← Акыда

Акыда · id 8353

لوامع الأنوار البهية

السفاريني

Полный текст (921 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

تَأْكُلُهُ الطَّيْرُ وَالْعَوَافِي. [أمور ما بعد الموت منها سؤال منكر ونكير] وَقَوْلُهُ ((وَمَا)) أَيْ وَفِي الَّذِي أَوِ الْأَشْيَاءِ أَيْ وَالْهَوْلِ الَّذِي ((أَتَى)) عَنِ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ ((فِي ذَا)) اسْمُ إِشَارَةٍ يَرْجِعُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ فِتْنَةِ الْبَرْزَخِ وَالْقُبُورِ ((مِنَ الْأُمُورِ)) الْمَهُولَةِ الْعَجِيبَةِ وَالْأَشْيَاءِ الصَّعْبَةِ الْغَرِيبَةِ فَإِنَّهُ حَقٌّ لَا يُرَدُّ. (مِنْهَا) سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ فَالْإِيمَانُ بِذَلِكَ وَاجِبٌ شَرْعًا لِثُبُوتِهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ يَبْلُغُ مَجْمُوعُهَا مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ، وَقَدِ اسْتُنْبِطَ ذَلِكَ وَاسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ» - زَادَ مُسْلِمٌ " «يُقَالُ لَهُ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ» " فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ " «إِذَا قَعَدَ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ أُتِيَ ثُمَّ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ " يُثَبِّتُ اللَّهُ " الْآيَةَ» . وَفِي الطَّبَرَانِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ أَيْضًا مَرْفُوعًا " «يُقَالُ لِلْكَافِرِ مَنْ رَبُّكَ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي فَهُوَ تِلْكَ السَّاعَةَ أَصَمُّ أَعْمَى أَبْكَمُ فَيُضْرَبُ بِمِرْزَبَّةٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا» " الْحَدِيثَ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ " «يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ دِينَيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهِ مَدَّ بَصَرِهِ» " «وَقَالَ فِي الْكَافِرِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي - إِلَى أَنْ

стр. 457

قَالَ فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ قَالَ فَيَأَتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ» . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِع فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ، أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ - لِمُحَمَّدٍ ﷺ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ وَقَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ، قَالَ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا - يَعْنِي الْمَقْعَدَيْنِ - قَالَ قَتَادَةُ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ - وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ وَيُضْرَبُ بِمِطْرَاقٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهُ مَنْ يَلِيهِ مِنْ غَيْرِ الثَّقَلَيْنِ» . زَادَ أَبُو دَاوُدَ «أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَعْبُدُ؟ فَإِنْ هَدَاهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ كُنْتُ أَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُقَالُ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، قَالَ فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرِ هَذَا» . وَزَادَ أَيْضًا فَيَقُولُ دَعُونِي حَتَّى أُبَشِّرَ أَهْلِي فَيُقَالُ لَهُ اسْكُنْ، وَذَكَرَ الْكَافِرَ أَنَّهُ يُسْأَلُ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ثُمَّ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ يَوْمَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ " «وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، يُؤْتَى أَحَدُكُمْ فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ أَوِ الْمُوقِنُ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى فَأَجَبْنَا وَآمَنَّا وَاتَّبَعْنَا، فَيُقَالُ لَهُ نَمْ صَالِحًا فَقَدْ عَلِمْنَا إِنْ كُنْتَ لَمُوقِنًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْمُرْتَابُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ» ". وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ " «وَلَقَدْ رَأَيْتُكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ يُسْأَلُ الرَّجُلُ مَا كُنْتَ تَقُولُ وَمَا كُنْتَ تَعْبُدُ» " نَحْوَ مَا سَبَقَ. وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا وَفِيهِ " «أَتَاهُ " مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ أَعْيُنُهُمَا مِثْلُ قُدُورِ النُّحَاسِ وَأَنْيَابُهُمَا مِثْلُ صَيَاصِي

стр. 458

الْبَقَرِ - أَيْ قُرُونِهَا - وَأَصْوَاتُهُمَا مِثْلُ الرَّعْدِ الْقَاصِفِ» ، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَمِنْ حَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ وَفِيهِ «أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهُ كَيْفَ أَنْتَ يَا عُمَرُ إِذَا كُنْتَ مِنَ الْأَرْضِ فِي أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ فِي ذِرَاعَيْنِ وَرَأَيْتَ مُنْكَرًا وَنَكِيرًا " قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ؟ قَالَ " فَاتِنَا الْقَبْرِ يَبْحَثَانِ الْأَرْضَ بِأَنْيَابِهِمَا وَيَطَآنِ فِي أَشْعَارِهِمَا أَصْوَاتُهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ وَأَبْصَارُهُمَا كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَمَعَهُمَا مِرْزَبَّةٌ لَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ مِنًى لَمْ يُطِيقُوا رَفْعَهَا هِيَ أَيْسَرُ عَلَيْهِمَا مِنْ عَصَايَ هَذِهِ " قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا عَلَى حَالِي هَذِهِ؟ قَالَ نَعَمْ، فَقُلْتُ إِذًا أَكْفِيكَهُمَا» " وَفِي رِوَايَةٍ: " «فَامْتَحَنَاكَ فَإِنِ الْتَوَيْتَ ضَرَبَاكَ بِهَا ضَرْبَةً صِرْتَ رَمَادًا» " وَأَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَفِيهِ «قَالَ عُمَرُ أَتُرَدُّ عَلَيْنَا عُقُولُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ ﷺ " نَعَمْ كَهَيْئَاتِكُمُ الْيَوْمَ " فَقَالَ عُمَرُ ﵁ بِفِيهِ الْحَجَرُ» ". وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى ﵁ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْمَوْتَى يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ سَبْعًا فَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُمْ تِلْكَ الْأَيَّامَ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي كِتَابِنَا الْبُحُورِ الزَّاخِرَةِ فِي عُلُومِ الْآخِرَةِ مَا لَعَلَّهُ يَشْفِي وَيَكْفِي. (تَنْبِيهَاتٌ) (الْأَوَّلُ) جَاءَ فِي رِوَايَةٍ سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ وَفِي أُخْرَى سُؤَالُ مَلَكٍ وَاحِدٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا تَعَارُضَ فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَشْخَاصِ فَرُبَّ شَخْصٍ يَأْتِيهِ اثْنَانِ مَعًا فَيَسْأَلَانِهِ مَعًا عِنْدَ انْصِرَافِ النَّاسِ لِيَكُونَ أَهْوَلَ فِي حَقِّهِ وَأَشَدَّ بِحَسَبِ مَا اقْتَرَفَ مِنَ الْآثَامِ، وَآخَرَ يَأْتِيهِ قَبْلَ انْصِرَافِ النَّاسِ عَنْهُ تَخْفِيفًا عَلَيْهِ لِحُصُولِ أُنْسِهِ بِهِمْ وَآخَرَ يَأْتِيهِ مَلَكٌ وَاحِدٌ فَيَكُونُ أَخَفَّ عَلَيْهِ وَأَقَلَّ فِي الْمُرَاجَعَةِ لِمَا قَدَّمَهُ مِنَ الْعَمَلِ الصَّالِحِ. قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَأْتِيَ اثْنَانِ وَيَكُونُ السَّائِلُ أَحَدَهُمَا وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الْإِتْيَانِ فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ عَلَى هَذَا.

стр. 459

وَصَوَّبَهُ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي شَرْحِ الصُّدُورِ فَإِنَّ ذِكْرَ الْمَلَكَيْنِ هُوَ الْمَوْجُودُ فِي غَالِبِ الْأَحَادِيثِ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ يَنْزِلُونَ عَلَى الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ أَرْبَعَةٌ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ وَنَاكُورُ وَرُومَانُ وَقَدْ أَشَارَ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ إِلَى هَذَا فِي أُرْجُوزَتِهِ التَّثْبِيتِ فِي التَّبْيِيتِ بِقَوْلِهِ: وَقَدْ أَتَى فِي مُرْسَلٍ مُضَعَّفٍ ... أَنَّ السُّؤَالَ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَفِي أَوْ أَرْبَعٍ أُولَئِكَ الِاثْنَانِ ... وَأَلْحَقُوا نَاكُورَ مَعَ رُومَانِ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْخَبَرَ بِهِ عِلَّتَانِ الضَّعْفُ وَالْإِرْسَالُ. (الثَّانِي) الْمَلَكَانِ اسْمُهُمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَإِنَّمَا سُمِّيَا فَتَّانَيِ الْقَبْرِ لِأَنَّ فِي سُؤَالِهِمَا انْتِهَارًا وَفِي خُلُقِهِمَا صُعُوبَةً قَالَ: وَسُمِّيَا مُنْكَرًا وَنَكِيرًا لِأَنَّ خَلْقَهُمَا لَا يُشْبِهُ خَلْقَ الْآدَمِيِّينَ وَلَا خَلْقَ الْمَلَائِكَةِ وَلَا خَلْقَ الْبَهَائِمِ وَلَا خَلْقَ الْهَوَامِّ بَلْ هُمَا خَلْقٌ بَدِيعٌ وَلَيْسَ فِي خَلْقِهِمَا أُنْسٌ لِلنَّاظِرِينَ إِلَيْهِمَا جَعَلَهُمَا اللَّهُ تَكْرِمَةً لِلْمُؤْمِنِ لِتُثَبِّتَهُ وَتُبَصِّرَهُ وَهَتْكًا لِسَتْرِ الْمُنَافِقِ فِي الْبَرْزَخِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُبْعَثَ. قَالَ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ مُنْكَرٌ بِفَتْحِ الْكَافِ وَهُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي الْقَامُوسِ. قُلْتُ وَكَذَا فِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ قَالَ: وَمُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ اسْمَا الْمَلَكَيْنِ مُفْعَلٌ وَفَعِيلٌ. وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ اسْمَ مَلَكَيِ الْمُؤْمِنِ مُبَشِّرٌ وَبَشِيرٌ قُلْتُ: وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مَأْثُورٍ وَأَنَّى بِهِ فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ لَيْسَ فِيهَا سِوَى مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَقَدْ أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ السُّيُوطِيُّ فِي أُرْجُوزَتِهِ بِقَوْلِهِ: وَضَبْطُ مُنْكَرٍ بِفَتْحِ كَافِ ... فَلَسْتُ أَدْرِي فِيهِ مِنْ خِلَافِ وَذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ مِنْ صَحْبِنَا ... أَنَّ اللَّذَيْنِ يَأْتِيَانِ الْمُؤْمِنَا اسْمُهُمَا الْبَشِيرُ وَالْمُبَشِّرُ ... وَلَمْ أَقِفْ فِي ذَا عَلَى مَا يُؤْثَرُ وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ: قَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ: لَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ مَلَائِكَةِ اللَّهِ بِمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ مَا يَبْدُو مِنْ تَلَجْلُجِهِ إِذَا سُئِلَ وَالنَّكِيرُ تَقْرِيعُ الْمَلَكَيْنِ لَهُ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: نُؤْمِنُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ وَبِمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ. وَرُوجِعَ فِي مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فَقَالَ هَكَذَا هُوَ. يَعْنِي أَنَّهُمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ.

стр. 460

(الثَّالِثُ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: اخْتَلَفَتِ الْأَحَادِيثُ فِي كَيْفِيَّةِ السُّؤَالِ، وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ فَمِنْهُمْ مَنْ يُسْأَلُ عَنْ بَعْضِ اعْتِقَادَاتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُسْأَلُ عَنْ كُلِّهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الِاقْتِصَارُ عَلَى بَعْضِهَا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَأَتَى بِهِ غَيْرُهُ تَامًّا. وَصَوَّبَهُ السُّيُوطِيُّ لِاتِّفَاقِ أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ عَلَيْهِ، نَعَمْ يُؤْخَذُ مِنْهَا - خُصُوصًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَنَسٍ الْمَارَّةِ: فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا. وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ: فَمَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ غَيْرِهَا - أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ مِنَ التَّكْلِيفَاتِ غَيْرَ الِاعْتِقَادِ خَاصَّةً وَصَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: الشَّهَادَةُ يُسْأَلُونَ عَنْهَا فِي قُبُورِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، قِيلَ لِعِكْرِمَةَ مَا هُوَ؟ قَالَ يُسْأَلُونَ عَنِ الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ وَأَمْرِ التَّوْحِيدِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ أَنَّهُ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ الْمَيِّتَ يُسْأَلُ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَبَاقِي الرِّوَايَاتِ سَاكِتَةٌ عَنْ ذَلِكَ فَتُحْمَلُ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَشْخَاصِ. وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّ الْمَوْتَى يُسْأَلُونَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ. قُلْتُ: وَتَقَدَّمَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ الْمَوْتَى يُفْتَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ سَبْعًا وَأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُطْعَمَ عَنْهُمْ تِلْكَ الْأَيَّامَ - رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ وَكَذَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إِلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ، وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ مُتَّصِلٍ أَيْضًا وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلرَّأْيِ فِيهِ مَجَالٌ. . . . وَقَدْ رَوَى كُلَّ ذَلِكَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ أَهْوَالِ الْقُبُورِ وَذَكَرَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَيْضًا أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَمْكُثُ فِي قُبُورِهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يُفْتَنُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَالْمُنَافِقَ يُفْتَنُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. (الرَّابِعُ) مَنْ لَمْ يُدْفَنْ مِنْ مَصْلُوبٍ وَنَحْوِهِ يَنَالُهُ نَصِيبُهُ مِنْ فِتْنَةِ السُّؤَالِ وَضَغْطَةِ الْقَبْرِ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي كِتَابِ الرُّوحِ: مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ هُوَ عَذَابُ الْبَرْزَخِ فَكُلُّ مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذَابِ يَنَالُهُ نَصِيبُهُ مِنْهُ قُبِرَ أَمْ لَمْ يُقْبَرْ، فَلَوْ أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ أَوْ حُرِقَ حَتَّى صَارَ رَمَادًا أَوْ نُسِفَ فِي الْهَوَاءِ أَوْ غَرِقَ فِي الْبَحْرِ وَصَلَ إِلَى رُوحِهِ وَبَدَنِهِ مِنَ الْعَذَابِ مَا يَصِلُ مِنَ الْمَقْبُورِ.

стр. 461

(الْخَامِسُ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَكُونُ السُّؤَالُ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ أَوْ مُنَافِقٍ كَانَ مَنْسُوبًا إِلَى دِينِ الْإِسْلَامِ بِظَاهِرِ الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ الْكَافِرِ. كَذَا قَالَ وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرُّوحِ: الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذَا الْقَوْلِ بَلِ السُّؤَالُ لِلْكَافِرِ وَالْمُسْلِمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ فِي الْأَحَادِيثِ الْكَافِرَ وَالْفَاجِرَ وَاسْمُ الْفَاجِرِ فِي عُرْفِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ يَتَنَاوَلُ الْكَافِرَ قَطْعًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين: ٧] . وَنَحْوُ هَذَا فِي كِتَابِ الْعَاقِبَةِ لِلْحَافِظِ عَبْدِ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيِّ وَصَوَّبَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ، وَانْتَصَرَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ. وَمِثْلُ هَذَا مَا اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَالْحَافِظُ عَبْدُ الْحَقِّ الْإِشْبِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَنَّ سُؤَالَ الْقَبْرِ لَيْسَ بِخَاصِّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ بَلْ غَيْرُهَا تُسَاوِيهَا فِي ذَلِكَ وَجَزَمَ بِهِ أَيْضًا الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ، وَقَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: إِنَّهُ خَاصٌّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ، وَتَوَقَّفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَانْتَصَرَ السُّيُوطِيُّ فِي هَذَا لِلْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ، قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الرُّوحِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ: وَالظَّاهِرُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ مَعَ أُمَّتِهِ كَذَلِكَ - يَعْنِي يُسْأَلُ عَنْهُ كَنَبِيِّنَا ﷺ مَعَ أُمَّتِهِ - وَأَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي الْقُبُورِ بَعْدَ السُّؤَالِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ كَمَا يُعَذَّبُونَ فِي الْآخِرَةِ بَعْدَ السُّؤَالِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ. وَاسْتَدَلَّ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَلَى عَدَمِ السُّؤَالِ أَنَّ الْأُمَمَ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَانَتِ الرُّسُلُ تَأْتِيهِمْ بِالرِّسَالَةِ فَإِذَا أَبَوْا كَفَّتِ الرُّسُلُ وَاعْتَزَلُوهُمْ وَعُوجِلُوا بِالْعَذَابِ. قَالَ فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِالرَّحْمَةِ أَمْسَكَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ وَأَعْطَى السَّيْفَ حَتَّى يَدْخُلَ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مَنْ دَخَلَ لِمَهَابَةِ السَّيْفِ ثُمَّ يَرْسُخَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ، فَمِنْ هُنَا ظَهَرَ النِّفَاقُ فَكَانُوا يُسِرُّونَ بِالْكُفْرِ وَيُعْلِنُونَ الْإِيمَانَ وَكَانُوا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي سِتْرٍ فَلَمَّا مَاتُوا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُمْ فَتَّانَيِ الْقَبْرِ لِيُسْتَخْرَجَ أَمْرُهُمْ بِالسُّؤَالِ وَلِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ. وَفِيمَا قَالَهُ مَقَالٌ مِنْ عِدَّةِ أَوْجُهٍ نَبَّهْتُ عَلَى بَعْضِهَا فِي الْبُحُورِ الزَّاخِرَةِ مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي كِتَابِهِ الْجَوَابِ الصَّحِيحِ لِمَنْ بَدَّلَ دِينَ الْمَسِيحِ أَنَّ

