ وَصَلُحَتْ أَعْمَالُهُ، وَأَقْبَلَ بِقَلْبِهِ وَقَالَبِهِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، وَرَفَضَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَالضَّلَالِ، وَالْأَوْهَامِ، فَمَنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ وَاتِّبَاعُ الْهُدَى، وَرَفْضُ الضَّلَالِ وَالْإِضْلَالِ وَالرَّدَى ((فَإِنَّهُ)) أَيِ الْعَيْلَبُونِيَّ ((أَذَاعَ)) أَيْ نَشَرَ وَأَظْهَرَ ((مِنْ أَسْرَارِهِمْ)) أَيْ مِنْ أَسْرَارِ طَائِفَةِ الدُّرُوزِ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ، وَانْتِحَالِهِمْ مَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْوُقُوعِ عَلَى الْمَحَارِمِ مِنَ الْبَنَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ، وَأَكَلِهِمُ الْخِنْزِيرَ وَرَفْضِهِمُ الْعِبَادَاتِ، وَإِنْكَارِهِمُ الشَّرَائِعَ، وَارْتِكَابِهِمُ الضَّلَالَاتِ ((مَا)) أَيْ شَيْئًا كَثِيرًا ((كَانَ فِيهِ)) أَيْ ذَلِكَ الْمُذَاعِ ((الْهَتْكُ)) أَيِ الْكَشْفُ، وَالظُّهُورُ، وَالْإِبَانَةُ ((عَنْ أَسْتَارِهِمْ)) الَّتِي كَانُوا يَكْتُمُونَهَا وَيَسْتَتِرُونَ بِإِظْهَارِهِمُ الْإِسْلَامَ تَقِيَّةً، مَعَ عُكُوفِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ الصُّرَاحِ، وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَا حَرَّمَتْهُ الشَّرِيعَةُ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَلَهُمْ مِنَ الِاصْطِلَاحَاتِ الَّتِي يُرِيدُونَ لَهَا مَعَانٍ فِيمَا بَيْنَهُمْ غَيْرَ ظَوَاهِرِهَا مَا هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ كُلِّ مَنِ اطَّلَعَ عَلَى عَقَائِدِهِمْ، وَأَظْهَرَهُ الْعَيْلَبُونِيُّ مِنْ مَقَاصِدِهِمْ، فَيَجْعَلُونَ الصَّلَاةَ مَعْرِفَةَ أَسْرَارِهِمْ، وَيُرِيدُونَ بِالصَّوْمِ كِتْمَانَ أَسْرَارِهِمْ، وَبِالْحَجِّ قَصْدَهُمْ عِقَالَهُمْ، وَمِنْ نَحْوِ هَذَا الْهَذَيَانِ مَا يُخَالِفُونَ بِهِ جَمِيعَ الْأَدْيَانِ، فَمَنْ ظَهَرَتْ قَرَائِنُ إِسْلَامِهِ وَدَلَائِلُ صِدْقِهِ وَالْتِزَامِهِ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ

стр. 402

الْإِسْلَامُ عِنْدَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ ((وَكَانَ)) الْعَيْلَبُونِيُّ وَمَنْ نَحَا مَنْحَاهُ ((لِلدِّينِ الْقَوِيمِ)) ، وَالْهُدَى الْمُسْتَقِيمِ ((نَاصِرًا)) بِاتِّبَاعِهِ، وَالْعُكُوفِ عَلَيْهِ وَذَمِّ مَنْ خَالَفَهُ، وَكَشْفِ فَضَائِحِهِمْ، وَإِظْهَارِ قَبَائِحِهِمْ ((فَصَارَ مِنَّا)) - مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ - ((بَاطِنًا)) أَيْ فِي الْبَاطِنِ ((وَظَاهِرًا)) فَهُوَ مُسْلِمٌ مَقْبُولُ الْإِسْلَامِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. وَكَانَ حَسَنٌ الْعَيْلَبُونِيُّ شَاعِرًا لَبِيبًا فَائِقًا، وَكَانَ حَسَنَ الْمُطَارَحَةِ طَيِّبَ الْعِشْرَةِ، ارْتَحَلَ إِلَى مِصْرَ وَأَخَذَ بِهَا عَنِ الشَّمْسِ الْبَابِلِيِّ، وَالشَّيْخِ سُلْطَانَ، وَالنُّورِ الشَّبْرَامِلْسِيِّ وَغَيْرِهِمْ، وَدَخَلَ دِمَشْقَ الشَّامَ وَجَاوَرَ بِهَا فِي الْخَانْقَاهْ الْسُّمَيْسَاطِيَّةِ، وَلَهُ شِعْرٌ كَثِيرٌ، مِنْهُ الْقَصِيدَةُ النُّونِيَّةُ الَّتِي هَجَا بِهَا الدُّرُوزَ، وَهِيَ طَوِيلَةٌ تَبْلُغُ ثَلَاثَمِائَةِ بَيْتٍ، يَذْكُرُ فِيهَا مَذَاهِبَهُمُ الْفَاسِدَةَ وَضَلَالَاتِهِمُ الْبَارِدَةَ، وَلَهُ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ أَمِينْ حَلَبِي فِي تَارِيخِهِ خُلَاصَةِ الْأَثَرِ فِي أَعْيَانِ الْمِائَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ، قَالَ: وَأَجْوَدُ مَا ظَفِرْتُ لَهُ مِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ: حَكَى دُخَانٌ عَلَا مَا فَوْقَ وَجْنَتِهِ ... مِنْ مَصِّ غَلْيُونِهِ إِذْ هَزَّهُ الطَّرَبُ غَيْماً عَلَى بَدْرٍ تَمَّ قَدْ تَقَطَّعَ مِنْ ... أَيْدِي النَّسِيمِ فَوَلَّى وَهْوَ يَنْسَحِبُ فَقُلْتُ وَالنَّارُ فِي قَلْبِي لَهَا لَهَبٌ ... لَقَدْ حَكَيْتَ وَلَكِنْ فَاتَكَ الشَّنَبُ قَالَ الْمُحِبِّيُّ فِي التَّارِيخِ الْمَذْكُورِ: ثُمَّ ارْتَحَلَ الْعَيْلَبُونِيُّ مِنْ دِمَشْقَ إِلَى عَكَّا، فَأَقَامَ بِهَا مُدَّةً، وَبِهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَأَلْفٍ، ﵀ وَعَفَا عَنْهُ. فَالَّذِي نَخْتَارُهُ وَنَدِينُ اللَّهَ بِهِ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ بِقَوْلِنَا: ((فَكُلُّ زِنْدِيقٍ)) لَا يَتَدَيَّنُ بِدِينٍ ((وَكُلُّ مَارِقٍ)) مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَالضَّلَالَاتِ، وَانْتِحَالِ الْأَهْوَاءِ وَارْتِكَابِ الْمُحَالَاتِ ((وَ)) كُلُّ ((جَاحِدٍ)) مِنْ دُرْزِيٍّ وَدَهْرِيٍّ وَفَيْلَسُوفِيٍّ وَبُرْهُمِيٍّ وَمُعَطِّلٍ، وَعَابِدِ وَثَنٍ وَشَمْسٍ وَنَارٍ وَغَيْرِهَا ((وَ)) كَلُّ ((مُلْحِدٍ)) فِي آيَاتِ اللَّهِ وَمُنْكِرٍ لِشَرَائِعِ اللَّهِ وَكَافِرٍ بِرَسُولِ اللَّهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ ((مُنَافِقٍ)) أَيْ ذِي نِفَاقٍ، يُبْطِنُ الْكُفْرَ الَّذِي مُنْطَوٍ عَلَيْهِ، وَيُظْهِرُ الْإِسْلَامَ الَّذِي لَا رُكُونَ لَهُ إِلَيْهِ ((إِذَا)) تَابَ مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ، وَالْإِلْحَادِ وَالضَّلَالِ وَالْعِنَادِ، وَ ((اسْتَبَانَ)) أَيِ امْتُحِنَ حَالُهُ وَطُلِبَ بَيَانُهُ، فَظَهَرَ صِحَّةُ إِيمَانِهِ وَ ((نُصْحُهُ لِلدِّينِ)) الْقَوِيمِ وَصِدْقُ إِيقَانِهِ ((فَإِنَّهُ)) أَيْ هَذَا التَّائِبُ النَّاصِحُ، وَالرَّاجِعُ الصَّالِحُ ((يُقْبَلُ)) مِنْهُ ذَلِكَ الرُّجُوعُ وَالتَّوْبَةُ عَنْ تِلْكَ التُّرَّهَاتِ، وَهُوَ مَقْبُولٌ

стр. 403

لَدَى مَنْ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ ((عَنْ يَقِينٍ)) وَهُوَ حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمِ الْمُطَابِقِ لِلْوَاقِعِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٠] الْآيَةَ. ((تَنْبِيهٌ)) دَخَلَ فِي عُمُومِ مَا ذَكَرْنَا - الْحُلُولِيَّةُ، وَالْإِبَاحِيَّةُ، وَمَنْ يُفَضِّلُ مَتْبُوعَهُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ إِذَا حَصَلَتْ لَهُ الْمَعْرِفَةُ وَالتَّحْقِيقُ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، وَمَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْعَارِفَ الْمُحَقِّقَ يَجُوزُ لَهُ التَّدَيُّنُ بِدِينِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَبِأَيِّ دِينٍ شَاءَ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الِاعْتِصَامُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَأَمْثَالُ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفِ الْمَارِقِينَ، فَمَنْ صَدَقَتْ تَوْبَتُهُ، وَصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ، وَمُدِحَتْ سِيرَتُهُ، وَدَلَّتْ قَرَائِنُ الْأَحْوَالِ عَلَى رُجُوعِهِ، عَمَّا كَانَ مُرْتَكِبُهُ مِنَ الْإِفْكِ، وَالضَّلَالِ، فَمَقْبُولٌ عِنْدَ ذِي الْمِنَّةِ وَالْأَفْضَالِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ وَتَحْقِيقِ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ] [الاختلاف في حقيقة الإيمان وقول السَّلَفِ أنه قول وعمل] ((فَصْلٌ)) ((فِي الْكَلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وَاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهِ وَتَحْقِيقِ مَذْهَبِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ)) اعْلَمْ وَفَّقَكَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْإِيمَانَ لُغَةً التَّصْدِيقُ، وَاصْطِلَاحًا تَصْدِيقُ الرَّسُولِ ﷺ فِيمَا جَاءَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ هَلْ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ مَزِيدُ أَمْرٍ مِنْ جِهَةِ إِبْدَاءِ هَذَا التَّصْدِيقِ بِاللِّسَانِ الْمُعَبَّرِ عَمَّا فِي الْقَلْبِ، إِذِ التَّصْدِيقُ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ -، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْعَمَلِ بِمَا صَدَّقَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ كَفِعْلِ الْمَأْمُورَاتِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورَاتِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي اشْتُهِرَ مِنْ مَذْهَبِ السَّلَفِ وَلِذَا قَالَ: ((إِيمَانُنَا قَوْلٌ وَقَصْدٌ وَعَمَلْ ... تَزِيدُهُ التَّقْوَى وَيَنْقُصُ بِالزَّلَلْ))

