Полный текст (921 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
إِشْكَالَ وَإِنْ حُمِلَ عَلَى صَعْقَةِ الْمَوْتِ عِنْدَ النَّفْخِ فِي الصُّورِ فَيَكُونُ ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مُرَادًا بِهِ أَوَائِلُهُ فَالْمَعْنَى إِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةُ الْبَعْثِ كُنْتُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَإِذَا مُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ فَلَا أَدْرِي أَفَاقَ قَبْلِي أَمْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ.
قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ ﷺ تَرَدَّدَ هَلْ أَفَاقَ مُوسَى قَبْلَهُ أَوْ لَمْ يُصْعَقْ. بَلْ جُوزِيَ بِصَعْقَةِ الطُّورِ، فَالْمَعْنَى لَا أَدْرِي أَصُعِقَ أَمْ لَمْ يُصْعَقْ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: " «فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ» "، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ﷺ يُصْعَقُ فِيمَنْ يُصْعَقُ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الصَّعْقَةُ الْأُولَى وَهِيَ صَعْقَةُ الْمَوْتِ لَكَانَ قَدْ جَزَمَ بِمَوْتِهِ وَتَرَدَّدَ هَلْ مَاتَ مُوسَى أَوْ لَمْ يَمُتْ، وَهَذَا بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، فَعُلِمَ أَنَّهَا صَعْقَةُ فَزَعٍ لَا صَعْقَةُ مَوْتٍ، وَحِينَئِذٍ فَلَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَمُوتُ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى، نَعَمْ تَدُلُّ عَلَى مَوْتِ الْخَلَائِقِ عِنْدَ النَّفْخَةِ الْأُولَى وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَذُقِ الْمَوْتَ قَبْلَهَا فَإِنَّهُ يَذُوقُهُ حِينَئِذٍ وَأَمَّا مَنْ ذَاقَ الْمَوْتَ أَوْ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ الْمَوْتُ فَلَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى أَنَّهُ يَمُوتُ مَوْتَةً ثَانِيَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[خَلْقِ الْأَرْوَاحِ هَلْ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ الْأَجْسَادِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا]
(تَتِمَّةٌ)
(فِي مَسَائِلَ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ مِنْ أَمْرِ الرُّوحِ)
(الْأُولَى) اخْتُلِفَ فِي خَلْقِ الْأَرْوَاحِ هَلْ كَانَ قَبْلَ خَلْقِ الْأَجْسَادِ أَوْ تَأَخَّرَ عَنْهَا؟ فَلِلنَّاسِ فِيهَا قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ حَكَاهُمَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَتِلْمِيذُهُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَغَيْرُهُمَا وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى تَقَدُّمِ خَلْقِ الْأَرْوَاحِ عَلَى الْأَجْسَادِ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ بَلْ حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ إِجْمَاعًا، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِذَلِكَ بِحُجَجٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [الأعراف: ١١] وَثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ وَالْمُهْلَةِ فَقَدْ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ أَنَّ خَلْقَنَا مُقَدَّمٌ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ وَمِنَ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنَّ أَبْدَانَنَا حَادِثَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَعُلِمَ أَنَّهَا الْأَرْوَاحُ، قَالُوا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وَهَذَا الِاسْتِنْطَاقُ وَالْإِشْهَادُ إِنَّمَا كَانَ
стр. 492
لِأَرْوَاحِنَا إِذْ لَمْ تَكُنِ الْأَبْدَانُ حِينَئِذٍ مَوْجُودَةً، فَفِي مُوَطَّأِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ " «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ فَقَالَ خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ وَخَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ " فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الرَّجُلَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ» " قَالَ الْحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا " «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ عَلَى ظَهْرِهِ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ ثُمَّ جَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَبِّ؟ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ أَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ يَا رَبِّ مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ يَكُونُ فِي آخِرِ الْأُمَمِ، قَالَ كَمْ جَعَلْتَ لَهُ مِنَ الْعُمْرِ؟ قَالَ سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ يَا رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَقَالَ اللَّهُ إِذًا يُكْتَبُ فَيُخْتَمُ فَلَا يُبَدَّلُ، فَلَمَّا انْقَضَى عُمْرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ قَالَ: أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ فَقَالَ: أَوَلَمْ تَجْعَلْهَا لِابْنِكَ دَاوُدَ؟ قَالَ فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ» " قَالَ الْحَاكِمُ: هَذَا عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الدَّيْنِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «أَوَّلُ مَنْ جَحَدَ آدَمُ ﵇» " وَزَادَ ابْنُ سَعْدٍ: ثُمَّ أَكْمَلَ اللَّهُ لِآدَمَ أَلْفَ سَنَةٍ وَلِدَاوُدَ مِائَةَ سَنَةٍ. وَفِي صَحِيحِ الْحَاكِمِ أَيْضًا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ قَالَ جَمَعَهُمْ لَهُ يَوْمَئِذٍ جَمِيعًا مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا ثُمَّ صَوَّرَهُمْ وَاسْتَنْطَقَهُمْ فَتَكَلَّمُوا وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى
стр. 493
أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. قَالَ: فَإِنِّي أُشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا فَإِنِّي أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلًا يُذَكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي. فَقَالُوا إِنَّا نَشْهَدُ أَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ. وَرُفِعَ لَهُمْ أَبُوهُمْ آدَمُ فَرَأَى فِيهِمُ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَحُسْنَ الصُّورَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ فَقَالَ رَبِّ لَوْ سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ، فَقَالَ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُشْكَرَ، وَرَأَى فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ مِثْلَ السُّرُجِ وَخُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب: ٧] وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٦] وَقَوْلُهُ ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٢] قَالَ وَكَانَ رُوحُ عِيسَى مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي أُخِذَ عَلَيْهَا الْمِيثَاقُ فَأَرْسَلَ ذَلِكَ الرُّوحَ إِلَى مَرْيَمَ لَمَّا انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا فَدَخَلَ مِنْ فِيهَا.
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُتَعَدِّدَةٍ وَفِيهِ أَنَّهُ أَخْرَجَهُمْ مِثْلَ الذَّرِّ وَمِثْلَ اللُّؤْلُؤِ بَيَاضًا. وَرَوَى إِسْحَاقُ ثَنَا رُوحُ بْنُ عُبَادَةَ ثَنَا مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَقَرُّوا لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْمَعْرِفَةِ الْأَرْوَاحُ قَبْلَ أَنْ تُخْلَقَ أَجْسَادُهَا.
قَالَ وَثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ عَطَاءٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ أُخْرِجُوا مِنْ صُلْبِ آدَمَ حِينَ أُخِذَ الْمِيثَاقُ ثُمَّ رُدُّوا فِي صُلْبِهِ. وَأَخْرَجَ عَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَخْرَجَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَخْرَجَهُمْ مِثْلَ الذَّرِّ فَقَالَ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ فَقَالَ: هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَقَبَضَ أُخْرَى وَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ. وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ (أَبُو) عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁ مَرْفُوعًا «أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ أَرْوَاحَ الْعِبَادِ قَبْلَ الْعِبَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَافَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» .
стр. 494
وَقَالَ الْآخَرُونَ بَلْ خُلِقَتِ الْأَجْسَادُ قَبْلَ الْأَرْوَاحِ وَاحْتَجُّوا بِحُجَجٍ مِنْهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: ١٣] وَهَذَا خِطَابٌ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي هُوَ رُوحٌ وَبَدَنٌ فَدَلَّ أَنَّ جُمْلَتَهُ مَخْلُوقَةٌ بَعْدَ خَلْقِ الْأَبَوَيْنِ وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١] وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ خَلْقَ جُمْلَةِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ بَعْدَ خَلْقِ أَصْلِهِ.
وَأَيْضًا فَخَلْقُ أَبِي الْبَشَرِ وَأَصْلِهِمْ كَانَ هَكَذَا فَإِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنَ الْأَرْضِ ثُمَّ خَمَّرَهَا حَتَّى صَارَتْ طِينًا ثُمَّ صَوَّرَهُ ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ بَعْدَ أَنْ صَوَّرَهُ فَلَمَّا دَخَلَتِ الرُّوحُ فِيهِ صَارَ لَحْمًا وَدَمًا حَيًّا نَاطِقًا فَفِي تَفْسِيرِ أَبِي مَالِكٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَعَنْ نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِ مَا أَحَبَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ فَجَعَلَ إِبْلِيسَ عَلَى مُلْكِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَكَانَ مِنْ قَبِيلَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يُقَالُ لَهُمُ الْجِنُّ وَإِنَّمَا سُمُّوا الْجِنَّ لِأَنَّهُمْ خُزَّانُ الْجَنَّةِ وَكَانَ إِبْلِيسُ مَعَ مُلْكِهِ خَازِنًا فَوَقَعَ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ مَا أَعْطَانِي اللَّهُ هَذَا إِلَّا لِمَزِيَّةٍ لِي، وَفِي لَفْظٍ إِلَّا لِمَزِيَّةٍ لِي عَلَى الْمَلَائِكَةِ. فَلَمَّا وَقَعَ ذَلِكَ الْكِبْرُ فِي نَفْسِهِ اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً - وَذَكَرَ الْأَثَرَ إِلَى أَنْ قَالَ: فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إِلَى الْأَرْضِ لِيَأْتِيَهُ بِطِينٍ مِنْهَا فَقَالَتِ الْأَرْضُ إِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ أَنْ تَقْبِضَ مِنِّي، فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذْ وَقَالَ: رَبِّ إِنَّهَا عَاذَتْ بِكَ فَأَعَذْتَهَا، فَبَعَثَ مِيكَائِيلَ فَعَاذَتْ مِنْهُ فَأَعَاذَهَا، فَبَعَثَ مَلَكَ الْمَوْتِ فَعَاذَتْ مِنْهُ فَقَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَرْجِعَ وَلَمْ أُنَفِّذْ أَمْرَهُ، فَأَخَذَ مِنْ وَجْهِ الْأَرْضِ وَخَلَطَ فَلَمْ يَأْخُذْ مِنْ مَكَانٍ وَاحِدٍ، فَأَخَذَ مِنْ تُرْبَةٍ حَمْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ، فَلِذَلِكَ خَرَجَ بَنُو آدَمَ مُخْتَلِفِينَ، فَصَعِدَ بِهِ قِبَلَ الرَّبِّ حَتَّى عَادَ طِينًا لَازِبًا وَاللَّازِبُ هُوَ الَّذِي يَلْزَقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١] فَخَلَقَهُ اللَّهُ بِيَدِهِ لِكَيْلَا يَتَكَبَّرَ إِبْلِيسُ عَنْهُ لِيَقُولَ لَهُ تَتَكَبَّرُ عَمَّا عَمِلْتُ بِيَدَيَّ وَلَمْ أَتَكَبَّرْ أَنَا عَنْهُ، فَخَلَقَهُ بَشَرًا فَكَانَ جَسَدًا مِنْ طِينٍ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَمَرَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ فَفَزِعُوا مِنْهُ لَمَّا رَأَوْهُ وَكَانَ أَشَدُّهُمْ فَزَعًا مِنْهُ إِبْلِيسَ فَكَانَ يَمُرُّ بِهِ فَيَضْرِبُهُ فَيُصَوِّتُ الْجَسَدُ كَمَا يُصَوِّتُ
стр. 495
الْفَخَّارُ يَكُونُ لَهُ صَلْصَلَةٌ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤] وَيَقُولُ لِأَمْرٍ مَا خُلِقْتَ وَدَخَلَ مِنْ فِيهِ وَخَرَجَ مِنْ دُبُرِهِ فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ لَا تَرْهَبُوا مِنْ هَذَا فَإِنَّ رَبَّكُمْ صَمَدٌ وَهَذَا أَجْوَفُ لَئِنْ سُلِّطْتُ عَلَيْهِ لَأُهْلِكَنَّهُ، فَلَمَّا بَلَغَ الْحِينُ الَّذِي يُرِيدُهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِذَا نَفَخْتُ فِيهِ مِنَ الرُّوحِ فَاسْجُدُوا لَهُ، فَلَمَّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ فَدَخَلَ الرُّوحُ فِي رَأْسِهِ عَطِسَ فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَقَالَ اللَّهُ: يَرْحَمُكَ رَبُّكَ، فَلَمَّا دَخَلَ الرُّوحُ فِي عَيْنَيْهِ نَظَرَ إِلَى ثِمَارِ الْجَنَّةِ فَلَمَّا دَخَلَ فِي جَوْفِهِ اشْتَهَى الطَّعَامَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ الرُّوحُ رِجْلَيْهِ نَهَضَ عَجْلَانَ إِلَى ثِمَارِ الْجَنَّةِ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]- وَذَكَرَ بَاقِي الْحَدِيثِ» . فَالْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ وَالْآثَارُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ بَعْدَ خَلْقِ جَسَدِهِ فَمِنْ تِلْكَ النَّفْخَةِ حَدَثَتْ فِيهِ الرُّوحُ وَلَوْ كَانَتْ رُوحُهُ مَخْلُوقَةً قَبْلَ بَدَنِهِ مَعَ جُمْلَةِ أَرْوَاحِ ذُرِّيَّتِهِ لَمَا عَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا تَعَجَّبُوا مِنْ خَلْقِ النَّارِ فِي حَدِيثِ ابْنِ زَيْدٍ " «إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ النَّارَ ذُعِرَتْ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ ذُعْرًا شَدِيدًا وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ خَلَقْتَ هَذِهِ النَّارَ وَلِأَيِّ شَيْءٍ خَلَقْتَهَا؟ قَالَ لِمَنْ عَصَانِي مِنْ خَلْقِي وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ خَلَقَ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الْمَلَائِكَةَ وَالْأَرْضُ لَيْسَ فِيهَا خَلْقٌ إِنَّمَا خَلَقَ آدَمَ بَعْدُ» " - الْحَدِيثَ.
فَلَوْ كَانَتِ الْأَرْوَاحُ مَخْلُوقَةً يَوْمَئِذٍ لَمَا تَعَجَّبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ خَلْقِ النَّارِ وَقَالَتْ لِأَيِّ شَيْءٍ خَلَقْتَهَا وَهِيَ تَرَى أَرْوَاحَ بَنِي آدَمَ فِيهِمُ الْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ وَالطَّيِّبُ وَالْخَبِيثُ. وَلِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ " «إِنَّ خَلْقَ ابْنِ آدَمَ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» " فَالْمَلَكُ وَحْدَهُ يُرْسَلُ إِلَيْهِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَإِذَا نَفَخَ فِيهِ كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ حُدُوثِ الرُّوحِ فِيهِ وَلَمْ يَقُلْ يُرْسِلُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ بِالرُّوحِ فَيُدْخِلُهَا فِي بَدَنِهِ، وَإِنَّمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَلَكَ فَأَحْدَثَ فِيهِ الرُّوحَ بِنَفْخَتِهِ فِيهِ لَا أَنَّهُ تَعَالَى أَرْسَلَ إِلَيْهِ الرُّوحَ الَّتِي كَانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ ذَلِكَ بِالزَّمَنِ الطَّوِيلِ مَعَ الْمَلَكِ فَفَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يُرْسَلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ وَبَيْنَ أَنْ يُرْسَلَ إِلَيْهِ رُوحٌ مَخْلُوقَةٌ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا مَعَ الْمَلَكِ، وَتَأَمَّلْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الرُّوحِ
стр. 496
وَاخْتَارَ أَنَّ خَلْقَ الْجَسَدِ مُقَدَّمٌ عَلَى خَلْقِ الرُّوحِ وَزَيَّفَ كَلَامَ ابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَ أَنَّ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ مِنْ أَخْذِ اللَّهِ الْمِيثَاقَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَالْعَهْدَ وَالْإِشْهَادَ لَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ خَلْقِ الْأَرْوَاحِ قَبْلَ الْأَجْسَادِ خَلْقًا مُسْتَقِرًّا وَإِنَّمَا غَايَتُهَا أَنْ تَدُلَّ عَلَى إِخْرَاجِ صُوَرِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ فِي صُوَرِ الذَّرِّ وَاسْتِنْطَاقِهِمْ ثُمَّ رَدِّهِمْ إِلَى أَصْلِهِمْ إِنْ صَحَّ الْخَبَرُ بِذَلِكَ، وَالَّذِي صَحَّ إِنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ السَّابِقُ وَتَقْسِيمُهُمْ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] فَلَائِقٌ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ بِظَاهِرِيَّتِهِ لِتَرَتُّبِ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ عَلَى خَلْقِنَا وَتَصْوِيرِنَا.
وَالْخِطَابُ لِلْجُمْلَةِ الْمُرَكَّبَةِ مِنَ الْبَدَنِ وَالرُّوحِ وَذَلِكَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ خَلْقِ آدَمَ ﵇، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] يَعْنِي آدَمَ ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ خَلَقْنَاكُمْ يَعْنِي آدَمَ ﴿ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١] فِي ظَهْرِ آدَمَ. وَإِنَّمَا قَالَ خَلَقْنَاكُمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهُوَ يُرِيدُ آدَمَ كَمَا يُقَالُ ضَرَبْنَاكُمْ وَإِنَّمَا ضَرَبْتَ سَيِّدَهُمْ.
قَالَ وَأَمَّا حَدِيثُ خَلْقِ الْأَرْوَاحِ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَلَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ فَإِنَّ فِيهِ عُتْبَةَ بْنَ السَّكَنِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ مَتْرُوكٌ، وَفِيهِ أَيْضًا أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ بَعْضُ أَحَادِيثِهِ غَلَطٌ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَيِّمِ تَبَعًا لِشَيْخِهِ وَجُمُوعٍ، أَنَّ خَلْقَ الْأَجْسَادِ مُقَدَّمٌ عَلَى خَلْقِ الْأَرْوَاحِ. وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ وَالْإِمَامُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ إِلَى تَقَدُّمِ خَلْقِ الْأَرْوَاحِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَائِدَتَانِ)
(الْأُولَى) رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " «أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنُعْمَانَ - يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَشَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا» " قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ مُثِيرُ الْغَرَامِ السَّاكِنِ إِلَى أَشْرَفِ الْأَمَاكِنِ: هَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمَكَانَ أَوَّلُ وَطَنٍ وَالنَّفْسُ أَبَدًا تُنَازِعُ إِلَى الْوَطَنِ الْأَوَّلِ.
(الثَّانِيَةُ) ذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ أَنَّ اللَّهَ
стр. 497
عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا أَخَذَ الْمِيثَاقَ كَتَبَ كِتَابًا عَلَى الذُّرِّيَّةِ فَأَلْقَمَهُ هَذَا الْحَجَرَ - يَعْنِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ - فَهُوَ يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِ بِالْوَفَاءِ وَعَلَى الْكَافِرِ بِالْجُحُودِ.
قَالَ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَقَالَ الْعُلَمَاءُ وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ يَقُولُ لَامِسُهُ: إِيمَانًا بِكَ وَوَفَاءً لِعَهْدِكَ. انْتَهَى.
