Полный текст (921 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
[خطبة المؤلف]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَقَدَّسَتْ عَنِ الْأَشْبَاهِ ذَاتُهُ، وَتَنَزَّهَتْ عَنْ سِمَاتِ الْحُدُوثِ صِفَاتُهُ، وَدَلَّتْ عَلَى وُجُودِهِ وَقِدَمِهِ مَخْلُوقَاتُهُ، وَشَهِدَتْ بِرُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوهِيَّتِهِ مَصْنُوعَاتُهُ، وَأَقَرَّتْ بِالِافْتِقَارِ إِلَيْهِ بَرِيَّاتُهُ، وَأَذْعَنَتْ لِعَظَمَتِهِ وَحِكْمَتِهِ مُبْتَدَعَاتُهُ، سُبْحَانَهُ مِنْ إِلَهٍ تَحَيَّرَتِ الْعُقُولُ فِي بَدِيعِ حِكْمَتِهِ، وَخَضَعَتِ الْأَلْبَابُ لِرَفِيعِ عَظَمَتِهِ، وَذَلَّتِ الْجَبَابِرَةُ لِعَظِيمِ عِزَّتِهِ، وَدَلَّتْ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ مُحْدَثَاتُهُ، يُعْطِي وَيَمْنَعُ، وَيَخْفِضُ وَيَرْفَعُ، وَيُوصِلُ وَيَقْطَعُ، فَلَا يُسْأَلُ عَمَّا يَصْنَعُ، كَمَا نَطَقَتْ بِهِ آيَاتُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نِدَّ وَلَا ضِدَّ وَلَا ظَهِيرَ وَلَا وَزِيرَ، فَالْكُلُّ خَلْقُهُ وَإِلَيْهِ غَايَاتُهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَحَبِيبُهُ وَخَلِيلُهُ، وَأَمِينُهُ عَلَى وَحْيِهِ، وَشَهِيدُهُ عَلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، مَنْ بَهَرَتِ الْعُقُولَ مُعْجِزَاتُهُ، وَأَعْجَزَتِ النُّقُولَ دَلَائِلُ نُبُوَّتِهِ وَإِرْهَاصَاتُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَصْهَارِهِ وَأَحِبَّائِهِ، وَأَنْصَارِهِ وَأَحْزَابِهِ، مَا دَامَتْ آلَاءُ اللَّهِ وَأَرْضُهُ وَسَمَاوَاتُهُ، وَمَا انْقَشَعَتْ بِنُورِ رِسَالَاتِهِ غَيَاهِبُ الشِّرْكِ وَظُلُمَاتُهُ، وَابْتَسَمَتِ الْأَيَّامُ بَعْدَ عُبُوسِهَا، وَظَهَرَتِ الْأَحْكَامُ بَعْدَ طُمُوسِهَا، وَأَيْنَعَتِ الْأَوْقَاتُ بَعْدَ يُبُوسِهَا، وَوَلَّى ظَلَامُ الظُّلْمِ وَانْمَحَتْ آفَاتُهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَيَقُولُ الْعَبْدُ الْفَقِيرُ إِلَى مَوْلَاهُ الْعَلِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَاجِّ أَحْمَدَ السَّفَارِينِيُّ الْأَثَرِيُّ الْحَنْبَلِيُّ: قَدْ كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ وَأَلْفٍ طَلَبَ
стр. 2
مِنَّا بَعْضُ أَصْحَابِنَا النَّجْدِيِّينَ أَنْ أَنْظِمَ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ اعْتِقَادَاتِ أَهْلِ الْأَثَرِ فِي سِلْكٍ سَهْلٍ لَطِيفٍ مُعْتَبَرٍ، لِيَسْهُلَ عَلَى الْمُبْتَدِئِينَ حِفْظُهُ، وَتَنْفَعَهُمْ مَعَانِيهِ وَلَفْظُهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ قِرَاءَتِهِمْ عَلَيْنَا مُخْتَصَرَاتِ الْعَقَائِدِ جُمْلَةً كَلُمْعَةِ الْإِمَامِ الْمُوَفَّقِ، وَمُخْتَصِرِ نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ لِشَيْخِ مَشَايِخِنَا الْبَدْرِ الْبِلْيَانِيِّ، وَالْعَيْنِ وَالْأَثَرِ لِلشَّيْخِ عَبْدِ الْبَاقِي وَالِدِ أَبِي الْمَوَاهِبِ، فَابْتَهَجَ قَلْبُهُ بِمَا أَوْقَفْنَاهُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَوَائِدِ، فَتَعَلَّلْتُ بِاشْتِغَالِ (الْبَالِ، وَتَشْوِيشِ) الْخَاطِرِ بِالْبِلْبَالِ، وَتَشَتُّتِ الْأَفْكَارِ، (وَتَغَيُّرِ الْأَطْوَارِ) ، فَأَلَحَّ بِالسُّؤَالِ وَالِالْتِمَاسِ، وَقَالَ مَا فِي فَرَاغِكَ عَنْ هَذِهِ الْخَوَاطِرِ وَاشْتِغَالِكَ بِهَذَا الْمَطْلُوبِ الْحَاضِرِ مُدَّةً مِنْ بَاسٍ، فَلَمَّا لَمْ يَنْدَفِعْ بِالِانْدِفَاعِ، وَلَمْ يُفِدِ التَّعْلِيلُ لِهَذَا الطَّالِبِ الْمُلْتَاعِ، نَظَمْتُ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ عَقَائِدِ السَّلَفِ فِي سِمْطِ عِقْدٍ أَبْهَى مِنَ اللَّآلِئِ الْبَهِيَّةِ، وَسَمَّيْتُهَا (الدُّرَّةَ الْمُضِيَّةَ فِي عِقْدِ أَهْلِ الْفِرْقَةِ الْمَرْضِيَّةِ) ، وَعِدَّتُهَا مِائَتَا بَيْتٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، وَتَكْفِي وَتَشْفِي مِنْ مُعْظَمِ الْخِلَافِ الَّذِي ذَاعَ وَانْتَشَرَ. ثُمَّ بَعْدَ تَمَامِ نَظْمِهَا، وَالْفَرَاغِ مِمَّا أُودِعَ فِي ضِمْنِهَا مِنْ عِلْمِهَا، أَلَحَّ الْمَذْكُورُ وَإِخْوَانُهُ، وَذَوُوهُ وَخُلَّانُهُ عَلَى تَصْنِيفِ شَرْحٍ لِهَذَا الْعِقْدِ الَّذِي شَفَى وَأَبْرَى، وَقَالُوا: صَاحِبُ الْبَيْتِ بِالَّذِي فِيهِ أَدْرَى، فَتَجَشَّمْتُ تِلْكَ الْمَسَائِلَ الْوَعِرَةَ، وَالْمَدَارِكَ الَّتِي تَقَاعَسَ عَنْ إِدْرَاكِ حَقَائِقِهَا غَيْرُ الْأَلْمَعِيَّةِ الْمَهَرَةِ، فَإِنِّي وَإِنْ كُنْتُ غَيْرَ أَلْمَعِيٍّ وَلَا مَاهِرٍ، وَلَكِنِّي تَطَفَّلْتُ عَلَى مَا أَوْدَعَ حُذَّاقُ هَذَا الشَّأْنِ فِي الطُّرُوسِ وَالدَّفَاتِرِ، فَأَجَبْتُهُمْ إِنْجَاحًا لِمَطْلُوبِهِمْ، وَطَلَبًا لِشِفَاءِ صُدُورِهِمْ وَصَلَاحِ قُلُوبِهِمْ، وَعَوَّلْتُ فِيمَا قَصَدْتُ عَلَى الْمَوْلَى الْجَوَّادِ الْجَلِيلِ، فَهُوَ عَوْنِي وَحَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.
وَسَمَّيْتُهُ (بِلَوَامِعِ الْأَنْوَارِ الْبَهِيَّةِ، وَسَوَاطِعِ الْأَسْرَارِ الْأَثَرِيَّةِ، لِشَرْحِ
стр. 3
الدُّرَّةِ الْمُضِيَّةِ فِي عِقْدِ الْفِرْقَةِ الْمَرْضِيَّةِ) . وَلِأُقَدِّمَ أَمَامَ الْمَطْلُوبِ مُقَدِّمَةً، تَشْتَمِلُ عَلَى عَشْرِ تَعْرِيفَاتٍ مُجَسَّمَةٍ، فَأَقُولُ بَعْدَ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْقُوَّةِ وَالْحَوْلِ، وَالِاعْتِمَادِ عَلَى ذِي الْكَرَمِ وَالطَّوْلِ:
стр. 4
[الْمُقَدِّمَةُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى عِدَّةِ تَعْرِيفَاتٍ]
[التَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ في تقسيم الملة المحمدية إلى اعتقاديات وعمليات]
(التَّعْرِيفُ الْأَوَّلُ)
اعْلَمْ أَنَّ الْمِلَّةَ الْمُحَمَّدِيَّةَ تَنْقَسِمُ إِلَى اعْتِقَادِيَّاتٍ وَعَمَلِيَّاتٍ، فَالِاعْتِقَادِيَّاتُ هِيَ الَّتِي لَمْ تَتَعَلَّقْ بِكَيْفِيَّةِ عَمَلٍ، مِثْلَ: اعْتِقَادِ وُجُوبِ وُجُودِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَتُسَمَّى أَصْلِيَّةً أَيْضًا. وَالْعَمَلِيَّاتُ هِيَ مَا يَتَعَلَّقُ بِكَيْفِيَّةِ الْعَمَلِ، وَتُسَمَّى فَرْعِيَّةً، فَالْمُتَعَلِّقُ بِالْعَمَلِيَّةِ عِلْمُ الشَّرَائِعِ وَالْأَحْكَامِ ; لِأَنَّهَا لَا تُسْتَفَادُ إِلَّا مِنْ (جِهَةِ) الشَّرْعِ، فَلَا يَسْبِقُ الْفَهْمُ عِنْدَ إِطْلَاقِ الْأَحْكَامِ إِلَّا إِلَيْهَا، وَالْمُتَعَلِّقُ بِالِاعْتِقَادِيَّاتِ هُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ، وَعِلْمُ الْكَلَامِ، وَعِلْمُ أُصُولِ الدِّينِ. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْعِلْمُ أَهَمَّ لِابْتِنَاءِ الْعَمَلِيَّاتِ عَلَيْهِ أَوْرَدُوا الْبَرَاهِينَ وَالْحُجَجَ عَلَيْهِ، وَاكْتَفَوْا فِي الْعَمَلِيَّاتِ بِالظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْأَدِلَّةِ السَّمْعِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ عَصْرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ خَالِيًا مِنَ الْبِدَعِ الْكَلَامِيَّةِ، وَالشُّبَهِ الْخَيَالِيَّةِ، وَالْخُصُومِ الْمُعْتَزِلِيَّةِ، لَمْ تَكُنْ أَدِلَّةُ عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ مُدَوَّنَةً هَذَا التَّدْوِينَ، فَلَمَّا كَثُرَتِ الشُّبَهُ وَالْبِدَعُ، وَانْتَشَرَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفَشَا وَسَطَعَ، وَصَارَ كُلُّ إِمَامِ بِدْعَةٍ لَهُ نِحْلَةٌ يُعَوِّلُ عَلَيْهَا، وَعَقِيدَةٌ يَدْعُو النَّاسَ إِلَيْهَا، وَأَوْضَاعٌ يَرْجِعُ فِي مُهِمَّاتِهِ إِلَيْهَا، دَوَّنَ عُلَمَاءُ الْكَلَامِ قَوَاعِدَهُ الْمَعْلُومَةَ، وَأَوْضَاعَهُ الْمَفْهُومَةَ، لِدَفْعِ الشُّبَهِ وَالْخُصُومِ، وَرَدِّهِمْ عَنْ تَهَافُتِهِمْ إِلَى الصَّوَابِ الْمَعْلُومِ، عَنِ النَّبِيِّ الْمَعْصُومِ.
وَعِلْمُ الْكَلَامِ هُوَ عِلْمٌ يُقْتَدَرُ مَعَهُ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ أَيِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى دِينِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُطَابِقَةً لِلْوَاقِعِ ; لِعَدَمِ إِخْرَاجِ الْخَصْمِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ، وَالْكَرَّامِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، عَنْ أَنْ
стр. 5
يَكُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ، وَإِنْ خَطَّأْنَاهُ أَوْ كَفَّرْنَاهُ. (وَقِيلَ) : تَعْرِيفُ عِلْمِ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ التَّوْحِيدُ وَأُصُولُ الدِّينِ: الْعِلْمُ بِالْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، أَيِ الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا الْيَقِينِيَّةِ، سَوَاءٌ تَوَقَّفَتْ عَلَى الشَّرْعِ كَالسَّمْعِيَّاتِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الدِّينِ فِي الْوَاقِعِ كَكَلَامِ أَهْلِ الْحَقِّ أَوْ لَا كَكَلَامِ الْمُخَالِفِ، وَاعْتُبِرَ فِي أَدِلَّتِهَا الْيَقِينُ ; لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ فِي الِاعْتِقَادِيَّاتِ بَلْ فِي الْعَمَلِيَّاتِ، " وَمَوْضُوعُهُ " هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ حَيْثُ يَتَعَلَّقُ بِهِ إِثْبَاتُ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ، إِذْ مَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ مَا يُبْحَثُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمِ عَنْ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ يُبْحَثُ فِي هَذَا الْعِلْمِ عَنْ أَحْوَالِ الصَّنَائِعِ، مِنَ الْقِدَمِ وَالْوَحْدَةِ، وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَغَيْرِهَا لِيُعْتَقَدَ ثُبُوتُهَا لَهُ تَعَالَى، وَأَحْوَالِ الْجِسْمِ وَالْعَرَضِ مِنَ الْحُدُوثِ وَالِافْتِقَارِ وَالتَّرْكِيبِ مِنَ الْأَجْزَاءِ، وَقَبُولِ الْفَنَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لِيُثْبَتَ لِلصَّانِعِ مَا ذُكِرَ مِمَّا هُوَ عَقِيدَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ، أَوْ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا.
وَكُلُّ هَذَا بَحْثٌ عَنْ أَحْوَالِ الْمَعْلُومِ كَإِثْبَاتِ الْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ زَعْمِ أَنَّ مَوْضُوعَهُ ذَاتُ اللَّهِ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ - لِلْبَحْثِ عَنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّا لَا نَأْخُذُ الِاعْتِقَادَاتِ الْإِسْلَامِيَّةَ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْكَلَامِيَّةِ، بَلْ إِنَّمَا نَأْخُذُهَا مِنَ النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ بِالْأَوْضَاعِ الْكَلَامِيَّةِ إِلَّا دَفْعَ شُبَهِ الْخُصُومِ وَالْفِرَقِ الضَّالَّةِ عَنِ الطُّرُقِ الْحَقِيقِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ طَعَنُوا فِي بَعْضٍ مِنْهَا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَبُيِّنَ لَهُمْ بِالْقَوَاعِدِ الْكَلَامِيَّةِ مَعْقُولِيَّةُ ذَلِكَ الْبَعْضِ.
(وَاسْتِمْدَادُ) هَذَا الْفَنِّ مِنَ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَالتَّفْسِيرِ وَالْحَدِيثِ الثَّابِتِ، وَالْفِقْهِ وَالْإِجْمَاعِ وَالنَّظَرِ. (وَمَسَائِلُهُ) الْقَضَايَا النَّظَرِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الِاعْتِقَادِيَّةُ. (وَغَايَتُهُ) أَنْ يَصِيرَ الْإِيمَانُ وَالتَّصْدِيقُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مُتْقَنًا مُحْكَمًا لَا تُزَلْزِلُهُ شُبْهَةٌ مِنْ شُبَهِ الْمُبْطِلِينَ. (وَمَنْفَعَتُهُ) فِي الدُّنْيَا انْتِظَامُ أَمْرِ الْمَعَاشِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْعَدْلِ وَالْمُعَامَلَةِ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي إِبْقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى الْفَسَادِ، وَفِي الْآخِرَةِ النَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْكُفْرِ وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ. وَسَيَأْتِي حَدُّ كُلِّ بَحْثٍ مِنْ هَذَا عِنْدَ ذِكْرِهِ فِي النَّظْمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَاللَّهُ - تَعَالَى - الْمُوَفِّقُ.
стр. 6
[التَّعْرِيفُ الثاني تنازع الصحابة في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في مسائل الصفات]
(الثَّانِي)
اعْلَمْ أَنَّ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ قَدْ تَنَازَعُوا فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ، وَهُمْ سَادَاتُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَكْمَلُ الْأُمَّةِ إِيمَانًا بِلَا انْفِصَامٍ، وَلَكِنْ بِحَمْدِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَمْ يَتَنَازَعُوا فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، بَلْ كُلُّهُمْ عَلَى إِثْبَاتِ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَكَلِمَتُهُمْ وَاحِدَةٌ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، لَمْ يَسُومُوهَا تَأْوِيلًا، وَلَمْ يُحَرِّفُوهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا تَبْدِيلًا، وَلَمْ يُبْدُوا لِشَيْءٍ مِنْهَا إِبْطَالًا، وَلَا ضَرَبُوا لَهَا مِثَالًا، وَلَمْ يَدْفَعُوا عَنْ صُدُورِهَا وَأَعْجَازِهَا، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ: يَجِبُ صَرْفُهَا عَنْ حَقَائِقِهَا، وَحَمْلُهَا عَلَى مَجَازِهَا. بَلْ تَلَقَّوْهَا بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَقَابَلُوهَا بِالْإِيمَانِ وَالتَّعْظِيمِ، وَلَمْ يَفْعَلُوا كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ حَيْثُ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ، فَأَقَرُّوا بِبَعْضِ آيَاتِ الصِّفَاتِ، وَأَنْكَرُوا بَعْضَهَا مِنْ غَيْرِ فُرْقَانٍ مُبِينٍ، مَعَ أَنَّ اللَّازِمَ لَهُمْ فِيمَا أَنْكَرُوهُ كَاللَّازِمِ لَهُمْ فِيمَا أَقَرُّوا بِهِ وَأَثْبَتُوهُ، فَأَهْلُ الْإِيمَانِ إِذَا تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ، رَدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ كَمَا رُتِّبَ عَلَيْهِ الْإِيمَانُ، فَكُلُّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ مَسَائِلِ الدِّينِ، دِقُّهُ وَجُلُّهُ، جَلِيُّهُ وَخَفِيُّهُ، رَدُّوهُ إِلَيْهِمَا، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ﷺ بَيَانُ مَا تَنَازَعُوا فِيهِ، لَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِالرَّدِّ إِلَيْهِ، إِذْ مِنَ الْمُمْتَنِعُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ - تَعَالَى - بِالرَّدِّ عِنْدَ النِّزَاعِ إِلَى مَنْ لَا يُوجَدُ عِنْدَهُ فَصْلُ النِّزَاعِ، وَقَدْ أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى أَنَّ الرَّدَّ إِلَى اللَّهِ هُوَ الرَّدُّ إِلَى كِتَابِهِ، وَالرَّدَّ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ هُوَ الرَّدُّ إِلَيْهِ نَفْسُهُ فِي حَيَاتِهِ، وَإِلَى سُنَّتِهِ ﷺ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ هَذَا الرَّدَّ مِنْ مُوجِبَاتِ الْإِيمَانِ وَلَوَازِمِهِ، فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى الْإِيمَانُ ضَرُورَةً انْتِفَاءَ الْمَلْزُومِ لِانْتِفَاءِ لَازِمِهِ، وَلَا سِيَّمَا التَّلَازُمِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّهُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَنْتَفِي بِانْتِفَاءِ الْآخَرِ، وَقَدْ نَهَى الصِّدِّيقُ ثُمَّ الْفَارُوقُ وَمَنْ بَعْدَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْقَوْلِ بِالرَّأْيِ، حَتَّى قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ أَصْحَابَ الرَّأْيِ أَعْدَاءُ السُّنَنِ، أَعْيَتْهُمُ الْأَحَادِيثُ أَنْ يَعُوهَا، وَتَفَلَّتَتْ مِنْهُمْ أَنْ يَحْفَظُوهَا، فَقَالُوا فِي الدِّينِ بِرَأْيِهِمْ، فَضَّلُوا وَأَضَلُّوا. وَقَالَ ﵁: أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّهِمُوا الرَّأْيَ فِي الدِّينِ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنِّي لَأَرُدُّ أَمْرَ رَسُولِ
стр. 7
اللَّهِ ﷺ بِرَأْيِي، فَأَجْتَهِدُ وَلَا آلُو، وَذَلِكَ يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ - (يَعْنِي: يَوْمَ قَضِيَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ) .
