Полный текст (921 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
، وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا وَقَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَا عَمَلٌ يُقَرِّبُ مِنَ النَّارِ إِلَّا وَقَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، فَلَا يَسْتَبْطِئَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ أَلْقَى فِي رُوعِي أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَسْتَكْمِلَ رِزْقَهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنِ اسْتَبْطَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ رِزْقَهُ، فَلَا يَطْلُبْهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ - تَعَالَى، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُنَالُ فَضْلُهُ بِمَعْصِيَتِهِ» ".
وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «هَذَا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ جِبْرِيلُ ﵇ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَا تَمُوتُ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا» ". رَوَاهُ الْبَزَّارُ. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: " إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ بِكَتْبِ رِزْقِهِ وَأَجَلِهِ وَعَمَلِهِ وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ» " الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ الْإِسْفَاطِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي حَدَّثَ عَنْكَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ؟ فَقَالَ ﷺ : " وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ حَدَّثْتُهُ بِهِ أَنَا " يَقُولُهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لِلْأَعْمَشِ كَمَا حَدَّثَ بِهِ، وَغَفَرَ اللَّهُ لِمَنْ حَدَّثَ بِهِ قَبْلَ الْأَعْمَشِ، وَلِمَنْ حَدَّثَ بِهِ بَعْدَهُ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مَنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «وَكَّلَ اللَّهُ بِالرَّحِمِ مَلَكًا يَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا، قَالَ: يَا رَبِّ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثًى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» ". وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ ﵁ يَبْلُغُ بِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «وَيَكْتُبُ عَمَلَهُ وَأَثَرَهُ وَأَجَلَهُ وَرِزْقَهُ، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحُفُ فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ» . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ «يَكْتُبُ عَلَى جَبْهَتِهِ، أَوْ بَطْنِ كَفِّهِ، أَوْ وَرَقَةٍ تُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ: «بَيْنَ عَيْنَيْهِ» . قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي شَرْحِ الْأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ: وَبِكُلِّ حَالٍ فَهَذِهِ الْكِتَابَةُ الَّتِي
стр. 352
تُكْتَبُ لِلْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ غَيْرُ كِتَابَةِ الْمَقَادِيرِ السَّابِقَةِ لِخَلْقِ الْخَلَائِقِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدَّرَ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» " كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ: فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَصِفَتَهُ حَلَالًا كَانَ أَوْ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا، وَيَكْتُبُ أَجَلَهُ طَوِيلًا أَوْ قَصِيرًا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْكَلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمُتَعَلِّقَاتِ ذَلِكَ]
[علة التكليف]
((الْبَابُ الثَّالِثُ
فِي الْأَحْكَامِ وَالْكَلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمُتَعَلِّقَاتِ ذَلِكَ))
اعْلَمْ - وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ لِمَرْضَاتِهِ - أَنَّ طُرُقَ النَّاسِ قَدِ اخْتَلَفَتْ فِي عِلَّةِ التَّكْلِيفِ وَحِكْمَتِهِ، مَعَ كَوْنِ اللَّهِ لَا يَنْتَفِعُ بِطَاعَةٍ، وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةٌ، فَسَلَكَتِ الْجَبْرِيَّةُ وَمَنْ وَافَقَهُمْ مَسْلَكَهُمُ الْمَعْرُوفَ، وَأَنَّ ذَلِكَ صَادِرٌ عَنْ مَحْضِ الْمَشِيئَةِ وَصَرْفِ الْإِرَادَةِ، وَأَنَّهُ لَا عِلَّةَ وَلَا حِكْمَةَ لَهُ وَلَا مَا يَحُثُّ عَلَيْهِ سِوَى مَحْضِ الْإِرَادَةِ، وَسَلَكَتِ الْقَدَرِيَّةُ مَسْلَكَهَا الْمَعْرُوفَ، وَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ اسْتِئْجَارٌ مِنْهُ لِعَبِيدِهِ لِيَنَالُوا أَجْرَهُمْ بِالْعَمَلِ، فَيَكُونَ الذَّنْبُ اقْتِضَاءَهُمُ الثَّوَابَ بِلَا عَمَلٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْدِيرِ الْمِنَّةِ، وَالْمَسْلَكَانِ فَاسِدَانِ كَمَا تَرَى، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ، وَحَسْبُكَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ الصَّرِيحُ وَالنَّقْلُ الصَّحِيحُ مِنْ بُطْلَانِ هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ وَفَسَادِهِمَا، وَلَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ هَذَيْنِ الْمَسْلَكَيْنِ إِلَّا مَسْلَكُ مَنْ هُوَ خَارِجٌ عَنِ الدِّيَانَاتِ، وَاتِّبَاعِ الرُّسُلِ مِمَّنْ يَرَى أَنَّ الشَّرَائِعَ وَضَعَتْ نَوَامِيسَ تَقُومُ عَلَيْهَا مَصْلَحَةُ النَّاسِ وَمَعَايِشُهُمْ، وَأَنَّ فَائِدَتَهَا تَكْمِيلُ قُوَّةِ النَّفْسِ الْعَمَلِيَّةِ وَارْتِيَاضُهَا ; لِتَخْرُجَ عَنْ شِبْهِ الْأَنْعَامِ فَتَصِيرَ مُسْتَعِدَّةً لِأَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِقَبُولِ الْفَلْسَفَةِ الْعُلْيَا وَالْحِكْمَةِ.
وَهَذَا مَسْلَكٌ خَارِجٌ عَنْ مَنَاهِجِ الْأَنْبِيَاءِ وَأُمَمِهِمْ. وَأَمَّا أَتْبَاعُ الرُّسُلِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْبَصَائِرِ، فَحِكْمَةُ اللَّهِ فِي تَكْلِيفِهِمْ مَا كَلَّفَهُمْ بِهِ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَخْطُرُ بِالْبَالِ، أَوْ أَعْرَبَ بِهِ الْمَقَالُ، فَيَشْهَدُونَ
стр. 353
لَهُ - سُبْحَانَهُ - فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ، وَالْأَسْرَارِ الْعَظِيمَةِ، أَكْثَرَ مِمَّا يَشْهَدُونَهُ فِي مَخْلُوقَاتِهِ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْأَسْرَارِ، وَالْحِكَمِ، وَيَعْلَمُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا نِسْبَةَ لِمَا أَطْلَعَهُمْ - سُبْحَانَهُ - عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَا طَوَى عِلْمَهُ عَنْهُمْ وَاسْتَأْثَرَ بِهِ دُونَهُمْ، وَأَنَّ حِكْمَتَهُ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ; لِأَنَّهُ - جَلَّ وَعَلَا - أَهْلٌ أَنْ يُعْبَدَ، وَإِلَى هَذَا الْمَقَامِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
[وجوب عبادة الله تعالى]
((وَوَاجِبٌ عَلَى الْعِبَادِ طُرًّا ... أَنْ يَعْبُدُوهُ طَاعَةً وَبِرًّا))
((وَيَفْعَلُوا الْفِعْلَ الَّذِي بِهِ أَمَرْ ... حَتْمًا وَيَتْرُكُوا الَّذِي عَنْهُ زَجَرْ))
((وَوَاجِبٌ عَلَى الْعِبَادِ طُرًّا))
أَيْ جَمِيعًا، وَفِي حَدِيثِ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيِّ: وَمُرَادًا لِمَحْشَرِ الْخَلْقِ طُرًّا. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ جَمِيعًا، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ أَوِ الْحَالِ ((أَنْ يَعْبُدُوهُ)) ((طَاعَةً)) أَيْ لِأَجْلِ الطَّاعَةِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ لِمَا نَدَبَ الْخَلْقَ مِنَ التَّكْلِيفِ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ((وَبِرًّا)) أَيْ لِأَجْلِ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ النَّاشِئِ عَنْهُمَا الْمَحَبَّةُ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْبِرُّ بِالْكَسْرِ الْإِحْسَانُ وَالتَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى -. فَهُوَ - سُبْحَانَهُ - أَهْلٌ أَنْ يُعْبَدَ، وَأَهْلٌ أَنْ يَكُونَ الْحُبُّ كُلُّهُ لَهُ، وَالْعِبَادَةُ لَهُ حَتَّى لَوْ لَمْ يَخْلُقْ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَلَا وَضَعَ ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا ; لَكَانَ - جَلَّ شَأْنُهُ - أَهْلًا أَنْ يُعْبَدَ أَقْصَى مَا تَنَالُهُ قُدْرَةُ خَلْقِهِ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ الْإِلَهِيَّةِ: " «لَوْ لَمْ أَخْلُقْ جَنَّةً وَلَا نَارًا أَلَمْ أَكُنْ أَهْلًا أَنْ أُعْبَدَ» " وَفِي الْفِطْرَةِ وَالْعَقْلِ مَا يَقْتَضِي شُكْرَهُ وَإِفْرَادَهُ بِالْعِبَادَةِ كَمَا فِيهَا مَا يَقْتَضِي تَنَاوُلَ الْمَنَافِعِ وَاجْتِنَابِ الْمَضَارِّ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - فَطَرَ خَلْقَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ، وَابْتِغَاءِ الْوَسِيلَةِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَحَبَّ إِلَى الْعِبَادِ مِنْهُ، وَإِنْ فَسَدَتْ فِطَرُ أَكْثَرِ الْخَلْقِ بِمَا طَرَأَ عَلَيْهَا بِمَا اقْتَطَعَهَا وَاجْتَالَهَا عَمَّا خَلَقَ فِيهَا، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] فَبَيَّنَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّ إِقَامَةَ الْوَجْهِ وَهُوَ إِخْلَاصُ الْقَصْدِ وَبَذْلُ الْوُسْعِ لِدِينِهِ الْمُتَضَمِّنُ مَحَبَّتَهُ وَعِبَادَتَهُ حَنِيفًا مُقْبِلًا عَلَيْهِ مُعْرِضًا عَمَّا سِوَاهُ - هُوَ فِطْرَتُهُ الَّتِي فَطَرَ عَلَيْهَا عِبَادَهُ، فَلَوْ خُلُّوا وَدَوَاعِيَ فِطَرِهِمْ لَمَا مَالُوا عَنْ ذَلِكَ وَلَا اخْتَارُوا سِوَاهُ، وَلَكِنْ غُيِّرَتِ الْفِطَرُ وَأُفْسِدَتْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ
стр. 354
الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا» " ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ اقْرَءُوا ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣١] وَ " مُنِيبِينَ " نُصِبَ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْمَفْعُولِ، أَيْ: فَطَرَهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، وَالْإِنَابَةُ إِلَيْهِ تَتَضَمَّنُ الْإِقْبَالَ عَلَيْهِ بِمَحَبَّتِهِ وَحْدَهُ وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا سِوَاهُ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ - بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي فِي مَقَامِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَا نَحَلْتُهُ عَبْدًا فَهُوَ لَهُ حَلَالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ فَأَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاسْتَجَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ» " فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ إِنَّمَا خَلَقَ عِبَادَهُ عَلَى الْحَنِيفِيَّةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِكَمَالِ حُبِّهِ، وَالْخُضُوعِ لَهُ، وَالذُّلِّ لَهُ، وَكَمَالِ طَاعَتِهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَهَذَا مِنَ الْحَقِّ الَّذِي خُلِقَتْ لَهُ، وَبِهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَعَلَيْهِ قَامَ الْعِلْمُ، وَلِأَجْلِهِ خُلِقَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَلِأَجْلِهِ أَرْسَلَ رُسُلَهُ، وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ، وَلِأَجْلِهِ أَهْلَكَ الْقُرُونَ الَّتِي خَرَجَتْ عَنْهُ وَآثَرَتْ غَيْرَهُ، فَكَوْنُهُ سُبْحَانَهُ أَهْلًا أَنْ يُعْبَدَ وَيُحَبَّ وَيُثْنَى عَلَيْهِ أَمْرٌ ثَابِتٌ لَهُ لِذَاتِهِ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ الْإِلَهُ الْحَقُّ الْمُبِينُ، وَالْإِلَهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُؤَلَّهَ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا وَخَشْيَةً وَخُضُوعًا وَتَذَلُّلًا وَعِبَادَةً، فَهُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ وَلَوْ لَمْ يَخْلُقْ خَلْقَهُ، وَهُوَ الْإِلَهُ الْحَقُّ وَلَوْ لَمْ يَعْبُدُوهُ، فَهُوَ الْمَعْبُودُ حَقًّا، الْإِلَهُ حَقًّا، الْمَحْمُودُ حَقًّا، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ خَلْقَهُ لَمْ يَعْبُدُوهُ وَلَمْ يَحْمَدُوهُ وَلَمْ يُؤَلِّهُوهُ؛ لَمْ يَسْتَحْدِثْ - تَعَالَى - بِخَلْقِهِ لَهُمْ وَلَا بِأَمْرِهِ إِيَّاهُمُ اسْتِحْقَاقَ الْإِلَهِيَّةِ وَالْحَمْدِ، بَلْ إِلَهِيَّتُهُ وَحَمْدُهُ وَمَجْدُهُ وَغِنَاهُ أَوْصَافٌ ذَاتِيَّةٌ لَهُ - سُبْحَانَهُ، يَسْتَحِيلُ مُفَارَقَتُهَا لَهُ كَحَيَاتِهِ وَوُجُودِهِ وَقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَسَائِرِ صِفَاتِ كَمَالِهِ.
وَقَدْ جَاءَتِ الرُّسُلُ وَأُنْزِلَتِ الْكُتُبُ بِتَقْرِيرِ مَا اسْتَوْدَعَ - سُبْحَانَهُ - فِي الْفِطَرِ وَالْعُقُولِ مِنْ ذَلِكَ، وَتَكْمِيلِهِ وَتَفْصِيلِهِ وَزِيَادَتِهِ حُسْنًا إِلَى حُسْنِهِ، فَاتَّفَقَتْ شَرِيعَتُهُ وَفِطْرَتُهُ وَتَطَابَقَا وَتَوَافَقَا، فَعَبَدَهُ عِبَادُهُ وَأَحَبُّوهُ وَمَجَّدُوهُ بِدَاعِي الشَّرْعِ وَدَاعِي الْفِطْرَةِ وَالْعَقْلِ، فَاجْتَمَعَتْ لَهُمُ الدَّوَاعِي وَدَعَتْهُمْ إِلَى وَلِيِّهِمْ وَإِلَهِهِمْ وَفَاطِرِهِمْ، فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ بِقُلُوبٍ سَلِيمَةٍ لَمْ يُعَارِضْ خَبَرَهُ عِنْدَهَا شُبْهَةٌ
стр. 355
تُوجِبُ رَيْبًا وَشَكًّا، وَلَا أَمْرَهُ شَهْوَةٌ تُوجِبُ رَغْبَتَهَا عَنْهُ وَإِيثَارَهَا سِوَاهُ، وَقَدْ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى تَفَطَّرَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: " «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» " وَاقْتَصَرَ ﷺ مِنْ جَوَابِهِمْ عَلَى مَا تُدْرِكُهُ عُقُولُهُمْ، وَتَنَالُهُ أَفْهَامُهُمْ، وَإِلَّا فَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ بَاعِثَهُ عَلَى ذَلِكَ الشُّكْرِ أَمْرٌ يَجِلُّ عَلَى الْوَصْفِ، وَلَا تُحِيطُ بِهِ الْعِبَارَةُ وَالْأَذْهَانُ، فَأَيْنَ هَذَا الشُّهُودُ مِنْ شُهُودِ طَائِفَتَيِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ.
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ قَطُّ أَنْ يَعْبُدَهُ - تَعَالَى - حَقَّ عِبَادَتِهِ، وَلَا يُوَفِّيَهُ حَقَّهُ مِنَ الْمَحَبَّةِ، وَالْحَمْدِ، وَلِهَذَا قَالَ أَكْمَلُ خَلْقِهِ وَأَفْضَلُهُمْ وَأَعْرَفُهُمْ بِهِ وَأَحَبُّهُمْ إِلَيْهِ وَأَطْوَعُهُمْ لَهُ: " «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ» " وَأَخْبَرَ ﷺ أَنَّ عَمَلَهُ لَا يَسْتَقِلُّ بِالنَّجَاةِ، فَقَالَ: " «لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ " قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ» " وَفِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ الْمَشْهُورِ: «إِنَّ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَنْ هُوَ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مُنْذُ خُلِقَ، وَمِنْهُمْ رَاكِعٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ مُنْذُ خُلِقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ» .