[أَيْنَ مُسْتَقَرُّ الْأَرْوَاحِ مَا بَيْنَ الْمَوْتِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ)
مِنْ مَسَائِلِ مُتَعَلِّقَاتِ الرُّوحِ أَيْنَ مُسْتَقَرُّ الْأَرْوَاحِ مَا بَيْنَ الْمَوْتِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ هَلْ فِي السَّمَاءِ أَمْ فِي الْأَرْضِ؟ وَهَلْ هِيَ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ تُودَعُ فِي أَجْسَادٍ أَمْ تَكُونُ مُجَرَّدَةً؟ فَهَذِهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْعِظَامِ قَدْ تَكَلَّمَ فِيهَا النَّاسُ وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَهِيَ إِنَّمَا تُتَلَقَّى مِنَ السَّمْعِ فَقَطْ، وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهَا أَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ، وَتَبَايَنَتْ فِي مَحَالِّهَا آرَاءُ الْفُضَلَاءِ، فَقَالَ قَوْمٌ: أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ فِي الْجَنَّةِ شُهَدَاءَ كَانُوا أَوْ غَيْرَ شُهَدَاءَ إِذَا لَمْ يَحْبِسْهُمْ عَنِ الْجَنَّةِ كَبِيرَةٌ وَلَا دَيْنٌ وَتَلَقَّاهُمْ رَبُّهُمْ بِالْقَبُولِ وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵃ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُمْ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ عَلَى بَابِهَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رُوحِهَا وَنَعِيمِهَا وَرِزْقِهَا. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْأَرْوَاحُ عَلَى أَفْنِيَةِ قُبُورِهَا. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ بَلَغَنِي أَنَّ الرُّوحَ مُرْسَلَةٌ تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ وَأَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجَنَّةِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ وَلَمْ يَزِيدُوا عَلَى ذَلِكَ، قَالَ وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَابِيَةِ وَأَرْوَاحَ الْكُفَّارِ بِبِئْرِ بَرَهُوتَ بِحَضْرَمَوْتَ.
وَقَالَ صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو سَأَلْتُ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَبَا الْيَمَانِ هَلْ لِأَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ مُجْتَمَعٌ؟ فَقَالَ إِنَّ الْأَرْضَ الَّتِي يَقُولُ اللَّهُ ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] قَالَ هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تَجْتَمِعُ إِلَيْهَا أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ يَكُونُ الْبَعْثُ، وَقَالُوا هِيَ الْأَرْضُ الَّتِي تَجْتَمِعُ إِلَيْهَا أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الدُّنْيَا، وَقَالَ كَعْبٌ: أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ تَحْتَ خَدِّ إِبْلِيسَ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ
стр. 498
بِبِئْرِ زَمْزَمَ وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ بِبِئْرِ بَرَهُوتَ.
وَقَالَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ﵁: أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَرْزَخٍ مِنَ الْأَرْضِ تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ. وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ الْإِمَامِ مَالِكٍ بَلْ هُوَ مُسْتَنِدٌ لَهُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ يَمِينِ آدَمَ وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ عَنْ شِمَالِهِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَمَنْ وَافَقَهُ مُسْتَقَرُّهَا حَيْثُ كَانَتْ قَبْلَ خَلْقِ أَجْسَادِهَا. بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ الَّذِي اخْتَارَهُ وَهُوَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ الْأَجْسَادِ، وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: جُمْهُورُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ خُلِقَتْ بَعْدَ الْأَجْسَادِ وَالَّذِينَ قَالُوا خُلِقَتْ قَبْلَ الْأَجْسَادِ لَيْسَ مَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ دَلِيلٌ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا إِجْمَاعٍ إِلَّا مَا فَهِمُوهُ مِنْ نُصُوصٍ لَا تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَدَارَ حُجَجِهِمْ عَلَى أَخْبَارٍ غَيْرِ صَحِيحَةٍ أَوْ نُصُوصٍ صَحِيحَةٍ وَلَكِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى مَا زَعَمُوهُ غَيْرُ صَرِيحَةٍ، وَقَوْلُهُ مُسْتَقَرُّهَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ أَبْدَانِهَا فِي الْبَرْزَخِ الَّذِي كَانَتْ فِيهِ قَبْلَ خَلْقِ أَجْسَادِهَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنَ اعْتِقَادِهِ وَأَنَّ أَرْوَاحَ السُّعَدَاءِ عَنْ يَمِينِ آدَمَ ﵇ وَأَرْوَاحَ الْأَشْقِيَاءِ عَنْ يَسَارِهِ، وَزَعْمُهُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ مُنْقَطِعِ الْعَنَاصِرِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا يُشْبِهُ أَقْوَالَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ فَوْقَ الْعَنَاصِرِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَدِلَّةُ الْقُرْآنِ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ وَافَقَ ابْنُ حَزْمٍ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الصِّدِّيقِينَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ فَكَيْفَ تَكُونُ رُوحُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَأَشْبَاهِهِمْ عِنْدَ مُنْقَطِعِ الْعَنَاصِرِ وَذَلِكَ تَحْتَ هَذَا الْعَالَمِ الْأَدْنَى تَحْتَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَتَكُونُ أَرْوَاحُ شُهَدَاءِ زَمَانِنَا فَوْقَ الْعَنَاصِرِ وَفَوْقَ السَّمَاوَاتِ.
وَأَمَّا زَعْمُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّ الْإِمَامَ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ ذَكَرَ مَا قَالَهُ وَذَهَبَ إِلَيْهِ بِعَيْنِهِ وَقَالَ عَلَى هَذَا جَمِيعُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ - بَاطِلٌ، فَإِنَّ إِسْحَاقَ لَمْ يَقُلْ إِنَّ مُسْتَقَرَّ الْأَرْوَاحِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْعَنَاصِرِ وَإِنَّمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي كِتَابِهِ الرَّدِّ عَلَى ابْنِ قُتَيْبَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الْآيَةَ فَذَكَرَ الْآثَارَ الَّتِي ذَكَرَهَا السَّلَفُ مِنَ اسْتِخْرَاجِ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنْ صُلْبِهِ ثُمَّ أَخْذِ الْمِيثَاقِ عَلَيْهِمْ وَرَدِّهِمْ فِي صُلْبِهِ وَأَنَّهُ أَخْرَجَهُمْ مِثْلَ الذَّرِّ وَأَنَّهُ قَسَّمَهُمْ إِذْ ذَاكَ إِلَى شَقِيٍّ وَسَعِيدٍ وَكَتَبَ آجَالَهُمْ
стр. 499
وَأَرْزَاقَهُمْ وَأَعْمَالَهُمْ وَمَا يُصِيبُهُمْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، ثُمَّ قَالَ قَالَ إِسْحَاقُ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهَا الْأَرْوَاحُ قَبْلَ الْأَجْسَادِ اسْتَنْطَقَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ الْآيَةَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ. هَذَا نَصُّ كَلَامِهِ وَهُوَ كَمَا تَرَى لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُسْتَقَرَّ الْأَرْوَاحِ مَا ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ حَيْثُ مُنْقَطِعُ الْعَنَاصِرِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ بَلْ وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَرْوَاحَ كَانَتْ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بَلْ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْرَجَهَا حِينَئِذٍ فَخَاطَبَهَا ثُمَّ رَدَّهَا إِلَى صُلْبِ آدَمَ. وَهَذَا وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ كَمَا مَرَّ فَالَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَالْجُمْهُورُ خِلَافُهُ. وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّ خَلْقَ الْأَرْوَاحِ قَبْلَ الْأَجْسَادِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُسْتَقَرَّ الْأَرْوَاحِ حَيْثُ مُنْقَطِعُ الْعَنَاصِرِ وَلَا أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ كَانَ مُسْتَقَرَّهَا أَوَّلًا.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مُسْتَقَرُّ الْأَرْوَاحِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ أَبْدَانِهَا الْعَدَمُ الْمَحْضُ، وَهَذَا أَيْضًا بَاطِلٌ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ فَإِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ يَزْعُمُ أَنَّ الرُّوحَ عَرَضٌ مِنْ أَعْرَاضِ الْبَدَنِ وَهُوَ الْحَيَاةُ وَقَالَ بِهِ الْبَاقِلَّانِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ وَكَذَا قَالَ أَبُو الْهُذَيْلِ الْعَلَّافُ الْمُعْتَزِلِيُّ النَّفْسُ عَرَضٌ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَلَمْ يُعَيِّنْهُ أَنَّهُ الْحَيَاةُ كَمَا عَيَّنَهُ ابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ بَلْ قَالَ الرُّوحُ عَرَضٌ كَسَائِرِ أَعْرَاضِ الْجِسْمِ، وَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْجِسْمَ إِذَا مَاتَ عُدِمَتْ رُوحُهُ فَلَا تُعَذَّبُ وَلَا تُنَعَّمُ وَإِنَّمَا يُعَذَّبُ وَيُنَعَّمُ الْجَسَدُ إِذَا شَاءَ اللَّهُ تَعْذِيبَهُ وَتَنْعِيمَهُ رَدَّ إِلَيْهِ الْحَيَاةَ فِي وَقْتٍ يُرِيدُ تَنْعِيمَهُ وَتَعْذِيبَهُ وَإِلَّا فَلَا رُوحَ هُنَاكَ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا أَلْبَتَّةَ. وَقَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ تُرَدُّ الْحَيَاةُ إِلَى عَجْبِ الذَّنَبِ، قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَهَذَا قَوْلٌ يَرُدُّهُ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَأَدِلَّةُ الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ، قَالَ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ رُوحَهُ فَضْلًا عَنْ رُوحِ غَيْرِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى مُسْتَقَرُّ الْأَرْوَاحِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَبْدَانٌ أُخَرُ غَيْرُ هَذِهِ الْأَبْدَانِ فَهَذَا فِيهِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ فَحَقُّهُ مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ عَنْ أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ أَنَّهَا فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ هِيَ لَهَا كَالْأَوْكَارِ لِلطَّائِرِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ جَعَلَ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ " «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ» " يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الطَّائِرُ مَرْكَبًا لِلرُّوحِ كَالْبَدَنِ لَهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ
стр. 500
لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ وَالشُّهَدَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الرُّوحُ صُورَةَ طَائِرٍ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ حَزْمٍ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ نَسَمَةَ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ يَعْنِي أَنَّهَا تَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ لَا أَنَّهَا تُمْسَخُ فِي صُورَةِ الطَّيْرِ، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الَّتِي فِيهَا أَنَّهَا فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ فَإِنَّهَا صِفَةُ تِلْكَ الْقَنَادِيلِ الَّتِي تَأْوِيهَا، قَالَ وَالْحَدِيثَانِ مَعًا حَدِيثٌ وَاحِدٌ، قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لَفْظًا وَمَعْنًى فَإِنَّ حَدِيثَ " «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلُقُ فِي الْجَنَّةِ» " غَيْرُ حَدِيثِ " «أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ» "، وَالَّذِي ذَكَرَهُ مُحْتَمَلٌ فِي الْأَوَّلِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلَا يَحْتَمِلُهُ بِوَجْهٍ فَإِنَّهُ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: «فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ» ، وَفِي لَفْظٍ: بِيضٍ، وَأَنَّ تِلْكَ الطَّيْرَ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ فَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَشْرَبُ مِنْ أَنْهَارِهَا ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ هِيَ لَهَا كَالْأَوْكَارِ لِلطَّائِرِ، وَقَوْلُهُ إِنَّ حَوَاصِلَ تِلْكَ الطَّيْرِ هِيَ صِفَةُ تِلْكَ الْقَنَادِيلِ الَّتِي تَأْوِي إِلَيْهَا خَطَأٌ قَطْعًا بَلْ تِلْكَ الْقَنَادِيلُ مَأْوًى لِتِلْكَ الطَّيْرِ، فَهُنَا ثَلَاثَةُ أُمُورٍ شُرِحَ بِهَا الْحَدِيثُ أَرْوَاحٌ وَطَيْرٌ هِيَ فِي أَجْوَافِهَا وَقَنَادِيلُ مَأْوًى لِتِلْكَ الطَّيْرِ، وَالْقَنَادِيلُ مُسْتَقِرَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ لَا تَسْرَحُ وَالطَّيْرُ تَسْرَحُ وَتَذْهَبُ وَتَجِيءُ وَالْأَرْوَاحُ فِي أَجْوَافِهَا.
فَإِنْ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ تَجْعَلَ نَفْسَهَا فِي صُورَةِ طَيْرٍ لَا أَنَّهَا تُرَكَّبُ فِي بَدَنِ طَيْرٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي اللَّفْظِ الْآخَرِ أَرْوَاحُهُمْ كَطَيْرٍ خُضْرٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْأَشْبَهُ عِنْدِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ كَطَيْرٍ أَوْ صُورَةِ طَيْرٍ لِمُطَابَقَتِهِ لِحَدِيثِ " «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ» ".
وَقَدْ أَجَابَ الْمُحَقِّقُ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ رُوِيَ بِهَذَيْنِ اللَّفْظَيْنِ وَالَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ مَسْرُوقٍ " «أَرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ» " وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فَلَمْ يَخْتَلِفْ حَدِيثُهُمَا فِي أَنَّهَا فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ.
قَالَ الْمُحَقِّقُ وَلَا مَحْذُورَ فِي هَذَا وَلَا يُبْطِلُ قَاعِدَةً مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ وَلَا يُخَالِفُ نَصًّا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بَلْ هَذَا مِنْ تَمَامِ إِكْرَامِ اللَّهِ لِلشُّهَدَاءِ أَنْ أَعَاضَهُمْ مِنْ أَبْدَانِهِمُ الَّتِي مَزَّقُوهَا لِلَّهِ تَعَالَى أَبْدَانًا أُخَرَ خَيْرًا مِنْهَا تَكُونُ مَرْكَبًا لِأَرْوَاحِهِمْ لِيَحْصُلَ بِهَا كَمَالُ تَنَعُّمِهِمْ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ
стр. 501
الْقِيَامَةِ رَدَّ أَرْوَاحَهُمْ إِلَى تِلْكَ الْأَبْدَانِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا فِي الدُّنْيَا. فَإِنْ قِيلَ هَذَا هُوَ الْقَوْلُ بِالتَّنَاسُخِ وَحُلُولِ الْأَرْوَاحِ فِي أَبْدَانٍ غَيْرِ أَبْدَانِهَا الَّتِي كَانَتْ فِيهَا، فَالْجَوَابُ هَذَا مَعْنًى دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ حَقٌّ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَلَا يُبْطِلُهُ تَسْمِيَةُ الْمُسَمِّي لَهُ تَنَاسُخًا كَنَظَائِرِهِ مِمَّا دَلَّ عَلَيْهِ النَّقْلُ وَلَمْ يُحِلْهُ الْعَقْلُ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقَائِقِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى حَقٌّ لَا يُبْطِلُهُ تَسْمِيَةُ الْمُعَطِّلِينَ لَهَا تَرْكِيبًا وَتَجْسِيمًا، قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ لَا نُزِيلُ عَنِ اللَّهِ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ لِأَجْلِ شَنَاعَةِ الْمُشَنِّعِينَ. فَإِنَّ هَذَا شَأْنُ أَهْلِ الْبِدَعِ يُلَقِّبُونَ أَهْلَ السُّنَّةِ وَأَقْوَالَهُمْ بِالْأَلْقَابِ الَّتِي يُنَفِّرُونَ عَنْهَا الْجُهَّالَ وَيُسَمُّونَهَا حَشْوًا وَتَرْكِيبًا وَتَجْسِيمًا، وَيُسَمُّونَ عَرْشَ الرَّبِّ ﵎ حَيِّزًا وَجِهَةً لِيَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ إِلَى نَفْيِ اسْتِوَائِهِ وَعُلُوِّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَكَمَا تُسَمِّي الرَّافِضَةُ مُوَالَاةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلِّهِمْ وَمَحَبَّتِهِمْ وَالدُّعَاءِ لَهُمْ نَصْبًا، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ تَسْمِيَةَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ السُّنَّةُ الصَّرِيحَةُ مِنْ جَعْلِ أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَنَاسُخًا لَا يُبْطِلُ هَذَا الْمَعْنَى.
وَأَمَّا مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْبَاطِلِ فَالتَّنَاسُخُ الْبَاطِلُ الَّذِي يَقُولُهُ أَعْدَاءُ الرُّسُلِ مِنَ الْمَلَاحِدَةِ وَغَيْرِهِمُ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْمَعَادَ وَيَزْعُمُونَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تَصِيرُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأَبْدَانِ إِلَى أَجْنَاسِ الْحَيَوَانِ وَالْحَشَرَاتِ وَالطُّيُورِ الَّتِي كَانَتْ تُنَاسِبُهَا وَتُشَاكِلُهَا فَإِذَا فَارَقَتْ هَذِهِ الْأَبْدَانَ انْتَقَلَتْ إِلَى أَبْدَانِ تِلْكَ الْحَيَوَانَاتِ فَتُنَعَّمُ فِيهَا وَتُعَذَّبُ ثُمَّ تُفَارِقُهَا وَتَحِلُّ فِي أَبْدَانٍ أُخَرَ تُنَاسِبُ أَعْمَالَهَا وَأَخْلَاقَهَا وَهَلُمَّ جَرَّا، فَهَذَا مَعَادُهَا عِنْدَهُمْ وَنَعِيمُهَا وَعَذَابُهَا لَا مَعَادَ لَهَا عِنْدَهُمْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَهَذَا هُوَ التَّنَاسُخُ الْبَاطِلُ الْمُخَالِفُ لِمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ وَهُوَ كُفْرٌ بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَهَذِهِ الطَّائِفَةُ تَقُولُ إِنَّ مُسْتَقَرَّ الْأَرْوَاحِ بَعْدَ مُفَارَقَةِ أَبْدَانِهَا الْأَصْلِيَّةِ أَبْدَانُ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي تُنَاسِبُهَا وَهُوَ أَبْطَلُ قَوْلٍ وَأَخْبَثُهُ.
وَيَلِيهِ قَوْلُ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ الْأَرْوَاحَ تُعْدَمُ جُمْلَةً بِالْمَوْتِ وَلَا يَبْقَى هُنَاكَ رُوحٌ تُنَعَّمُ وَلَا تُعَذَّبُ بَلِ النَّعِيمُ يَقَعُ عَلَى أَجْزَاءِ الْجَسَدِ أَوْ عَلَى جُزْءٍ مِنْهُ أَمَّا عَجْبُ
стр. 502
الذَّنَبِ أَوْ غَيْرُهُ فَيَخْلُقُ اللَّهُ فِيهِ الْأَلَمَ وَاللَّذَّةَ إِمَّا بِوَاسِطَةِ رَدِّ الْحَيَاةِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ بِدُونِ رَدِّ الْحَيَاةِ كَمَا قَالَهُ آخَرُونَ مِنْهُمْ فَهَؤُلَاءِ عِنْدَهُمْ لَا عَذَابَ فِي الْبَرْزَخِ إِلَّا عَلَى الْأَجْسَادِ. وَيُقَابِلُهُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الرُّوحَ لَا تُعَادُ إِلَى الْجَسَدِ بِوَجْهٍ وَلَا تَتَّصِلُ بِهِ وَالْعَذَابُ وَالنَّعِيمُ عَلَى الرُّوحِ فَقَطْ.