وَأَضَلُّ كُلِّ رَأْيٍ وَأَبْطَلُهُ وَأَفْسَدُهُ وَأَعْطَلُهُ الرَّأْيُ الْمُتَضَمِّنُ لِتَعْطِيلِ أَسْمَاءِ الرَّبِّ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِالْمَقَايِيسِ الْبَاطِلَةِ الَّتِي وَضَعَهَا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَمَنْ ضَاهَاهُمْ، حَيْثُ اسْتَعْمَلُوا قِيَاسَاتِهِمُ الْفَاسِدَةَ وَآرَائَهُمُ الْبَاطِلَةَ، وَشُبَهَهُمُ الدَّاحِضَةَ فِي رَدِّ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ وَالْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ، فَرَدُّوا لِأَجْلِهَا أَلْفَاظَ النُّصُوصِ الَّتِي وَجَدُوا السَّبِيلَ إِلَى تَكْذِيبِ رُوَاتِهَا وَتَخْطِئَتِهِمْ، وَحَرَّفُوا الْمَعَانِيَ الَّتِي لَمْ يَجِدُوا إِلَى رَدِّ أَلْفَاظِهَا سَبِيلًا، فَقَابَلُوا النَّوْعَ الْأَوَّلَ بِالتَّكْذِيبِ، وَالنَّوْعَ الثَّانِيَ بِالتَّحْرِيفِ وَالتَّأْوِيلِ، فَأَنْكَرُوا رُؤْيَةَ الْمُؤْمِنِينَ رَبَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ، وَأَنْكَرُوا كَلَامَهُ وَتَكْلِيمَهُ لِعِبَادِهِ، وَأَنْكَرُوا مُبَايَنَتَهُ لِلْعَالَمِ وَاسْتِوَاءَهُ عَلَى عَرْشِهِ، وَعُمُومَ قُدْرَتِهِ، وَحَرَّفُوا النُّصُوصَ عَنْ مَوَاضِعِهَا، وَأَخْرَجُوهَا عَنْ مَعَانِيهَا وَحَقَائِقِهَا بِالرَّأْيِ الْمُجَرَّدِ الَّذِي حَقِيقَتُهُ أَنَّهُ زُبَالَةُ الْأَذْهَانِ، وَنُخَالَةُ الْأَفْكَارِ، وَعُصَارَةُ الْآرَاءِ، وَوَسَاوِسُ الصُّدُورِ، فَمَلَئُوا بِهِ الْأَوْرَاقَ سَوَادًا، وَالْقُلُوبَ شُكُوكًا، وَالْعَالَمَ فَسَادًا، فَكُلُّ مَنْ لَهُ مَسْكَةٌ مِنْ عِلْمٍ وَدُرْبَةٌ مِنْ فَهْمٍ، يَعْلَمُ أَنَّ فَسَادَ الْعَالَمِ وَخَرَابَهُ إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ تَقْدِيمِ الرَّأْيِ عَلَى الْوَحْيِ، وَالْهَوَى عَلَى النَّقْلِ، وَمَا اسْتُحْكِمَ هَذَانِ الْأَصْلَانِ الْفَاسِدَانِ فِي قَلْبٍ إِلَّا اسْتَحْكَمَ هَلَاكُهُ، وَلَا فِي أُمَّةٍ إِلَّا وَفَسَدَ أَمْرُهَا أَتَمَّ فَسَادٍ.
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: رَأْيُ فُلَانٍ وَرَأْيُ فُلَانٍ وَرَأْيُ فُلَانٍ عِنْدِي سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي الْآثَارِ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِسَنَدِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁:
دِينُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ آثَارُ ... نِعْمَ الْمَطِيَّةُ لِلْفَتَى الْأَخْبَارُ
لَا تَعْدُ عَنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ ... فَالرَّأْيُ لَيْلٌ وَالْحَدِيثُ نَهَارُ
وَلَرُبَّمَا جَهِلَ الْفَتَى طُرُقَ الْهُدَى ... وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ لَهَا أَنْوَارُ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَحْسَنَ:
الْعِلْمُ قَالَ اللَّهُ قَالَ رَسُولُهُ ... قَالَ الصَّحَابَةُ لَيْسَ خُلْفٌ فِيهِ
مَا الْعِلْمُ نَصْبَكَ لِلْخِلَافِ سَفَاهَةً ... بَيْنَ النُّصُوصِ وَبَيْنَ رَأْيِ فَقِيهِ
стр. 8
كَلَّا وَلَا رَدُّ النُّصُوصِ تَعَمُّدًا
حَذَرًا مِنَ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ ... حَاشَا النُّصُوصِ مِنَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ
مِنْ فِرْقَةِ التَّعْطِيلِ وَالتَّمْوِيهِ.
ثُمَّ إِنَّ الرَّأْيَ الْمَذْمُومَ هُوَ الرَّأْيُ الْمُجَرَّدُ الَّذِي لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ وَلَا قِيَاسٍ جَلِيٍّ، بَلْ هُوَ خَرْصٌ وَتَخْمِينٌ، فَهَذَا الرَّأْيُ الَّذِي وَرَدَ التَّحْذِيرُ مِنْهُ وَالتَّنْفِيرُ عَنْهُ، وَأَمَّا الرَّأْيُ الْمُسْتَنِدُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ وَالِاسْتِنْبَاطِ مِنَ النَّصِّ وَحْدَهُ، أَوْ مِنْ نَصٍّ آخَرَ مَعَهُ فِي الْأَحْكَامِ، فَهَذَا مِنْ أَلْطَفِ فَهْمِ النُّصُوصِ وَأَدَقِّهِ، وَمَا وَرَدَ عَنِ السَّلَفِ مِمَّا يُشْعِرُ بِمَدْحِ الرَّأْيِ وَقَبُولِهِ، فَالْمُرَادُ بِهِ هَذَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[التَّعْرِيفُ الثالث في الرأي والتأويل وسبب انتشار البدع]
(الثَّالِثُ)
الرَّأْيُ مَصْدَرُ رَأَى رَأْيًا مَهْمُوزٌ، وَالْجَمْعُ آرَاءٌ، وَهُوَ التَّفَكُّرُ فِي مَبَادِئِ الْأُمُورِ وَنَظَرِ عَوَاقِبِهَا وَعِلْمِ مَا تَئُولُ إِلَيْهِ مِنَ الْخَطَأِ وَالصَّوَابِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هُمْ أَهْلُ الْقِيَاسِ وَالتَّأْوِيلِ، كَأَصْحَابِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ. وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ضِدُّ أَصْحَابِ الظَّاهِرِ مِنْ دَاوُدَ وَابْنِ حَزْمٍ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ. وَأَصْحَابُ التَّأْوِيلِ ضِدُّ أَصْحَابِنَا مِنْ أَتْبَاعِ الْمَأْثُورِ، وَالْمُرُورِ كَمَا جَاءَ مَعَ التَّفْوِيضِ، وَاعْتِقَادِ التَّنْزِيهِ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
وَكَانَ سَبَبُ انْتِشَارِ الْبِدَعِ وَظُهُورِهَا، وَزِيَادَتِهَا وَنُشُورِهَا، الْمَأْمُونَ بْنَ هَارُونَ الرَّشِيدِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ، سَابِعُ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَأُمُّهُ (أَمَةٌ) ، اسْمُهَا مَرَاجِلُ، وَلِيَ الْخِلَافَةَ سَنَةَ مِائَةٍ وَسَبْعِينَ، وَكَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي الْعَبَّاسِ - حَزْمًا وَعَزْمًا، وَحِلْمًا وَعِلْمًا، وَرَأْيًا وَدَهَاءً، وَشَجَاعَةً وَبَرَاعَةً، وَفَصَاحَةً وَسَمَاحَةً، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَافِضِيًّا مُعْتَزِلِيًّا قَدَرِيًّا، فَهُوَ خَبِيثُ الِاعْتِقَادِ، كَبِيرُ الْفَسَادِ وَالْعِنَادِ.
وَفِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ وَإِحْدَى عَشَرَ أَمَرَ أَنْ يُنَادَى: بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِمَّنْ ذَكَرَ مُعَاوِيَةَ
стр. 9
(﵁ بِخَيْرٍ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الْخُلَفَاءِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁. وَفِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ، أَظْهَرَ الْمَأْمُونُ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ مُضَافًا إِلَى تَفْضِيلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَلَى الشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. فَاشْمَأَزَّتْ مِنْهُ النُّفُوسُ، وَدَعَا النَّاسَ لِرَأْيِهِ الْمَعْكُوسِ، وَكَادَتِ الْفِتَنُ أَنْ تَقُومَ عَلَى سَاقِهَا. فَكَفَّ عَنْ ذَلِكَ إِلَى سَنَةِ ثَمَانِ عَشْرَةَ، فَامْتُحِنَ النَّاسُ بِالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، فَأَجَابَ مَنْ أَجَابَ طَوْعًا وَكَرْهًا، وَامْتَنَعَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁ وَمَنِ امْتَنَعَ مَعَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَطُلِبَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، فَهَلَكَ الْمَأْمُونُ وَلَمْ يَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَكَانَ هَلَاكُ الْمَأْمُونِ فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّ الْمَأْمُونَ لَمَّا هَادَنَ بَعْضَ مُلُوكِ النَّصَارَى - أَظُنُّهُ صَاحِبَ جَزِيرَةِ قُبْرُسَ - طَلَبَ مِنْهُ خِزَانَةَ كُتُبِ الْيُونَانِ، وَكَانَتْ عِنْدَهُمْ مَجْمُوعَةً فِي بَيْتٍ لَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَجَمَعَ الْمَلِكُ خَوَاصَّهُ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ وَاسْتَشَارَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَكُلُّهُمْ أَشَارُوا بِعَدَمِ تَجْهِيزِهَا إِلَيْهِ إِلَّا مَطْرَانٌ وَاحِدٌ، فَإِنَّهُ قَالَ: جَهِّزْهَا إِلَيْهِمْ، فَمَا دَخَلَتْ هَذِهِ الْعُلُومُ عَلَى دَوْلَةٍ شَرْعِيَّةٍ إِلَّا أَفْسَدَتْهَا، وَأَوْقَعَتْ بَيْنَ عُلَمَائِهَا.
قَالَ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ: حَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - كَانَ يَقُولُ: مَا أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يَغْفُلُ عَنِ الْمَأْمُونِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يُقَابِلَهُ عَلَى مَا اعْتَمَدَهُ مَعَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ إِدْخَالِ هَذِهِ الْعُلُومِ الْفَلْسَفِيَّةِ بَيْنَ أَهْلِهَا. قَالَ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ: لَمْ يَبْتَكِرِ الْمَأْمُونُ النَّقْلَ وَالتَّعْرِيبَ، بَلْ فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَهُ كَثِيرٌ، فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ خَالِدٍ الْبَرْمَكِيَّ عَرَّبَ مِنْ كُتُبِ الْفُرْسِ كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ، وَعَرَّبَ لِأَجْلِهِ كِتَابَ الْمَجِسْطِيِّ مِنْ كُتُبِ الْيُونَانِ. وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ عَرَّبَ كُتُبَ الْيُونَانِ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، لِمَا وَلِعَ بِكُتُبِ الْكِيمْيَاءِ.
ثُمَّ قَالَ الصَّفَدِيُّ: وَالْخِلَافُ مَا زَالَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مُنْذُ تُوُفِّيَ ﷺ حَتَّى فِي مَوْتِهِ وَدَفْنِهِ وَأَمْرِ الْخِلَافَةِ بَعْدَهُ، وَأَمْرِ مِيرَاثِهِ، وَأَمْرِ قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ فِي نَفْسِ مَرَضِهِ ﷺ لَمَّا
стр. 10
قَالَ: " ائْتُونِي بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاسٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدِي. عَلَى مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي مَوَاطِنِهِ، وَقَدْ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ افْتَرَقُوا عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَإِنَّ أُمَّتِي سَتَفْتَرِقُ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» ". وَهُوَ ﷺ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ الَّذِي لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ، وَمَتَى افْتَرَقَتْ خَالَفَ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَمَتَى خَالَفَتْ تَمَسَّكَتْ بِشُبَهٍ وَحُجَجٍ، وَنَاظَرَ كُلَّ فِرْقَةٍ مَنْ تُخَالِفُهَا، فَانْفَتَحَ بَابُ الْجَدَلِ، وَاحْتَاجَ كُلُّ أَحَدٍ إِلَى تَرْجِيحِ مَذْهَبِهِ وَقَوْلِهِ بِحُجَّةٍ عَقْلِيَّةٍ أَوْ نَقْلِيَّةٍ أَوْ مُرَكَّبَةٍ مِنْهُمَا، فَهَذَا الْأَمْرُ كَانَ مَأْمُونًا قَبْلَ الْمَأْمُونِ، نَعَمْ زَادَ الشَّرُّ وَالضَّرَرُ، وَقَوِيَتْ بِهِ حُجَجُ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَخَذَ أَصْحَابُ الْأَهْوَاءِ وَمُخَالِفُو السُّنَّةِ مُقَدِّمَاتٍ عَقْلِيَّةً مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، فَأَدْخَلُوهَا فِي مَبَاحِثِهِمْ، وَفَرَّجُوا بِهَا مَضَايِقَ جِدَالِهِمْ، وَبَنَوْا عَلَيْهَا قَوَاعِدَ بِدَعِهِمْ، فَاتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ، وَكَادَ مَنَارُ الْحَقِّ الْوَاحِدِ يَشْتَبِهُ بِالثَّلَاثِ الْأَثَافِيِّ وَالرُّسُومِ الْبَلَاقِعِ، عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ الشَّرِيفَةَ مَرْفُوعَةُ الْمَنَارِ، مَأْمُونَةُ السِّرَارِ، خَافِقَةُ الْأَعْلَامِ، رَاسِخَةُ الْأَحْلَامِ، بَاهِرَةُ السَّنَا، سَاطِعَةُ الْجَنَى.
وَيَزِيدُهَا مَرُّ اللَّيَالِي جِدَّةً ... وَتَقَادُمُ الْأَيَّامِ حُسْنَ شَبَابِ
وَأَهْلُ السُّنَّةِ قَدْ فَتَحَ لَهُمُ السَّلَفُ الصَّالِحُ مُغْلَقَ أَبْوَابِهَا، وَذَلَّلُوا بِالشَّوَاهِدِ الصَّادِقَةِ الصَّادِعَةِ مَا جَمَحَ مِنْ صِعَابِهَا، وَأَطْلَقُوا نِيَرَهَا الْأَعْظَمَ، فَطَمَسَ مِنَ الْبِدَعِ تَأَلُّقَ شِهَابِهَا، وَأَجْنَوْا مَنِ اتَّبَعَ هَدْيَهُمْ ثَمَرَ الْيَقِينِ مُتَّحِدَ النَّوْعِ وَإِنْ كَانَ مُتَشَابِهًا، وَجَاسُوا خِلَالَ الْحَقِّ فَمَيَّزُوهُ، وَأَهْلُ مَكَّةَ أَخْبَرُ بِشِعَابِهَا.
وَمَنْ قَالَ إِنَّ الشُّهْبَ أَكْبَرُهَا السُّهَا ... بِغَيْرِ دَلِيلٍ كَذَّبَتْهُ الدَّلَائِلُ
وَمَا ذَكَرَهُ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ مِمَّا يُشَمُّ مِنْهُ رَائِحَةُ الْعُذْرِ لِلْمَأْمُونِ عَمَّا أَدْخَلَهُ عَلَى الْأُمَّةِ فِيهِ حَقٌّ وَبَاطِلٌ، فَأَصْلُ الْخِلَافِ كَانَ مَوْجُودًا إِلَّا أَنَّهُ فِي أُمُورٍ يَسْهُلُ بَعْضُهَا بِخِلَافِ مَا فَشَا بِفِتْنَةِ الْمَأْمُونِ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِهِ الْعَرْشِ: لَمَّا وَلِيَ الْمَأْمُونُ وَكَانَ مُتَكَلِّمًا عُرِّبَتْ لَهُ كُتُبُ الْأَوَائِلِ، فَدَعَا
стр. 11
النَّاسَ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَتَهَدَّدَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ، فَأَجَابَهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ رَغْبَةً وَرَهْبَةً، وَامْتَنَعَ مِنْ إِجَابَتِهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَأَبُو مُسْهِرٍ عَالِمُ دِمَشْقَ، وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ عَالِمُ مِصْرَ، وَالْبُوَيْطِيُّ فَقِيهُ مِصْرَ، وَعَفَّانُ مُحَدِّثُ الْعِرَاقِ، وَطَائِفَةٌ سِوَاهُمْ، فَسَجَنَهُمْ ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ أَنْ مَاتَ بِطَرَسُوسَ وَدُفِنَ ثُمَّ اسْتُخْلِفَ بَعْدَهُ أَخُوهُ الْمُعْتَصِمُ، فَامْتَحَنَ النَّاسَ وَنَهَضَ بِأَعْبَاءِ الْمِحْنَةِ قَاضِيهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُؤَادٍ، وَضَرَبُوا الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ ضَرْبًا مُبَرِّحًا، فَلَمْ يُجِبْهُمْ، وَنَاظَرُوهُ وَجَرَتْ أُمُورٌ صَعْبَةٌ. انْتَهَى.
وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، فَعُرِّبَتْ لَهُ كُتُبُ الطِّبِّ وَالنُّجُومِ، وَقِيلَ: الَّذِي عُرِّبَتْ لَهُ كُتُبُ الطِّبِّ وَالنُّجُومِ الْمَنْصُورُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّمَا وَلَعُهُ فِي صَنْعَةِ الْكِيمْيَاءِ، وَلَهُ فِي ذَلِكَ رَسَائِلُ، وَكَانَ قَدْ أَخَذَ تِلْكَ الصِّنَاعَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الرُّهْبَانِ يُقَالُ لَهُ مِرْيَاسُ الرُّومِيُّ. وَأَمَّا الْمَنْصُورُ فَأَوَّلُ خَلِيفَةٍ تُرْجِمَتْ لَهُ الْكُتُبُ السُّرْيَانِيَّةُ وَالْأَعْجَمِيَّةُ بِالْعَرَبِيَّةِ، مِثْلَ: كَلِيلَةَ وَدِمْنَةَ وَأَقْلِيدِسَ، كَمَا فِي تَارِيخِ الْخُلَفَاءِ لِلْحَافِظِ جَلَالِ الدِّينِ السَّيُوطِيِّ، وَقَالَ: وَهُوَ أَوَّلُ خَلِيفَةٍ قَرَّبَ الْمُنَجِّمِينَ، وَعَمِلَ بِأَحْكَامِ النُّجُومِ. وَأَمَّا الْمَأْمُونُ فَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَدْخَلَ عِلْمَ الْمَنْطِقِ وَسَائِرَ الْعُلُومِ الْيُونَانِيَّةِ فِي الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَأَحْضَرَهَا مِنْ جَزِيرَةِ قُبْرُصَ، وَتُرْجِمَتْ لَهُ كُتُبٌ كَثِيرَةٌ كَمَا فِي أَوَائِلِ السَّيُوطِيِّ. انْتَهَى.
وَبِسَبَبِ ذَلِكَ حَدَثَتِ الْفِتَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْبَغْيُ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَظَهَرَ اخْتِلَافُ الْآرَاءِ، وَالْمَيْلُ إِلَى الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَكَثُرَتِ الْوَقَائِعُ وَالِاخْتِلَافَاتُ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْعُلَمَاءِ فِي الْمُهِمَّاتِ، فَاشْتَغَلُوا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَالِاجْتِهَادِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَتَمْهِيدِ الْقَوَاعِدِ وَالْأُصُولِ، وَتَرْتِيبِ الْأَبْوَابِ وَالْفُصُولِ، وَتَكْثِيرِ الْمَسَائِلِ بِأَدِلَّتِهَا، وَإِيرَادِ الشُّبَهِ بِأَجْوِبَتِهَا، وَتَعْيِينِ الْأَوْضَاعِ وَالِاصْطِلَاحَاتِ، وَتَبْيِينِ الْمَذَاهِبِ وَالِاخْتِلَافَاتِ، فَسَمَّوْا مَا يُفِيدُ مَعْرِفَةَ الْأَحْكَامِ الْعَمَلِيَّةِ عَنْ أَدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ بِالْفِقْهِ، وَمَعْرِفَةَ أَحْوَالِ الْأَدِلَّةِ إِجْمَالًا فِي إِفَادَتِهَا الْأَحْكَامَ بِأُصُولِ الْفِقْهِ، وَمَعْرِفَةَ الْعَقَائِدِ عَنْ أَدِلَّتِهَا بِالْكَلَامِ الْمُشْتَقِّ مِنَ الْكَلِمِ، وَهُوَ الْجَرْحُ وَمُعْظَمُ خِلَافِيَّاتِهِ مَعَ الْفِرَقِ الْإِسْلَامِيَّةِ خُصُوصًا الْمُعْتَزِلَةَ ; لِأَنَّهُمْ أَوَّلُ فِرْقَةٍ أَسَّسُوا قَوَاعِدَ الْخِلَافِ لِمَا وَرَدَ بِهِ ظَاهِرُ السُّنَّةِ، وَجَرَى عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الصَّحَابَةِ
стр. 12
- ﵃ فِي بَابِ الْعَقَائِدِ.
فَأَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَالْجِدَالِ وَالْخِصَامِ مَعَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَبُو حُذَيْفَةَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ، وَهُوَ رَئِيسُ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ مُعْتَزِلِيًّا، اعْتَزَلَ مَجْلِسَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ. كَانَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ هَذَا أَحَدَ الْبُلَغَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ يَلْثَغُ بِالرَّاءِ فَيَجْعَلُهَا غَيْنًا، وَكَانَ أَحَدَ الْأَعَاجِيبِ ; لِأَنَّ لَثْغَتَهُ كَانَتْ قَبِيحَةً جِدًّا، فَكَانَ يُخَلِّصُ كَلَامَهُ مِنَ الرَّاءِ، وَلَا يُفْطَنُ لِذَلِكَ لِاقْتِدَارِهِ عَلَى الْكَلَامِ وَسُهُولَةِ أَلْفَاظِهِ.
وَذَكَرَ ابْنُ خَلِّكَانَ كَغَيْرِهِ مِنْ أَهْلِ التَّارِيخِ وَأَخْبَارِ النَّاسِ أَنَّ وَاصِلَ بْنَ عَطَاءٍ كَانَ يَجْلِسُ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀ فَلَمَّا ظَهَرَ الِاخْتِلَافُ، فَقَالَتِ الْخَوَارِجُ بِتَكْفِيرِ مُرْتَكِبِي الْكَبِيرَةِ، وَقَالَتِ الْجَمَاعَةُ بِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ وَإِنْ فَسَقُوا بِالْكَبَائِرِ، فَخَرَجَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ، وَقَالَ: إِنَّ الْفَاسِقَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ مَنْزِلَةٌ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ، فَطَرَدَهُ الْحَسَنُ عَنْ مَجْلِسِهِ، فَاعْتَزَلَ عَنْهُ وَجَلَسَ إِلَيْهِ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، فَقِيلَ لَهُمَا وَلِأَتْبَاعِهِمَا مُعْتَزِلُونَ. فَهَذَا سَبَبُ تَسْمِيَتِهِمْ بِالْمُعْتَزِلَةِ.
وَلِوَاصِلٍ مِنَ التَّصَانِيفِ كِتَابُ الْمُرْجِئَةِ، وَكِتَابُ التَّوْبَةِ، وَكِتَابُ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَكِتَابُ خُطْبَتِهِ الَّتِي أَخْرَجَ مِنْهَا الرَّاءَ، وَكِتَابُ مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَكِتَابُ الْخُطَبِ فِي الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ، وَكِتَابُ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، وَكِتَابُ السَّبِيلِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. وَكَانَتْ وِلَادَتُهُ سَنَةَ ثَمَانِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ بِمَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ مِنْ مَوَالِي بَنِي مُنَبِّهٍ (؟) ، وَقِيلَ مِنْ مَوَالِي بَنِي مَخْزُومٍ.
وَأَمَّا عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ بْنِ بَابٍ فَمِنْ مَوَالِي بَنِي عَقِيلٍ آلِ غُزَادَةَ بْنِ يَرْبُوعِ بْنِ مَالِكٍ، كَانَ جَدُّهُ بَابٌ مِنْ سَبْيِ كَابُلَ مِنْ جِبَالِ السِّنْدِ، وَكَانَ عَمْرٌو شَيْخَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي وَقْتِهِ، وَلَهُ كِتَابُ تَفْسِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَلَهُ كِتَابُ الرَّدِّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ، وَلَهُ كَلَامٌ كَثِيرٌ فِي الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ عَلَى اعْتِقَادِ الْمُعْتَزِلَةِ. وَوُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ
стр. 13
رَاجِعٌ إِلَى (؟) مَكَّةَ بِمَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ مِرَانُ، عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ مِنْ جِهَةِ الْبَصْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[التَّعْرِيفُ الْرابع الخبر صدق أو كذب]
(الرَّابِعُ)
الْخَبَرُ إِنْ طَابَقَ مَا فِي الْخَارِجِ فَهُوَ صِدْقٌ، وَإِنْ لَمْ يُطَابِقِ الْوَاقِعَ فِي الْخَارِجِ فَهُوَ كَذِبٌ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ مَعَ الصِّدْقِ، أَوْ عَدَمِهَا مَعَ الْكَذِبِ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَعْتَقِدَ شَيْئًا، أَوْ يَعْتَقِدَ عَدَمَ الْمُطَابَقَةِ مَعَ وُجُودِهَا، أَوْ يَعْتَقِدَ وُجُودَهَا مَعَ عَدَمِهَا. فَإِذَا عُلِمَ هَذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ خِلَافًا لِلْجَاحِظِ فِي زَعْمِهِ أَنَّ الْمُطَابَقَةَ مَعَ اعْتِقَادِ الْمُطَابَقَةِ صِدْقٌ، وَغَيْرَ الْمُطَابَقَةِ مَعَ اعْتِقَادِ عَدَمِ الْمُطَابَقَةِ كَذِبٌ، وَغَيْرُهُمَا وَاسِطَةٌ لَا صِدْقٌ وَلَا كَذِبٌ، فَيَدْخُلُ فِي الْوَاسِطَةِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ، فَتَصِيرُ الْأَقْسَامُ عِنْدَهُ سِتَّةً. وَيَكُونُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ فِي مُسْتَقْبَلٍ كَمَا يَكُونَانِ فِي زَمَنٍ مَاضٍ. وَمَوْرِدُهُمَا النِّسْبَةُ الَّتِي تَضَمَّنَهَا الْخَبَرُ بِإِيقَاعِ الْمُخْبِرِ.
وَمِنَ الْخَبَرِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ صِدْقُهُ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ: (أَحَدُهَا) مَا يَكُونُ عِلْمُ صِدْقِهِ ضَرُورِيًّا بِنَفْسِ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ، كَالْخَبَرِ الَّذِي بَلَغَتْ رُوَاتُهُ حَدَّ التَّوَاتُرِ لَفْظِيًّا كَانَ أَوْ مَعْنَوِيًّا عَلَى الْأَصَحِّ.
(الثَّانِي) : مَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا بِغَيْرِ نَفْسِ الْخَبَرِ، بَلْ لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِلضَّرُورِيِّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مُتَعَلِّقُهُ مَعْلُومًا لِكُلِّ أَحَدٍ مِنْ غَيْرِ كَسْبٍ وَتَكَرُّرٍ نَحْوَ: الْوَاحِدُ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ.
(الثَّالِثُ) : مَا يَكُونُ ضَرُورِيًّا، كَخَبَرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَخَبَرِ رَسُولِهِ ﷺ وَخَبَرِ كُلِّ الْأُمَّةِ ; لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ حُجَّةٌ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ عِلْمٌ بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ.
(النَّوْعُ الرَّابِعُ) : مَا يَكُونُ غَيْرَ ضَرُورِيٍّ وَغَيْرَ نَظَرِيٍّ، وَلَكِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلنَّظَرِ، وَهُوَ الْخَبَرُ الَّذِي عُلِمَ مُتَعَلَّقُهُ بِالنَّظَرِ، كَقَوْلِنَا: الْعَالَمُ حَادِثٌ.
وَمِنَ الْخَبَرِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ كَذِبُهُ، وَهُوَ أَيْضًا أَنْوَاعٌ:
(أَحَدُهَا) : مَا عُلِمَ خِلَافُهُ بِالضَّرُورَةِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: النَّارُ بَارِدَةٌ.
(الثَّانِي) : مَا عُلِمَ خِلَافُهُ بِالِاسْتِدْلَالِ، كَقَوْلِ الْفَيْلَسُوفِ: الْعَالَمُ قَدِيمٌ.
(الثَّالِثُ) : أَنْ يُوهِمَ أَمْرًا بَاطِلًا مِنْ غَيْرِ أَنْ
стр. 14
يَقْبَلَ التَّأْوِيلَ لِمُعَارَضَتِهِ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ، كَمَا لَوِ اخْتَلَقَ بَعْضُ الزَّنَادِقَةِ حَدِيثًا كَذِبًا عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ كَذِبٌ.
(الرَّابِعُ) : أَنْ يَدَّعِيَ شَخْصٌ الرِّسَالَةَ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ مُعْجِزَةٍ.
وَمِنَ الْخَبَرِ أَيْضًا مَا هُوَ مُحْتَمِلٌ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ: (فَالْأَوَّلُ) مَا تَقَدَّمَتْ أَنْوَاعُهُ الضَّرُورِيَّةُ مِنَ الْمُتَوَاتِرِ، وَمُوَافِقُ الضَّرُورِيِّ، وَنَظَرِيٌّ، كَخَبَرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَرَسُولِهِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَخَبَرِ مَنْ وَافَقَ أَحَدَهَا، أَوْ ثَبَتَ بِهِ صِدْقُهُ.
(الثَّانِي) مِنَ الْخَبَرِ الْمَعْلُومِ كَذِبُهُ: مَا تَقَدَّمَتْ أَنْوَاعُهُ مِمَّا خَالَفَ مَا عُلِمَ صِدْقُهُ.
(الثَّالِثُ) مِنَ الْخَبَرِ، وَهُوَ الْمُحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، فَثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ:
(أَحَدُهَا) : كَخَبَرِ الْعَدْلِ يَتَرَجَّحُ صِدْقُهُ عَلَى كَذِبِهِ، وَيَتَفَاوَتُ فِيهِ الظَّنُّ.
(الثَّانِي) : مَا ظُنَّ كَذِبُهُ، كَخَبَرِ الْكَذَّابِ، يَتَرَجَّحُ كَذِبُهُ عَلَى صِدْقِهِ، وَهُوَ مُتَفَاوِتٌ أَيْضًا.
وَ (الثَّالِثُ) : مَا شُكَّ فِيهِ، كَخَبَرِ مَجْهُولِ الْحَالِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الِاحْتِمَالَانِ لِعَدَمِ الْمُرَجِّحِ. وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ عِلْمِ صِدْقِ الْخَبَرِ كَذِبُهُ.
وَمَدْلُولُ الْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ هُوَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ لَا بِثُبُوتِهَا، فَإِذَا قِيلَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، فَمَدْلُولُهُ الْحُكْمُ بِثُبُوتِ قِيَامِهِ، لَا نَفْيُ ثُبُوتِ قِيَامِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ بِالنِّسْبَةِ ثُبُوتَ قِيَامِ زَيْدٍ، لَلَزِمَ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْخَبَرِ كَذِبًا، بَلْ يَكُونَ كُلُّهُ صِدْقًا. وَخَالَفَ الْقَرَافِيُّ، فَقَالَ: الْعَرَبُ لَمْ تَضَعِ الْخَبَرَ إِلَّا لِلصِّدْقِ ; لِاتِّفَاقِ اللُّغَوِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَامَ زَيْدٌ حُصُولُ الْقِيَامِ مِنْهُ فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي، وَاحْتِمَالُهُ الْكَذِبَ لَيْسَ مِنَ الْوَضْعِ، بَلْ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ. انْتَهَى.
قَالَ الْكُورَانِيُّ: التَّحْقِيقُ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ أَنَّ الْخَبَرَ - مِثْلَ: زَيْدٌ قَائِمٌ - إِذَا صَدَرَ عَنِ الْمُتَكَلِّمِ بِالْقَصْدِ يَدُلُّ عَلَى الْإِيقَاعِ، وَهُوَ الْحُكْمُ الَّذِي صَدَرَ عَنِ الْمُتَكَلِّمِ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى الْوُقُوعِ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا يُسَمَّى حُكْمًا، فَاحْتِمَالُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ وَصِدْقُ الْخَبَرِ وَكَذِبُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ الْإِيقَاعِ ; لِأَنَّهُ الْمُتَّصِفُ بِذَلِكَ لَا الْوُقُوعُ، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ إِفَادَةِ الْمُخَاطَبِ فَالْحُكْمُ هُوَ الْوُقُوعُ، لِأَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: زَيْدٌ قَائِمٌ، فَإِنَّمَا تُفِيدُ الْمُخَاطَبَ وُقُوعَ الْقِيَامِ، لَا أَنَّكَ أَوْقَعْتَ الْقِيَامَ عَلَى زَيْدٍ، فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ فَائِدَةً، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 15
[التَّعْرِيفُ الخامس تَعْرِيفُ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ وَمُتَعَلِّقَاتُ ذَلِكَ]
(الْخَامِسُ: تَعْرِيفُ الْمُتَوَاتِرِ وَالْآحَادِ وَمُتَعَلِّقَاتُ ذَلِكَ)
التَّوَاتُرُ لُغَةً: تَتَابُعَ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا بِمُهْلَةٍ، وَاصْطِلَاحًا: خَبَرُ عَدَدٍ يَمْتَنِعُ مَعَهُ لِكَثْرَتِهِ تَوَاطُؤٌ عَلَى كَذِبٍ عَنْ مَحْسُوسٍ أَوْ عَنْ عَدَدٍ، كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى مَحْسُوسٍ مِنْ مُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ. فَقَوْلُهُ خَبَرٌ جِنْسٌ يَشْمَلُ الْمُتَوَاتِرَ وَغَيْرَهُ، وَبِإِضَافَتِهِ إِلَى عَدَدٍ يَخْرُجُ خَبَرُ الْوَاحِدِ، وَبِقَوْلِهِ يَمْتَنِعُ مَعَهُ. . . إِلَخْ، يَخْرُجُ بِهِ خَبَرُ عَدَدٍ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ، وَخَرَجَ بِقَيْدِ الْمَحْسُوسِ مَا كَانَ عَنْ مَعْلُومٍ بِدَلِيلٍ عَقْلِيٍّ، كَإِخْبَارِ أَهْلِ السُّنَّةِ دَهْرِيًّا بِحُدُوثِ الْعَالَمِ لِتَجْوِيزِ غَلَطِهِمْ فِي الِاعْتِقَادِ. وَهَذَا الْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ مُفِيدٌ لِلْعِلْمِ بِنَفْسِهِ، فَقَيَّدَ بِنَفْسِهِ لِإِخْرَاجِ الْخَبَرِ الَّذِي صَدَّقَ الْمُخْبِرِينَ بِهِ، بِسَبَبِ الْقَرَائِنِ الْمُحْتَفَّةِ بِهِ.