стр. 404

((إِيمَانُنَا)) مَعْشَرَ الْأَثَرِيَّةِ مِنْ أَهْلِ السَّلَفِ مَا يَأْتِي ذِكْرُهُ، وَهُوَ فِيمَا قِيلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَمْنِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِتَبَايُنِ مَدْلُولَيِ الْأَمْنِ وَالتَّصْدِيقِ، إِلَّا إِنْ لُوحِظَ مَعْنًى مَجَازِيٌّ، فَيُقَالُ آمَنَهُ إِذَا صَدَّقَهُ، أَيْ آمَنَهُ التَّكْذِيبُ، وَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أَيْ بِمُصَدِّقٍ لَنَا، وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ، فَقَالُوا: بَلِ الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ الْإِقْرَارُ، وَعِنْدَ مُحَقِّقِي السَّلَفِ أَنَّ الْإِيمَانَ، وَإِنْ قُلْنَا هُوَ التَّصْدِيقُ إِلَّا أَنَّهُ تَصْدِيقٌ خَاصٌّ مُقَيَّدٌ بِقُيُودٍ اتَّصَلَ اللَّفْظُ بِهَا، وَهَذَا لَيْسَ نَقْلًا لِلَّفْظِ عَنْ أَصْلِ اللُّغَةِ، وَلَا تَغْيِيرًا لَهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا بِإِيمَانٍ مُطْلَقٍ، بَلْ بِإِيمَانٍ خَاصٍّ وَصَفَهُ وَبَيَّنَهُ، وَهُوَ تَصْدِيقٌ تَامٌّ قَائِمٌ بِالْقَلْبِ، مُسْتَلْزِمٌ لِمَا وَجَبَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْقَلْبِيَّةِ وَأَعْمَالِ الْجَوَارِحِ فَإِنَّ هَذِهِ لَوَازِمُ الْإِيمَانِ التَّامِّ، وَانْتِفَاءُ اللَّازِمِ دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ ; وَلِهَذَا قَالَ: ((قَوْلٌ)) بِاللِّسَانِ فَمَنْ لَمْ يُقِرَّ وَيُصَدِّقْ بِلِسَانِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ، كَمَا اتَّفَقَ عَلَى ذَلِكَ سَلَفُ الْأُمَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ. ((وَقَصْدٌ)) أَيْ عَقْدٌ بِالْجَنَانِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ لَهَا بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ، وَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ خِلَافًا، لِلْكَرَّامِيَّةِ الزَّاعِمِينَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْقَوْلُ الظَّاهِرُ، وَإِذَا كَانَ مُصَدِّقًا بِقَلْبِهِ غَيْرَ نَاطِقٍ بِلِسَانِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ فَلَيْسَ بِمُؤْمِنٍ عِنْدَ سَلَفِ الْأُمَّةِ، خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] فَنَفَى اللَّهُ الْإِيمَانَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ، وَهَذَا يَرُدُّ مَذْهَبَ الْكَرَّامِيَّةِ، فَإِنَّ الْمُنَافِقَ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَقَدْ ضَلَّ مَنْ سَمَّاهُ مُؤْمِنًا، وَكَذَلِكَ مَنْ قَامَ بِقَلْبِهِ عِلْمٌ وَتَصْدِيقٌ وَهُوَ يَجْحَدُ الرَّسُولَ وَمَا جَاءَ بِهِ وَيُعَادِيهِ كَالْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ، مِمَّنْ سَمَّاهُ اللَّهُ كَافِرًا، وَلَمْ يُسَمِّهِمْ مُؤْمِنِينَ قَطُّ وَلَا دَخَلُوا فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ، فَهُمْ كُفَّارٌ خِلَافًا لِلْجَهْمِيَّةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ إِذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي قُلُوبِهِمْ فَهُمْ مُؤْمِنُونَ كَامِلُو الْإِيمَانِ، حَتَّى قَالُوا: إِنَّ إِيمَانَهُمْ كَإِيمَانِ النَّبِيِّينَ، وَالصِّدِّيقِينَ، وَفِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ مِمَّا يَرُدُّ هَذَا مَا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] الْآيَةَ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ - فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ١٤٦ - ٨٩] ((وَعَمَلٌ)) بِالْأَرْكَانِ، وَهَذَا هُوَ اللَّفْظُ الْوَارِدُ عَنِ السَّلَفِ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَهُوَ اللَّفْظُ الْوَارِدُ عَنِ السَّلَفِ

стр. 405

الَّذِينَ أَطْلَقُوا ذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، قَالَ: وَالْمُرَادُ بِالْقَوْلِ النُّطْقُ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ، وَالْجَوَارِحِ ; لِيَدْخُلَ الِاعْتِقَادُ، وَالْعِبَادَاتُ، مُرَادُ مَنْ أَدْخَلَ ذَلِكَ فِي تَعْرِيفِ الْإِيمَانِ وَمَنْ نَفَاهُ إِنَّمَا هُوَ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ، فَالسَّلَفُ قَالُوا: هُوَ اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ، وَأَرَادُوا بِذَلِكَ أَنَّ الْأَعْمَالَ شَرْطٌ فِي كَمَالِهِ، وَمِنْ هُنَا نَشَأَ لَهُمُ الْقَوْلُ بِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَنَقْصِهِ كَمَا سَيَأْتِي، وَالْمُرْجِئَةُ قَالُوا: هُوَ اعْتِقَادٌ وَنُطْقٌ فَقَطْ، وَالْكَرَّامِيَّةُ قَالُوا: هُوَ نُطْقٌ فَقَطْ، وَالْمُعْتَزِلَةُ قَالُوا: هُوَ الْعَمَلُ، وَالنُّطْقُ، وَالِاعْتِقَادُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْأَعْمَالَ شَرْطًا فِي صِحَّتِهِ، وَالسَّلَفُ جَعَلُوهَا شَرْطًا فِي كَمَالِهِ، وَهَذَا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى، أَمَّا بِالنَّظَرِ إِلَى مَا عِنْدَنَا، فَالْإِيمَانُ هُوَ الْإِقْرَارُ فَقَطْ، فَمَنْ أَقَرَّ أُجْرِيَتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بِكُفْرٍ إِلَّا إِنِ اقْتَرَنَ بِإِقْرَارِهِ فِعْلٌ يَدُلُّ عَلَى كُفْرِهِ، كَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ، فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْكُفْرِ كَالْفِسْقِ، فَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْإِيمَانَ فَبِالنَّظَرِ إِلَى إِقْرَارِهِ وَمَنْ نَفَى عَنْهُ الْإِيمَانَ فَبِالنَّظَرِ إِلَى كَمَالِهِ، وَمَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْكُفْرَ فَبِالنَّظَرِ إِلَى أَنَّهُ فَعَلَ فِعْلَ الْكَافِرِ، وَمَنْ نَفَاهُ عَنْهُ فَبِالنَّظَرِ إِلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَثْبَتَتِ الْمُعْتَزِلَةُ الْوَاسِطَةَ كَمَا مَرَّ فَقَالُوا: الْفَاسِقُ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ. انْتَهَى. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ وَغَيْرِهِ: الْمَشْهُورُ عَنِ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، وَأَنَّ الْأَعْمَالَ كُلَّهَا دَاخِلَةٌ فِي مُسَمَّى الْإِيمَانِ، وَحَكَى الشَّافِعِيُّ ﵁ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ أَدْرَكَهُمْ ذَلِكَ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: أَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ الْأَعْمَالَ عَنِ الْإِيمَانِ إِنْكَارًا شَدِيدًا، وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى قَائِلِهِ وَجَعَلَهُ قَوْلًا مُحْدَثًا - سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَقَتَادَةُ، وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَغَيْرُهُمْ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: هُوَ رَأْيٌ مُحْدَثٌ أَدْرَكْنَا النَّاسَ عَلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ مَنْ مَضَى مِنَ السَّلَفِ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْإِيمَانِ، وَالْعَمَلِ فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الْإِيمَانَ. وَذَكَرَهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَى دُخُولِ الْأَعْمَالِ فِي الْإِيمَانِ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]

стр. 406

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ: " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ: الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغَانِمِ الْخُمْسَ» " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ -، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» " وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْأَنْصَارِيُّ شَيْخُ الشَّهْرِسْتَانِيِّ فِي شَرْحِ الْإِرْشَادِ لِأَبِي الْمَعَالِي، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ قَوْلَ أَصْحَابِهِ الْأَشَاعِرَةِ مِنْ أَنَّهُ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ: وَذَهَبَ أَهْلُ الْأَثَرِ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ جَمِيعُ الطَّاعَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا، وَعَبَّرُوا عَنْهُ بِأَنَّهُ إِتْيَانُ مَا أَمَرَ اللَّهُ فَرْضًا وَنَفْلًا، وَالِانْتِهَاءُ عَمَّا نَهَى عَنْهُ تَحْرِيمًا وَأَدَبًا. قَالَ: وَبِهَذَا كَانَ يَقُولُ أَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِنَا وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ، وَقَدْ مَالَ إِلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُجَاهِدٍ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ إِمَامِ دَارِ الْهِجْرَةِ، وَمُعْظَمِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَكَانُوا يَقُولُونَ الْإِيمَانُ مَعْرِفَةٌ بِالْقَلْبِ وَإِقْرَارٌ بِاللِّسَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ. وَبَعْضُ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ زَادَ: وَإِتْبَاعُ السُّنَّةِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَحْبُوبًا لِلَّهِ - تَعَالَى - إِلَّا بِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ. وَمِنْهُمْ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَأَرَادَ قَوْلَ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعَمَلَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ، وَمَنْ زَادَ الِاعْتِقَادَ أَيِ الْمَعْرِفَةَ وَالتَّصْدِيقَ رَأَى أَنَّ لَفْظَ الْقَوْلِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ إِلَّا الْقَوْلُ الظَّاهِرُ، أَوْ خَافَ ذَلِكَ فَزَادَ الِاعْتِقَادَ بِالْقَلْبِ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ، قَالَ: الْقَوْلُ يَتَنَاوَلُ الِاعْتِقَادَ وَقَوْلَ اللِّسَانِ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَقَدْ لَا تُفْهَمُ مِنْهُ النِّيَّةُ فَزَادَ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ: إِنَّهُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ لَمْ يُرِدْ كُلَّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا كَانَ مَشْرُوعًا مِنَ الْأَقْوَالِ، وَالْأَعْمَالِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: كَانَ مَقْصُودُهُمُ الرَّدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ جَعَلُوهُ قَوْلًا فَقَطْ، فَقَالُوا: بَلْ هُوَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَالَّذِينَ جَعَلُوهُ أَرْبَعَةً فَسَّرُوا مُرَادَهُمْ، كَمَا سُئِلَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ عَنِ الْإِيمَانِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ: قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ وَسُنَّةٌ