وَالصَّحِيحُ خِلَافُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فَالسُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ تُبَيِّنُ أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى الرُّوحِ وَالْجَسَدِ مُجْتَمِعَيْنِ وَمُتَفَرِّقَيْنِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ تَجْتَمِعُ بِبِئْرِ زَمْزَمَ فَلَا دَلِيلَ عَلَى هَذَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا وَلَا قَوْلِ صَحَابِيٍّ يَجِبُ أَنْ يُوثَقَ بِهِ. وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَابِيَةِ وَأَرْوَاحَ الْكُفَّارِ بِبِئْرِ بَرَهُوتَ بِحَضْرَمَوْتَ فَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ هَذَا مِنْ قَوْلِ الرَّافِضَةِ، قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ: وَلَيْسَ كَمَا قَالَ بَلْ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَابِيَةِ - ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ تَجْتَمِعُ بِالْجَابِيَةِ وَأَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ تَجْتَمِعُ فِي سَبَخَةٍ بِحَضْرَمَوْتَ يُقَالُ لَهَا بَرَهُوتُ. ثُمَّ رَوَى بِسَنَدِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أَنَّ كَعْبًا رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَقَدْ تَكَابَّ النَّاسُ عَلَيْهِ يَسْأَلُونَهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ (؟) سَلْهُ أَيْنَ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَابِيَةِ وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ بِبَرَهُوتَ. قَالَ ابْنُ مَنْدَهْ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.
ثُمَّ سَاقَ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: خَيْرُ بِئْرٍ فِي الْأَرْضِ زَمْزَمُ وَشَرُّ بِئْرٍ فِي الْأَرْضِ بَرَهُوتُ، بِئْرٌ فِي حَضْرَمَوْتَ وَخَيْرُ وَادٍ فِي الْأَرْضِ وَادِي مَكَّةَ وَالْوَادِي الَّذِي أُهْبِطَ فِيهِ آدَمُ فِي الْهِنْدِ مِنْهُ طِيبُكُمْ، وَشَرُّ وَادٍ فِي الْأَرْضِ الْأَحْقَافُ وَهُوَ فِي حَضْرَمَوْتَ تَرِدُهُ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵃ قَالَ أَبْغَضُ بُقْعَةٍ فِي الْأَرْضِ وَادٍ بِحَضْرَمَوْتَ يُقَالُ لَهُ بَرَهُوتُ فِيهِ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ وَفِيهِ بِئْرٌ مَاؤُهَا أَسْوَدُ كَأَنَّهُ قَيْحٌ تَأْوِي إِلَيْهِ الْهَوَامُّ. ثُمَّ سَاقَ ابْنُ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ الْقَاضِي حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ثَنَا سُفْيَانُ ثَنَا أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ بِتُّ فِيهِ - يَعْنِي وَادِيَ بَرَهُوتَ - فَكَأَنَّمَا حُشِرَتْ فِيهِ أَصْوَاتُ النَّاسِ وَهُمْ يَقُولُونَ يَا دُومَةُ يَا دُومَةُ، قَالَ أَبَانُ فَحَدَّثَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَنَّ
стр. 503
دَوْمَةَ هُوَ الْمَلَكُ الَّذِي عَلَى أَرْوَاحِ الْكُفَّارِ، قَالَ سُفْيَانُ وَسَأَلْنَا الْحَضْرَمِيِّينَ فَقَالُوا لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ يَبِيتُ فِيهِ بِاللَّيْلِ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ الرُّوحِ فَهَذِهِ جُمْلَةُ مَا عَلِمْتُهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ فَإِنْ أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو بِالْجَابِيَةِ التَّمْثِيلَ وَالتَّشْبِيهَ وَأَنَّهَا تَجْتَمِعُ فِي مَكَانٍ فَسِيحٍ يُشْبِهُ الْجَابِيَةَ لِسَعَتِهِ وَطِيبِ هَوَاهُ فَهَذَا قَرِيبٌ وَإِنْ أَرَادَ نَفْسَ الْجَابِيَةِ دُونَ سَائِرِ الْأَرْضِ فَهَذَا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ وَلَعَلَّهُ مِمَّا تَلَقَّاهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُتُبِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّهَا تَجْتَمِعُ فِي الْأَرْضِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ فِيهَا ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٥] فَهَذَا إِنْ كَانَ قَالَهُ تَفْسِيرًا لِلْآيَةِ فَلَيْسَ هُوَ تَفْسِيرًا لَهَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَرْضِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ هِيَ أَرْضُ الْجَنَّةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهَا الدُّنْيَا الَّتِي فَتَحَهَا اللَّهُ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قَالَ الْمُحَقِّقُ: وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النُّورِ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور: ٥٥] وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «زُوِيَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَشَارِقُهَا وَمَغَارِبُهَا وَسَيَبْلُغُ مُلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا» ".
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ فِي الْآيَةِ أَرْضُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَهِيَ مِنَ الْأَرْضِ الَّتِي أَوْرَثَهَا عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ وَلَيْسَتِ الْآيَةُ مُخْتَصَّةً بِهَا. وَأَمَّا قَوْلُ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ وَمَنْ وَافَقَهُ إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَرْزَخٍ مِنَ الْأَرْضِ تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ فَالْبَرْزَخُ هُوَ الْحَاجِزُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ وَكَأَنَّ سَلْمَانَ أَرَادَ أَنَّهَا فِي أَرْضِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مُرْسَلَةً هُنَاكَ حَيْثُ شَاءَتْ. قَالَ الْمُحَقِّقُ هَذَا قَوْلٌ قَوِيٌّ فَإِنَّهَا قَدْ فَارَقَتِ الدُّنْيَا وَلَمْ تَلِجِ الْآخِرَةَ بَلْ هِيَ فِي بَرْزَخٍ بَيْنَهُمَا فَهِيَ فِي بَرْزَخٍ وَاسِعٍ فِيهِ الرَّوْحُ وَالرَّيْحَانُ وَالنَّعِيمُ، وَأَمَّا أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ فَفِي بَرْزَخٍ ضَيِّقٍ فِيهِ الْغَمُّ وَالْعَذَابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وَأَمَّا مَنْ قَالَ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِلِّيِّينَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَأَرْوَاحُ الْكُفَّارِ
стр. 504
فِي سِجِّينٍ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، فَهَذَا قَدْ قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ مَوْتِهِ " «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى» ".
وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي عِلِّيِّينَ بِحَسَبِ مَنَازِلِهِمْ وَأَرْوَاحَ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ بِحَسَبِ مَنَازِلِهِمْ وَمَا تَؤُولُ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ يَمِينِ آدَمَ ﵇ وَأَرْوَاحَ الْكُفَّارِ عَنْ يَسَارِهِ - قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ هَذَا قَوْلٌ يُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ وَهُوَ حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي الْحَدِيثِ " «فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، قُلْتُ لِجِبْرِيلَ مَنْ هَذَا؟ قَالَ هَذَا آدَمُ وَهَذِهِ الْأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَالْأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ» " قَالَ الْقَسْطَلَانِيُّ فِي الْمَوَاهِبِ: الْأَسْوِدَةُ بِوَزْنِ أَزْمِنَةٍ هِيَ الْأَشْخَاصُ، وَالنَّسَمُ بِالنُّونِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ جَمْعُ نَسَمَةٍ وَهِيَ الرُّوحُ.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ جَاءَ أَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ فِي سِجِّينٍ وَأَنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ مُنَعَّمَةٌ فِي الْجَنَّةِ: يَعْنِي فَكَيْفَ تَكُونُ مُجْتَمِعَةً فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا تُعْرَضُ عَلَى آدَمَ أَحْيَانًا فَوَافَقَ عَرْضُهَا مُرُورَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِ أَرْوَاحِ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ فِي أَوْقَاتٍ دُونَ أَوْقَاتٍ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] . وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ لَا تُفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ كَمَا هُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ، وَالْجَوَابُ مَا أَبْدَاهُ احْتِمَالًا أَنَّ الْجَنَّةَ كَانَتْ مِنْ جِهَةِ يَمِينِ آدَمَ وَالنَّارِ فِي جِهَةِ شِمَالِهِ فَكَانَ يُكْشَفُ لَهُ عَنْهُمَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ رُؤْيَةِ آدَمَ لَهَا وَهُوَ فِي السَّمَاءِ أَنْ تُفْتَحَ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا تَلِجَهَا، قَالَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عِنْدَ الْبَزَّارِ) «فَإِذَا عَنْ يَمِينِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ وَعَنْ شِمَالِهِ بَابٌ يَخْرُجُ مِنْهُ رِيحٌ خَبِيثَةٌ إِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ اسْتَبْشَرَ وَإِذَا نَظَرَ عَنْ شِمَالِهِ حَزِنَ» " قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ أَوْلَى مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَلَكِنَّ سَنَدَهُ ضَعِيفٌ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الرُّوحِ: لَا تَدُلُّ رُؤْيَةُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ كَذَلِكَ عَلَى تَعَادُلِهِمْ فِي الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ بَلْ يَكُونُ هَؤُلَاءِ عَنْ يَمِينِهِ فِي الْعُلُوِّ وَالسَّعَةِ وَهَؤُلَاءِ عَنْ يَسَارِهِ فِي السُّفْلِ
стр. 505
وَالسِّجْنِ. وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: فترجع إلى الْبَرْزَخِ الَّذِي رَآهَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ عِنْدَ سَمَاءِ الدُّنْيَا ذَلِكَ عِنْدَ مُنْقَطِعِ الْعَنَاصِرِ. قَالَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَهُ تَحْتَ السَّمَاءِ حَيْثُ تُقْطَعُ الْعَنَاصِرُ، وَهِيَ الْمَاءُ وَالْهَوَاءُ وَالتُّرَابُ وَالنَّارُ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهُوَ - يَعْنِي ابْنَ حَزْمٍ - دَائِمًا يُشَنِّعُ عَلَى مَنْ قَالَ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَأَيُّ دَلِيلٍ لَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ؟
قَالَ الْمُحَقِّقُ: إِذَا كَانَتْ أَرْوَاحُ أَهْلِ السَّعَادَةِ عَنْ يَمِينِ آدَمَ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَكَيْفَ تَكُونُ عَنْ يَمِينِهِ وَكَيْفَ يَرَاهَا النَّبِيُّ ﷺ ؟ فَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
(أَحَدُهَا) أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ كَوْنُهَا عَنْ يَمِينِهِ فِي جِهَةِ الْعُلُوِّ كَمَا أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَشْقِيَاءِ عَنْ يَسَارِهِ فِي جِهَةِ السُّفْلِ.
(الثَّانِي) أَنَّهُ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ تُعْرَضَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي سَمَاءِ الدُّنْيَا وَإِنْ كَانَ مُسْتَقَرُّهَا فَوْقَ ذَلِكَ.
(الثَّالِثُ) لَمْ يُخْبِرْ أَنَّهُ رَأَى أَرْوَاحَ السُّعَدَاءِ جَمِيعًا هُنَاكَ بَلْ قَالَ فَإِذَا عَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنَّ رُوحَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى فَوْقَ ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَالسَّابِعَةِ وَكَذَلِكَ الرَّفِيقُ الْأَعْلَى أَرْوَاحُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ وَأَرْوَاحُ السُّعَدَاءِ بَعْضُهَا أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ بِحَسَبِ مَنَازِلِهِمْ كَمَا أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَشْقِيَاءِ بَعْضُهُمْ أَسْفَلُ مِنْ بَعْضٍ بِحَسَبِ مَنَازِلِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فَإِنْ قِيلَ قَدْ ذَكَرْتُمْ أَقْوَالَ النَّاسِ فِي مُسْتَقَرِّ الْأَرْوَاحِ وَمَأْخَذِهِمْ فَمَا هُوَ الرَّاجِحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ حَتَّى يُعْتَقَدَ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَرْوَاحَ مُتَفَاوِتَةٌ فِي مُسْتَقَرِّهَا فِي الْبَرْزَخِ أَعْظَمَ تَفَاوُتٍ (فَمِنْهَا) : أَرْوَاحٌ فِي عِلِّيِّينَ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَهِيَ أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ كَمَا رَآهُمُ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ.
(وَمِنْهَا) : أَرْوَاحٌ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ وَهِيَ أَرْوَاحُ بَعْضِ الشُّهَدَاءِ لَا جَمِيعِهِمْ بَلْ مِنَ الشُّهَدَاءِ مَنْ تُحْبَسُ رُوحُهُ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ لِدَيْنٍ عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ كَمَا فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِي إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: الْجَنَّةُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ " إِلَّا الدَّيْنَ سَارَّنِي بِهِ جِبْرِيلُ آنِفًا» ".
(وَمِنْهُمْ) : مَنْ يَكُونُ مَحْبُوسًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثٍ
стр. 506
آخَرَ رَأَيْتُ صَاحِبَكُمْ مَحْبُوسًا عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ.
(وَمِنْهُمْ) : مَنْ يَكُونُ مَحْبُوسًا فِي قَبْرِهِ كَحَدِيثِ صَاحِبِ الشَّمْلَةِ الَّتِي غَلَّهَا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فَقَالَ النَّاسُ هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي غَلَّهَا لَتَشْتَعِلُ نَارًا فِي قَبْرِهِ» ".
(وَمِنْهُمْ) : مَنْ يَكُونُ مَقَرُّهُ بَابَ الْجَنَّةِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ " «الشُّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهَرٍ بِبَابِ الْجَنَّةِ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً» " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ.
وَهَذَا بِخِلَافِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ حَيْثُ أَبْدَلَهُ اللَّهُ مِنْ يَدَيْهِ بِجَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ.
(وَمِنْهُمْ) : مَنْ يَكُونُ مَحْبُوسًا فِي الْأَرْضِ لَمْ تَعْلُ رُوحُهُ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى فَإِنَّهَا كَانَتْ رُوحًا سُفْلِيَّةً أَرْضِيَّةً فَإِنَّ الْأَنْفُسَ الْأَرْضِيَّةَ لَا تُجَامِعُ الْأَنْفُسَ السَّمَاوِيَّةَ كَمَا لَا تُجَامِعُهَا فِي الدُّنْيَا وَالنَّفْسُ الَّتِي لَمْ تَكْتَسِبْ فِي الدُّنْيَا مَعْرِفَةَ رَبِّهَا وَمَحَبَّتَهُ وَذِكْرَهُ وَالْأُنْسَ بِهِ وَالتَّقَرُّبَ إِلَيْهِ بَلْ هِيَ أَرْضِيَّةٌ سُفْلِيَّةٌ لَا تَكُونُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ لِبَدَنِهَا إِلَّا هُنَاكَ كَمَا أَنَّ النَّفْسَ الْعُلْوِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا عَاكِفَةً عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَذِكْرِهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالْأُنْسِ بِهِ تَكُونُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ مَعَ الْأَرْوَاحِ الْعُلْوِيَّةِ الْمُنَاسِبَةِ لَهَا، فَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ فِي الْبَرْزَخِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُزَوِّجُ النُّفُوسَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ فِي الْبَرْزَخِ وَيَوْمَ الْمَعَادِ كَمَا فِي حَدِيثِ " «وَيُجْعَلُ رُوحُهُ - يَعْنِي الْمُؤْمِنَ - مَعَ النَّسَمِ الطَّيِّبِ» " أَيِ الْأَرْوَاحِ الطَّيِّبَةِ الْمُشَاكِلَةِ لِرُوحِهِ. فَالرُّوحُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ تَلْحَقُ بِأَشْكَالِهَا وَإِخْوَانِهَا وَأَصْحَابِ عَمَلِهَا تَكُونُ مَعَهُمْ هُنَاكَ.
(وَمِنْهَا) : أَرْوَاحٌ تَكُونُ فِي تَنُّورِ الزُّنَاةِ وَالزَّوَانِي، وَأَرْوَاحٌ فِي نَهْرِ الدَّمِ تَسْبَحُ فِيهِ وَتُلْقَمُ الْحِجَارَةَ، فَلَيْسَ لِلْأَرْوَاحِ شَقِيِّهَا وَسَعِيدِهَا مُسْتَقَرٌّ وَاحِدٌ بَلْ رُوحٌ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَرُوحٌ أَرْضِيَّةٌ سُفْلِيَّةٌ لَا تَصْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ السُّنَنَ وَالْآثَارَ فِي هَذَا الْبَابِ وَكَانَ لَهُ فَضْلُ اعْتِنَاءٍ عَرَفَ صِحَّةَ ذَلِكَ فَكُلُّ الْآثَارِ الصَّحِيحَةِ حَقٌّ وَصِدْقٌ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي فَهْمِهَا وَفَهْمِ الْمَقْصُودِ مِنْهَا وَمَعْرِفَةِ النَّفْسِ وَأَحْكَامِهَا وَأَنَّ لَهَا شَأْنًا غَيْرَ شَأْنِ الْبَدَنِ وَأَنَّهَا مَعَ كَوْنِهَا فِي الْجَنَّةِ فَهِيَ فِي السَّمَاءِ وَتَتَّصِلُ بِفِنَاءِ الْقَبْرِ وَبِالْبَدَنِ فِيهِ وَهِيَ أَسْرَعُ شَيْءٍ حَرَكَةً وَانْتِقَالًا وَصُعُودًا وَهُبُوطًا، وَتَنْقَسِمُ إِلَى مُرْسَلَةٍ وَمَحْبُوسَةٍ وَعُلْوِيَّةٍ وَسُفْلِيَّةٍ، وَلَهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ صِحَّةٌ وَمَرَضٌ وَلَذَّةٌ وَنَعِيمٌ
стр. 507
وَأَلَمٌ وَعَذَابٌ أَعْظَمُ مِمَّا كَانَ لَهَا حَالَ اتِّصَالِهَا بِالْبَدَنِ بِكَثِيرٍ، فَهُنَالِكَ الْحَبْسُ وَالْأَلَمُ وَالْعَذَابُ وَالْمَرَضُ وَالْحَسْرَةُ، وَهُنَاكَ اللَّذَّةُ وَالرَّاحَةُ وَالنَّعِيمُ وَالْإِطْلَاقُ.
(ثُمَّ قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ) : وَمَا أَشْبَهَ حَالَهَا بِهَذَا الْبَدَنِ بِحَالِ الْبَدَنِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَحَالَهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ بِحَالِهِ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْبَطْنِ إِلَى هَذِهِ الدَّارِ فَلِهَذِهِ الْأَنْفُسِ أَرْبَعَةُ دُورٍ كُلُّ دَارٍ أَعْظَمُ مِنَ الَّتِي قَبْلَهَا:
(الدَّارُ الْأُولَى) بَطْنُ أُمِّهِ وَذَلِكَ الضِّيقُ وَالْحَصْرُ وَالظُّلُمَاتُ الثَّلَاثُ.
(الدَّارُ الثَّانِيَةُ) هَذِهِ الدَّارُ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا وَأَلِفَتْهَا وَاكْتَسَبَتِ الْخَيْرَ أَوِ الشَّرَّ وَأَسْبَابَ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ فِيهَا.
(الدَّارُ الثَّالِثَةُ) دَارُ الْبَرْزَخِ وَهِيَ أَوْسَعُ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ وَأَعْظَمُ بَلْ نِسْبَتُهَا إِلَيْهَا كَنِسْبَةِ هَذِهِ الدَّارِ إِلَى الدَّارِ الْأُولَى.