وَالْحَاصِلُ بِخَبَرِ التَّوَاتُرِ ضَرُورِيٌّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالْأَكْثَرُ إِذْ لَوْ كَانَ نَظَرِيًّا لَافْتَقَرَ إِلَى تَوَسُّطِ الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَلَمَا حَصَلَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَلَسَاغَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ عَقْلًا كَسَائِرِ النَّظَرِيَّاتِ، فَالْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ مَا اضْطَرَّ الْعَقْلُ إِلَى التَّصْدِيقِ بِهِ. وَهَذَا كَذَلِكَ (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ الْكَلْوَذَانِيُّ وَجَمْعٌ) : إِنَّهُ نَظَرِيٌّ، إِذْ لَوْ كَانَ ضَرُورِيًّا لَمَا افْتَقَرَ إِلَى النَّظَرِ فِي الْمُقَدِّمَتَيْنِ، وَهُمَا اتِّفَاقُهُمْ عَلَى الْأَخْبَارِ وَامْتِنَاعُ تَوَاطُئِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ، فَصُورَةُ التَّرْتِيبِ مُمْكِنَةٌ. وَرُدَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُطَّرِدٌ فِي كُلِّ ضَرُورِيٍّ، (وَقَالَ الطُّوفِيُّ فِي كُلِّ مُخْتَصَرِهِ) : الْخِلَافُ لَفْظِيٌّ، إِذْ مُرَادُ الْأَوَّلِ بِالضَّرُورِيِّ مَا اضْطُرَّ الْعَقْلُ إِلَى تَصْدِيقِهِ، وَالثَّانِي الْبَدِيهِيُّ الْكَافِي فِي حُصُولِ الْجَزْمِ بِهِ تَصَوُّرُ طَرَفَيْهِ، وَالضَّرُورِيُّ يَنْقَسِمُ إِلَيْهِمَا، فَدَعْوَى كُلِّ فَرِيقٍ غَيْرُ دَعْوَى الْآخَرِ، وَالْجَزْمُ حَاصِلٌ عَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ.
ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ خَبَرَ التَّوَاتُرِ لَا يُوَلِّدُ الْعِلْمَ، بَلْ يَقَعُ الْعِلْمُ عِنْدَهُ بِفِعْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ، وَخَالَفَ قَوْمٌ، وَهُوَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ بِمَنْزِلَةِ إِجْرَاءِ الْعَادَةِ بِخَلْقِ الْوَلَدِ مِنَ الْمَنِيِّ، وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى خَلْقِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِالتَّوَلُّدِ.
وَالتَّوَاتُرُ مِنْ حَيْثُ هُوَ قِسْمَانِ: لَفْظِيٌّ، كَحَدِيثِ " «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» ". فَقَدْ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَيِّفٌ
стр. 16
وَسِتُّونَ صَحَابِيًّا، مِنْهُمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرُونَ بِالْجَنَّةِ، ﵃ أَجْمَعِينَ. وَالتَّوَاتُرُ يَكُونُ فِي الْقُرْآنِ كَالْقِرَاءَاتِ السَّبْعِ، وَاخْتُلِفَ فِي الثَّلَاثِ الْبَاقِيَةِ، هَلْ هِيَ مُتَوَاتِرَةٌ أَوْ لَا؟ وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُتَوَاتِرَةٌ. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَالْمُتَوَاتِرُ فِيهِ كَثِيرٌ. وَأَمَّا السُّنَّةُ فَالْمُتَوَاتِرُ فِيهَا قَلِيلٌ، حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ نَفَى الْمُتَوَاتِرَ اللَّفْظِيَّ مِنَ السُّنَّةِ إِلَّا حَدِيثَ " «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا» "، وَزَادَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ الْحَوْضِ، كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَحَلِّهِ، وَكَذَا حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: بَلَغَ التَّوَاتُرَ، وَحَدِيثُ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: رَوَاهُ نَحْوُ أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا، وَاسْتَفَاضَ وَتَوَاتَرَ. (وَأَمَّا التَّوَاتُرُ الْمَعْنَوِيُّ) مِنَ السُّنَّةِ بِأَنْ يَتَوَاتَرَ مَعْنًى فِي ضِمْنِ أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةِ الْأَلْفَاظِ مُتَّحِدَةِ الْمَعْنَى فَكَثِيرٌ، فَالْمُتَوَاتِرُ الْمَعْنَوِيُّ هُوَ تَغَايُرُ الْأَلْفَاظِ مَعَ الِاشْتِرَاكِ فِي مَعْنًى كُلِّيٍّ وَلَوْ بِطْرِيقِ اللُّزُومِ، كَحَدِيثِ الْحَوْضِ، وَسَخَاءِ حَاتِمٍ، وَشَجَاعَةِ عَلِيٍّ ﵁ وَغَيْرِهَا، وَذَلِكَ إِذَا كَثُرَتِ الْأَخْبَارُ فِي الْوَاقِعِ وَاخْتُلِفَ فِيهَا لَكِنْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنًى مُشْتَرِكٍ بَيْنَهَا بِجِهَةِ التَّضَمُّنِ أَوِ الِالْتِزَامِ، فَيَحْصُلُ الْعِلْمُ بِالْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ مَثَلًا الشَّجَاعَةُ لِعَلِيٍّ ﵁ وَالسَّخَاءُ لِحَاتِمٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَالْمُعْتَمَدُ عَدَمُ انْحِصَارِ التَّوَاتُرِ فِي عَدَدٍ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ حُصُولُ الْعَدَدِ إِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ عِنْدَهُ، وَلَا يَلْزَمُ الدَّوْرَ إِذْ حُصُولُ الْعِلْمِ مَعْلُولُ الْأَخْبَارِ وَدَلِيلُهُ، كَالشِّبَعِ وَالرَّيِّ مَعْلُولُ الْمُشَبَّعِ وَالْمَرْوِيِّ وَدَلِيلُهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الْقَدْرَ الْكَافِيَ مِنْهُمَا. وَيَخْتَلِفُ الْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالتَّوَاتُرِ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِنِ، كَالْهَيْئَاتِ الْمُقَارِنَةِ لِلْخَبَرِ الْمُوجِبَةِ لِتَعْرِيفِ مُتَعَلِّقِهِ، وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُخْبِرِينَ فِي اطِّلَاعِهِمْ عَلَى قَرَائِنِ التَّعْرِيفِ، وَاخْتِلَافِ إِدْرَاكِ الْمُسْتَمِعِينَ لِتَفَاوُتِ الْأَذْهَانِ وَالْقَرَائِحِ، وَاخْتِلَافِ الْوَقَائِعِ عَلَى عِظَمِهَا وَحَقَارَتِهَا. وَالْمُعْتَمَدُ حُصُولُ الْعِلْمِ بِالتَّوَاتُرِ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهُ، فَيَتَّفِقُ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي الْعِلْمِ بِهِ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَفَاوَتُ الْمَعْلُومُ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَالْمُحَقِّقِينَ، مِنْهُمْ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ لَا، قَالَ (الْمُحَقِّقُ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ) : الْأَصَحُّ التَّفَاوُتُ، فَإِنَّا نَجِدُ بِالضَّرُورَةِ الْفَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ، وَبَيْنَ مَا عَلِمْنَاهُ مِنْ جِهَةِ التَّوَاتُرِ مَعَ كَوْنِ الْيَقِينِ حَاصِلًا فِيهِمَا، وَكَمَا نُفَرِّقُ بَيْنَ عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ
стр. 17
الْيَقِينِ وَحَقِّ الْيَقِينِ. وَلَا يُشْتَرَطُ إِسْلَامُ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ فِي التَّوَاتُرِ، وَلَا عَدَالَتُهُمْ خِلَافًا لِقَوْمٍ اعْتَبَرُوهُمَا، قَالُوا: لِأَنَّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ عُرْضَةٌ لِلْكَذِبِ وَالتَّحْرِيفِ، وَلِأَنَّ النَّصَارَى نَقَلُوا أَنَّ الْيَهُودَ قَتَلُوا الْمَسِيحَ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالنَّصِّ، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٧] وَبِالْإِجْمَاعِ.
وَالْجَوَابُ: أَنَّا نَمْنَعُ حُصُولَ شَرْطِ التَّوَاتُرِ لِلِاخْتِلَالِ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَبْلُغُوا عَدَدَ التَّوَاتُرِ، وَكَذَا الْجَوَابُ عَنْ أَخْبَارِ الْإِمَامِيَّةِ بِالنَّصِّ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ ﵁. وَلَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ لَا يَحْوِيهِمْ بَلَدٌ، وَلَا يُحْصِيهِمْ عَدَدٌ، خِلَافًا لِطَوَائِفَ مِنَ الْفُقَهَاءِ ; لِأَنَّ أَهْلَ الْجَامِعِ لَوْ أَخْبَرُوا عَنْ سُقُوطِ الْمُؤَذِّنِ عَنِ الْمَنَارَةِ، وَالْخَطِيبِ عَنِ الْمِنْبَرِ، لَكَانَ إِخْبَارُهُمْ مُفِيدًا لِلْعِلْمِ، فَضْلًا عَنْ أَهْلِ بَلَدٍ.
وَأَمَّا الْآحَادُ فَهُوَ مَا عَدَا الْمُتَوَاتِرَ، فَدَخْلٌ مُسْتَفِيضٌ مَشْهُورٌ، وَهُوَ مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ عُدُولٍ. وَعَزِيزٌ وَهُوَ مَا (لَا) تَنْقُصُ نَقَلَتُهُ عَنْ عَدْلَيْنِ. وَخَبَرُ الْآحَادِ إِنْ كَانَ مُسْتَفِيضًا مَشْهُورًا، أَفَادَ عِلْمًا نَظَرِيًّا، كَمَا نَقَلَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيِّ وَابْنِ فُورَكٍ، وَقِيلَ: يُفِيدُ الْقَطْعَ، وَغَيْرُ الْمُسْتَفِيضِ مِنْ سَائِرِ أَخْبَارِ الْآحَادِ يُفِيدُ الظَّنَّ فَقَطْ، وَلَوْ مَعَ قَرِينَةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِاحْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَنَحْوِهِمَا عَلَى مَا دُونَ عَدَدِ رُوَاةِ الْمُسْتَفِيضِ لِقُرْبِ احْتِمَالِ السَّهْوِ وَالْخَطَأِ عَلَى عَدَدِهِمُ الْقَلِيلِ، وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ وَابْنُ حَمْدَانَ وَالطُّوفِيُّ وَجَمْعٌ: إِنَّهُ يُفِيدُ الْعِلْمَ بِالْقَرَائِنِ، قَالَ الْعَلَّامَةُ عَلَاءُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمَرْدَاوِيُّ فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ: وَهَذَا أَظْهَرُ وَأَصَحُّ، وَالْقَرَائِنُ وَإِنْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يُمْكِنُ أَنْ تُضْبَطَ بِعَادَةٍ، فَقَدْ قَالَ غَيْرُهُ: بَلْ يُمْكِنُ أَنْ تُضْبَطَ بِمَا تَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، كَسُكُونِهَا إِلَى الْمُتَوَاتِرِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ، بِحَيْثُ لَا يَبْقَى فِيهَا احْتِمَالٌ عِنْدَهُ أَلْبَتَّةَ. إِلَّا إِذَا نَقَلَهُ؛ أَيْ: نَقَلَ خَبَرَ الْآحَادِ غَيْرَ الْمُسْتَفِيضِ آحَادُ الْأَئِمَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِمْ وَعَلَى إِمَامَتِهِمْ وَجَلَالَتِهِمْ وَضَبْطِهِمْ مِنْ طُرُقٍ مُتَسَاوِيَةٍ، وَتَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ فَيُفِيدُ الْعِلْمَ حِينَئِذٍ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا.
стр. 18
وَاخْتَارَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَالْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ، وَقَالَ: الَّذِي عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ﵃ أَجْمَعِينَ - أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إِذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا وَعِلْمًا بِهِ يُوجِبُ الْعَمَلَ، إِلَّا فِرْقَةً قَلِيلَةً تَبِعُوا طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ وَأَبُو الطَّيِّبِ، وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالسَّرْخَسِيُّ وَأَمْثَالُهُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ وَالسَّلَفُ، وَأَكْثَرُ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرُهُمُ. انْتَهَى.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: مَا أَسْنَدَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ - الْعِلْمَ الْيَقِينِيَّ النَّظَرِيَّ - وَاقِعٌ لَهُ، خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ نَفَى ذَلِكَ مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ فِي أَصْلِهِ إِلَّا الظَّنَّ، وَإِنَّمَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ ; لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ، قَالَ: وَالظَّنُّ قَدْ يُخْطِئُ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَقَدْ كُنْتُ أَمِيلُ إِلَى هَذَا وَأَحْسَبُهُ قَوِيًّا، ثُمَّ بَانَ لِي أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي اخْتَرْنَاهُ أَوَّلًا هُوَ الصَّحِيحُ ; لِأَنَّ ظَنَّ مَنْ هُوَ مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَأِ لَا يُخْطِئُ، وَالْأُمَّةُ فِي إِجْمَاعِهَا مَعْصُومَةٌ مِنَ الْخَطَأِ. وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: خَالَفَ ابْنَ الصَّلَاحِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ، وَقَالُوا: يُفِيدُ الظَّنَّ مَا لَمْ يَتَوَاتَرِ. انْتَهَى.
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَأَبُو حَامِدٍ، وَابْنُ بُرْهَانٍ، وَالْفَخْرُ الرَّازِيُّ، وَالسَّيْفُ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُمْ: لَا يُفِيدُ الْعِلْمَ مَا نَقَلَهُ آحَادُ الْأُمَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ تُلُقِّيَ بِالْقَبُولِ. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: يُفِيدُهُ عَمَلًا لَا قَوْلًا. انْتَهَى. وَنَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: أَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ، وَلَا نَشْهَدُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْأَثَرِ وَالنَّظَرِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَوْ مَعَ قَرِينَةٍ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: أَخْبَارُ الرُّؤْيَةِ حَقٌّ، نَقْطَعُ عَلَى الْعِلْمِ بِهَا. وَقَالَ لَهُ الْمَرُّوذِيُّ: هُنَا إِنْسَانٌ يَقُولُ: الْخَبَرُ يُوجِبُ عَمَلًا لَا عِلْمًا. فَعَابَهُ وَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا هَذَا. وَفِي كِتَابِ الرِّسَالَةِ لِأَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ الْفَارِسِيِّ، عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: لَا نَشْهَدُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَنَّهُ فِي النَّارِ لِذَنْبٍ عَمِلَهُ، وَلَا لِكَبِيرَةِ أَتَاهَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ كَمَا جَاءَ، نُصَدِّقُهُ وَنَعْلَمُ أَنَّهُ كَمَا جَاءَ. قَالَ الْقَاضِي: ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُفِيدُ.
стр. 19
وَذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي مُقَدِّمَةِ الْمُجَرَّدِ عَنْ عُلَمَائِنَا، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْأَثَرِ، وَبَعْضُ أَهْلِ النَّظَرِ، وَالظَّاهِرِيَّةُ، وَابْنُ خُوَيْزَ مِنْدَادَ الْمَالِكِيُّ، وَأَنَّهُ مُخَرَّجٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ. وَلَمَّا وَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ عَلَى اخْتِيَارِ ابْنِ الصَّلَاحِ مِنْ أَنَّ مَا أُسْنِدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَقْطُوعٌ بِصِحَّتِهِ، قَالَ: وَإِنَّا مَعَ ابْنِ الصَّلَاحِ فِيمَا عَوَّلَ عَلَيْهِ وَأَرْشَدَ إِلَيْهِ. قَالَ: ثُمَّ وَقَفْتُ عَلَى كَلَامٍ لِشَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، مَضْمُونُهُ أَنَّهُ نَقَلَ الْقَطْعَ بِالْحَدِيثِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ عَنْ جَمَاعَاتٍ، وَنَقَلَ مَا قَدَّمْنَا عَنْهُ، وَزَادَ: وَابْنُ حَامِدٍ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَأَمْثَالُهُمْ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَاطِبَةً، وَمَذْهَبُ السَّلَفِ عَامَّةً.
(تَنْبِيهٌ) : قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُسْتَفِيضَ مَا زَادَ نَقَلَتُهُ عَلَى ثَلَاثَةِ عُدُولٍ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونُوا أَرْبَعَةً فَصَاعِدًا. وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَا عَدَّهُ النَّاسُ شَائِعًا. وَقَالَ مُحْيِي الدِّينِ يُوسُفُ الْجَوْزِيُّ: الْمُسْتَفِيضُ مَا ارْتَفَعَ عَنْ ضَعْفِ الْآحَادِ، وَلَمْ يَلْتَحِقْ بِقُوَّةِ الْمُتَوَاتِرِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[التَّعْرِيفُ السَّادِسُ الأخذ بالآحاد في العقائد]
(السَّادِسُ)
يُعْمَلُ بِخَبَرِ الْآحَادِ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَحَكَى الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: لَا نَتَحَدَّى الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: يُعْمَلُ بِهِ فِي الدِّيَانَاتِ إِذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: قَدْ تَلَقَّتْهَا الْعُلَمَاءُ بِالْقَبُولِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ قَاضِي الْجَبَلِ: مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ أَخْبَارَ الْآحَادِ الْمُتَلَقَّاةَ بِالْقَبُولِ تَصْلُحُ لِإِثْبَاتِ أُصُولِ الدِّيَانَاتِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي مُقَدِّمَةِ الْمُجَرَّدِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي عَقِيدَتِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا: لَا يُعْمَلُ بِهِ فِيهَا. وَلَا يُكَفَّرُ مُنْكِرُ خَبَرِ الْآحَادِ فِي الْأَصَحِّ، حَكَى ابْنُ حَمَّادٍ الْوَجْهَيْنِ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَ تَكْفِيرَهُ عَنِ الْإِمَامِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ. قَالَ فِي الْمُسَوَّدَةِ: قَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ مَنْ يَجْحَدُ مَا ثَبَتَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ فِي أُصُولِهِ عَنْ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ
стр. 20
وَجْهَيْنِ، وَالتَّكْفِيرُ مَنْقُولٌ عَنِ الْإِمَامِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ. انْتَهَى. قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَكِنَّ غَالِبَ أَصْحَابِنَا عَلَى كُفْرِهِ، فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالصِّفَاتِ. وَذَكَرَ فِي مَكَانٍ آخَرَ: إِنْ جَحَدَ أَخْبَارَ الْآحَادِ كَفَرَ، كَالْمُتَوَاتِرِ عِنْدَنَا، فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ. فَأَمَّا مَنْ جَحَدَ الْعِلْمَ بِهَا فَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ، وَيَكْفُرُ فِي نَحْوِ مَا وَرَدَ فِي الْإِسْرَاءِ وَالنُّزُولِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الصِّفَاتِ، كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْجِرَاعِيِّ عَلَى أُصُولِ الْعَلَّامَةِ ابْنِ اللَّحَّامِ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي شَرْحِ الْعَقِيدَةِ الْأَصْفَهَانِيَّةِ: يَجِبُ تَصْدِيقُ كُلِّ مُسْلِمٍ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ صِفَاتِهِ - تَعَالَى - فَلَيْسَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ بِعَيْنِهَا، فَإِنَّهُ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ إِذَا أَخْبَرَنَا بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَجَبَ عَلَيْنَا التَّصْدِيقُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ نُدْرِكْ ثُبُوتَهُ بِعُقُولِنَا، وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ حَتَّى يَعْلَمَهُ بِعَقْلِهِ فَقَدْ أَشْبَهَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْهُمْ ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ، وَمَنْ سَلَكَ هَذَا السَّبِيلَ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ مُؤْمِنًا بِالرَّسُولِ، وَلَا مُتَلَقِّيًا عَنْهُ الْأَخْبَارَ بِشَأْنِ الرُّبُوبِيَّةِ، كَمَا سَنَذْكُرُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي مَحَالِّهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى.