وَلَمَّا كَانَتْ عِبَادَتُهُ تَابِعَةً لِمَحَبَّتِهِ وَإِجْلَالِهِ، وَكَانَتِ الْمَحَبَّةُ نَوْعَيْنِ: مَحَبَّةً تَنْشَأُ عَنِ الْإِنْعَامِ، وَالْإِحْسَانِ فَتُوجِبُ شُكْرًا وَعُبُودِيَّةً، بِحَسَبِ كَمَالِهَا وَنُقْصَانِهَا، وَمَحَبَّةً تَنْشَأُ عَنِ جَمَالِ الْمَحْبُوبِ وَكَمَالِهِ، فَتُوجِبُ عُبُودِيَّةً وَطَاعَةَ أَمْرٍ وَاجْتِنَابَ نَهْيٍ أَكْمَلَ مِنَ الْأُولَى، وَكَانَ الْبَاعِثُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنْ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، قَالَ النَّاظِمُ عَاطِفًا امْتِثَالَ الْأَمْرِ وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا عَنْهُ الزَّجْرُ: ((وَيَفْعَلُوا)) يَعْنِي الْعِبَادَ ((الْفِعْلَ الَّذِي بِهِ أَمَرْ)) ، أَيِ الْفِعْلَ الَّذِي أَمَرَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ وَالتَّأْكِيدِ فَعَلُوهُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَالْإِرْشَادِ فَعَلَى النَّدْبِ ; وَلِهَذَا قَالَ ((حَتْمًا)) أَيْ لَازِمًا، مَصْدَرُ حَتَمَ، يَعْنِي أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَمْرًا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ وَاللُّزُومِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْأَمْرُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْحَتْمِ فَفِعْلُهُ غَيْرُ لَازِمٍ، بَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ وَمَرْغُوبٌ فِيهِ وَمُسْتَحَبٌّ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْحَتْمُ اللَّازِمُ الْوَاجِبُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ ((وَ)) أَنْ ((يَتْرُكُوا)) الشَّيْءَ ((الَّذِي عَنْهُ زَجَرْ)) وَلَا يَخْفَى أَنَّ الزَّجْرَ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ ; لِأَنَّ مَعْنَى الزَّجْرِ الْمَنْعُ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: زَجَرَهُ مَنَعَهُ
стр. 356
وَنَهَاهُ كَأَزْجَرَهُ فَانْزَجَرَ وَازْدَجَرَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الزَّجْرِ وَالتَّحْتِيمِ فَيَكُونُ لِلْكَرَاهَةِ وَخِلَافِ الْأَوْلَى، وَتَرْكُهُ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ. فَتَكُونُ الطَّاعَةُ تَارَةً تَقَعُ عَنْ مَحَبَّةٍ وَشَوْقٍ، وَأُخْرَى عَنْ خَوْفٍ مَقْرُونٍ بِحُبٍّ، وَأَمَّا مَنْ أَتَى بِصُورَةِ الطَّاعَةِ خَوْفًا مُجَرَّدًا عَنِ الْحُبِّ، فَلَيْسَ بِمُطِيعٍ وَلَا عَابِدٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالْمُكْرَهِ، أَوْ كَأَجِيرِ السُّوءِ الَّذِي إِنْ أُعْطِيَ عَمِلَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ كَفَرَ وَأَبَقَ، فَالْعِبَادَةُ وَالطَّاعَةُ النَّاشِئَةُ عَنْ مَحَبَّةِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ أَعْظَمُ مِنَ الطَّاعَةِ النَّاشِئَةِ عَنْ رُؤْيَةِ الْإِنْعَامِ، وَالْإِفْضَالِ، وَالْإِحْسَانِ، فَإِنَّ الذَّوْقَ السَّلِيمَ يُدْرِكُ الْفَرْقَ بَيْنَ مَا تَعَلَّقَ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَبَيْنَ مَا تَعَلَّقَ بِالْمَخْلُوقِ مِنْ رَغْبَةٍ فِي جَنَّةٍ، أَوْ خَوْفٍ مِنْ نَارٍ، وَإِنْ شَمَلَ النَّوْعَيْنِ اسْمُ الْمَحَبَّةِ ; لِأَنَّ مَنْ يُحِبُّكَ لِذَاتِكَ وَأَوْصَافِكَ وَجِمَالِكَ أَتَمُّ وَأَكْمَلُ وَأَعْظَمُ مِمَّنْ يُحِبُّكَ لِخَيْرِكَ وَدِينَارِكَ. وَأَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَالصِّفَاتُ الْعُلَى مُقْتَضِيَةٌ لِآثَارِهَا مِنَ الْعُبُودِيَّةِ وَالْأَمْرِ اقْتِضَاءَهَا لِآثَارِهَا مِنَ الْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ، فَأَمْرُهُ وَنَهْيُهُ هُوَ مُوجِبُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ فِي الْعَالَمِ وَآثَارِهَا وَمُقْتَضَاهَا، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَزَيَّنَ - تَعَالَى - بِطَاعَةٍ وَلَا يُشَانُ بِمَعْصِيَةٍ، وَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ - تَعَالَى - فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: " «عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبَلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي» " الْحَدِيثَ، فَبَيَّنَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الطَّاعَاتِ وَمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنَ السَّيِّئَاتِ، لَا يَتَضَمَّنُ اسْتِجْلَابَ نَفْعِهِمْ وَلَا انْدِفَاعَ ضُرِّهِمْ، كَأَمْرِ السَّيِّدِ عَبْدَهُ، وَالْوَالِدِ وَلَدَهُ، وَالْإِمَامِ رَعِيَّتَهُ بِمَا يَنْفَعُ الْآمِرَ وَالْمَأْمُورَ بِهِ، وَنَهْيِهِمْ عَمَّا يَضُرُّ النَّاهِيَ، وَالْمَنْهِيَّ، بَلْ هُوَ - سُبْحَانَهُ - الْمُنَزَّهُ عَنْ لُحُوقِ نَفْعِهِمْ وَضُرِّهِمْ بِهِ فِي إِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ بِمَا يَفْعَلُهُ بِهِمْ، وَبِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنْ إِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ وَغُفْرَانِ الزَّلَّاتِ وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِاسْتِجْلَابِ مَنْفَعَةٍ وَلَا لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَإِنَّهُ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، وَلَكِنْ لَهُ - سُبْحَانَهُ - فِي تَكْلِيفِ عِبَادِهِ وَأَمْرِهِمْ وَنَهْيِهِمْ مِنَ الْحِكَمِ الْبَالِغَةِ مَا يَقْتَضِيهِ مُلْكُهُ التَّامُّ وَحَمْدُهُ وَحِكْمَتُهُ. وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ يَسْتَوْجِبُ مِنْ عِبَادِهِ شُكْرَ نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُحْصَى، وَمِنَنِهِ الَّتِي لَا تُسْتَقْصَى بِحَسَبِ قُوَاهُمْ وَطَاقَتِهِمْ، لَا بِحَسَبِ مَا يَنْبَغِي لَهُ، فَإِنَّهُ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَقْدِرَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ؛ لَكَانَ كَافِيًا. فَلَا شَيْءَ أَحْسَنُ فِي الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ مِنْ شُكْرِ الْمُنْعِمِ وَلَا أَنْفَعَ لِلْعَبْدِ مِنْهُ، فَهَذَانَ مَسْلَكَانِ آخَرَانِ فِي التَّكْلِيفِ، وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، أَحَدُهُمَا يَتَعَلَّقُ بِذَاتِهِ - تَعَالَى - وَصِفَاتِهِ، وَأَنَّهُ أَهْلٌ لِذَلِكَ، وَالثَّانِي يَتَعَلَّقُ
стр. 357
بِإِحْسَانِهِ وَإِنْعَامِهِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ غِنَاهُ عَنْ عِبَادِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْسِنُ إِلَيْهِمْ رَحْمَةً مِنْهُ، وَجُودًا وَكَرَمًا لَا لِمُعَارَضَةٍ وَلَا لِاسْتِجْلَابِ مَنْفَعَةٍ، وَلَا لِدَفْعِ مَضَرَّةٍ، فَأَيُّ الْمَسْلَكَيْنِ سَلَكَهُ الْعَبْدُ أَوْقَعَهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ وَبَذْلِ الْجُهْدِ فِي مَرْضَاتِهِ. ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ، وَأَطَالَ جِدًّا، فَلَخَّصَ مِنْهُ هَذَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: يَجِبُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ - تَعَالَى - وَاجْتِنَابُ نَهْيِهِ الْجَازِمَيْنِ، وَيُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِهِمَا، وَيَلْزَمُ بِهِ الطَّاعَةُ، وَالْخُضُوعُ، وَالْإِخْلَاصُ فِي الْكُلِّ.
قَالَ: وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ مَعْنًى، وَالنَّهْيُ عَنْهُ أَمْرٌ بِضِدِّهِ مَعْنًى، إِنْ كَانَ ضِدُّهُ وَاحِدًا، أَوْ أَحَدَهَا إِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ، وَالْأَمْرُ وَالنَّهْيُ الْمُطْلَقَانِ لِلْفَوْرِ وَالتَّكْرَارِ الْمُمْكِنِ شَرْعًا، كَمَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَحَالِّهِ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ.
[فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ]
((فَصْلٌ)) فِي الْكَلَامِ عَلَى الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ غَيْرَ مَا تَقَدَّمَ، قَالَ:
((وَكُلُّ مَا قَدَّرَ أَوْ قَضَاهُ ... فَوَاقِعٌ حَتْمًا كَمَا قَضَاهُ))
((وَلَيْسَ وَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ الرِّضَا ... بِكُلِّ مَقْضِيٍّ وَلَكِنْ بِالْقَضَا))
((لِأَنَّهُ مَنْ فِعْلِهِ - تَعَالَى
-
وَذَاكَ مِنْ فِعْلِ الَّذِي تَقَالَى))
((وَكُلُّ مَا)) أَيْ كُلُّ شَيْءٍ ((قَدَّرَ)) اللَّهُ ((أَوْ قَضَاهُ)) مِنْ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ، وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ قَرِيبًا ((فَـ)) هُوَ ((وَاقِعٌ حَتْمًا)) لَازِمًا ((كَمَا قَضَاهُ)) أَيْ كَمَا حَكَمَ بِهِ وَقَدَّرَهُ حَسَبَ مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمُهُ، وَجَرَى بِهِ الْقَلَمُ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ، وَالْأَرْضَ وَالْخَلَائِقَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ [الحديد: ٢٢] قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْقَدَرِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَمَّا قَضَاهُ اللَّهُ وَحَكَمَ بِهِ مِنَ الْأُمُورِ. وَقَالَ فِي الْقَضَاءِ إِنَّهُ الْفَصْلُ وَالْحُكْمُ. وَقَالَ: وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْقَضَاءِ، وَأَصْلُهُ الْقَطْعُ وَالْفَصْلُ، يُقَالُ: قَضَى يَقْضِي قَضَاءً فَهُوَ قَاضٍ، إِذَا حَكَمَ وَفَصَلَ، وَقَضَاءُ الشَّيْءِ إِحْكَامُهُ وَإِمْضَاؤُهُ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى الْخَلْقِ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وُجُوهٍ، مَرْجِعُهَا انْقِطَاعُ الشَّيْءِ وَإِتْمَامُهُ، وَكُلَّمَا أَحْكَمَ عَمَلَهُ، أَوْ أَتَمَّ، أَوْ خَتَمَ، أَوْ أَدَّى، أَوْ أَوْجَبَ، أَوْ أَعْلَمَ، أَوْ أَنْفَذَ أَوْ
стр. 358
أَمْضَى " قَالَ: وَقَدْ جَاءَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ كُلُّهَا فِي الْأَحَادِيثِ، وَمِنْهُ الْقَضَاءُ الْمَقْرُونُ بِالْقَدَرِ، فَالْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ أَمْرَانِ مُتَلَازِمَانِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأَسَاسِ، وَهُوَ الْقَدَرُ، وَالْآخِرُ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ، وَهُوَ الْقَضَاءُ، فَمَنْ رَامَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا، فَقَدْ رَامَ هَدْمَ الْبِنَاءِ وَنَقْضَهُ، وَتَقَدَّمَ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ فِي فَتْحِ الْبَارِي فِي أَوَّلِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيَّ قَدِ اسْتَوْعَبَ الْأَوْجُهَ فِي الْقَضَاءِ فِي كِتَابِهِ (الْوُجُوهِ وَالنَّظَائِرِ) فَقَالَ: لَفْظَةُ " قَضَى " فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ جَاءَتْ عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ وَجْهًا: الْفَرَاغِ ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ، وَالْأَمْرِ ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧] ، وَالْأَجَلِ ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] ، وَالْفَصْلِ ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٨] ، وَالْمُضِيِّ ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢] ، وَالْهَلَاكِ ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] ، وَالْوُجُوبِ ﴿لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] ، وَالْإِبْرَامِ ﴿فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ [يوسف: ٦٨] ، وَالْإِعْلَامِ ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الإسراء: ٤] ، وَالْوَصِيَّةِ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، وَالْمَوْتِ ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥] ، وَالنُّزُولِ ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ: ١٤] ، وَالْخَلْقِ ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] ، وَالْفِعْلِ ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: ٢٣] يَعْنِي حَقًّا لَمْ يَفْعَلْ مَا أَمَرَهُ، وَالْعَهْدِ ﴿إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ [القصص: ٤٤] . وَذَكَرَ غَيْرُهُ الْقَدَرَ الْمَكْتُوبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١] ، وَالْفِعْلَ ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢] أَيْ: وَجَبَ لَهُمُ الْعَذَابُ. وَالْوَفَاءِ بِغَايَةِ الْعِبَادَةِ، وَالْكِفَايَةِ " وَلَنْ يَقْضِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ ". وَبَعْضُ هَذِهِ الْوُجُوهِ مُتَدَاخِلٌ، وَيَرِدُ الْقَضَاءُ بِمَعْنَى الِانْتِهَاءِ ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] وَبِمَعْنَى الْإِتْمَامِ ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢] وَبِمَعْنَى " كَتَبَ " ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧] وَبِمَعْنَى الْأَدَاءِ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ بِمَعْنَى الْفَرَاغِ، وَمِنْهُ " قَضَى دَيْنَهُ "، وَتَفْسِيرُهُ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا﴾ [الإسراء: ٢٣] بِمَعْنَى " وَصَّى " مَنْقُولٌ مِنْ مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ، قَالَ: هِيَ فِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ " وَوَصَّى " وَمِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَقَضَى﴾ [الإسراء: ٢٣] قَالَ: وَأَوْصَى، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ قَرَأَ: وَوَصَّى، وَقَالَ: لَصِقَتِ الْوَاوُ بِالصَّادِ فَصَارَتْ قَافًا، فَقُرِئَتْ: وَقَضَى. كَذَا قَالَ، وَاسْتَنْكَرُوا مِنْهُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. فَقَوْلُهُ فِي النَّظْمِ: " فَوَاقِعٌ حَتْمًا كَمَا قَضَاهُ " إِشَارَةٌ إِلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَدَّرَ الْأَشْيَاءَ فِي
стр. 359
الْأَزَلِ، وَعَلِمَ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهَا سَتَقَعُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَهُ عَلَى صِفَاتٍ مَخْصُوصَةٍ، فَهِيَ تَقَعُ عَلَى حَسَبِ مَا قَدَّرَهَا وَقَضَاهَا، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ. وَقَصَدَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ الْقَدَرِيَّةِ الْمُنْكِرَةِ لِسَبْقِ الْعِلْمِ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ وُجُودِهَا، وَزَعْمِهِمْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يُقَدِّرِ الْأُمُورَ أَزَلًا، وَلَمْ يَكْتُبْهَا، وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ عِلْمٌ بِهَا، وَإِنَّمَا يَأْتَنِفُهَا عِلْمًا حَالَ وُقُوعِهَا، وَهَؤُلَاءِ انْقَرَضُوا كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ الْمُثْبِتَةُ لِسَبْقِ الْعِلْمِ بِالْأَشْيَاءِ، إِنَّمَا خَالَفُوا السَّلَفَ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَقْدُورَةٌ لَهُمْ، وَاقِعَةٌ مِنْهُمْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِقْلَالِ، لَا إِذْنَ وَلَا صُنْعَ لِلْبَارِّي فِي ذَلِكَ كَمَا مَرَّ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ، بِمَا فِيهِ غُنْيَةٌ، فَرَاجِعْهُ إِنْ شِئْتَ
((وَلَيْسَ وَاجِبٌ عَلَى الْعَبْدِ))
الْمُكَلَّفِ ((الرِّضَا)) وَهُوَ سُكُونُ الْقَلْبِ وَطُمَأْنِينَتُهُ إِلَى قِدَمِ اخْتِيَارِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ، أَنَّهُ اخْتَارَ لَهُ الْأَفْضَلَ فَيَرْضَى بِهِ.
وَقَالَ الْجُنَيْدُ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: الرِّضَا صِحَّةُ الْعِلْمِ الْوَاصِلِ إِلَى الْقَلْبِ، فَإِذَا بَاشَرَ الْقَلْبَ حَقِيقَةُ الْعِلْمِ أَدَّاهُ إِلَى الرِّضَا. وَلَيْسَ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةُ كَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ، فَإِنَّ الرِّضَا وَالْمَحَبَّةَ حَالَانِ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يُفَارِقَانِ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَلَا فِي الْبَرْزَخِ، بِخِلَافِ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ، فَإِنَّهُمَا يُفَارِقَانِ أَهْلَ الْجَنَّةِ بِحُصُولِ مَا كَانُوا يَرْجُونَهُ، وَأَمْنِهِمْ مِمَّا كَانُوا يَخَافُونَهُ، وَإِنْ كَانَ رَجَاؤُهُمْ لِمَا يَنَالُونَ مِنْ كَرَامَتِهِ دَائِمًا، لَكِنَّهُ لَيْسَ رَجَاءً مَشُوبًا بِشَكٍّ، بَلْ رَجَاءٌ وَاثِقٌ بِوَعْدٍ صَادِقٍ مِنْ حَبِيبٍ قَادِرٍ، فَهَذَا لَوْنٌ وَرَجَاؤُهُمْ فِي الدُّنْيَا لَوْنٌ، وَقَدْ قِيلَ لِيَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ ﵀ مَتَى يَبْلُغُ الْعَبْدُ إِلَى مَقَامِ الرِّضَا؟ فَقَالَ: إِذَا أَقَامَ نَفْسَهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أُصُولٍ فِي مَا يُعَامِلُ بِهِ رَبَّهُ، فَيَقُولُ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي قَبِلْتُ، وَإِنْ مَنَعْتَنِي رَضِيتُ، وَإِنْ تَرَكْتَنِي عَبَدْتُ، وَإِنْ دَعَوْتَنِي أَجَبْتُ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: الرِّضَا بِاللَّهِ أَعْلَى مِنَ الرِّضَا بِمَا مَنَّ اللَّهُ، قَالَ: وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الرِّضَا أَنْ لَا يَحِسَّ بِالْأَلَمِ، وَالْمَكَارِهِ، بَلْ أَنْ لَا يَعْتَرِضَ عَلَى الْحُكْمِ وَلَا يَتَسَخَّطُهُ ; وَلِهَذَا أُشْكِلَ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ الرِّضَا بِالْمَكْرُوهِ وَطَعَنُوا فِيهِ، وَقَالُوا: هَذَا مُمْتَنِعٌ عَلَى الطَّبِيعَةِ وَإِنَّمَا هُوَ الصَّبْرُ، وَإِلَّا فَكَيْفَ يَجْمَعُ الرِّضَا وَالْكَرَاهَةَ، وَهُمَا ضِدَّانِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّ وُجُودَ التَّأَلُّمِ وَكَرَاهَةَ النَّفْسِ لَهُ لَا يُنَافِي الرِّضَا؛ كَرِضَا الْمَرِيضِ بِشُرْبِ الدَّوَاءِ الْكَرِيهِ، وَرِضَا الصَّائِمِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْحُرِّ بِمَا يَنَالُهُ مَنْ أَلَمِ الظَّمَأِ، وَالْجُوعِ، وَرِضَا الْمُجَاهِدِ بِمَا يَحْصُلُ لَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ وَغَيْرِهَا،
стр. 360
وَقَالَ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّضَا مُسْتَحَبٌّ مُؤَكَّدٌ اسْتِحْبَابُهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ. قَالَ: وَسَمِعْتُ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - يَحْكِيهِمَا قَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَكَانَ - يَعْنِي شَيْخَ الْإِسْلَامِ - يَذْهَبُ إِلَى الْقَوْلِ بِاسْتِحْبَابِهِ، قَالَ: وَلَمْ يَجِئِ الْأَمْرُ بِهِ كَمَا جَاءَ بِالصَّبْرِ، وَإِنَّمَا جَاءَ الثَّنَاءُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَمَدْحُهُمْ. قَالَ: وَأَمَّا مَا يُرْوَى مِنَ الْأَثَرِ: «مَنْ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي، وَلَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي فَلْيَتَّخِذْ رَبًّا سِوَائِي» . فَهَذَا أَثَرٌ إِسْرَائِيلِيٌّ لَيْسَ يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ مَنْ يَرَى أَنَّ الرِّضَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَيْسَتْ مُكْتَسَبَةً، وَأَنَّهُ مَوْهِبَةٌ مَحْضَةٌ، فَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِهِ وَلَيْسَ مَقْدُورًا، وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا أَرْبَابُ السُّلُوكِ عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ: فَالْخُرَاسَانِيُّونَ قَالُوا: الرِّضَا مِنْ جُمْلَةِ الْمَقَامَاتِ، وَهُوَ نِهَايَةُ التَّوَكُّلِ، فَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَوَصَّلَ إِلَيْهِ الْعَبْدُ بِالِاكْتِسَابِ، وَالْعِرَاقِيُّونَ قَالُوا: هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ، وَلَيْسَ كَسْبًا لِلْعَبْدِ، بِلْ هُوَ نَازِلَةٌ تَحِلُّ بِالْقَلْبِ كَسَائِرِ الْأَحْوَالِ.
وَحَكَمَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ، مِنْهُمُ الْقُشَيْرِيُّ، فَقَالُوا: بِدَايَةُ الرِّضَا مُكْتَسَبَةٌ لِلْعَبْدِ، فَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقَامَاتِ. وَنِهَايَتُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْوَالِ، فَأَوَّلُهُ مَقَامٌ وَنِهَايَةُ حَالٍ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَقَامَاتِ وَالْأَحْوَالِ أَنَّ الْمَقَامَاتِ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَكَاسِبِ، وَالْأَحْوَالَ مِنْ مُجَرَّدِ الْمَوَاهِبِ. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: هُنَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ: الرِّضَا بِاللَّهِ، وَالرِّضَا عَنِ اللَّهِ، وَالرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ. فَالرِّضَا بِاللَّهِ فَرْضٌ، وَالرِّضَا عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الْأُمُورِ وَأَشْرَفِ أَنْوَاعِ الْعُبُودِيَّةِ، فَلَمْ يُطَالِبْ بِهِ الْعُمُومَ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، وَمَشَقَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَوْجَبَتْهُ طَائِفَةٌ كَمَا أَوْجَبُوا الرِّضَا بِهِ.