стр. 462

الْمَعْرُوفَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ بَعْدَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ لَمْ يُهْلِكْ تَعَالَى مُكَذِّبِي الْأُمَمِ بِعَذَابٍ سَمَاوِيٍّ يَعُمُّهُمْ كَمَا أَهْلَكَ قَوْمَ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمَ لُوطٍ وَغَيْرَهُمْ بَلْ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِجِهَادِ الْكُفَّارِ كَمَا أَمَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بِقِتَالِ الْجَبَابِرَةِ، وَقَوْلُ يُوشَعَ لِلْكُفَّارِ مَشْهُورٌ وَكَذَا دَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَغَيْرُهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. (السَّادِسُ) ذَكَرَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ أَنَّهُ وَقَعَ فِي فَتَاوَى شَيْخِهِ عَلَمِ الدِّينِ الْبُلْقِينِيِّ أَنَّ الْمَيِّتَ يُجِيبُ السُّؤَالَ بِاللُّغَةِ السُّرْيَانِيَّةِ، قَالَ وَلَمْ أَقِفْ لِذَلِكَ عَلَى مُسْتَنَدٍ انْتَهَى. قَالَ فِي التَّذْكِرَةِ إِنْ قِيلَ كَيْفَ يُخَاطِبُ الْمَلَكَانِ جَمِيعَ الْمَوْتَى فِي الْأَمَاكِنِ الْمُتَبَاعِدَةِ فِي الْوَقْتِ الْوَاحِدِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ عِظَمَ خَلْقِهِمَا يَقْتَضِي ذَلِكَ فَيُخَاطِبَانِ الْخَلْقَ الْكَثِيرَ فِي الْجِهَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ مُخَاطَبَةً وَاحِدَةً بِحَيْثُ يُخَيَّلُ لِكُلٍّ مِنَ الْمُخَاطَبِينَ أَنَّهُ الْمُخَاطَبُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ وَيَمْنَعُهُ اللَّهُ مِنْ سَمَاعِ جَوَابِ بَقِيَّةِ الْمَوْتَى. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ وَيُحْتَمَلُ تَعَدُّدُ الْمَلَائِكَةِ لِذَلِكَ كَمَا فِي الْحَفَظَةِ وَنَحْوِهِمْ. وَقَالَهُ الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (تَتِمَّةٌ) وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْأَخْبَارِ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مِنَ الْمَوْتَى لَا تَنَالُهُمْ فِتْنَةُ الْقَبْرِ وَلَا يَأْتِيهِمُ الْفَتَّانَانِ وَذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ - مُضَافٍ إِلَى عَمَلٍ وَمُضَافٍ إِلَى حَالِ ابْتِلَاءٍ نَزَلَ بِالْمَيِّتِ وَمُضَافٍ إِلَى زَمَانٍ كَالشُّهَدَاءِ وَمَنْ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَبَرَ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَغْلِبَ وَالْمُرَابِطِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُرَابِطًا لَمْ يُفْتَنْ فِي قَبْرِهِ. «وَرُوِيَ أَنَّ سُورَةَ تَبَارَكَ مَنْ قَرَأَهَا كُلَّ لَيْلَةٍ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ» ، «وَمَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ كُفِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ» . وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي

стр. 463

الْحِلْيَةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ لَمْ يُفْتَنْ فِي قَبْرِهِ وَأَمِنَ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ وَحَمَلَتْهُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَكُفِّهَا حَتَّى تُجِيزَهُ الصِّرَاطَ إِلَى الْجَنَّةِ» " وَمِمَّنْ لَا يُسْأَلُ الْمَلَائِكَةُ وَالْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ. وَأَمَّا الْجِنُّ فَالْأَدِلَّةُ تَعُمُّهُمْ وَيُسْأَلُونَ لِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ فِي الْجُمْلَةِ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا وَغَيْرُهُمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [عذاب القبر] (وَمِنْهَا) أَيِ الْأُمُورِ الَّتِي يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا وَأَنَّهَا حَقٌّ لَا تُرَدُّ عَذَابُ الْقَبْرِ قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ " شَرْحُ الصُّدُورِ فِي أَحْوَالِ الْمَوْتَى وَالْقُبُورِ " وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَذَابَ الْقَبْرِ فِي الْقُرْآنِ فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْإِكْلِيلِ فِي أَسْرَارِ التَّنْزِيلِ. انْتَهَى. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ أَهْوَالِ الْقُبُورِ فِي «قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ [الواقعة: ٨٣]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَاتِ فَقَالَ: " إِذَا كَانَ عِنْدَ الْمَوْتِ قِيلَ لَهُ هَذَا، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشِّمَالِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ " فَأَكَبَّ الْقَوْمُ يَبْكُونَ قَالَ " مَا يُبْكِيكُمْ؟ " قَالُوا إِنَّا نَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ إِذَا حَضَرَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ، فَإِذَا بُشِّرَ بِذَلِكَ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَاللَّهُ لِلِقَائِهِ أَحَبُّ، وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ، فَإِذَا بُشِّرَ بِذَلِكَ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَاللَّهُ لِلِقَائِهِ أَكْرَهُ» ". وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ قَوْلُ السَّائِلِ مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ صَرِيحًا مَعَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ لِيَحْذَرَهُ النَّاسُ وَيُتَّقَى؟ فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ مُجْمَلٍ وَمُفَصَّلٍ أَمَّا الْمُجْمَلُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ وَحْيَيْنِ فَأَوْجَبَ عَلَى عِبَادِهِ الْإِيمَانَ بِهِمَا وَالْعَمَلَ بِمَا فِيهِمَا وَهُمَا الْكِتَابُ وَالْحِكْمَةُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: ٢]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: ٢] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٤] الْآيَةَ وَالْحِكْمَةُ هِيَ السُّنَّةُ بِاتِّفَاقِ السَّلَفِ، وَمَا أَخْبَرَ بِهِ

стр. 464

الرَّسُولُ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ فِي وُجُوبِ تَصْدِيقِهِ وَالْإِيمَانِ بِهِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّبُّ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ، فَهَذَا أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " «إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ» ". قَالَ الْمُحَقِّقُ: وَأَمَّا الْجَوَابُ الْمُفَصَّلُ فَهُوَ أَنَّ نَعِيمَ الْبَرْزَخِ وَعَذَابَهُ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ (مِنْهَا) قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣] الْآيَةَ وَهَذَا خِطَابٌ لَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ قَطْعًا وَقَدْ أَخْبَرَتِ الْمَلَائِكَةُ وَهُمُ الصَّادِقُونَ أَنَّهُمْ حِينَئِذٍ يُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ، وَلَوْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ ذَلِكَ إِلَى انْقِضَاءِ الدُّنْيَا لَمَا صَحَّ أَنْ يُقَالَ لَهُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥]- إِلَى قَوْلِهِ - ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] الْآيَةَ فَذَكَرَ عَذَابَ الدَّارَيْنِ صَرِيحًا لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ. وَمِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الطور: ٤٥] انْتَهَى كَلَامُهُ. وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» " وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: مَا زِلْنَا فِي شَكٍّ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ حَتَّى نَزَلَتْ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ١] . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِذَا مَاتَ الْكَافِرُ أُجْلِسَ فِي قَبْرِهِ فَيُقَالُ لَهُ مَنْ رَبُّكَ وَمَا دِينُكَ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ - ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ " فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا " قَالَ الْمَعِيشَةُ الضَّنْكُ هِيَ عَذَابُ الْقَبْرِ. وَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى " ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الطور: ٤٧] " قَالَ عَذَابَ الْقَبْرِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة: ٢١] (قَالَ عَذَابُ الْقَبْرِ) . وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى " سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ": إِحْدَاهُمَا فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى عَذَابُ الْقَبْرِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ قَالَ: " نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ» ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ

стр. 465

هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» ". وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ فَكَادَتْ أَنْ تُلْقِيَهُ، وَإِذَا أَقْبُرُ سِتَّةٍ أَوْ خَمْسَةٍ أَوْ أَرْبَعَةٍ فَقَالَ " مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ؟ " فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا فَقَالَ " مَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ؟ " فَقَالَ مَاتُوا فِي الْإِشْرَاكِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ ". ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: " تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» " الْحَدِيثَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ أَهْلَ الْقُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ عَذَابًا تَسْمَعُهُ الْبَهَائِمُ» . وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالْآجُرِّيُّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالْآجُرِّيُّ (وَابْنُ مَنْدَهْ) . وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَفِيهِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَسَنَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَمَيْمُونَةَ مَوْلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَيَعْلَى بْنِ سِيَابَةَ وَيَعْلَى بْنِ مُرَّةَ وَأُمِّ بَشِيرٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ. [ضَغْطَةِ الْقَبْرِ وَظُلْمَتِهِ] (الْأَمْرُ الثَّالِثُ) مَا وَرَدَ فِي ضَغْطَةِ الْقَبْرِ وَظُلْمَتِهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ - أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ عَذَابِ الْقَبْرِ عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: «كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ قَعَدَ عَلَى شَفِيرِهِ فَجَعَلَ يُرَدِّدُ بَصَرَهُ فِيهِ ثُمَّ قَالَ: " يُضْغَطُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ ضَغْطَةً تَزُولُ مِنْهَا حَمَائِلُهُ» " قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْقَبْرُ.

стр. 466

الْحَمَائِلُ هُنَا عُرُوقُ الْأُنْثَيَيْنِ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يُرَادُ هُنَا مَوْضِعُ حَمَائِلِ السَّيْفِ أَيْ عَوَاتِقُهُ وَأَضْلَاعُهُ وَصَدْرُهُ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ لِلْقَبْرِ ضَغْطَةً لَوْ كَانَ أَحَدٌ مِنْهَا نَاجِيًا نَجَا مِنْهَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ» " ﵁. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: «لَمَّا دُفِنَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَبَّحَ النَّاسُ مَعَهُ طَوِيلًا ثُمَّ كَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ ثُمَّ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ سَبَّحْتَ؟ قَالَ " لَقَدْ تَضَايَقَ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ حَتَّى فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ» ". وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ دُفِنَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَهُوَ قَاعِدٌ عَلَى قَبْرِهِ قَالَ: " «لَوْ نَجَا مِنْ ضَمَّةِ الْقَبْرِ أَحَدٌ لَنَجَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَلَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ أُرْخِيَ عَنْهُ» " رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ» " يَعْنِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ فَرَحًا بِرُوحِهِ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ. وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي ابْنُ أُمَيَّةَ أَوِ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ «سَأَلَ بَعْضَ أَهْلِ سَعْدٍ مَا بَلَغَكُمْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي هَذَا؟ فَقَالُوا: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ " كَانَ يُقَصِّرُ فِي بَعْضِ الطَّهُورِ مِنَ الْبَوْلِ» ". وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ مَا أُجِيرَ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ أَحَدٌ وَلَا سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الَّذِي مِنْدِيلٌ مِنْ مَنَادِيلِهِ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَقَالَ مُجَاهِدٌ أَشَدُّ حَدِيثٍ سَمِعْنَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " «مَا عُفِيَ أَحَدٌ مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ إِلَّا فَاطِمَةَ بِنْتَ أَسَدٍ " فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: وَلَا الْقَاسِمُ ابْنُكَ؟ قَالَ " وَلَا إِبْرَاهِيمُ» " وَكَانَ أَصْغَرَهُمَا. فَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ السَّعْدِيُّ فِي كِتَابِ الرُّوحِ لَهُ لَا يَنْجُو مِنْ ضَغْطَةِ

стр. 467

الْقَبْرِ صَالِحٌ وَلَا طَالِحٌ. وَالْمُرَادُ غَيْرُ مَنِ اسْتَثْنَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أُمُّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا ضَمَّتِ الْمُصْطَفَى وَلَمَّا مَاتَتْ سَكَبَ عَلَيْهَا الْمَاءَ الَّذِي فِيهِ الْكَافُورُ وَأَلْبَسَهَا قَمِيصَهُ وَاضْطَجَعَ فِي قَبْرِهَا وَقَالَ: " «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمِّي فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ وَلَقِّنْهَا حَاجَتَهَا وَوَسِّعْ عَلَيْهَا مُدْخَلَهَا» ". وَكَانَتْ وَفَاتُهَا فِي الْمَدِينَةِ وَدُفِنَتْ شَمَالَ قُبَّةِ عُثْمَانَ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ الْحَمَّامُ وَعَلَيْهَا قُبَّةٌ صَغِيرَةٌ كَمَا فِي زُبْدَةِ الْأَعْمَالِ مُخْتَصَرِ تَارِيخِ الْأَزْرَقِيِّ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ السَّعْدِيُّ: وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ فِي ضَمَّةِ الْقَبْرِ دَوَامُهَا لِلْكَافِرِ وَحُصُولُ هَذِهِ الْحَالَةِ لِلْمُؤْمِنِ فِي أَوَّلِ نُزُولِهِ إِلَى قَبْرِهِ ثُمَّ يَعُودُ الِانْفِسَاحُ لَهُ فِيهِ، قَالَ وَالْمُرَادُ بِضَغْطَةِ الْقَبْرِ الْتِقَاءُ جَانِبَيْهِ عَلَى جَسَدِ الْمَيِّتِ. قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ سَبَبُ هَذِهِ الضَّغْطَةِ أَنَّهُ مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ أَلَمَّ بِخَطِيئَةٍ مَا وَإِنْ كَانَ صَالِحًا فَجُعِلَتْ هَذِهِ الضَّغْطَةُ جَزَاءً لَهَا ثُمَّ تُدْرِكُهُ الرَّحْمَةُ وَلِذَلِكَ ضُغِطَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ﵁. قَالَ وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَلَا نَعْلَمُ أَنَّ لَهُمْ فِي الْقُبُورِ ضَمَّةً وَلَا سُؤَالًا لِعِصْمَتِهِمْ - أَيْ لِأَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَمَا جَاءُوا بِهِ فَكَيْفَ يُسْأَلُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ؟ وَقَدْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مَنَاقِبِ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ أَنَّهُ رَآهُ الْمَرْوَذِيُّ ﵀ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَذَكَرَ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ سَأَلَاهُ وَقَالَا لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَمِثْلِي يُسْأَلُ عَنْ رَبِّهِ؟ فَقَالَا لَا تُؤَاخِذْنَا بِذَا أُمِرْنَا ثُمَّ انْصَرَفَا. فَكَيْفَ بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَهُمُ الْمُخْبِرُونَ عَنْهُ الدَّالُّونَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ فِي إِنْقَاذِ عِبَادِهِ مِنْ عِقَابِهِ وَغَضَبِهِ إِلَى مَرْضَاتِهِ بِإِذْنِهِ. قَالَ مُحَمَّدٌ التَّمِيمِيُّ: ضَمَّةُ الْقَبْرِ إِنَّمَا أَصْلُهَا أَنَّ الْأَرْضَ أُمُّهُمْ وَمِنْهَا خُلِقُوا فَغَابُوا عَنْهَا الْغَيْبَةَ الطَّوِيلَةَ فَلَمَّا رُدُّوا إِلَيْهَا وَهُمْ أَوْلَادُهَا ضَمَّتْهُمْ ضَمَّةَ الْوَالِدَةِ إِذَا غَابَ عَنْهَا وَلَدُهَا ثُمَّ قَدِمَ، فَمَنْ كَانَ مُطِيعًا ضَمَّتْهُ بِرِفْقٍ وَمَنْ كَانَ عَاصِيًا ضَمَّتْهُ بِعُنْفٍ سُخْطًا لِرَبِّهَا عَلَيْهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ مَنْدَهْ وَالدَّيْلَمِيُّ وَابْنُ النَّجَّارِ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ مُنْذُ حَدَّثْتَنِي بِصَوْتِ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ وَضَغْطَةِ الْقَبْرِ لَيْسَ يَنْفَعُنِي شَيْءٌ؟ ، قَالَ " يَا عَائِشَةُ إِنَّ أَصْوَاتَ مُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ فِي سَمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ كَإِثْمِدٍ فِي الْعَيْنِ، وَإِنَّ ضَغْطَةَ الْقَبْرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَالْأُمِّ الشَّفِيقَةِ يَشْكُو إِلَيْهَا ابْنُهَا الصُّدَاعَ فَتَغْمِزُ