[التَّعْرِيفُ السَّابع بيان المراد بمذهب السلف]
(السَّابِعُ)
الْمُرَادُ بِمَذْهَبِ السَّلَفِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَأَعْيَانُ التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَأَتْبَاعُهُمْ وَأَئِمَّةُ الدِّينِ مِمَّنْ شُهِدَ لَهُ بِالْإِمَامَةِ، وَعُرِفَ عِظَمُ شَأْنِهِ فِي الدِّينِ، وَتَلَقَّى النَّاسُ كَلَامَهُمْ خَلَفٌ عَنْ سَلَفٍ، دُونَ مَنْ رُمِيَ بِبِدْعَةٍ، أَوْ شُهِرَ بِلَقَبٍ غَيْرِ مَرْضِيٍّ مِثْلِ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَالْجَبْرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْكَرَّامِيَّةِ، وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ مِمَّا يَأْتِي ذِكْرُهُمْ عِنْدَ تَعْدَادِ الْفِرَقِ، لَكِنْ لَمَّا كَانَ
стр. 21
فُشُوُّ الْبِدَعِ وَظُهُورُهَا بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ لَمَّا عُرِّبَتِ الْكُتُبُ الْعَجَمِيَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَزَادَ الْبَلَاءُ، وَأَظْهَرَ الْمَأْمُونُ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، وَظَهَرَ مَذْهَبُ الِاعْتِزَالِ ظُهُورًا لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ ; بِسَبَبِ انْحِرَافِ الْخُلَفَاءِ عَنْ مَذْهَبِ الْحَقِّ، وَكَانَ الَّذِي قَامَ فِي نُحُورِهِمْ، وَرَدِّ مَقَالَتِهِمْ، وَإِبْطَالِ مَذْهَبِهِمْ وَتَزْيِيفِهِ، وَذَمِّ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِ، أَوْ عَوَّلَ عَلَيْهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى ذَوِيهِ، أَوْ نَاضَلَ عَنْهُ، أَوْ مَالَ إِلَيْهِ سَيِّدَنَا وَقُدْوَتَنَا الْإِمَامَ الْمُبَجَّلَ، وَالْحَبْرَ الْبَحْرَ الْمُفَضَّلَ، أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ. نُسِبَ مَذْهَبُ السَّلَفِ إِلَيْهِ، وَعُوِّلَ أَهْلُ عَصْرِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ فَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَأْثُورُ، وَالْحَقُّ الثَّابِتُ الْمَشْهُورُ لِسَائِرِ أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَأَعْيَانِ الْأُمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ، قَالَ حَرْبُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكَرْمَانِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُصَنَّفِ فِي مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ وَإِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَاهَوَيْهِ مَعَ مَا ذَكَرَ فِيهَا مِنَ الْآثَارِ عَنِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَالصَّحَابَةِ الْأَبْرَارِ، وَالتَّابِعِينَ الْأَطْهَارِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، قَالَ: هَذَا مَذْهَبُ أَئِمَّةِ الْعِلْمِ، وَأَصْحَابِ الْأَثَرِ الْمَعْرُوفِينَ بِالسُّنَّةِ، الْمُقْتَدَى بِهِمْ فِيهَا، وَأَدْرَكْتُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنْ عُلَمَاءِ الْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ عَلَيْهَا، فَمَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ، أَوْ طَعَنَ فِيهَا، أَوْ عَابَ قَائِلَهَا، فَهُوَ مُبْتَدِعٌ خَارِجٌ عَنِ الْجَمَاعَةِ، زَائِلٌ عَنْ سَبِيلِ السُّنَّةِ وَمَنْهَجِ الْحَقِّ. قَالَ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَبَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْحُمَيْدِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ، وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ جَالَسْنَا، وَأَخَذْنَا عَنْهُمُ الْعِلْمَ. فَذَكَرَ الْكَلَامَ فِي الْإِيمَانِ وَالْقَدَرِ، وَالْوَعِيدِ وَالْإِمَامَةِ. . . إِلَخْ كَلَامِهِ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ فِي مَحَالِّهِ. وَمِمَّنْ أَلَّفَ فِي عَقَائِدِ السَّلَفِ، وَذَكَرَ مُعْتَقَدَهُمْ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ السَّلَفِ مِثْلَ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَتَفْسِيرِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَبَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٍ، وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبِي الشَّيْخِ الْأَصْفَهَانِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مَرْدَوَيْهِ وَغَيْرِهِمْ. وَكَذَلِكَ الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ فِي السُّنَّةِ وَالرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ، وَأُصُولِ الدِّينِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ السَّلَفِ، مِثْلَ كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُعْفِيِّ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ، وَكِتَابِ خَلْقِ
стр. 22
الْأَفْعَالِ لِلْبُخَارِيِّ، وَكِتَابِ السُّنَّةِ لِأَبِي دَاوُدَ، وَلِأَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَلِحَنْبَلِ بْنِ إِسْحَاقَ، وَلِأَبِي بَكْرٍ الْخَلَّالِ، وَلِأَبِي الشَّيْخِ الْأَصْفَهَانِيِّ، وَلِأَبِي الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيِّ، وَلِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ وَأَمْثَالِهِمْ، وَكِتَابِ الشَّرِيعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ الْآجُرِّيِّ، وَالْإِبَانَةِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بَطَّةَ، وَكِتَابِ الْأُصُولِ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الطَّلَمَنْكِيِّ، وَكِتَابِ رَدِّ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ، وَكِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ لَهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ. فَالْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالسُّفْيَانَانِ وَالْحَمَّادَانِ وَابْنَا أَبِي شَيْبَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَأَبُو عُبَيْدِ بْنُ سَلَّامٍ، وَمِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ الْإِمَامُ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ إِمَامُ أَهْلِ خُرَاسَانَ بَعْدَ إِسْحَاقَ بِلَا مُدَافَعَةٍ، وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عَلَى عَقِيدَةٍ وَاحِدَةٍ سَلَفِيَّةٍ أَثَرِيَّةٍ، وَإِنْ كَانَ الِاشْتِهَارُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ﵁ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، حَتَّى إِنَّ الشَّيْخَ أَبَا حَسَنٍ الْأَشْعَرِيَّ قَالَ فِي كِتَابِهِ - الْإِبَانَةِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَةِ - مَا نَصُّهُ بِحُرُوفِهِ: " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ أَنْكَرْتُمْ قَوْلَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُرْجِئَةِ، فَعَرِّفُونَا قَوْلَكُمُ الَّذِي بِهِ تَقُولُونَ، وَدِيَانَتَكُمُ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ، قِيلَ لَهُ: قَوْلُنَا الَّذِي بِهِ نَقُولُ، وَدِيَانَتُنَا الَّتِي بِهَا نَدِينُ، التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، فَنَحْنُ بِذَلِكَ مُعْتَصِمُونَ، وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ - قَائِلُونَ، وَلِمَنْ خَالَفَ قَوْلَهُ مُجَانِبُونَ ; لِأَنَّهُ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ، وَالرَّئِيسُ الْكَامِلُ، الَّذِي أَبَانَ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ عِنْدَ ظُهُورِ الضَّلَالِ، وَأَوْضَحَ بِهَا الْمِنْهَاجَ، وَقَمَعَ بِهِ الْمُبْتَدِعِينَ، فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنْ إِمَامٍ مُقَدَّمٍ، وَكَبِيرٍ مُفَهَّمٍ، وَعَلَى جَمِيعِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ". انْتَهَى. فَنَسَبَ الْمَذْهَبَ إِلَيْهِ لِاشْتِهَارِهِ بِذَلِكَ، مَعَ أَنَّ سَائِرَ أَئِمَّةِ الدِّينِ سَلَكُوا تِلْكَ الْمَسَالِكَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
стр. 23
[التَّعْرِيفُ الثامن أول ظهور البدع]
(الثَّامِنُ)
قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ فِي الْأَوَائِلِ: أَوَّلُ مَنْ تَفَوَّهَ بِكَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ فِي الِاعْتِقَادِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ مُؤَدِّبُ مَرْوَانَ الْحِمَارِ آخِرِ مُلُوكِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ بِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا يَتَكَلَّمُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الرِّسَالَةِ الْحَمَوِيَّةِ الْكُبْرَى: أَصْلُ فُشُوِّ الْبِدَعِ بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ نَبَغَ أَصْلُهَا فِي أَوَاخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ. قَالَ: ثُمَّ أَصْلُ مَقَالَةِ التَّعْطِيلِ لِلصِّفَاتِ إِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَلَامِذَةِ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ وَضُلَّالِ الصَّابِئِينَ، فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي الْإِسْلَامِ هُوَ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، وَأَخَذَهَا عَنْهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَأَظْهَرَهَا فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْجَعْدَ أَخَذَ مَقَالَتَهُ عَنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ، وَأَخَذَهَا أَبَانُ عَنْ طَالُوتَ ابْنِ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ. (وَأَخَذَهَا طَالُوتُ، عَنْ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ) الْيَهُودِيِّ السَّاحِرِ، الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانَ الْجَعْدُ هَذَا فِيمَا قِيلَ مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ، وَكَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ بَقَايَا أَهْلِ دِينِ النُّمْرُودِ وَالْكَنْعَانِيِّينَ، الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ السَّاحِرِينَ فِي سِحْرِهِمْ، وَالنُّمْرُودُ هُوَ مَلِكُ الصَّابِئَةِ، كَمَا أَنَّ كِسْرَى مَلِكُ الْفُرْسِ وَالْمَجُوسِ، فَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ لَا اسْمُ عَلَمٍ. قَالَ: وَكَانَتِ الصَّابِئَةُ إِذْ ذَاكَ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ عَلَى الشِّرْكِ، وَعُلَمَاؤُهُمُ الْفَلَاسِفَةُ، وَإِنْ كَانَ الصَّابِئُ قَدْ لَا يَكُونُ مُشْرِكًا، بَلْ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] ، لَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ أَوْ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا كُفَّارًا وَمُشْرِكِينَ، وَكَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ، وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ.
وَمَذْهَبُ النُّفَاةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَيْسَ لَهُ صِفَاتٌ إِلَّا سَلْبِيَّةً أَوْ إِضَافِيَّةً أَوْ مُرَكَّبَةً مِنْهُمَا، وَهُمُ الَّذِينَ بُعِثَ سَيِّدُنَا إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إِلَيْهِمْ، فَيَكُونُ الْجَعْدُ أَخَذَ عَقِيدَتَهُ عَنِ الصَّابِئَةِ الْفَلَاسِفَةِ، وَأَخَذَهَا الْجَهْمُ أَيْضًا - فِيمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، ﵁ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ أَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ دَخَلَ حَرَّانَ، وَأَخَذَ عَنْ فَلَاسِفَةِ الصَّابِئَةِ تَمَامَ فَلْسَفَتِهِ، لَمَّا نَاظَرَ السَّمْنِيَّةَ بَعْضَ فَلَاسِفَةِ الْهِنْدِ، وَهُمُ
стр. 24
الَّذِينَ يَجْحَدُونَ مِنَ الْعُلُومِ مَا سِوَى الْحِسِّيَّاتِ، فَرَجَعَتْ أَسَانِيدُ الْجَهْمِ إِلَى الْيَهُودِ وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ الضَّالِّينَ، إِمَّا مِنَ الصَّابِئِينَ، وَإِمَّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا عُرِّبَتِ الْكُتُبُ الرُّومِيَّةُ زَادَ الْبَلَاءُ مَعَ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي قُلُوبِ أَهْلِ الضَّلَالِ ابْتِدَاءً مِنْ جِنْسِ مَا أَلْقَاهُ فِي قُلُوبِ أَشْبَاهِهِمْ.
وَلَمَّا كَانَ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ، انْتَشَرَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ الَّتِي كَانَ السَّلَفُ يُسَمُّونَهَا مَقَالَةَ الْجَهْمِيَّةِ ; بِسَبَبِ بِشْرِ بْنِ غِيَاثٍ الْمَرِيسِيِّ وَذَوِيهِ. وَكَلَامُ الْأَئِمَّةِ مِثْلَ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَبِشْرٍ الْحَافِي، وَغَيْرِهِمْ فِي هَؤُلَاءِ فِي ذَمِّهِمْ وَتَضْلِيلِهِمْ مَعْرُوفٌ، وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ الْمَوْجُودَةُ الْيَوْمَ بِأَيْدِي النَّاسِ مِثْلَ أَكْثَرِ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ فِي كِتَابِ (التَّأْوِيلَاتِ) ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِيُّ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ (تَأْسِيسَ التَّقْدِيسِ) ، وَيُوجَدُ كَثِيرٌ مِنْهَا فِي كَلَامِ خَلْقٍ غَيْرِ هَؤُلَاءِ، مِثْلَ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ، وَعَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَدَ الْهَمَذَانِيِّ، وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ، هِيَ بِعَيْنِهَا التَّأْوِيلَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ فِي كِتَابِهِ، كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ الرَّدِّ الَّذِي صَنَّفَهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمَشَاهِيرِ فِي زَمَنِ الْبُخَارِيِّ، وَسَمَّى كِتَابَهُ (رُدُّ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى الْكَاذِبِ الْعَنِيدِ، فِيمَا افْتَرَى مِنَ التَّوْحِيدِ) ، فَإِنَّهُ حَكَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِأَعْيَانِهَا عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ، ثُمَّ رَدَّهَا بِكَلَامٍ إِذَا طَالَعَهُ الْعَاقِلُ الذَّكِيُّ، يُسَلِّمُ حَقِيقَةَ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ، وَيَتَبَيَّنُ لَهُ ظُهُورُ الْحُجَّةِ لِطَرِيقِهِمْ، وَضَعْفُ حُجَّةِ مَنْ خَالَفَهُمْ.
وَقَدْ أَجْمَعَ أَئِمَّةُ الْهُدَى عَلَى ذَمِّ الْمَرِيسِيَّةِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ كَفَّرَهُمْ وَضَلَّلَهُمْ، وَيُعْلَمُ بِمُطَالَعَةِ كِتَابِ ابْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ السَّارِيَ فِي هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ تَسَمَّوْا بِالْخَلَفِ هُوَ مَذْهَبُ الْمَرِيسِيَّةِ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَمَذْهَبُ السَّلَفِ حَقٌّ بَيْنَ بَاطِلَيْنِ، وَهُدًى بَيْنَ ضَلَالَيْنِ، قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: لَا يُوصَفُ اللَّهُ - تَعَالَى - إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَوَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ لَا نَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ: مَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ - تَعَالَى - بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِنْ
стр. 25
غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، فَالْمُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا، وَالْمُمَثِّلُ يَعْبُدُ صَنَمًا، وَالْمُسَلِّمُ يَعْبُدُ إِلَهَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[التَّعْرِيفُ التاسع مَذْهَبُ السَّلَفِ هُوَ الْمَذْهَبُ الحق]
(التَّاسِعُ)
مَذْهَبُ السَّلَفِ هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُورُ، وَالْحَقُّ الثَّابِتُ الْمَأْثُورُ، وَأَهْلُهُ هُمُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ، وَالطَّائِفَةُ الْمَرْحُومَةُ الَّتِي هِيَ بِكُلِّ خَيْرٍ فَائِزَةٌ، وَلِكُلِّ مَكْرُمَةٍ رَاجِيَةٌ، مِنَ الشَّفَاعَةِ وَالْوُرُودِ عَلَى الْحَوْضِ، وَرُؤْيَةِ الْحَقِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ، وَالتَّسْلِيمِ لِمَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ، فَمِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَكُونَ الْخَالِفُونَ أَعْلَمَ مِنَ السَّالِفِينَ، كَمَا يَقُولُهُ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَدَيْهِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ قَدْرَ السَّلَفِ، وَلَا عَرَفَ اللَّهَ - تَعَالَى - وَلَا رَسُولَهُ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ بِهِ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا مِنْ أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ أَسْلَمُ، وَطَرِيقَةَ الْخَلَفِ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ، وَهَؤُلَاءِ إِنَّمَا أُتُوا مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ طَرِيقَةَ السَّلَفِ هِيَ مُجَرَّدُ الْإِيمَانِ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ فِقْهِ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّيِّينَ، وَأَنَّ طَرِيقَةَ الْخَلَفِ هِيَ اسْتِخْرَاجُ مَعَانِي النُّصُوصِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْ حَقَائِقِهَا بِأَنْوَاعِ الْمَجَازَاتِ وَغَرَائِبِ اللُّغَاتِ، فَهَذَا الظَّنُّ الْفَاسِدُ أَوْجَبَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ الَّتِي مَضْمُونُهَا نَبْذُ الْإِسْلَامِ وَرَاءَ الظُّهُورِ، وَقَدْ كَذَبُوا وَأَفَكُوا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ، وَضَلُّوا فِي تَصْوِيبِ طَرِيقَةِ الْخَلَفِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ بَاطِلَيْنِ: الْجَهْلِ بِطَرِيقَةِ السَّلَفِ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِمْ، وَالْجَهْلِ وَالضَّلَالِ بِتَصْوِيبِ طَرِيقَةِ غَيْرِهِمْ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ (بَيَانِ فَضْلِ عِلْمِ السَّلَفِ عَلَى عِلْمِ الْخَلَفِ) مَا نَصُّهُ: " وَمِنْ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ مَا أَحْدَثَهُ الْمُعْتَزِلَةُ، وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ، مِنَ الْكَلَامِ فِي ذَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَصِفَاتِهِ بِأَدِلَّةِ الْعُقُولِ، وَهِيَ أَشَدُّ خَطَرًا مِنَ الْكَلَامِ فِي الْقَدَرِ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْقَدَرِ كَلَامٌ فِي أَفْعَالِهِ، وَهَذَا كَلَامٌ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَيَنْقَسِمُ هَؤُلَاءِ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَنْ نَفَى كَثِيرًا مِمَّا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ; لِاسْتِلْزَامِهِ عِنْدَهُ التَّشْبِيهَ كَنَفْيِ الرُّؤْيَةِ وَالِاسْتِوَاءِ، وَهَذَا طَرِيقُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ، وَقَدِ اتَّفَقَ السَّلَفُ عَلَى تَبْدِيعِهِمْ وَتَضْلِيلِهِمْ، وَقَدْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إِلَى السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَالثَّانِي مَنْ رَامَ إِثْبَاتَ ذَلِكَ بِأَدِلَّةِ الْعُقُولِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ بِهَا الْأَثَرُ، وَرُدَّ عَلَى أُولَئِكَ
стр. 26
مَقَالَتُهُمْ، كَالْكَرَّامِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، حَتَّى إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ الْجِسْمَ، إِمَّا لَفْظًا وَإِمَّا مَعْنًى، وَمِنْهُمْ مَنْ أَثْبَتَ لَهُ - تَعَالَى - صِفَاتٍ لَمْ يَأْتِ بِهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كَالْحَرَكَةِ، وَقَدْ أَنْكَرَ السَّلَفُ عَلَى مُقَاتِلٍ رَدَّهُ عَلَى جَهْمٍ بِأَدِلَّةِ الْعَقْلِ، وَبَالَغُوا فِي الطَّعْنِ عَلَيْهِ، وَالصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ إِمْرَارِ آيَاتِ الصِّفَاتِ وَأَحَادِيثِهَا كَمَا جَاءَتْ، مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، وَلَا يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ خِلَافُ ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ، خُصُوصًا الْإِمَامَ أَحْمَدَ، ﵁.