وَأَمَّا الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ فَهُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لَا يُجِبِ الرِّضَا ((بِكُلِّ مَقْضِيٍّ)) بَلْ حُكْمُ الْمَقْضِيِّ لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّفْصِيلِ ; لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَقْضِيًّا دِينِيًّا شَرْعِيًّا، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَلَّا يَخْتَارَ فِي هَذَا النَّوْعِ غَيْرَ مَا اخْتَارَهُ لَهُ رَبُّهُ وَسَيِّدُهُ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَاخْتِيَارُ الْعَبْدِ خِلَافُ ذَلِكَ وَنَافٍ لِإِيمَانِهِ وَتَسْلِيمِهِ وَرِضَاهُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ كَوْنِيًّا قَدَرِيًّا، وَهَذَا مِنْهُ مَا لَا يَسْخَطُهُ اللَّهُ، كَالْمَصَائِبِ الَّتِي يَبْتَلِي عَبْدَهُ بِهَا، فَهَذَا لَا يَضُرُّهُ فِرَارُهُ مِنْهَا إِلَى الْقَدَرِ الَّذِي يَرْفَعُهَا عَنْهُ وَيَكْشِفُهَا، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مُنَازَعَةٌ
стр. 361
لِلرُّبُوبِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُنَازَعَةٌ لِلْقَدَرِ بِالْقَدَرِ، فَهَذَا تَارَةً يَكُونُ وَاجِبًا، وَتَارَةً يَكُونُ مُسْتَحَبًّا، وَتَارَةً يَكُونُ مُبَاحًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ، وَتَارَةً يَكُونُ حَرَامًا، وَتَارَةً يَكُونُ مَكْرُوهًا، فَالْمَقْضِيُّ الَّذِي لَا يُحِبُّهُ الرَّبُّ وَلَا يَرْضَاهُ مِثْلَ الْمَعَايِبِ وَالذُّنُوبِ، فَالْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِسُخْطِهِ، وَمَنْهِيٌّ عَنِ الرِّضَا بِهِ، وَهَذَا هُوَ التَّفْصِيلُ الْوَاجِبُ بِالرِّضَا بِالْقَضَاءِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ((وَلَكِنْ)) يَجِبُ الرِّضَا ((بِالْقَضَاءِ)) فَإِنَّ لَفْظَ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ لَفْظٌ مَحْمُودٌ مَأْمُورٌ بِهِ، وَهُوَ مِنْ مَقَامَاتِ الصِّدِّيقِينَ، فَصَارَ لَهُ حُرْمَةٌ أَوْجَبَتْ لِطَائِفَةٍ قَبُولَهُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَظَنُّوا أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مَقْضِيًّا لِلرَّبِّ - تَعَالَى - مَخْلُوقًا لَهُ يَنْبَغِي الرِّضَا بِهِ، ثُمَّ انْقَسَمُوا فَرِيقَيْنِ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: إِذَا كَانَ الْقَضَاءُ وَالرِّضَا مُتَلَازِمَيْنِ فَمَعْلُومٌ أَنَّا مَأْمُورُونَ بِتَغْيِيرِ الْمَعَاصِي، وَالْكُفْرِ، وَالظُّلْمِ، فَلَا تَكُونُ مَقْضِيَّةً مُقَدَّرَةً - وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: قَدْ دَلَّ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ عَلَى أَنَّهَا وَاقِعَةٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، فَنَحْنُ نَرْضَى بِهَا؛ كَالْمُرْجِئَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، وَكُلٌّ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى سَبِيلِ ضَلَالٍ وَانْحِرَافٍ عَنْ نَهْجِ الْحَقِّ وَطَرِيقِ الصَّوَابِ، وَالْحَقُّ فِي ذَلِكَ التَّفْصِيلُ، فَنَرْضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ خَلْقُهُ الَّذِي أَمَرَنَا أَنْ نَرْضَى بِهِ، وَلَا نَرْضَى مِنْ ذَلِكَ بِالْمَقْضِيِّ، مِمَّا نَهَانَا عَنِ الرِّضَا بِهِ، فَنَرْضَى بِالْقَضَاءِ وَنَسْخَطُ مِنَ الْمَقْضِيِّ مَا لَا يُحِبُّهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَيَرْضَاهُ ; وَلِهَذَا قَالَ: ((لِأَنَّهُ)) أَيِ الْقَضَاءُ ((مِنْ فِعْلِهِ)) أَيْ مِنْ فِعْلِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ وَ ((تَعَالَى)) - وَهَذَا أَحَدُ الْأَجْوِبَةِ عَنِ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ، فَنَرْضَى بِفِعْلِهِ - تَعَالَى - دُونَ الْمَعْصِيَةِ الصَّادِرَةِ مِنَ الْعَبْدِ، وَهَذَا وَنَحْوُهُ لَا يَتَمَشَّى عَلَى أُصُولِ مَنْ يَجْعَلُ مَحَبَّةَ الرَّبِّ وَرِضَاهُ وَمَشِيئَتَهُ وَاحِدَةً، فَإِنَّ مَنْ قَالَ: كُلُّ مَا شَاءَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - وَقَضَاهُ فَقَدْ أَحَبَّهُ وَرَضِيَهُ؛ لَا يَحْسُنُ مِنْهُ وَلَا عِنْدَهُ هَذَا التَّفْصِيلُ، كَمَا لَا يَخْفَى، وَأَيْضًا هَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ عِنْدَ مَنْ جَعَلَ الْقَضَاءَ غَيْرَ الْمَقْضِيِّ، وَالْفِعْلَ غَيْرَ الْمَفْعُولِ، وَهُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، فَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا عِنْدَهُ؟ قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: إِنَّمَا نَشَأَ الْإِشْكَالُ مِنْ جَعْلِهِمُ الْمَشِيئَةَ نَفْسَ الْمَحَبَّةِ، ثُمَّ زَادَ بِجَعْلِهِمُ الْفِعْلَ نَفْسَ الْمَفْعُولِ، وَالْقَضَاءَ عَيْنَ الْمَقْضِيِّ، فَنَشَأَ مِنْ ذَلِكَ إِلْزَامُهُمْ بِكَوْنِهِ - تَعَالَى - رَاضِيًا مُحِبًّا لِذَلِكَ، وَالْتِزَامُ رِضَاهُمْ بِهِ، وَالَّذِي يَكْشِفُ هَذِهِ الْغُمَّةَ وَيُنْجِي مِنْ هَذِهِ الْوَرْطَةِ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ، وَهُوَ الْمَشِيئَةُ وَالْمَحَبَّةُ، فَلَيْسَا وَاحِدًا وَلَا هُمَا مُتَلَازِمَانِ، بَلْ قَدْ يَشَاءُ مَا لَا يُحِبُّهُ، وَيُحِبُّ مَا لَا يَشَاءُ كَوْنَهُ،
стр. 362
فَالْأَوَّلُ كَمَشِيئَتِهِ وُجُودَ إِبْلِيسَ وَجُنُودِهِ، وَمَشِيئَةُ الْعَامَّةِ لِجَمِيعِ مَا فِي الْكَوْنِ مَعَ بُغْضِهِ لِبَعْضِهِ، وَالثَّانِي كَمَحَبَّةِ إِيمَانِ الْكُفَّارِ وَطَاعَاتِ الْفُجَّارِ وَعَدْلِ الظَّالِمِينَ وَتَوْبَةِ الْفَاسِقِينَ، وَلَوْ شَاءَ ذَلِكَ لَوُجِدَ كُلُّهُ، فَإِنَّهُ مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَالْأَصْلُ أَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ الْمَفْعُولِ، وَالْقَضَاءَ غَيْرُ الْمَقْضِيِّ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ شَأْنُهُ لَمْ يَأْمُرْ عِبَادَهُ بِالرِّضَا بِكُلِّ مَا خَلَقَهُ وَشَاءَهُ، وَقَدْ زَالَتِ الشُّبَهَاتُ وَانْحَلَّتِ الْإِشْكَالَاتُ. إِذَا عُرِفَ هَذَا فَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ وَاجِبٌ، وَهُوَ أَسَاسُ الْإِسْلَامِ وَقَاعِدَةُ الْإِيمَانِ، فَيَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِهِ بِلَا حَرَجٍ وَلَا مُنَازَعَةٍ وَلَا مُعَارَضَةٍ وَلَا اعْتِرَاضٍ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] فَأَقْسَمَ - تَعَالَى - أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوا رَسُولَهُ، وَيَرْتَفِعَ الْحَرَجُ مِنْ نُفُوسِهِمْ مِنْ حُكْمِهِ، وَيُسَلِّمُوا لِحُكْمِهِ، وَهَذَا حَقِيقَةُ الرِّضَا بِحُكْمِهِ، فَالتَّحْكِيمُ فِي مَقَامِ الْإِسْلَامِ، وَانْتِفَاءُ الْحَرَجِ فِي مَقَامِ الْإِيمَانِ، وَالتَّسْلِيمُ فِي مَقَامِ الْإِحْسَانِ، وَمَتَى خَالَطَتِ الْقَلْبَ بِشَاشَةُ الْإِيمَانِ وَاكْتَحَلَتْ بَصِيرَتُهُ بِحَقِيقَةِ الْيَقِينِ، وَحَيِيَ بِرُوحِ الْوَحْيِ، وَتَمَهَّدَتْ طَبِيعَتُهُ وَانْقَلَبَتِ النَّفْسُ الْأَمَّارَةُ مُطْمَئِنَّةً رَاضِيَةً وَادَعَةً، وَتَلَقَّى الْإِسْلَامَ بِصَدْرٍ مُنْشَرِحٍ، فَقَدْ رَضِيَ كُلَّ الرِّضَا بِهَذَا الْقَضَاءِ الْمَحْبُوبِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ((وَذَاكَ)) أَيِ الْمَقْضِيُّ الْمَبْغُوضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مِنَ الْمَعَاصِي، وَالظُّلْمِ، وَالْعُدْوَانِ وَنَحْوِهَا لَا يَرْضَى بِهِ الْعَبْدُ لِأَنَّهُ ((مِنْ فِعْلِ)) الشَّخْصِ ((الَّذِي تَقَالَى)) تَفَاعَلَ، مِنْ قَلَاهُ كَرَمَاهُ، رَفَضَهُ وَأَبْغَضَهُ، أَيْ مِنْ فِعْلِ الَّذِي أَتَى بِمَا يُبْغِضُهُ اللَّهُ بِإِتْيَانِهِ بِهِ وَمُلَابَسَتِهِ لَهُ، وَفِعْلُهُ الَّذِي فَعَلَهُ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَالْمَعَاصِي، وَالْأَشْيَاءِ الْمَبْغُوضَةِ لِلْبَارِي ، فَأَتَى بِمَا يُوجِبُ بُغْضَهُ، وَيُكَرِّهُهُ إِلَيْهِ غَايَةَ الْكَرَاهَةِ، فَهَذَا لَا يَسُوغُ الرِّضَا بِهِ، وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الَّذِي إِلَى الرَّبِّ مِنْهَا غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ الْمَسْخُوطُ مَا لِلْعَبْدِ مِنْهَا. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: الْقَضَاءُ يُرَادُ بِهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهُمَا: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، فَهَذَا الرِّضَا بِهِ وَاجِبٌ، وَالثَّانِي: الْكُفْرُ وَالْمَعَاصِي، فَهَذَا الرِّضَا بِهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالثَّالِثُ: الْمَصَائِبُ الَّتِي تُصِيبُ الْعَبْدَ، فَهَذَا الرِّضَا بِهَا وَاجِبٌ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ قَالَ: ثُمَّ يُقَالُ: الْقَضَاءُ الَّذِي هُوَ صِفَةُ اللَّهِ الرِّضَا بِهِ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الْمَقْضِيُّ وَهُوَ الْكُفْرُ وَالْمَعَاصِي الَّتِي هِيَ أَفْعَالُ الْعِبَادِ، فَالرِّضَا بِهَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ. انْتَهَى. وَمَقْصُودُهُ: وَلَا جَائِزٍ. وَفِي تَائِيَّةِ
стр. 363
شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ:
وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِقَضَائِهِ ... وَلَا نَرْتَضِي الْمَقْضِيَّ لِأَقْبَحِ خِلْقَةِ
وَقَالَ فَرِيقٌ نَرْتَضِي بِإِضَافَةٍ ... إِلَيْهِ وَمَا فِينَا فَنَلْقَى بِسُخْطَةِ
فَنَرْضَى مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي هُوَ خَلَقَهُ ... وَنَسْخَطُ مِنْ وَجْهِ اكْتِسَابٍ بِحِيلَةِ
قَالَ الطَّوْفِيُّ فِي شَرْحِ التَّائِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ: الثَّالِثُ قَوْلُ مَنْ قَالَ نَرْضَى بِالْقَضَاءِ الَّذِي هُوَ تَقْدِيرُهُ، وَلَا نَرْضَى بِالْمَقْضِيِّ الَّذِي هُوَ أَفْعَالُنَا الْقَبِيحَةُ، قَالَ: وَبِهَذَا أَجَابَ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ لِلْمُعْتَزِلَةِ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ الْكُفْرُ بِقَضَاءِ اللَّهِ لَوَجَبَ الرِّضَا بِهِ ; لَأَنَّ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَاجِبٌ، وَلَكِنَّ الرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، فَلَا يَكُونُ بِقَضَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى -. فَأَجَابَهُمْ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْقَضَاءِ وَالْمَقْضِيِّ. قَالَ: الرَّابِعُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: نَرْضَى بِالْمَقْضِيِّ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ خَلْقُ اللَّهِ وَمُرَادُهُ، وَنَسْخَطُهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مُكْتَسَبٌ لَنَا، وَهَذَا مِنْ بَابِ اخْتِلَافِ الْجِهَتَيْنِ، كَمَا قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوُضُوءِ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنْ قُلْتَ: لَيْسَ إِلَى الْعَبْدِ شَيْءٌ مِنْهَا، قُلْنَا: هَذَا هُوَ الْجَبْرُ الْبَاطِلُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ صَاحِبُهُ التَّخَلُّصَ مِنْ هَذَا الْمَقَامِ الضَّيِّقِ، وَالْقَدَرِيُّ أَقْرَبُ إِلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ مِنَ الْجَبْرِيِّ، وَأَهْلُ السُّنَّةِ الْمُتَوَسِّطُونَ بَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ هُمْ أَسْعَدُ بِالتَّخَلُّصِ مِنْهُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ مِنَ السَّعَادَةِ كَمَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللَّهِ ، وَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سُخْطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُ اسْتِخَارَةِ اللَّهِ» " فَالرِّضَا بِالْقَضَاءِ مِنْ أَسْبَابِ السَّعَادَةِ، وَالسُّخْطُ عَلَى الْقَضَاءِ مِنْ أَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ أُمَّ الدَّرْدَاءِ ﵂ كَانَتْ تَقُولُ: إِنَّ الرَّاضِينَ بِقَضَاءِ اللَّهِ الَّذِي مَا قَضَى اللَّهُ لَهُمْ رَضُوا بِهِ، لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ مَنَازِلُ يَغْبِطُهُمْ بِهَا الشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَقَدْ رَآهُ كَئِيبًا حَزِينًا لِقَتْلِ ابْنَيْهِ وَفَقْءِ عَيْنِهِ: " يَا عُدَيُّ مَنْ رَضِيَ بِقَضَاءِ اللَّهِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ، وَمَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَاءِ اللَّهِ حَبِطَ عَمَلُهُ " رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 364
[فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الذُّنُوبِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا]
[الخلاف في مرتكب الكبيرة]
((فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى الذُّنُوبِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا)) اعْلَمْ - وَفَّقَكَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فِرْقَةَ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ أَوَّلِ فِرْقَةٍ أَسَّسُوا قَوَاعِدَ الْخِلَافِ، لِمَا وَرَدَ بِهِ ظَاهِرُ السُّنَّةِ وَجَرَى عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ﵃ فِي بَابِ الْعَقَائِدِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَئِيسَهُمْ وَاصِلَ بْنَ عَطَاءٍ اعْتَزَلَ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، يُقَرِّرُ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ وَلَا كَافِرٍ، وَيُثْبِتُ الْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: اعْتَزِلْ عَنَّا. فَسُمُّوا الْمُعْتَزِلَةَ، وَهُمْ سَمَّوْا أَنْفُسَهُمْ أَصْحَابَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ ; لِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ ثَوَابِ الصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ وَثَوَابِ الْمُطِيعِ وَعِقَابِ الْعَاصِي عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى، وَنَفْيِ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
قَالَ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي الْحَنْبَلِيُّ مِنْ بَنِي قُدَامَةَ فِي مَنَاقِبِ شَيْخِهِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: أَوَّلُ خِلَافٍ حَدَثَ فِي الْمِلَّةِ فِي الْفَاسِقِ الْمِلِّيِّ هَلْ هُوَ كَافِرٌ، أَوْ مُؤْمِنٌ ; فَقَالَتِ الْخَوَارِجُ: إِنَّهُ كَافِرٌ، وَقَالَتِ الْجَمَاعَةُ: إِنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةُ الْمُعْتَزِلَةِ: هُوَ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ، وَخَلَّدُوهُ فِي النَّارِ، وَاعْتَزَلُوا حَلَقَةَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَصْحَابِهِ، فَسُمُّوا مُعْتَزِلَةً، وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَلَمْ يُخْرِجُوهُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَحْكُمُوا عَلَيْهِ بِخُلُودٍ فِي النَّارِ، وَإِنَّمَا هُوَ فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ، وَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - ; وَلِهَذَا قَالَ:
((وَيَفْسُقُ الْمُذْنِبُ بِالْكَبِيرَةِ ... كَذَا إِذَا أَصَرَّ بِالصَّغِيرَةِ))
((لَا يَخْرُجُ الْمَرْءُ مِنَ الْإِيمَانِ ... بِمُوبِقَاتِ الذَّنْبِ وَالْعِصْيَانِ))
((وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَا ... مِنْ كُلِّ مَا جَرَّ عَلَيْهِ حُوبَا))
((وَيَقْبَلُ الْمَوْلَى بِمَحْضِ الْفَضْلِ ... مِنْ غَيْرِ عَبْدٍ كَافِرٍ مُنْفَصِلِ))
((مَا لَمْ يَتُبْ مِنْ كُفْرِهِ بِضِدِّهِ ... فَيَرْتَجِعْ عَنْ شِرْكِهِ وَصَدِّهِ))
((وَمَنْ يَمُتْ وَلَمْ يَتُبْ مِنَ الْخَطَا ... فَأَمْرُهُ مُفَوَّضٌ لِذِي الْعَطَا))
((فَإِنْ يَشَأْ يَعْفُ وَإِنْ يَشَا انْتَقَمْ ... وَإِنْ يَشَأْ أَعْطَى وَأَجْزَلَ النِّعَمْ))
((وَيَفْسُقُ)) الْمُسْلِمُ الْمُكَلَّفُ ((الْمُذْنِبُ بِـ)) إِتْيَانِهِ لِلْمَعْصِيَةِ ((الْكَبِيرَةِ)) أَصْلُ الْفُسُوقِ الْخُرُوجُ عَنْ الِاسْتِقَامَةِ وَالْجَوْرُ. وَبِهِ سُمِّيَ الْعَاصِي فَاسِقًا، وَفِي الْحَدِيثِ " «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحَلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ،
стр. 365
، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحِدَأَةُ» " وَسُمِّيَتْ فَوَاسِقَ لِخُرُوجِهَا بِالْإِيذَاءِ وَالْإِفْسَادِ عَنْ طَرِيقِ مُعْظَمِ الدَّوَابِّ، وَسُمِّيَ الرَّجُلُ الْفَاسِقُ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ، وَالْمُذْنِبُ هُوَ الْمُقْتَرِفُ لِلذَّنْبِ، وَهُوَ الْإِثْمُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَالْجَمْعُ ذُنُوبٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ ذُنُوبَاتٌ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] قَالَ فِي شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: الْإِثْمُ وَالْعُدْوَانُ كُلٌّ مِنْهُمَا إِذَا أُفْرِدَ تَضَمَّنَ الْآخَرَ، فَكُلُّ إِثْمٍ عُدْوَانٌ؛ إِذْ هُوَ فِعْلُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، أَوْ تَرْكُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، فَهُوَ عُدْوَانٌ عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَكُلُّ عُدْوَانٍ إِثْمٌ، فَإِنَّهُ يَأْثَمُ بِهِ صَاحِبُهُ، وَلَكِنْ عِنْدَ اقْتِرَانِهِمَا فَهُمَا شَيْئَانِ بِحَسَبِ مُتَعَلِّقِهِمَا وَوَصْفِهِمَا، فَالْإِثْمُ مَا كَانَ مُحَرَّمَ الْجِنْسِ؛ كَالْكَذِبِ وَالزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالْعُدْوَانُ مَا كَانَ مُحَرَّمَ الْقَدْرِ وَالزِّيَادَةِ بِأَنْ يَتَعَدَّى مَا أُبِيحَ مِنْهُ إِلَى الْقَدْرِ الْمُحَرَّمِ كَالِاعْتِدَاءِ فِي أَخْذِ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، بِأَنْ يَعْتَدِيَ عَلَى مَالِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ عِرْضِهِ.