стр. 407

لِأَنَّ الْإِيمَانَ إِنْ كَانَ قَوْلًا بِلَا عَمَلٍ فَهُوَ كُفْرٌ، وَإِذَا كَانَ قَوْلًا وَعَمَلًا بِلَا نِيَّةٍ فَهُوَ نِفَاقٌ، وَإِذَا كَانَ قَوْلًا وَعَمَلًا وَنِيَّةً بِلَا سُنَّةٍ فَهُوَ بِدْعَةٌ. ثُمَّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: الْإِيمَانُ الَّذِي أَصْلُهُ فِي الْقَلْبِ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَيْئَيْنِ: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ، وَإِقْرَارُهُ وَمَعْرِفَتُهُ، وَيُقَالُ لِهَذَا قَوْلُ الْقَلْبِ، قَالَ الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: التَّوْحِيدُ قَوْلُ الْقَلْبِ، وَالتَّوَكُّلُ عَمَلُ الْقَلْبِ. فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ، وَقَوْلُهُ: ثُمَّ قَوْلُ الْبَدَنِ وَعَمَلُهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ عَمَلِ الْقَلْبِ، مِثْلَ حُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَشْيَةِ اللَّهِ، وَيُحِبُّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَإِخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَجَعَلَهَا مِنَ الْإِيمَانِ. ثُمَّ الْقَلْبُ هُوَ الْأَصْلُ، فَإِذَا كَانَ فِيهِ مَعْرِفَةٌ سَرَى ذَلِكَ إِلَى الْبَدَنِ بِالضَّرُورَةِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَخَلَّفَ الْبَدَنُ عَمَّا يُرِيدُهُ الْقَلْبُ ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ: " «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلُحَتْ صَلُحَ لَهَا سَائِرُ الْجَسَدِ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» " وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁: الْقَلْبُ مَلِكٌ، وَالْأَعْضَاءُ جُنُودُهُ، فَإِذَا طَابَ الْمَلِكُ طَابَتْ جُنُودُهُ، وَإِذَا خَبُثَ الْمَلِكُ خَبُثَتْ جُنُودُهُ - قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَقْرِيبٌ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَحْسَنُ بَيَانًا، فَإِنَّ الْمَلِكَ وَإِنْ كَانَ صَالِحًا فَإِنَّ الْجُنْدَ لَهُمُ اخْتِيَارٌ قَدْ يَعْصُونَ بِهِ مَلِكَهُمْ، وَبِالْعَكْسِ فَقَدْ يَكُونُ فِيهِمْ صَلَاحٌ مَعَ فَسَادِهِ، أَوْ فَسَادٌ مَعَ صَلَاحِهِ بِخِلَافِ الْقَلْبِ، فَإِنَّ الْجَسَدَ تَابِعٌ لَهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ إِرَادَتِهِ قَطُّ، قَالَ: فَلَا بُدَّ فِي إِيمَانِ الْقَلْبِ مِنْ حَبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] أَيْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَفِي الْآيَةِ قَوْلَانِ قِيلَ يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا مِنْهُمْ لِأَوْثَانِهِمْ، وَقِيلَ يُحِبُّونَهُمْ كَمَا يُحِبُّونَ اللَّهَ، وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ مِنْهُمْ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ لَا يُحِبُّونَ الْأَنْدَادَ مِثْلَ مَحَبَّةِ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وَالْمُحِبَّةُ تَسْتَلْزِمُ إِرَادَةً، وَالْإِرَادَةُ التَّامَّةُ مَعَ الْقُدْرَةِ تَسْتَلْزِمُ الْفِعْلَ، فَيَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مُحِبًّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مُرِيدًا لِمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِرَادَةً جَازِمَةً مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ

стр. 408

لَا يَفْعَلُهُ، فَإِذَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِالْإِيمَانِ مَعَ قُدْرَتِهِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانُ الْوَاجِبُ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ خَطَأُ قَوْلِ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَعَمَلِهِ، ثُمَّ جَعَلُوا إِيمَانَ الْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُؤْمِنًا كَامِلَ الْإِيمَانِ بِقَلْبِهِ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَسُبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُعَادِي أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَيُوَالِي أَعْدَاءَ اللَّهِ، وَيَقْتُلُ الْأَنْبِيَاءَ وَيَهْدِمُ الْمَسَاجِدَ، وَيُهِينُ الْمَصَاحِفَ يُكْرِمُ الْكُفَّارَ وَيُهِينُ الْمُؤْمِنِينَ، قَالُوا: وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعَاصِي لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ، بَلْ يَفْعَلُ هَذَا وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ عِنْدَ اللَّهِ مُؤْمِنٌ، قَالُوا: وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهُ فِي الدُّنْيَا أَحْكَامُ الْكَافِرِ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَالْأَفْعَالَ أَمَارَةٌ عَلَى الْكُفْرِ فَيُحْكَمُ بِالظَّاهِرِ كَمَا يُحْكَمُ بِالْإِقْرَارِ وَالشُّهُودِ، وَإِنْ كَانَ الْبَاطِنُ قَدْ يَكُونُ بِخِلَافِ مَا أَقَرَّ بِهِ وَبِخِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ، فَإِذَا أَوْرَدَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ كَافِرٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُعَذَّبٌ فِي الْآخِرَةِ، قَالُوا: فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى انْتِفَاءِ التَّصْدِيقِ، وَالْعِلْمِ مِنْ قَلْبِهِ. وَالْكُفْرُ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْجَهْلُ وَالْإِيمَانُ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْعِلْمُ أَوْ تَكْذِيبُ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقُهُ فَإِنَّهُمْ مُتَنَازِعُونَ، هَلْ تَصْدِيقُ الْقَلْبِ شَيْءٌ غَيْرُ الْعِلْمِ، أَوْ هُوَ هُوَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا الْقَوْلُ مَعَ أَنَّهُ أَفْسَدُ قَوْلٍ قِيلَ فِي الْإِيمَانِ فَقَدْ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْكَثِيرُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَقَدْ كَفَّرَ السَّلَفُ كَوَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِمْ - مَنْ يَقُولُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَقَالُوا: فَإِبْلِيسُ كَافِرٌ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا كُفْرُهُ بِاسْتِكْبَارِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ لَا لِكَوْنِهِ كَذَّبَ خَبَرًا، وَكَذَلِكَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهِمْ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] وَقَالَ مُوسَى ﵇ لِفِرْعَوْنَ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] فَمُوسَى هُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ يَقُولُ " لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ " يَعْنِي الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ " إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَاتِ، وَهُوَ مِنْ أَكْثَرِ خَلْقِ اللَّهِ عِنَادًا وَبَغْيًا لِفَسَادِ إِرَادَتِهِ وَقَصْدِهِ لَا لِعَدَمِ عِلْمِهِ، وَقَالَ - تَعَالَى - فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦] وَكَذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - فِيهِمْ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣] .

стр. 409

قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَهَؤُلَاءِ غَلِطُوا فِي أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقٍ وَعِلْمٍ فَقَطْ، لَيْسَ مَعَ عَمَلٍ وَحَالٍ وَحَرَكَةٍ وَإِرَادَةٍ وَمَحَبَّةٍ وَخَشْيَةٍ فِي الْقَلْبِ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ غَلَطِ الْمُرْجِئَةِ مُطْلَقًا فَإِنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ الَّتِي يُسَمِّيهَا بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَحْوَالًا وَمَقَامَاتٍ وَمَنَازِلَ السَّائِرِينَ إِلَى اللَّهِ، أَوْ مَقَامَاتِ الْعَارِفِينَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، كُلُّ مَا فِيهَا مِمَّا فَرَضَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ، وَكُلُّ مَا فِيهَا مِنَ الْإِيمَانِ مِمَّا أَحَبَّهُ اللَّهُ وَلَمْ يَفْرِضْهُ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ الْمُسْتَحَبِّ، فَالْأَوَّلُ لَا بُدَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْهُ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنَ الْأَبْرَارِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، وَالثَّانِي لِلْمُقَرَّبِينَ السَّابِقِينَ، وَالْأَصْلُ الثَّانِي الَّذِي غَلِطُوا فِيهِ ظَنُّهُمْ أَنَّ كُلَّ مَنْ حَكَمَ الشَّارِعُ بِأَنَّهُ كَافِرٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ، فَإِنَّمَا ذَاكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ، وَالتَّصْدِيقِ، وَهَذَا أَمْرٌ خَالَفُوا فِيهِ الْحِسَّ، وَالْعَقْلَ، وَالشَّرْعَ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ طَوَائِفُ بَنِي آدَمَ السَّلِيمِي الْفِطْرَةِ وَجَمَاهِيرُ النُّظَّارِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَعْرِفُ الْحَقَّ مَعَ غَيْرِهِ، وَمَعَ هَذَا يَجْحَدُ ذَلِكَ لِحَسَدِهِ إِيَّاهُ، أَوْ لِطَلَبِ عُلُوِّهِ عَلَيْهِ، أَوْ لِهَوَى النَّفْسِ وَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ الْهَوَى عَلَى أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِ وَيَرُدَّ مَا يَقُولُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَهُوَ فِي قَلْبِهِ يَعْلَمُ أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ. وَعَامَّةُ مَنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ عَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُمْ، وَأَنَّهُمْ صَادِقُونَ، لَكِنَّ الْحَسَدَ وَإِرَادَةَ الْعُلُوِّ وَالرِّيَاسَةِ وَحُبَّهمْ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ، وَإِلْفَهُمْ لِمَا ارْتَكَبُوهُ أَوْجَبَ لَهُ التَّكْذِيبَ وَالْمُعَادَاةَ لَهُمْ، وَجَمِيعُ مَنْ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَمْ يَأْتِ بِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ تَقْدَحُ فِي صِدْقِهِمْ، وَإِنَّمَا يَعْتَمِدُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ أَهْوَائِهِمْ كَقَوْلِهِمْ لِنُوحٍ ﵇: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١] وَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] وَقَوْلِه لِمُوسَى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] الْآيَتَيْنِ وَقَوْلِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧] قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - رَدًّا عَلَيْهِمْ: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] بَلْ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ كَانُوا مَعَ مَحَبَّتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَمَحَبَّتِهِمْ لِعُلُوِّ كَلِمَتِهِ مِنْ عَدَمِ حَسَدِهِمْ لَهُ وَعِلْمِهِمْ بِصِدْقِهِ، وَحَمْلِهِمُ الْفَهْمَ لِدِينِ قَوْمِهِمْ وَكَرَاهَتِهِمْ لِفِرَاقِهِ وَذَمِّ قُرَيْشٍ لَهُمْ عَلَى عَدَمِ اتِّبَاعِه عَلَى دِينِهِ الْقَوِيمِ وَهَدْيِهِ الْمُسْتَقِيمِ، فَلَمْ يَتْرُكُوا الْإِيمَانَ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بَلْ لِهَوَى الْأَنْفُسِ، فَكَيْفَ يُقَالُ مَعَ هَذَا أَنَّ كُلَّ كَافِرٍ إِنَّمَا كَفَرَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِاللَّهِ؟

стр. 410

فَإِنْ قِيلَ إِذَا كَانَ الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، فَمَتَى ذَهَبَ بَعْضُ ذَلِكَ بَطَلَ الْإِيمَانُ فَيَلْزَمُ تَكْفِيرُ أَهْلِ الذُّنُوبِ كَمَا تَقُولُهُ الْخَوَارِجُ، أَوْ تَخْلِيدُهُمْ فِي النَّارِ وَسَلْبُهُمُ اسْمَ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ كَمَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَكُلُّ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الْمُرْجِئَةِ، فَإِنَّ مِنَ الْمُرْجِئَةِ جَمَاعَةً مِنَ الْعُبَّادِ وَالْعُلَمَاءِ الْمَذْكُورِينَ عِنْدَ الْأُمَّةِ بِخَيْرٍ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ فَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ مُطْبِقُونَ عَلَى ذَمِّهِمْ، فَالْجَوَابُ أَوَّلًا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ أَنَّ الْقَوْلَ الَّذِي لَمْ يُوَافِقِ الْخَوَارِجَ وَالْمُعْتَزِلَةَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ هُوَ الْقَوْلُ بِتَخْلِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ، فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ الْبِدَعِ الْمَشْهُورَةِ، وَقَدِ اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ، وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ أَحَدٌ مِمَّنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ. وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ يَشْفَعُ فِي مَنْ يَأْذَنُ اللَّهُ لَهُ بِالشَّفَاعَةِ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَمِنْ بِدَعِ الْخَوَارِجِ الْخَارِجَةِ تَكْفِيرُهُمْ لِلْمُسْلِمِ بِالذَّنْبِ، وَسَلْبُ الْمُعْتَزِلَةِ لَهُ اسْمَ الْإِيمَانِ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَكُلُّ هَذِهِ بِدَعٌ قَبِيحَةٌ مُخَالِفَةٌ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَلِأَئِمَّةِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَالْجَمَاعَةِ، وَالْحَقُّ مَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ، فَلَا يُعْطَى الِاسْمَ الْمُطْلَقَ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَا يُسْلَبُ مُطْلَقَ الِاسْمِ، وَمَا نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الْقَاتِلَ لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَأَنَّهُ يَخْلُدُ فِي النَّارِ، فَغَلَطٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يَشْفَعُ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَلَا قَالَ: إِنَّهُمْ يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ، وَلَكِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ قَالَ: إِنَّ الْقَاتِلَ لَا تَوْبَةَ لَهُ، وَالنِّزَاعُ فِي التَّوْبَةِ غَيْرُ النِّزَاعِ فِي التَّخْلِيدِ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَتْلِ مِنْ حَقِّ الْآدَمِيِّ، وَتَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ فِي الْفَصْلِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا. وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ أَنَّ الْإِيمَانَ إِذَا ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ كُلُّهُ، فَمَمْنُوعٌ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تَفَرَّعَتْ مِنْهُ الْبِدَعُ فِي الْإِيمَانِ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُ مَتَى ذَهَبَ بَعْضُهُ ذَهَبَ كُلُّهُ، ثُمَّ قَالَتِ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْإِيمَانُ هُوَ مَجْمُوعُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَهُوَ الْإِيمَانُ الْمُطْلَقُ كَمَا قَالَهُ أَهْلُ الْحَدِيثِ، قَالُوا: فَإِذَا ذَهَبَ شَيْءٌ مِنْهُ لَمْ يَبْقَ مَعَ صَاحِبِهِ مِنَ الْإِيمَانِ شَيْءٌ فَيَخْلُدُ فِي النَّارِ، وَقَالَتِ الْمُرْجِئَةُ عَلَى اخْتِلَافِ فِرَقِهِمْ