(الدَّارُ الرَّابِعَةُ) دَارُ الْقَرَارِ وَهِيَ الْجَنَّةُ أَوِ النَّارُ فَلَا دَارَ بَعْدَهَا، وَاللَّهُ تَعَالَى يَنْقُلُ الرُّوحَ فِي هَذِهِ الدُّورِ طَبَقًا بَعْدَ طَبَقٍ حَتَّى يُبَلِّغَهَا الدَّارَ الَّتِي لَا يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهَا وَلَا يَلِيقُ بِهَا سِوَاهَا وَهِيَ الَّتِي خُلِقَتْ لَهَا وَهُيِّئَتْ لِلْعَمَلِ الْمُوَصِّلِ إِلَيْهَا، وَلَهَا فِي كُلِّ دَارٍ مِنْ هَذِهِ الدُّورِ شَأْنٌ غَيْرُ شَأْنِ الدَّارِ الْأُخْرَى، فَتَبَارَكَ اللَّهُ فَاطِرُهَا وَمُنْشِئُهَا وَمُمِيتُهَا وَمُسْعِدُهَا وَمُشْقِيهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[هَلْ تَتَلَاقَى أَرْوَاحُ الْمَوْتَى وَتَتَزَاوَرُ وَتَتَذَاكَرُ وَتَتَلَاقَى أَرْوَاحُ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ أَيْضًا]
(الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ)
مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالرُّوحِ هَلْ تَتَلَاقَى أَرْوَاحُ الْمَوْتَى وَتَتَزَاوَرُ وَتَتَذَاكَرُ وَتَتَلَاقَى أَرْوَاحُ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ أَيْضًا؟ وَهَذَا يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ الْجُمْلَةِ ; لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ قِسْمَانِ مُعَذَّبَةٌ وَمُنَعَّمَةٌ فَالْمُعَذَّبَةُ فِي شُغْلٍ شَاغِلٍ بِمَا هِيَ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ عَنِ التَّزَاوُرِ وَالتَّلَاقِي، وَأَمَّا الْأَرْوَاحُ الْمُنَعَّمَةُ الْمُرْسَلَةُ غَيْرُ الْمَحْبُوسَةِ فَهَذِهِ تَتَلَاقَى وَتَتَزَاوَرُ وَتَتَذَاكَرُ مَا كَانَ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا وَمَا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا فَتَكُونُ كُلُّ رُوحٍ مَعَ رَفِيقِهَا الَّذِي عَلَى مِثْلِ عَمَلِهَا، وَرُوحُ نَبِيِّنَا ﷺ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩] . قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذِهِ الْمَعِيَّةُ ثَابِتَةٌ فِي الدُّنْيَا وَفِي دَارِ الْبَرْزَخِ وَفِي دَارِ الْجَزَاءِ، وَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ فِي هَذِهِ الدُّورِ الثَّلَاثَةِ.
وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْمَرَائِي بِتَلَاقِي الْأَرْوَاحِ بَعْضِهَا مَعَ بَعْضٍ، قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ رَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فِي النَّوْمِ فَقُلْتُ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ لَقِيتُ مُحَمَّدًا
стр. 508
وَحِزْبَهُ.
وَقَدْ جَاءَتْ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ بِتَلَاقِي الْأَرْوَاحِ وَتَعَارُفِهَا فَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا قَالَ «لَمَّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ وَجَدَتْ عَلَيْهِ أُمُّ بِشْرٍ وَجْدًا شَدِيدًا فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَزَالُ الْهَالِكُ يَهْلَكُ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَهَلْ يَتَعَارَفُ الْمَوْتَى فَأُرْسِلُ إِلَى بِشْرٍ بِالسَّلَامِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَعَمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ يَا أُمَّ بِشْرٍ إِنَّهُمْ لَيَتَعَارَفُونَ كَمَا تَتَعَارَفُ الطَّيْرُ فِي رُءُوسِ الشَّجَرِ " فَكَانَ لَا يَهْلَكُ هَالِكٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ إِلَّا جَاءَتْهُ أُمُّ بِشْرٍ فَقَالَتْ يَا فُلَانُ عَلَيْكَ السَّلَامُ فَيَقُولُ وَعَلَيْكِ فَتَقُولُ اقْرَأْ عَلَى بِشْرٍ السَّلَامَ» .
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: أَهْلُ الْقُبُورِ يَتَوَكَّفُونَ الْأَخْبَارَ فَإِذَا أَتَاهُمُ الْمَيِّتُ قَالُوا مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُ: صَالِحٌ، مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُ: صَالِحٌ، مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُ أَلَمْ يَأْتِكُمْ؟ أَمَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ؟ فَيَقُولُونَ لَا فَيَقُولُونَ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ سُلِكَ بِهِ غَيْرُ سَبِيلِنَا.
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ أَيْضًا: إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ تَلَقَّتْهُ الْأَرْوَاحُ يَسْتَخْبِرُونَهُ كَمَا يَسْتَخْبِرُ الرَّكْبُ: مَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَإِذَا قَالَ تُوُفِّيَ وَلَمْ يَأْتِهِمْ قَالُوا ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ إِذَا مَاتَ الرَّجُلُ اسْتَقْبَلَهُ وَلَدُهُ كَمَا يُسْتَقْبَلُ الْغَائِبُ.
وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ لَوْ أَنِّي آيَسُ مِنْ لِقَاءِ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي لَأَلْفَانِي قَدْ مُتُّ كَمَدًا.
وَذَكَرَ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا رُهْمٍ السَّمْعِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ ﵁ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ " «إِنَّ نَفْسَ الْمُؤْمِنِ إِذَا قُبِضَتْ تَلَقَّاهَا أَهْلُ الرَّحْمَةِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كَمَا يُتَلَقَّى الْبَشِيرُ فِي الدُّنْيَا فَيَقُولُ أَنْظِرُوا أَخَاكُمْ حَتَّى يَسْتَرِيحَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي كَرْبٍ شَدِيدٍ، فَيَسْأَلُونَهُ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ وَمَاذَا فَعَلَتْ فُلَانَةٌ؟ وَهَلْ تَزَوَّجَتْ فُلَانَةٌ؟ فَإِذَا سَأَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ قَبْلَهُ قَالَ إِنَّهُ قَدْ مَاتَ قَبْلِي، قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ فَبِئْسَتِ الْأُمُّ وَبِئْسَتِ الْمُرَبِّيَةُ» ".
وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَقَالَ " «إِنَّ أَعْمَالَكُمْ تَرِدُ عَلَى أَقَارِبِكُمْ وَعَشَائِرِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ فَإِنْ كَانَ خَيْرًا فَرِحُوا وَاسْتَبْشَرُوا وَقَالُوا اللَّهُمَّ هَذَا فَضْلُكَ وَرَحْمَتُكَ فَأَتِمَّ
стр. 509
نِعْمَتَكَ عَلَيْهِ وَأَمِتْهُ عَلَيْهَا، وَيُعْرَضُ عَلَيْهِمْ عَمَلُ الْمُسِيءِ فَيَقُولُونَ اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُ عَمَلًا صَالِحًا تَرْضَى بِهِ وَتُقَرِّبُهُ إِلَيْكَ» ".
وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَمُوتُ فَقُلْتُ: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي السَّلَامَ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ رُوحَيِ الْمُؤْمِنَيْنِ لَتَلْتَقِيَانِ عَلَى مَسِيرَةِ يَوْمٍ وَمَا رَأَى أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ قَطُّ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْقُبُورِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ثَنِي يَحْيَى بْنُ بِسْطَامٍ ثَنِي مِسْمَعٌ ثَنِي رَجُلٌ مِنْ آلِ عَاصِمٍ الْجَحْدَرِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ عَاصِمًا الْجَحْدَرِيَّ فِي مَنَامِي بَعْدَ مَوْتِهِ بِسَنَتَيْنِ فَقُلْتُ أَلَيْسَ قَدْ مُتَّ؟ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ فَأَيْنَ أَنْتَ؟ قَالَ أَنَا وَاللَّهِ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَنَا وَنَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِي نَجْتَمِعُ كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ وَصَبِيحَتِهَا إِلَى بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ فَنَتَلَقَّى أَخْبَارَكُمْ. قَالَ قُلْتُ أَجْسَامُكُمْ أَمْ أَرْوَاحُكُمْ؟ قَالَ هَيْهَاتَ بَلِيَتِ الْأَجْسَامُ وَإِنَّمَا تَتَلَاقَى الْأَرْوَاحُ.
وَالْمَرَائِي وَإِنْ لَمْ تَصْلُحْ بِمُجَرَّدِهَا لِإِثْبَاتِ أَحْكَامٍ فَضْلًا عَنْ إِثْبَاتِ اعْتِقَادٍ لَكِنَّهَا عَلَى كَثْرَتِهَا وَأَنَّهَا لَا يُحْصِيهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَتَوَاطُئِهَا مِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهَا وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ عَلَى أَنَّهَا - يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ - فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ» ".
فَلَمَّا تَوَاطَأَتْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِينَ عَلَى تَلَاقِي الْأَرْوَاحِ وَتَعَارُفِهَا كَانَ ذَلِكَ مِمَّا يُسْتَأْنَسُ بِهِ وَيَصْلُحُ لِلِاسْتِشْهَادِ بِهِ، عَلَى أَنَّا لَمْ نُثْبِتْ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَا بَلْ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ مِنْ تَلَاقِي أَرْوَاحِ الْمَوْتَى بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَتَلَاقِي أَرْوَاحِ الْأَحْيَاءِ لِأَرْوَاحِ الْمَوْتَى أَيْضًا. ثُمَّ إِنَّ الْحِسَّ وَالْوَاقِعَ مِنْ أَعْدَلِ الشُّهُودِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر: ٤٢] رَوَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ تَلْتَقِي فِي الْمَنَامِ فَيَتَسَاءَلُونَ بَيْنَهُمْ فَيُمْسِكُ اللَّهُ أَرْوَاحَ الْمَوْتَى وَيُرْسِلُ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ إِلَى أَجْسَادِهَا.
وَكَذَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ يَتَوَفَّاهَا فِي مَنَامِهَا فَتَلْتَقِي رُوحُ الْحَيِّ وَرُوحُ الْمَيِّتِ
стр. 510
فَيَتَذَاكَرُونَ وَيَتَعَارَفُونَ قَالَ فَتَرْجِعُ رُوحُ الْحَيِّ إِلَى جَسَدِهِ فِي الدُّنْيَا إِلَى بَقِيَّةِ أَجَلِهَا وَتُرِيدُ رُوحُ الْمَيِّتِ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى جَسَدِهِ فَتُحْبَسُ.
وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَهُوَ أَنَّ الْمُمْسَكَةَ مَنْ تُوُفِّيَتْ وَفَاةَ الْأَمْوَاتِ أَوَّلًا وَالْمُرْسَلَةَ مَنْ تُوُفِّيَتْ وَفَاةَ النَّوْمِ، وَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّهُ يَتَوَفَّى نَفْسَ الْمَيِّتِ فَيُمْسِكُهَا وَلَا يُرْسِلُهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَتَوَفَّى نَفْسَ النَّائِمِ ثُمَّ يُرْسِلُهَا إِلَى جَسَدِهَا إِلَى بَقِيَّةِ أَجَلِهَا فَيَتَوَفَّاهَا الْوَفَاةَ الْأُخْرَى.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِي الْآيَةِ أَنَّ الْمُمْسَكَةَ وَالْمُرْسَلَةَ كِلَاهُمَا تُتَوَفَّى وَفَاةَ النَّوْمِ فَمَنِ اسْتَكْمَلَتْ أَجَلَهَا أَمْسَكَهَا عِنْدَهُ فَلَا يَرُدُّهَا إِلَى جَسَدِهَا وَمَنْ لَمْ تَسْتَكْمِلْ أَجَلَهَا رَدَّهَا إِلَى جَسَدِهَا لِتَسْتَكْمِلَهُ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَمَالَ تِلْمِيذُهُ الْمُحَقِّقُ إِلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْآيَةَ تَتَنَاوَلُ النَّوْعَيْنِ فَإِنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ وَفَاتَيْنِ وَفَاةَ نَوْمٍ وَوَفَاةَ مَوْتٍ، وَذَكَرَ إِمْسَاكَ الْمُتَوَفَّاةِ وَإِرْسَالَ الْأُخْرَى، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ تَعَالَى يُمْسِكُ نَفْسَ كُلِّ مَيِّتٍ سَوَاءٌ مَاتَ فِي النَّوْمِ أَوْ فِي الْيَقَظَةِ وَيُرْسِلُ نَفْسَ مَنْ لَمْ يَمُتْ.
وَقَدْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: الْتَقَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ ﵄ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: إِنْ مُتَّ قَبْلِي فَالْقَنِي فَأَخْبِرْنِي مَا لَقِيتَ مِنْ رَبِّكَ، وَإِنْ أَنَا مُتُّ قَبْلَكَ لَقِيتُكَ فَأَخْبَرْتُكَ. فَقَالَ الْآخَرُ وَهَلْ يَلْتَقِي الْأَمْوَاتُ وَالْأَحْيَاءُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَرْوَاحُهُمْ فِي الْجَنَّةِ تَذْهَبُ حَيْثُ شَاءَتْ. قَالَ فَمَاتَ فُلَانٌ فَلَقِيَهُ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ لَهُ تَوَكَّلْ وَأَبْشِرْ فَلَمْ أَرَ مِثْلَ التَّوَكُّلِ قَطُّ.
وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁: كُنْتُ أَشْتَهِي أَنْ أَرَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ فِي الْمَنَامِ فَمَا رَأَيْتُهُ إِلَّا عِنْدَ قَرِيبِ الْحَوْلِ فَرَأَيْتُهُ يَمْسَحُ الْعَرَقَ عَنْ جَبِينِهِ وَهُوَ يَقُولُ: هَذَا أَوَانُ فَرَاغِي إِنْ كَادَ عَرْشِي لَيُهَدُّ لَوْلَا أَنِّي لَقِيتُ رَءُوفًا رَحِيمًا.
وَلَمَّا حَضَرَتْ شُرَيْحَ بْنَ عَائِذٍ الثُّمَالِيَّ الْوَفَاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ غُضَيْفُ بْنُ الْحَارِثِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الْحَجَّاجِ إِنْ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ تَأْتِيَنِي بَعْدَ الْمَوْتِ فَتُخْبِرَنِي بِمَا تَرَى فَافْعَلْ. قَالَ وَكَانَتْ كَلِمَتُهُ مَقْبُولَةً فِي أَهْلِ الْفِقْهِ فَمَكَثَ زَمَانًا لَا يَرَاهُ ثُمَّ رَآهُ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ لَهُ أَلَيْسَ قَدْ مُتَّ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ فَكَيْفَ حَالُكَ؟ قَالَ تَجَاوَزَ رَبُّنَا عَنِ الذُّنُوبِ فَلَمْ يَهْلَكْ مِنَّا إِلَّا الْأَخْرَاصُ قُلْتُ وَمَا الْأَخْرَاصُ؟ قَالَ الَّذِينَ يُشَارُ إِلَيْهِمْ بِالْأَصَابِعِ.
стр. 511
وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ رَأَيْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقُلْتُ لَهُ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ فَقَالَ:
نَظَرْتُ إِلَى رَبِّي عِيَانًا فَقَالَ لِي ... هَنِيئًا رِضَايَ عَنْكَ يَا ابْنَ سَعِيدِ
لَقَدْ كُنْتَ قَوَّامًا إِذَا اللَّيْلُ قَدْ دَجَا ... بِعَبْرَةِ مَحْزُونٍ وَقَلْبِ عَمِيدِ
فَدُونَكَ فَاخْتَرْ أَيَّ قَصْرٍ تُرِيدُهُ ... وَزُرْنِي فَإِنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدِ
وَهَذَا بَابٌ طَوِيلٌ جِدًّا فَإِنْ لَمْ تَسْمَحْ نَفْسُكَ بِتَصْدِيقِهِ وَقُلْتَ هَذِهِ مَنَامَاتٌ وَهِيَ غَيْرُ مَعْصُومَةٍ فَتَأَمَّلْ مَنْ رَأَى صَاحِبًا لَهُ أَوْ قَرِيبًا أَوْ غَيْرَهُ فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا صَاحِبُ الرُّؤْيَا، أَوْ أَخْبَرَهُ بِمَالٍ دَفَنَهُ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ، أَوْ حَذَّرَهُ مِنْ أَمْرٍ يَقَعُ، أَوْ بَشَّرَهُ بِأَمْرٍ يُوجَدُ فَوُجِدَ كَمَا قَالَ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِأَنَّهُ يَمُوتُ هُوَ أَوْ بَعْضُ أَهْلِهِ إِلَى كَذَا وَكَذَا فَيَقَعُ كَمَا أَخْبَرَهُ، أَوْ أَخْبَرَهُ بِخِصْبٍ أَوْ جَدْبٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ نَازِلَةٍ أَوْ مَرَضٍ لَهُ فَوَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ.
وَالْوَاقِعُ مِنْ ذَلِكَ لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَالنَّاسُ مُشْتَرِكُونَ فِيهِ وَقَدْ رَأَيْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا مِنْ ذَلِكَ عَجَائِبَ، وَبِهِ يُعْلَمُ بُطْلَانُ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا عُلُومٌ وَعَقَائِدُ فِي النَّفْسِ تَظْهَرُ لِصَاحِبِهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ نَفْسِهِ عَنِ الشَّوَاغِلِ الْبَدَنِيَّةِ بِالنَّوْمِ، فَهَذَا عَيْنُ الْبَاطِلِ وَالْمُحَالِ فَإِنَّ النَّفْسَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا قَطُّ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي يُخْبِرُ بِهَا الْمَيِّتُ وَلَا خَطَرَ بِبَالِهَا وَلَا عِنْدَهَا عَلَامَةٌ عَلَيْهَا وَلَا أَمَارَةٌ بِوَجْهٍ مَا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي الرُّوحِ.
قَالَ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يَقَعُ كَذَلِكَ وَأَنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا يَكُونُ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَصُوَرِ الِاعْتِقَادِ بَلْ أَكْثَرُ مَرَائِي النَّاسِ إِنَّمَا هِيَ مِنْ مُجَرَّدِ صُوَرِ اعْتِقَادِهِمُ الْمُطَابِقِ وَغَيْرِ الْمُطَابِقِ فَإِنَّ الرُّؤْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ: رُؤْيَا مِنَ اللَّهِ وَرُؤْيَا مِنَ الشَّيْطَانِ وَرُؤْيَا مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ.
وَالرُّؤْيَا الصَّحِيحَةُ أَقْسَامٌ:
(مِنْهَا) إِلْهَامٌ يُلْقِيهِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ وَهُوَ كَلَامٌ يُكَلِّمُ بِهِ الرَّبُّ عَبْدَهُ فِي الْمَنَامِ كَمَا قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ﵁ وَغَيْرُهُ.
(وَمِنْهَا) مَثَلٌ يَضْرِبُهُ لَهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا الْمُوَكَّلُ بِهَا.
(وَمِنْهَا) الْتِقَاءُ رُوحِ النَّائِمِ بِأَرْوَاحِ الْمَوْتَى مِنْ أَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ وَأَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا ذَكَرْنَا.
(وَمِنْهَا) عُرُوجُ رُوحِهِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَخِطَابُهَا لَهُ.
(وَمِنْهَا) دُخُولُ رُوحِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَمَشَاهِدُهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ.