стр. 468

رَأْسَهُ غَمْزًا رَفِيقًا، وَلَكِنْ يَا عَائِشَةُ وَيْلٌ لِلشَّاكِّينَ فِي اللَّهِ كَيْفَ يُضْغَطُونَ فِي قُبُورِهِمْ كَضَغْطَةِ الصَّخْرَةِ عَلَى الْبَيْضَةِ» " (فَوَائِدُ) (الْأُولَى) : ذَكَرَ الدَّيْلَمِيُّ فِي الْفِرْدَوْسِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ رَفَعَهُ " «أَوَّلُ عَدْلِ الْآخِرَةِ الْقُبُورُ فَلَا يُعْرَفُ شَرِيفٌ مِنْ وَضِيعٍ» " وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ اللَّهَ أَرْحَمُ مَا يَكُونُ لِعَبْدِهِ إِذَا دَخَلَ قَبْرَهُ وَتَفَرَّقَ عَنْهُ النَّاسُ وَأَهْلُهُ. وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَرْحَمُ مَا يَكُونُ اللَّهُ بِالْعَبْدِ إِذَا وُضِعَ فِي حُفْرَتِهِ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الْحَبَطِيِّ يَرْفَعُهُ: " «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُتْحَفُ بِهِ الْمُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ يُقَالُ لَهُ أَبْشِرْ فَقَدْ غُفِرَ لِمَنْ تَبِعَ جِنَازَتَكَ» ". وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَعَبْدٌ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُجَازَى بِهِ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ مَوْتِهِ أَنْ يُغْفَرَ لِجَمِيعِ مَنْ تَبِعَهُ» ". وَفِي الْبَابِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ فِي الثَّوَابِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ. (الثَّانِيَةُ) قَالَ بَعْضُهُمْ مَنْ فَعَلَ سَيِّئَةً فَإِنَّ عُقُوبَتَهَا تُدْفَعُ بِأَحَدِ عَشَرَةِ أَسْبَابٍ أَنْ يَتُوبَ فَيُتَابَ عَلَيْهِ، أَوْ يَسْتَغْفِرَ فَيُغْفَرَ لَهُ، أَوْ يَعْمَلَ حَسَنَاتٍ فَتَمْحُوهَا فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ، أَوْ يُبْتَلَى فِي الدُّنْيَا بِمَصَائِبَ فَيُكَفَّرُ عَنْهُ، أَوْ فِي الْبَرْزَخِ بِالضَّغْطَةِ وَالْفِتْنَةِ فَيُكَفَّرُ عَنْهُ، أَوْ يُبْتَلَى فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ بِأَهْوَالٍ تُكَفِّرُ عَنْهُ، أَوْ تُدْرِكَهُ شَفَاعَةُ نَبِيِّهِ ﷺ ، أَوْ رَحْمَةُ رَبِّهِ ﵎. وَتَقَدَّمَ فِي التَّوْبَةِ طَرَفٌ صَالِحٌ مِنْ هَذَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (الثَّالِثَةُ) الْأَسْبَابُ الَّتِي يُعَذَّبُ بِهَا أَصْحَابُ الْقُبُورِ عَلَى قِسْمَيْنِ مُجْمَلٍ وَمُفَصَّلٍ، أَمَّا الْمُجْمَلُ فَإِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَى جَهْلِهِمْ بِاللَّهِ وَإِضَاعَتِهِمْ لِأَمْرِهِ وَارْتِكَابِهِمْ مَعَاصِيَهِ فَلَا يُعَذِّبُ اللَّهُ رُوحًا عَرَفَتْهُ وَأَحَبَّتْهُ وَامْتَثَلَتْ أَمْرَهُ وَاجْتَنَبَتْ نَهْيَهُ، وَلَا بَدَنًا كَانَتْ فِيهِ أَبَدًا فَإِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ بَلْ وَعَذَابَ الْآخِرَةِ أَثَرُ غَضَبِ

стр. 469

اللَّهِ وَسُخْطِهِ عَلَى عَبْدِهِ فَمَنْ أَغْضَبَ اللَّهَ وَأَسْخَطَهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ بِارْتِكَابِ مَنَاهِيهِ وَلَمْ يَتُبْ وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ لَهُ عَذَابُ الْبَرْزَخِ بِقَدْرِ غَضَبِ اللَّهِ وَسُخْطِهِ عَلَيْهِ فَمُسْتَقِلٌّ وَمُسْتَكْثِرٌ وَمُصَدِّقٌ وَمُكَذِّبٌ. وَأَمَّا الْمُفَصَّلُ فَقَدْ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَآهُمَا يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا أَنَّ أَحَدَهُمَا كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ بَيْنَ النَّاسِ وَالْآخَرَ كَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ، وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا. وَلَفْظُهُ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ فَقَالَ: " إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ ; أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ ". ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِاثْنَتَيْنِ ثُمَّ غَرَزَ عَلَى كُلِّ قَبْرٍ مِنْهُمَا وَاحِدَةً، قَالُوا لِمَ فَعَلْتَ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ تَيْبَسَا» ". قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ أَهْوَالِ الْقُبُورِ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ وَعَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الرُّوحِ فَهَذَا تَرَكَ الطَّهَارَةَ الْوَاجِبَةَ وَهَذَا ارْتَكَبَ السَّبَبَ الْمُوقِعَ لِلْعَدَاوَةِ بَيْنَ النَّاسِ بِلِسَانِهِ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمُوقِعَ بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ بِالْكَذِبِ وَالزُّورِ وَالْبُهْتَانِ أَعْظَمُ عَذَابًا كَمَا أَنَّ فِي تَرْكِ الِاسْتِبْرَاءِ مِنَ الْبَوْلِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ الَّتِي الِاسْتِبْرَاءُ مِنَ الْبَوْلِ بَعْضُ شُرُوطِهَا أَشَدُّ عَذَابًا. وَفِي حَدِيثِ شُعْبَةَ: " «أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَأْكُلُ لُحُومَ النَّاسِ» " فَهَذَا مُغْتَابٌ وَذَاكَ نَمَّامٌ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي تَعْذِيبِ مَنْ يَكْذِبُ الْكَذْبَةَ فَتَبْلُغُ الْآفَاقَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الَّذِي ضُرِبَ فِي قَبْرِهِ سَوْطًا امْتَلَأَ الْقَبْرُ عَلَيْهِ نَارًا لِكَوْنِهِ صَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَمَرَّ عَلَى مَظْلُومٍ فَلَمْ يَنْصُرْهُ، وَتَعْذِيبُ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنَامُ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ فِي النَّهَارِ، وَتَعْذِيبُ الزُّنَاةِ وَالزَّوَانِي، وَتَعْذِيبُ آكِلِ الرِّبَا كَمَا شَاهَدَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْبَرْزَخِ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ: رَضْخُ رُءُوسِ أَقْوَامٍ بِالصَّخْرِ لِتَثَاقُلِ رُءُوسِهِمْ عَنِ الصَّلَاةِ، وَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ الزَّقُّومَ وَالضَّرِيعَ لِتَرْكِهِمُ الزَّكَاةَ، وَالَّذِينَ يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ الْمُنْتِنَ الْخَبِيثَ لِزِنَاهُمْ، وَالَّذِينَ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ حَدِيدٍ لِقِيَامِهِمْ فِي الْفِتَنِ بِالْكَلَامِ وَالْخُطَبِ.

стр. 470

وَمِنَ الَّذِينَ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ وَأَخْبَرَ عَنْهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ وَالْمُرَاءُونَ وَالْهَمَّازُونَ وَاللَّمَّازُونَ وَالطَّعَّانُونَ عَلَى السَّلَفِ وَالَّذِينَ يَأْتُونَ الْكَهَنَةَ وَالْمُنَجِّمِينَ وَالْعَرَّافِينَ فَيَسْأَلُونَهُمْ وَيُصَدِّقُونَهُمْ وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ الَّذِينَ بَاعُوا آخِرَتَهُمْ بِدُنْيَا غَيْرِهِمْ وَنَحْوُ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ يَشْتَغِلُ بِذُنُوبِ النَّاسِ عَنْ ذَنْبِهِ وَبِعُيُوبِهِمْ عَنْ عَيْبِهِ فَكُلُّ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ بِهَذِهِ الْجَرَائِمِ بِحَسَبِ كَثْرَتِهَا وَقِلَّتِهَا وَصِغَرِهَا وَكِبَرِهَا، وَلَمَّا كَانَ أَكْثَرُ النَّاسِ كَذَلِكَ كَانَ أَصْحَابُ الْقُبُورِ مُعَذَّبِينَ وَالْفَائِزُ مِنْهُمْ قَلِيلٌ، فَظَوَاهِرُ الْقُبُورِ تُرَابٌ وَبَوَاطِنُهَا حَسَرَاتٌ وَعَذَابٌ، فَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى الْعَافِيَةَ وَالرَّحْمَةَ وَالْعَفْوَ وَالْغُفْرَانَ وَبِاللَّهِ الْإِعَانَةُ وَالْعَوْنُ. (الرَّابِعَةُ) الْأَسْبَابُ الْمُنْجِيَةُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ عَلَى قِسْمَيْنِ أَيْضًا مُجْمَلٍ وَمُفَصَّلٍ، أَمَّا الْمُجْمَلُ: فَهُوَ بِحَسَبِ تِلْكَ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَقْتَضِي الْعَذَابَ، وَمِنْ أَنْفَعِهَا أَنْ يَجْلِسَ عِنْدَمَا يُرِيدُ النَّوْمَ لِلَّهِ سَاعَةً يُحَاسِبُ نَفْسَهُ فِيهَا عَلَى مَا خَسِرَهُ وَرَبِحَهُ فِي يَوْمِهِ ثُمَّ يُجَدِّدَ لَهُ تَوْبَةً نَصُوحًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ فَيَنَامَ عَلَى تِلْكَ التَّوْبَةِ وَيَعْزِمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَى الذَّنْبِ إِذَا اسْتَيْقَظَ وَيَفْعَلُ هَذَا كُلَّ لَيْلَةٍ، فَإِنْ مَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى تَوْبَةٍ وَإِنِ اسْتَيْقَظَ مُسْتَقْبِلًا لِلْعَمَلِ مَسْرُورًا بِتَأْخِيرِ الْأَجَلِ، وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْفَعُ مِنْ هَذِهِ التَّوْبَةِ وَلَا سِيَّمَا إِذَا عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَاسْتِعْمَالِ السُّنَنِ الَّتِي وَرَدَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ النَّوْمِ حَتَّى يَغْلِبَهُ النَّوْمُ فَمَنْ أَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا وَفَّقَهُ لِذَلِكَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. وَأَمَّا الْمُفَصَّلُ فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ أُجْرِيَ عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ وَأَمِنَ الْفَتَّانَ» ". وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَجْرِي عَلَيْهِ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ» ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الشُّهَدَاءِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ (تَبَارَكَ الْمُلْكَ) فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «ضَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خِبَاءَهُ عَلَى قَبْرٍ

стр. 471

وَهُوَ لَا يَحْسَبُ أَنَّهُ قَبْرٌ فَإِذَا قَبْرُ إِنْسَانٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْمُلْكِ حَتَّى خَتَمَهَا فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ضَرَبْتُ خِبَائِي عَلَى قَبْرٍ أَنَا لَا أَحْسَبُ أَنَّهُ قَبْرٌ فَإِذَا قَبْرُ إِنْسَانٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْمُلْكِ حَتَّى خَتَمَهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هِيَ الْمَانِعَةُ هِيَ الْمُنْجِيَةُ تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ: رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عِكْرِمَةَ «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَلَا أُتْحِفُكَ بِحَدِيثٍ تَفْرَحُ بِهِ؟ قَالَ الرَّجُلُ بَلَى قَالَ اقْرَأْ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] احْفَظْهَا وَعَلِّمْهَا أَهْلَكَ وَوَلَدَكَ وَصِبْيَانَ بَيْتِكَ وَجِيرَانَكَ فَإِنَّهَا الْمُنْجِيَةُ وَالْمُجَادِلَةُ تُجَادِلُ أَوْ تُخَاصِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّهَا لِقَارِئِهَا وَتَطْلُبُ لَهُ إِلَى رَبِّهَا أَنْ يُنْجِيَهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ - قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " لَوَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْ أُمَّتِي» ". قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ سُورَةً ثَلَاثِينَ آيَةً شَفَعَتْ فِي صَاحِبِهَا حَتَّى غُفِرَ لَهُ - تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» " (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: أَنْكَرَتِ الْمَلَاحِدَةُ وَالزَّنَادِقَةُ عَذَابَ الْقَبْرِ وَسِعَتَهُ وَضِيقَهُ وَكَوْنَهُ حُفْرَةً مِنْ حُفَرِ النَّارِ أَوْ رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ وَأَنْكَرُوا جُلُوسَ الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ، قَالُوا وَقَدْ وَضَعُوا عَلَى صَدْرِ الْمَيِّتِ زِيبَقًا فَكَشَفُوا عَنْهُ فَوَجَدُوهُ بِحَالِهِ وَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ مَلَائِكَةً يَضْرِبُونَ الْمَوْتَى بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ وَلَا وَجَدُوا حَيَّاتٍ وَلَا عَقَارِبَ وَلَا نِيرَانًا وَأَجْنَبُوا وَأَجْلَبُوا مِثْلَ هَذِهِ الْوَسَاوِسِ وَالتُّرَّهَاتِ، وَقَالَ إِخْوَانُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ كُلُّ حَدِيثٍ يُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعُقُولِ نَقْطَعُ بِتَخْطِئَةِ نَاقِلِهِ، قَالُوا وَنَحْنُ نَرَى الْمَصْلُوبَ عَلَى الْخَشَبَةِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ لَا يُسْأَلُ وَلَا يُجِيبُ وَلَا يَتَحَرَّكُ وَلَا يَتَوَقَّدُ جِسْمُهُ نَارًا، قَالُوا وَمَنِ افْتَرَسَتْهُ السِّبَاعُ وَنَهَشَتْهُ الطَّيْرُ وَتَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ فِي حَوَاصِلِ الطُّيُورِ وَأَجْوَافِ السِّبَاعِ وَبُطُونِ الْحِيتَانِ وَمَدَارِجِ الرِّيَاحِ كَيْفَ يُسْأَلُ؟ وَكَيْفَ يَصِيرُ الْقَبْرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا رَوْضَةً أَوْ حُفْرَةً؟ وَكَيْفَ يَتَّسِعُ قَبْرُهُ أَوْ يَضِيقُ؟ وَأَكْثَرُوا مِنْ هَذَا الْهَذَيَانِ.