وَالْكَبِيرَةُ كُلُّ مُصِيبَةٍ فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا، أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ، وَزَادَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: أَوْ وَرَدَ فِيهَا وَعِيدٌ بِنَفْيِ إِيمَانٍ، أَوْ لَعْنٍ وَنَحْوِهِمَا. وَقِيلَ: مَا لَحِقَ صَاحِبَهَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ بِنَصِّ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَقِفْ لِلْكَبِيرَةِ عَلَى ضَابِطٍ سَالِمٍ مِنَ الِاعْتِرَاضِ، وَعَدَلَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ تَعْرِيفِهَا إِلَى حَدِّ السَّالِبِ لِلْعَدَالَةِ، فَقَالَ: كُلُّ جَرِيمَةٍ تُؤْذِنُ بِقِلَّةِ اكْتِرَاثِ مُرْتَكِبِهَا بِالدِّينِ، وَرِقَّةِ الدِّيَانَةِ، فَهِيَ مُبْطِلَةٌ لِلْعَدَالَةِ. وَكُلُّ جَرِيمَةٍ لَا تُؤْذِنُ بِذَلِكَ، بَلْ يَبْقَى حُسْنُ الظَّنِّ بِصَاحِبِهَا - لَا تُحْبِطُ الْعَدَالَةَ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ كَبِيرَةٌ، مِنْهُمُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَايِينِيُّ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ، بَلْ حَكَاهُ ابْنُ فُورَكٍ عَنِ الْأَشَاعِرَةِ، وَالصَّوَابُ تَقْسِيمُ الذُّنُوبِ إِلَى كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ فِي الْمَعْنَى، بَلْ فِي التَّسْمِيَةِ وَالْإِطْلَاقِ، لِاتِّفَاقِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ مِنَ الْمَعَاصِي مَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَقْدَحُ، وَالْحَامِلُ لِمَنْ أَطْلَقَ عَلَى الْجَمِيعِ اسْمَ الْكَبِيرَةِ تَعْظِيمُ الْحَضْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْعَاصِي لَهُ - تَعَالَى - مُرْتَكِبًا إِلَّا مَعْصِيَةً كَبِيرَةً، فَبِالنَّظَرِ لِلْمَعْصِيَةِ فَمِنْهَا الْكَبَائِرُ وَمِنْهَا الصَّغَائِرُ، وَبِالنَّظَرِ إِلَى الْمَعْصِيِّ فَالْجَمِيعُ كَبَائِرُ. وَفِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ لِلْبَدْرِ الْعَيْنِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵀ قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ الْكَبَائِرُ سَبْعٌ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هِيَ إِلَى السَّبْعِمِائَةِ
стр. 366
أَقْرَبُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ، وَلَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ. وَقَدْ أَوْصَلَهَا عُلَمَاؤُنَا إِلَى نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ كَبِيرَةً كَمَا فِي الْإِقْنَاعِ وَغَيْرِهِ. وَقَوْلُهُ ((كَذَا)) أَيْ مِثْلَ إِتْيَانِهِ الْكَبِيرَةَ ((إِذَا أَصَرَّ)) عَلَى الْجَرِيمَةِ الصَّغِيرَةِ، يُقَالُ: أَصَرَّ يُصِرُّ عَلَى الشَّيْءِ إِصْرَارًا؛ إِذَا لَزِمَهُ وَدَوَامَهُ وَثَبَتَ عَلَيْهِ، وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرِّ وَالذُّنُوبِ، وَأَمَّا مَنْ أَتْبَعَ الذَّنْبَ الصَّغِيرَ بِالِاسْتِغْفَارِ فَلَيْسَ بِمُصِرٍّ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ، وَفِي الْحَدِيثِ " «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ» " وَفِيهِ أَيْضًا " «وَيْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ» " فَمَنْ أَصَرَّ فَإِنَّهُ يَفْسُقُ حَتَّى ((بِـ)) الْجَرِيمَةِ ((الصَّغِيرَةِ)) لِأَنَّ الْإِصْرَارَ يُصَيِّرُ الصَّغِيرَةَ فِي حُكْمِ الْكَبِيرَةِ.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: تَصِيرُ الصَّغِيرَةُ كَبِيرَةً بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، وَالتَّهَاوُنِ بِهَا، وَالْفَرَحِ بِهَا، وَالِافْتِخَارِ بِهَا، وَصُدُورِهَا عَنْ عَالِمٍ فَيُقْتَدَى بِهِ فِيهَا. ثُمَّ ذَكَرَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ أَنَّ إِتْيَانَ الْجَرِيمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً - لَا يَخْرُجُ بِهَا الشَّخْصُ الْمُؤْمِنُ عَنِ الْإِيمَانِ بِقَوْلِهِ: ((لَا يَخْرُجُ الْمَرْءُ)) هُوَ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ: الْإِنْسَانُ أَوِ الرَّجُلُ، وَلَا يُجْمَعُ مِنْ لَفْظِهِ، أَوْ سُمِعَ مَرْؤُونَ. قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ، وَهِيَ بِهَاءٍ، وَيُقَالُ: مَرَةٌ وَامْرَأَةٌ، وَفِي امْرِئٍ مَعَ أَلْفِ الْوَصْلِ ثَلَاثُ لُغَاتٍ: فَتْحُ الرَّاءِ دَائِمًا، وَإِعْرَابُهَا دَائِمًا، وَتَقُولُ: هَذَا امْرُؤٌ وَمَرْءٌ، وَرَأَيْتُ امْرَأً وَمَرْءًا، وَمَرَّرَتْ بِامْرِئٍ وَبِمَرْءٍ مُعْرَبًا مِنْ مَكَانَيْنِ.
كُلُّهُ مِنَ الْقَامُوسِ ((مِنَ الْإِيمَانِ)) الْآتِي تَعْرِيفُهُ فِيمَا بَعْدُ ((بِمُوبِقَاتِ الذَّنْبِ)) مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ " لَا يَخْرُجُ " وَالْمُوبِقَاتُ بِمُوَحَّدَةٍ وَقَافٍ: الْمُهْلِكَاتُ جَمْعُ مُوبِقَةٍ، سُمِّيَتْ بِالْجَرِيمَةِ الْكَبِيرَةِ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهَا سَبَبٌ لِإِهْلَاكِ مُرْتَكِبِهَا فِي الدُّنْيَا بِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنَ الْعِقَابِ وَفِي الْآخِرَةِ مِنَ الْعَذَابِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْمُرَادُ بِالْمُوبِقَةِ الْكَبِيرَةُ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ: الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرَ، وَقَتْلَ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلَ الرِّبَا، وَأَكْلَ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّيَ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» " وَثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: " «الْكَبَائِرُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ» " الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: الْكَبَائِرُ سَبْعٌ؟ قَالَ: هُنَّ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعٍ وَسَبْعٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: هِيَ إِلَى السَّبْعِينَ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِلَى السَّبْعمِائَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، يَعْنِي بِاعْتِبَارِ
стр. 367
أَصْنَافِ أَنْوَاعِهَا.
وَالْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى السَّبْعِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ مَعَ وُرُودِ مَا يَزِيدُ عَلَى السَّبْعِينَ فِي أَحَادِيثَ مُتَفَرِّقَةٍ أَنَّ هَذِهِ مَوْصُوفَةٌ بِصِفَةٍ زَائِدَةٍ عَلَى مُجَرَّدِ الْكَبِيرَةِ، وَهِيَ الْمُوبِقَةُ، أَيِ الْمُهْلِكَةُ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ " «الْكَبَائِرُ سَبْعٌ» " فَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْأَعْرَابِيَّةِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ» " فَعَدَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثَمَانِيَةً فِي بَادِي الرَّأْيِ، وَكَأَنَّهُ عَدَّ الْأَكْلَ لِلرِّبَا وَلِمَالِ الْيَتِيمِ وَاحِدَةً. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا عِنْدَ الْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ " «الْكَبَائِرُ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالْإِيَاسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» " وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مَرْفُوعٍ " «الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَةِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ، وَالْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ، وَإِلْحَادٌ بِالْبَيْتِ قِبْلَتِكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا» " إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي وَصَفَ فِيهَا الذُّنُوبَ بِالْكِبَرِ مِمَّا يَزِيدُ عَنِ السَّبْعِينَ. الْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مِمَّا يُؤَيِّدُ أَنَّ الْعَدَدَ لَا مَفْهُومَ لَهُ، أَوْ أَنَّهُ ﷺ عَلِمَ أَوَّلًا بِالسَّبْعِ الْمَذْكُورَاتِ، ثُمَّ عَلِمَ بِمَا زَادَ، فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالزَّائِدَةِ، أَوِ الِاقْتِصَارُ عَلَى السَّبْعِ، وَقَعَ بِحَسَبِ الْمَقَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلسَّائِلِ، أَوْ مَنْ وَقَعَتْ لَهُ وَاقِعَةٌ، وَالْأَقْوَى أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَى السَّبْعِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ لِزِيَادَةِ عِظَمِهَا.
وَمِنَ الْكَبَائِرِ الزِّنَا، وَبِحَلِيلَةِ الْجَارِ أَشَدُّ، وَبِالْمَحَارِمِ أَشَدُّ وَأَشَدُّ، فَإِنَّ الْجَرِيمَةَ الصَّغِيرَةَ قَدْ تَنْقَلِبُ كَبِيرَةً بِقَرِينَةٍ تُضَمُّ إِلَيْهَا، وَتَنْقَلِبُ الْكَبِيرَةُ فَاحِشَةً، فَإِنَّ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَبِيرَةٌ، فَإِنْ قَتَلَ أَصْلًا لَهُ، أَوْ فَرْعًا، أَوْ ذَا رَحِمٍ، أَوْ بِالْحَرَمِ، أَوْ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، أَوْ فِي رَمَضَانَ فَهُوَ فَاحِشَةٌ، وَكَذَا الزِّنَا، وَتَفَاصِيلُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، وَالْمُرَادُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُلَابَسَتِهِ وَإِتْيَانِهِ بِمُوبِقَاتِ الذُّنُوبِ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ، وَ " أَلْ " فِي الذَّنْبِ لِلْجِنْسِ، أَوْ الِاسْتِغْرَاقِ فَيَشْمَلُ كُلَّ الذُّنُوبِ ((وَالْعِصْيَانِ)) دُونَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ - تَعَالَى -، وَالْكُفْرِ بِهِ بِأَيِّ
стр. 368
أَنْوَاعِ الْمُكَفِّرَاتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ مِنَ الدِّينِ بِيَقِينٍ، وَالْعِصْيَانُ ضِدُّ الطَّاعَةِ، وَهُوَ يُرَادِفُ الذَّنْبَ، وَالْإِثْمَ، وَالْجُرْمَ، كَذَا الْبَغْيُ، وَالْعُدْوَانُ، وَالظُّلْمُ، وَلَكِنْ قَدْ يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ تَجَاوُزُ الْحَدِّ الْمُبَاحِ إِلَى مَا وَرَاءَهُ، وَكَذَا الْفَحْشَاءُ، وَالْمُنْكَرُ، فَالْفَحْشَاءُ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ قَدْ حُذِفَ تَجْرِيدًا لِقَصْدِ الصِّفَةِ، وَهِيَ الْفِعْلَةُ الْفَحْشَاءُ، وَالْخَصْلَةُ الْفَحْشَاءُ، وَهِيَ مَا ظَهَرَ قُبْحُهَا لِكُلِّ أَحَدٍ، وَاسْتَخْبَثَهَا كُلُّ ذِي عَقْلٍ سَلِيمٍ ; وَلِهَذَا فُسِّرَ بِالزِّنَا، وَاللِّوَاطِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ فَاحِشَةً لِتَنَاهِي قُبْحِهِ، وَكَذَلِكَ الْقَبِيحُ مِنَ الْقَوْلِ يُسَمَّى فُحْشًا، وَهُوَ مَا ظَهَرَ قُبْحُهُ جِدًّا مِنَ السَّبِّ الْقَبِيحِ، وَالْقَذْفِ وَنَحْوِهِ، وَكَذَا الْمُنْكَرُ صِفَّةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، أَيِ الْفِعْلِ الْمُنْكَرِ، وَهُوَ مَا أَنْكَرَتْهُ الْعُقُولُ السَّلِيمَةُ وَالْفِطَرُ الْمُسْتَقِيمَةُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الشَّخْصَ الْمُؤْمِنَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمُلَابَسَةِ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَالْعِصْيَانِ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى طُرُقٍ، فَطَرِيقُ الْخَوَارِجِ أَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً مِنَ الذُّنُوبِ بَلْ وَالصَّغِيرَةَ ; لِأَنَّ عِنْدَهُمْ كُلَّ ذَنْبٍ كَبِيرَةٌ نَظَرًا لِعَظَمَةِ مَنْ عَصَى، وَكُلَّ كَبِيرَةٍ كُفْرٌ يُخْرِجُ مِنَ الْإِيمَانِ وَيُدْخِلُ الْكُفْرَ، وَيُخَلَّدُ فِي النَّارِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ إِلَّا الْكُفَّارُ.
وَطَرِيقُ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنَ الْإِيمَانِ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْكُفْرِ، فَهُوَ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَمِنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ إِثْبَاتُ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، كَمَا مَرَّ، وَمَعَ ذَلِكَ هُوَ خَالِدٌ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ مَعَ قَوْلِهِمْ أَنَّ مُرْتَكِبِي الْكَبَائِرِ لَيْسُوا بِكُفَّارٍ بَلْ هُمْ فُسَّاقٌ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الطَّائِفَتَيْنِ إِذَا لَمْ يَتُوبُوا قَبْلَ مُعَايَنَةِ الْمَوْتِ.
وَالْحَقُّ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ مُرْتَكِبِي الْكَبِيرَةِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَعَفْوِهِ ; لِأَنَّ أَصْلَ الْإِيمَانِ مِنَ التَّصْدِيقِ بِاللَّهِ، وَالْمَعْرِفَةِ، وَالْإِذْعَانِ مَوْجُودٌ، وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا تَدُلُّ إِلَّا عَلَى هَذَا كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] الْآيَتَيْنِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] فَسَمَّاهُ أَخًا وَقَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨] وَقَوْلُهُ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] إِلَى قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] الْآيَةَ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ، «وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: " بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا
стр. 369
أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ " قَالَ: فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ» . وَقَالَ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ - تَعَالَى -: " «ابْنَ آدَمَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ أَتَيْتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، أَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبُو عَوَانَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، وَأَيْضًا الْإِمَامُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى -: " مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ آتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لَقِيتُهُ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» " وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ أَخْشَنَ السَّدُوسِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَنَسٍ ﵁ فَقَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَخْطَأْتُمْ حَتَّى تَمْلَأَ خَطَايَاكُمْ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتُمُ اللَّهَ لَغَفَرَ لَكُمْ» " وَقَالَ ﷺ : " «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ» " وَقَالَ: " «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» " وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ» "، وفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ: " «أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ» "، وَفِيهِ يَقُولُ اللَّهُ : " «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُخْرِجَنَّ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» " فَالتَّوْحِيدُ مِنْ أَعْظَمِ، بَلْ أَعْظَمُ أَسْبَابِ الْمَغْفِرَةِ، فَهُوَ السَّبَبُ الْأَعْظَمُ، فَمَنْ فَقَدَهُ فَقَدَ الْمَغْفِرَةَ، وَمَنْ جَاءَ بِهِ فَقَدْ أَتَى بِأَعْظَمِ أَسْبَابِ الْمَغْفِرَةِ، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَدَلَّتِ الْآيَةُ مَعَ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ مَنْ جَاءَ مَعَ التَّوْحِيدِ بِمِلْءِ الْأَرْضِ خَطَايَا لَقِيَهُ اللَّهُ بِمِلْئِهَا مَغْفِرَةً مَعَ مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، فَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ، وَإِنْ شَاءَ وَاخَذَهُ بِذُنُوبِهِ، ثُمَّ كَانَ عَاقِبَتُهُ أَلَّا يَخْلُدَ فِي النَّارِ، بَلْ يَخْرُجُ مِنْهَا، ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْمُوَحِّدُ لَا يُلْقَى فِي النَّارِ كَمَا يُلْقَى الْكُفَّارُ، وَلَا يَبْقَى فِيهَا كَمَا يَبْقَى
стр. 370
الْكُفَّارُ، وَالنُّصُوصُ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْأَدِلَّةُ كَثِيرَةٌ جِدًّا. فَدَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَاتِّفَاقُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ.