فَالْتِقَاءُ أَرْوَاحِ الْأَحْيَاءِ بِأَرْوَاحِ الْمَوْتَى نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةِ الَّتِي هِيَ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ جِنْسِ الْمَحْسُوسَاتِ. وَهَذَا مَوْضِعٌ اضْطَرَبَتْ فِيهِ النَّاسُ فَمِنْ قَائِلٍ
стр. 512
إِنَّ الْعُلُومَ كُلَّهَا كَامِنَةٌ فِي النَّفْسِ وَإِنَّمَا اشْتِغَالُهَا بِعَالَمِ الْحِسِّ يَحْجُبُ عَنْهَا مُطَالَعَتَهَا، فَإِذَا تَجَرَّدَتْ بِالنَّوْمِ رَأَتْ مِنْهَا بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهَا وَلَمَّا كَانَ تَجَرُّدُهَا بِالْمَوْتِ أَكْمَلَ كَانَتْ عُلُومُهَا وَمَعَارِفُهَا هُنَاكَ أَكْمَلَ.
قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ: وَهَذَا فِيهِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ فَلَا يُرَدُّ كُلُّهُ وَلَا يُقْبَلُ كُلُّهُ فَإِنَّ تَجَرُّدَ النَّفْسِ يُطْلِعُهَا عَلَى عُلُومٍ وَمَعَارِفَ لَا تَحْصُلُ بِدُونِ التَّجَرُّدِ لَكِنْ لَوْ تَجَرَّدَتْ كُلَّ التَّجَرُّدِ لَمْ تَطَّلِعْ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ وَلَا عَلَى تَفَاصِيلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الرُّسُلِ الْمَاضِيَةِ وَالْأُمَمِ الْخَالِيَةِ وَتَفَاصِيلِ الْمَعَادِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَتَفَاصِيلِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْوَحْيِ، وَلَكِنَّ تَجَرُّدَ النَّفْسِ عَوْنٌ لَهَا عَلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ وَتَلَقِّيهِ مِنْ مَعْدَنِهِ أَسْهَلُ وَأَقْرَبُ وَأَكْثَرُ مِمَّا يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ الْمُنْعِمَةِ فِي الشَّوَاغِلِ الْبَدَنِيَّةِ.
وَمَنْ قَالَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ هَذِهِ الْمَرَائِي عُلُومٌ يَخْلُقُهَا اللَّهُ فِي النَّفْسِ ابْتِدَاءً بِلَا سَبَبٍ فِعْلِيٍّ نَهَجَ قَوْلَ مُنْكِرِ الْأَسْبَابِ وَالْحِكَمِ وَالْقُوَى.
قَالَ الْمُحَقِّقُ وَهُوَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلشَّرْعِ وَالْعَقْلِ وَالْفِطْرَةِ. وَمَنْ قَالَ إِنَّ الرُّؤْيَا أَمْثَالٌ مَضْرُوبَةٌ يَضْرِبُهَا اللَّهُ لِلْعَبْدِ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِهِ وَإِلْفِهِ عَلَى يَدِ مَلَكِ الرُّؤْيَا فَمَرَّةً يَكُونُ مَثَلًا مَضْرُوبًا وَمَرَّةً يَكُونُ نَفْسَ مَا رَآهُ الرَّائِي فَيُطَابِقُ الْوَاقِعَ مُطَابَقَةَ الْعِلْمِ لِمَعْلُومِهِ، وَهَذَا أَقْرَبُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ قَبْلَهُ، وَلَكِنَّ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ مَقْصُورَةً عَلَيْهِ بَلْ لَهَا أَسْبَابٌ أُخَرُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُلَاقَاةِ الْأَرْوَاحِ وَإِخْبَارِ بَعْضِهَا بَعْضًا وَمِنْ إِلْقَاءِ الْمَلَكِ الَّذِي فِي الْقَلْبِ وَالرَّوْعِ وَمِنْ رُؤْيَةِ الرُّوحِ لِلْأَشْيَاءِ مُكَافَحَةً بِلَا وَاسِطَةٍ.
وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي كِتَابِهِ (النَّفْسُ وَالرُّوحُ) بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ لَقِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵄ فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ رُبَّمَا شَهِدْتَ وَغِبْنَا وَرُبَّمَا شَهِدْنَا وَغِبْتَ، ثَلَاثٌ أَسْأَلُكَ عَنْهُنَّ فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْهُنَّ عِلْمٌ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: الرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ وَلَمْ يَرَ مِنْهُ خَيْرًا، وَالرَّجُلُ يُبْغِضُ الرَّجُلَ وَلَمْ يَرَ مِنْهُ شَرًّا. فَقَالَ عَلِيٌّ: نَعَمْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، تَلْتَقِي فِي الْهَوَاءِ فَتُشَامُّ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» ". فَقَالَ عُمَرُ: " وَاحِدَةٌ ". قَالَ عُمَرُ: وَالرَّجُلُ يُحَدِّثُ الْحَدِيثَ إِذَا نَسِيَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ وَمَا نَسِيَهُ إِذْ ذَكَرَهُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
стр. 513
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ " «مَا فِي الْقُلُوبِ قَلْبٌ إِلَّا وَلَهُ سَحَابَةٌ كَسَحَابَةِ الْقَمَرِ بَيْنَا الْقَمَرُ يُضِيءُ إِذْ تَجَلَّلَتْهُ سَحَابَةٌ فَنَسِيَ إِذَا انْجَلَتْ عَنْهُ فَيَذْكُرُ» ". قَالَ عُمَرُ: " اثْنَانِ ". قَالَ: وَالرَّجُلُ يَرَى الرُّؤْيَا فَمِنْهَا مَا يَصْدُقُ وَمِنْهَا مَا يَكْذِبُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ عَبْدٍ يَنَامُ يَمْتَلِئُ نَوْمًا إِلَّا عُرِجَ بِرُوحِهِ إِلَى الْعَرْشِ فَالَّذِي لَا يَسْتَيْقِظُ دُونَ الْعَرْشِ فَتِلْكَ الرُّؤْيَا الَّتِي تَصْدُقُ، وَالَّذِي يَسْتَيْقِظُ دُونَ الْعَرْشِ فَهِيَ الَّتِي تَكْذِبُ» " فَقَالَ عُمَرُ ﵁: ثَلَاثٌ كُنْتُ فِي طَلَبِهِنَّ فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَصَبْتُهُنَّ قَبْلَ الْمَوْتِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: عَجِبْتُ لِرُؤْيَا الرَّجُلِ يَرَى الشَّيْءَ لَمْ يَكُنْ يَخْطُرُ لَهُ عَلَى بَالٍ فَيَكُونُ كَأَخْذٍ بِيَدٍ، وَيَرَى الشَّيْءَ فَلَا يَكُونُ شَيْئًا. فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر: ٤٢] قَالَ وَالْأَرْوَاحُ يُعْرَجُ بِهَا فِي مَنَامِهَا فَمَا رَأَتْ وَهِيَ فِي السَّمَاءِ فَهُوَ الْحَقُّ فَإِذَا رُدَّتْ إِلَى أَجْسَادِهَا تَلَقَّتْهَا الشَّيَاطِينُ فِي الْهَوَاءِ فَكَذَّبَتْهَا فَمَا رَأَتْ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الْبَاطِلُ. قَالَ فَجَعَلَ عُمَرُ ﵁ يَتَعَجَّبُ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ مَنْدَهْ هَذَا خَبَرٌ مَشْهُورٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ.
وَرَوَى ابْنُ مَنْدَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ تَتَلَاقَى فَتُشَامُّ كَمَا تُشَامُّ الْخَيْلُ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ» ". قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَلَمْ تَزَلِ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا تَعْرِفُ هَذَا وَتُشَاهِدُهُ. قَالَ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْعُذْرِيُّ:
أَظَلُّ نَهَارِي مُسْتَهَامًا وَتَلْتَقِي ... مَعَ اللَّيْلِ رُوحِي فِي الْمَنَامِ وَرُوحُهَا
فَإِنْ قِيلَ فَالنَّائِمُ يَرَى غَيْرَهُ مِنَ الْأَحْيَاءِ يُحَدِّثُهُ وَيُخَاطِبُهُ وَرُبَّمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ وَيَكُونُ الْمَرْءُ يَقْظَانُ رُوحُهُ لَمْ تُفَارِقْ جَسَدَهُ فَكَيْفَ الْتَقَتْ رُوحُهُمَا؟ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا إِمَّا أَنْ يَكُونَ مَثَلًا مَضْرُوبًا ضَرَبَهُ مَلَكُ الرُّؤْيَا لِلنَّائِمِ أَوْ يَكُونَ حَدِيثَ نَفْسٍ مِنَ الرَّائِي تَجَرَّدَ لَهُ فِي مَنَامِهِ قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَوْسٍ:
سُقْيًا لِطَيْفِكَ مِنْ زُورٍ أَتَاكَ بِهِ ... حَدِيثُ نَفْسِكَ عَنْهُ وَهْوَ مَشْغُولُ
стр. 514
وَالْمَقْصُودُ أَنَّ أَرْوَاحَ الْأَحْيَاءِ تَتَلَاقَى فِي النَّوْمِ كَمَا تَتَلَاقَى أَرْوَاحُ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ، قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ إِنَّ الْأَرْوَاحَ تَتَلَاقَى فِي الْهَوَاءِ فَتَتَعَارَفُ وَتَتَذَاكَرُ فَيَأْتِيهَا مَلَكُ الرُّؤْيَا بِمَا هُوَ لَاقِيهَا مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. قَالَ وَقَدْ وَكَّلَ اللَّهُ تَعَالَى بِالرُّؤْيَا الصَّادِقَةِ مَلَكًا عَلَّمَهُ وَأَلْهَمَهُ مَعْرِفَةَ كُلِّ نَفْسٍ بِعَيْنِهَا وَاسْمِهَا وَمُنْقَلَبِهَا فِي دِينِهَا وَدُنْيَاهَا وَطَبْعِهَا وَمَعَارِفِهَا لَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَا يَغْلَطُ فِيهَا فَيَأْتِيهِ نُسْخَةٌ مِنْ عِلْمِ غَيْبِ اللَّهِ مِنْ أُمِّ الْكِتَابِ بِمَا هُوَ مُصِيبٌ لِهَذَا الْإِنْسَانِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَيَضْرِبُ لَهُ فِيهَا الْأَمْثَالَ وَالْأَشْكَالَ عَلَى قَدْرِ عَادَتِهِ فَتَارَةً يُبَشِّرُهُ بِخَبَرٍ قَدَّمَهُ أَوْ يُقَدِّمُهُ وَيُنْذِرُهُ مِنْ مَعْصِيَةٍ ارْتَكَبَهَا أَوْ هَمَّ بِهَا وَيُحَذِّرُهُ مِنْ مَكْرُوهٍ انْعَقَدَتْ أَسْبَابُهُ لِيُعَارِضَ تِلْكَ الْأَسْبَابَ بِأَسْبَابٍ تَدْفَعُهَا وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الرُّؤْيَا نِعْمَةً مِنْهُ وَرَحْمَةً وَإِحْسَانًا وَتَذْكِيرًا وَتَعْرِيفًا، وَجَعَلَ أَحَدَ طُرُقِ ذَلِكَ تَلَاقِيَ الْأَرْوَاحِ وَتَذَاكُرَهَا وَتَعَارُفَهَا وَكَمْ مِمَّنْ كَانَتْ تَوْبَتُهُ وَصَلَاحُهُ وَزُهْدُهُ وَإِقْبَالُهُ عَلَى الْآخِرَةِ عَنْ مَنَامٍ رَآهُ أَوْ رُئِيَ لَهُ، وَكَمْ مِمَّنِ اسْتَغْنَى وَأَصَابَ كَنْزًا أَوْ دَفِينًا عَنْ مَنَامٍ، وَهَذَا عَبْدُ الْمُطَّلِبِ جَدُّ النَّبِيِّ ﷺ دُلَّ فِي الْمَنَامِ عَلَى زَمْزَمَ وَأَصَابَ الْكَنْزَ الَّذِي كَانَ هُنَاكَ، وَفِي مِثْلِ ذَلِكَ حِكَايَاتٌ كَثِيرَةٌ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقٌ.
[معنى السيد وهل يطلق على البشر]
((فَكُلُّ مَا عَنْ سَيِّدِ الْخَلْقِ وَرَدْ مِنْ ... أَمْرِ هَذَا الْبَابِ حَقٌّ لَا يُرَدْ))
((فَكُلُّ مَا)) أَيِ شَيْءٍ أَوِ الَّذِي ((عَنْ سَيِّدِ الْخَلْقِ)) وَرَسُولِ الْحَقِّ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ فِي الْخَيْرِ قَوْمَهُ. قَالَهُ الزَّجَاجُ، وَقِيلَ التَّقِيُّ وَقِيلَ الْحَلِيمُ وَقِيلَ الَّذِي لَا يَغْلِبُهُ غَضَبُهُ وَجَمِيعُ ذَلِكَ فِي نَبِيِّنَا ﷺ .
وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ سَيِّدُ الْقَوْمِ أَجَلُّهُمْ. وَهُوَ ﷺ أَجَلُّ خَلْقِ اللَّهِ وَأَعْظَمُ خَلْقِ اللَّهِ وَأَكْرَمُ خَلْقِ اللَّهِ وَأَكْمَلُ خَلْقِ اللَّهِ ﷺ .
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي جَوَازِ إِطْلَاقِ السَّيِّدِ عَلَى الْبَشَرِ فَمَنَعَهُ قَوْمٌ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ ﷺ لَمَّا قِيلَ لَهُ يَا سَيِّدَنَا قَالَ: " «إِنَّمَا السَّيِّدُ اللَّهُ» ". وَجَوَّزَهُ قَوْمٌ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْأَنْصَارِ: " «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ» " وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ. قُلْتُ وَكَذَا حَدِيثُ " «إِنَّ ابْنِي هَذَا - يَعْنِي الْحَسَنَ - سَيِّدٌ» " وَحَدِيثُ
стр. 515
" «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» " وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ.
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: السَّيِّدُ أَحَدُ مَا يُضَافُ إِلَيْهِ فَلَا يُقَالُ لِتَمِيمِيٍّ إِنَّهُ سَيِّدُ كِنْدَةَ وَلَا يُقَالُ لِمَلِكٍ إِنَّهُ سَيِّدُ الْبَشَرِ، قِيلَ وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى اللَّهِ هَذَا الِاسْمُ.
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ فَإِنَّ السَّيِّدَ إِذَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ تَعَالَى فَهُوَ بِمَعْنَى الْمَالِكِ وَالْمَوْلَى وَالرَّبِّ لَا بِمَعْنَى الَّذِي يُطْلَقُ عَلَى الْمَخْلُوقِ ((وَرَدْ)) بِالْأَسَانِيدِ الْمَقْبُولَةِ وَدَوَّنَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْكُتُبِ الْمَنْقُولَةِ الْمَشْهُورَةِ ((مِنْ أَمْرِ)) أَيْ مِنْ أُمُورِ ((هَذَا الْبَابِ)) الَّذِي مَنَاطُهُ السَّمْعُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ فَكُلُّ ذَلِكَ ((حَقٌّ)) يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَالْإِيمَانُ بِهِ لِأَنَّهُ صَحَّتْ بِهِ النُّقُولُ وَلَمْ تَرُدَّهُ الْعُقُولُ وَإِنْ عَجَزَتِ الْعُقُولُ عَنْ إِدْرَاكِهِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَأْتِي بِمُحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالَاتِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بَيِّنٌ لَا يَخْفَى عَلَى ذِي تَبَصُّرٍ ((لَا يُرَدْ)) مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لِثُبُوتِهِ عَنِ الْمَعْصُومِ وَصِحَّتِهِ عَنْ رَسُولِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ، فَمَنْ تَصَدَّى لِرَدِّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَقَدْ أَخْطَأَ الصَّوَابَ وَضَلَّ وَخَابَ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالِارْتِيَابِ، فَإِنَّ الرُّسُلَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ وَسَائِطَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ فِي تَعْرِيفِهِمْ مَا يَنْفَعُهُمْ وَمَا يَضُرُّهُمْ وَتَكْمِيلِ مَا يُصْلِحُهُمْ فِي مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ وَبُعِثُوا جَمِيعًا بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ وَتَعْرِيفِ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَيْهِ وَبَيَانِ حَالِهِمْ بَعْدَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ.
فَالْأَصْلُ الْأَوَّلُ: إِثْبَاتُ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ وَذِكْرُ أَيَّامِ اللَّهِ فِي أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَهِيَ الْقَصَصُ الَّتِي قَصَّهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ وَالْأَمْثَالُ الَّتِي ضَرَبَهَا لَهُمْ.
وَالْأَصْلُ الثَّانِي: يَتَضَمَّنُ تَفْصِيلَ الشَّرَائِعِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِبَاحَةِ وَبَيَانَ مَا يُحِبُّهُ وَيَكْرَهُهُ.
وَالْأَصْلُ الثَّالِثُ: يَتَضَمَّنُ الْإِيمَانَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي قَاعِدَةٍ لَهُ فِي وُجُوبِ الِاعْتِصَامِ بِالرِّسَالَةِ: عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ الثَّلَاثَةِ مَدَارُ الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ وَالسَّعَادَةِ وَالْفَلَاحِ مَوْقُوفَةٌ عَلَيْهَا وَلَا سَبِيلَ إِلَى مَعْرِفَتِهَا إِلَّا مِنْ جِهَةِ الرُّسُلِ فَإِنَّ الْعَقْلَ لَا يَهْتَدِي إِلَى تَفَاصِيلِهَا وَمَعْرِفَةِ حَقَائِقِهَا وَإِنْ كَانَ قَدْ يُدْرِكُ وَجْهَ الضَّرُورَةِ إِلَيْهَا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ كَالْمَرِيضِ الَّذِي يُدْرِكُ وَجْهَ الْحَاجَةِ إِلَى الطِّبِّ وَمَنْ يُدَاوِيهِ وَلَا يَهْتَدِي إِلَى تَفَاصِيلِ الْمَرَضِ وَتَنْزِيلِ الدَّوَاءِ عَلَيْهِ، وَحَاجَةُ الْعَبْدِ إِلَى الرِّسَالَةِ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ حَاجَةِ الْمَرِيضِ إِلَى الطَّبِيبِ فَإِنَّ آخِرَ مَا يُعَذَّبُ
стр. 516
بِعَدَمِ الطَّبِيبِ مَوْتُ الْأَبْدَانِ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُلْ لِلْعَبْدِ نُورُ الرِّسَالَةِ وَحَيَاتُهَا مَاتَ قَلْبُهُ مَوْتًا لَا تُرْجَى الْحَيَاةُ مَعَهُ أَبَدًا وَشَقِيَ شَقَاوَةً لَا سَعَادَةَ مَعَهَا أَبَدًا، فَلَا فَلَاحَ إِلَّا بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ ﷺ .
وَمِنْ جُمْلَةِ مَا وَرَدَ عَنْ سَيِّدِ الْخَلْقِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَأَنَّهُ حَقٌّ لَا يُرَدُّ أَشْرَاطُ السَّاعَةِ وَعَلَامَاتُهَا وَلِهَذَا قَالَ.