стр. 472

وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْحَقِّ مِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَأُمَنَاءِ الْأُمَّةِ بِمَا يَقْمَعُ الْمُفْتَرِينَ وَيُقْلِعُ عَنِ الشَّاكِّينَ، مِنْهُمُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ فَإِنَّهُ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِعِدَّةِ أَجْوِبَةٍ (مِنْهَا) أَنَّ الرُّسُلَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ تُخْبِرْ بِمَا تُحِيلُهُ الْعُقُولُ بَلْ أَخْبَارُهُمْ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا مَا يَشْهَدُ الْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ السَّلِيمَةُ بِهِ وَالثَّانِي: مَا لَا تُدْرِكُهُ الْعُقُولُ بِمُجَرَّدِهَا كَالْغُيُوبِ الَّتِي أَخْبَرُوا بِهَا عَنْ تَفَاصِيلِ الْبَرْزَخِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فَلَا يَكُونُ خَبَرُهُمْ مُحَالًا فِي الْعُقُولِ أَصْلًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا تَأْتِي بِمُحَالَاتِ الْعُقُولِ بَلْ بِمُحَارَاتِهَا فَكُلُّ خَبَرٍ يُظَنُّ أَنَّ الْعَقْلَ يُحِيلُهُ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ إِمَّا خَطَأٌ فِي النَّقْلِ أَوْ فَسَادٌ فِي الْعَقْلِ فَتَكُونُ شُبْهَةٌ خَيَالِيَّةٌ ظَنَّ صَاحِبُهَا أَنَّهَا أَمْرٌ عَقْلِيٌّ صَرِيحٌ وَالْحَالُ أَنَّهُ خَيَالٌ وَهْمِيٌّ غَيْرُ صَحِيحٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦] وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَلَا يَزْدَادُونَ إِلَّا رِجْسًا عَلَى رِجْسِهِمْ. (وَمِنْهَا) أَنْ يُضَمَّ إِلَى خَبَرِ الرَّسُولِ مُرَادُهُ مِنْ غَيْرِ غُلُوٍّ وَلَا تَقْصِيرٍ وَلَا يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَلَا يُقَصَّرُ بِهِ عَنْ مُرَادِهِ وَعَمَّا قَصَدَهُ مِنَ الْهُدَى وَالْبَيَانِ وَبِإِهْمَالِ ذَلِكَ حَصَلَ مَا حَصَلَ مِنَ الضَّلَالِ وَالْعُدُولِ عَنْ نَهْجِ الصَّوَابِ. (وَمِنْهَا) أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ الدُّورَ ثَلَاثَةً، دَارَ الدُّنْيَا وَدَارَ الْبَرْزَخِ وَدَارَ الْقَرَارِ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَارٍ أَحْكَامًا تَخْتَصُّ بِهَا، وَرَكَّبَ هَذَا الْإِنْسَانَ مِنْ بَدَنٍ وَنَفْسٍ وَجَعَلَ أَحْكَامَ الدُّنْيَا عَلَى الْأَبْدَانِ، وَالْأَرْوَاحُ تَبَعٌ لَهَا، وَلِهَذَا جَعَلَ أَحْكَامَ الشَّرِيعَةِ مُرَتَّبَةً عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ حَرَكَاتِ الْإِنْسَانِ وَالْجَوَارِحِ وَإِنْ أَضْمَرَتِ النُّفُوسُ خِلَافَهُ، فَالْعُقُوبَاتُ الدُّنْيَوِيَّةُ تَقَعُ عَلَى الْبَدَنِ الظَّاهِرِ وَتَتَأَلَّمُ الرُّوحُ بِالتَّبَعِيَّةِ، وَجَعَلَ أَحْكَامَ الْبَرْزَخِ عَلَى الْأَرْوَاحِ، وَالْأَبْدَانُ تَبَعٌ لَهَا، فَكَمَا تَبِعَتِ الْأَرْوَاحُ الْأَبْدَانَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَتَأَلَّمَتْ بِأَلَمِهَا وَالْتَذَّتْ بِرَاحَتِهَا وَلَذَّتِهَا وَكَانَتْ هِيَ الْمُبَاشِرَةَ لِأَسْبَابِ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ فَكَذَلِكَ تَبِعَتِ الْأَبْدَانُ الْأَرْوَاحَ فِي نَعِيمِهَا وَعَذَابِهَا وَكَانَ الْعَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى الرُّوحِ وَلَهَا بِالْأَصَالَةِ وَالْبَدَنُ تَابِعٌ لِلرُّوحِ فِي ذَلِكَ عَكْسُ دَارِ الدُّنْيَا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ حَشْرِ الْأَجْسَادِ وَقِيَامِ النَّاسِ مِنْ قُبُورِهِمْ لِدَارِ الْقَرَارِ وَالْمَعَادِ صَارَ الْحُكْمُ مِنَ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَادِ بَادِيًا ظَاهِرًا أَصْلًا وَمَا أَخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ

стр. 473

وَنَعِيمِهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، فَإِذَا ظَهَرَ لِلذَّوْقِ السَّلِيمِ طَابَقَ الْعَقْلَ الْمُسْتَقِيمَ. (وَمِنْهَا) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ أَمْرَ الْآخِرَةِ وَمَا كَانَ مُتَّصِلًا بِهَا غَيْبِيًّا وَحَجَبَهَا عَنْ إِدْرَاكِ الْعُقُولِ فِي هَذِهِ الدَّارِ وَذَلِكَ مِنْ كَمَالِ حِكْمَتِهِ وَلِيَتَمَيَّزَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْغَيْبِ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَوَّلُ ذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِلُ عَلَى الْمُحْتَضِرِ وَتَجْلِسُ قَرِيبًا مِنْهُ وَيُشَاهِدُهُمْ عِيَانًا وَيَتَحَدَّثُونَ عِنْدَهُ وَمَعَهُ وَرُبَّمَا كَلَّمَهُمْ وَرَدَّ أَجْوِبَةً لَهُمْ، وَتَكُونُ مَعَهُمُ الْأَكْفَانُ وَالْحَنُوطُ إِمَّا مِنَ الْجَنَّةِ وَإِمَّا مِنَ النَّارِ. وَيُؤَمِّنُونَ عَلَى دُعَاءِ الْحَاضِرِينَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَقَدْ يُسَلِّمُونَ عَلَى الْمُحْتَضِرِ وَيَرُدُّ ﵈ تَارَةً بِلَفْظِهِ وَتَارَةً بِإِشَارَةٍ وَتَارَةً بِقَلْبِهِ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ النُّطْقِ وَالْإِشَارَةِ وَقَدْ سُمِعَ بَعْضُ الْمُحْتَضَرِينَ يَقُولُ أَهْلًا وَسَهْلًا وَمَرْحَبًا بِهَذِهِ الْوُجُوهِ. وَمِنْ ذَلِكَ حِكَايَاتٌ كَثِيرَةٌ وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا لَمْ يَخْطُرْ بِالْبَالِ وَلَا يَتَصَوَّرْهُ الْخَيَالُ. (وَمِنْهَا) أَنَّ النَّارَ الَّتِي فِي الْقَبْرِ لَيْسَتْ مِنْ نَارِ الدُّنْيَا فَيُشَاهِدُهَا مَنْ شَاهَدَ نَارَ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ نَارِ الْآخِرَةِ فَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ أَشَدَّ مِنْ نَارِ الدُّنْيَا إِلَّا أَنَّ شِدَّتَهَا عَلَى مَنْ هِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ دُونَ مَنْ مَسَّهَا مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، بَلْ رُبَّمَا دُفِنَ الرَّجُلَانِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا فِي رَوْضَةٍ وَنَعِيمٍ وَالْآخَرُ فِي حُفْرَةٍ وَعَذَابٍ أَلِيمٍ وَقُدْرَةُ الرَّبِّ أَعْظَمُ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنِ الْكَافِرُونَ لَا يَشْعُرُونَ. (وَمِنْهَا) أَنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ فِي هَذِهِ الدَّارِ مَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ فَهَذَا جِبْرِيلُ ﵇ كَانَ يَنْزِلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَيَتَمَثَّلُ لَهُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُهُ بِكَلَامٍ يَسْمَعُهُ وَمَنْ إِلَى جَانِبِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَرَاهُ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَضْرِبُ الْكُفَّارَ بِالسِّيَاطِ وَتَضْرِبُ رِقَابَهُمْ وَتَصِيحُ بِهِمْ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُمْ لَا يَرَوْنَهُمْ وَلَا يَسْمَعُونَ كَلَامَهُمْ، وَاللَّهُ حَجَبَ ابْنَ آدَمَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا يَحْدُثُ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ بَيْنَهُمْ فَهَذَا جِبْرِيلُ كَانَ يُدَارِسُ النَّبِيَّ ﷺ الْقُرْآنَ وَالْحَاضِرُونَ لَا يَسْمَعُونَهُ. وَكَيْفَ يَسْتَنْكِرُ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَأَقَرَّ بِقُدْرَتِهِ أَنْ يُحْدِثَ حَوَادِثَ يَصْرِفُ عَنْهَا أَبْصَارَ خَلْقِهِ وَأَسْمَاعَهُمْ حِكْمَةً مِنْهُ وَرَحْمَةً بِهِمْ لِأَنَّهُمْ لَا يُطِيقُونَ رُؤْيَتَهَا وَسَمَاعَهَا وَالْعَبْدُ أَضْعَفُ بَصَرًا وَسَمْعًا مِنْ أَنْ يَثْبُتَ لِمُشَاهَدَةِ عَذَابِ الْقَبْرِ وَكَثِيرٌ مِمَّنْ أَشْهَدَهُ اللَّهُ ذَلِكَ ضَعُفَ وَغُشِيَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْتَفِعْ بِالْعَيْشِ زَمَنًا، وَبَعْضُهُمْ كُشِفَ قِنَاعُ قَلْبِهِ فَمَاتَ. وَسِرُّ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ

стр. 474

تَوْسِعَةَ الْقَبْرِ وَضِيقَهُ وَإِضَاءَتَهُ وَخُضْرَتَهُ وَنَارَهُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْمَعْهُودِ فِي هَذَا الْعَالَمِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا أَشْهَدَ عِبَادَهُ هَذِهِ الدَّارَ وَمَا كَانَ فِيهَا وَمِنْهَا وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ فَقَدْ أَسْبَلَ عَلَيْهِ الْغِطَاءَ لِيَكُونَ الْإِقْرَارُ بِهِ وَالْإِيمَانُ سَبَبًا لِسَعَادَتِهِمْ وَلَوْ كَشَفَ عَنْهُ الْغِطَاءَ لَكَانَ مُشَاهَدًا عَيَانًا وَفَاتَتْهُ نَتِيجَةُ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الثَّوَابِ. قُلْتُ: وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ وَجَبَ الْإِيمَانُ بِهِ وَقَدْ تَوَاتَرَ عَنْهُ ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْنَا وَلَمْ تُحِلْهُ الْعُقُولُ وَحَيْثُ كَانَ مُمْكِنًا فَمُعَارَضَةُ صَحِيحِ الْأَخْبَارِ إِلْحَادٌ، وَهُوَ كَمَا أَنَّهُ مُقْتَضَى السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ قَالَ الْمَرْوَذِيُّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ لَا يُنْكِرُهُ إِلَّا ضَالٌّ مُضِلٌّ. وَقَالَ حَنْبَلٌ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ هَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ نُؤْمِنُ بِهَا وَنُقِرُّ بِهَا، كُلَّمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِسْنَادٌ جَيِّدٌ أَقْرَرْنَا بِهِ، إِذَا لَمْ نُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ وَدَفَعْنَاهُ وَرَدَدْنَاهُ رَدَدْنَا عَلَى اللَّهِ أَمْرَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . قُلْتُ وَعَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ؟ قَالَ: حَقٌّ يُعَذَّبُونَ فِي الْقُبُورِ. قَالَ وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: نُؤْمِنُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ وَبِمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ (وَأَنَّ الْعَبْدَ يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ فَيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ فِي الْقَبْرِ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ: قُلْتُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ نُقِرُّ بِمُنْكَرٍ وَنَكِيرٍ) . وَمَا يُرْوَى فِي عَذَابِ الْقَبْرِ؟ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ نَعَمْ نُقِرُّ بِذَلِكَ، قُلْتُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ نَقُولُ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ هَكَذَا أَوْ نَقُولُ مَلَكَيْنِ؟ قَالَ: مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ. قُلْتُ يَقُولُونَ لَيْسَ فِي حَدِيثٍ مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ؟ قَالَ هُوَ هَكَذَا - يَعْنِي أَنَّهُمَا مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الرُّوحُ: وَأَمَّا أَئِمَّةُ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ فَقَالَ أَبُو الْهُذَيْلِ وَبِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ: مَنْ خَرَجَ عَنْ سُنَّةِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ، قَالَا وَالْمَسْأَلَةُ فِي الْقَبْرِ إِنَّمَا تَقَعُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَأَثْبَتَ الْجُبَّائِيُّ وَابْنُهُ وَالْبَلْخِيُّ عَذَابَ الْقَبْرِ لَكِنَّهُمْ نَفَوْهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَثْبَتُوهُ لِأَصْحَابِ التَّخْلِيدِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْفُسَّاقِ عَلَى أُصُولِهِمْ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 475

(التَّنْبِيهُ الثَّانِي) الْحَقُّ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ عَلَى النَّفْسِ وَالْبَدَنِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: الْعَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى النَّفْسِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، تُنَعَّمُ النَّفْسُ وَتُعَذَّبُ مُنْفَرِدَةً عَنِ الْبَدَنِ، وَتُنَعَّمُ وَتُعَذَّبُ مُتَّصِلَةً بِالْبَدَنِ وَالْبَدَنُ مُتَّصِلٌ بِهَا، فَيَكُونُ النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ عَلَيْهِمَا فِي هَذِهِ الْحَالِ مُجْتَمِعَيْنِ كَمَا يَكُونُ عَلَى الرُّوحِ مُنْفَرِدَةً عَنِ الْبَدَنِ. وَهَلْ يَكُونُ الْعَذَابُ وَالنَّعِيمُ لِلْبَدَنِ بِدُونِ الرُّوحِ؟ فِيهِ قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَأَهْلِ الْكَلَامِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ لَيْسَتْ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ، أَحَدُهَا قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ النَّعِيمَ وَالْعَذَابَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الرُّوحِ وَإِنَّ الْبَدَنَ لَا يُنَعَّمُ وَلَا يُعَذَّبُ. قَالَ وَهَذَا تَقُولُهُ الْفَلَاسِفَةُ الْمُنْكِرُونَ لِمَعَادِ الْأَبْدَانِ، وَهَؤُلَاءِ كُفَّارٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَقُولُهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمُ الَّذِينَ يُقِرُّونَ بِمَعَادِ الْأَبْدَانِ لَكِنْ يَقُولُونَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْبَرْزَخِ وَإِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنَ الْقُبُورِ، وَهَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ عَذَابَ الْبَدَنِ فِي الْبَرْزَخِ فَقَطْ، وَيَقُولُونَ إِنَّ الْأَرْوَاحَ هِيَ الْمُنَعَّمَةُ وَالْمُعَذَّبَةُ فِي الْبَرْزَخِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ عُذِّبَتِ الرُّوحُ وَالْبَدَنُ مَعًا، قَالَ وَهَذَا قَالَهُ طَوَائِفُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْحَدِيثِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ حَزْمٍ وَابْنِ مَيْسَرَةَ، قَالَ وَهَذَا لَيْسَ مِنَ الْأَقْوَالِ الشَّاذَّةِ بَلْ هُوَ مُضَافٌ إِلَى قَوْلِ مَنْ يُقِرُّ بِعَذَابِ الْقَبْرِ وَيُقِرُّ بِالْقِيَامَةِ وَيُثْبِتُ مَعَادَ الْأَبْدَانِ وَالْأَرْوَاحِ، وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ، عَلَيْهَا وَعَلَى الْبَدَنِ بِوَاسِطَتِهَا، عَلَى الْبَدَنِ فَقَطْ، وَقَدْ يُضَمُّ إِلَى ذَلِكَ الْقَوْلُ الثَّانِي وَهُوَ قَوْلُ مَنْ يُثْبِتُ عَذَابَ الْقَبْرِ وَيَجْعَلُ الرُّوحَ هِيَ الْحَيَاةُ - وَيَجْعَلُ الشَّاذَّ قَوْلَ مُنْكِرِ عَذَابِ الْأَبْدَانِ مُطْلَقًا وَقَوْلَ مَنْ يُنْكِرُ عَذَابَ الْبَرْزَخِ مُطْلَقًا؟ فَإِذَا جُعِلَتِ الْأَقْوَالُ الشَّاذَّةُ ثَلَاثَةً (فَالْقَوْلُ الثَّانِي) الشَّاذُّ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الرُّوحَ بِمُفْرَدِهَا لَا تُنَعَّمُ وَلَا تُعَذَّبُ وَإِنَّمَا الرُّوحُ هِيَ الْحَيَاةُ وَهَذَا

стр. 476

يَقُولُهُ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ وَغَيْرِهِ وَيُنْكِرُونَ أَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ فِرَاقِ الْبَدَنِ، وَهُوَ قَوْلٌ بَاطِلٌ، وَقَدْ خَالَفَهُ أَصْحَابُهُ أَبُو الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ، بَلْ قَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ أَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ فِرَاقِ الْأَبْدَانِ وَأَنَّهَا مُنَعَّمَةٌ أَوْ مُعَذَّبَةٌ. قَالَ وَالْفَلَاسِفَةُ الْإِلَهِيُّونَ يُقِرُّونَ بِذَلِكَ لَكِنْ يُنْكِرُونَ مَعَادَ الْأَبْدَانِ، وَهَؤُلَاءِ يُقِرُّونَ بِمَعَادِ الْأَبْدَانِ لَكِنْ يُنْكِرُونَ مَعَادَ الْأَرْوَاحِ وَنَعِيمَهَا وَعَذَابَهَا بِدُونِ الْأَبْدَانِ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ وَضَلَالٌ. نَعَمْ قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ أَبْعَدُ عَنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَتَمَسَّكُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ بَلْ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالتَّصَوُّفِ وَ (التَّحْقِيقِ فِي) الْكَلَامِ. (الْقَوْلُ الثَّالِثُ) مِنَ الشَّوَاذِّ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْبَرْزَخَ لَيْسَ فِيهِ نَعِيمٌ وَلَا عَذَابٌ بَلْ (لَا) يَكُونُ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ الْكُبْرَى كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ يُنْكِرُ عَذَابَ الْقَبْرِ وَنَعِيمَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرُّوحَ لَا تَبْقَى بَعْدَ فِرَاقِ الْبَدَنِ وَأَنَّ الْبَدَنَ لَا يُنَعَّمُ وَلَا يُعَذَّبُ، فَجَمِيعُ هَؤُلَاءِ الطَّوَائِفِ ضُلَّالٌ فِي أَمْرِ الْبَرْزَخِ إِلَّا أَنَّهُمْ خَيْرٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ لِأَنَّهُمْ مُقِرُّونَ بِالْقِيَامَةِ الْكُبْرَى. انْتَهَى. فَإِذَا عَلِمْتَ هَذِهِ الْأَقْوَالَ وَعَرَفْتَ بُطْلَانَهَا فَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ يَكُونُ فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ وَأَنَّ ذَلِكَ يَحْصُلُ لِرُوحِهِ وَبَدَنِهِ وَأَنَّ الرُّوحَ تَبْقَى بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْبَدَنِ مُنَعَّمَةً أَوْ مُعَذَّبَةً وَأَنَّهَا تَتَّصِلُ بِالْبَدَنِ أَحْيَانًا فَيَحْصُلُ لَهُ مَعَهَا النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ ثُمَّ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ الْكُبْرَى أُعِيدَتِ الْأَرْوَاحُ إِلَى الْأَجْسَادِ وَقَامُوا مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى رَبِّ الْمَعَادِ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالَّذِينَ قَالُوا إِنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ يَجْرِي عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ غَيْرِ رَدِّ الْأَرْوَاحِ إِلَى الْأَجْسَادِ وَأَنَّ الْمَيِّتَ يَجُوزُ أَنْ يَأْلَمَ وَيُحِسَّ بِالْأَلَمِ وَيَعْلَمَ بِلَا رُوحٍ هُمْ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكَرَامِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُعَذِّبُ الْمَوْتَى فِي قُبُورِهِمْ وَيُحْدِثُ فِيهِمُ الْآلَامَ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَإِذَا حُشِرُوا وَجَدُوا تِلْكَ الْآلَامَ وَأَحَسُّوا بِهَا، قَالُوا وَسَبِيلُ الْمُعَذَّبِينَ مِنَ الْمَوْتَى سَبِيلُ السَّكْرَانِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لَوْ ضَرَبُوهُمْ لَمْ يَجِدُوا الْآلَامَ فَإِذَا عَادَ إِلَيْهِمُ الْعَقْلُ أَحَسُّوا بِأَلَمِ الضَّرْبِ، وَأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ رَأْسًا مِثْلَ (ضِرَارِ) بْنِ عَمْرٍو وَيَحْيَى