وَأَمَّا آيَةُ النِّسَاءِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] فَلَهَا نَظَائِرُ أَمْثَالُهَا مِنْ نُصُوصِ الْوَعِيدِ؛ كَقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٣] وَقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ مِنَ السُّنَّةِ كَقَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا خَالِدًا مُخَلَّدًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ» " وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: الْوَعِيدُ فِي حَقِّ الْمُسْتَحِلِّ لَهَا ; لِأَنَّهُ كَافِرٌ، وَأَمَّا مَنْ فَعَلَهَا غَيْرَ مُسْتَحِلِّهَا لَمْ يَلْحَقْهُ وَعِيدُ الْخُلُودِ، وَإِنْ لَحِقَهُ وَعِيدُ الدُّخُولِ. وَقَدْ أَنْكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ هَذَا الْقَوْلَ، وَقَالَ: لَوِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ كَانَ كَافِرًا، وَالنَّبِيُّ ﷺ إِنَّمَا قَالَ مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: الِاسْتِدْلَالُ بِنُصُوصِ الْوَعِيدِ هَذِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى ثُبُوتِ الْعُمُومِ، قَالُوا: وَلَيْسَ فِي اللُّغَةِ أَلْفَاظٌ عَامَّةُ، وَقَصْدُهُمْ تَعْطِيلُ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ عَنِ اسْتِدْلَالِ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ بِهَا، لَكِنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ تَعْطِيلَ جُمْلَةِ الشَّرْعِ، فَهُمْ رَدُّوا بَاطِلًا بِأَبْطَلَ مِنْهُ، وَبِدْعَةً بِأَقْبَحَ مِنْهَا، فَكَانُوا كَمَنْ رَامَ أَنْ يَبْنِيَ قَصْرًا فَهَدَمَ مِصْرًا.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: فِي الْكَلَامِ إِضْمَارٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِإِضْمَارِ الشَّرْطِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَجَزَاؤُهُ كَذَا إِنْ جَازَاهُ، أَوْ إِنْ شَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِإِضْمَارِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَالتَّقْدِيرُ: فَجَزَاؤُهُ كَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: هَذَا وَعِيدٌ، وَإِخْلَافُ الْوَعِيدِ لَا يُذَمُّ بَلْ يُمْدَحُ، فَيَجُوزُ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - إِخْلَافُ الْوَعِيدِ لَا إِخْلَافُ الْوَعْدِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَعِيدَ حَقُّهُ، فَإِخْلَافُهُ عَفْوٌ وَهِبَةٌ، وَإِسْقَاطُ ذَلِكَ مُوجِبٌ كَرَمَهُ وَجُودَهُ وَإِحْسَانَهُ، وَالْوَعْدُ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِوَعْدِهِ، وَاللَّهُ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ; وَلِهَذَا مَدَحَ بِهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ ﵁ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قَالَ:
نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي ... وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ
وَتَنَاظَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ وَعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ الْمُعْتَزِلِيُّ صَاحِبُ وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: يَا أَبَا عَمْرٍو لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء: ٩٣]
стр. 371
فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو، مِنَ الْعُجْمَةِ أَتَيْتَ، إِنَّ الْعَرَبَ لَا تَعُدُّ إِخْلَافَ الْوَعِيدِ ذَمًّا، بَلْ جُودًا وَكَرَمًا، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
وَلَا يَرْهَبُ ابْنُ الْعَمِّ مَا عِشْتُ صَوْلَتِي ... وَلَا يَخْتَشِي مِنْ صَوْلَةِ الْمُتَهَدِّدِ
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُهُ أَوْ وَعَدْتُهُ ... لِمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى ذِكْرِ الْمَوَانِعِ مِنْ إِنْفَاذِ الْوَعِيدِ، بَعْضُهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَبَعْضُهَا بِالنَّصِّ، فَالتَّوْبَةُ مَانِعٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالتَّوْحِيدُ مَانِعٌ بِالنُّصُوصِ الْمُتَوَاتِرَةِ الَّتِي لَا مَدْفَعَ لَهَا، وَالْحَسَنَاتُ الْعَظِيمَةُ الْمَاحِيَةُ مَانِعَةٌ، وَالْمَصَائِبُ الْمُكَفِّرَةُ مَانِعَةٌ، وَإِقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الدُّنْيَا مَانِعٌ بِالنَّصِّ، فَلَا تُعَطِّلْ هَذِهِ النُّصُوصَ وَأَضْعَافَ أَضْعَافِهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ إِعْمَالِ النُّصُوصِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ، وَمِنْ ثَمَّ قَامَتِ الْمُوَازَنَةُ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ اعْتِبَارًا لِمُقْتَضَى الْعِقَابِ وَمَانِعِهِ؛ إِعْمَالًا لِأَرْجَحِهِمَا، وَعَلَى هَذَا بِنَاءُ مَصَالِحِ الدَّارَيْنِ وَمَفَاسِدِهِمَا وَبِنَاءُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْقَدَرِيَّةِ، وَهُوَ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ السَّارِيَةِ فِي الْوُجُودِ، وَبِهِ ارْتِبَاطُ الْأَسْبَابِ وَمُسَبَّبَاتِهَا خَلْقًا وَأَمْرًا، وَقَدْ جَعَلَ - تَعَالَى - لِكُلٍّ ضِدٍّ ضِدًّا يُدَافِعُهُ وَمَانِعًا يُمَانِعُهُ وَيَكُونُ الْحُكْمُ لِلْأَغْلَبِ مِنْهُمَا. وَالْحَاصِلُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَوْنُ الْمُذْنِبِ الْمَلِيِّ وَإِنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَعَظُمَتْ خَطَايَاهُ؛ فِي مَشِيئَةِ مَوْلَاهُ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَافَاهُ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ خُلُودُ أَهْلِ التَّوْحِيدِ فِي النَّارِ مِنَ الْمُحَالِ. فَالصَّوَابُ اجْتِنَابُهُ، وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، وَالتَّعْوِيلُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَالرُّكُونُ إِلَيْهِ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَلَمَّا كَانَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِ الذُّنُوبِ التَّوْبَةُ، وَكَانَتْ وَاجِبَةً عَلَى كُلِّ مَنْ تَلَبَّسَ بِذَنْبٍ؛ ذَكَرَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ((وَوَاجِبٌ)) وُجُوبَ لُزُومٍ لَا بُدَّ مِنْهُ ((عَلَيْهِ)) أَيِ الْمُذْنِبِ ((أَنْ يَتُوبَا)) بِأَلْفِ الْإِطْلَاقِ لِلْوَزْنِ أَيْ أَنْ يَرْجِعَ، فَالتَّوْبَةُ أَصْلُ كُلِّ مَقَامٍ، وَمِفْتَاحُ كُلِّ حَالٍ، فَمَنْ لَا تَوْبَةَ لَهُ لَا مَقَامَ لَهُ وَلَا حَالَ، وَهِيَ لُغَةً الرُّجُوعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَى آخَرَ، وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: أَصْلُ التَّوْبَةِ لُغَةً الرُّجُوعُ، يُقَالُ تَابَ وَثَابَ بِالْمُثَلَّثَةِ وَآبَ وَأَنَابَ رَجَعَ، وَالْمُرَادُ بِالتَّوْبَةِ هُنَا الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ. انْتَهَى. فَهِيَ الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ بِأَنْ يُقْلِعَ عَنْهُ وَيَنْدَمَ عَلَيْهِ وَيَعْزِمَ عَلَى أَلَّا يَعُودَ إِلَيْهِ، وَيُرْضِيَ الْآدَمِيَّ عَنْ ظُلَامَتِهِ إِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ: التَّوْبَةُ
стр. 372
الْوَاجِبَةُ الرُّجُوعُ عَمَّا كَانَ مَذْمُومًا فِي الشَّرْعِ مِنْ تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ إِلَى مَا هُوَ مَحْمُودٌ فِي الشَّرْعِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةٌ: الْإِقْلَاعُ، وَالنَّدَمُ عَلَى فِعْلِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ، وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَّا يَعُودَ إِلَيْهَا أَبَدًا، وَأَنْ لَا يُغَرْغِرَ. انْتَهَى.
فَإِنْ كَانَتِ الْمَعْصِيَةُ لِآدَمِيٍّ فَلَهَا رُكْنٌ رَابِعٌ وَهُوَ التَّحَلُّلُ مِنْ صَاحِبِ ذَلِكَ الْحَقِّ. وَأَصْلُهَا النَّدَمُ وَهُوَ رُكْنُهَا الْأَعْظَمُ، وَقَدْ فَسَّرَتِ الصَّحَابَةُ ﵃ كَأَمِيرَيِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ التَّوْبَةَ بِالنَّدَمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهَا بِالْعَزْمِ عَلَى أَنْ يَعُودَ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا مَنْ وَجْهٍ فِيهِ ضَعْفٌ، لَكِنْ لَا يُعْلَمُ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا، وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَالْحُسْنِ وَغَيْرِهِمَا.
وَفِي قَوْلِهِ ((مِنْ كُلِّ مَا)) أَيْ شَيْءٍ أَوِ الَّذِي ((جَرَّ)) أَيْ قَادَ وَجَذَبَ ((عَلَيْهِ)) أَيِ الْمُذْنِبِ ((حُوبًا)) أَيْ إِثْمًا، وَفِي الْقَامُوسِ: الْحَوْبُ الْإِثْمُ، يُقَالُ حَابَ بِكَذَا أَثِمَ حَوْبًا، وَيُضَمُّ، وَالْحَوْبُ الْحُزْنُ وَالْوَحْشَةُ، وَيُضَمُّ فِيهِمَا. وَفِي الْقَامُوسِ أَيْضًا: الْحُوبُ بِالضَّمِّ الْهَلَاكُ، وَالْبَلَاءُ، وَالتَّحَوُّبُ التَّوَجُّعُ وَتَرْكُ الْحُوبِ؛ كَالتَّأَثُّمِ.
وَمُرَادُ النَّاظِمِ مِنْ ذَلِكَ: مِنْ كُلِّ مَا جَرَّ عَلَيْهِ الْهَلَاكَ وَالْبَلَاءَ؛ إِشْعَارًا بِوُجُوبِ التَّوْبَةِ مَنْ كُلِّ ذَنْبٍ كَبِيرٍ، أَوْ صَغِيرٍ، وَهَذَا مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ مِنْ كُلِّ مَعْصِيَةٍ - وَاجِبَةٌ عَلَى الْفَوْرِ، لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً، وَأَنَّهَا مِنْ مُهِمَّاتِ الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدِ الدِّينِ الْمُتَأَكِّدَةِ. وَوُجُوبُهَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِالشَّرْعِ وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ بِالْعَقْلِ. وَظَاهِرُ النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ، وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَابَ لِلَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا وَاجْتَمَعَتْ شُرُوطُ التَّوْبَةِ فِي حَقِّهِ، أَنَّهُ يُقْطَعُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ كَرَمًا مِنْهُ وَفَضْلًا. وَعَرَفْنَا قَبُولَهَا بِالشَّرْعِ وَالْإِجْمَاعِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، أَمَّا فِي حَقِّ قَبُولِ تَوْبَةِ الْكَافِرِ بِالْإِسْلَامِ، فَهَذِهِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: تَوْبَةُ الْكَافِرِ مِنْ كُفْرِهِ قَبُولُهَا مَقْطُوعٌ بِهِ، وَفِي كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ مِنْ أَئِمَّةِ عُلَمَائِنَا
стр. 373
مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ لَا يَجِبُ وَيَجُوزُ رَدُّهَا. انْتَهَى. وَأَمَّا قَبُولُ تَوْبَةِ الْمُذْنِبِ النَّصُوحِ بِشَرْطِهَا فَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وَكَلَامُ الْإِمَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ: لَا يُقْطَعُ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ، بَلْ يُرْجَى، وَصَاحِبُهَا تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، مِنْهُمْ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: مَنِ اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الصَّادِقِينَ قَطْعًا. نَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ وَأَقَرَّهُ.
وَإِلَى قَبُولِ التَّوْبَةِ فَضْلًا وَكَرَمًا أَشَارَ بِقَوْلِهِ: ((وَيَقْبَلُ الْمَوْلَى)) الَّذِي هُوَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقُ الْخَلْقِ، وَبَاسِطُ الرِّزْقِ ذُو الْكَرَمِ الْوَاسِعِ، وَالْفَضْلِ الْعَظِيمِ ((بِمَحْضِ)) أَيْ خَالِصِ ((الْفَضْلِ)) وَالْكَرَمِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ - تَعَالَى - وَلَا إِلْزَامٍ ((مِنْ)) كُلِّ عَبْدٍ مُذْنِبٍ تَابَ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا بِشُرُوطِهَا الْمَذْكُورَةِ مِنَ النَّدَمِ، وَالْإِقْلَاعِ، وَالْعَزْمِ أَنْ لَا يَعُودَ، وَأَنْ يَرُدَّ مَا أَمْكَنَ مِنَ الْمَظَالِمِ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، أَوْ يَسْتَحِلَّهُمْ مِمَّا أَمْكَنَ، فَإِذَا اجْتَمَعَتِ الشُّرُوطُ قُبِلَتِ التَّوْبَةُ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مِنْ شَخْصٍ مُسْلِمٍ ((غَيْرِ عَبْدٍ كَافِرٍ)) بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ((مُنْفَصِلٍ)) عَنِ الدِّينِ، إِمَّا بِرِدَّةٍ، أَوْ كَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا، فَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ مِنَ الذُّنُوبِ ((مَا لَمْ يَتُبْ)) أَيْ يَرْجِعْ ((مِنْ كُفْرِهِ)) فَيُسْلِمُ وَيُقِرُّ لِلَّهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَلِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالرِّسَالَةِ، وَيُقِرُّ وَيُذْعِنُ بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَيُؤْمِنُ بِالْكِتَابِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ فَيَتَّصِفُ مِنْ بَعْدِ رُجُوعِهِ عَنِ الْكُفْرِ ((بِضِدِّهِ)) مِنَ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ كَانَ مُرْتَدًّا بِإِنْكَارِ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ إِيجَابًا وَتَحْرِيمًا؛ فَيَرْجِعُ عَنْ إِنْكَارِهِ ذَلِكَ، وَيُقِرُّ وَيُذْعِنُ حَسْبَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ الْكَرِيمُ وَكَلَامُ اللَّهِ الْقَدِيمُ. وَإِنْ كَانَ مُشْرِكًا، أَوْ مُعْتَقِدًا أَنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا يَسْتَقِلُّ بِالنَّفْعِ، وَالضَّرَرِ، وَعِلْمِ الْغَيْبِ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ ((فَـ)) ـلَا يُقْبَلُ مِنْهُ مَا لَمْ ((يَرْتَجِعْ عَنْ شِرْكِهِ)) الَّذِي كَانَ مُتَّصِفًا بِهِ ((وَصَدِّهِ)) أَيْ إِعْرَاضِهِ عَنِ الدِّينِ وَاتِّبَاعِ سَيِّدِ الْعَالَمِينَ؛ بِأَنْ يُذْعِنَ وَيَنْقَادَ لِشَرِيعَةِ خَيْرِ الْعِبَادِ؛ مُسْلِمًا خَاضِعًا مُقْبِلًا بِقَلْبِهِ وَقَالِبِهِ، خَالِعًا مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ تُرَّهَاتِهِ وَمَطَالِبِهِ، فَهَذَا يُقْبَلُ إِسْلَامُهُ إِجْمَاعًا. وَأَمَّا الْمُذْنِبُ فَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِ مَعَ اسْتِيفَاءِ الشُّرُوطِ، مُتَعَلِّلًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، فَيَجْعَلُ كُلَّ الذُّنُوبِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، وَرُبَّمَا تَعَلَّقُوا بِمِثْلِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [التحريم: ٨]
стр. 374
وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١] ، وَبِقَوْلِهِ ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ [القصص: ٦٧] ، وَبُقُولَهُ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢] ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ التَّائِبِ ; لِأَنَّ الِاعْتِرَافَ يَقْتَضِي النَّدَمَ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» ". وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ: هَذِهِ الْآيَاتُ لَا تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْقَطْعِ، فَإِنَّ الْكَرِيمَ إِذَا أَطْمَعَ لَمْ يَقْطَعْ مِنْ رَجَائِهِ الْمَطْمَعَ، وَمِنْ هُنَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: إِنَّ " عَسَى " مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ.
نَقَلَهُ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ. وَقَدْ وَرَدَ جَزَاءُ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ بِلَفْظِ " عَسَى " أَيْضًا، فَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] الْآيَةَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَإِنَّ التَّائِبَ مِمَّنْ يَشَاءُ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِهِ.
[تنبيهات]
[التنبيه الأول تكفير الحسنات للسيئات]
((تَنْبِيهَاتٌ))
الْأَوَّلُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ: هَلْ تَكَفِّرُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ، أَمْ لَا تُكَفِّرُ سِوَى الصَّغَائِرِ؟ فَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَغَيْرِهِ مِنَ السَّلَفِ فِي الْوُضُوءِ أَنَّهُ يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ، وَالْمَشْيُ إِلَى الْمَسَاجِدِ يُكَفِّرُ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَالصَّلَاةُ تُكَفِّرُ أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ. خَرَّجَهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ. وَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا بُدَّ لَهَا مِنَ التَّوْبَةِ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْعِبَادَ بِهَا، وَجَعَلَ مَنْ لَمْ يَتُبْ ظَالِمًا فَقَالَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] وَاتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ فَرْضٌ، وَالْفَرَائِضُ لَا تُؤَدَّى إِلَّا بِنْيَةٍ وَقَصْدٍ، وَلَوْ وَقَعَتِ الْكَبَائِرُ مُكَفَّرَةً بِالْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ، أَوْ أَدَاءِ بَقِيَّةِ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ؛ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى التَّوْبَةِ - وَهَذَا بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَيْضًا فَلَوْ كُفِّرَتِ الْكَبَائِرُ بِفِعْلِ الْفَرَائِضِ لَمْ يَبْقَ لِأَحَدٍ ذَنْبٌ يَدْخُلُ بِهِ النَّارَ إِذَا أَتَى بِالْفَرَائِضِ. قَالَ الْحَافِظُ
стр. 375
ابْنُ رَجَبٍ: وَهَذَا يُشْبِهُ قَوْلَ الْمُرْجِئَةِ، وَهُوَ بَاطِلٌ.
وَكَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ، وَحَكَى إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَحَادِيثَ، مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : " «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ» " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلَيْنِ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: أَحَدُهُمَا: عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اجْتِنَابَ الْكَبَائِرِ شَرْطٌ لِتَكْفِيرِ هَذِهِ الْفَرَائِضِ لِلصَّغَائِرِ، فَإِنْ لَمْ يَجْتَنِبْ؛ لَمْ تُكَفِّرْ هَذِهِ الْفَرَائِضُ شَيْئًا بِالْكُلِّيَّةِ، وَالثَّانِي: أَنَّهَا تُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ مُطْلَقًا وَلَا تُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ، وَإِنْ وُجِدَتْ، لَكِنْ بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا، مُرَادُهُ أَنَّهُ إِذَا أَصَرَّ عَلَيْهَا صَارَتْ كَبِيرَةً، فَلَمْ تُكَفِّرْهَا الْأَعْمَالُ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَحْضُرُ صَلَاةً مَكْتُوبَةً، فَيُحْسِنُ وَضَوْءَهَا وَخُشُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ، مَا لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ» " وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَعْمَالَ تُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ، مِنْهُمُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَلِيُّ بْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ، وَإِيَّاهُ عَنَى الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ بِالرَّدِّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَرْغَبُ بِنَفْسِي عَنِ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْبَابِ لَوْلَا قَوْلُ ذَلِكَ الْقَائِلِ، وَخَشِيتُ أَنْ يَغْتَرَّ بِهِ جَاهِلٌ فَيَنْهَمِكَ فِي الْمُوبِقَاتِ اتِّكَالًا عَلَى أَنَّهَا تُكَفِّرُهَا الْفَرَائِضُ مِنَ الصَّلَوَاتِ وَنَحْوِهَا، دُونَ النَّدَمِ، وَالِاسْتِغْفَارِ وَالتَّوْبَةِ، وَاللَّهُ نَسْأَلُهُ الْعِصْمَةَ وَالتَّوْفِيقَ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَقَدْ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا فِي كَلَامِ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي الْوُضُوءِ وَنَحْوِهِ، وَوَقَعَ مِثْلُهُ فِي كَلَامِ ابْنِ الْمُنْذِرِ فِي قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدَرِ، قَالَ: يُرْجَى لِمَنْ قَامَهَا أَنْ يُغْفَرَ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا. قَالَ: فَإِنْ كَانَ مُرَادُهُمْ أَنَّ مَنْ أَتَى بِفَرَائِضِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى الْكَبَائِرِ - أَنَّهَا تُغْفَرُ لَهُ قَطْعًا؛ فَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا، يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ مِنَ الدِّينِ بُطْلَانُهُ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «مَنْ أَسَاءَ فِي الْإِسْلَامِ أُخِذَ بِالْأَوَّلِ، وَالْآخِرِ» " يَعْنِي بِعَمَلِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ. قَالَ: وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى بَيَانٍ. قَالَ: وَإِنْ أَرَادَ هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْإِصْرَارَ عَلَى الْكَبَائِرِ وَحَافَظَ عَلَى الْفَرَائِضِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَلَا نَدَمٍ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ - كُفِّرَتْ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا بِذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ
стр. 376
- تَعَالَى -: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] تَشْمَلُ الْكَبَائِرَ، وَالصَّغَائِرَ، فَكَمَا أَنَّ الصَّغَائِرَ تُكَفَّرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَلَا نِيَّةٍ، فَكَذَلِكَ الْكَبَائِرُ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَ الْمُؤْمِنِينَ، وَالْمُتَّقِينَ بِالْمَغْفِرَةِ وَتَكْفِيرِ السَّيِّئَاتِ، وَهَذَا مَذْكُورٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَقَدْ صَارَ مِثْلُ هَذَا مِنَ الْمُتَّقِينَ، فَإِنَّهُ فَعَلَ الْفَرَائِضَ وَاجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ، وَاجْتِنَابُ الْكَبَائِرِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ وَقَصْدٍ، فَهَذَا الْقَوْلُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي الْجُمْلَةِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ الْجُمْهُورِ إِنَّ الْكَبَائِرَ لَا تُكَفِّرُ بِدُونِ التَّوْبَةِ ; لِأَنَّهَا فَرْضٌ لَازِمٌ عَلَى الْعِبَادِ، وَأَمَّا النُّصُوصُ الْمُتَضَمِّنَةُ مَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ وَتَكْفِيرَ السَّيِّئَاتِ لِلْمُتَّقِينَ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يُبَيِّنْ فِي الْآيَاتِ خِصَالَ التَّقْوَى وَلَا الْعَمَلِ الصَّالِحِ، فَإِنَّ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ، وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتُبْ فَهُوَ ظَالِمٌ غَيْرُ مُتَّقٍ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الْكَبَائِرَ لَا تُكَفَّرُ بِدُونِ التَّوْبَةِ مِنْهَا أَوِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا - حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الْمَارُّ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ " «فَمَنْ وَفَى فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» "، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ " «مَنْ أَتَى مِنْكُمْ حَدًّا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ» " قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: قَوْلُهُ " «فَعُوقِبَ بِهِ» " يَعُمُّ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةَ، وَهِيَ الْحُدُودُ الْمُقَدَّرَةُ أَوْ غَيْرُ الْمُقَدَّرَةِ كَالتَّعْزِيرَاتِ، وَيَشْمَلُ الْعُقُوبَاتِ الْقَدَرِيَّةَ كَالْمَصَائِبِ وَالْأَسْقَامِ وَالْآلَامِ، فَإِنَّهُ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «لَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ نَصَبٌ وَلَا هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» " وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁: الْحَدُّ كَفَّارَةٌ لِمَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ. وَذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا بَيْنَ النَّاسِ وَرَجَّحَ أَنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ بِمُجَرَّدِهِ كَفَّارَةٌ، وَوَهَّنَ الْقَوْلَ بِخِلَافِ ذَلِكَ جِدًّا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَصَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ: أَنَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ لَيْسَ بِكَفَّارَةٍ، وَلَا بُدَّ مَعَهُ مِنَ التَّوْبَةِ، وَرَجَّحَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، مِنْهُمُ الْبَغْوِيُّ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي تَفْسِيرَيْهِمَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ
стр. 377
الْمَرْفُوعُ " «لَا أَدْرِي الْحُدُودُ طَهَارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا» ؟ " فَقَدْ خَرَّجَهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ وَعَلَّلَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: لَا يَثْبُتُ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَرَاسِيلِ الزُّهْرِيِّ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ، وَغَلِطَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَوَصَلَهُ. وَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الْحَدَّ كَفَّارَةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِمَنْ قَالَ: «أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَتَرَكَهُ حَتَّى صَلَّى ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ حَدَّكَ» " فَلَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ شَيْءٌ مِنَ الْكَبَائِرِ ; لِأَنَّ حُدُودَ اللَّهِ مَحَارِمُهُ كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١] فَكُلُّ مَنْ أَصَابَ شَيْئًا مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَقَدْ أَصَابَ حُدُودَهُ وَارْتَكَبَهَا وَتَعَدَّاهَا، وَعَلَى فَرْضِ كَوْنِهِ كَبِيرَةً فَهَذَا الرَّجُلُ جَاءَ نَادِمًا تَائِبًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ إِلَى إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَالتَّوْبَةُ تُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ.
ثُمَّ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَالْأَظْهَرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، يَعْنِي مَسْأَلَةَ تَكْفِيرِ الْكَبَائِرِ بِالْأَعْمَالِ - أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ أَنَّ الْكَبَائِرَ تُمْحَى بِمُجَرَّدِ الْإِتْيَانِ بِالْفَرَائِضِ، وَتَقَعُ مُكَفَّرَةً بِذَلِكَ كَالصَّغَائِرِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ؛ فَهَذَا بَاطِلٌ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ قَدْ يُوَازَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْكَبَائِرِ وَبَيْنَ بَعْضِ الْأَعْمَالِ فَتُمْحَى الْكَبِيرَةُ بِمَا يُقَابِلُهَا مِنَ الْعَمَلِ وَيَسْقُطُ الْعَمَلُ فَلَا يَبْقَى لَهُ ثَوَابٌ، فَهَذَا قَدْ يَقَعُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّهُ ضَرَبَ عَبْدًا لَهُ، فَأَعْتَقَهُ وَقَالَ: لَيْسَ لِي فِيهِ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ هَذَا - وَأَخَذَ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ - إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " مَنْ لَطَمَ مَمْلُوكَهُ، أَوْ ضَرَبَهُ فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ» " فَجَعَلَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ عِتْقَهُ كَفَّارَةٌ لِذَنْبِهِ وَلَمْ يَكُنْ ذَنْبُهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَكَيْفَ بِمَا كَانَ مِنَ الْأَعْمَالِ الْمُنَافِيَةِ لَهَا؛ كَمَا يُبْطِلُ الْمَنُّ الصَّدَقَةَ، وَتُبْطِلُ الْمُعَامَلَةُ بِالرِّبَا ثَوَابَ الْجِهَادِ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ لِأُمِّ وَلَدِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: إِنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ ﵁: قَذْفُ الْمُحْصَنَةِ يَهْدِمُ عَمَلَ مِائَةِ سَنَةٍ. وَرُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا، أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ. وَكَمَا يُبْطِلُ تَرْكُ صَلَاةِ الْعَصْرِ الْعَمَلَ، فَلَا يُسْتَنْكَرُ أَنْ يُبْطِلَ ثَوَابَ الْعَمَلِ الَّذِي يُكَفَّرُ - الْكَبَائِرُ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يُؤْتَى بِحَسَنَاتِ الْعَبْدِ وَسَيِّئَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَصُّ - أَوْ يُقْضَى - بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَإِنْ بَقِيَتْ لَهُ
стр. 378
حَسَنَةٌ وُسِّعَ لَهُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ» " وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: « ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ لَا يُؤْجَرُونَ عَلَى الشَّيْءِ الْقَلِيلِ إِذَا أَعْطُوهُ، فَيَسْتَقِلُّونَ أَنْ يُعْطُوا الْمِسْكِينَ تَمْرَةً، أَوْ كِسْرَةً، أَوْ جَوْزَةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَيَرُدُّونَهُ وَيَقُولُونَ مَا هَذَا بِشَيْءٍ، إِنَّمَا نُؤْجَرُ عَلَى مَا نُعْطِي وَنَحْنُ نُحِبُّهُ، وَكَانَ آخَرُونَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ لَا يُلَامُونَ عَلَى الذَّنْبِ الْيَسِيرِ كَالْكَذْبَةِ، وَالنَّظْرَةِ، وَالْغَيْبَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا أَوْعَدَ اللَّهُ النَّارَ عَلَى الْكَبَائِرِ، فَرَغَّبَهُمُ اللَّهُ فِي الْقَلِيلِ مِنَ الْخَيْرِ أَنْ يُعْطُوهُ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكْثُرَ، وَحَذَّرَهُمُ الْيَسِيرَ مِنَ الشَّرِّ فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَكْبُرَ فَنَزَلَتْ» ، وَالذَّرُّ أَصْغَرُ النَّمْلِ خَيْرًا يَرَهُ يَعْنِي فِي كِتَابِهِ، وَيَسُرُّهُ ذَلِكَ، قَالَ: يَكْتُبُ لِكُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ بِكُلِّ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةً وَاحِدَةً، وَبِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشَرَةَ حَسَنَاتٍ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ؛ ضَاعَفَ اللَّهُ حَسَنَاتِ الْمُؤْمِنِ أَيْضًا، بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرًا، فَيَمْحُو عَنْهُ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ، فَمَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةِ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ.
فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ يَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ تَسْقُطُ الْحَسَنَاتُ الْمُقَابِلَةُ لِلسَّيِّئَاتِ، وَيُنْظَرُ إِلَى مَا يَفْضُلُ مِنْهَا بَعْدَ الْمُقَاصَّةِ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَنْ قَالَ بِأَنَّ مَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ بِحَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ أُثِيبَ بِتِلْكَ الْحَسَنَةِ خَاصَّةً، وَتَسْقُطُ بَاقِي حَسَنَاتِهِ فِي مُقَابَلَةِ سَيِّئَاتِهِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: يُثَابُ بِالْجَمِيعِ وَتَسْقُطُ عَنْهُ سَيِّئَاتُهُ كَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ، وَهَذَا فِي الْكَبَائِرِ، وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَإِنَّهَا قَدْ تُمْحَى بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ مَعَ بَقَاءِ ثَوَابِهَا كَمَا قَالَ ﷺ " «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ، إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ» "، فَأَثْبَتَ ﷺ لِهَذِهِ الْأَعْمَالِ تَكْفِيرَ الْخَطَايَا وَرَفْعَ الدَّرَجَاتِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ : " «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؛ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِائَةَ حَسَنَةٍ وَمَحَا عَنْهُ مِائَةَ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ» " فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذِّكْرَ يَمْحُو السَّيِّئَاتِ وَيَبْقَى ثَوَابُهُ لِعَامِلِهِ مُضَاعَفًا، كَذَلِكَ سَيِّئَاتُ التَّائِبِ تَوْبَةً نَصُوحًا تُكَفَّرُ عَنْهُ، وَتَبْقَى لَهُ حَسَنَاتُهُ كَمَا قَالَ - تَعَالَى -: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [الأحقاف: ١٥]- إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف: ١٥] قَالَ - تَعَالَى -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف: ١٦]
стр. 379
وَفِي هَذَا الْمَعْنَى أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يُوجَدُ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ كَفَّارَةٌ لِلذُّنُوبِ وَرَفْعُ دَرَجَاتٍ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ يُمْحَى بِإِزَاءِ السَّيِّئَةِ الْوَاحِدَةِ ضِعْفٌ وَاحِدٌ مِنْ أَضْعَافِ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ، وَيَبْقَى لَهُ تِسْعُ حَسَنَاتٍ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِالصَّغَائِرِ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَيُوَازَنُ بَيْنَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ وَيُقَصُّ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ فَقَدْ نَجَا وَدَخَلَ الْجَنَّةَ، قَالَ: سَوَاءٌ فِي هَذَا الصَّغَائِرُ وَالْكَبَائِرُ، وَهَكَذَا مَنْ كَانَ لَهُ حَسَنَاتٌ، وَعَلَيْهِ مَظَالِمُ، فَاسْتَوْفَى الْمَظْلُومُونَ حُقُوقَهُمْ مِنْ حَسَنَاتِهِ وَبَقِيَ لَهُ حَسَنَةٌ دَخَلَ بِهَا الْجَنَّةَ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: إِنْ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ فَفَضُلَ لَهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ ضَاعَفَهَا اللَّهُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَإِنْ كَانَ شَقِيًّا قَالَ الْمَلَكُ: رَبِّ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ وَبَقِيَ لَهُ طَالِبُونَ كَثِيرٌ، قَالَ: " خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاتِهِ، ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ " أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَالْمُرَادُ: التَّفْضِيلُ مِنْ مِثْقَالِ الذَّرَّةِ مِنَ الْحَسَنَاتِ إِنَّمَا هُوَ بِفَضْلِ اللَّهِ لِمُضَاعَفَتِهِ لِحَسَنَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَبَرَكَتِهِ فِيهَا، وَهَكَذَا حَالُ مَنْ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٌ وَسَيِّئَاتٌ وَأَرَادَ اللَّهُ رَحْمَتَهُ؛ فَضُلَ لَهُ مِنْ حَسَنَاتِهِ مَا يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ، وَكُلُّهُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مَرْفُوعًا: " «أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: قُلْ لِأَهْلِ طَاعَتِي مِنْ أُمَّتِكَ لَا يَتَّكِلُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ فَإِنِّي لَا أُقَاصُّ عَبْدًا الْحَسَنَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنْ أَشَاءُ أُعَذِّبُهُ إِلَّا عَذَّبْتُهُ، وَقُلْ لِأَهْلِ مَعْصِيَتِي مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُلْقُوا بِأَيْدِيهِمْ فَإِنِّي أَغْفِرُ الذَّنْبَ الْعَظِيمَ وَلَا أُبَالِي» " وَمِصْدَاقُهُ قَوْلُ نَبِيِّنَا ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ - وَفِي رِوَايَةٍ - هَلَكَ» ".
تَتِمَّةٌ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِي الْمُسْنَدِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَالْبَحْرُ يَسْتَأْذِنُ مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُغْرِقَ بَنِي آدَمَ، وَالْمَلَائِكَةُ تَسْتَأْذِنُهُ أَنْ تُعَاجِلَهُ وَتُهْلِكَهُ، وَالرَّبُّ - تَعَالَى - يَقُولُ: دَعُوا عَبْدِي فَأَنَا أَعْلَمُ بِهِ إِذْ أَنْشَأْتُهُ مِنَ الْأَرْضِ، إِنْ كَانَ عَبْدَكُمْ فَشَأْنَكُمْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدِي فَمِنِّي إِلَى عَبْدِي، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي إِنْ أَتَانِي لَيْلًا قَبِلْتُهُ، وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا
стр. 380
وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ مَشَى إِلَيَّ هَرْوَلْتُ إِلَيْهِ، وَإِنِ اسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ، وَإِنِ اسْتَقَالَنِي أَقَلْتُهُ، وَإِنْ تَابَ إِلَيَّ تُبْتُ عَلَيْهِ، مَنْ أَعْظَمُ مِنِّي جُودًا وَكَرَمًا وَأَنَا الْجَوَادُ الْكَرِيمُ، عَبِيدِي يَبِيتُونَ يُبَارِزُونَنِي بِالْعَظَائِمِ، وَأَنَا أَكْلَؤُهُمْ فِي مَضَاجِعِهِمْ وَأَحْرُسُهُمْ عَلَى فُرُشِهِمْ، مَنْ أَقْبَلَ إِلَيَّ تَلَقَّيْتُهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَمَنْ تَرَكَ لِأَجْلِي أَعْطَيْتُهُ فَوْقَ الْمَزِيدِ، وَمَنْ تَصَرَّفَ بِحَوْلِي وَقُوَّتِي أَلَنْتُ لَهُ الْحَدِيدَ، وَمَنْ أَرَادَ مُرَادِي أَرَدْتُ مَا يُرِيدُ، أَهْلُ ذِكْرِي أَهْلُ مُجَالَسَتِي، وَأَهْلُ شُكْرِي أَهْلُ زِيَادَتِي، وَأَهْلُ طَاعَتِي أَهْلُ كَرَامَتِي، وَأَهْلُ مَعْصِيَتِي لَا أُقَنِّطُهُمْ - وَفِي لَفْظٍ - لَا أُوئِسُهُمْ مِنْ رَحْمَتِي، إِنْ تَابُوا فَأَنَا حَبِيبُهُمْ فَإِنِّي أُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَأُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَأَنَا طَبِيبُهُمْ أَبْتَلِيهِمْ بِالْمَصَائِبِ لِأُطَهِّرَهُمْ مِنَ الْمَعَايِبِ» "، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[التَّنْبِيهُ الثَّانِي هل تجب التوبة من الصغائر]
((التَّنْبِيهُ الثَّانِي)) تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُعْتَمَدَ وُجُوبُ التَّوْبَةِ حَتَّى مِنَ الصَّغَائِرِ كَالْكَبَائِرِ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ مِنَ الصَّغَائِرِ تَوْبَةٌ ; لِأَنَّهَا تَقَعُ مُكَفَّرَةً بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ؛ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١] قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: أَوْجَبَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ وَغَيْرِهِمُ التَّوْبَةَ مِنَ الصَّغَائِرِ كَالْكَبَائِرِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - عَقِيبَ ذِكْرِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ بِالتَّوْبَةِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ - وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣٠ - ٣١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ [النور: ٣١] الْآيَةَ، وَأَمَرَ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الصَّغَائِرِ بِخُصُوصِهَا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١] قَالَ الْحَافِظُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُوجِبُ التَّوْبَةَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ. وَمِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ أَوْجَبَ أَحَدَ أَمْرَيْنِ، إِمَّا التَّوْبَةَ مِنْهَا أَوِ الْإِتْيَانَ بِبَعْضِ الْمُكَفِّرَاتِ لِلذُّنُوبِ مِنَ الْحَسَنَاتِ. وَحَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ فِي تَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ بِامْتِثَالِ الْفَرَائِضِ وَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقْطَعُ بِتَكْفِيرِهَا بِذَلِكَ قَطْعًا لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَحَكَى عَنِ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ
стр. 381
بِتَكْفِيرِهَا، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَقُوَّةِ الرَّجَاءِ، وَهُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، إِذْ لَوْ قَطَعَ بِتَكْفِيرِهَا لَكَانَتِ الصَّغَائِرُ فِي حُكْمِ الْمُبَاحِ الَّذِي لَا تَبِعَةَ فِيهِ، وَذَلِكَ نَقْضٌ لِعُرَى الشَّرِيعَةِ.