[فَصْلٌ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَعَلَامَاتِهَا الدَّالَّةِ عَلَى اقْتِرَابِهَا وَمَجِيئِهَا]
[الأدلة على أشراط الساعة]
((فَصْلٌ))
فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَعَلَامَاتِهَا الدَّالَّةِ عَلَى اقْتِرَابِهَا وَمَجِيئِهَا
قَالَ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] وَقَالَ: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أَيْ أَمَارَاتُهَا وَعَلَامَاتُهَا وَاحِدُهَا شَرَطٌ، قَالَ الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧] وَقَالَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الزخرف: ٦٦] وَالْآيَاتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فَلَا تَكَادُ تُحْصَى.
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُوصَفُ بِالِاقْتِرَابِ مَا قَدْ مَضَى قَبْلَ وُقُوعِهِ أَلْفٌ وَمِائَةٌ وَنَيِّفٌ وَسَبْعُونَ عَامًا؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَجَلَ إِذَا مَضَى أَكْثَرُهُ وَبَقِيَ أَقَلُّهُ حَسُنَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ اقْتَرَبَ الْأَجَلُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّ أَجَلَ الدُّنْيَا قَدْ مَضَى أَكْثَرُهُ وَبَقِيَ أَقَلُّهُ، وَلِقُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ عِنْدَهُ تَعَالَى جَعَلَهَا كَغَدٍ الَّذِي بَعْدَ يَوْمِكَ فَقَالَ: ﴿وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا - وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: ٦ - ٧] .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا (( «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» )) وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى فَأَفْضَلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ قَالَ «رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ بِإِصْبَعَيْهِ هَكَذَا بِالْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الْإِبْهَامَ: " بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ» ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا " «إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِيمَنْ مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ» - وَفِي لَفْظٍ - «إِنَّمَا بَقَاؤُكُمْ فِيمَا سَلَفَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ» ".
وَلَمَّا كَانَ أَمْرُ السَّاعَةِ شَدِيدًا وَهَوْلُهَا مَزِيدًا وَأَمْرُهَا بَعِيدًا كَانَ الِاهْتِمَامُ
стр. 517
بِشَأْنِهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا وَلِهَذَا أَكْثَرَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ بَيَانِ أَشْرَاطِهَا وَأَمَارَاتِهَا وَأَخْبَرَ عَمَّا بَيْنَ يَدَيْهَا مِنَ الْفِتَنِ الْبَعِيدَةِ وَالْقَرِيبَةِ وَنَبَّهَ أُمَّتَهُ وَحَذَّرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا لِتِلْكَ الْعَقَبَةِ الشَّدِيدَةِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ وَقْتَ مَجِيءِ السَّاعَةِ مِمَّا انْفَرَدَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وَإِنَّمَا أَخْفَاهُ تَعَالَى ; لِأَنَّهُ أَصْلَحُ لِلْعِبَادِ لِئَلَّا يَتَبَاطَئُوا عَنِ التَّأَهُّبِ وَالِاسْتِعْدَادِ كَمَا أَنَّ إِخْفَاءَ وَقْتِ الْمَوْتِ أَصْلَحُ لَهُمْ وَأَنْفَعُ وَقَدِ انْتَدَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَعْيِينِ قُرْبِهَا وَزَمَنِ كَوْنِهَا وَمَجِيئِهَا وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثَ غَيْرِ صَحِيحَةٍ وَمَا صَحَّ مِنْهَا فَدَلَالَتُهَا غَيْرُ صَرِيحَةٍ.
وَذَكَرَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ ذَلِكَ فِي جُزْءٍ لَهُ سَمَّاهُ الْكَشْفَ وَذَكَرَ هُوَ تَقْرِيبًا أَنَّهَا تَقُومُ عَلَى رَأْسِ الْخَمْسِمِائَةِ بَعْدَ الْأَلْفِ أَوْ أَزْيَدَ.
قَالَ الشَّيْخُ الْعَلَّامَةُ مَرْعِيٌّ فِي (بَهْجَةِ النَّاظِرِينَ) : وَهَذَا أَيْضًا مَرْدُودٌ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ ظَنٌّ وَحُسْبَانٌ لَا يَقُومُ عَلَيْهِ بُرْهَانٌ.
[أشراط الساعة ثلاثة أقسام الأول ما قد مضى وانقضى]
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ أَشْرَاطَ السَّاعَةِ وَأَمَارَاتِهَا تَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ ظَهَرَ وَانْقَضَى وَهِيَ الْأَمَارَاتُ الْبَعِيدَةُ، وَقِسْمٌ ظَهَرَ وَلَمْ يَنْقَضِ بَلْ لَا يَزَالُ فِي زِيَادَةٍ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الْغَايَةَ ظَهَرَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ وَهِيَ الْأَمَارَاتُ الْقَرِيبَةُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي تَعْقُبُهَا السَّاعَةُ وَأَنَّهَا تَتَابَعُ كَنِظَامِ خَرَزَاتٍ انْقَطَعَ سِلْكُهَا.
(فَالْأُولَى) أَعْنِي الَّتِي ظَهَرَتْ وَمَضَتْ وَانْقَضَتْ (مِنْهَا) : بَعْثَةُ النَّبِيِّ ﷺ وَمَوْتُهُ وَفَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
(وَمِنْهَا) : قَتْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، قَالَ حُذَيْفَةُ: أَوَّلُ الْفِتَنِ قَتْلُ عُثْمَانَ.
(وَمِنْهَا) : وَقْعَةُ الْجَمَلِ.
(وَمِنْهَا) : وَقْعَةُ صِفِّينَ، فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ» ".
(وَمِنْهَا) : وَاقِعَةُ النَّهْرَوَانِ، فَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِخْنَفُ بْنُ سَلِيمٍ قَالَ «أَتَيْنَا أَبَا أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيَّ ﵁ فَقُلْتُ: يَا أَبَا أَيُّوبَ قَاتَلْتَ الْمُشْرِكِينَ بِسَيْفِكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ جِئْتَ تُقَاتِلُ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنَا بِقِتَالِ ثَلَاثَةٍ: النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَالْمَارِقِينَ، فَقَدْ قَاتَلْتُ النَّاكِثِينَ وَالْقَاسِطِينَ وَأَنَا مُقَاتِلٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ الْمَارِقِينَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: «عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُقَاتِلَ مَعَ عَلِيٍّ النَّاكِثِينَ فَقَدْ قَاتَلْنَاهُمْ» - يَعْنِي فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ ﵄ نَكَثَا بَيْعَةَ عَلِيٍّ ﵁ -
стр. 518
وَعَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ مَعَهُ الْقَاسِطِينَ - يَعْنِي الظَّالِمِينَ وَأَرَادَ بِهِمْ أَصْحَابَ مُعَاوِيَةَ لِأَنَّهُمْ ظَلَمُوا عَلِيًّا وَنَازَعُوهُ أَمْرًا هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ عِنْدَ كُلِّ مُنْصِفٍ، وَالْقَاسِطُونَ هُمُ الْعَادِلُونَ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ - وَعَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ نُقَاتِلَ مَعَهُ الْمَارِقِينَ - وَأَرَادَ بِهِمُ الْخَوَارِجَ فَإِنَّهُمْ مَرَقُوا مِنَ الدِّينِ.
وَفِي الْخَوَارِجِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جِدًّا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا.
(وَمِنْهَا) : نُزُولُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَخَاتِمَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ سِبْطِ رَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سَيِّدِنَا الْإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَخِي الْحُسَيْنِ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ " «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» " الْحَدِيثَ. شَهِدَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّهُمْ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ .
(وَمِنْهَا) : مُلْكُ بَنِي أُمَيَّةَ وَمَا جَرَى عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ فِي أَيَّامِهِمْ مِنَ الْأَذِيَّةِ كَقَتْلِ الْحُسَيْنِ بَعْدَ مَا سُمَّ الْحَسَنُ، وَوَاقِعَةِ الْحَرَّةِ وَمَا جَرَى فِيهَا مِنَ الْمِحَنِ وَقَتْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَرَمْيِ الْكَعْبَةِ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَمَا جَرَى فِي ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْسُنُ وَلَا يَلِيقُ.
(وَمِنْهَا) : مُلْكُ بَنِي الْعَبَّاسِ وَمَا جَرَى فِي أَيَّامِهِمْ مِنَ الْمِحَنِ وَالْبَأْسِ.
(وَمِنْهَا) : نَارُ الْحِجَازِ الَّتِي أَضَاءَتْ مِنْهَا أَعْنَاقُ الْإِبِلِ بِبُصْرَى.
(وَمِنْهَا) : ظُهُورُ الرَّفْضِ وَاسْتِبْدَادُ الرَّافِضَةِ بِالْمُلْكِ وَإِظْهَارُ الطَّعْنِ وَاللَّعْنِ عَلَى السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَالطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يُسَمَّوْنَ الرَّافِضَةَ يَرْفُضُونَ الْإِسْلَامَ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّهُمْ مُشْرِكُونَ» ". وَلَفْظُ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْهُ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ عَلِيٌّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ " «سَيَكُونُ مِنْ أُمَّتِي قَوْمٌ يَنْتَحِلُونَ حُبَّ أَهْلِ الْبَيْتِ لَهُمْ نَبَزٌ يُسَمَّوْنَ الرَّافِضَةَ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّهُمْ مُشْرِكُونَ» ".
(وَمِنْهَا) : خُرُوجُ كَذَّابِينَ دَجَّالِينَ كُلٌّ مِنْهُمْ يَدَّعِي أَنَّهُ نَبِيٌّ.
(وَمِنْهَا) : زَوَالُ مُلْكِ الْعَرَبِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَمِنْهَا) : كَثْرَةُ الْمَالِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا.
(وَمِنْهَا) : كَثْرَةُ الزَّلَازِلِ وَالْمَسْخُ وَالْقَذْفُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ مِنْ أَمَارَاتِ السَّاعَةِ فَظَهَرَ وَمَضَى وَانْقَضَى.
стр. 519
[القسم الثاني الْأَمَارَاتُ الْمُتَوَسِّطَةُ وَهِيَ الَّتِي ظَهَرَتْ وَلَمْ تَنْقَضِ بَلْ تَزَّايَدُ وَتَكْثُرُ]
(الثَّانِيَةُ)
الْأَمَارَاتُ الْمُتَوَسِّطَةُ وَهِيَ الَّتِي ظَهَرَتْ وَلَمْ تَنْقَضِ بَلْ تَزَّايَدُ وَتَكْثُرُ وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
(مِنْهَا) : قَوْلُهُ ﷺ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعٍ» " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالضِّيَاءُ الْمَقْدِسِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁. وَاللُّكَعُ الْعَبْدُ وَالْأَحْمَقُ وَاللَّئِيمُ. وَالْمَعْنَى: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ اللِّئَامُ وَالْحَمْقَى وَنَحْوُهُمْ رُؤَسَاءَ النَّاسِ.
(وَمِنَ الْأَمَارَاتِ) : قَوْلُهُ ﷺ " «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ» " رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ.
وَقَوْلُهُ ﷺ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ» " رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسٍ ﵁. وَقَوْلُهُ ﷺ : " «يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِبَادٌ جُهَّالٌ وَقُرَّاءٌ فَسَقَةٌ - وَفِي لَفْظٍ - فُسَّاقٌ» " رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَنَسٍ.
(وَمِنْهَا) : أَنْ يُرَى الْهِلَالُ سَاعَةَ يَطْلُعُ فَيُقَالُ لِلَيْلَتَيْنِ لِانْتِفَاخِهِ وَكِبَرِهِ، رَوَى مَعْنَاهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِي لَفْظٍ " «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ انْتِفَاخُ الْأَهِلَّةِ» " بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ عِظَمُهَا وَرُوِيَ بِالْجِيمِ.
(وَمِنْهَا) : اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ طُرُقًا. (وَمِنْهَا) مَا أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «مِنَ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ خَصْلَةً: إِذَا رَأَيْتُمُ النَّاسَ أَمَاتُوا الصَّلَاةَ وَأَضَاعُوا الْأَمَانَةَ وَأَكَلُوا الرِّبَا وَاسْتَحَلُّوا الْكَذِبَ وَاسْتَخَفُّوا بِالدِّمَاءِ وَاسْتَعْلَوُا الْبِنَاءَ وَبَاعُوا الدِّينَ بِالدُّنْيَا وَتَقَطَّعَتِ الْأَرْحَامُ وَيَكُونُ الْحِلْمُ ضَعْفًا وَالْكَذِبُ صِدْقًا وَالْحَرِيرُ لِبَاسًا وَظَهَرَ الْجَوْرُ وَكَثُرَ الطَّلَاقُ وَمَوْتُ الْفَجْأَةِ وَائْتُمِنَ الْخَائِنُ وَخُوِّنَ الْأَمِينُ وَصُدِّقَ الْكَذَّابُ وَكُذِّبَ الصَّادِقُ وَكَثُرَ الْقَذْفُ وَكَانَ الْمَطَرُ قَيْظًا وَالْوَلَدُ غَيْظًا وَفَاضَ اللِّئَامُ فَيْضًا وَغَاضَ الْكِرَامُ غَيْضًا وَكَانَ الْأُمَرَاءُ وَالْوُزَرَاءُ وَالْأُمَنَاءُ خَوَنَةً وَالْعُرَفَاءُ ظَلَمَةً وَالْقُرَّاءُ فَسَقَةً، إِذَا لَبِسُوا مُسُوكَ الضَّأْنِ قُلُوبُهُمْ أَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ وَأَمَرُّ مِنَ الصَّبْرِ يُغَشِّيهِمُ اللَّهُ فِتْنَةً يَتَهَاوَكُونَ فِيهَا تَهَاوُكَ الْيَهُودِ وَالظَّلَمَةِ وَتَظْهَرُ الصَّفْرَاءُ وَتُطْلَبُ الْبَيْضَاءُ - يَعْنِي الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ - وَتَكْثُرُ الْخُطَبَاءُ وَيَقِلُّ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَحُلِّيَتِ الْمَصَاحِفُ وَصُوِّرَتِ الْمَسَاجِدُ وَطُوِّلَتِ الْمَنَابِرُ وَخَرِبَتِ
стр. 520
الْقُلُوبُ وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ وَعُطِّلَتِ الْحُدُودُ وَوَلَدَتِ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا وَتَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ صَارُوا مُلُوكًا وَشَارَكَتِ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا فِي التِّجَارَةِ وَتَشَبَّهَ الرِّجَالُ بِالنِّسَاءِ وَالنِّسَاءُ بِالرِّجَالِ وَحُلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ وَشَهِدَ الْمَرْءُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَشْهَدَ وَسُلِّمَ لِلْمَعْرِفَةِ وَتُفُقِّهَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَطُلِبَتِ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ وَاتُّخِذَ الْمَغْنَمُ دُوَلًا - وَهُوَ بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ: مَا يُتَدَاوَلُ مِنَ الْمَالِ، وَمَعْنَاهُ إِذَا اخْتَصَّ الْأَغْنِيَاءُ وَأَرْبَابُ الْمَنَاصِبِ بِأَمْوَالِ الْفَيْءِ وَمَنَعُوهَا مُسْتَحِقِّيهَا كَمَا فِي النِّهَايَةِ - وَالْأَمَانَةُ مَغْنَمًا وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ وَعَقَّ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَجَفَا أُمَّهُ وَبَرَّ صَدِيقَهُ وَأَطَاعَ امْرَأَتَهُ وَعَلَتْ أَصْوَاتُ الْفَسَقَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَاتُّخِذَتِ الْقِيَانُ وَالْمَعَازِفُ وَشُرِبَتِ الْخُمُورُ فِي الطُّرُقِ وَاتُّخِذَ الظُّلْمُ فَخْرًا وَبِيعَ الْحُكْمُ وَكَثُرَتِ الشُّرَطُ وَاتُّخِذَ الْقُرْآنُ مَزَامِيرَ وَجُلُودُ السِّبَاعِ صِفَافًا - أَيْ بِأَنْ تُجْعَلَ عَلَى السُّرُوجِ كَمَا يَفْعَلُهُ أُمَرَاءُ زَمَانِنَا - وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَوَّلَهَا، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَخَسْفًا وَمَسْخًا وَقَذْفًا وَآيَاتٍ» ".
(وَمِنْهَا) : مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ مَوْقُوفًا وَالْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ وَابْنِ عَسَاكِرَ مَرْفُوعًا " «إِذَا ظَهَرَ الْقَوْلُ وَخُزِنَ الْعَمَلُ وَائْتَلَفَتِ الْأَلْسُنُ وَاخْتَلَفَتِ الْقُلُوبُ وَقَطَّعَ كُلُّ ذِي رَحِمٍ رَحِمَهُ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ» ".
(وَمِنْهَا) : مَا أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَالْحَاكِمُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا " «إِذَا كَانَتِ الْفَاحِشَةُ فِي كِبَارِكُمْ وَالْمُلْكُ فِي صِغَارِكُمْ وَالْعِلْمُ فِي رِذَالِكُمْ وَالْمُدَاهَنَةُ فِي خِيَارِكُمْ» " يَعْنِي فَتَقْرُبُ إِقَامَةُ السَّاعَةِ. وَأَخْبَارٌ مِنْ هَذِهِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ذَكَرْتُ مِنْهَا طَرَفًا صَالِحًا فِي كِتَابِي الْبُحُورِ الزَّاخِرَةِ فِي عُلُومِ الْآخِرَةِ.
(مِنْهَا) : مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَا يُحَدِّثُكُمْ بِهِ أَحَدٌ غَيْرِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ وَيَكْثُرَ الزِّنَا وَيَكْثُرَ شُرْبُ الْخَمْرِ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ وَيَكْثُرَ النِّسَاءُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ» ".
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «بَيْنَمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ قَالَ مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحَدِّثُ. وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ
стр. 521
سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ لَمْ يَسْمَعْ حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ: قَالَ أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ هَا أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ " فَإِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ " قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ " إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ» " وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[القسم الثالث الْعَلَامَاتُ الْعِظَامُ وَالْأَشْرَاطُ الْجِسَامُ الَّتِي تَعْقُبُهَا السَّاعَةُ]
[العلامة الأولى ظهور المهدي]
[اسم المهدي وأشهر أوصافه]
(الْأَشْرَاطُ وَالْأَمَارَاتُ الثَّالِثَةُ)
الْعَلَامَاتُ الْعِظَامُ وَالْأَشْرَاطُ الْجِسَامُ الَّتِي تَعْقُبُهَا السَّاعَةُ وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ فِي النَّظْمِ وَالَّتِي تَكَلَّمَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْعِلْمِ وَإِلَيْهَا الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ:
((وَمَا أَتَى فِي النَّصِّ مِنْ أَشْرَاطْ ... فَكُلُّهُ حَقٌّ بِلَا شَطَاطْ))
((وَمَا)) أَيْ وَمَا وَرَدَ عَنْ سَيِّدِ الْخَلْقِ وَهُوَ حَقٌّ يَجِبُ اعْتِقَادُهُ وَلَا يَسُوغُ رَدُّهُ الَّذِي ((أَتَى)) أَيْ وَرَدَ وَجَاءَ ((فِي النَّصِّ)) الْقُرْآنِيِّ أَوِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ ((مِنْ أَشْرَاطْ)) السَّاعَةِ بِأَقْسَامِهَا الثَّلَاثَةِ مِمَّا ذَكَرْنَا وَمِمَّا لَمْ نَذْكُرْ وَالْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَسُمِّيَتِ السَّاعَةَ لِقُرْبِهَا، أَوْ لِأَنَّهَا تَأْتِي بَغْتَةً (أَوْ) فِي سَاعَةٍ، أَوْ لِأَنَّ بَعْثَ الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ يَكُونُ فِي أَسْرَعِ مِنَ اللَّمْحَةِ، أَوْ لِأَنَّ فَصْلَ الْقَضَاءِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي قَدْرِ سَاعَةٍ.
وَيُرْوَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُحَاسَبَةِ الْخَلْقِ فَقَالَ: كَمَا يَرْزُقُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ كَذَلِكَ يُحَاسِبُهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ.
وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْأَشْرَاطَ جَمْعُ شَرَطٍ وَأَنَّهَا أَمَارَاتُهَا وَعَلَامَاتُهَا ((فَكُلُّهُ)) أَيِ الَّذِي أَتَى فِي النَّصِّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَفِي نُسْخَةٍ كُلُّهَا أَيِ الْأَشْرَاطُ ((حَقٌّ)) وَاقِعٌ وَيَقِينٌ لَيْسَ لَهُ مُدَافِعٌ ((بِلَا شَطَاطْ)) كَسَحَابٍ وَكِتَابٍ أَيْ مِنْ غَيْرِ طُولٍ وَبُعْدٍ يُقَالُ رَجُلٌ شَاطٌّ بَيِّنُ الشَّطَاطِ وَالشَّطَاطَةِ وَالشِّطَاطِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْبَعِيدُ مَا بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَقُرِئَ (وَلَا تُشْطِطْ) وَلَا تُشَاطِطْ أَيْ لَا تَبْعُدْ عَنِ الْحَقِّ وَالْمَعْنَى أَنَّ الَّذِي جَاءَ فِي النَّصِّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ حَقٌّ كُلُّهُ لَا بُعْدَ فِيهِ وَلَا عَقْدَ يُنَافِيهِ. ثُمَّ أَخَذَ فِي تَعْدَادِ تِلْكَ الْأَشْرَاطِ فَقَالَ:
((مِنْهَا الْإِمَامُ الْخَاتَمُ الْفَصِيحْ ... مُحَمَّدُ الْمَهْدِيُّ وَالْمَسِيحْ))
" وَمِنْهَا ": أَيْ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الَّتِي وَرَدَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ وَتَوَاتَرَتْ فِي مَضْمُونِهَا الْآثَارُ أَيْ مِنَ الْعَلَامَاتِ الْعُظْمَى وَهِيَ أَوَّلُهَا أَنْ يَظْهَرَ ((الْإِمَامُ)) الْمُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ((الْخَاتَمُ)) لِلْأَئِمَّةِ فَلَا إِمَامَ بَعْدَهُ كَمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى
стр. 522
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْخَاتَمُ لِلنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ فَلَا نَبِيَّ وَلَا رَسُولَ بَعْدَهُ.
((الْفَصِيحْ)) اللِّسَانِ لِأَنَّهُ مِنْ صَمِيمِ الْعَرَبِ أَهْلِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ، وَالْفَصَاحَةُ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ خُلُوصُ الْكَلَامِ مِنْ ضَعْفِ التَّأْلِيفِ وَتَنَافُرِ الْكَلِمَاتِ وَالتَّعْقِيدِ مَعَ فَصَاحَةِ مُفْرَدَاتِهِ، وَالْفَصَاحَةُ فِي الْمُفْرَدِ خُلُوصُهُ عَنْ تَنَافُرِ الْحُرُوفِ وَالْغَرَابَةِ وَمُخَالَفَةِ الْقِيَاسِ، وَالْفَصَاحَةُ فِي الْمُتَكَلِّمِ مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ مَعَهَا عَلَى التَّعْبِيرِ الْمَقْصُودِ بِلَفْظٍ فَصِيحٍ، وَالْبَلَاغَةُ فِي الْكَلَامِ مُطَابَقَتُهُ لِمُقْتَضَى الْحَالِ مَعَ فَصَاحَتِهِ، وَفِي الْمُتَكَلِّمِ مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى تَأْلِيفِ كَلَامٍ بَلِيغٍ.
وَقَوْلُهُ: ((مُحَمَّدُ الْمَهْدِيُّ)) هَذَا اسْمُهُ وَأَشْهَرُ أَوْصَافِهِ فَأَمَّا اسْمُهُ فَمُحَمَّدٌ جَاءَ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ وَفِي بَعْضِهَا أَنَّ اسْمَهُ أَحْمَدُ وَاسْمَ أَبِيهِ عَبْدُ اللَّهِ فَقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ " «يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي» " رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ " «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يَلِيَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمُ أَبِي يَمْلَؤُهَا قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا» ".
وَرَوَى نَحْوَهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا " «لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا» " أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُ: «حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي» . وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ.
وَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْضًا ﵁ رَفَعَهُ: «اسْمُ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدٌ» . وَفِي مَرْفُوعِ حُذَيْفَةَ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَيُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. وَمِنْ أَسْمَائِهِ أَيْضًا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
وَأَمَّا زَعْمُ الشِّيعَةِ أَنَّ اسْمَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ فَهَذَيَانٌ فَإِنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ هَذَا قَدْ مَاتَ وَأَخَذَ عَمُّهُ جَعْفَرٌ مِيرَاثَ أَبِيهِ الْحَسَنِ. قُلْتُ: هُوَ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيِّ بْنِ عَلِيٍّ الْهَادِي بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوَادِ بْنِ عَلِيِّ الرِّضَا بْنِ مُوسَى الْكَاظِمِ بْنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ
стр. 523
بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ بْنِ زَيْنِ الْعَابِدِينَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَسْكَرِيُّ هَذَا ثَانِيَ عَشَرَ الْأَئِمَّةِ الِاثْنَى عَشَرَ عَلَى اعْتِقَادِ الْإِمَامِيَّةِ وَيُعْرَفُ بِالْحُجَّةِ وَهُوَ الَّذِي تَزْعُمُ الشِّيعَةُ أَنَّهُ الْمُنْتَظَرُ وَالْقَائِمُ وَالْمَهْدِيُّ وَهُوَ صَاحِبُ السِّرْدَابِ عِنْدَهُمْ، وَأَقَاوِيلُهُمْ فِيهِ كَثِيرَةٌ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ ظُهُورَهُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنَ السِّرْدَابِ بِسُرَّ مَنْ رَأَى كَانَتْ وِلَادَتُهُ فِي مُنْتَصَفِ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَالشِّيعَةُ تَزْعُمُ أَنَّهُ دَخَلَ السِّرْدَابَ فِي دَارِ أَبِيهِ وَأُمُّهُ تَنْظُرُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَعُدْ يَخْرُجُ إِلَيْهَا وَذَلِكَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ سِنِينَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ ضَرْبٌ مِنَ الْجُنُونِ وَالْهَذَيَانِ، وَأَمَّا ذَاكَ فَقَدْ مَاتَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى آبَائِهِ.
وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ وَوَصْفُهُ بِالْمَهْدِيِّ فَقَدْ ثَبَتَ لَهُ هَذِهِ الصِّفَةُ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ، وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ الْمَهْدِيَّ لِأَنَّهُ يُهْدَى إِلَى أَمْرٍ خَفِيٍّ وَيَسْتَخْرِجُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ أَرْضٍ يُقَالُ لَهَا أَنْطَاكِيَّةُ. أَخْرَجَهُ نُعَيْمٌ فِي كِتَابِ الْفِتَنِ. وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَ مَهْدِيًّا لِأَنَّهُ يُهْدَى إِلَى أَسْفَارِ التَّوْرَاةِ فَيَسْتَخْرِجُهَا مِنْ جِبَالِ الشَّامِ يَدْعُو إِلَيْهَا الْيَهُودَ فَيُسْلِمُ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ.
وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ قَالَ إِنَّمَا سُمِّيَ الْمَهْدِيَّ لِأَنَّهُ يُهْدَى إِلَى جَبَلِ الشَّامِ يَسْتَخْرِجُ مِنْهَا أَسْفَارَ التَّوْرَاةِ يُحَاجُّ بِهَا الْيَهُودَ فَيُسْلِمُ عَلَى يَدِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ.
وَأَمَّا لَقَبُهُ فَالْجَابِرُ لِأَنَّهُ يَجْبُرُ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلِأَنَّهُ يَجْبُرُ أَيْ يَقْهَرُ الْجَبَّارِينَ وَالظَّالِمِينَ وَيَقْصِمُهُمْ. وَأَمَّا كُنْيَتُهُ فَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ. وَأَمَّا نَسَبُهُ فَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
ثُمَّ إِنَّ الرِّوَايَاتِ الْكَثِيرَةَ وَالْأَخْبَارَ الْغَزِيرَةَ نَاطِقَةٌ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ الْبَتُولِ ابْنَةِ النَّبِيِّ الرَّسُولِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهَا وَعَنْ أَوْلَادِهَا الطَّاهِرِينَ، وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِهِ الْقَوْلِ الْمُخْتَصَرِ وَأَمَّا مَا رُوِيَ " «إِنَّ الْمَهْدِيَّ مِنْ وَلَدِ آلِ عَبَّاسٍ عَمِّي» " فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ. قَالَ وَلَا يُنَافِيهِ خَبَرُ الرَّافِعِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا " «أَلَا أُبَشِّرُكَ يَا عَمِّ إِنَّ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ الْأَصْفِيَاءَ
стр. 524
وَمِنْ عِتْرَتِكَ الْخُلَفَاءَ وَمِنْكَ الْمَهْدِيَّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِهِ يَنْشُرُ اللَّهُ الْهُدَى وَيُطْفِئُ نِيرَانَ الضَّلَالَةِ. إِنَّ اللَّهَ فَتَحَ بِنَا هَذَا الْأَمْرَ وَبِذُرِّيَّتِكَ يَخْتِمُ» . وَخَبَرُ هَيْثَمِ بْنِ كُلَيْبٍ وَابْنِ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ " «اللَّهُمَّ انْصُرِ الْعَبَّاسَ وَوَلَدَ الْعَبَّاسِ ثَلَاثًا. يَا عَمِّ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ مِنْ وَلَدِكَ مُوَفَّقًا رَاضِيًا» ". وَخَبَرُ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ " «أَلَا أُبَشِّرُكَ يَا أَبَا الْفَضْلِ إِنَّ اللَّهَ افْتَتَحَ بِي هَذَا الْأَمْرَ وَبِذُرِّيَّتِكَ يُخْتَمُ» ".
وَخَبَرُ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لَنْ تَزَالَ الْخِلَافَةُ فِي وَلَدِ عَمِّي وَصِنْوِ أَبِي حَتَّى يُسَلِّمُوهَا إِلَى الدَّجَّالِ» ". وَخَبَرُ الْخَطِيبِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ الْفَضْلِ ﵃ " «يَا عَبَّاسُ أَنْتَ عَمِّي وَصِنْوُ أَبِي وَخَيْرُ مَنْ أُخَلِّفُ بَعْدِي مِنْ أَهْلِي إِذَا كَانَتْ خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ وَمِائَةٌ فَهِيَ لَكَ وَلِوَلَدِكَ مِنْهُمُ السَّفَّاحُ وَمِنْهُمُ الْمَنْصُورُ وَمِنْهُمُ الْمَهْدِيُّ» ".
وَخَبَرُ الطَّيِّبِ وَابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِلْعَبَّاسِ " «يَا عَمِّ أَلَا أُخْبِرُكَ أَنَّ اللَّهَ افْتَتَحَ هَذَا الْأَمْرَ بِي وَخَتَمَهُ بِوَلَدِكَ» " فَهَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا لَا تُنَافِي أَنَّ الْمَهْدِيَّ مِنْ ذُرِّيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ ; لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا أَنَّ الْمَهْدِيَّ مِنْ وَلَدِهَا أَكْثَرُ وَأَصَحُّ، بَلْ قَالَ بَعْضُ حُفَّاظِ الْأُمَّةِ وَأَعْيَانُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ كَوْنَ الْمَهْدِيَّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ﷺ مِمَّا تَوَاتَرَ عَنْهُ ذَلِكَ فَلَا يَسُوغُ الْعُدُولُ وَلَا الِالْتِفَاتُ إِلَى غَيْرِهِ.
وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ﷺ وَلِلْعَبَّاسِ فِيهِ وِلَادَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِي أُمَّهَاتِهِ عَبَّاسِيَّةٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْحَسَنِ فِي الْمَهْدِيِّ الْوِلَادَةَ الْعُظْمَى ; لِأَنَّ أَحَادِيثَ كَوْنِهِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَكْثَرُ وَلِلْحُسَيْنِ فِيهِ وِلَادَةٌ أَيْضًا وَلِلْعَبَّاسِ فِيهِ وِلَادَةٌ أَيْضًا وَلَا مَانِعَ مِنَ اجْتِمَاعِ وِلَادَاتٍ مُتَعَدِّدَاتٍ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[فوائد في شأن المهدي الأولى حليته وصفته]
(فَوَائِدُ)
(مِنْهَا) : فِي حِلْيَتِهِ وَصِفَتِهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الْمَهْدِيُّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ رَجُلٌ رَبْعَةٌ مُشْرَبٌ بِحُمْرَةٍ يُفَرِّجُ اللَّهُ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ كُلَّ كَرْبٍ وَيَصْرِفُ بِعَدْلِهِ كُلَّ جَوْرٍ.
وَعَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِيَ اللَّهُ
стр. 525
عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «الْمَهْدِيُّ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِي وَجْهُهُ كَالْكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ اللَّوْنُ لَوْنُ عَرَبِيٍّ وَالْجِسْمُ جِسْمُ إِسْرَائِيلِيٍّ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا يُرْضِي فِي خِلَافَتِهِ أَهْلَ الْأَرْضِ وَأَهْلَ السَّمَاءِ وَالطَّيْرَ فِي الْجَوِّ يَمْلِكُ عِشْرِينَ سَنَةً» " أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي مَنَاقِبِ الْمَهْدِيِّ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْمَهْدِيُّ مِنِّي أَجْلَى الْجَبْهَةِ أَقْنَى الْأَنْفِ يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ» ".
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ": «لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ فِي عِتْرَتِي رَجُلًا أَفْرَقُ الثَّنَايَا أَجْلَى الْجَبْهَةِ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَيَفِيضُ الْمَالُ فَيْضًا» ".
وَفِي مَرْفُوعِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ حِينَ ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ لَنَا بِهَذَا حَتَّى نَعْرِفَهُ؟ قَالَ " هُوَ رَجُلٌ مِنْ وَلَدِي كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطَوَانِيَّتَانِ فِي وَجْهِهِ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ فِي اللَّوْنِ فِي خَدِّهِ الْأَيْمَنِ خَالٌ أَسْوَدُ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً» " أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي سُنَنِهِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ مَرْفُوعًا " «الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِي ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، كَأَنَّ وَجْهَهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ فِي خَدِّهِ الْأَيْمَنِ خَالٌ أَسْوَدُ عَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطَوَانِيَّتَانِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَسْتَخْرِجُ الْكُنُوزَ وَيَفْتَحُ مَدَائِنَ التُّرْكِ» ".
وَفِي حَدِيثِ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: «نَظَرَ إِلَيَّ الْحَسَنُ وَقَالَ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُسْتَخْرَجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ يَخْرُجُ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنَ النَّاسِ وَإِمَاتَةِ الْحَقِّ وَإِظْهَارِ الْجَوْرِ يَفْرَحُ بِخُرُوجِهِ أَهْلُ السَّمَاءِ وَسُكَّانُهَا، وَهُوَ رَجُلٌ أَجْلَى الْجَبِينِ أَقْنَى الْأَنْفِ ضَخْمُ الْبَطْنِ أَزْيَلِ الْفَخِذَيْنِ بِفَخِذِهِ الْأَيْمَنِ شَامَةٌ أَفْلَجُ الثَّنَايَا يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا» .
وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ عَنْ صِفَةِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: هُوَ شَابٌّ مَرْبُوعٌ حَسَنُ الْوَجْهِ يَسِيلُ شَعْرُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ يَعْلُو نُورَ وَجْهِهِ سَوَادُ شَعْرِهِ وَلِحْيَتِهِ وَرَأْسِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ عَلِيٍّ ﵁ «أَنَّ الْمَهْدِيَّ كَثُّ اللِّحْيَةِ أَكْحَلُ
стр. 526
الْعَيْنَيْنِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا فِي وَجْهِهِ خَالٌ أَقْنَى أَجْلَى فِي كَتِفِهِ عَلَامَةُ النَّبِيِّ ﷺ » .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «الْمَهْدِيُّ أَزَجُّ أَبْلَجُ أَعْيَنُ يَجِيءُ مِنَ الْحِجَازِ حَتَّى يَسْتَوِيَ عَلَى مَسْجِدِ دِمَشْقَ» . أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي نُعَيْمٍ بِكَتِفِهِ الْيُمْنَى خَالٌ.
وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: «أَنَّهُ كَثُّ اللِّحْيَةِ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ بَرَّاقُ الثَّنَايَا فِي وَجْهِهِ خَالٌ وَفِي كَتِفِهِ عَلَامَةٌ» .
وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنِّي لَأَجِدُ الْمَهْدِيَّ مَكْتُوبًا فِي أَسْفَارِ الْأَنْبِيَاءِ مَا فِي حُكْمِهِ ظُلْمٌ وَلَا عَيْبٌ. أَخْرَجَهُ أَبُو عَمْرٍو الْمُقْرِي فِي سُنَنِهِ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ.
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: عَلَامَةُ الْمَهْدِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ شَدِيدًا عَلَى الْعُمَّالِ جَوَادًا بِالْمَالِ رَحِيمًا بِالْمَسَاكِينِ.
وَرَأَيْتُنِي قَدْ وَصَفْتُهُ فِي كِتَابِ الْبِحَارِ الزَّاخِرَةِ بِأَنَّهُ آدَمُ أَيْ أَسْمَرُ، ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ أَيْ خَفِيفُ اللَّحْمِ، مَمْشُوقٌ مُسْتَدِقٌّ، رَبْعَةٌ أَيْ لَا بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، أَجْلَى الْجَبْهَةِ أَيْ خَفِيفُ شَعْرِ النَّزْعَتَيْنِ عَنِ الصُّدْغَيْنِ وَهُوَ الَّذِي انْحَسَرَ الشَّعْرُ عَنْ جَبْهَتِهِ، أَقْنَى الْأَنْفِ أَيْ طَوِيلُهُ مَعَ دِقَّةِ أَرْنَبَتِهِ أَشَمُّ أَيْ رَفِيعُ الْعِرْنِينِ، أَزَجُّ أَيْ حَاجِبُهُ فِيهِ تَقْوِيسٌ مَعَ طُولٍ فِي طَرَفِهِ أَوِ امْتِدَادِهِ، أَبْلَجُ أَعْيَنُ أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ وَاسِعُ الْعَيْنِ - وَالْكَحَلُ بِفَتْحَتَيْنِ سَوَادٌ فِي أَجْفَانِ الْعَيْنِ خِلْقَةً مِنْ غَيْرِ اكْتِحَالٍ، بَرَّاقُ الثَّنَايَا أَيْ لِثَنَايَاهُ بَرِيقٌ وَلَمَعَانٌ، أَفْرَقُهَا أَيْ لَيْسَتْ مُتَلَاصِقَةً، أَزْيَلُ الْفَخِذَيْنِ أَيْ مُنْفَرِجُ الْفَخِذَيْنِ مُتَبَاعِدُهُمَا. وَفِي رِوَايَةٍ فِي لِسَانِهِ ثِقَلٌ وَإِذَا أَبْطَأَ عَلَيْهِ ضَرَبَ فَخِذَهُ الْأَيْسَرَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً - وَفِي رِوَايَةٍ: «مَا بَيْنَ ثَلَاثِينَ إِلَى أَرْبَعِينَ - خَاشِعٌ لِلَّهِ خُشُوعَ النَّسْرِ بِجَنَاحَيْهِ عَلَيْهِ عَبَاءَتَانِ قَطَوَانِيَّتَانِ» . قَالَ فِي النِّهَايَةِ هِيَ عَبَاءَةٌ بَيْضَاءُ قَصِيرَةُ الْخَمْلِ وَالنُّونُ زَائِدَةٌ.