стр. 477

بْنِ كَامِلٍ وَهُوَ قَوْلُ الْمَرِيسِيِّ فَهَذِهِ أَقْوَالُ أَهْلِ الْحَيْرَةِ وَالضَّلَالِ وَقَدْ عَلِمْتَ مَذْهَبَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَعْيَانِ الْأَئِمَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) تَقَدَّمَ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ هُوَ عَذَابُ الْبَرْزَخِ فَكُلُّ مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذَابِ نَالَهُ نَصِيبُهُ مِنْهُ قُبِرَ أَوْ لَمْ يُقْبَرْ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ فِي ذِكْرِ مَنَامِ النَّبِيِّ ﷺ الطَّوِيلِ وَرُؤْيَتِهِ لِلْمُعَذَّبِينَ كَيْفَ يُعَذَّبُونَ فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي عَذَابِ الْبَرْزَخِ، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ مُطَابِقٌ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (الرَّابِعُ) زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ لَهُ أَنَّ مَنْ ظَنَّ الْمَيِّتَ يَحْيَا فِي قَبْرِهِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَدْ أَخْطَأَ قَالَ لِأَنَّ الْآيَاتِ تَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] وَقَوْلَهُ تَعَالَى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] قَالَ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ يَحْيَا فِي قَبْرِهِ لَكَانَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَاتَنَا ثَلَاثًا وَأَحْيَانَا ثَلَاثًا، قَالَ وَهَذَا بَاطِلٌ وَخِلَافُ الْقُرْآنِ إِلَّا مَنْ أَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى آيَةً لِنَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ، وَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، مَنْ خَصَّهُ نَصٌّ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] قَالَ فَصَحَّ بِنَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّ أَرْوَاحَ سَائِرِ مَنْ ذَكَرْنَا لَا تَرْجِعُ إِلَى أَجْسَادِهِمْ إِلَّا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَذَكَرَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ تَخَيُّلَاتٍ وَهِيَ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ حَمَلَهَا عَلَى غَيْرِ مَحَامِلِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يَأْتِ قَطُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي خَبَرٍ صَحِيحٍ أَنَّ أَرْوَاحَ الْمَوْتَى تُرَدُّ إِلَى أَجْسَادِهِمْ عِنْدَ الْمَسْأَلَةِ وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَقُلْنَا بِهِ. قَالَ وَإِنَّمَا تَفَرَّدَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ رَدِّ الْأَرْوَاحِ إِلَى الْأَجْسَادِ فِي الْقُبُورِ الْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ تَرَكَهُ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ فِيهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ الضَّبِّيُّ - وَهُوَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ -:

стр. 478

مَا جَازَتْ لِلْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو قَطُّ شَهَادَةٌ فِي الْإِسْلَامِ - عَلَى مَا قَدْ نَقَلَ وَسَائِرُ الْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، قَالَ وَهَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ هُوَ الَّذِي صَحَّ أَيْضًا عَنِ الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَ آثَارًا يَزْعُمُ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى مَا قَالَ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنْ أَرَادَ ابْنُ حَزْمٍ بِقَوْلِهِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الْمَيِّتَ يَحْيَا فِي قَبْرِهِ الْحَيَاةَ الْمَعْهُودَةَ فِي الدُّنْيَا الَّتِي تَقُومُ فِيهَا الرُّوحُ بِالْبَدَنِ وَتُصَرِّفُهُ وَتُدَبِّرُهُ وَيَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَاللِّبَاسِ فَهَذَا خَطَأٌ كَمَا قَالَ وَالْحِسُّ وَالْعَقْلُ يُكَذِّبُهُ كَمَا يُكَذِّبُهُ النَّصُّ وَإِنْ أَرَادَ بِهِ حَيَاةً أُخْرَى غَيْرَ هَذِهِ الْحَيَاةِ بَلْ تُعَادُ إِلَيْهِ الرُّوحُ إِعَادَةً غَيْرَ الْإِعَادَةِ الْمَأْلُوفَةِ فِي الدُّنْيَا لِيُسْأَلَ وَيُمْتَحَنَ فِي قَبْرِهِ فَهَذَا حَقٌّ وَنَفْيُهُ خَطَأٌ وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ وَهُوَ قَوْلُهُ: " «فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ» " فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: «كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَأَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُءُوسِنَا الطَّيْرَ وَهُوَ يُلْحِدُ فَقَالَ: " أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي إِقْبَالٍ عَلَى الْآخِرَةِ وَانْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا نَزَلَتْ إِلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ فَجَلَسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ، قَالَ فَتَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، قَالَ فَيَصْعَدُونَ بِهَا» - الْحَدِيثَ -. وَفِيهِ: «فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ وَأَعِيدُوهُ إِلَى الْأَرْضِ فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى، فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ» - الْحَدِيثَ -. وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ الْكَافِرِ وَفِيهِ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ - الْحَدِيثَ - رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ أَوَّلَهُ وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ الْإِسْفَرَائِينِيُّ.

стр. 479

قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنَّ قَوْلَهُ " «ثُمَّ تُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ» " لَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاةٍ مُسْتَقِرَّةٍ وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى إِعَادَةٍ لَهَا فِي الْبَدَنِ وَتَعَلُّقٍ بِهِ، وَالرُّوحُ لَمْ تَزَلْ مُتَعَلِّقَةً بِبَدَنِهَا وَإِنْ بَلِيَ وَتَمَزَّقَ، وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الرُّوحَ لَهَا خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ مِنَ التَّعَلُّقِ مُتَغَايِرَةُ الْأَحْكَامِ (أَحَدُهَا) تَعَلُّقُهَا بِهِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ جَنِينًا (الثَّانِي) تَعَلُّقُهَا بِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ إِلَى وَجْهِ الْأَرْضِ (الثَّالِثُ) تَعَلُّقُهَا بِهِ فِي حَالِ النَّوْمِ فَلَهَا بِهِ تَعَلُّقٌ مِنْ وَجْهٍ وَمُفَارَقَةٌ مِنْ وَجْهٍ (الرَّابِعُ) تَعَلُّقُهَا بِهِ فِي الْبَرْزَخِ فَإِنَّهَا وَإِنْ فَارَقَتْهُ وَتَجَرَّدَتْ عَنْهُ فَإِنَّهَا لَمْ تُفَارِقْهُ فِرَاقًا كُلِّيًّا بِحَيْثُ لَا يَبْقَى لَهَا إِلَيْهِ الْتِفَاتٌ أَلْبَتَّةَ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى رَدِّهَا إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ ثَبَتَ أَنَّهَا تُرَدُّ إِلَيْهِ عِنْدَ سَلَامِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا الرَّدُّ إِعَادَةٌ خَاصَّةٌ لَا تُوجِبُ حَيَاةَ الْبَدَنِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ (الْخَامِسُ) تَعَلُّقُهَا بِهِ يَوْمَ بَعْثِ الْأَجْسَادِ وَهُوَ أَكْمَلُ تَعَلُّقَاتِهَا بِالْبَدَنِ وَلَا نِسْبَةَ لِمَا قَبْلَهُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّعَلُّقِ إِلَيْهِ إِذْ هُوَ تَعَلُّقٌ لَا يَقْبَلُ الْبَدَنُ مَعَهُ مَوْتًا وَلَا نَوْمًا وَلَا فَسَادًا. وَقَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ فِي الْمِنْهَالِ مَا قَالَ تَحَامُلٌ مِنْهُ بَارِدٌ فَالْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو أَحَدُ الثِّقَاتِ الْعُدُولِ، قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: الْمِنْهَالُ ثِقَةٌ. وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: كُوفِيٌّ ثِقَةٌ. وَأَعْظَمُ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ سُمِعَ فِي بَيْتِهِ صَوْتُ غِنَاءٍ، وَهَذَا لَا يُوجِبُ الْقَدْحَ فِي رِوَايَتِهِ. وَتَضْعِيفُ ابْنِ حَزْمٍ لَهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مُوجِبًا لِتَضْعِيفِهِ غَيْرَ تَفَرُّدِهِ بِقَوْلِهِ " «فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ» " وَقَدِ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِ زَعْمَهُ تَفَرُّدِهِ بِهَا الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا بَلْ رَوَاهَا غَيْرُهُ، وَقَدْ رُوِيَ مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهَا وَنَظِيرُهَا كَقَوْلِهِ " فَتُرَدُّ إِلَيْهِ رُوحُهُ ". وَقَوْلُهُ " فَيَسْتَوِي جَالِسًا " وَقَوْلُهُ " فَيُجْلِسَاهُ " وَقَوْلُهُ: فَيَجْلِسُ فِي قَبْرِهِ " وَكُلُّهَا أَحَادِيثُ صِحَاحٌ لَا مَغْمَزَ فِيهَا وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ صَرِيحَةٌ بِخِلَافِ مَا زَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَطَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي ذَلِكَ بِمَا يَشْفِي وَيَكْفِي وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ في الكلام في الروح وحقيقتها] [الاختلاف في حقيقة الروح وهل هي النفس أم غيرها] ((فَصْلٌ)) فِي ذِكْرِ الْأَرْوَاحِ وَالْكَلَامِ عَلَيْهَا وَقَدْ أَشَارَ إِلَى قَطْرَةٍ مِنْ بَحْرٍ لُجِّيٍّ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا فَقَالَ: ((وَإِنَّ أَرْوَاحَ الْوَرَى لَمْ تُعْدَمِ ... مَعَ كَوْنِهَا مَخْلُوقَةً فَاسْتَفْهِمِ)) ((وَ)) مِمَّا يَنْبَغِي الْعِلْمُ بِهِ ((إِنَّ أَرْوَاحَ)) بَنِي آدَمَ جَمْعُ رُوحٍ، قَدِ اخْتُلِفَ فِي حَقِيقَتِهَا وَهَلْ هِيَ النَّفْسُ أَوْ غَيْرُهَا؟ وَهَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنَ الْبَدَنِ

стр. 480

أَوْ عَرَضٌ مِنْ أَعْرَاضِهِ أَوْ جِسْمٌ مُسَاكِنٌ لَهُ مُودَعٌ فِيهِ أَوْ جَوْهَرٌ مُجَرَّدٌ؟ قَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ سَائِرِ الطَّوَائِفِ وَاضْطَرَبَتْ فِيهَا أَقْوَالُهُمْ وَكَثُرَ فِيهَا خَطَأُهُمْ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ أَمْسَكَ عَنِ الْكَلَامِ وَالْخَوْضِ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] الْآيَةَ وَهَدَى اللَّهُ أَتْبَاعَ الرَّسُولِ وَسَلَفَ الْأُمَّةِ وَأَهْلَ السُّنَّةِ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ بَعْدَ مَا سَاقَ أَقْوَالَ النَّاسِ فِي حَقِيقَةِ الرُّوحِ عَلَى اخْتِلَافِ مَذَاهِبِهِمْ وَتَبَايُنِ آرَائِهِمْ وَذَكَرَ عِدَّةَ مَذَاهِبَ وَزَيَّفَهَا ثُمَّ قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرُّوحَ جِسْمٌ مُخَالِفٌ بِالْمَاهِيَّةِ لِهَذَا الْجِسْمِ الْمَحْسُوسِ وَهُوَ جِسْمٌ نُورَانِيٌّ عُلْوِيٌّ خَفِيفٌ حَيٌّ مُتَحَرِّكٌ يَنْفُذُ فِي جَوْهَرِ الْأَعْضَاءِ وَيَسْرِي فِيهَا سَرَيَانَ الْمَاءِ فِي الْوَرْدِ وَسَرَيَانَ الدُّهْنِ فِي الزَّيْتُونِ وَالنَّارِ فِي الْفَحْمِ، فَمَا دَامَتْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ صَالِحَةً لِقَبُولِ الْآثَارِ الْفَائِضَةِ عَلَيْهَا مِنْ هَذَا الْجِسْمِ اللَّطِيفِ بَقِيَ هَذَا الْجِسْمُ اللَّطِيفُ مُتَشَابِكًا بِهَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَأَفَادَهَا هَذِهِ الْآثَارَ مِنَ الْحِسِّ وَالْحَرَكَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ بِسَبَبِ اسْتِيلَاءِ الْأَخْلَاطِ الْغَلِيظَةِ عَلَيْهَا وَخَرَجَتْ عَنْ قَبُولِ تِلْكَ الْآثَارِ فَارَقَ الرُّوحُ الْبَدَنَ وَانْفَصَلَ إِلَى عَالَمِ الْأَرْوَاحِ. قَالَ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّوَابُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الَّذِي لَا يَصِحُّ غَيْرُهُ وَكُلُّ الْأَقْوَالِ سِوَاهُ بَاطِلَةٌ وَعَلَيْهِ دَلَّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَأَدِلَّةُ الْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ. وَذَكَرَ لَهُ مِائَةَ دَلِيلٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ دَلِيلًا وَأَجَادَ وَأَفَادَ وَزَيَّفَ كَلَامَ ابْنِ سِينَا وَابْنِ حَزْمٍ وَأَمْثَالِهِمَا وَنَحْوِهِمَا. (فَائِدَةٌ) ذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ مَحَلَّ الرُّوحِ الْقَلْبُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَسَاكِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ " «أَمَّا النَّفْسُ فَفِي الْقَلْبِ وَالْقَلْبُ بِالنِّيَاطِ وَالنِّيَاطُ يَسْقِي الْعُرُوقَ فَإِذَا هَلَكَ الْقَلْبُ انْقَطَعَ الْعِرْقُ» ". وَهَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ، وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ: فِيهِ غَرِيبٌ كَثِيرٌ وَأَسَانِيدُهُ ضَعِيفَةٌ جِدًّا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا اخْتِلَافُ النَّاسِ فِي الرُّوحِ وَهَلْ هِيَ النَّفْسُ أَوْ غَيْرُهَا؟ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ قَالَ هُمَا اسْمَانِ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَقِيلَ بَلْ هُمَا مُتَغَايِرَانِ، قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ: النَّفْسُ