وَلَا خَوْضٌ فِي مَعَانِيهَا، وَلَا ضَرْبُ مَثَلٍ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْ زَمَنِهِ فِيهِمْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ ذَلِكَ (؟) اتِّبَاعًا لِطَرِيقَةِ مُقَاتِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، فَلَا يُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الِاقْتِدَاءُ بِأَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ كَابْنِ الْمُبَارَكِ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ وَنَحْوِهِمْ ﵃، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِهِمْ شَيْءٌ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِينَ، فَضْلًا عَنْ كَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ، وَلَمْ يُدْخِلْ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِ مَنْ سَلِمَ مِنْ قَدْحٍ وَجَرْحٍ، وَقَدْ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ: كُلُّ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلَمْ يَصُنْ عِلْمَهُ، وَاحْتَاجَ فِي نَشْرِهِ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ فَلَسْتُمْ مِنْهُ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ أَيْضًا: وَفِي زَمَانِنَا تَتَعَيَّنُ كِتَابَةُ كَلَامِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ إِلَى زَمَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَلْيَكُنِ الْإِنْسَانُ عَلَى حَذَرٍ مِمَّا حَدَثَ بَعْدَهُمْ، فَإِنَّهُ حَدَثَ بَعْدَهُمْ حَوَادِثُ كَثِيرَةٌ، وَحَدَثَ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى مُتَابَعَةِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ وَنَحْوِهِمْ، وَهُوَ أَشَدُّ مُخَالَفَةً لَهَا ; لِشُذُوذِهِ عَنِ الْأُمَّةِ، وَانْفِرَادِهِ عَنْهُمْ بِفَهْمٍ يَفْهَمُهُ، أَوْ بِأَخْذِ مَا لَمْ تَأْخُذْ بِهِ الْأُمَّةُ مِنْ قَبْلِهِ، وَأَمَّا الدُّخُولُ مَعَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ فَشَرٌّ مَحْضٌ، وَقَلَّ مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا وَتَلَطَّخَ بِبَعْضِ أَوْضَارِهِمْ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: لَا يَخْلُو مَنْ نَظَرَ فِي الْكَلَامِ إِلَّا تَجَهَّمَ.
وَكَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ يُحَذِّرُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، وَإِنْ ذَبُّوا عَنِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا مَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ مَنْ أَحَبَّ الْكَلَامَ الْمُحْدَثَ، وَاتَّبَعَ أَهْلَهُ مِنْ ذَمِّ مَنْ لَا يَتَوَسَّعُ فِي الْخُصُومَاتِ وَالْجِدَالِ وَنِسْبَتِهِ إِلَى الْجَهْلِ أَوِ الْحَشْوِ، أَوْ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ عَارِفٍ بِاللَّهِ أَوْ بِدِينِهِ، فَمِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَفِي الْآدَابِ لِلْعَلَّامَةِ ابْنِ مُفْلِحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنِ الطَّبَرَانِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: قُبُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ
стр. 27
الْكَبَائِرِ رَوْضَةٌ، وَقُبُورُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ مِنَ الزَّنَادِقَةِ حُفْرَةٌ. فُسَّاقُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ، وَزُهَّادُ أَهْلِ الْبِدْعَةِ أَعْدَاءُ اللَّهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَسْمَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» . وَخَرَّجَهُ أَهْلُ السُّنَنِ مِنْ وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي بَعْضِهَا: " «وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ» . وَفِي بَعْضِهَا: " «أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: " اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي» ". وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ وَزَادَ: " «وَارْزُقْنِي عِلْمًا تَنْفَعُنِي بِهِ» ". وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا بِأَبْسَطَ مِنْ هَذَا فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[التَّعْرِيفُ العاشر اعتماد المؤلف على الِاسْتِدْلَالُ بِالْكِتَابِ والسنة]
(الْعَاشِرُ)
اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ - تَعَالَى - أَنَّ اصْطِلَاحِي فِي هَذَا الشَّرْحِ الِاسْتِدْلَالُ بِالْكِتَابِ وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ، وَاقْتِفَاءٌ بِالصَّحَابَةِ الْكِرَامِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَمَا دَرَجَ عَلَيْهِ الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ مِنَ الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ، مِمَّا تَلَقَّاهُ أَئِمَّةُ الدِّينِ بِالْقَبُولِ، وَأَثْبَتُوهُ بِالنُّقُولِ، وَأَصَّلُوهُ فِي الْأُصُولِ، وَإِنْ زَعَمَ مُتَحَذْلِقٌ أَنَّهُ يُبَايِنُ الْعُقُولَ فَهُوَ كَلَامٌ بَاطِلٌ، وَمَذْهَبٌ مَعْلُولٌ. فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، تَأْتِي بِمُحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالَاتِهَا، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعَقْلَ يُحِيلُ شَيْئًا مِمَّا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا عَدَمُ ثُبُوتِهِ عَنْهُمْ، وَإِمَّا عَجْزُ الْعَقْلِ عَنْ إِدْرَاكِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَجْزِ الْعُقُولِ عَنْ إِدْرَاكِ شَيْءٍ مِنَ الْأُصُولِ أَوْ غَيْرِهَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِيلًا، كَحَدِيثِ النُّزُولِ مَعَ عَدَمِ الِانْتِقَالِ، وَكَوْنِ الْقُرْآنِ كَلَامَ اللَّهِ وَصِفَتَهُ مَعَ عَدَمِ الِانْفِصَالِ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَمَنْ لَمْ
стр. 28
يُسَلِّمْ لِلْمَنْقُولِ، وَقَابَلَهُ بِالرَّدِّ بِالْمَعْقُولِ، فَهُوَ ضَالٌّ مَخْبُولٌ، فَمَذْهَبُنَا هُوَ مَا وَافَقَ صَحِيحَ الْمَنْقُولِ، وَصَرِيحَ الْمَعْقُولِ الَّذِي يَجْمَعُ مَا فِي الْأَقْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنَ الصَّوَابِ، وَيَجْتَنِبُ مَا فِيهَا مِنَ الْخَطَأِ وَالِارْتِيَابِ، وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ، وَهُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَإِجْمَاعُ السَّلَفِ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - بَيَّنَ فِي كِتَابِهِ الْحَقِّ بِمَا ضَرَبَهُ فِيهِ مِنَ الْأَمْثَالِ لِلْخَلْقِ، وَيَذْكُرُ لَكَ مِنَ الْبَرَاهِينِ، مَا يُفِيدُ لِسَلِيمِ الصَّدْرِ عَيْنَ الْيَقِينِ، فَإِذَا تَأَمَّلَ الْعَاقِلُ الْفَهِيمُ نِهَايَةَ مَا يَذْكُرُهُ أَهْلُ النَّظَرِ مِنْ جَمِيعِ طَوَائِفِ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَفَلْسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ، يَجِدُ الَّذِي فِي الْقُرْآنِ أَكْمَلَ مِنْهُ وَأَوْضَحَ بَيَانًا، مَعَ سَلَامَتِهِ مِنَ الْمِرَاءِ وَالْجِدَالِ، وَزُبَالَاتِ أَفْهَامِ الرِّجَالِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِلْمُهُ مُتَلَقًّى مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَهُوَ غَيْرُ نَافِعٍ وَلَا مُنْتَفِعٍ بِهِ، بَلْ ضَرُّهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ، وَعَلَامَةُ هَذَا الْعِلْمِ - كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ - أَنْ يَكْتَسِبَ صَاحِبُهُ الزَّهْوَ وَالْفَخْرَ، وَالْعُجْبَ وَالْخُيَلَاءَ، وَطَلَبَ الْعُلُوِّ وَالرِّفْعَةِ فِي الدُّنْيَا، وَالْمُنَافَسَةِ فِيهَا وَطَلَبَ مُبَاهَاةِ الْعُلَمَاءِ، وَمُمَارَاةِ السُّفَهَاءِ، وَصَرْفِ وُجُوهِ النَّاسِ إِلَيْهِ.
وَمُرَادِي بِالشَّيْخِ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ حَيْثُ أُطْلِقَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ، وَمُرَادِي بِالْمُحَقِّقِ تِلْمِيذُهُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَبِالْعَلَّامَةِ ابْنُ مُفْلِحٍ. وَاعْلَمْ أَنَّ غَالِبَ مَا فِي هَذِهِ التَّعْرِيفَاتِ سَتَمُرُّ بِكَ فِي مَحَالِّهَا، وَإِنَّمَا قَصَدْتُ جَمْعَهَا لَكَ لِتَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْهَا، وَهَذَا أَوَانُ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ شَرْحِ الْمَنْظُومَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[تفسير بسملة المتن]
[تفسير البسملة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
" بِسْمِ اللَّهِ " أَيْ بَاسْمِ مُسَمَّى هَذَا اللَّفْظِ الْأَعْظَمِ، الْمَوْصُوفِ بِأَوْصَافِ الْكَمَالِ، فَالْبَاءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، وَتَقْدِيرُهُ فِعْلًا خَاصًّا مُؤَخَّرًا أَوْلَى مِنْ تَقْدِيرِهِ اسْمًا عَامًّا مُقَدَّمًا، أَمَّا أَوْلَوِيَّةُ كَوْنِهِ فِعْلًا ; فَلِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي الْعَمَلِ، وَحِينَئِذٍ فَمَحَلُّ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ النَّصْبُ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ بِالْفِعْلِ الْمُقَدَّرِ، وَأَمَّا أَوْلَوِيَّةُ كَوْنِهِ خَاصًّا ; فَلِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ، فَتَقْدِيرُ أُؤَلِّفُ عِنْدَ التَّأْلِيفِ أَوْلَى مِنْ أَبْتَدِئَ، وَكَذَا عِنْدَ الْقِرَاءَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَيُقَدَّرُ عِنْدَ كُلِّ أَمْرٍ مَا يُنَاسِبُهُ، وَأَمَّا أَوْلَوِيَّةُ تَقْدِيرِهِ مُؤَخَّرًا فَلِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا الِاهْتِمَامُ بِالِابْتِدَاءِ بِاسْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - لَفْظًا وَتَقْدِيرًا ; لِأَنَّهُ - تَعَالَى -
стр. 29
مُقَدَّمٌ ذَاتًا، فَقُدِّمَ ذِكْرًا لِيُوَافِقَ الِاسْمُ الْمُسَمَّى، وَالثَّانِي لِإِفَادَةِ التَّخْصِيصِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، لَا يُقَالُ الْأُولَى. مُلَاحَظَةٌ: قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ; لِأَنَّا نَقُولُ الْمَطْلُوبُ الْأَهَمُّ ثُمَّ الْقِرَاءَةُ ; لِأَنَّهَا أَوَّلُ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ ﷺ وَأَوَّلُ مَا طَرَقَ الْمَسَامِعَ الشَّرِيفَةَ مِنَ الْوَحْيِ، فَكَانَ الْأَنْسَبُ تَقْدِيمَ الْقِرَاءَةِ لِمَزِيدِ الِاعْتِنَاءِ بِهَا، وَالِاهْتِمَامِ لَهَا.
وَحُذِفَتْ هَمْزَةُ الْوَصْلِ مِنَ الِاسْمِ خَطًّا كَمَا حُذِفَتْ لَفْظًا، وَكُتِبَتِ الْبَاءُ مُتَّصِلَةً بِالسِّينِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَطُوِّلَتِ الْبَاءُ لِلتَّعْظِيمِ، وَلِتَكُونَ كَالْعِوَضِ عَنِ الْهَمْزَةِ، وَيُرْوَى عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ ضَرَبَ مَنْ لَمْ يُطَوِّلِ الْبَاءَ. وَهِيَ لِلِاسْتِعَانَةِ أَوِ الْمُصَاحَبَةِ أَوِ التَّعْدِيَةِ، أَيْ: أُقَدِّمُ اسْمَ اللَّهِ، وَأَجْعَلُهُ ابْتِدَاءَ نَظْمِي وَتَأْلِيفِي. وَالِاسْمُ لُغَةً: مَا دَلَّ عَلَى مُسَمًّى، وَعُرْفًا: مَا دَلَّ مُفْرَدًا عَلَى مَعْنًى فِي نَفْسِهِ، وَلَمْ يَقْتَرِنْ بِزَمَانٍ. وَالتَّسْمِيَةُ جَعْلُ اللَّفْظِ دَالًّا عَلَى الْمَعْنَى، وَهُوَ مُشْتَقٌّ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ مِنَ السُّمُوِّ وَهُوَ الْعُلُوُّ ; لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مُسَمَّاهُ فَيُعْلِيهِ وَيُظْهِرُهُ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ مِنَ السِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ ; لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى مُسَمَّاهُ، وَأَوْصَلَ بَعْضُهُمْ لُغَاتِ الِاسْمِ إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ، وَنَظَمَهَا فِي قَوْلِهِ: ثَمَانٍ وَعَشْرٌ مِنْ لُغَاتٍ أَتَتْ لَنَا فِي الِاسْمِ بِنَصِّ الْعَارِفِينَ بِنَقْلِهَا سِمٌ سِمَةٌ اسْمٌ سَمَاءٌ كَذَا سُمَا سُمَاةٌ بِتَثْلِيثِ الْأَوَائِلِ كُلِّهَا.
(فَائِدَةٌ) : الِاسْمُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَفِي الْخَالِقِ - تَعَالَى - لَا غَيْرَ وَلَا عَيْنَ، قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ شَمْسُ الدِّينِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ (بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ) : أَسْمَاءُ اللَّهِ الْحُسْنَى الَّتِي فِي الْقُرْآنِ مِنْ كَلَامِهِ - تَعَالَى - وَكَلَامُهُ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَلَا يُقَالُ هِيَ غَيْرُهُ، وَلَا هِيَ هُوَ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ أَسْمَاؤُهُ غَيْرُهُ، وَهِيَ مَخْلُوقَةٌ، (وَلِمَذْهَبِ مَنْ رَدَّ عَلَيْهِمْ مِمَّنْ يَقُولُ اسْمُهُ نَفْسُ ذَاتِهِ لَا غَيْرُهُ) . انْتَهَى.
وَ " اللَّهُ " عَلَمٌ عَلَى الذَّاتِ الْوَاجِبِ الْوُجُودِ، الْمُسْتَحِقِّ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ، وَهُوَ عَرَبِيٌّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ، وَزَعَمَ الْبَلْخِيُّ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّهُ مُعَرَّبٌ عِبْرِيٌّ أَوْ سُرْيَانِيٌّ، وَأَكْثَرُ مُحَقِّقِي النُّظَّارِ عَلَى عَدَمِ اشْتِقَاقِهِ، بَلْ هُوَ اسْمٌ مُفْرَدٌ مُرْتَجَلٌ لِلْحَقِّ - جَلَّ شَأْنُهُ.
قَالَ فِي شَرْحِ الْمَوَاقِفِ
стр. 30
: وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ فِي الْأَصْلِ صِفَةً، فَقَدِ انْقَلَبَ عَلَمًا مُشْعِرًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ لِلِاشْتِهَارِ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ (بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ) : زَعَمَ السُّهَيْلِيُّ وَشَيْخُهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ اسْمَ اللَّهِ غَيْرُ مُشْتَقٍّ ; لِأَنَّ الِاشْتِقَاقَ يَسْتَلْزِمُ مَادَّةً يُشْتَقُّ مِنْهَا، وَاسْمُهُ - سُبْحَانَهُ - قَدِيمٌ، لَا مَادَّةَ لَهُ فَيَسْتَحِيلُ الِاشْتِقَاقُ، وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ بِالِاشْتِقَاقِ هَذَا الْمَعْنَى فَهُوَ بَاطِلٌ، وَلَكِنْ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِقَاقِ لَمْ يُرِدْ هَذَا الْمَعْنَى، وَلَا أَلَمَّ بِقَلْبِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى صِفَةٍ لَهُ - تَعَالَى - وَهِيَ الْإِلَهِيَّةُ، كَسَائِرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى مِنَ الْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ، فَإِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مَصَادِرِهَا بِلَا رَيْبٍ، وَهِيَ قَدِيمَةٌ، وَالْقَدِيمُ لَا مَادَّةَ لَهُ، فَمَا كَانَ جَوَابُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، فَهُوَ جَوَابُ مَنْ قَالَ بِالِاشْتِقَاقِ فِي اللَّهِ، ثُمَّ الْجَوَابُ عَنِ الْجَمِيعِ أَنَّا لَا نَعْنِي بِالِاشْتِقَاقِ إِلَّا أَنَّهَا مُلَاقِيَةٌ لِمَصَادِرِهَا فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، لَا أَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْهَا تُوَلُّدَ الْفَرْعِ مِنْ أَصْلِهِ، وَتَسْمِيَةُ النُّحَاةِ الْمَصْدَرَ وَالْمُشْتَقَّ مِنْهُ أَصْلًا وَفَرْعًا لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُتَوَلِّدٌ مِنَ الْآخَرِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُتَضَمِّنٌ لِلْآخَرِ وَزِيَادَةٌ، فَالِاشْتِقَاقُ هُنَا لَيْسَ هُوَ اشْتِقَاقُ مَبَادِئَ، وَإِنَّمَا هُوَ اشْتِقَاقُ تَلَازُمٍ يُسَمَّى الْمُتَضَمِّنُ (بِالْكَسْرِ) مُشْتَقًّا، وَالْمُتَضَمَّنُ (بِالْفَتْحِ) مُشْتَقًّا مِنْهُ، وَلَا مَحْذُورَ فِي اشْتِقَاقِ أَسْمَاءِ اللَّهِ بِهَذَا الْمَعْنَى. انْتَهَى.