[الثانية سيرة المهدي]
(الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ فِي سِيرَتِهِ)
قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: يَعْمَلُ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يُوقِظُ نَائِمًا، وَيُقَاتِلُ عَلَى السُّنَّةِ لَا يَتْرُكُ سُنَّةً إِلَّا أَقَامَهَا وَلَا بِدْعَةً إِلَّا رَفَعَهَا، يَقُومُ بِالدِّينِ آخِرَ الزَّمَانِ كَمَا قَامَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أَوَّلَهُ، يَمْلِكُ الدُّنْيَا كُلَّهَا كَمَا مَلَكَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ ﵉، يَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَرُدُّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ أُلْفَتَهُمْ وَنِعْمَتَهُمْ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَحْثُو الْمَالَ حَثْوًا وَلَا يَعُدُّهُ عَدًّا، يَقْسِمُ الْمَالَ صِحَاحًا بِالسَّوِيَّةِ، يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وَسَاكِنُ الْأَرْضِ وَالطَّيْرُ فِي الْجَوِّ
стр. 527
وَالْوَحْشُ فِي الْقَفْرِ وَالْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ، يَمْلَأُ قُلُوبَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ غِنًى حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا مَنْ لَهُ حَاجَةٌ فِي الْمَالِ؟ فَلَا يَأْتِيهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَيَقُولُ أَنَا فَيَقُولُ ائْتِ السَّادِنَ - أَيِ الْخَازِنَ - فَقُلْ لَهُ الْمَهْدِيُّ يَأْمُرُكَ أَنْ تُعْطِيَنِي مَالًا فَيَقُولُ لَهُ احْثُ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ فِي حِجْرِهِ وَأَبْرَزَهُ نَدِمَ فَيَقُولُ كُنْتُ أَجَشَعَ - أَيْ أَحْرَصَ - أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعَجَزَ عَنِّي مَا وَسِعَهُمْ؟ قَالَ فَيَرُدُّهُ فَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ إِنَّا لَا نَأْخُذُ شَيْئًا أَعْطَيْنَاهُ الْأُمَّةَ.
تَنْعَمُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ بَرُّهَا وَفَاجِرُهَا فِي زَمَانِهِ نِعْمَةً لَمْ يَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا قَطُّ وَتُرْسَلُ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا لَا تَدَّخِرُ شَيْئًا مِنْ قَطْرِهَا، وَتُؤْتِي الْأَرْضُ أُكُلَهَا لَا تَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا مِنْ بَذْرِهَا، تَجْرِي عَلَى يَدَيْهِ الْمَلَاحِمُ، يَسْتَخْرِجُ الْكُنُوزَ وَيَفْتَحُ الْمَدَائِنَ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ، يُؤْتَى إِلَيْهِ بِمُلُوكِ الْهِنْدِ مُغَلَّلِينَ وَتُجْعَلُ خَزَائِنُهُمْ لِبَيْتِ الْمَقْدِسِ حَلْيًا، يَأْوِي إِلَيْهِ النَّاسُ كَمَا يَأْوِي النَّحْلُ إِلَى يَعْسُوبِهِ حَتَّى يَكُونَ النَّاسُ عَلَى مِثْلِ أَمْرِهِمُ الْأَوَّلِ، يُمِدُّهُ اللَّهُ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَضْرِبُونَ وُجُوهَ مُخَالِفِيهِ وَأَدْبَارَهُمْ جِبْرِيلُ عَلَى مُقَدِّمَتِهِ وَمِيكَائِيلُ عَلَى سَاقَتِهِ، تَرْعَى الشَّاةُ وَالذِّئْبُ فِي زَمَانِهِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَتَلْعَبُ الصِّبْيَانُ بِالْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ لَا تَضُرُّهُمْ شَيْئًا، وَيَزْرَعُ الْإِنْسَانُ مُدًّا فَيُخْرِجُ لَهُ سَبْعَمِائَةِ مُدٍّ، وَيُرْفَعُ الرِّبَا وَالزِّنَا وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَتَطُولُ الْأَعْمَارُ وَتُؤَدَّى الْأَمَانَةُ وَتُهْلَكُ الْأَشْرَارُ وَلَا يَبْقَى مَنْ يُبْغِضُ آلَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
مَحْبُوبٌ - يَعْنِي الْمَهْدِيَّ - فِي الْخَلَائِقِ يُطْفِئُ اللَّهُ بِهِ الْفِتْنَةَ الْعَمْيَاءَ وَتَأْمَنُ الْأَرْضُ حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَحُجُّ فِي خَمْسِ نِسْوَةٍ مَا مَعَهُنَّ رَجُلٌ وَلَا يَخَفْنَ شَيْئًا إِلَّا اللَّهَ، مَكْتُوبٌ فِي شَعَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ مَا فِي حُكْمِهِ ظُلْمٌ وَلَا عَيْبٌ.
[الثالثة علامات ظهور المهدي]
(الثَّالِثَةُ فِي عَلَامَاتِ ظُهُورِهِ)
قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي كِتَابِهِ (فَوَائِدُ الْفِكَرِ فِي الْمَهْدِيِّ الْمُنْتَظَرِ) اعْلَمْ أَنَّ لِظُهُورِ الْمَهْدِيِّ عَلَامَاتٍ جَاءَتْ بِهَا الْآثَارُ وَدَلَّتْ عَلَيْهَا الْأَحَادِيثُ وَالْأَخْبَارُ، فَمِنْ عَلَامَاتِ ظُهُورِهِ عَلَى مَا وَرَدَ كُسُوفُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَنَجْمُ الذَّنَبِ وَالظُّلْمَةُ وَسَمَاعُ الصَّوْتِ بِرَمَضَانَ وَتَحَارُبُ الْقَبَائِلِ بِذِي الْقَعْدَةِ وَظُهُورُ الْخَسْفِ وَالْفِتَنِ، وَمَعَهُ قَمِيصُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَيْفُهُ، وَرَايَتُهُ مِنْ مُرُطٍ مُخَمَّلَةٍ مُعَلَّمَةٍ سَوْدَاءَ فِيهَا حَجَرٌ لَمْ تُنْشَرْ مُنْذُ
стр. 528
تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا تُنْشَرُ حَتَّى يَخْرُجَ الْمَهْدِيُّ مَكْتُوبٌ عَلَى رَأْسِهَا " الْبَيْعَةُ لِلَّهِ " كَذَا فِي الْإِشَاعَةِ لِلْعَلَّامَةِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ الْبَرْزَنْجِيِّ الْمَدَنِيِّ، «وَيَغْرِسُ قَضِيبًا يَابِسًا فِي أَرْضٍ يَابِسَةٍ فَيَخْضَرُّ وَيُورِقُ، وَيُطْلَبُ مِنْهُ آيَةٌ فَيُومِئُ إِلَى طَيْرٍ فِي الْهَوَاءِ بِيَدِهِ فَيَسْقُطُ عَلَى يَدِهِ وَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَطَعَ عَنْكُمُ الْجَبَّارِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَأَشْيَاعَهُمْ وَوَلَّاكُمْ خَيْرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَأَلْحِقُوهُ بِمَكَّةَ فَإِنَّهُ الْمَهْدِيُّ وَاسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا مِثْلَ الْأُسْطُوَانَاتِ مِنَ الذَّهَبِ وَيَخْرُجُ كَنْزُ الْكَعْبَةِ الْمَدْفُونُ فِيهَا فَيُقَسِّمُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَلِيٍّ ﵁.
وَيُسْتَخْرَجُ تَابُوتُ السَّكِينَةِ مِنْ غَارِ أَنْطَاكِيَّةَ أَوْ مِنْ بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ فَيَخْرُجُ حَتَّى يُحْمَلَ فَيُوضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِ يَهُودُ أَسْلَمُوا إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ، وَتَأْتِيهِ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ خُرَاسَانَ فَيُرْسِلُونَ إِلَيْهِ الْبَيْعَةَ، وَتَنْشَفُ الْفُرَاتُ فَتَحَسَّرُ عَلَى جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ.
وَذَكَرُوا أَنَّهُ يَنْكَسِفُ الْقَمَرُ أَوَّلَ مَرَّةٍ مِنْ رَمَضَانَ وَالشَّمْسُ لَيْلَةَ النِّصْفِ. وَنَظَرَ فِي هَذَا الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ بِأَنَّ الْعَادَةَ انْكِسَافُ الْقَمَرِ لَيَالِيَ الْأَبْدَارِ وَالشَّمْسِ أَيَّامَ الْأَسْرَارِ، وَلَكِنْ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ آيَةً لِظُهُورِهِ وَفِيهَا خَرْقٌ لِلْعَادَةِ.
وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْفِتَنِ قَالَ شَرِيكٌ بَلَغَنِي أَنَّ الْقَمَرَ قَبْلَ خُرُوجِهِ يَنْكَسِفُ مَرَّتَيْنِ بِرَمَضَانَ. وَذَكَرَ الْكِسَائِيُّ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ الْقَمَرَ يَنْكَسِفُ ثَلَاثَ لَيَالٍ مُتَوَالِيَاتٍ. وَرُوِيَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ يَطْلُعُ نَجْمٌ بِالْمَشْرِقِ وَلَهُ ذَنَبٌ يُضِيءُ كَمَا يُضِيءُ الْقَمَرُ يَنْعَطِفُ حَتَّى يَلْتَقِيَ طَرَفَاهُ أَوْ يَكَادُ. وَفِي الدَّيْلَمِيِّ مَرْفُوعًا تَكُونُ هَدَّةٌ فِي رَمَضَانَ تُوقِظُ النَّائِمَ وَتُفْزِعُ الْيَقْظَانَ. وَمِنْ وَجْهٍ آخَرَ يَكُونُ صَوْتٌ فِي رَمَضَانَ فِي نِصْفِ الشَّهْرِ يُصْعَقُ مِنْهُ سَبْعُونَ أَلْفًا وَيَعْمَى مِثْلُهَا وَيُخْرَسُ مِثْلُهَا وَيُصَمُّ مِثْلُهَا وَيَنْفُقُ مِنَ الْأَكَابِرِ مِثْلُهَا.
وَمِنْ عَلَامَاتِ الْمَهْدِيِّ أَيْضًا خَسْفُ قَرْيَةٍ بِبِلَادِ الشَّامِ يُقَالُ لَهَا حَرَسْتَا كَمَا فِي الْإِشَاعَةِ وَغَيْرِهَا.
[الرابعة بعض ما يسبق المهدي من الفتن]
(الرَّابِعَةُ)
(فِي الْإِشَارَةِ إِلَى بَعْضِ الْفِتَنِ الْوَاقِعَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ وَخُرُوجِ خَوَارِجَ قَبْلَ ذَلِكَ) .
(مِنْهَا) مَا ذَكَرَهُ فِي الْإِشَاعَةِ أَنَّهُ «يُحْسَرُ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ كَمَا
стр. 529
تَقَدَّمَ فَإِذَا سَمِعَ بِهِ النَّاسُ سَارُوا إِلَيْهِ وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ يَقْتَتِلُونَ عِنْدَهُ ثُمَّ لَا يَصْبِرُ إِلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ فَيَقُولُ كُلُّ وَاحِدٍ وَاللَّهِ لَئِنْ تَرَكْتُ النَّاسَ يَأْخُذُونَ مِنْهُ لَيُذْهَبَنَّ بِكُلِّهِ فَيَقْتَتِلُونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُقْتَلَ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَفِي رِوَايَةٍ فَيُقْتَلُ تِسْعَةُ أَعْشَارِهِمْ، وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ كُلِّ تِسْعَةٍ سَبْعَةٌ، فَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ لَعَلِّي أَنَا أَنْجُو.
وَقَدْ قَالَ ﷺ " مَنْ حَضَرَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا» ". وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَنْ حَضَرَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا» " وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِي وَلَا يَخْرُجُ الْمَهْدِيُّ حَتَّى يَخْرُجَ سِتُّونَ كَذَّابًا كُلُّهُمْ يَقُولُ أَنَا نَبِيٌّ» ".
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ " «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ وَتَمَامُ الْحَدِيثِ فِي مُسْلِمٍ " «وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ» " وَهُوَ الْقَتْلُ - الْحَدِيثَ. وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ إِلَّا أَنَّ قَوْلَهُ وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ فِي الْبُخَارِيِّ دُونَ مُسْلِمٍ.
وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ» " زَادَ فِي طَرِيقٍ أُخْرَى قَالَ جَابِرٌ فَاحْذَرُوهُمْ. وَقَالَ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ لَا يَظْهَرُ الْمَهْدِيُّ إِلَّا عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ مِنَ النَّاسِ وَزِلْزَالٍ وَفِتْنَةٍ وَبَلَاءٍ يُصِيبُ النَّاسَ وَالطَّاعُونِ قَبْلَ ذَلِكَ وَسَيْفٍ قَاطِعٍ بَيْنَ الْعَرَبِ وَاخْتِلَافٍ شَدِيدٍ فِي النَّاسِ وَتَشَتُّتٍ فِي دِينِهِمْ وَتَغَيُّرٍ فِي حَالِهِمْ حَتَّى يَتَمَنَّى الْمُتَمَنِّي الْمَوْتَ صَبَاحًا وَمَسَاءً مِنْ عَظِيمِ مَا يَرَى مِنْ كَلَبِ النَّاسِ وَأَكْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فَحِينَئِذٍ يَخْرُجُ فَيَا طُوبَى لِمَنْ أَدْرَكَهُ وَكَانَ مِنْ أَنْصَارِهِ وَالْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ خَالَفَهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّامِتِ قُلْتُ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ أَمَا مِنْ عَلَامَةٍ بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْأَمْرِ - يَعْنِي ظُهُورَ الْمَهْدِيِّ - قَالَ قَالَ: بَلَى، قُلْتُ وَمَا هِيَ قَالَ: هَلَاكُ بَنِي الْعَبَّاسِ وَخُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ وَالْخَسْفُ بِالْبَيْدَاءِ. قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَخَافُ أَنْ يَطُولَ هَذَا الْأَمْرُ، فَقَالَ إِنَّمَا هُوَ كَنِظَامٍ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا.
стр. 530
وَعَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: تَكُونُ فِي الشَّامِ رَجْفَةٌ يَهْلَكُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ يَجْعَلُهَا اللَّهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَعَذَابًا عَلَى الْمُنَافِقِينَ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَانْظُرُوا إِلَى أَصْحَابِ الْبَرَاذِينِ الشُّهُبِ وَالرَّايَاتِ الصَّفْرَاءِ تُقْبِلُ مِنَ الْمَغْرِبِ حَتَّى تَحِلَّ بِالشَّامِ وَذَلِكَ عِنْدَ الْجُوعِ الْأَكْبَرِ وَالْمَوْتِ الْأَحْمَرِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَانْظُرُوا خَسْفَ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى دِمَشْقَ يُقَالُ لَهَا حَرَسْتَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ خَرَجَ ابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ مِنَ الْوَادِي الْيَابِسِ حَتَّى يَسْتَوِيَ عَلَى مِنْبَرِ دِمَشْقَ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَانْظُرُوا خُرُوجَ الْمَهْدِيِّ.
وَمِنْ أَقْوَى عَلَامَاتِ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ خُرُوجُ مَنْ يَتَقَدَّمُهُ مِنَ الْخَوَارِجِ السُّفْيَانِيُّ وَالْأَبْقَعُ وَالْأَصْهَبُ وَالْأَعْرَجُ وَالْكِنْدِيُّ.
أَمَّا السُّفْيَانِيُّ فَاسْمُهُ عُرْوَةُ وَاسْمُ أَبِيهِ مُحَمَّدٌ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عُتْبَةَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي فَوَائِدِ الْفِكَرِ وَفِي الدُّرَرِ إِنَّ السُّفْيَانِيَّ مِنْ وَلَدِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَلْعُونٌ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ أَكْثَرُ خَلْقِ اللَّهِ ظُلْمًا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: السُّفْيَانِيُّ مِنْ وَلَدِ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَجُلٌ ضَخْمُ الْهَامَةِ بِوَجْهِهِ أَثَرُ جُدَرِيٍّ بِعَيْنِهِ نُكْتَةُ بَيَاضٍ يَخْرُجُ مِنْ نَاحِيَةِ دِمَشْقَ وَعَامَّةُ مَنْ يَتْبَعُهُ مِنْ كَلْبٍ فَيَقْتُلُ حَتَّى يَبْقُرَ بُطُونَ النِّسَاءِ وَيَقْتُلَ الصِّبْيَانَ وَيَخْرُجُ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فِي الْحَرَمِ فَيَبْلُغُ السُّفْيَانِيُّ فَيَبْعَثُ إِلَيْهِ جُنْدًا مَنْ جُنْدِهِ فَيَهْزِمُهُمْ فَيَسِيرُ إِلَيْهِ السُّفْيَانِيُّ بِمَنْ مَعَهُ حَتَّى إِذَا جَازَ بَيْدَاءَ مِنَ الْأَرْضِ خُسِفَ بِهِمْ فَلَا يَنْجُو إِلَّا الْمُخْبِرُ عَنْهُمْ. أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
وَالْأَبْقَعُ يَخْرُجُ مِنْ مِصْرَ، وَالْأَصْهَبُ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْجُرْهُمِيُّ مِنَ الشَّامِ، قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: أَوَّلُ مَنْ يَخْرُجُ وَيَغْلِبُ عَلَى الْبِلَادِ الْأَصْهَبُ يَخْرُجُ مِنْ بِلَادِ الْجَزِيرَةِ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنْ بَعْدِهِ الْجُرْهُمِيُّ مِنَ الشَّامِ، وَيَخْرُجُ الْقَحْطَانِيُّ مِنْ بِلَادِ الْيَمَنِ.
قَالَ كَعْبٌ: فَبَيْنَمَا هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ قَدْ تَغَلَّبُوا عَلَى مَوَاضِعِهِمْ وَإِذَا قَدْ خَرَجَ السُّفْيَانِيُّ مِنْ دِمَشْقَ مِنْ وَادٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي الْيَابِسِ يُؤْتَى فِي مَنَامِهِ فَيُقَالُ لَهُ قُمْ فَاخْرُجْ فَيَقُومُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا ثُمَّ يُؤْتَى الثَّانِيَةَ ثُمَّ الثَّالِثَةَ وَيُقَالُ لَهُ فِيهَا فَانْظُرْ إِلَى بَابِ دَارِكَ
следующие страницы →