стр. 481

تُطْلَقُ عَلَى أُمُورٍ (أَحَدُهَا) الرُّوحُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ النَّفْسُ الرُّوحُ يُقَالُ خَرَجَتْ نَفْسُهُ قَالَ أَبُو خِرَاشٍ: نَجَا سَالِمًا وَالنَّفْسُ مِنْهُ بِشِدْقِهِ ... وَلَمْ يَنْجُ إِلَّا جَفْنُ سَيْفٍ وَمِئْزَرُ أَيْ بِجَفْنِ سَيْفٍ وَمِئْزَرٍ وَالنَّفْسُ الدَّمُ يُقَالُ: سَالَتْ نَفْسُهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ إِذَا مَاتَ فِيهِ» ". وَالنَّفْسُ الْجَسَدُ قَالَ الشَّاعِرُ: نُبِّئْتُ أَنَّ بَنِي تَمِيمٍ أَدْخَلُوا ... أَبْيَاتَهُمْ تَامُورُ نَفْسِ الْمُنْذِرِ وَالتَّامُورُ الدَّمُ، وَالنَّفْسُ الْعَيْنُ يُقَالُ أَصَابَتْ فُلَانًا نَفْسٌ أَيْ عَيْنٌ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَيْسَ كَمَا قَالَ فَالنَّفْسُ هَاهُنَا الرُّوحُ وَنِسْبَةُ الْإِصَابَةِ إِلَى الْعَيْنِ تَوَسُّعٌ لِأَنَّهَا تَكُونُ بِوَاسِطَةِ النَّظَرِ وَالَّذِي أَصَابَهُ إِنَّمَا هُوَ نَفْسُ الْعَائِنِ. وَتُطْلَقُ النَّفْسُ عَلَى الذَّاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١]- ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]- ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١]- ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] وَتُطْلَقُ النَّفْسُ عَلَى الرُّوحِ وَحْدَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]- ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]- ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠] وَقَوْلِهِ ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]- ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] . وَأَمَّا الرُّوحُ فَلَا تُطْلَقُ عَلَى الْبَدَنِ لَا بِانْفِرَادِهِ وَلَا مَعَ النَّفْسِ، وَتُطْلَقُ الرُّوحُ عَلَى الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥] وَقَالَ ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢] وَإِنَّمَا سَمَّى ذَلِكَ رُوحًا لِمَا يَحْصُلُ بِهِ مِنَ الْحَيَاةِ النَّافِعَةِ فَإِنَّ الْحَيَاةَ بِدُونِهِ لَا تَنْفَعُ صَاحِبَهَا أَلْبَتَّةَ بَلْ حَيَاةُ الْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأَسْلَمُ عَاقِبَةً. وَسُمِّيَتِ الرُّوحُ رُوحًا لِأَنَّ بِهَا حَيَاةَ الْبَدَنِ وَكَذَلِكَ سُمِّيَتِ الرِّيحُ رِيحًا لِمَا يَحْصُلُ بِهَا مِنَ الْحَيَاةِ وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ وَلِهَذَا تُجْمَعُ عَلَى أَرْوَاحٍ قَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا هَبَّتِ الْأَرْوَاحُ مِنْ نَحْوِ أَرْضِكُمْ ... وَجَدْتُ لِمَسْرَاهَا عَلَى كَبِدِي بَرْدَا وَمِنْهَا الرَّوْحُ وَالرَّيْحَانُ وَالِاسْتِرَاحَةُ، فَسُمِّيَتِ النَّفْسُ رُوحًا لِحُصُولِ الْحَيَاةِ بِهَا وَسُمِّيَتْ نَفْسًا، إِمَّا مِنَ الشَّيْءِ النَّفِيسِ لِنَفَاسَتِهَا وَشَرَفِهَا، وَإِمَّا مِنْ تَنَفُّسِ الشَّيْءِ إِذَا خَرَجَ فَلِكَثْرَةِ خُرُوجِهَا وَدُخُولِهَا فِي الْبَدَنِ سُمِّيَتْ نَفْسًا، وَمِنْهُ النَّفَسُ

стр. 482

بِالتَّحْرِيكِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ كُلَّمَا نَامَ خَرَجَتْ مِنْهُ فَإِذَا اسْتَيْقَظَ رَجَعَتْ إِلَيْهِ فَإِذَا مَاتَ خَرَجَتْ خُرُوجًا كُلِّيًّا فَإِذَا دُفِنَ عَادَتْ إِلَيْهِ فَإِذَا سُئِلَ خَرَجَتْ مِنْهُ فَإِذَا بُعِثَ عَادَتْ إِلَيْهِ أَيْ رَجَعَتْ لَهُ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالرُّوحِ فَرْقٌ بِالصِّفَاتِ لَا فَرْقٌ بِالذَّاتِ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الدَّمُ نَفْسًا لِأَنَّ خُرُوجَهُ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْمَوْتِ يُلَازِمُ خُرُوجَ النَّفْسِ وَأَنَّ الْحَيَاةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ كَمَا لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالنَّفْسِ فَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ السَّمَوْأَلُ: تَسِيلُ عَلَى حَدِّ الظُّبَاتِ نُفُوسُنَا ... وَلَيْسَتْ عَلَى غَيْرِ الظُّبَاتِ تَسِيلُ وَيُقَالُ: فَاضَتْ نَفْسُهُ وَخَرَجَتْ نَفْسُهُ وَفَارَقَتْ كَمَا يُقَالُ خَرَجَتْ رُوحُهُ وَفَارَقَتْ وَلَكِنَّ الْفَيْضَ الِانْدِفَاعُ بِكَثْرَةٍ وَسُرْعَةٍ يُقَالُ: أَفَاضَ إِذَا دَفَعَ بِاخْتِيَارِهِ وَإِرَادَتِهِ وَفَاضَ إِذَا دُفِعَ قَهْرًا وَقَسْرًا فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الَّذِي يُفِيضُهَا عِنْدَ الْمَوْتِ فَتَفِيضُ هِيَ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالتَّصَوُّفِ: الرُّوحُ غَيْرُ النَّفْسِ، قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ: لِلْإِنْسَانِ حَيَاةٌ وَرُوحٌ وَنَفْسٌ فَإِذَا نَامَ خَرَجَتْ نَفْسُهُ الَّتِي يَعْقِلُ بِهَا الْأَشْيَاءَ وَلَمْ تُفَارِقِ الْجَسَدَ بَلْ تَخْرُجُ كَحَبْلٍ مُمْتَدٍّ لَهُ شُعَاعٌ فَيَرَى الرُّؤْيَا بِالنَّفْسِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ وَتَبْقَى الْحَيَاةُ وَالرُّوحُ فِي الْجَسَدِ فِيهِ يَنْقَلِبُ وَيَتَنَفَّسُ فَإِذَا حُرِّكَ رَجَعَتْ إِلَيْهِ الرُّوحُ (؟) أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُمِيتَهُ فِي الْمَنَامِ أَمْسَكَ تِلْكَ النَّفْسَ الَّتِي خَرَجَتْ. وَقَالَ أَيْضًا: إِذَا نَامَ خَرَجَتْ نَفْسُهُ وَصَعِدَتْ إِلَى فَوْقَ فَإِذَا رَأَتِ الرُّؤْيَا رَجَعَتْ فَأَخْبَرَتِ الرُّوحَ وَتُخْبِرُ الرُّوحُ الْقَلْبَ فَيُصْبِحُ وَيُعْلِنُ أَنَّهُ قَدْ رَأَى كَيْتَ وَكَيْتَ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ مِنْ عُلَمَائِنَا: ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْرِفَةِ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ فَالنَّفْسُ طِينِيَّةٌ نَارِيَّةٌ وَالرُّوحُ نُورِيَّةٌ رُوحَانِيَّةٌ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الرُّوحَ لَاهُوتِيَّةٌ وَالنَّفْسَ نَاسُوتِيَّةٌ وَأَنَّ الْخَلْقَ بِهَا ابْتُلِيَ. وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ إِنَّ الرُّوحَ غَيْرُ النَّفْسِ وَالنَّفْسَ غَيْرُ الرُّوحِ وَقِوَامُ النَّفْسِ بِالرُّوحِ، وَالنَّفْسُ صُورَةُ الْعَبْدِ وَالْهَوَى وَالشَّهْوَةُ وَالْبَلَاءُ مَعْجُونٌ فِيهَا وَلَا عَدُوَّ أَعْدَى لِابْنِ آدَمَ مِنْهَا، فَالنَّفْسُ لَا تُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا وَلَا تُحِبُّ إِلَّا إِيَّاهَا، وَالرُّوحُ تَدْعُو إِلَى الْآخِرَةِ وَتُؤْثِرُهَا، وَجَعَلَ الْهَوَى تَبَعًا لِلنَّفْسِ وَالشَّيْطَانَ مَعَ النَّفْسِ وَالْهَوَى، وَجَعَلَ الْمَلَكَ مَعَ الْعَقْلِ وَالرُّوحِ وَاللَّهُ يُمِدُّهُمَا بِإِلْهَامِهِ وَتَوْفِيقِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْأَرْوَاحُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أَخْفَى حَقِيقَتَهَا وَعِلْمَهَا عَنِ

стр. 483

الْخَلْقِ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْأَرْوَاحُ نُورٌ مِنْ نُورِ اللَّهِ وَحَيَاةٌ مِنْ حَيَاةِ اللَّهِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِ ثَلَاثَةُ أَرْوَاحٍ وَلِلْكَافِرِ وَالْمُنَافِقِ رُوحٌ وَاحِدَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ خَمْسَةُ أَرْوَاحٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْأَرْوَاحُ رُوحَانِيَّةٌ خُلِقَتْ مِنَ الْمَلَكُوتِ فَإِنْ صَفَتْ رَجَعَتْ إِلَى الْمَلَكُوتِ. ذَكَرَ هَذَا كُلَّهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الرُّوحُ ثُمَّ قَالَ قُلْتُ الرُّوحُ الَّتِي تُتَوَفَّى وَتَفِيضُ رُوحٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ النَّفْسُ وَأَمَّا مَا يُؤَيِّدُ اللَّهُ بِهِ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الرُّوحِ فَهُوَ رُوحٌ أُخْرَى غَيْرُ هَذِهِ الرُّوحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] وَكَذَا الَّتِي أَيَّدَ بِهَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ﵇ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠] وَكَذَلِكَ الرُّوحُ الَّتِي يُلْقِيهَا عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ هِيَ غَيْرُ الرُّوحِ الَّتِي فِي الْبَدَنِ، وَأَمَّا الْقُوَى الَّتِي فِي الْبَدَنِ وَإِنْ أَطْلَقَ عَلَيْهَا أَرْوَاحًا كَمَا يُقَالُ الرُّوحُ الْبَاصِرَةُ وَالرُّوحُ السَّامِعَةُ وَالرُّوحُ الشَّامَّةُ فَهِيَ قُوًى مُودَعَةٌ فِي الْأَبْدَانِ تَمُوتُ بِمَوْتِ الْأَبْدَانِ وَهِيَ غَيْرُ الرُّوحِ الَّتِي لَا تَمُوتُ بِمَوْتِ الْبَدَنِ وَلَا تَبْلَى كَمَا يَبْلَى، قَالَ وَتُطْلَقُ الرُّوحُ عَلَى أَخَصَّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ وَهُوَ قُوَّةُ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى وَالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَمَحَبَّتِهِ وَانْبِعَاثِ الْهِمَّةِ إِلَى طَلَبِهِ وَإِرَادَتِهِ وَنِسْبَةُ هَذَا إِلَى الرُّوحِ كَنِسْبَةِ الرُّوحِ إِلَى الْبَدَنِ فَإِذَا فَقَدَتْهَا الرُّوحُ كَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْبَدَنِ إِذَا فَقَدَ رُوحَهُ وَهِيَ الرُّوحُ الَّتِي يُؤَيِّدُ بِهَا أَهْلَ وِلَايَتِهِ، وَلِهَذَا يُقَالُ فُلَانٌ فِيهِ رُوحٌ وَفُلَانٌ مَا فِيهِ رُوحٌ، وَلِلْمَحَبَّةِ رُوحٌ، وَلِلْإِنَابَةِ رُوحٌ، وَلِلتَّوَكُّلِ وَالصِّدْقِ رُوحٌ، وَالنَّاسُ مُتَفَاوِتُونَ فِي هَذِهِ الْأَرْوَاحِ أَعْظَمَ تَفَاوُتٍ فَمِنْهُمْ مَنْ تَغْلِبُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأَرْوَاحُ فَيَصِيرُ رُوحَانِيًّا وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْقِدُهَا فَيَصِيرُ أَرْضِيًّا بَهِيمِيًّا وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ((الْوَرَى)) مَحَلُّهُ جَرٌّ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْأَرْوَاحِ أَيْ أَرْوَاحُ الْوَرَى، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْوَرَى كِفَّتَيِ الْخَلْقِ. وَالْمُرَادُ بَنُو آدَمَ وَمِثْلُهُمُ الْجِنُّ فِيمَا يُظَنُّ لِأَنَّ التَّكْلِيفَ وَالْمَعَادَ وَالْحِسَابَ يَشْمَلُهُمْ ((لَمْ تُعْدَمِ)) بِمَوْتِ الْأَبْدَانِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا وَلَا تَمُوتُ هِيَ وَلَا تَفْنَى، وَزَعَمَتْ طَائِفَةٌ أَنَّهَا تَمُوتُ وَتَذُوقُ الْمَوْتَ لِأَنَّهَا نَفْسٌ وَكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ، قَالُوا: وَدَلَّتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْقَى إِلَّا اللَّهُ

стр. 484

تَعَالَى وَحْدَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن: ٢٦] وَقَالَ تَعَالَى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٨٨] قَالُوا: وَإِذَا كَانَتِ الْمَلَائِكَةُ تَمُوتُ فَالنُّفُوسُ الْبَشَرِيَّةُ أَوْلَى وَالدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِهَا عَدَمُ قِدَمِهَا وَلِهَذَا قَالَ الصَّوَابُ عَدَمُ عَدَمِهَا ((مَعَ كَوْنِهَا)) أَيِ الْأَرْوَاحِ ((مَخْلُوقَةً)) لِلَّهِ تَعَالَى وَمُحْدَثَةً وَمَرْبُوبَةً أَوْجَدَهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ ((فَاسْتَفْهِمِ)) أَيِ اطْلُبْ عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ مَظَانِّهِ وَاسْتَكْشِفْهُ مِنْ مَكَامِنِهِ، يُقَالُ فَهِمَ كَفَرِحَ فَهْمًا وَيُحَرَّكُ وَهِيَ أَفْصَحُ وَفَهَامَةً وَفَهَامِيَةً عَلِمَ الشَّيْءَ وَعَرَفَهُ بِالْقَلْبِ وَهُوَ فَهِمٌ كَكَتِفٍ سَرِيعُ الْفَهْمِ وَاسْتَفْهَمَنِي طَلَبَ مِنِّي فَهْمَ الْمَطْلُوبِ فَأَفْهَمْتُهُ وَفَهَّمْتُهُ، فَالْفَهْمُ قُوَّةٌ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تُعِدَّ النَّفْسَ لِاكْتِسَابِ الْآرَاءِ، وَالذَّكَاءُ جَوْدَةُ تِلْكَ الْقُوَّةِ، وَالذِّهْنُ قِيلَ يُرَادِفُ الْفَهْمَ وَقَدَّمَهُ فِي الْقَامُوسِ فَقَالَ: الذِّهْنُ بِالْكَسْرِ الْفَهْمُ وَالْعَقْلُ وَحِفْظُ الْقَلْبِ وَالْفِطْنَةُ. وَقَالَ غَيْرُهُ الذِّهْنُ هُوَ نَفْسُ الْقُوَّةِ وَالْفَهْمُ اسْتِعْمَالُهَا. وَإِنَّمَا حَثَّ عَلَى طَلَبِ الْفَهْمِ فِي ذَلِكَ وَإِمْعَانِ التَّدْقِيقِ لِإِدْرَاكِ تِلْكَ الْمَدَارِكِ لِاخْتِلَافِ مَقَالَاتِ النَّاسِ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلِأَنَّهُ مَزَلَّةُ أَقْدَامٍ وَمَظَنَّةُ أَوْهَامٍ. وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّهُ ذَكَرَ مَسْأَلَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ الْأُولَى أَنَّ الرُّوحَ مَخْلُوقَةٌ مُحْدَثَةٌ وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْعَدَمَ لَا يُدْرِكُهَا وَالْفِنَاءَ لَا يَلْحَقُهَا، وَلْنَذْكُرْ أَدِلَّةَ كُلِّ مَسْأَلَةٍ وَحُكْمَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ عَلَى حِدَتِهَا، وَلْنُقَدِّمْ أَوَّلًا مَا أَخَّرَهُ فِي النَّظْمِ نَظَرًا لِلْوَاقِعِ فَنَقُولُ: اعْلَمْ - رَحِمَكَ اللَّهُ - أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ زَلَّ فِيهَا عَالَمٌ وَضَلَّ فِيهَا طَوَائِفُ مِنْ بَنِي آدَمَ وَهَدَى اللَّهُ أَتْبَاعَ رُسُلِهِ فِيهَا لِلْحَقِّ الْمُبِينِ وَالصَّوَابِ الْمُسْتَبِينِ فَأَجْمَعَتِ الرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْإِنْسَانِ مُحْدَثَةً مَخْلُوقَةً مَصْنُوعَةً مَرْبُوبَةً مُدَبَّرَةً وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَمَا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِهِمْ أَنَّ الْعَالَمَ حَادِثٌ وَأَنَّ مَعَادَ الْأَبْدَانِ وَاقِعٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَحْدَهُ الْخَالِقُ وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ لَهُ، وَقَدِ انْطَوَى عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ وَهُمُ الْقُرُونُ الْمُفَضَّلَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي حُدُوثِهَا وَأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ حَتَّى نَبَغَتْ نَابِغَةٌ مِمَّنْ قَصُرَ فَهْمُهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَزَعَمَ أَنَّهَا قَدِيمَةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ أَنَّهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرُ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَبِأَنَّ اللَّهَ أَضَافَهَا إِلَيْهِ كَمَا أَضَافَ إِلَيْهِ عِلْمَهُ وَكِتَابَهُ