стр. 411

كَمَا يَأْتِي: لَا يَذْهَبُ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْكَبَائِرِ وَبِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ الظَّاهِرَةِ شَيْءٌ مِنْهُ، إِذْ لَوْ ذَهَبَ مِنْهُ شَيْءٌ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَيَكُونُ شَيْئًا وَاحِدًا يَسْتَوِي فِيهِ الْبَرُّ، وَالْفَاجِرُ. [الإيمان يزيد وينقص] وَمَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ السَّلَفِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَفَاضَلُ فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ ; وَلِهَذَا قَالَ: ((تَزِيدُهُ)) أَيِ الْإِيمَانَ الْمُطْلَقَ عِنْدَ الْأَثَرِيَّةِ مِنَ السَّلَفِ ((التَّقْوَى)) هِيَ - لُغَةً - الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَالتَّاءُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْوَاوِ ; لِأَنَّ أَصْلَهَا مِنَ الْوِقَايَةِ، وَاصْطِلَاحًا التَّحَرُّزُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَنْ مُخَالَفَتِهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ [المدثر: ٥٦] أَيْ أَهْلٌ أَنْ يُتَّقَى عِقَابُهُ. ((وَيَنْقُصُ)) الْإِيمَانُ ((بِـ)) ارْتِكَابِ ((الزَّلَلِ)) وَتَعَاطِيهِ بِفَتْحِ الزَّايِ الْمُشَدَّدَةِ، وَاللَّامِ، مَنْ زَلَلْتَ تَزِلُّ زَلًّا وَزَلِيلًا مَزِلَّةً بِكَسْرِ الزَّايِ، وَزُلُولًا وَأَزَلَّهُ غَيْرُهُ، وَاسْتَزَلَّهُ، وَالْمَزَلَّةُ مَوْضِعُهُ، وَالِاسْمُ الزَّلَّةُ وَهِيَ الْخَطِيئَةُ، وَالسَّقْطَةُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ السَّلَفِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْعِرْفَانِ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْعِصْيَانِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ: مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَتَفَاضَلُ، وَجُمْهُورُهُمْ يَقُولُونَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَزِيدُ وَلَا يَقُولُ يَنْقُصُ، كَمَا يُرْوَى عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَتَفَاضَلُ كَالْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَقَدْ ثَبَتَ لَفْظُ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فِيهِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ فَرَوَى النَّاسُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ مَشْهُورَةٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ جَدِّهِ عُمَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ الْخَطْمِيِّ وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، قِيلَ لَهُ وَمَا زِيَادَتُهُ وَنُقْصَانُهُ، قَالَ: إِذَا ذَكَرْنَا اللَّهَ وَوَحَّدْنَاهُ وَسَبَّحْنَاهُ فَتِلْكَ زِيَادَتُهُ، وَإِذَا غَفَلْنَا وَنَسِينَاهُ فَذَاكَ نُقْصَانُهُ» . وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ حَرِيزِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: «الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ» . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ حَدَّثَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَشْيَاخَنَا، أَوْ بَعْضَ أَشْيَاخِنَا أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ قَالَ: إِنَّ مِنْ فِقْهِ الْعَبْدِ أَنْ يَتَعَاهَدَ إِيمَانَهُ، وَمَا نَقَصَ مِنْهُ، وَمِنْ فِقْهِ الْعَبْدِ أَنْ يَعْلَمَ أَيَزْدَادُ إِيمَانُهُ أَمْ يَنْقُصُ، وَإِنَّ مِنْ فِقْهِ الرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ أَنَّى يَأْتِيهِ. وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ

стр. 412

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ» . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ هَلُمُّوا نَزْدَدْ إِيمَانًا - فَيَذْكُرُونَ اللَّهَ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: «إِنَّ الْإِيمَانَ يَبْدُو لُمْظَةً فِي الْقَلْبِ، كُلَّمَا ازْدَادَ إِيمَانًا ازْدَادَتِ اللُّمْظَةُ» . قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: اللُّمْظَةُ مِثْلُ النُّكْتَةِ، أَوْ نَحْوُهَا. وَفِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ «الْإِيمَانُ يَبْدُو فِي الْقُلُوبِ لُمْظَةً» - اللُّمْظَةُ بِالضَّمِّ مِثْلُ النُّكْتَةِ مِنَ الْبَيَاضِ، وَمِنْهُ فَرَسٌ أَلْمَظُ إِذَا كَانَ بِجَحْفَلَتِهِ بَيَاضٌ يَسِيرٌ، وَالْجَحْفَلَةُ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الْحَاءِ بِمَنْزِلَةِ الشَّفَةِ لِلْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ، وَالْحَمِيرِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: اللَّهُمَّ زِدْنَا إِيمَانًا وَيَقِينًا وَفِقْهًا. وَصَحَّ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ إِنْصَافٌ مِنْ نَفْسِهِ، وَالْإِنْفَاقُ مِنَ الْإِقْتَارِ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ. وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا: تَعَلَّمْنَا الْإِيمَانَ، ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا إِيمَانًا. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالْآثَارُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا، رَوَاهَا الْمُصَنِّفُونَ فِي هَذَا الْبَابِ لِآثَارِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ مِنْ كُتُبٍ كَثِيرَةٍ. وَالزِّيَادَةُ قَدْ نَطَقَ بِهَا الْقُرْآنُ فِي عِدَّةِ آيَاتٍ كَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا أَمْرٌ يَجِدُهُ الْمُؤْمِنُ إِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ ازْدَادَ قَلْبُهُ بِفَهْمِ الْقُرْآنِ وَمَعْرِفَةِ مَعَانِيهِ مِنْ عِلْمِ الْإِيمَانِ، مَا لَمْ يَكُنْ حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ الْآيَةَ إِلَّا حِينَئِذٍ وَيَحْصُلُ فِي قَلْبِهِ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي الْخَيْرِ، وَالرَّهْبَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا لَمْ يَكُنْ، فَيَزْدَادُ عِلْمُهُ بِاللَّهِ وَمَحَبَّتُهُ لِطَاعَتِهِ، وَهَذَا زِيَادَةُ الْإِيمَانِ وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فَهَذِهِ الزِّيَادَةُ عِنْدَ تَخْوِيفِهِمْ بِالْعَدُوِّ لَمْ تَكُنْ عِنْدَ آيَةٍ نَزَلَتْ فَازْدَادُوا يَقِينًا وَتَوَكُّلًا عَلَى اللَّهِ، وَثَبَاتًا عَلَى الْجِهَادِ، وَتَوْحِيدًا بِأَنْ لَا يَخَافُوا الْمَخْلُوقَ بَلْ يَخَافُونَ اللَّهَ الْخَالِقَ وَحْدَهُ، وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤] وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ التَّصْدِيقِ بِأَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَهَا، بَلْ زَادَتْهُمْ بِحَسَبِ مُقْتَضَاهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَمْرًا بِالْجِهَادِ

стр. 413

، أَوْ غَيْرِهِ ازْدَادُوا رَغْبَةً فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ نَهْيًا عَنْ شَيْءٍ انْتَهَوْا عَنْهُ فَكَرِهُوهُ ; وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤] ، وَالِاسْتِبْشَارُ غَيْرُ مُجَرَّدِ التَّصْدِيقِ. وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] الْآيَةَ. وَهَذِهِ نَزَلَتْ لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَصْحَابُهُ فَجَعَلَ السَّكِينَةَ مُوجِبَةً لِزِيَادَةِ الْإِيمَانِ، وَالسَّكِينَةُ هِيَ طُمَأْنِينَةٌ فِي الْقَلْبِ، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١] هُدَاهُ لِقَلْبِهِ زِيَادَةٌ فِي إِيمَانِهِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] وَقَالَ: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] . [أوجه زيادة الإيمان] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: زِيَادَةُ الْإِيمَانِ الَّذِي أَمَرَ اللَّه بِهِ، وَالَّذِي يَكُونُ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا الْإِجْمَالُ، وَالتَّفْصِيلُ فِيمَا أُمِرُوا بِهِ، فَإِنَّهُ وَجَبَ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَوَجَبَ عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ الْتِزَامُ مَا يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُهُمْ مُجْمَلًا، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مَا وَجَبَ بَعْدَ نُزُولِ الْقُرْآنِ كُلِّهِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنَ الْإِيمَانِ الْمُفَصَّلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ مَا يَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ خَبَرُهُ، فَمَنْ عَرَفَ الْقُرْآنَ، وَالسُّنَنَ وَمَعَانِيَهَا لَزِمَهُ مِنَ الْإِيمَانِ الْمُفَصَّلِ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَلْزَمْ غَيْرَهُ، وَلَوْ آمَنَ الرَّجُلُ بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ شَرَائِعَ الدِّينِ مَاتَ مُؤْمِنًا بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَلَيْسَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَلَا مَا وَقَعَ مِنْهُ مِثْلَ إِيمَانِ مَنْ عَرَفَ الشَّرَائِعَ، فَآمَنَ بِهَا وَعَمِلَ بِهَا بَلْ إِيمَانُ هَذَا أَكْمَلُ وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] أَيْ فِي التَّشْرِيعِ بِالْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ لَا أَنَّ كَلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْأُمَّةِ وَجَبَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَى سَائِرِ الْأُمَّةِ، وَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ بَلِ النَّاسُ مُتَفَاضِلُونَ فِي الْإِيمَانِ أَعْظَمَ تَفَاضُلٍ. الثَّانِي: الْإِجْمَالُ، وَالتَّفْصِيلُ فِي مَا وَقَعَ مِنْهُمْ، فَمَنْ طَلَبَ عِلْمَ التَّفْصِيلِ وَعَمِلَ بِهِ، فَإِيمَانُهُ أَكْمَلُ مِمَّنْ عَرَفَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ، وَالْتَزَمَهُ وَأَقَرَّ بِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَهَذَا الْمُقِرُّ الْمُقَصِّرُ فِي الْعَمَلِ إِنِ اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ وَكَانَ خَائِفًا مِنْ عُقُوبَةِ رَبِّهِ عَلَى تَرْكِ الْعَمَلِ أَكْمَلُ إِيمَانًا مِمَّنْ لَمْ يَطْلُبْ مَعْرِفَةَ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولِ

стр. 414

وَلَا عَمِلَ بِذَلِكَ وَلَا هُوَ خَائِفٌ أَنْ يُعَاقَبَ، بَلْ هُوَ فِي غَفْلَةٍ عَنْ تَفْصِيلِ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مَعَ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِنُبُوَّتِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، فَكُلُّ مَا عَمِلَ الْقَلْبُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ فَصَدَّقَهُ، وَمَا أَمَرَ بِهِ فَالْتَزَمَهُ كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي إِيمَانِهِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ إِقْرَارٌ عَامٌّ، وَالْتِزَامٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَرِفَ أَسْمَاءَ اللَّهِ - تَعَالَى - وَصِفَاتِهِ وَآيَاتِهِ كَانَ إِيمَانُهُ أَكْمَلَ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْعِلْمَ وَالتَّصْدِيقَ يَكُونُ بَعْضُهُ أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتُ، وَأَبْعَدُ عَنِ الشَّكِّ، وَالرَّيْبِ وَهَذَا أَمْرٌ يَشْهَدُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ نَفْسِهِ، كَمَا أَنَّ الْحِسَّ الظَّاهِرَ بِالشَّيْءِ الْوَاحِدِ مِثْلُ رُؤْيَةِ النَّاسِ لِلْهِلَالِ، وَإِنِ اشْتَرَكُوا فِيهَا فَبَعْضُهُمْ تَكُونُ رُؤْيَتُهُ أَتَمَّ مِنْ بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ سَمَاعُ الصَّوْتِ وَشَمُّ الرَّائِحَةِ الْوَاحِدَةِ وَذَوْقُ النَّوْعِ الْوَاحِدِ مِنَ الطَّعَامِ، فَكَذَلِكَ مَعْرِفَةُ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقُهُ يَتَفَاضَلُ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ لِلْمَعَانِي الَّتِي يُؤْمِنُ بِهَا مِنْ مَعَانِي أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَكَلَامِهِ، وَيَتَفَاضَلُ النَّاسُ فِي مَعْرِفَتِهَا أَعْظَمَ مِنْ تَفَاضُلِهِمْ فِي مَعْرِفَةِ غَيْرِهَا. الرَّابِعُ: أَنَّ التَّصْدِيقَ الْمُسْتَلْزِمَ لِعَمَلِ الْقَلْبِ أَكْمَلُ مِنَ التَّصْدِيقِ الَّذِي لَا يَسْتَلْزِمُ عَمَلَهُ، فَالْعِلْمُ الَّذِي يَعْمَلُ بِهِ صَاحِبُهُ أَكْمَلُ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِهِ، وَإِذَا كَانَ شَخْصَانِ يَعْلَمَانِ أَنَّ اللَّهَ حُقٌّ، وَالرَّسُولَ حُقٌّ، وَالْجَنَّةَ حُقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ، وَهَذَا عَمَلُهُ أَوْجَبَ لَهُ مَحَبَّةَ اللَّهِ وَخَشْيَتَهُ، وَالرَّغْبَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَالْهَرَبَ مِنَ النَّارِ، وَالْآخِرُ عِلْمُهُ لَمْ يُوجِبْ لَهُ ذَلِكَ، فَعِلْمُ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ، فَإِنَّ قُوَّةَ الْمُسَبِّبِ تَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ السَّبَبِ، وَقَدْ نَشَأَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ عَنِ الْعِلْمِ، فَالْعِلْمُ بِالْمَحْبُوبِ يَسْتَلْزِمُ طَلَبَهُ، وَالْعِلْمُ بِالْمَخُوفِ يَسْتَلْزِمُ الْهَرَبَ مِنْهُ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلِ اللَّازِمُ دَلَّ عَلَى ضَعْفِ الْمَلْزُومِ ; وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ " فَإِنَّ مُوسَى ﵇ لَمَّا أَخْبَرَهُ رَبُّهُ أَنَّ قَوْمَهُ عَبَدُوا الْعِجْلَ لَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ فَلَمَّا رَآهُمْ قَدْ عَبَدُوا أَلْقَاهَا» ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِشَكِّ مُوسَى فِي خَبَرِ

стр. 415

اللَّهِ، لَكِنَّ الْمُخْبِرَ وَإِنْ جَزَمَ بِصِدْقِ الْمُخْبَرِ فَقَدْ لَا يَتَصَوَّرُ الْمُخْبَرُ بِهِ فِي نَفْسِهِ كَمَا يَتَصَوَّرُهُ إِذَا عَايَنَهُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ قَلْبُهُ مَشْغُولًا عَنْ تَصَوُّرِ الْمُخْبَرِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مُصَدِّقًا بِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ عِنْدَ الْمُعَايَنَةِ يَحْصُلُ لَهُ مِنْ تَصَوُّرِ الْمُخْبَرِ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْخَبَرِ فَهَذَا التَّصْدِيقُ أَكْمَلُ مِنْ ذَلِكَ التَّصْدِيقِ. الْخَامِسُ: أَنَّ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ مِثْلُ مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَشْيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَرَجَائِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، هِيَ كُلُّهَا مِنَ الْإِيمَانِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ وَاتِّفَاقُ السَّلَفِ، وَهَذَا يَتَفَاضَلُ النَّاسُ فِيهِ تُفَاضُلًا ظَاهِرًا. السَّادِسُ: الْأَعْمَالُ الظَّاهِرَةُ مَعَ الْبَاطِنَةِ هِيَ أَيْضًا مِنَ الْإِيمَانِ، وَالنَّاسُ يَتَفَاضَلُونَ بِهَا. السَّابِعُ: ذِكْرُ الْإِنْسَانِ بِقَلْبِهِ مَا أُمِرَ بِهِ وَاسْتِحْضَارُهُ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ غَافِلًا عَنْهُ أَكْمَلَ مِمَّنْ صَدَّقَ بِهِ وَغَفَلَ عَنْهُ، فَإِنَّ الْغَفْلَةَ تُنْقِصُهُ، وَكَمَالُ الْعِلْمِ وَالتَّصْدِيقُ وَالذِّكْرُ وَالِاسْتِحْضَارُ يُكْمِلُ الْعِلْمَ وَالْيَقِينَ ; وَلِهَذَا قَالَ عُمَيْرُ بْنُ حَبِيبٍ ﵁: إِذَا ذَكَرْنَا اللَّهَ وَحَمِدْنَاهُ وَسَبَّحْنَاهُ فَتِلْكَ زِيَادَتُهُ، وَإِذَا غَفَلْنَا وَنَسِينَا وَضَيَّعْنَا فَتِلْكَ نُقْصَانُهُ. الثَّامِنُ: قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُكَذِّبًا وَمُنْكِرًا لِأُمُورٍ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الرَّسُولَ أَخْبَرَ بِهَا وَأَمَرَ بِهَا، وَلَوْ عَلِمَ ذَلِكَ لَمْ يُكَذِّبْ وَلَمْ يُنْكِرْ بَلْ قَلْبُهُ جَازِمٌ بِأَنَّهُ لَا يُخْبِرُ إِلَّا بِصِدْقٍ، وَلَا يَأْمُرُ إِلَّا بِحَقٍّ، ثُمَّ يَسْمَعُ الْآيَةَ، وَالْحَدِيثَ، أَوْ يَتَدَبَّرُ ذَلِكَ، أَوْ يُفَسَّرُ لَهُ مَعْنَاهُ، أَوْ يَظْهَرُ لَهُ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ فَيُصَدِّقُ بِمَا كَانَ مُكَذِّبًا بِهِ، وَيَعْرِفُ مَا كَانَ مُنْكِرًا لَهُ، وَهَذَا تَصْدِيقٌ جَدِيدٌ وَإِيمَانٌ جَدِيدٌ ازْدَادَ بِهِ إِيمَانُهُ وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ كَافِرًا بَلْ جَاهِلًا، وَهَذَا وَإِنْ أَشْبَهَ الْمُجْمَلَ وَالْمُفَصَّلَ لَكِنَّ صَاحِبَ الْمُجْمَلِ قَدْ يَكُونُ قَلْبُهُ سَلِيمًا عَنْ تَكْذِيبِ وَتَصْدِيقِ شَيْءٍ مِنَ

стр. 416

التَّفَاصِيلِ وَعَنْ مَعْرِفَةِ وَإِنْكَارِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَيَأْتِيهِ التَّفْصِيلُ بَعْدَ الْإِجْمَالِ عَلَى قَلْبٍ سَاذَجٍ، وَأَمَّا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ بَلْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَالْعِبَادَةِ فَيَقُومُ بِقُلُوبِهِمْ مِنَ التَّفْصِيلِ أُمُورٌ كَثِيرَةٌ تُخَالِفُ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهَا تُخَالِفُ، فَإِذَا عَرَفُوا رَجَعُوا، وَكُلُّ مَنِ ابْتَدَعَ فِي الدِّينِ قَوْلًا أَخْطَأَ فِيهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالرَّسُولِ، أَوْ عَمِلَ عَمَلًا أَخَطَأَ فِيهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالرَّسُولِ، لَوْ عَرَفَ مَا قَالَهُ وَآمَنَ بِهِ لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَكُلُّ مُبْتَدِعٍ قَصْدُهُ مُتَابَعَةُ الرَّسُولِ فَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَمَنْ عَلِمَ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَعَمِلَ بِهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ أَخْطَأَ ذَلِكَ، وَمِنْ عَلِمَ الصَّوَابَ بَعْدَ الْخَطَأِ وَعَمِلَ بِهِ فَهُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ. [مذهب السلف الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ] إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَجُلَّ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَلَا عَمَلَ إِلَّا بِنِيَّةٍ، قَالَ: وَالْإِيمَانُ عِنْدَهُمْ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ، وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَالطَّاعَاتُ كُلُّهَا عِنْدَهُمْ إِيمَانٌ إِلَّا مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الطَّاعَاتِ لَا تُسَمَّى إِيمَانًا، قَالُوا: إِنَّمَا الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ، وَالْإِقْرَارُ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ الْمَعْرِفَةَ - وَذَكَرَ مَا احْتَجُّوا بِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَأَمَّا سَائِرُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالْآثَارِ بِالْحِجَازِ، وَالْعِرَاقِ، وَالشَّامِ وَمِصْرَ، مِنْهُمْ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ، وَالطَّبَرِيُّ، وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ قَالُوا: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ، وَاعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ، وَعَمَلٌ بِالْجَوَارِحِ مَعَ الْإِخْلَاصِ بِالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ، وَقَالُوا: كُلُّ مَا يُطَاعُ اللَّهُ بِهِ مِنْ فَرِيضَةٍ وَنَافِلَةٍ فَهُوَ مِنَ الْإِيمَانِ، قَالُوا: وَالْإِيمَانُ يَزِيدُ بِالطَّاعَاتِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعَاصِي، قَالَ، وَأَهْلُ الذُّنُوبِ عِنْدَهُمْ مُؤْمِنُونَ غَيْرُ مُسْتَكْمِلِي الْإِيمَانِ مِنْ أَجْلِ ذُنُوبِهِمْ، وَإِنَّمَا صَارُوا نَاقِصِي الْإِيمَانِ بِارْتِكَابِهِمُ الْكَبَائِرَ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ ﷺ " «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» " الْحَدِيثَ، يُرِيدُ مُسْتَكْمِلَ الْإِيمَانِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ جَمِيعِ الْإِيمَانِ عَنْ فَاعِلِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَوْرِيثِ الزَّانِي وَالسَّارِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ إِذَا صَلَّوْا إِلَى الْقِبْلَةِ