قَالَ الْحَافِظُ: لَا يُقْطَعُ بِتَكْفِيرِهَا ; لِأَنَّ أَحَادِيثَ التَّكْفِيرِ الْمُطْلَقَةَ بِالْأَعْمَالِ جَاءَتْ مُقَيَّدَةً بِتَحْسِينِ الْعَمَلِ، كَمَا وَرَدَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ، وَالصَّلَاةِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ حُسْنِ الْعَمَلِ الَّذِي يُوجِبُ التَّكْفِيرَ، وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ يَنْبَنِي وُجُوبُ التَّوْبَةِ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: لَا صَغِيرَةَ مَعَ إِصْرَارٍ وَلَا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفَارٍ. وَرُوِيَ مَرْفُوعًا مِنْ وُجُوهٍ ضَعِيفَةٍ، وَإِذَا صَارَتِ الصَّغَائِرُ كَبَائِرَ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا فَلَا بُدَّ لِلْمُحْسِنِينَ مِنِ اجْتِنَابِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الصَّغَائِرِ ; حَتَّى يَكُونُوا مُجْتَنِبِينَ لِكَبَائِرِ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ - وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ - وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ - وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ - وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ٣٦ - ٤٠] فَهَذِهِ الْآيَاتُ تَضَمَّنَتْ وَصْفَ الْمُؤْمِنِينَ بِقِيَامِهِمْ بِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالتَّوَكُّلِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ، وَالِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ فِي جَمِيعِ طَاعَاتِهِ، وَمَعَ هَذَا هُمْ مُجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشِ، فَهَذَا تَحَقُّقُ التَّقْوَى، وَوَصَفَهُمْ فِي مُعَامَلَتِهِمْ لِلْخَلْقِ بِالْمَغْفِرَةِ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَنَدَبَهُمْ إِلَى الْعَفْوِ، وَالْإِصْلَاحِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] فَلَيْسَ مُنَافِيًا لِلْعَفْوِ، فَإِنَّ الِانْتِصَارَ يَكُونُ بِإِظْهَارِ الْقُدْرَةِ عَلَى الِانْتِقَامِ، ثُمَّ يَقَعُ الْعَفْوُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ أَتَمَّ وَأَكْمَلَ، قَالَ النَّخَعِيُّ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَكْرَهُونَ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ فَيَجْتَرِئَ عَلَيْهِ الْفُسَّاقُ، فَالْمُؤْمِنُ إِذَا بُغِيَ عَلَيْهِ يُظْهِرُ الْقُدْرَةَ عَلَى الِانْتِقَامِ، ثُمَّ يَعْفُو بَعْدَ ذَلِكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[التَّنْبِيهُ الثَّالث هل يبلغ العبد حالة لا تقبل توبته فيها]
((الثَّالِثُ:))
تَنَازَعَ النَّاسُ فِي الْعَبْدِ: هَلْ يَصِيرُ إِلَى حَالٍ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِيهِ قَبُولُ التَّوْبَةِ إِذَا أَرَادَهَا؟ فَصَوَّبَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - أَنَّ التَّوْبَةَ مُمْكِنَةٌ مِنْ
стр. 382
كُلِّ ذَنْبٍ لِمَنْ أَرَادَهَا، وَيُمْكِنُ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهُ، قَالَ: وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجُمْهُورُ، وَقَدْ فَرَضَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً، وَمَنْ تَوَسَّطَ جَرْحَى، فَكَيْفَ مَا تَحَرَّكَ قَتَلَ بَعْضَهُمْ، فَقِيلَ: هَذَا لَا طَرِيقَ لَهُ إِلَى التَّوْبَةِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا وَغَيْرَهُ إِذَا تَابَ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، فَإِنَّ خُرُوجَ مَنْ تَوَسَّطَ أَرْضًا مَغْصُوبَةً بِنِيَّةِ تَخْلِيَةِ الْمَكَانِ وَتَسْلِيمِهِ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ لَيْسَ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَلَا مُحَرَّمٍ، بَلِ الْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ غَصَبَ دَارًا، وَتَرَكَ فِيهَا قُمَاشَهُ وَمَالَهُ إِذَا أُمِرَ بِتَسْلِيمِهَا إِلَى مُسْتَحِقِّهَا، فَإِنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَبِإِخْرَاجِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ نَوْعَ تَصَرُّفٍ فِيهَا، لَكِنَّهُ لِأَجْلِ إِخْلَائِهَا، وَقَدْ قَالَ - تَعَالَى -: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ - إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ - وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ - وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: ٥٣ - ٥٥] الْآيَاتِ، فَهَذِهِ فِي حَقِّ التَّائِبِينَ، وَأَمَّا آيَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ وَهِيَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ فِي حَقِّ التَّائِبِينَ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ، فَإِنَّ التَّائِبَ مِنَ الشِّرْكِ يُغْفَرُ لَهُ الشِّرْكُ أَيْضًا بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ وَاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْآيَةِ الشِّرْكَ بِأَنَّهُ لَا يَغْفِرُهُ، وَمَا عَدَاهُ لَمْ يَجْزِمْ بِمَغْفِرَتِهِ بَلْ عَلَّقَهُ بِالْمَشِيئَةِ فَقَالَ: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، كَمَا أَنَّ فِيهَا رَدًّا عَلَى الْمُرْجِئَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ ; لِأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - عَلَّقَ الْمَغْفِرَةَ بِالْمَشِيئَةِ، فَلَوْ كَانَ يَغْفِرُ لِكُلِّ أَحَدٍ بَطَلَ قَوْلُهُ: لِمَنْ يَشَاءُ، وَلَوْ كَانَ لَا يَغْفِرُ لِأَحَدٍ؛ بَطَلَ قَوْلُهُ: وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى وُقُوعِ الْمَغْفِرَةِ الْعَامَّةِ مِمَّا دُونَ الشِّرْكِ، لَكِنَّهَا لِبَعْضِ النَّاسِ، وَحِينَئِذٍ فَمَنْ غُفِرَ لَهُ لَمْ يُعَذَّبْ، وَمَنْ لَمْ يُغْفَرْ لَهُ عُذِّبَ، وَهَذَا مَذْهَبُ الصَّحَابَةِ وَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ الْقَطْعُ بِأَنَّ مِنْ عُصَاةِ الْأُمَّةِ مَنْ يَدْخُلُ النَّارَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُغْفَرُ لَهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْآيَةَ الْأُولَى فِيهَا النَّهْيُ عَنِ الْقُنُوطِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَإِنْ عَظُمَتِ الذُّنُوبُ وَكَثُرَتْ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْنَطَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَإِنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَعَظُمَتْ، وَلَا أَنْ يُقَنِّطَ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: وَيُرْوَى عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: الْفَقِيهُ الَّذِي لَا يُؤَيِّسُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَلَا يُجَرِّئُهُمْ على
стр. 383
مَعَاصِي اللَّهِ. وَالْقُنُوطُ بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ، إِمَّا لِكَوْنِهِ إِذَا تَابَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَوْبَتَهُ، وَلَا يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَهُ، وَإِمَّا أَنَّ نَفْسَهُ لَا تُطَاوِعُهُ عَلَى التَّوْبَةِ، بَلْ هُوَ مَغْلُوبٌ، وَالشَّيْطَانُ وَنَفْسُهُ اسْتَحْوَذَا عَلَيْهِ فَيَيْأَسُ مِنْ تَوْبَةِ نَفْسِهِ، وَإِنْ عَلِمَ بِأَنَّهُ إِذَا تَابَ غُفِرَ لَهُ، وَهَذَا يَعْتَرِي كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ، وَالْقُنُوطُ يَحْصُلُ بِهَذَا تَارَةً وَبِهَذَا تَارَةً، فَالْأَوَّلُ كَالرَّاهِبِ الَّذِي أَفْتَى قَاتِلَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ نَفْسًا أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لَهُ، فَقَتَلَهُ وَكَمَّلَ بِهِ الْمِائَةَ، ثُمَّ دُلَّ عَلَى عَالِمٍ فَسَأَلَهُ فَأَفْتَاهُ بِأَنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَتَهُ، وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَالثَّانِي كَالَّذِي يَرَى لِلتَّوْبَةِ شُرُوطًا كَثِيرَةً، أَوْ يُقَالُ لَهُ: إِنَّ لِلتَّوْبَةِ شُرُوطًا كَثِيرَةً يَتَعَذَّرُ عَلَيْكَ فِعْلُهَا وَالْإِتْيَانُ بِهَا فَيَيْأَسُ مِنْ أَنْ يَتُوبَ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، وَالْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَلَمْ يُخْبِرْ - سُبْحَانَهُ - أَنَّهُ يَغْفِرُ لِكُلِّ مُذْنِبٍ، بَلْ أَخْبَرَ - تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ لِمَنْ مَاتَ كَافِرًا فَقَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [محمد: ٣٤] وَقَالَ فِي حَقِّ الْمُنَافِقِينَ: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] وَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ ذَنْبٌ لَا يَغْفِرُهُ الرَّبُّ بِحَالٍ، بَلْ مَا مِنْ ذَنَبٍ إِلَّا وَاللَّهُ يَغْفِرُهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ عَظِيمَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْآيَاتِ نَفْعًا، وَفِيهَا رَدٌّ عَلَى طَوَائِفَ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ فِيمَا يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى.
[التَّنْبِيهُ الرابع تصح التوبة من ذنب مع الإصرار على آخر]
((الرَّابِعُ:))
تَصِحُّ التَّوْبَةُ فِي الْمُعْتَمَدِ مِنْ ذَنْبٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى آخَرَ عِنْدَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي هَاشِمِ بْنِ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ: لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ إِلَّا مِنَ الْجَمِيعِ، وَحَكَى الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ رِوَايَةً عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ تَدُلُّ عَلَى مِثْلِ هَذَا وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِهِ هُوَ الْأَوَّلُ، وَمَا رُوِيَ عَنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ تَوْبَةً تَجْعَلُهُ تَائِبًا مُطْلَقًا، فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَرْوَذِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ تَابَ عَنِ الْفَاحِشَةِ، وَلَمْ يَتُبْ عَنِ النَّظَرِ، فَقَالَ: أَيُّ تَوْبَةٍ ذِهِ؟ وَهَذَا لَا يُعْطِي مَا قَالُوهُ عَنْهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَيْسَتْ تَوْبَةً عَامَّةً، فَإِنَّ نُصُوصَهُ الْمُتَوَاتِرَةَ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ، فَحَمْلُ كَلَامِهِ عَلَى مَا تُوَافِقُهُ أَوْلَى لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الْقَوْلُ الْآخَرُ مُبْتَدَعًا لَا يُعْرَفُ لَهُ سَلْفٌ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي
стр. 384
فَتَاوِيهِ، قَالَ: وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَوْصِيَةً بِالسُّنَّةِ، وَالِاتِّبَاعِ، وَتَوْصِيَةً بِاتِّبَاعِ السَّلَفِ، وَتَرْكِ الِابْتِدَاعِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْضِ ذُنُوبِهِ فَالتَّوْبَةُ تَقْتَضِي مَغْفِرَةَ مَا تَابَ مِنْهُ فَقَطْ، قَالَ: وَمَا عَلِمْتُ فِيهِ نِزَاعًا إِلَّا فِي الْكَافِرِ إِذَا أَسْلَمَ فَإِنَّ إِسْلَامَهُ يَغْفِرُ لَهُ الْكُفْرَ، وَهَلْ يَغْفِرُ لَهُ الذُّنُوبَ الَّتِي فَعَلَهَا فِي حَالِ كُفْرِهِ، وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا فِي الْإِسْلَامِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ، الصَّحِيحُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتُبْ مِنَ الذَّنْبِ بَقِيَ عَلَى حُكْمِهِ وَلَا يُغْفَرُ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى، كَغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ عَمِلُوا فِي الْإِسْلَامِ. انْتَهَى.
وَإِذَا تَابَ الْإِنْسَانُ تَوْبَةً عَامَّةً، فَهِيَ تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَا رَآهُ ذَنْبًا ; لِأَنَّ التَّوْبَةَ الْعَامَّةَ تَتَضَمَّنُ عَزْمًا لِفِعْلِ الْمَأْمُورِ وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ، وَكَذَلِكَ تَتَضَمَّنُ نَدَمًا عَامًّا عَلَى كُلِّ مَحْظُورٍ، وَالنَّدَمُ سَوَاءٌ قِيلَ إِنَّهُ مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ، أَوْ مِنْ بَابِ الْإِرَادَاتِ، أَوْ مِنْ بَابِ الْآلَامِ الَّتِي تَلْحَقُ النَّفْسَ بِسَبَبِ فِعْلِ مَا يَضُرُّهَا، فَإِذَا اسْتَشْعَرَ الْقَلْبُ أَنَّهُ فَعَلَ مَا يَضُرُّهُ حَصَلَ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَنَّ الَّذِي فَعَلَهُ كَانَ مِنَ السَّيِّئَاتِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاعْتِقَادَاتِ، وَكَرَاهَةُ مَا كَانَ فَعَلَهُ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْإِرَادَاتِ، وَحَصَلَ لَهُ أَذًى وَغَمٌّ لِمَا كَانَ فَعَلَهُ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْآلَامِ كَالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ، وَعَلَى كُلٍّ فَمَنْ تَابَ تَوْبَةً عَامَّةً كَانَتْ مُقْتَضِيَةً لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ كُلِّهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْ أَعْيَانَ الذُّنُوبِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الذُّنُوبِ لَوِ اسْتَحْضَرَهُ لَمْ يَتُبْ مِنْهُ لِقُوَّةِ إِرَادَتِهِ، أَوْ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ حَسَنٌ فَلَا يَدْخُلُ فِي التَّوْبَةِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: إِنَّهَا تَصِحُّ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ، يَعْنِي صِحَّةَ التَّوْبَةِ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي الْآدَابِ: أَمَّا صِحَّةُ التَّوْبَةِ عَنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ، فَهِيَ أَصْلُ السُّنَّةِ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ صِحَّتَهَا الْمُعْتَزِلَةُ الْقَائِلُونَ بِالْإِحْبَاطِ، وَأَنَّهُ لَا تَنْفَعُ طَاعَةٌ مَعَ مَعْصِيَةٍ، فَأَمَّا مَنْ صَحَّحَ الطَّاعَةَ مَعَ الْمَعَاصِي صَحَّحَ التَّوْبَةَ مِنْ بَعْضِ الْمَعَاصِي. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ ذَنْبٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ قَتَلَ لِإِنْسَانٍ وَلَدًا وَأَحْرَقَ لَهُ بَيْدَرًا، ثُمَّ اعْتَذَرَ عَنْ إِحْرَاقِ الْبَيْدَرِ دُونَ قَتْلِ الْوَلَدِ لَمْ يُعَدَّ اعْتِذَارًا، وَهَذَا أَحَدُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، وَالْمُعْتَمَدُ الصِّحَّةُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 385
[التَّنْبِيهُ الخامس التوبة من مظالم العباد]
((الْخَامِسُ:))
مَنِ اغْتَابَ إِنْسَانًا، أَوْ قَذَفَهُ وَنَحْوَهُ، هَلْ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ تَوْبَتِهِ إِعْلَامُهُ بِذَلِكَ وَاسْتِحْلَالُهُ مِنْ ذَلِكَ؟ أَمَّا الْمَالُ وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَاضَ عَنْهُ بِمِثْلِهِ، أَوْ قِيمَتِهِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الرَّدِّ إِنْ قَدَرَ، قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: مَظَالِمُ الْعِبَادِ تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْهَا عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمَنْ مَاتَ نَادِمًا عَلَيْهَا كَانَ اللَّهُ الْمُجَازِيَ لِلْمَظْلُومِ عَنْهُ - يَعْنِي حَيْثُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَدِّ الْمَظْلَمَةِ - وَفِي الْخَبَرِ: " «لَا يَدْخُلُ النَّارَ تَائِبٌ مِنْ ذُنُوبِهِ» ". وَفِي الرِّعَايَةِ: يَرُدُّ مَا أَثِمَ بِهِ وَتَابَ بِسَبَبِهِ بِبَذْلِهِ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ، وَيَنْوِي ذَلِكَ إِذَا أَمْكَنَهُ، أَوْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ فِي الْحَالِ، فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لَا يَجِبُ الْإِعْلَامُ وَلَا الِاسْتِحْلَالُ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِنَّهُ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَإِنَّهُ إِنْ تَابَ مِنْ قَذْفِ إِنْسَانٍ، أَوْ غِيبَتِهِ قَبْلَ عِلْمِهِ بِهِ، لَا يُشْتَرَطُ لِتَوْبَتِهِ إِعْلَامُهُ، وَالتَّحَلُّلُ مِنْهُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي لِمَا رَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «مَنِ اغْتَابَ رَجُلًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدُ غُفِرَ لَهُ غِيبَتُهُ» " وَبِإِسْنَادِهِ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا " «كَفَّارَةُ مَنُ اغْتِيبَ أَنْ يُسْتَغْفَرَ لَهُ» " وَلِأَنَّ فِي إِعْلَامِهِ إِدْخَالُ غَمٍّ عَلَيْهِ، قَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ - فِي الْغِيبَةِ: إِنَّ كَفَّارَةَ الِاغْتِيَابِ مَا رَوَى أَنَسٌ ﵁ وَذَكَرَهُ. وَخَبَرُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَفِيهِ عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَتْرُوكٌ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو كَذَّابٌ. وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِيهِ حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْأُبُلِّيُّ مَتْرُوكٌ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَيْضًا حَدِيثَ أَنَسٍ فِي كِتَابِهِ الْحَدَائِقِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَا يَذْكُرُ فِيهَا إِلَّا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ فِي مُخْتَصَرِ الْمَوْضُوعَاتِ أَنَّ حَدِيثَ أَنَسٍ ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ، وَقَالَ: فِي هَذَا الْإِسْنَادِ ضَعْفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ عَنِ الْإِمَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ مِنْ قَوْلِهِ، أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ، وَأَوْرَدَ لَهُ شَاهِدًا حَدِيثَ حُذَيْفَةَ: «كَانَ فِي لِسَانِي ذَرَبٌ عَلَى أَهْلِي فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: " أَيْنَ أَنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ» " ثُمَّ أَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالِاسْتِغْفَارِ رَجَاءَ أَنْ يَرْضَى عَنْهُ خَصْمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَرَكَةِ اسْتِغْفَارِهِ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الْكَلِمِ الطَّيِّبِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ مَا لَفْظُهُ: يُذْكَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ كَفَّارَةَ الْغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ تَقُولُ:
стр. 386
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُ. وَذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ بَهْجَةِ الْمَجَالِسِ: قَالَ حُذَيْفَةُ ﵁: كَفَّارَةُ مَنِ اغْتَبْتَهُ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لَهُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: التَّوْبَةُ مِنَ الْغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ، وَقَالَ سُفْيَانُ: بَلْ تَسْتَغْفِرُهُ مِمَّا قُلْتَ فِيهِ، فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: لَا تُؤْذِهِ مَرَّتَيْنِ.