стр. 485

وَقُدْرَتَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَيَدَهُ. وَتَوَقَّفَ آخَرُونَ فَقَالُوا لَا نَقُولُ مَخْلُوقَةً وَلَا غَيْرَ مَخْلُوقَةٍ. وَقَدْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ حَافِظُ أَصْبَهَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ مِنْ أَعْيَانِ عُلَمَائِنَا فَقَالَ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ سَائِلًا يَسْأَلُ عَنِ الرُّوحِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ قِوَامَ أَنْفُسِ الْخَلْقِ وَأَبْدَانِهُمْ وَذَكَرَ أَقْوَامًا تَكَلَّمُوا فِي الرُّوحِ وَزَعَمُوا أَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَخَصَّ بَعْضُهُمْ مِنْهَا أَرْوَاحَ الْقُدُسِ وَأَنَّهَا مِنْ ذَاتِ اللَّهِ، قَالَ وَأَنَا أَذْكُرُ أَقَاوِيلَ مُتَقَدِّمِيهِمْ وَأُبَيِّنُ مَا يُخَالِفُ أَقَاوِيلَهُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْأَثَرِ وَأَقَاوِيلِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَهْلِ الْعِلْمِ وَأُوَضِّحُ بِهِ خَطَأَ الْمُتَكَلِّمِ فِي الرُّوحِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَأَنَّ كَلَامَهُمْ يُوَافِقُ قَوْلَ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَأَصْحَابِهِ. فَذَكَرَ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْرِفَةِ الْأَرْوَاحِ وَمَحَلِّهَا مِنَ النَّفْسِ فَقَالَ بَعْضُهُمُ الْأَرْوَاحُ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ، قَالَ: وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْجَمَاعَةِ وَالْأَثَرِ وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ " «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» ". رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَنْبَسَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَالْجُنُودُ الْمُجَنَّدَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا مَخْلُوقَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْأَرْوَاحُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أَخْفَى اللَّهُ حَقِيقَتَهَا وَعِلْمَهَا عَنِ الْخَلْقِ وَاحْتَجَّتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْأَرْوَاحُ نُورٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَحَيَاةٌ مِنْ حَيَاتِهِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ - وَتَمَامُ الْحَدِيثِ - فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ يَوْمَئِذٍ اهْتَدَى وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ» " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ: تَأَوَّلَ صِنْفٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ وَصِنْفٌ مِنَ الرَّوَافِضِ فِي رُوحِ ابْنِ آدَمَ مَا تَأَوَّلَتْهُ النَّصَارَى فِي رُوحِ عِيسَى وَمَا تَأَوَّلَهُ قَوْمٌ مِنْ أَنَّ الرُّوحَ انْفَصَلَ مِنْ ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ فَصَارَ فِي الْمُؤْمِنِ فَعَبَدَ صِنْفٌ مِنَ النَّصَارَى عِيسَى وَمَرْيَمَ جَمِيعًا لِأَنَّ عِيسَى عِنْدَهُمْ

стр. 486

رُوحٌ مِنَ اللَّهِ فَصَارَ فِي مَرْيَمَ فَهُوَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ عِنْدَهُمْ. وَقَالَ صِنْفٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ وَصِنْفٌ مِنَ الرَّوَافِضِ إِنَّ رُوحَ آدَمَ ﵇ مِثْلُ ذَلِكَ إِنَّهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] وَقَوْلَهُ ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٩] فَزَعَمُوا أَنَّ رُوحَ آدَمَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كَمَا تَأَوَّلَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ النُّورَ مِنَ الرَّبِّ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، قَالُوا: ثُمَّ صَارَ بَعْدَ آدَمَ فِي الْوَصِيِّ بَعْدَهُ ثُمَّ هُوَ فِي كُلِّ نَبِيٍّ وَوَصَلَ إِلَى أَنْ صَارَ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ ثُمَّ فِي ابْنَيْهِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ﵄ ثُمَّ فِي كُلِّ وَصِيٍّ وَإِمَامٍ فَبِهِ يَعْلَمُ الْإِمَامُ كُلَّ شَيْءٍ لَا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ أَحَدٍ. قَالَ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ فِي آدَمَ وَبَنِيهِ وَعِيسَى وَمَنْ سِوَاهُ مِنْ بَنِي آدَمَ كُلُّهَا مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ خَلَقَهَا وَأَنْشَأَهَا وَكَوَّنَهَا وَأَخْبَرَ عَنْهَا ثُمَّ أَضَافَهَا إِلَى نَفْسِهِ كَمَا أَضَافَ إِلَيْهِ سَائِرَ خَلْقِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] . وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ: رُوحُ الْآدَمِيِّ مَخْلُوقَةٌ مُبْتَدَعَةٌ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَسَائِرِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَقَدْ حَكَى إِجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ الْإِمَامِ الْمَشْهُورِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَعْلَمِ أَهْلِ زَمَانِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ وَكَذَلِكَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا مِنْ أَئِمَّةِ عُلَمَائِنَا وَهَذَا - يَعْنِي كَوْنَ الرُّوحِ مَخْلُوقَةً - مِمَّا لَا يَشُكُّ فِيهِ مَنْ وُفِّقَ لِلصَّوَابِ أَنَّ الرُّوحَ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمَخْلُوقَةِ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الرُّوحِ: قَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَوَائِفُ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ وَالْمَشَايِخِ وَرَدُّوا عَلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهَا غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَصَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي ذَلِكَ كِتَابًا كَبِيرًا وَقَبْلَهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَغَيْرُهُ وَالشَّيْخُ أَبُو سَعِيدٍ الْخَرَّازُ وَأَبُو يَعْقُوبَ النَّهْرَجُورِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ الْكِبَارُ وَاشْتَدَّ نَكِيرُهُمْ عَلَى مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ فِي رُوحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ فَكَيْفَ بِرُوحِ غَيْرِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِيمَا كَتَبَهُ فِي مَحْبِسِهِ فِي الرَّدِّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ - قَالَ: ثُمَّ إِنَّ الْجَهْمِيَّ ادَّعَى أَمْرًا فَقَالَ أَنَا أَجِدُ آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]

стр. 487

وَعِيسَى مَخْلُوقٌ. قُلْنَا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ مَنَعَكَ الْفَهْمَ لِلْقُرْآنِ، إِنَّ عِيسَى تَجْرِي عَلَيْهِ أَلْفَاظٌ لَا تَجْرِي عَلَى الْقُرْآنِ لِأَنَّا نُسَمِّيهِ مَوْلُودًا وَطِفْلًا وَصَبِيًّا وَغُلَامًا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ وَهُوَ مُخَاطَبٌ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ يَجْرِي عَلَيْهِ الْخِطَابُ وَالْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ ثُمَّ هُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَلَا يَحِلُّ لَنَا أَنْ نَقُولَ فِي الْقُرْآنِ مَا نَقُولُ فِي عِيسَى - إِلَى أَنْ قَالَ - وَالْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ حِينَ قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ عِيسَى بِكُنْ، وَلَيْسَ عِيسَى هُوَ كُنْ وَلَكِنْ كَانَ بِكُنْ، فَكُنْ مِنَ اللَّهِ قَوْلًا وَلَيْسَ كُنْ مَخْلُوقًا، وَكَذَبَتِ النَّصَارَى وَالْجَهْمِيَّةُ عَلَى اللَّهِ فِي أَمْرِ عِيسَى، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ قَالُوا: رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ إِلَّا أَنَّ كَلِمَتَهُ مَخْلُوقَةٌ، وَقَالَ النَّصَارَى: عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ فَالْكَلِمَةُ مِنْ ذَاتِهِ كَمَا يُقَالُ هَذِهِ الْخِرْقَةُ مِنْ هَذَا الثَّوْبِ، قُلْنَا نَحْنُ إِنَّ عِيسَى بِالْكَلِمَةِ كَانَ وَلَيْسَ هُوَ الْكَلِمَةُ، وَإِنَّمَا الْكَلِمَةُ قَوْلُ اللَّهِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] يَقُولُ مِنْ أَمْرِهِ كَانَ الرُّوحُ فِيهِ كَقَوْلِهِ ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] يَقُولُ مِنْ أَمْرِهِ، وَتَفْسِيرُ رُوحِ اللَّهِ إِنَّمَا مَعْنَاهَا بِكَلِمَةِ اللَّهِ كَمَا يُقَالُ عَبْدُ اللَّهِ وَسَمَاءُ اللَّهِ وَأَرْضُ اللَّهِ. فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ رُوحَ الْمَسِيحِ مَخْلُوقَةٌ فَكَيْفَ بِسَائِرِ الْأَرْوَاحِ وَقَدْ أَضَافَ اللَّهُ إِلَيْهِ رُوحَ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ وَهُوَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَلَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَدِيمٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا - قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: ١٧ - ١٩] فَهَذَا الرُّوحُ هُوَ رُوحُ اللَّهِ وَهُوَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْمُضَافَ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ نَوْعَانِ: صِفَاتٌ لَا تَقُومُ بِأَنْفُسِهَا كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْكَلَامِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَهَذِهِ إِضَافَةُ صِفَةٍ إِلَى الْمَوْصُوفِ بِهَا فَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ إِلَخْ صِفَاتٌ لَهُ تَعَالَى غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَكَذَا وَجْهُهُ وَيَدُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَالذَّاتِيَّةِ وَكَذَا الْفِعْلِيَّةُ مِنَ التَّكْوِينِ وَالْمَحَبَّةِ وَالرِّضَا وَنَحْوِهَا فِي مَذْهَبِ السَّلَفِ كَمَا مَرَّ (وَالثَّانِي) إِضَافَةُ أَعْيَانٍ مُنْفَصِلَةٍ كَبَيْتِ اللَّهِ وَنَاقَةِ اللَّهِ وَعَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِ اللَّهِ وَكَذَلِكَ رُوحُ اللَّهِ فَهَذِهِ إِضَافَةُ مَخْلُوقٍ إِلَى خَالِقِهِ وَمَصْنُوعٍ إِلَى صَانِعِهِ لَكِنَّهَا تَقْتَضِي تَخْصِيصًا أَوْ تَشْرِيفًا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْمُضَافُ إِلَيْهِ عَنْ غَيْرِهِ كَبَيْتِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ كُلُّ الْبُيُوتِ لِلَّهِ

стр. 488

مِلْكًا لَهُ وَكَذَلِكَ نَاقَةُ اللَّهِ وَالنُّوقُ كُلُّهَا مِلْكُهُ وَخَلْقُهُ وَلَكِنَّ هَذِهِ إِضَافَةٌ إِلَى إِلَهِيَّتِهِ تَقْتَضِي مَحَبَّتَهُ لَهَا وَتَكْرِيمَهُ وَتَشْرِيفَهُ بِخِلَافِ الْإِضَافَةِ الْعَامَّةِ إِلَى رُبُوبِيَّتِهِ حَيْثُ تَقْتَضِي خَلْقَهُ وَإِيجَادَهُ فَالْإِضَافَةُ الْعَامَّةُ تَقْتَضِي الْخَلْقَ وَالْإِيجَادَ وَالْخَاصَّةُ تَقْتَضِي الِاخْتِيَارَ ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] فَإِضَافَةُ الرُّوحِ إِلَيْهِ تَعَالَى مِنْ هَذِهِ الْإِضَافَةِ الْخَاصَّةِ لَا مِنَ الْعَامَّةِ وَلَا مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الصِّفَاتِ فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَوْضِعَ فَإِنَّهُ نَفِيسٌ وَيُخَلِّصُكَ مِنْ ضَلَالَاتٍ كَثِيرَةٍ وَقَعَ فِيهَا مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ النَّاسِ كَمَا أَوْضَحَهُ وَبَرْهَنَ عَلَيْهِ وَبَيَّنَهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الرُّوحِ وَقَالَ إِنَّ الرُّوحَ تُوصَفُ بِالْوَفَاةِ وَالْقَبْضِ وَالْإِمْسَاكِ وَالْإِرْسَالِ وَهَذَا مِنْ شَأْنِ الْمُحْدَثِ الْمَرْبُوبِ وَأَطَالَ فِي الِاحْتِجَاجِ وَدَفْعِ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَاللَّجَاجِ وَثَمَرَةُ ذَلِكَ كَوْنُ الرُّوحِ مَخْلُوقَةً بِالْإِجْمَاعِ وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. [أين مستقر الأرواح في البرزخ] (الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ) مِمَّا ذُكِرَ فِي أَصْلِ الْعَقِيدَةِ بَقَاءُ الْأَرْوَاحِ وَأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهَا عَدَمٌ وَلَا فَنَاءٌ وَلَا اضْمِحْلَالٌ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ لِلْبَقَاءِ وَإِنَّمَا تَمُوتُ الْأَبْدَانُ وَقَدْ دَلَّتْ عَلَى هَذَا الْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى نَعِيمِ الْأَرْوَاحِ وَعَذَابِهَا بَعْدَ مُفَارَقَتِهَا لِأَبْدَانِهَا إِلَى أَنْ يُرْجِعَهَا اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهَا وَلَوْ مَاتَتِ الْأَرْوَاحُ لَانْقَطَعَ عَنْهَا النَّعِيمُ وَالْعَذَابُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ - فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠] مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ قَدْ فَارَقَتْ أَجْسَادَهُمْ وَقَدْ ذَاقَتِ الْمَوْتَ، قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: الصَّوَابُ أَنَّ مَوْتَ النُّفُوسِ هُوَ مُفَارَقَتُهَا لِأَجْسَادِهَا وَخُرُوجُهَا مِنْهَا فَإِنْ أُرِيدَ بِمَوْتِهَا هَذَا الْقَدْرُ فَهِيَ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهَا تُعْدَمُ وَتَضْمَحِلُّ وَتَصِيرُ عَدَمًا مَحْضًا فَإِنَّهَا لَا تَمُوتُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ بَلْ هِيَ بَاقِيَةٌ بَعْدَ خَلْقِهَا فِي نَعِيمٍ أَوْ عَذَابٍ، وَقَدْ نَظَمَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْكِنْدِيُّ هَذَا الِاخْتِلَافَ فِي قَوْلِهِ: تَنَازَعَ النَّاسُ حَتَّى لَا اتِّفَاقَ لَهُمْ ... إِلَّا عَلَى شَجَبٍ وَالْخُلْفُ فِي الشَّجَبِ فَقِيلَ تَخْلُصُ نَفْسُ الْمَرْءِ سَالِمَةً ... وَقِيلَ تُشْرِكُ جِسْمَ الْمَرْءِ فِي الْعَطَبِ الشَّجَبُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ فَمُوَحَّدَةٍ مُحَرَّكًا: الْحُزْنُ وَالْعَنَتُ يُصِيبُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ قِتَالٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. فَإِنْ قِيلَ فَبَعْدَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ هَلْ تَبْقَى الْأَرْوَاحُ حَيَّةً كَمَا هِيَ أَوْ تَمُوتُ ثُمَّ تَحْيَا؟ فَالْجَوَابُ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى

стр. 489

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨] فَقَدِ اسْتَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ مِنْ هَذَا الصَّعْقِ فَقِيلَ هُمُ الشُّهَدَاءُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵀. وَقِيلَ هُمْ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَمَلَكُ الْمَوْتِ، وَهُوَ قَوْلُ مُقَاتِلٍ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ هُمُ الَّذِينَ فِي الْجَنَّةِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ وَغَيْرِهِمْ وَمَنْ فِي النَّارِ مِنْ أَهْلِ الْعَذَابِ وَخَزَنَتِهَا، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقَدْ نَصَّ إِمَامُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَلَى أَنَّ الْحُورَ الْعِينَ وَالْوِلْدَانَ لَا يَمُوتُونَ عِنْدَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا سُبْحَانَهُ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦] وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ غَيْرَ تِلْكَ الْمَوْتَةِ الْأُولَى فَلَوْ مَاتُوا مَرَّةً ثَانِيَةً لَكَانَتْ مَوْتَتَانِ، وَأَمَّا قَوْلُ أَهْلِ النَّارِ ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] فَتُفَسِّرُ هَذِهِ الْآيَةَ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] فَكَانُوا أَمْوَاتًا وَهُمْ نُطَفٌ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ وَفِي أَرْحَامِ أُمَّهَاتِهِمْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمَّ أَمَاتَهُمْ ثُمَّ يُحْيِيهِمْ يَوْمَ النُّشُورِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إِمَاتَةُ أَرْوَاحِهِمْ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَإِلَّا كَانَتْ ثَلَاثَ مَوْتَاتٍ. وَصَعْقُ الْأَرْوَاحِ عِنْدَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ مَوْتُهَا فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " «إِنَّ النَّاسَ يُصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ يَوْمِ الطُّورِ» " فَهَذَا صَعْقٌ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ إِذَا جَاءَ اللَّهُ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِهِ فَحِينَئِذٍ يُصْعَقُ الْخَلَائِقُ كُلُّهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور: ٤٥] وَلَوْ كَانَ هَذَا الصَّعْقُ مَوْتًا لَكَانَتْ مَوْتَةً أُخْرَى. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ: وَقَدْ تَنَبَّهَ لِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْفُضَلَاءِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ: ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ صَعْقَةُ غَشْيٍ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا صَعْقَةُ الْمَوْتِ الْحَادِثَةُ عِنْدَ نَفْخِ الصُّورِ، قَالَ وَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو: ظَاهِرُ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الصَّعْقَةَ إِنَّمَا هِيَ بَعْدَ النَّفْخَةِ الثَّانِيَةِ نَفْخَةِ الْبَعْثِ وَنَصُّ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءَ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يُحْتَمَلُ