стр. 417

وَانْتَحَلُوا دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَرَابَاتِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَيْسُوا بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ، ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصُ بِالْمَعْصِيَةِ - جَمَاعَةُ أَهْلِ الْآثَارِ وَالْفُقَهَاءُ أَهْلِ الْفُتْيَا فِي الْأَمْصَارِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ. ثُمَّ رَدَّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَعَلَى الْخَوَارِجِ وَعَلَى الْمُعْتَزِلَةِ بِالْمُوَارِثَةِ، وَبِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ " مَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ " وَقَالَ: الْإِيمَانُ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، فَلَيْسَ نَاقِصُ الْإِيمَانِ كَكَامِلِهِ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤] أَيْ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، وَمِنْهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ: " «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا» " وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يَكُونُ أَكْمَلَ حَتَّى يَكُونَ غَيْرُهُ أَنْقُصَ، وَقَوْلُهُ: " «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ» " وَقَوْلُهُ: " «لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ» لَهُ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْإِيمَانِ أَوْثَقُ وَأَكْمَلُ مِنْ بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ الطَّلَمَنْكِيُّ إِجْمَاعَ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ. قَالَ الْإِمَامُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: لَمَّا صَنَّفَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ مَنَاقِبَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ ذَكَرَ قَوْلَهُ فِي الْإِيمَانِ: إِنَّهُ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَقْدٌ بِالْجَنَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ - كَقَوْلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ لَقِيَهُ، اسْتَشْكَلَ الرَّازِيُّ قَوْلَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ جِدًّا ; لِأَنَّهُ كَانَ انْعَقَدَ فِي نَفْسِهِ شُبْهَةُ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي الْإِيمَانِ مِنَ الْخَوَارِجِ، وَالْمُعْتَزِلَةِ، والْجَهْمِيَّةِ، وَالْكَرَّامِيَّةِ وَسَائِرِ الْمُرْجِئَةِ وَهُوَ أَنَّ الشَّيْءَ الْمُرَكَّبَ إِذَا زَالَ بَعْضُ أَجْزَائِهِ لَزِمَ زَوَالُهُ كُلِّهِ، لَكِنْ هُوَ لَمْ يَذْكُرْ إِلَّا ظَاهِرَ شُبْهَتِهِمْ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَالْجَوَابُ عَمَّا ذَكَرَهُ سَهْلٌ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ لَهُ أَنَّ الْهَيْئَةَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ لَمْ تَبْقَ مُجْتَمِعَةً كَمَا كَانَتْ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ زَوَالِ بَعْضِهَا زَوَالُ سَائِرِ الْأَجْزَاءِ - يَعْنِي كَبَدَنِ الْإِنْسَانِ إِذَا ذَهَبَ مِنْهُ إِصْبَعٌ، أَوْ يَدٌ، أَوْ رَجُلٌ وَنَحْوُهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ كَوْنِهِ إِنْسَانًا بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنَّمَا يُقَالُ لَهُ إِنْسَانٌ نَاقِصٌ، وَالشَّافِعِيُّ مَعَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ السَّلَفِ يَقُولُونَ: إِنَّ الذَّنْبَ يَقْدَحُ فِي كَمَالِ الْإِيمَانِ ; وَلِهَذَا نَفَى الشَّارِعُ الْإِيمَانَ عَنْ هَؤُلَاءِ، يَعْنِي الزَّانِيَ وَالزَّانِيَةَ وَالسَّارِقَ وَشَارِبَ الْخَمْرِ

стр. 418

وَنَحْوَهُمْ، فَذَلِكَ الْمَجْمُوعُ الَّذِي هُوَ الْإِيمَانُ لَمْ يَبْقَ مَجْمُوعًا مَعَ الذُّنُوبِ، لَكِنْ يَقُولُونَ بَقِيَ بَعْضُهُ، إِمَّا أَصْلُهُ، وَإِمَّا أَكْثَرُهُ، وَإِمَّا غَيْرُ ذَلِكَ، فَيَعُودُ الْكَلَامُ إِلَى أَنَّهُ يَذْهَبُ بَعْضُهُ وَيَبْقَى بَعْضُهُ ; وَلِهَذَا كَانَتِ الْمُرْجِئَةُ تَنْفِرُ مِنْ لَفْظِ النَّقْصِ أَكْثَرَ مِنْ نُفُورِهَا مِنْ لَفْظِ الزِّيَادَةِ ; لِأَنَّهُ إِذَا نَقَصَ لَزِمَ ذَهَابُهُ كُلِّهِ عِنْدَهُمْ إِنْ كَانَ مُتَبَعِّضًا مُتَعَدِّدًا عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ، وَهُوَ الْخَوَارِجُ وَالْمُعْتَزِلَةُ، وَأَمَّا الْجَهْمِيَّةُ فَهُوَ وَاحِدٌ عِنْدَهُمْ لَا يَقْبَلُ التَّعَدُّدَ فَيُثْبِتُونَ وَاحِدًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ، كَمَا قَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ فِي وَحْدَانِيَّةِ الرَّبِّ وَوَحْدَانِيَّةِ صِفَاتِهِ عِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهَا مِنْهُمْ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّ الْأَصْلَ الَّذِي أَوْقَعَهُمْ فِي هَذَا اعْتِقَادُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ فِي الْإِنْسَانِ بَعْضُ الْإِيمَانِ وَبَعْضُ الْكُفْرِ، أَوْ مَا هُوَ إِيمَانٌ وَمَا هُوَ كُفْرٌ، وَاعْتَقَدُوا أَنَّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلِأَجْلِ اعْتِقَادِهِمْ هَذَا الْإِجْمَاعَ وَقَعُوا فِي مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ الْحَقِيقِيِّ إِجْمَاعِ السَّلَفِ الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بَلْ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ بِكُفْرِ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ جَهْمٍ فِي الْإِيمَانِ ; وَلِهَذَا نَظَائِرُ مُتَعَدِّدَةٌ يَقُولُ الْإِنْسَانُ قَوْلًا مُخَالِفًا لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ الْقَدِيمِ حَقِيقَةً، وَيَكُونُ مُعْتَقِدًا أَنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ، وَهَذَا إِذَا كَانَ مَبْلَغَ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فَاللَّهُ يُثِيبُهُ عَلَى مَا أَطَاعَ اللَّهَ فِيهِ مِنِ اجْتِهَادِهِ، وَيَغْفِرُ لَهُ مَا عَجَزَ عَنْ مَعْرِفَتِهِ مِنَ الصَّوَابِ الْبَاطِنِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَقَدْ قَالَ لِي بَعْضُهُمْ مَرَّةً: الْإِيمَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِيمَانٌ لَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ. فَقُلْتُ لَهُ: قَوْلُكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ كَقَوْلِكَ مِنْ حَيْثُ هُوَ إِنْسَانٌ وَمِنْ حَيْثُ هُوَ حَيَوَانٌ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ وُجُودٌ فَتُثْبِتُ لِهَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ وَجُودًا مُطْلَقًا مُجَرَّدًا عَنْ جَمِيعِ الْقُيُودِ، وَالصِّفَاتِ، وَهَذَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُقَدِّرُهُ الْإِنْسَانُ فِي ذِهْنِهِ كَمَا يُقَدِّرُ مَوْجُودًا لَا قَدِيمًا وَلَا حَادِثًا وَلَا قَائِمًا بِنَفْسِهِ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَالْمَاهِيَّاتُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ شَيْءٌ يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ لَا فِي الْأَعْيَانِ، وَهَكَذَا تَقْدِيرُ إِيمَانٍ لَا يَتَّصِفُ بِهِ مُؤْمِنٌ، بَلْ هُوَ مُجَرَّدٌ عَنْ كُلِّ قَيْدٍ بَلْ مَا ثَمَّ إِيمَانٌ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا مَا ثَمَّ إِنْسَانِيَّةٌ فِي الْخَارِجِ إِلَّا مَا اتَّصَفَ بِهَا الْإِنْسَانُ فَكُلُّ إِنْسَانٍ لَهُ إِنْسَانِيَّةٌ تَخُصُّهُ وَكُلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ إِيمَانٌ يَخُصُّهُ، فَإِنْسَانِيَّةُ زَيْدٍ تُشْبِهُ إِنْسَانِيَّةَ عَمْرٍو، وَلَيْسَتْ هِيَ هِيَ، وَالِاشْتِرَاكُ إِنَّمَا هُوَ فِي أَمْرٍ كُلِّيٍّ مُطْلَقٍ يَكُونُ

стр. 419

فِي الذِّهْنِ وَلَا وُجُودَ لَهُ فِي الْخَارِجِ إِلَّا فِي ضِمْنِ أَفْرَادِهِ، فَإِذَا قِيلَ إِيمَانُ زَيْدٍ مِثْلُ إِيمَانِ عَمْرٍو، فَإِيمَانُ كُلِّ وَاحِدٍ يَخُصُّهُ مُعَيَّنٌ، وَذَلِكَ الْإِيمَانُ يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ، وَالنُّقْصَانَ، وَمَنْ نَفَى التَّفَاضُلَ إِنَّمَا يَتَصَوَّرُ فِي نَفْسِهِ إِيمَانًا مُطْلَقًا كَمَا يَتَصَوَّرُ إِنْسَانًا مُطْلَقًا وَوُجُودًا مُطْلَقًا عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ الْمُعَيَّنَةِ لَهُ، ثُمَّ يَظُنُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْإِيمَانُ الْمَوْجُودُ فِي النَّاسِ، وَذَلِكَ لَا يَقْبَلُ التَّفَاضُلَ بَلْ لَا يَقْبَلُ فِي نَفْسِهِ التَّعَدُّدَ إِذْ هُوَ تَصَوُّرٌ مُعَيَّنٌ قَائِمٌ فِي نَفْسِ مُتَصَوِّرِهِ ; وَلِهَذَا يَظُنُّ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ أَنَّ الْأُمُورَ الْمُشْتَرِكَةَ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ هِيَ وَاحِدَةٌ فِي الشَّخْصِ وَالْعَيْنِ حَتَّى انْتَهَى الْأَمْرُ بِطَائِفَةٍ مِنْ عُلَمَائِهِمْ عِلْمًا وَعِبَادَةً إِلَى أَنْ جَعَلُوا الْوُجُودَ كَذَلِكَ، فَتَصَوَّرُوا أَنَّ الْمَوْجُودَاتِ مُشْتَرِكَةً فِي مُسَمَّى الْوُجُودِ وَتَصَوَّرُوا هَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ فَظَنُّوهُ فِي الْخَارِجِ كَمَا هُوَ فِي أَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ ظَنُّوا أَنَّهُ اللَّهُ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - فَجُعِلُوا رَبَّ الْعَالَمِينَ هُوَ هَذَا الْوُجُودَ الَّذِي لَا يُوجَدُ قَطُّ إِلَّا فِي نَفْسِ مُتَصَوِّرِهِ، لَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ أَبَدًا. وَهَكَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ تَصَوَّرُوا أَعْدَادًا مُجَرَّدَةً، وَحَقَائِقَ مُجَرَّدَةً وَيُسَمُّونَهَا الْمُثُلَ الْأَفْلَاطُونِيَّةَ، وَزَمَانًا مُجَرَّدًا عَنِ الْحَرَكَةِ وَالْمُتَحَرِّكَ، وَبُعْدًا مُجَرَّدًا عَنِ الْأَجْسَامِ وَصِفَاتِهَا، ثُمَّ ظَنُّوا وُجُودَ ذَلِكَ فِي الْخَارِجِ، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمُ اشْتُبِهَ عَلَيْهِمْ مَا فِي الْأَذْهَانِ بِمَا فِي الْأَعْيَانِ، وَتَوَلَّدَ مِنْ هَذَا بِدَعٌ وَمَفَاسِدُ كَثِيرَةٌ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: ذَهَبَ السَّلَفُ إِلَى أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ أَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ، قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَالْأَظْهَرُ الْمُخْتَارُ أَنَّ التَّصْدِيقَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ بِكَثْرَةِ النَّظَرِ وَوُضُوحِ الْأَدِلَّةِ ; وَلِهَذَا كَانَ إِيمَانُ الصِّدِّيقِ أَقْوَى مِنْ إِيمَانِ غَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا تَعْتَرِيهِ الشُّبْهَةُ. وَقَالَ: وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَعْلَمُ أَنَّ مَا فِي قَلْبِهِ يَتَفَاضَلُ حَتَّى إِنَّهُ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ أَعْظَمَ يَقِينًا وَإِخْلَاصًا وَتَوَكُّلًا مِنْهُ فِي بَعْضِهَا، وَكَذَلِكَ فِي التَّصْدِيقِ وَالْمَعْرِفَةِ بِحَسَبِ ظُهُورِ الْبَرَاهِينِ وَكَثْرَتِهَا. وَمَا نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ - يَعْنِي أَنَّ الْإِيمَانَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ - صَرَّحَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ وَغَيْرِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ فِي عَصْرِهِمْ، وَكَذَا نَقَلَهُ أَبُو الْقَاسِمِ اللَّالَكَائِيُّ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنِ

стр. 420

الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَيُرْوَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْبُخَارِيِّ قَالَ: لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْأَمْصَارِ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَأَطْنَبَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَاللَّالَكَائِيُّ فِي نَقْلِ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ عَنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَكُلِّ مَنْ يَدُورُ عَلَيْهِمُ الْإِجْمَاعُ مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَحَكَاهُ فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَوَكِيعٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي مَنَاقِبِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ: ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَنَا الرَّبِيعُ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ ﵁ يَقُولُ: الْإِيمَانُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ الشَّافِعِيِّ مِنَ الْحِلْيَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ الرَّبِيعِ، وَزَادَ: يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَنْقُصَ بِالْمَعْصِيَةِ وَتَلَا ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] الْآيَةَ. انْتَهَى. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «الْإِيمَانُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ» " وَأَخْرَجَهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا أَيْضًا. وَالْآثَارُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْمُعْتَبَرِينَ، وَأَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَأَعْلَامِ عُلَمَاءِ الصُّوفِيَّةِ - أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ بِأَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ بِاللِّسَانِ وَعَقْدٌ بِالْجَنَانِ وَعَمَلٌ بِالْأَرْكَانِ يَزِيدُ بِالطَّاعَةِ وَيَضْعُفُ بِالْعِصْيَانِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا لَعَلَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ. [تنبيهات] [التنبيه الأول تعريفات بعض الفرق للإيمان] تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: قَالَ جُمْهُورُ الْأَشَاعِرَةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ: الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبِكُلِّ مَا عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَيِ الْإِذْعَانُ، وَالْقَبُولُ مَعَ الرِّضَا، وَالتَّسْلِيمُ وَطُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ لِذَلِكَ؛ تَفْصِيلًا فِيمَا عُلِمَ تَفْصِيلًا، وَإِجْمَالًا فِيمَا عُلِمَ إِجْمَالًا، قَالُوا: وَلَا يَنْحَطُّ الْإِيمَانُ الْإِجْمَالِيُّ عَنِ التَّفْصِيلِيِّ مِنْ حَيْثُ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْلِيفِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ التَّفْصِيلِيُّ أَكْمَلَ مِنَ الْإِجْمَالِيِّ، وَهَذَا قَالَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْأَشَاعِرَةِ، وَإِلَّا فَقَدَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ فِي التَّمْهِيدِ: الْإِيمَانُ هُوَ التَّصْدِيقُ بِاللَّهِ وَهُوَ الْعِلْمُ، وَالتَّصْدِيقُ يُوجَدُ بِالْقَلْبِ، قَالَ: فَإِنْ قِيلَ فَمَا الدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْتُمْ؟ قُلْنَا: إِجْمَاعُ أَهْلِ اللُّغَةِ

стр. 421

قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْقُرْآنِ وَبَعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ هُوَ التَّصْدِيقُ لَا يَعْرِفُونَ فِي اللُّغَةِ إِيمَانًا غَيْرَ ذَلِكَ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أَيْ بِمُصَدِّقٍ لَنَا، فَوَجَبَ أَنَّ الْإِيمَانَ فِي الشَّرِيعَةِ هُوَ الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ مَا غَيَّرَ اللِّسَانَ وَلَا قَلَبَهُ. وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ نُوقِشَ فِيمَا قَالَهُ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَهَذَا حَقِيقَةً قَوْلُ جَهْمٍ فِي مَسْأَلَةِ الْإِيمَانِ، وَقَدْ نَصَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ هَذَا الْقَوْلَ مَعَ أَنَّهُ نَصَرَ الْمَشْهُورَ عَنِ السَّلَفِ، مَعَ أَنَّهُ يَسْتَثْنِي فِي الْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ مَشَى عَلَى هَذَا أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ، وَأَمَّا أَبُو الْعَبَّاسِ الْقَلَانِسِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الثَّقَفِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مُجَاهِدٍ شَيْخُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ صَاحِبُ أَبِي الْحَسَنِ، فَإِنَّهُمْ نَصَرُوا مَذْهَبَ السَّلَفِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ كِلَابٍ نَفْسُهُ وَهُوَ مُتَأَخِّرٌ فِي زَمَنِ مِحْنَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَجَلِيُّ وَنَحْوُهُمَا كَانُوا يَقُولُونَ هُوَ التَّصْدِيقُ وَالْقَوْلُ جَمِيعًا مُوَافَقَةً لِمَنْ قَالَهُ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفِيِّينَ، كَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى ابْنِ كِلَابٍ وَمَنْ وَافَقَهُ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ وَعُلَمَاءُ الْبِدْعَةِ جَمِيعًا وَبَدَّعُوهُ، فَكَيْفَ بِمَنْ قَالَ بِالتَّصْدِيقِ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِلِسَانِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيمَانِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي خِطَابِ اللَّهِ لِعِبَادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ الْمُرْجِئَةِ التَّصْدِيقُ وَالْقَوْلُ، وَعِنْدَ الْجَهْمِيَّةِ مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ، وَعِنْدَ الْكَرَّامِيَّةِ أَنَّهُ مُجَرَّدُ قَوْلِ اللِّسَانِ فَقَطْ، وَهُمْ يَقُولُونَ: الْمُنَافِقُ مُؤْمِنٌ وَهُوَ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ ; لِأَنَّهُ آمَنَ ظَاهِرًا لَا بَاطِنًا، وَإِنَّمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ آمَنَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى شُمُولِ الْإِيمَانِ لَهُ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْأَحْكَامِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمُعَلَّقَةِ بِاسْمِ الْإِيمَانِ. وَهَذَا الْقَوْلُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقْبَحِ الْبِدَعِ وَأَفْظَعِهَا وَلَمْ يَسْبِقْهُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ، فَقَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ أَبْطَلُ مِنْهُ وَأَبْعَدُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِاللُّغَةِ، وَالْقُرْآنِ، وَالْعَقْلِ، وَالْكَرَّامِيَّةُ تُوَافِقُ الْمُرْجِئَةَ والْجَهْمِيَّةَ فِي أَنَّ إِيمَانَ النَّاسِ كُلِّهِمْ سَوَاءٌ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فِي الْإِيمَانِ بَلْ يَقُولُونَ هُوَ مُؤْمِنٌ حَقًّا لِمَنْ أَظْهَرَ الْإِيمَانَ، وَإِذَا كَانَ مُنَافِقًا فَهُوَ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ عِنْدَهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ آمَنَ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَمَنْ حَكَى عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ الْمُنَافِقُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَقُولُونَ: الْمُنَافِقُ مُؤْمِنٌ ; لِأَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْقَوْلُ الظَّاهِرُ عِنْدَهُمْ كَمَا يُسَمِّيهِ

стр. 422

غَيْرُهُمْ مُسْلِمًا إِذِ الْإِسْلَامُ هُوَ الِاسْتِسْلَامُ الظَّاهِرُ كَمَا حَكَاهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ الْجَهْمِيَّةِ أَفْسَدُ مِنْ قَوْلِهِمْ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ شَرْعًا وَلُغَةً وَعَقْلًا، وَإِذَا قِيلَ قَوْلُ الْكَرَّامِيَّةِ قَوْلٌ خَارِجٌ عَنْ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، قِيلَ لَهُ بَلِ السَّلَفُ كَفَّرُوا مَنْ يَقُولُ بِقَوْلِ جَهْمٍ فِي الْإِيمَانِ، وَقَدِ احْتَجَّ النَّاسُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْكَرَّامِيَّةِ بِحُجَجٍ صَحِيحَةٍ، وَالْحُجَجُ مِنْ جِنْسِهَا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ الْجَهْمِيَّةِ أَكْثَرُ، فَفِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مِنْ نَفْيِ الْإِيمَانِ عَمَّنْ لَمْ يَأْتِ بِالْعَمَلِ مَوَاضِعُ كَثِيرَةٌ، كَمَا فِيهَا مِنْ نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. وَأَمَّا الْإِيمَانُ بِقَلْبِهِ مَعَ الْمُعَادَاةِ الْمُخَالَفَةِ الظَّاهِرَةِ فَهَذَا لَمْ يُسَمَّ قَطُّ مُؤْمِنًا، وَعِنْدَ الْجَهْمِيَّةِ إِذَا كَانَ الْعِلْمُ فِي قَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ كَامِلُ الْإِيمَانِ، إِيمَانُهُ كَإِيمَانِ الصِّدِّيقِينَ، وَلَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ الْإِيمَانُ إِلَّا إِذَا زَالَ ذَلِكَ الْعِلْمُ مِنْ قَلْبِهِ، وَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ الْمُتَكَلِّمُونَ مِنْهُمْ، وَالْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ إِنَّ الْأَعْمَالَ قَدْ تُسَمَّى إِيمَانًا مَجَازًا ; لِأَنَّ الْعَمَلَ ثَمَرَةُ الْإِيمَانِ وَمُقْتَضَاهُ ; وَلِأَنَّهَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَيَقُولُونَ: قَوْلُهُ ﷺ : " «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» " - مَجَازٌ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي كِتَابِهِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ: الْمُرْجِئَةُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْإِيمَانُ مُجَرَّدُ مَا فِي الْقَلْبِ، ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُدْخِلُ فِيهِ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ وَهُمْ أَكْثَرُ فِرَقِ الْمُرْجِئَةِ كَمَا ذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ أَقْوَالَهُمْ فِي كِتَابِهِ وَذَكَرَ فِرَقًا كَثِيرَةً يَطُولُ ذِكْرُهُمْ لَكِنْ ذَكَرْنَا جُمَلَ أَقْوَالِهِمْ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُدْخِلُهَا كَالْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَمَنِ اتَّبَعَهُ كَالصُّنَايِجِيِّ وَهَذَا الَّذِي نَصَرَهُ هُوَ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ. الثَّانِي: مَنْ يَقُولُ مُجَرَّدُ قَوْلِ اللِّسَانِ وَهَذَا لَا يُعْرَفُ لِأَحَدٍ قَبْلَ الْكَرَّامِيَّةِ. الثَّالِثُ: تَصْدِيقُ الْقَلْبِ وَقَوْلُ اللِّسَانِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَهْلِ الْفِقْهِ، وَالْعِبَادَةِ مِنْهُمْ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَؤُلَاءِ غَلِطُوا مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: ظَنُّهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مُتَمَاثِلٌ فِي حَقِّ الْعِبَادِ، وَأَنَّ مَا وَجَبَ عَلَى شَخْصٍ يَجِبُ مِثْلُهُ عَلَى كُلِّ شَخْصٍ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ وَيَتَفَاضَلُ أَشَدَّ تَفَاوُتٍ وَتَفَاضُلٍ؛ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ فِيمَا مَرَّ، فَالْإِيمَانُ الْوَاجِبُ مُتَنَوِّعٌ وَلَيْسَ شَيْئًا وَاحِدًا فِي حَقِّ جَمِيعِ النَّاسِ. الثَّانِي: مِنْ غَلَطِ الْمُرْجِئَةِ ظَنُّهُمْ أَنَّ مَا فِي الْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ

стр. 423

لَيْسَ إِلَّا التَّصْدِيقُ فَقَطْ دُونَ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ جَهْمِيَّةِ الْمُرْجِئَةِ. الثَّالِثُ: ظَنُّهُمْ أَنَّ الْإِيمَانَ الَّذِي فِي الْقَلْبِ يَكُونُ تَامًّا بِدُونِ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ ; وَلِهَذَا يَجْعَلُونَ الْأَعْمَالَ ثَمَرَةَ الْإِيمَانِ وَمُقْتَضَاهُ بِمَنْزِلَةِ السَّبَبِ مَعَ الْمُسَبِّبِ وَلَا يَجْعَلُونَهَا لَازِمَةً لَهُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْإِيمَانَ التَّامَّ يَسْتَلْزِمُ الْعَمَلَ الظَّاهِرَ بِحَسَبِهِ لَا مَحَالَةَ، وَيَمْتَنِعُ أَنْ يَقُومَ بِالْقَلْبِ إِيمَانٌ تَامٌّ بِدُونِ عَمَلٍ ظَاهِرٍ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَلِهَذَا صَارُوا يُقَدِّرُونَ مَسَائِلَ يُمْتَنَعُ وُقُوعُهَا لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الِارْتِبَاطِ الَّذِي بَيْنَ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ الْإِيمَانُ مِثْلُ مَا فِي قَلْبِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ وَهُوَ لَا يَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً وَلَا يَصُومُ رَمَضَانَ، وَيَزْنِي بِأُمِّهِ وَأُخْتِهِ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ نَهَارَ رَمَضَانَ، يَقُولُونَ هَذَا مُؤْمِنٌ تَمَامَ الْإِيمَانِ فَيَبْقَى سَائِرُ الْمُؤْمِنِينَ يُنْكِرُونَ ذَلِكَ غَايَةَ الْإِنْكَارِ، قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁: ثَنَا خَلَفُ بْنُ حَيَّانَ ثَنَا مَعْقِلُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَبْسِيُّ، قَالَ: قَدِمَ سَالِمٌ الْأَفْطَسُ بِالْإِرْجَاءِ فَنَفَرَ مِنْهُ أَصْحَابُنَا نُفُورًا شَدِيدًا، مِنْهُمْ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ، فَإِنَّهُ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَأْوِيَهُ وَإِيَّاهُ سَقْفُ بَيْتٍ إِلَّا الْمَسْجِدُ، قَالَ مَعْقِلٌ: فَحَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِي وَهُوَ يَقْرَأُ ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف: ١١٠] قُلْتُ: إِنَّ لَنَا حَاجَةً فَاخْلُ لَنَا. فَفَعَلَ فَأَخْبَرَهُ بِالْإِرْجَاءِ وَأَنَّ نَاسًا أَتَوْا بِهِ وَأَنَّ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ لَيْسَتَا مِنَ الدِّينِ، فَقَالَ: أَوَلَيْسَ اللَّهُ - تَعَالَى - يَقُولُ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] فَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ مِنَ الدِّينِ، وَذَكَرَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَزَعَمُوا أَنَّهُمُ انْتَحَلُوكَ؟ فَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ نَافِعٌ تَبَرَّأَ مِنْهُمْ، وَكَذَلِكَ الزُّهْرِيُّ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ قَدْ أَخَذَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْخُصُومَاتِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَزْنِي الزَّانِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» "، وَالْجَمِيعُ تَبَرَّءُوا مِنْهُمْ، وَقَالُوا: لَيْسَ إِيمَانُ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ كَإِيمَانِ مَنْ عَصَاهُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: الْمُرْجِئَةُ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ لَيْسَتَا مِنَ الْإِيمَانِ، وَأَمَّا مِنَ الدِّينِ فَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ: لَيْسَتَا مِنَ الدِّينِ وَلَا نُفَرِّقُ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالِدِّينِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هَذَا الْمَعْرُوفُ مِنْ أَقْوَالِهِمْ وَلَمْ أَرَ فِي كِتَابِ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ قَالَ:

стр. 424

إِنَّ الْأَعْمَالَ لَيْسَتْ مِنَ الدِّينِ، بَلْ يَقُولُونَ لَيْسَتْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَكَذَلِكَ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ عَمَّنْ نَاظَرَهُ مِنْهُمْ فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدٍ وَغَيْرَهُ يَحْتَجُّونَ بِأَنَّ الْأَعْمَالَ مِنَ الدِّينِ فَذَكَرَ قَوْلَهُ - تَعَالَى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: فَأَخْبَرَ - تَعَالَى - أَنَّهُ أَكْمَلَ الدِّينَ فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ فِي حِجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ كَانَ كَامِلًا قَبْلَ ذَلِكَ بِعِشْرِينَ سَنَةً مِنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ الْوَحْيُ بِمَكَّةَ حِينَ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِقْرَارِ. قَالَ: حَتَّى لَقَدِ اضْطُرَّ بَعْضُهُمْ حِينَ أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ إِلَى أَنْ قَالَ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ بِجَمِيعِ الدِّينِ، وَلَكِنَّ الدِّينَ ثَلَاثَةُ أَجْزَاءٍ فَالْإِيمَانُ جُزْءٌ، وَالْفَرَائِضُ جُزْءٌ، وَالنَّوَافِلُ جُزْءٌ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: هَذَا الَّذِي قَالَهُ هُوَ مَذْهَبُ الْقَوْمِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذَا غَيْرُ مَا نَطَقَ الْكِتَابُ أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ - وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ - وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ١٩ - ٣] فَأَخْبَرَ أَنَّ الْإِسْلَامَ هُوَ الدِّينُ بِرُمَّتِهِ وَهَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ ثُلْثُ الدِّينِ. وَسَيَأْتِي تَحْرِيرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -. وَلَمَّا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَكَذَا أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ قَدْ عَرَفُوا قَوْلَ الْمُرْجِئَةِ، وَهُوَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَا يَذْهَبُ بَعْضُهُ وَيَبْقَى بَعْضُهُ فَلَا يَكُونُ ذَا عَدَدٍ اثْنَيْنِ، أَوْ ثَلَاثَةً، فَإِنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ عَدَدٌ أَمْكَنَ ذَهَابُ بَعْضِهِ وَبَقَاءُ بَعْضِهِ بَلْ لَا يَكُونُ إِلَّا شَيْئًا وَاحِدًا، قَالَ لَهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ الْإِقْرَارُ فِيمَا يَقُولُ فِي الْمَعْرِفَةِ؟ هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ؟ وَهَلْ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا بِمَا عَرَفَ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَكُونَ مُقِرًّا وَمُصَدِّقًا بِمَا عَرَفَ، فَهُوَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، وَإِنْ جَحَدَ وَقَالَ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصْدِيقِ، فَقَدْ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا. قَالَ: وَلَا أَحْسَبُ أَحَدًا يَدْفَعُ الْمَعْرِفَةَ وَالتَّصْدِيقَ، وَكَذَلِكَ الْعَمَلُ مَعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ. انْتَهَى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: قَالَتِ الْجَهْمِيَّةُ: الْإِيمَانُ شَيْءٌ وَاحِدٌ فِي الْقَلْبِ، وَقَالَتِ الْكَرَّامِيَّةُ: هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ عَلَى اللِّسَانِ، كُلُّ ذَلِكَ فِرَارًا مِنْ تَبْعِيضِ الْإِيمَانِ وَتَعَدُّدِهِ فَاحْتَجَّ أَبُو ثَوْرٍ عَلَيْهِمْ بِمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْمُرْجِئَةِ مِنْ أَنَّهُ تَصْدِيقٌ وَعَمَلٌ، وَلَمْ يَكُنْ بَلَغَهُ قَوْلُ

стр. 425

مُتَكَلِّمِيهِمْ وَجَهْمِيَّتِهِمْ، أَوْ لَمْ يَعُدَّ خِلَافَهُمْ خِلَافًا ; وَلِهَذَا دَخَلَ فِي إِرْجَاءِ الْفُقَهَاءِ جَمَاعَةٌ هُمْ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ أَهْلُ عِلْمٍ وَدِينٍ، وَلَمْ يُكَفِّرْ أَحَدٌ مِنَ السَّلَفِ أَحَدًا مِنْ مُرْجِئَةِ الْفُقَهَاءِ بَلْ جَعَلُوا هَذَا مِنْ بِدَعِ الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ، لَا مِنْ بِدَعِ الْعَقَائِدِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النِّزَاعِ فِيهَا لَفْظِيٌّ، نَعَمْ، اللَّفْظُ الْمُطَابِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ هُوَ الصَّوَابُ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ بِخِلَافِهِ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ صَارَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى بِدَعِ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنْ أَهْلِ الْإِرْجَاءِ وَغَيْرِهِمْ إِلَى ظُهُورِ الْفُسُوقِ، فَصَارَ ذَلِكَ الْخَطَأُ الْيَسِيرُ فِي اللَّفْظِ سَبَبًا لِخَطَأٍ عَظِيمٍ فِي الْعَقَائِدِ، وَالْأَعْمَالِ. فَلِهَذَا أَعْظَمَ الْقَوْلَ فِي ذَمِّ الْإِرْجَاءِ حَتَّى قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: لَفِتْنَتُهُمْ - يَعْنِي الْمُرْجِئَةَ - أَخْوَفُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ فِتْنَةِ الْأَزَارِقَةِ. يَعْنِي الْخَوَارِجَ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: مَا ابْتُدِعَ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةٌ أَضَرُّ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ الْإِرْجَاءِ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: كَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَقَتَادَةُ يَقُولَانِ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْأَهْوَاءِ أَخْوَفَ عِنْدَهُمْ عَلَى الْأُمَّةِ مِنَ الْإِرْجَاءِ. وَقَالَ شَرِيكٌ الْقَاضِي: الْمُرْجِئَةُ أَخْبَثُ قَوْمٍ، حَسْبُكَ بِالرَّافِضَةِ خُبْثًا، وَلَكِنَّ الْمُرْجِئَةَ يَكْذِبُونَ عَلَى اللَّهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: تَرَكَتِ الْمُرْجِئَةُ الْإِسْلَامَ أَرَقَّ مِنْ ثَوْبٍ سَابِرِيٍّ. وَقَالَ وَكِيعٌ: الْمُرْجِئَةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ الْإِقْرَارُ يُجْزِي عَنِ الْعَمَلِ، وَمَنْ قَالَ هَذَا فَقَدَ هَلَكَ، وَمَنْ قَالَ: النِّيَّةُ تُجْزِي مِنَ الْعَمَلِ فَهُوَ كُفْرٌ، وَهُوَ قَوْلُ جَهْمٍ. وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: إِنَّهُ كُفْرٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِنَّمَا حَدَثَ الْإِرْجَاءُ بَعْدَ فِرْقَةِ ابْنِ الْأَشْعَثِ. وَقَالَ أَيُّوبُ السَّخْيِتَانِيُّ: أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْإِرْجَاءِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ يُقَالُ لَهُ الْحَسَنُ. وَقَالَ زَاذَانُ: مَرَّ بِنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ فَقُلْنَا مَا هَذَا الْكِتَابُ الَّذِي وَضَعْتَ؟ وَكَانَ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ كِتَابَ الْمُرْجِئَةِ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عُمَرَ لَوَدِدْتُ أَنِّي مُتُّ قَبْلَ أَنْ أُخْرِجَ هَذَا الْكِتَابَ، أَوْ أَضَعَ هَذَا الْكِتَابَ. فَإِنَّ الْخَطَأَ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ لَيْسَ كَالْخَطَأِ فِي اسْمٍ مُحْدَثٍ، وَلَا كَالْخَطَأِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَسْمَاءِ إِذَا كَانَتْ أَحْكَامُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مُتَعَلِّقَةً بِاسْمِ الْإِيمَانِ، وَالْإِسْلَامِ، وَالْكُفْرِ، وَالنِّفَاقِ. وَحَاصِلُ قَوْلِ غُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ أَنَّهُ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ.
следующие страницы →