وَمِثْلَ قَوْلِ ابْنِ الْمُبَارَكِ اخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ الصَّلَاحِ الشَّافِعِيُّ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَسْأَلَةِ: فَكُلُّ مَظْلَمَةٍ فِي الْعِرْضِ مِنِ اغْتِيَابٍ صَادِقٍ وَبُهْتٍ كَاذِبٍ؛ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْقَذْفِ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا فَيَكُونُ غِيبَةً، وَقَدْ يَكُونُ كَاذِبًا فَيَكُونُ بُهْتًا، قَالَ: وَاخْتَارَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يُعْلِمُهُ، بَلْ يَدْعُو لَهُ دُعَاءً يَكُونُ إِحْسَانًا إِلَيْهِ فِي مُقَابَلَةِ مَظْلَمَتِهِ، فَإِنَّ تَضَرُّرَ الْإِنْسَانِ بِمَا عَلِمَهُ مِنْ شَتْمِهِ أَبْلَغُ مِنْ تَضَرُّرِهِ بِمَا لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الْإِعْلَامُ سَبَبَ الْعُدْوَانِ عَلَى الظَّالِمِ أَوَّلًا، إِذِ النُّفُوسُ لَا تَقِفُ غَالِبًا عِنْدَ الْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَأَيْضًا فِيهِ زَوَالُ مَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ كَمَالِ الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ، أَوْ تَجَدُّدُ الْقَطِيعَةِ وَالْبِغْضَةِ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَمَرَ بِالْجَمَاعَةِ وَنَهَى عَنِ الْفُرْقَةِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ سَأَلَ الْمَقْذُوفُ وَالْمَسْبُوبُ قَاذِفَهُ هَلْ فَعَلَ ذَلِكَ أَمْ لَا؛ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الِاعْتِرَافُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الرِّوَايَتَيْنِ، إِذْ تَوْبَتُهُ صَحَّتْ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - بِالنَّدَمِ، وَفِي حَقِّ الْعَبْدِ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ بِالِاسْتِغْفَارِ وَنَحْوِهِ. وَهَلْ يَجُوزُ الِاعْتِرَافُ، أَوْ يُسْتَحَبُّ، أَوْ يُكْرَهُ، أَوْ يَحْرُمُ؟ الْأَشْبَهُ أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ. وَعَلَى هَذَا لَوِ اسْتُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ وَيُعْرِضَ ; لِأَنَّهُ مَظْلُومٌ بِالِاسْتِحْلَافِ، فَإِذَا كَانَ تَابَ وَصَحَّتْ تَوْبَتُهُ لَمْ يَبْقَ لِذَلِكَ عَلَيْهِ حَقٌّ، فَلَا تَجِبُ الْيَمِينُ عَلَيْهِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - طَيَّبَ اللَّهُ ثَرَاهُ -: قَدْ سُئِلْتُ عَنْ نَظِيرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ رَجُلٌ تَعَرَّضَ لِامْرَأَةِ غَيْرِهِ فَزَنَى بِهَا، ثُمَّ تَابَ مِنْ ذَلِكَ وَسَأَلَهُ زَوْجُهَا عَنْ ذَلِكَ فَأَنْكَرَ، فَطَلَبَ اسْتِحْلَافَهُ، فَإِنْ حَلِفَ عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ كَانَتْ يَمِينُهُ غَمُوسًا، وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ قَوِيَتِ التُّهْمَةُ، وَإِنْ أَقَرَّ جَرَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهَا مِنَ الشَّرِّ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قَالَ: فَأَفْتَيْتُهُ أَنْ يُضَمَّ إِلَى التَّوْبَةِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى - الْإِحْسَانَ إِلَى الزَّوْجِ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ أَوِ الصَّدَقَةِ عَنْهُ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ بِإِزَاءِ إِيذَائِهِ لَهُ فِي أَهْلِهِ، فَإِنَّ الزِّنَا بِهَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى، وَحَقُّ زَوْجِهَا مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فِي عِرْضِهِ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّا يُجْبَرُ بِالْمِثْلِ كَالدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ، بَلْ هُوَ مِنْ جنسِ
стр. 387
الْقَذْفِ الَّذِي جَزَاؤُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَتَكُونُ تَوْبَةُ هَذَا كَتَوْبَةِ الْقَاذِفِ، وَتَعْرِيضُهُ كَتَعْرِيضِهِ، وَحَلِفُهُ عَلَى التَّعْرِيضِ كَحَلِفِهِ. وَأَمَّا لَوْ ظَلَمَهُ فِي دَمٍ، أَوْ مَالٍ فَلَا بُدَّ مِنْ إِيفَاءِ الْحَقِّ، فَإِنَّ لَهُ بَدَلًا، وَقَدْ نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ تَوْبَةِ الْقَاتِلِ وَتَوْبَةِ الْقَاذِفِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَفِي هَذَا خَلَاصٌ عَظِيمٌ وَتَفْرِيجُ كُرُبَاتِ النُّفُوسِ مِنْ آثَارِ الْمَعَاصِي، وَالْمَظَالِمِ، فَإِنَّ الْفَقِيهَ كُلَّ الْفَقِيهِ الَّذِي لَا يُؤَيِّسُ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَا يُجَرِّئُهُمْ عَلَى مَعَاصِيهِ، وَجَمِيعُ النُّفُوسِ لَا بُدَّ أَنْ تُذْنِبَ، فَتَعْرِيفُ النُّفُوسِ مَا يُخَلِّصُهَا مِنَ الذُّنُوبِ؛ مِنَ التَّوْبَةِ، وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَاتِ، كَالْكَفَّارَاتِ، وَالْعُقُوبَاتِ مِنْ أَعْظَمِ فَوَائِدِ الشَّرِيعَةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[حال من مات ولم يتب]
((وَمَنْ)) أَيْ أَيُّ امْرِئٍ مُذْنِبٍ ((يَمُتْ)) أَيْ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُ وَهُوَ مُصِرٌّ عَلَى ذُنُوبِهِ وَمُنْهَمِكٌ فِي شَهَوَاتِهِ ((وَلَمْ يَتُبْ مِنَ الْخَطَأِ)) الَّذِي ارْتَكَبَهُ، وَالْإِثْمِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ؛ لَمْ نَحْكُمْ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ، كَمَا زَعَمَتِ الْخَوَارِجُ، وَلَمْ نَقُلْ بِأَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ بِارْتِكَابِهِ كَبَائِرَ الْآثَامِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْكُفْرِ، بَلْ هُوَ فِي مَنْزِلَةٍ بَيْنَ مَنْزِلَتَيِ الْكُفْرِ وَالْإِسْلَامِ كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ، وَلَا نَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ، بَلْ وَلَا بِدُخُولِهَا، بَلْ نَقُولُ فِي مَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا ((فَأَمْرُهُ)) الَّذِي يَئُولُ إِلَيْهِ ((مُفَوَّضٌ)) أَيْ مَوْكُولٌ وَمَرْدُودٌ ((لِذِي)) أَيْ صَاحِبِ ((الْعَطَا)) الْوَاسِعِ، وَالْكَرَمِ وَالْجُودِ وَالنِّعَمِ. وَالْعَطَا - وَيُمَدُّ - النَّوَالُ، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُعْطِي أَيْ يُعْطِي مَنْ يُرِيدُ مَا يُرِيدُ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ ((فَإِنْ يَشَأْ)) ((يَعْفُ)) أَيْ يَتَجَاوَزُ عَمَّنْ مَاتَ مُرْتَكِبًا لِذُنُوبِهِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا، وَالْعَفْوُ هُوَ التَّجَاوُزُ عَنِ الذَّنْبِ وَتَرْكُ الْعِقَابِ عَلَيْهِ، وَأَصْلُهُ الْمَحْوُ وَذَهَابُ الْأَثَرِ، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْعَفُوُّ، هُوَ فَعُولٌ، مِنَ الْعَفْوِ الَّذِي هُوَ التَّجَاوُزُ ((وَإِنْ شَاءَ انْتَقَمَ)) مِنْهُ، فَإِنْ عَامَلَهُ بِالْفَضْلِ عَفَا وَأَنْعَمَ، وَإِنْ عَامَلَهُ بِالْعَدْلِ انْتَقَمَ وَآلَمَ، وَالِانْتِقَامُ أَنْ يَبْلُغَ فِي الْعُقُوبَةِ حَدَّهَا، وَفِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْمُنْتَقِمُ، وَهُوَ الْمُبَالِغُ فِي الْعُقُوبَةِ لِمَنْ يَشَاءُ، وَهُوَ مُفْتَعِلٌ، مَنْ نَقَمَ يَنْقِمُ إِذَا بَلَغَتْ بِهِ الْكَرَاهَةُ حَدَّ السُّخْطِ ((وَإِنْ يَشَأْ أَعْطَى)) النَّوَالَ السَّهْلَ ((وَأَجْزَلَ)) أَيْ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ لَهُمْ ((النِّعَمَ)) بِكَسْرِ النُّونِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، جَمْعُ نِعْمَةٍ بِكَسْرِ النُّونِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَالِاسْمُ بِالْفَتْحِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: النِّعْمَةُ بِالْكَسْرِ
стр. 388
الْمَسَرَّةُ وَالْيَدُ الْبَيْضَاءُ الصَّالِحَةُ، كَالنُّعْمَى بِالضَّمِّ، وَالنَّعْمَاءُ بِالْفَتْحِ مَمْدُودَةٌ، وَالْجَمْعُ أَنْعُمٌ وَنِعَمٌ وَنِعِمَاتٌ بِكَسْرَتَيْنِ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ، وَنَعِيمُ اللَّهِ عَطِيَّتُهُ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ: النِّعْمَةُ نِعْمَتَانِ: نِعْمَةٌ مُطْلَقَةٌ، وَنِعْمَةٌ مُقَيَّدَةٌ، فَالنِّعْمَةُ الْمُطْلَقَةُ هِيَ الْمُتَّصِلَةُ بِسَعَادَةِ الْأَبَدِ، وَهِيَ نِعْمَةُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ الَّتِي أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَسْأَلَهُ فِي صِلَاتِنَا أَنْ يَهْدِيَنَا إِلَى صِرَاطِ أَهْلِهَا، وَمَنْ خَصَّهُمْ بِهَا وَجَعَلَهُمْ أَهْلَ الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَيْثُ يَقُولُ: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا فَهَؤُلَاءِ الْأَصْنَافُ الْأَرْبَعَةُ هُمْ أَهْلُ هَذِهِ النِّعْمَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَهُمُ الْمَعْنِيُّونَ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] ، وَإِذَا قِيلَ لَيْسَ لِلَّهِ عَلَى الْكَافِرِ نِعْمَةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَالنِّعْمَةُ الثَّانِيَةُ هِيَ النِّعْمَةُ الْمُقَيَّدَةُ، كَنِعْمَةِ الصِّحَّةِ، وَالْغِنَى، وَعَافِيَةِ الْجَسَدِ، وَبَسْطِ الْجَاهِ وَكَثْرَةِ الْوَلَدِ، وَالزَّوْجَةِ الْحَسَنَةِ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ، وَالْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، وَإِذَا قِيلَ: لِلَّهِ عَلَى الْكَافِرِ نِعْمَةٌ؛ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَهُوَ حَقٌّ، فَلَا يَصِحُّ إِطْلَاقُ السَّلْبِ وَلَا الْإِيجَابِ إِلَّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ النِّعَمَ الْمُقَيَّدَةَ لَمَّا كَانَتِ اسْتِدْرَاجًا لِلْكَافِرِ، وَمَآلُهَا إِلَى الْعَذَابِ وَالشَّقَاءِ، فَكَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ نِعْمَةً، وَإِنَّمَا كَانَتْ بَلِيَّةً كَمَا سَمَّاهَا اللَّهُ - تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ [الفجر: ١٥] الْآيَتَيْنِ ; وَلِهَذَا قَالَ كُلًّا أَيْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ أَكْرَمْتُهُ فِي الدُّنْيَا وَنَعَّمْتُهُ فِيهَا قَدْ أَنْعَمْتُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ ابْتِلَاءٌ مِنِّي وَاخْتِبَارٌ، وَلَا كُلُّ مَنْ قَدَّرْتُ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَجَعَلْتُهُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ مِنْ غَيْرِ فَضْلَةٍ أَكُونُ قَدْ أَهَنْتُهُ، بَلْ أَبْتَلِي عَبْدِي بِالنِّعَمِ كَمَا أَبْتَلِيهِ بِالْمَصَائِبِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُذْنِبًا، وَلَوْ مُصِرًّا عَلَى كَبَائِرِ الذُّنُوبِ وَلَمْ يَتُبْ مِنْهَا لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ؛ لَمْ نَقْطَعْ لَهُ بِخُرُوجٍ مِنَ الدِّينِ، بَلْ نُثْبِتُ أَنَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ نَقْطَعْ لَهُ بِدُخُولِ النَّارِ بَلْ نُفَوِّضُ أَمْرَهُ إِلَى الْحَلِيمِ الْغَفَّارِ، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُخَلِّدُهُ فِي النَّارِ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ابْتِدَاءً، إِمَّا بِشَفَاعَةٍ مَقْبُولَةٍ، أَوْ بِدَعْوَةِ صَالِحٍ، أَوْ بِمُصِيبَةٍ؛ مِنْ تَشْدِيدٍ عِنْدَ الْمَوْتِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَصَائِبِ الْبَرْزَخِ، وَالصَّدَقَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْأَعْمَالِ الْصَالِحَةِ
стр. 389
الَّتِي يُهْدِيهَا غَيْرُهُ لَهُ، أَوْ يَرْحَمُهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ رَفَعَ عَنْهُ الْعَذَابَ وَأَجْزَلَ لَهُ الثَّوَابَ وَرَفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتِ، وَبَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ.
تَنْبِيهَانِ:
هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ يُتَرْجِمُهَا بَعْضُ الْقَوْمِ بِمَسْأَلَةِ وَعِيدِ الْفُسَّاقِ، وَبَعْضُهُمْ بِمَسْأَلَةِ عُقُوبَةِ الْعُصَاةِ، وَبَعْضُهُمْ بِمَسْأَلَةِ انْقِطَاعِ عَذَابِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَضَابِطُهَا أَنْ يَرْتَكِبَ الْمُؤْمِنُ كَبِيرَةً؛ غَيْرَ مُكَفِّرٍ بِلَا اسْتِحْلَالٍ وَيَمُوتُ بِلَا تَوْبَةٍ، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَقْطَعُونَ لَهُ بِالْعُقُوبَةِ وَلَا بِالْعَفْوِ، بَلْ هُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ - تَعَالَى -، وَإِنَّمَا يَقْطَعُونَ بِعَدَمِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ بِمُقْتَضَى مَا سَبَقَ مِنْ وَعْدِهِ وَثَبَتَ بِالدَّلِيلِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: نَقْطَعُ لَهُ بِالْعَذَابِ الدَّائِمِ، وَالْبَقَاءِ الْمُخَلَّدِ فِي النَّارِ، لَكِنَّهُ عِنْدَهُمْ يُعَذَّبُ عَذَابَ الْفُسَّاقِ لَا عَذَابَ الْكُفَّارِ، وَأَمَّا الْخَوَارِجُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُعَذَّبُ عَذَابَ الْكُفَّارِ لِكُفْرِهِ عِنْدَهُمْ، وَالدَّلِيلُ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْعَذَابِ وَدُخُولِ النَّارِ فَهِيَ مَسْأَلَةُ انْقِطَاعِ الْعَذَابِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ مَسْأَلَةُ الْعَفْوِ التَّامِّ، قَالَ - تَعَالَى -: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ - وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [غافر: ٧ - ٤٠] وَقَالَ ﷺ : " «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» " وَقَالَ: " «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ زَنَى، وَإِنْ سَرَقَ» " وَكَقَوْلِهِ ﷺ : " «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ بَعْدَ مَا امْتُحِشُوا وَصَارُوا حُمَمًا وَفَحْمًا، فَيُفَرَّقُونَ عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ وَيُرَشُّ عَلَيْهِمْ مِنْ مَائِهَا، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحَبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ فَيَحْيَوْنَ وَيَعُودُونَ لِحَالِهِمُ الْأُولَى وَأَحْسَنَ» " وَقَوْلِهِ ﷺ : " «يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ» "، وَسَيَأْتِي تَمَامُ هَذَا بَعْدُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى -.
((الثَّانِي:)) ذَكَرَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ سَمْعًا مِنْ نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْعُصَاةِ، أَوْ طَائِفَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُمْ؛ كَالزُّنَاةِ وَشَرَبَةِ الْخَمْرِ
стр. 390
وَقَتَلَةِ الْأَنْفُسِ وَأَكَلَةِ الرِّبَا، وَأَهْلِ السَّرِقَةِ وَالْغُصُوبِ إِذَا مَاتُوا عَلَى غَيْرِ تَوْبَةٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ نُفُوذِ الْوَعِيدِ فِي كُلِّ طَائِفَةٍ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ لَا لِفَرْدٍ مُعَيَّنٍ لِجَوَازِ الْعَفْوِ، وَأَقَلُّ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ نُفُوذُ الْوَعِيدِ وَاحِدٌ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، وَالْأَدِلَّةُ قَاضِيَةٌ بِقَصْرِ الْعُصَاةِ عَلَى عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، وَقَدْ رَتَّبَ بَعْضُ النَّاسِ عَلَى ذَلِكَ امْتِنَاعَ سُؤَالِ الْعَفْوِ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِمُنَافَاتِهِ لِذَلِكَ، وَهَذَا سَاقِطٌ، إِلَّا إِذَا قَصَدَ الْعَفْوَ ابْتِدَاءً لِكُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْأُمَّةِ، عَلَى أَنَّ الْعَفْوَ يَصْدُقُ بِمَا بَعْدَ الْعَذَابِ وَالتَّعْذِيبِ، فَمَنْ قَالَ بِمَنْعِ الْمَنْعِ فَهُوَ الْمُصِيبُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فَصْلٌ فِي ذِكْرِ مَنْ قِيلَ بِعَدَمِ قَبُولِ إِسْلَامِهِ مِنْ طَوَائِفِ أَهْلِ الْعِنَادِ وَالزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ]
اعْلَمْ - وَفَّقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ - أَنَّ عُلَمَاءَنَا ذَكَرُوا تَحَتُّمَ قَتْلِ جَمَاعَةٍ مِنَ الزَّنَادِقَةِ وَأَهْلِ الْإِلْحَادِ ; لِعَدَمِ قَبُولِ إِسْلَامِهِمْ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ كَالزِّنْدِيقِ، وَمَنْ تَكَرَّرَتْ رِدَّتُهُ، أَوْ كَفَرَ بِسِحْرِهِ، أَوْ سَبِّ اللَّهِ، أَوْ رَسُولِهِ، أَوْ تَنَقُّصِهِ، وَأَمَّا حُكْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَإِنْ صَدَقُوا قُبِلَ بِلَا خِلَافٍ، وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنَّ تَوْبَتَهُمْ تُقْبَلُ كَغَيْرِهِمْ وَهَذَا الَّذِي نَخْتَارُهُ ; وَلِهَذَا قَالَ:
((وَقِيلَ فِي الدُّرُوزِ وَالزَّنَادِقَةِ ... وَسَائِرِ الطَّوَائِفِ الْمُنَافِقَةِ))
((وَكُلِّ دَاعٍ لِابْتِدَاعٍ يَقْتُلُ ... كَمَنْ تَكَرَّرَ نَكْثُهُ لَا يُقْبَلُ))
((لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدُ مِنْ إِيمَانِهِ ... إِلَّا الَّذِي أَذَاعَ مِنْ لِسَانِهِ))
((كَمُلْحِدٍ وَسَاحِرٍ وَسَاحِرَةْ ... وَهُمْ عَلَى نِيَّاتِهِمْ فِي الْآخِرَةْ))
((قُلْتُ وَإِنْ دَلَّتْ دَلَائِلُ الْهُدَى ... كَمَا جَرَى لِلْعَيْلَبُونِيِّ اهْتَدَى))
((فَإِنَّهُ أَذَاعَ مِنْ أَسْرَارِهِمْ ... مَا كَانَ فِيهِ الْهَتْكُ عَنْ أَسْتَارِهِمْ))
((وَكَانَ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ نَاصِرَا ... فَصَارَ مِنَّا بَاطِنًا وَظَاهِرَا))
((فَكُلُّ زِنْدِيقٍ وَكُلُّ مَارِقِ ... وَجَاحِدٍ وَمُلْحِدٍ مُنَافِقِ))
((إِذَا اسْتَبَانَ نُصْحُهُ لِلدِّينِ ... فَإِنَّهُ يُقْبَلُ عَنْ يَقِينِ))
следующие страницы →