стр. 490

أَنْ يَكُونَ مُوسَى ﵇ مِمَّنْ لَمْ يَمُتْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ. وَهَذَا بَاطِلٌ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذِهِ صَعْقَةَ فَزَعٍ بَعْدَ النُّشُورِ حِينَ تَنْشَقُّ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ قَالَ فَتُنَسَّقُ الْأَحَادِيثُ وَالْآثَارُ. وَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ يَرُدُّ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ قَبْرِهِ يَلْقَى مُوسَى آخِذًا بِقَائِمَةِ الْعَرْشِ، قَالَ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ نَفْخَةِ الْفَزَعِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ شَيْخُنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الَّذِي يُزِيحُ هَذَا الْإِشْكَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ وَإِنَّمَا هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشُّهَدَاءَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ وَقَتْلِهِمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ وَهَذِهِ صِفَةُ الْأَحْيَاءِ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي الشُّهَدَاءِ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ بِذَلِكَ أَحَقَّ وَأَوْلَى، مَعَ أَنَّهُ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» وَأَنَّهُ ﷺ اجْتَمَعَ بِالْأَنْبِيَاءِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَفِي السَّمَاءِ وَخُصُوصًا بِمُوسَى عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَقَدْ أَخْبَرَ نَبِيُّنَا ﷺ «أَنَّهُ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتَّى يَرُدَّ ﵇» إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ مِنْ جُمْلَتِهِ الْقَطْعُ بِأَنَّ مَوْتَ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى أَنَّهُمْ غُيِّبُوا عَنَّا بِحَيْثُ لَا نُدْرِكُهُمْ وَإِنْ كَانُوا مَوْجُودِينَ أَحْيَاءً وَذَلِكَ كَالْحَالِ فِي الْمَلَائِكَةِ فَإِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ مَوْجُودُونَ وَلَا نَرَاهُمْ، وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةُ الصَّعْقِ صُعِقَ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ فَإِذًا صَعْقُ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مَوْتٌ، وَأَمَّا صَعْقُ الْأَنْبِيَاءِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ غَشْيَةٌ فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةُ الْبَعْثِ فَمَنْ مَاتَ حَيِيَ وَمَنْ غُشِيَ عَلَيْهِ أَفَاقَ، وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ " «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ» " فَنَبِيُّنَا ﷺ أَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ مِنْ قَبْرِهِ قَبْلَ جَمِيعِ النَّاسِ إِلَّا مُوسَى فَإِنَّهُ حَصَلَ فِيهِ تَرَدُّدٌ هَلْ بُعِثَ قَبْلَهُ مِنْ غَشْيَتِهِ أَوْ بَقِيَ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ نَفْخَةِ الصَّعْقِ مُفِيقًا لِأَنَّهُ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ يَوْمِ الطُّورِ، وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ لِمُوسَى ﵇، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ فَضِيلَةٍ وَاحِدَةٍ فَضِيلَةُ مُوسَى ﵇ عَلَى نَبِيِّنَا مُطْلَقًا لِأَنَّ الشَّيْءَ الْجُزْئِيَّ لَا يُوجِبُ أَمْرًا كُلِّيًّا. انْتَهَى. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ إِنْ حُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى صَعْقَةِ الْخَلْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا

стр. 491

إِشْكَالَ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى صَعْقَةِ الْمَوْتِ عِنْدَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ فَيَكُونُ ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مُرَادًا بِهِ أَوَائِلُهُ فَالْمَعْنَى إِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةُ الْبَعْثِ كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ ﷺ تَرَدَّدَ هَلْ أَفَاقَ مُوسَى قَبْلَهُ أَوْ لَمْ يُصْعَقْ. بَلْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ، فَالْمَعْنَى لَا أَدْرِي أَصُعِقَ أَمْ لَمْ يُصْعَقْ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: " «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ» "، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ يُصْعَقُ فِيمَنْ يُصْعَقُ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الصَّعْقَةُ الْأُولَى وَهِيَ صَعْقَةُ الْمَوْتِ لَكَانَ قَدْ جَزَمَ بِمَوْتِهِ وَتَرَدَّدَ هَلْ مَاتَ مُوسَى أَوْ لَمْ يَمُتْ، وَهَذَا بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَعُلِمَ أَنَّهَا صَعْقَةُ فَزَعٍ لَا صَعْقَةُ مَوْتٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَمُوتُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى، نَعَمْ تَدُلُّ عَلَى مَوْتِ الْخَلَائِقِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَذُقِ الْمَوْتَ قَبْلَهَا فَإِنَّهُ يَذُوقُهُ حِينَئِذٍ وَأَمَّا مَنْ ذَاقَ الْمَوْتَ أَوْ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَلَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ يَمُوتُ مَوْتَةً ثَانِيَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [خَلْقِ الْأَرْوَاحِ هَلْ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ الْأَجْسَادِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا] (تَتِمَّةٌ) (فِي مَسَائِلَ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ أَمْرِ الرُّوحِ) (الْأُولَى) اخْتُلِفَ فِي خَلْقِ الْأَرْوَاحِ هَلْ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ الْأَجْسَادِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا؟ فَلِلنَّاسِ فِيهَا قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ حَكَاهُمَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذُهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَغَيْرُهُمَا وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى تَقَدُّمِ خَلْقِ الْأَرْوَاحِ عَلَى الْأَجْسَادِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ بَلْ حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ إِجْمَاعًا، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ بِحُجَجٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الأعراف: ١١] وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ وَالْمُهْلَةِ فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنَّ خَلْقَنَا مُقَدَّمٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وَمِنَ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنَّ أَبْدَانَنَا حَادِثَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّهَا الْأَرْوَاحُ، قَالُوا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وَهَذَا الِاسْتِنْطَاقُ وَالْإِشْهَادُ إِنَّمَا كَانَ

стр. 492

لِأَرْوَاحِنَا إِذْ لَمْ تَكُنِ الْأَبْدَانُ حِينَئِذٍ مَوْجُودَةً، فَفِي مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ " «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ وَخَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ " فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الرَّجُلَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ» " قَالَ الْحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ ثُمَّ جَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَبِّ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ أَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ يَا رَبِّ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ يَكُونُ فِي آخِرِ الْأُمَمِ، قَالَ كَمْ جَعَلْتَ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ؟ قَالَ سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ يَا رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقَالَ اللَّهُ إِذًا يُكْتَبُ فَيُخْتَمُ فَلَا يُبَدَّلُ، فَلَمَّا انْقَضَى عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ قَالَ: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ فَقَالَ: أَوَلَمْ تَجْعَلْهَا لِابْنِكَ دَاوُدَ؟ قَالَ فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ» " قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الدَّيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «أَوَّلُ مَنْ جَحَدَ آدَمُ ﵇» " وَزَادَ ابْنُ سَعْدٍ: ثُمَّ أَكْمَلَ اللَّهُ لِآدَمَ أَلْفَ سَنَةٍ وَلِدَاوُدَ مِائَةَ سَنَةٍ. وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ أَيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ قَالَ جَمَعَهُمْ لَهُ يَوْمَئِذٍ جَمِيعًا مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ وَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى

стр. 493

أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا فَإِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلًا يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي. فَقَالُوا إِنَّا نَشْهَدُ أَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ. وَرُفِعَ لَهُمْ أَبُوهُمْ آدَمُ فَرَأَى فِيهِمُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَحُسْنَ الصُّورَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَقَالَ رَبِّ لَوْ سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ، فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُشْكَرَ، وَرَأَى فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ مِثْلَ السُّرُجِ وَخُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦] وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] قَالَ وَكَانَ رُوحُ عِيسَى مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي أُخِذَ عَلَيْهَا الْمِيثَاقُ فَأَرْسَلَ ذَلِكَ الرُّوحَ إِلَى مَرْيَمَ لَمَّا انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَدَخَلَ مِنْ فِيهَا. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُتَعَدِّدَةٍ وَفِيهِ أَنَّهُ أَخْرَجَهُمْ مِثْلَ الذَّرِّ وَمِثْلَ اللُّؤْلُؤِ بَيَاضًا. وَرَوَى إِسْحَاقُ ثَنَا رُوحُ بْنُ عُبَادَةَ ثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَقَرُّوا لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ الْأَرْوَاحُ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ أَجْسَادُهَا. قَالَ وَثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ أُخْرِجُوا مِنْ صُلْبِ آدَمَ حِينَ أُخِذَ الْمِيثَاقُ ثُمَّ رُدُّوا فِي صُلْبِهِ. وَأَخْرَجَ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَخْرَجَهُمْ مِثْلَ الذَّرِّ فَقَالَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَقَبَضَ أُخْرَى وَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ (أَبُو) عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَرْوَاحَ الْعِبَادِ قَبْلَ الْعِبَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَافَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» .

стр. 494

وَقَالَ الْآخَرُونَ بَلْ خُلِقَتِ الْأَجْسَادُ قَبْلَ الْأَرْوَاحِ وَاحْتَجُّوا بِحُجَجٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] وَهَذَا خِطَابٌ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ رُوحٌ وَبَدَنٌ فَدَلَّ أَنَّ جُمْلَتَهُ مَخْلُوقَةٌ بَعْدَ خَلْقِ الْأَبَوَيْنِ وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ خَلْقَ جُمْلَةِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ بَعْدَ خَلْقِ أَصْلِهِ. وَأَيْضًا فَخَلْقُ أَبِي الْبَشَرِ وَأَصْلِهِمْ كَانَ هَكَذَا فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنَ الْأَرْضِ ثُمَّ خَمَّرَهَا حَتَّى صَارَتْ طِينًا ثُمَّ صَوَّرَهُ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ بَعْدَ أَنْ صَوَّرَهُ فَلَمَّا دَخَلَتِ الرُّوحُ فِيهِ صَارَ لَحْمًا وَدَمًا حَيًّا نَاطِقًا فَفِي تَفْسِيرِ أَبِي مَالِكٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِ مَا أَحَبَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فَجَعَلَ إِبْلِيسَ عَلَى مُلْكِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَكَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجِنَّ لِأَنَّهُمْ خُزَّانُ الْجَنَّةِ وَكَانَ إِبْلِيسُ مَعَ مُلْكِهِ خَازِنًا فَوَقَعَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ مَا أَعْطَانِي اللَّهُ هَذَا إِلَّا لِمَزِيَّةٍ لِي، وَفِي لَفْظٍ إِلَّا لِمَزِيَّةٍ لِي عَلَى الْمَلَائِكَةِ. فَلَمَّا وَقَعَ ذَلِكَ الْكِبْرُ فِي نَفْسِهِ اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً - وَذَكَرَ الْأَثَرَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى الْأَرْضِ لِيَأْتِيَهُ بِطِينٍ مِنْهَا فَقَالَتِ الْأَرْضُ إِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ أَنْ تَقْبِضَ مِنِّي، فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذْ وَقَالَ: رَبِّ إِنَّهَا عَاذَتْ بِكَ فَأَعَذْتَهَا، فَبَعَثَ مِيكَائِيلَ فَعَاذَتْ مِنْهُ فَأَعَاذَهَا، فَبَعَثَ مَلَكَ الْمَوْتِ فَعَاذَتْ مِنْهُ فَقَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَرْجِعَ وَلَمْ أُنَفِّذْ أَمْرَهُ، فَأَخَذَ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ وَخَلَطَ فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَأَخَذَ مِنْ تُرْبَةٍ حَمْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ، فَلِذَلِكَ خَرَجَ بَنُو آدَمَ مُخْتَلِفِينَ، فَصَعِدَ بِهِ قِبَلَ الرَّبِّ حَتَّى عَادَ طِينًا لَازِبًا وَاللَّازِبُ هُوَ الَّذِي يَلْزَقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١] فَخَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ لِكَيْلَا يَتَكَبَّرَ إِبْلِيسُ عَنْهُ لِيَقُولَ لَهُ تَتَكَبَّرُ عَمَّا عَمِلْتُ بِيَدَيَّ وَلَمْ أَتَكَبَّرْ أَنَا عَنْهُ، فَخَلَقَهُ بَشَرًا فَكَانَ جَسَدًا مِنْ طِينٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَمَرَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ فَفَزِعُوا مِنْهُ لَمَّا رَأَوْهُ وَكَانَ أَشَدُّهُمْ فَزَعًا مِنْهُ إِبْلِيسَ فَكَانَ يَمُرُّ بِهِ فَيَضْرِبُهُ فَيُصَوِّتُ الْجَسَدُ كَمَا يُصَوِّتُ

стр. 495

الْفَخَّارُ يَكُونُ لَهُ صَلْصَلَةٌ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] وَيَقُولُ لِأَمْرٍ مَا خُلِقْتَ وَدَخَلَ مِنْ فِيهِ وَخَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ لَا تَرْهَبُوا مِنْ هَذَا فَإِنَّ رَبَّكُمْ صَمَدٌ وَهَذَا أَجْوَفُ لَئِنْ سُلِّطْتُ عَلَيْهِ لَأُهْلِكَنَّهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْحِينُ الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِذَا نَفَخْتُ فِيهِ مِنَ الرُّوحِ فَاسْجُدُوا لَهُ، فَلَمَّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَدَخَلَ الرُّوحُ فِي رَأْسِهِ عَطِسَ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ اللَّهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ، فَلَمَّا دَخَلَ الرُّوحُ فِي عَيْنَيْهِ نَظَرَ إِلَى ثِمَارِ الْجَنَّةِ فَلَمَّا دَخَلَ فِي جَوْفِهِ اشْتَهَى الطَّعَامَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ نَهَضَ عَجْلَانَ إِلَى ثِمَارِ الْجَنَّةِ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]- وَذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ» . فَالْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ بَعْدَ خَلْقِ جَسَدِهِ فَمِنْ تِلْكَ النَّفْخَةِ حَدَثَتْ فِيهِ الرُّوحُ وَلَوْ كَانَتْ رُوحُهُ مَخْلُوقَةً قَبْلَ بَدَنِهِ مَعَ جُمْلَةِ أَرْوَاحِ ذُرِّيَّتِهِ لَمَا عَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا تَعَجَّبُوا مِنْ خَلْقِ النَّارِ فِي حَدِيثِ ابْنِ زَيْدٍ " «إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ النَّارَ ذُعِرَتْ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ ذُعْرًا شَدِيدًا وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ خَلَقْتَ هَذِهِ النَّارَ وَلِأَيِّ شَيْءٍ خَلَقْتَهَا؟ قَالَ لِمَنْ عَصَانِي مِنْ خَلْقِي وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ خَلَقَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الْمَلَائِكَةَ وَالْأَرْضُ لَيْسَ فِيهَا خَلْقٌ إِنَّمَا خَلَقَ آدَمَ بَعْدُ» " - الْحَدِيثَ. فَلَوْ كَانَتِ الْأَرْوَاحُ مَخْلُوقَةً يَوْمَئِذٍ لَمَا تَعَجَّبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ خَلْقِ النَّارِ وَقَالَتْ لِأَيِّ شَيْءٍ خَلَقْتَهَا وَهِيَ تَرَى أَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالطَّيِّبُ وَالْخَبِيثُ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ " «إِنَّ خَلْقَ ابْنِ آدَمَ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» " فَالْمَلَكُ وَحْدَهُ يُرْسَلُ إِلَيْهِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَإِذَا نَفَخَ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ حُدُوثِ الرُّوحِ فِيهِ وَلَمْ يَقُلْ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ بِالرُّوحِ فَيُدْخِلُهَا فِي بَدَنِهِ، وَإِنَّمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَأَحْدَثَ فِيهِ الرُّوحَ بِنَفْخَتِهِ فِيهِ لَا أَنَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ إِلَيْهِ الرُّوحَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ مَعَ الْمَلَكِ فَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يُرْسَلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَبَيْنَ أَنْ يُرْسَلَ إِلَيْهِ رُوحٌ مَخْلُوقَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا مَعَ الْمَلَكِ، وَتَأَمَّلْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الرُّوحِ
следующие страницы →