ثُمَّ اخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ مُشْتَقٌّ فِي مَأْخَذِ الِاشْتِقَاقِ، فَقِيلَ: إِنَّهُ مِنْ تَأَلَّهَ إِذَا تَذَلَّلَ، فَمَعْنَاهُ الْمُتَذَلَّلُ لَهُ، وَالثُّلَاثِيُّ مِنْهُ أَلَهَ يَأْلَهُ، بِفَتْحِ الْحَشْوِ فِي الْمَاضِي وَالْمُضَارِعِ وَالْمَصْدَرِ، بِمَعْنَى اعْتَمَدَ وَلَجَأَ إِلَى غَيْرِهِ، كَمَا قَالَ:
أَلَهْتُ إِلَيْهِ فِي بَلَايَا تَنُوبُنَا ... فَأَلْفَيْتُهُ فِيهَا كَرِيمًا مُمَجَّدَا.
أَيِ الْتَجَأْتُ إِلَيْهِ وَاعْتَمَدْتُ عَلَيْهِ، وَالتَّفَعُّلُ فِي تَأَلَّهَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى حُصُولِ شَيْءٍ فَشَيْءٍ، كَمَا فِي تَفَهَّمَ وَتَعَلَّمَ وَنَظَائِرِهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ مَعْنَى أَلَهَ إِلَى الشَّيْءِ اسْتَنَدَ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الذُّلَّ وَالِافْتِقَارَ ; لِأَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ عَلَى غَيْرِهِ إِلَّا بَعْدَ ذُلِّهِ لَدَيْهِ وَافْتِقَارِهِ إِلَيْهِ، فَكَانَ مَعْنَى تَأَلَّهَ تَذَلَّلَ وَافْتَقَرَ وَاحْتَاجَ، وَقِيلَ مِنْ وَلِهَ يَوْلَهُ مِنْ بَابِ عَلِمَ وَلَهًا، وَمَعْنَاهُ تَحَيَّرَ، لَكِنْ قُلِبَتِ الْوَاوُ هَمْزَةً فَصَارَ أَلَهًا، كَمَا أَبْدَلُوا وِسَادَةً، فَقَالُوا: إِسَادَةٌ، وَنَحْوَهُ، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ أَدَاةُ التَّعْرِيفِ صَارَ الْإِلَهَ، ثُمَّ حُذِفَتِ الْهَمْزَةُ لِكَثْرَةِ دَوَرَانِهِ عَلَى الْأَلْسِنَةِ، فَصَارَ اللَّهُ، فَزِيدَتِ الْأَلْفُ بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ لِتَكُونَ كَالْعِوَضِ عَنِ الْهَمْزَةِ، فَصَارَ: إِلَهٌ، لَكِنْ لَا تُكْتَبُ بِالْأَلِفِ كَمَا لَا تُكْتَبُ
стр. 31
فِي الرَّحْمَنِ، لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ فِي الدَّوَرَانِ.
وَإِطْلَاقُ الْمَصْدَرِ وَإِرَادَةُ اسْمِ الْفَاعِلِ أَوِ اسْمِ الْمَفْعُولِ شَائِعٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ بِمَعْنَى الْمَأْلُوهِ إِلَيْهِ، أَيِ الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهِ، الْمُتَذَلَّلِ لَهُ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ، أَوِ الْمَأْلُوهِ فِيهِ، أَيِ الْمُتَحَيَّرِ فِيهِ لِدِقَّةِ طَرِيقِ مَعْرِفَتِهِ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّهْوِ، يَعْنِي الطَّرَبَ وَشِدَّةَ الْفَرَحِ وَاللَّعِبَ، مِنْ لَهَّى يُلَهَّى بِفَتْحِ وَسَطِهِ، لَكِنْ حُذِفَتِ الْوَاوُ مِنْ لَهْوٍ، فَصَارَ: (لَهٌ) ، فَأُدْخِلَتْ أَدَاةُ التَّعْرِيفِ، وَزِيدَتِ الْأَلِفُ بَيْنَ اللَّامِ وَالْهَاءِ ; لِتَكُونَ كَالْعِوَضِ عَنِ الْوَاوِ الْمَحْذُوفَةِ كَمَا مَرَّ، وَمَعْنَاهُ الْمَلْهُوُّ بِهِ، أَيِ الْمَطْرُوبُ وَالْمَفْرُوحُ بِهِ، يَعْنِي عِنْدَ مَعْرِفَتِهِ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّوْهِ أَيِ الِاسْتِتَارِ، مِنْ لَاهَ يَلُوهُ إِذَا اسْتَتَرَ، لَكِنْ قُلِبَتِ الْوَاوُ مِنْ لَوْهٍ أَلِفًا، فَصَارَ: (لَاهٌ) ، فَأُدْخِلَتْ أَلْ عَلَيْهِ، فَصَارَ: اللَّاهُ، فَحُذِفَتِ الْأَلِفُ خَطًّا كَمَا مَرَّ. وَمَنْ قَالَ بِعَدَمِ الِاشْتِقَاقِ فَقَدْ سَلِمَ مِنْ هَذِهِ التَّكَلُّفَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) اسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنْ رَحِمَ بِجَعْلِهِ لَازِمًا، بِنَقْلِهِ إِلَى بَابِ فَعُلَ بِضَمِّ الْعَيْنِ، أَوْ بِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، إِذْ هُمَا صِفَتَانِ مُشَبَّهَتَانِ، وَهِيَ لَا تُشْتَقُّ مِنْ مُتَعَدٍّ، وَالرَّحْمَنُ أَبْلَغُ مِنَ الرَّحِيمِ ; لِأَنَّ زِيَادَةَ الْبِنَاءِ تَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ الْمَعْنَى غَالِبًا، كَمَا فِي قَطَعَ وَقَطَّعَ، وَمِنْ غَيْرِ الْغَالِبِ قَدْ يُفِيدُ نَاقِصُ الْبِنَاءِ مَا لَا يُفِيدُهُ زَائِدُهُ مِنَ الْمُبَالَغَةِ، كَحَذِرٍ وَحَاذِرٍ، فَإِنَّ حَذِرًا أَبْلَغُ مِنْ حَاذِرٍ، فَالرَّحْمَنُ صِفَةٌ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى كَثِيرِ الرَّحْمَةِ جِدًّا، ثُمَّ غَلَبَ عَلَى الْبَالِغِ فِي الرَّحْمَةِ غَايَتَهَا وَهُوَ اللَّهُ، وَالرَّحِيمُ ذُو الرَّحْمَةِ الْكَثِيرَةِ، وَأَتَى بِهِ بَعْدَ الرَّحْمَنِ الدَّالِّ عَلَى جَلَائِلِ النِّعَمِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ دَقَائِقِ الرَّحْمَةِ وَإِنْ ذُكِرَ بَعْدَمَا دَلَّ عَلَى جَلَائِلِهَا الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ هُوَ مَقْصُودٌ أَيْضًا، وَلِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إِلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ: الرَّحْمَنُ هُوَ الْمُحْسِنُ بِإِعْطَاءِ الْأُمُورِ الْمَلَكُوتِيَّةِ، مِثْلَ: الرُّوحِ وَالْعَقْلِ وَالْإِيمَانِ وَالشَّهْوَةِ وَالْقُدْرَةِ وَنَحْوِهَا، وَقِيلَ: هُوَ الْمُحْسِنُ فِي الدُّنْيَا لِعُمُومِ إِحْسَانِهِ ; لِأَنَّهُ يَعُمُّ بِإِحْسَانِهِ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ وَغَيْرَهُمَا، وَالرَّحِيمُ بِالضِّدِّ، فَبِاعْتِبَارِ كَوْنِ الرَّحْمَنِ لِلدُّنْيَا يَكُونُ الرَّحِيمُ لِلْآخِرَةِ، وَبِكَوْنِهِ لِلْمَلَكُوتِيَّةِ يَكُونُ الرَّحِيمُ لِعَالَمِ الشَّهَادَةِ مِنْ إِعْطَاءِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ إِلَى غَيْرِ
стр. 32
ذَلِكَ. فَإِنْ قِيلَ: إِذَا كَانَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ اسْمَيْنِ، فَكَيْفَ أُعْرِبَا نَعْتًا لِلَّهِ - تَعَالَى، وَالْأَعْلَامُ لَا يُنْعَتُ بِهَا؟ قِيلَ: قَدْ قَالَ هَذَا قَوْمٌ، وَأَعْرَبُوهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا بَدَلٌ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: الْبَدَلُ مُمْتَنِعٌ أَيْضًا كَعَطْفِ الْبَيَانِ ; لِأَنَّ الِاسْمَ الْأَوَّلَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى تَبْيِينٍ ; لِأَنَّهُ أَعْرَفُ الْمَعَارِفِ كُلِّهَا وَأَبْيَنُهَا، وَلِهَذَا قَالُوا: وَمَا الرَّحْمَنُ؟ وَلَمْ يَقُولُوا: وَمَا اللَّهُ؟ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: لَكِنَّهُ وَإِنْ أُجْرِيَ مَجْرَى الْأَعْلَامِ، فَهُوَ وَصْفٌ يُرَادُ بِهِ الثَّنَاءُ، وَكَذَلِكَ الرَّحِيمُ، وَقَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي (بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ) : أَسْمَاءُ الرَّبِّ - تَعَالَى - أَسْمَاءٌ وَنُعُوتٌ، فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى صِفَاتِ كَمَالِهِ، فَلَا تَنَافِيَ فِيهَا بَيْنَ الْعَلَمِيَّةِ وَالْوَصْفِيَّةِ، فَالرَّحْمَنُ اسْمُهُ - تَعَالَى وَوَصْفُهُ، لَا يُنَافِي اسْمِيَّتُهُ وَصْفِيَّتَهُ، فَمِنْ حَيْثُ هُوَ صِفَةٌ جَرَى تَابِعًا عَلَى اسْمِ اللَّهِ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ اسْمٌ، وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ غَيْرَ تَابِعٍ. يَعْنِي كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن: ١] ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ [الملك: ٢٠] ، وَهَذَا شَأْنُ الِاسْمِ الْعَلَمِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا الِاسْمُ مُخْتَصًّا بِهِ - تَعَالَى - حَسُنَ مَجِيئُهُ مُفْرَدًا غَيْرَ تَابِعٍ، كَمَجِيءِ اسْمِهِ " اللَّهِ " كَذَلِكَ، وَهَذَا لَا يُنَافِي دَلَالَتَهُ عَلَى صِفَةِ الرَّحْمَةِ كَاسْمِهِ " اللَّهِ "، فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى صِفَةِ الْأُلُوهِيَّةِ. وَلَمْ يَجِئْ قَطُّ تَابِعًا لِغَيْرِهِ، بَلْ مَتْبُوعًا بِخِلَافِ الْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ، وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ، وَلِهَذَا لَا تَجِيءُ هَذِهِ وَنَحْوُهَا مُفْرَدَةً، بَلْ تَابِعَةً.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ: وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَفِيهِ مَعْنًى بَدِيعٌ، وَهُوَ أَنَّ الرَّحْمَنَ دَالٌّ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِهِ - سُبْحَانَهُ، وَالرَّحِيمَ دَالٌّ عَلَى تَعَلُّقِهَا بِالْمَرْحُومِ، وَكَأَنَّ الْأَوَّلَ الْوَصْفُ وَالثَّانِيَ الْفِعْلُ، فَالْأَوَّلُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَتُهُ، أَيْ صِفَةُ ذَاتٍ لَهُ - سُبْحَانَهُ، وَالثَّانِي دَالٌّ عَلَى أَنَّهُ يَرْحَمُ خَلْقَهُ بِرَحْمَتِهِ، أَيْ صِفَةُ فِعْلٍ لَهُ - سُبْحَانَهُ، فَإِذَا أَرَدْتَ فَهْمَ هَذَا فَتَأَمَّلْ قَوْلَهُ - تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٧] ، وَلَمْ يَجِئْ قَطُّ رَحْمَنٌ بِهِمْ، فَعَلِمْتَ بِهَذَا أَنَّ رَحْمَنَ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالرَّحْمَةِ، وَرَحِيمٌ هُوَ الرَّاحِمُ بِرَحْمَتِهِ. قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذِهِ النُّكْتَةُ لَا تَكَادُ تَجِدُهَا فِي كِتَابٍ، وَإِنْ تَنَفَّسَتْ عِنْدَهَا مِرْآةُ قَلْبِكَ لَمْ تَتَجَلَّ لَكَ صُورَتُهَا. انْتَهَى. وَرَحْمَةُ اللَّهِ - جَلَّ شَأْنُهُ وَتَعَالَى سُلْطَانُهُ - صِفَةٌ قَدِيمَةٌ قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ - تَعَالَى - تَقْتَضِي التَّفْضِيلَ وَالْإِنْعَامَ، وَأَمَّا تَفْسِيرُهَا بِرِقَّةٍ فِي الْقَلْبِ تَقْتَضِي التَّفْضِيلَ، فَالتَّفْضِيلُ غَايَتُهَا، فَيُرَادُ مِنْهَا غَايَتُهَا
стр. 33
كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ، كَالزَّمَخْشَرِيِّ فِي كَشَّافِهِ، وَغَيْرِهِ مِنَ النُّظَّارِ، فَهَذَا إِنَّمَا يَلِيقُ بِرَحْمَةِ الْمَخْلُوقِ، لَا بِرَحْمَةِ الْخَالِقِ - تَعَالَى وَتَقَدَّسَ، وَبَيْنَهُمَا بَوْنٌ. وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْعِلْمُ، فَإِنَّ حَقِيقَةَ عِلْمِهِ - تَعَالَى - الْقَائِمَةَ بِهِ لَيْسَتْ مِثْلَ الْحَقِيقَةِ الْقَائِمَةِ بِالْمَخْلُوقِ، بَلْ نَفْسُ الْإِرَادَةِ الَّتِي يَرُدُّ بَعْضُهُمُ الرَّحْمَةَ إِلَيْهَا، هِيَ فِي حَقِّهِ - تَعَالَى - مُخَالِفَةٌ لِإِرَادَةِ الْمَخْلُوقِ، إِذْ هِيَ فِي الْمَخْلُوقِ مَيْلُ قَلْبِهِ إِلَى الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ، وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ رَدَّ الزَّمَخْشَرِيُّ لَهَا فِي حَقِّهِ - تَعَالَى - إِلَى الْفِعْلِ بِمَعْنَى الْإِنْعَامِ وَالتَّفْضِيلِ، فَإِنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ الِاخْتِيَارِيَّ إِنَّمَا يَكُونُ لِجَلْبِ نَفْعٍ لِلْفَاعِلِ، أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ، وَلَا كَذَلِكَ فِعْلُهُ - تَعَالَى، فَمَا فَرَضَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ مَوْجُودٌ فِيمَا فَرُّوا إِلَيْهِ مِنَ الْمَحْذُورِ، وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى دَعْوَى الْمَجَازِ فِي رَحْمَتِهِ - تَعَالَى، فَإِنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَهُوَ إِنَّمَا يُصَارُ إِلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ حَمْلِ الْكَلَامِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَا تَعَذُّرَ هُنَا كَمَا لَا يَخْفَى.
وَأَيْضًا مِعْيَارُ الْمَجَازِ صِحَّةُ نَفْيِهِ، كَمَا إِذَا قِيلَ: زَيْدٌ أَسَدٌ، أَوْ بَحْرٌ، أَوْ قَمَرٌ، لِشَجَاعَتِهِ، أَوْ كَرَمِهِ، أَوْ حُسْنِهِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ: زَيْدٌ لَيْسَ بِأَسَدٍ، أَوْ لَيْسَ بِبَحْرٍ، أَوْ لَيْسَ بِقَمَرٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَهُمْ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ لَيْسَ بِرَحِيمٍ، فَلَوْ كَانَتِ الرَّحْمَةُ مَجَازًا فِي حَقِّهِ - تَعَالَى - لَصَحَّ ذَلِكَ. وَلَا رَيْبَ أَنَّ الرَّحْمَةَ صِفَةُ كَمَالٍ، وَسَائِرُ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ مَمْلُوءَةٌ بِذِكْرِهَا وَإِطْلَاقِهَا عَلَيْهِ - تَعَالَى، وَمِنَ الْعَجَبِ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصِّفَةُ الْعَظِيمَةُ حَقِيقَةً فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ، مَجَازًا فِي حَقِّ الْخَالِقِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصِّفَةَ تَارَةً تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ هِيَ هِيَ، وَتَارَةً تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ قِيَامِهَا بِهِ - تَعَالَى. وَتَارَةً مِنْ حَيْثُ قِيَامِهَا بِغَيْرِهِ تَعَالَى. وَلَيْسَتِ الِاعْتِبَارَاتُ مُتَمَاثِلَةً، إِذْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، لَا فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، وَالْكَلَامُ عَلَى الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَنِ الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ، فَكَمَا أَنَّا نُثْبِتُ ذَاتًا لَيْسَتْ كَالذَّوَاتِ، فَلْنُثْبِتْ رَحْمَةً لَيْسَتْ كَرَحْمَةِ الْمَخْلُوقِ، كَمَا أَشَارَ إِلَى ذَلِكَ وَقَرَّرَهُ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ وَحَرَّرَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي الْبَدَائِعِ.
[فوائد تتعلق بالبسملة]
[الفائدة الأولى في بدأ الكتاب بالبسملة]
فَوَائِدُ
(الْأُولَى) : إِنَّمَا بَدَأَ الْمُصَنِّفُونَ كُتُبَهُمْ بِالْبَسْمَلَةِ، تَأَسِّيًا بِالْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ عَلَى النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ ﷺ وَاقْتِدَاءً بِهِ فِي مُكَاتَبَاتِهِ لِلْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ ﷺ : " «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ
стр. 34
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، (فَهُوَ) أَقْطَعُ» ". رَوَاهُ عَبْدُ الْقَادِرِ الرَّهَاوِيُّ فِي الْأَرْبَعِينَ الْبَلْدَانِيَّةِ، وَكَذَا الْخَطِيبُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁.
وَمَعْنَى ذِي بَالٍ أَيْ حَالٍ شَرِيفٍ، يُحْتَفَلُ لَهُ، وَيُهْتَمُّ بِهِ مِنْ مُصَنِّفٍ وَدَارِسٍ وَمُدَرِّسٍ وَخَطِيبٍ وَخَاطِبٍ، وَبَيْنَ يَدَيْ كُلِّ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ، وَيَعْنِي بِالْأَقْطَعِ نَاقِصَ الْبَرَكَةِ، وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُعْتَدٍّ بِهِ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ﵁ مَرْفُوعًا: " «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيَّ فَهُوَ أَقْطَعُ أَبْتَرُ مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ» . تَفَرَّدَ بِذِكْرِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ ﷺ إِسْمَاعِيلُ بْنُ زِيَادٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُفْتَتَحُ (فِيهِ) بِذِكْرِ اللَّهِ» . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَهُوَ أَجْذَمُ» ". إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
[الفائدة الثانية هل يبدأ بالبسملة في كتاب كله شعرا]
(الثَّانِيَةُ) : اخْتَلَفَ الْقُدَمَاءُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْكِتَابُ كُلُّهُ شِعْرًا، فَجَاءَ عَنِ الشَّعْبِيِّ ﵀ مَنْعَ ذَلِكَ، وَعَنِ الزُّهْرِيِّ ﵀ قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ لَا يُكْتَبُ فِي الشِّعْرِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﵀ جَوَازُ ذَلِكَ، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ الْخَطِيبُ: وَهُوَ الْمُخْتَارُ. انْتَهَى. وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ الْمَنْظُومُ مِنْ نَفَائِسِ الْعُلُومِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الرَّاجِحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ طَلَبُ الْبَسْمَلَةِ فِي ابْتِدَاءِ الشِّعْرِ، مَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا أَوْ مَكْرُوهًا. قَالَ: وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِالْعُلُومِ فَمَحَلُّ اتِّفَاقٍ.
[الفائدة الثالثة الخلاف في البسملة أوائل السور أمن كل سورة هي أم لا]
(الثَّالِثَةُ) : الْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مُنْفَرِدَةٌ بِنَفْسِهَا، فَاصِلَةٌ بَيْنَ السُّوَرِ الْقُرْآنِيَّةِ، لَيْسَتْ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لَا الْفَاتِحَةِ وَلَا غَيْرِهَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وِفَاقًا لِلْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَمَّا مَالِكٌ ﵁ فَقَالَ: لَيْسَتْ هِيَ مِنَ الْقُرْآنِ رَأْسًا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، سِوَى بَرَاءَةَ. وَمُرَادُ مَنْ قَالَ إِنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْقُرْآنِ غَيْرُ الَّتِي فِي سُورَةِ النَّمْلِ، فَإِنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ إِجْمَاعًا، فَيَكْفُرُ مُنْكِرُهَا بِخِلَافِ الْبَسْمَلَةِ غَيْرِهَا، فَتَبَصَّرْ.
[الفائدة الرابعة في بعض فضائل البسملة]
(الرَّابِعَةُ) : فِي بَعْضِ فَضَائِلِ الْبَسْمَلَةِ، فِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ وَآثَارٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا، قَالَ الزُّهْرِيُّ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] ، هِيَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. وَرَوَى الْإِمَامُ
стр. 35
أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ «أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵁ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ: " هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ الْأَكْبَرِ إِلَّا كَمَا بَيْنَ سَوَادِ الْعَيْنِ وَبَيَاضِهَا مِنَ الْقُرْبِ» ". وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَاللَّفْظُ لِلنَّسَائِيِّ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ - وَاسْمُهُ عَامِرٌ وَقِيلَ زَيْدُ - بْنُ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَثَرَ بَعِيرُنَا، فَقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّهُ يَعْظُمُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الْبَيْتِ، وَيَقُولُ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ، وَلَكِنْ قُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَصْغُرُ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الذُّبَابِ» ". وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنَ الزَّبَانِيَةِ التِّسْعَةَ عَشَرَ، فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَإِنَّهَا تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، فَيَجْعَلُ اللَّهُ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهَا جُنَّةً مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفَاسِيرِهِمْ، عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْهُ. قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْجُنَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ - قُدِّسَ سِرُّهُ: فِي بِسْمِ اللَّهِ هَيْبَتُهُ، وَفِي الرَّحْمَنِ عِزَّتُهُ، وَفِي الرَّحِيمِ مَوَدَّتُهُ. وَفَضَائِلُ الْبَسْمَلَةِ غَيْرُ مَحْصُورَةٍ، وَأَدِلَّةُ شَرَفِهَا مَشْهُورَةٌ.
[الفائدة الخامسة الاسم الأعظم أهو البسملة أم غيره]
(الْخَامِسَةُ) : قَالَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ: اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ هُوَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كُلُّهَا، وَعِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَفْظُ الْجَلَالَةِ، وَعَدَمُ الْإِجَابَةِ لِأَكْثَرِ النَّاسِ مَعَ الدُّعَاءِ بِهِ لِتَخَلُّفِ بَعْضِ الشُّرُوطِ الَّتِي مِنْ أَهَمِّهَا الْإِخْلَاصُ وَأَكْلُ الْحَلَالِ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْأَحَدُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ
стр. 36
يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ لَهُ: " لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ» ". وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَقْدِسِيُّ: وَإِسْنَادُهُ لَا مَطْعَنَ فِيهِ، قَالَ: وَلَمْ يَرِدْ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ أَجْوَدُ إِسْنَادًا مِنْهُ. انْتَهَى. وَقَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَمَجْمُوعُ اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي نُونِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ:
وَلِأَجْلِ ذَا جَاءَ الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ ... فِي آيَةِ الْكُرْسِي وَذِي عِمْرَانَ
اسْمُ الْإِلَهِ الْأَعْظَمِ اشْتَمَلَا عَلَى ... اسْمِ الْحَيِّ وَالْقَيُّومِ مُقْتَرِنَانِ
فَالْكُلُّ مَرْجِعُهَا إِلَى الِاسْمَيْنِ يَدْ ... رِي ذَاكَ ذُو بَصَرٍ بِهَذَا الشَّانِ.
أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ، وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] » . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأَبِي عَيَّاشٍ زَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ الزُّرَقِيِّ، وَهُوَ يُصَلِّي، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ، وَزَادَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ: " يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ ". وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَزَادَ الْحَاكِمُ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: " أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ". وَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ رَجُلٍ مَنْ طَيِّءٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُرِيَنِي الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، فَرَأَيْتُ مَكْتُوبًا فِي الْكَوَاكِبِ فِي السَّمَاءِ: يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَالَّذِي فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ: وَفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ عَنْ بَعْضِ
стр. 37
الصَّحَابَةِ أَنَّهُ طَلَبَ أَنْ يَعْرِفَ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ مَكْتُوبًا فِي السَّمَاءِ بِالنُّجُومِ: يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. انْتَهَى.
[معنى الحمد والشكر والنسبة بينهما]
((الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَدِيمِ الْبَاقِي ... مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَالْأَرْزَاقِ))
((حَيٌّ عَلِيمٌ قَادِرٌ مَوْجُودُ ... قَامَتْ بِهِ الْأَشْيَاءُ وَالْوُجُودُ))
((الْحَمْدُ)) لُغَةً: الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ، وَعُرْفًا فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ عَلَى الْحَامِدِ وَغَيْرِهِ. وَالشُّكْرُ لُغَةً: هُوَ الْحَمْدُ اصْطِلَاحًا، وَعُرْفًا: صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِي مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ، فَبَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، يَجْتَمِعَانِ فِيمَا إِذَا كَانَ بِاللِّسَانِ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ، وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ فِيمَا إِذَا كَانَ (بِاللِّسَانِ لَا فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ، وَيَنْفَرِدُ الشُّكْرُ فِيمَا إِذَا كَانَ) بِغَيْرِ اللِّسَانِ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ. وَاخْتَارَ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ ; لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى نَسَقِ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ أَلْيَقُ بِالْمَقَامِ، وَتَفَاؤُلًا بِذَلِكَ. وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ خَبَرِيَّةً لَفْظًا، فَهِيَ إِنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى. وَاخْتَارَ مَادَّةَ الْحَمْدِ ; لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْحَاءِ الْحَلْقِيَّةِ، وَالْمِيمِ الشَّفَوِيَّةِ، وَالدَّالِ اللِّسَانِيَّةِ فِي اسْتِعْمَالِهَا بِالثَّنَاءِ عَلَى رَبِّ الْبَرِيَّةِ، حَتَّى لَا يَخْلُوَ مَخْرَجٌ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ. وَ " الْ " فِي الْحَمْدِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَوِ الْجِنْسِ، أَوِ الْعَهْدِ، أَيْ كُلُّ الْحَمْدِ مُسْتَحَقٌّ، أَوْ جِنْسُهُ مُخْتَصٌّ وَمَمْلُوكٌ " لِلَّهِ "، وَعَلَامَةُ الِ الِاسْتِغْرَاقِيَّةِ أَنْ يَخْلُفَهَا كُلٌّ وَنَحْوُهَا، وَالِ الْجِنْسِيَّةُ إِذَا تَعَقَّبَتْهَا لَامُ الِاخْتِصَاصِ كَانَ الْمَعْنَى: جِنْسُ الْحَمْدِ مُخْتَصٌّ وَمَمْلُوكٌ لَهُ - تَعَالَى - فَتُفِيدُ مَا أَفَادَتْهُ الِ الِاسْتِغْرَاقِيَّةُ ضِمْنًا. وَإِنْ كَانَتْ الْ لِلْعَهْدِ، فَالْمَعْهُودُ ثَنَاءُ اللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَثَنَاءُ مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَخَوَاصِّ خَلْقِهِ، وَلَا نَظَرَ لِغَيْرِ ثَنَائِهِمْ. وَاللَّامُ فِي لِلَّهِ لِلْمِلْكِ أَوِ الِاسْتِحْقَاقِ أَوِ الِاخْتِصَاصِ. وَلَمَّا ابْتَدَأَ بِالْبَسْمَلَةِ ابْتِدَاءً حَقِيقِيًّا، وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِهَا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ أَعْقَبَهَا بِالْحَمْدَلَةِ ابْتِدَاءً إِضَافِيًّا، أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَعْدَهَا، وَهُوَ مَا يُقَدَّمُ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثَيِ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ، وَلَمْ يَعْكِسْ لِمُوَافَقَةِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ
стр. 38
افْتَتَحُوا كِتَابَتَهُ فِي الْإِمَامِ الْكَبِيرِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَالْحَمْدَلَةُ تَلَوْهَا، وَتَبِعَهُمْ جَمِيعُ مَنْ كَتَبَ الْمُصْحَفَ بَعْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ، وَمَنْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ، فَكَانَ أَوْلَى.
[القديم والبقاء من صفاته تعالى]
(الْقَدِيمِ) نَعْتٌ لِلَّهِ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الرَّحْمَنِ أَنَّهُ وَنَحْوَهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِنْ جَرَى مَجْرَى الْأَعْلَامِ، فَهُوَ وَصْفٌ يُرَادُ بِهِ الثَّنَاءُ، فَأَسْمَاؤُهُ - تَعَالَى - أَسْمَاءٌ وَنُعُوتٌ. وَالْقَدِيمُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ، فَإِنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالْقِدَمِ، وَهِيَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ فِي اصْطِلَاحِهِمْ، وَالصِّفَاتُ السَّلْبِيَّةُ مَا مَدْلُولُهَا عَدَمُ أَمْرٍ لَا يَلِيقُ بِهِ - تَعَالَى، فَقِدَمُهُ - تَعَالَى - ذَاتِيٌّ وَاجِبٌ لَهُ - تَعَالَى، غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ، إِذْ هُوَ - تَعَالَى - لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِدَمَ إِمَّا ذَاتِيٌّ كَقِدَمِ الْوَاجِبِ، وَإِمَّا زَمَانِيٌّ كَقِدَمِ زَمَانِ الْهِجْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَوْمِ، وَمِنْهُ ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] ، وَمِنْهُ الْقِدَمُ الْإِضَافِيُّ كَقِدَمِ الْأَبِ بِالنِّسْبَةِ لِلِابْنِ.
(فَائِدَةٌ) : الْقَدِيمُ أَخَصُّ مِنَ الْأَزَلِيِّ ; لِأَنَّ الْقَدِيمَ مَوْجُودٌ لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ، وَالْأَزَلِيُّ مَا لَا ابْتِدَاءَ لَهُ وُجُودِيًّا كَانَ أَوْ عَدَمِيًّا، فَكُلُّ قَدِيمٍ أَزَلِيٌّ وَلَا عَكْسَ.
стр. 39
وَفَرْقٌ آخَرُ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الْقَدِيمَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَلْحَقَهُ تَغَيُّرٌ أَوْ زَوَالٌ، بِخِلَافِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِقَدِيمٍ، كَعَدَمِ الْحَوَادِثِ الْمُنْقَطِعِ بِوُجُودِهَا، " الْبَاقِي " مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَقَاءِ، وَهُوَ امْتِنَاعُ لُحُوقِ الْعَدَمِ، وَالْبَقَاءُ صِفَةٌ وَاجِبَةٌ لَهُ - تَعَالَى - كَمَا وَجَبَ لَهُ الْقِدَمُ ; لِأَنَّ مَا ثَبَتَ قِدَمُهُ، اسْتَحَالَ عَدَمُهُ، لِأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - لَوْ قُدِّرَ لُحُوقُ الْعَدَمِ لَهُ لَكَانَتْ نِسْبَةُ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ إِلَى ذَاتِهِ - تَعَالَى - سَوَاءً، فَيَلْزَمُ افْتِقَارُ وَجُودِهِ إِلَى مُوجِدٍ يَخْتَرِعُهُ بَدَلًا عَنِ الْعَدَمِ الْجَائِزِ عَلَيْهِ - تَقَدَّسَ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ - فَيَكُونُ حَادِثًا، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَكَذَا الْمَلْزُومُ ; لِأَنَّ وُجُودَهُ - تَعَالَى - وَاجِبٌ لِذَاتِهِ.
(تَنْبِيهٌ) : نَقَلَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْبَقَاءَ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ، وَعَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهَا صِفَةُ مَعْنًى، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهَا صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ كَالْقِدَمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقِدَمَ سَلْبِيٌّ، وَالْبَقَاءَ وَجُودِيٌّ، وَمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ - تَعَالَى - لَا يُشَابُ بِالْعَدَمِ، وَهَذَا مِنْ نُعُوتِ الْجَلَالِ، وَالْجَلَالُ عِبَارَةٌ عَنِ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ، فَفِي الْقِدَمِ سَلْبُ الْحُدُوثِ، وَفِي الْبَقَاءِ سَلْبُ الْفَنَاءِ وَلُحُوقِ الْعَدَمِ، فَنُعُوتُ الْجَلَالِ كَالْقَوَامِ لِلْكَمَالِ، (مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ) الْمُتَوَصَّلِ بِهَا إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا، أَيْ خَالِقِ الْأَسْبَابِ الْمُتَوَصَّلِ بِهَا إِلَى الْمَطْلُوبِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: السَّبَبُ الْحَبْلُ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ. وَفِي عُرْفِ الشَّرْعِ: مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ، وَيَلْزَمُ مِنْ عَدِمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ، فَالْأَوَّلُ احْتِرَازٌ مِنَ الشَّرْطِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ، وَالثَّانِي احْتِرَازٌ مِنَ الْمَانِعِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ، وَالثَّالِثُ احْتِرَازٌ
стр. 40
مِمَّا لَوْ قَارَنَ السَّبَبَ فِقْدَانُ الشَّرْطِ وَوُجُودُ الْمَانِعِ كَالنِّصَابِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، أَوْ مَعَ وُجُودِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ، بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ، وَهُوَ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ فِي الْأَوَّلِ، وَوُجُودُ الْمَانِعِ فِي الثَّانِي، فَالتَّقْيِيدُ بِكَوْنِ ذَلِكَ لِذَاتِهِ لِلِاسْتِظْهَارِ عَلَى مَا لَوْ تَخَلَّفَ وُجُودُ الْمُسَبَّبِ مَعَ وِجْدَانِ السَّبَبِ لَفُقِدَ شَرْطٌ، أَوْ وُجُودُ مَانِعٍ كَمَنَ فِيهِ سَبَبُ الْإِرْثٍ، وَلَكِنَّهُ قَاتِلٌ أَوْ رَقِيقٌ، وَعَلَى مَا لَوْ وُجِدَ الْمُسَبَّبُ مَعَ فِقْدَانِ السَّبَبِ، لَكِنْ لِوُجُودِ سَبَبٍ آخَرَ كَالرِّدَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْقَتْلِ إِذَا فُقِدَتْ، وَوُجِدَ قَتْلٌ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، أَوْ زِنَا مُحْصَنٍ، فَتَخَلَّفَ هَذَا التَّرْتِيبُ عَنِ السَّبَبِ، لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِمَعْنًى خَارِجٍ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: السَّبَبُ عِبَارَةٌ عَنْ وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ، دَلَّ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى كَوْنِهِ مُعَرِّفًا لِثُبُوتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ طَرْدِيًّا كَانَ كَجَعْلِ زَوَالِ الشَّمْسِ سَبَبًا لِلصَّلَاةِ، أَوْ غَيْرَ طَرْدِيٍّ كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ، سَوَاءٌ اطَّرَدَ الْحُكْمُ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَطَّرِدْ ; لِأَنَّ السَّبَبَ الشَّرْعِيَّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ مِنْ أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - الْمُسَبِّبُ حَتَّى أَطْلَقْتَهُ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ أَسْمَاءَهُ تَوْقِيفِيَّةٌ، أَمْ كَيْفَ الْحُكْمُ؟ قُلْتُ: ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي (بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ) أَنَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ تَوْقِيفِيٌّ، وَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفِيًّا، كَالْقَدِيمِ وَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ، أَوِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ.
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: فَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي مَسْأَلَةِ أَسْمَائِهِ، هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ مِنْهَا بَعْضُ مَا لَا يَرِدُ بِهِ السَّمْعُ. (تَنْبِيهٌ) : فِي نُسْخَةٍ مِنْ مَنْظُومَتِي بَدَلَ مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ (مُقَدِّرِ الْآجَالِ) ، وَهُوَ أَوْلَى لِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُقَدِّرَ مِنْ صِفَاتِ أَفْعَالِهِ الْمُعَبَّرَ عَنْهَا بِالْفَوَاضِلِ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْآجَالِ، وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ الْآجَالِ: الْأَقْدَارِ، وَهُوَ أَعَمُّ، وَتَدْبِيرُ الْأُمُورِ وَالْأَحْكَامِ فِعْلٌ هُوَ إِحْسَانٌ مِنْهُ - تَعَالَى - وَهُوَ السَّبَبُ لِوُجُودِ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ ; لِأَنَّ الْإِحْسَانَ يَدْعُو إِلَى ذِكْرِ الْمُحْسِنِ بِفَضَائِلِهِ الَّتِي يَتَأَتَّى بِهَا الْإِحْسَانُ، وَالْأَقْدَارُ جَمْعُ قَدْرٍ بِسُكُونِ الدَّالِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَبْلَغِ الشَّيْءِ وَمُنْتَهَاهُ مِنْ حَيْثُ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَكُلُّ مَا لَهُ قَدْرٌ فَمَصْنُوعٌ مُفْتَقِرٌ إِلَى مُخَصِّصٍ يُقَدِّرُ الْمُتَّصِفَ بِهِ مِنَ الْأَقْدَارِ مِنْ طُولٍ وَعَرْضٍ
следующие страницы →