← Акыда

Акыда · id 8353

لوامع الأنوار البهية

السفاريني

Полный текст (921 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ لَهُ: " لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِالِاسْمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ فِيهِ: لَقَدْ سَأَلْتَ اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ» ". وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا. قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ الْمَقْدِسِيُّ: وَإِسْنَادُهُ لَا مَطْعَنَ فِيهِ، قَالَ: وَلَمْ يَرِدْ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثٌ أَجْوَدُ إِسْنَادًا مِنْهُ. انْتَهَى. وَقَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَمَجْمُوعُ اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي نُونِيَّتِهِ بِقَوْلِهِ: وَلِأَجْلِ ذَا جَاءَ الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ ... فِي آيَةِ الْكُرْسِي وَذِي عِمْرَانَ اسْمُ الْإِلَهِ الْأَعْظَمِ اشْتَمَلَا عَلَى ... اسْمِ الْحَيِّ وَالْقَيُّومِ مُقْتَرِنَانِ فَالْكُلُّ مَرْجِعُهَا إِلَى الِاسْمَيْنِ يَدْ ... رِي ذَاكَ ذُو بَصَرٍ بِهَذَا الشَّانِ. أَشَارَ إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ، ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] ، وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ٢] » . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِأَبِي عَيَّاشٍ زَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ الزُّرَقِيِّ، وَهُوَ يُصَلِّي، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، يَا حَنَّانُ يَا مَنَّانُ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ دَعَا اللَّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى» ". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ، وَزَادَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ: " يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ ". وَقَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَزَادَ الْحَاكِمُ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: " أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ ". وَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ يَحْيَى، عَنْ رَجُلٍ مَنْ طَيِّءٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْرًا، قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُرِيَنِي الِاسْمَ الْأَعْظَمَ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، فَرَأَيْتُ مَكْتُوبًا فِي الْكَوَاكِبِ فِي السَّمَاءِ: يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَالَّذِي فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ لِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ: وَفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ عَنْ بَعْضِ

стр. 37

الصَّحَابَةِ أَنَّهُ طَلَبَ أَنْ يَعْرِفَ اسْمَ اللَّهِ الْأَعْظَمَ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ مَكْتُوبًا فِي السَّمَاءِ بِالنُّجُومِ: يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. انْتَهَى. [معنى الحمد والشكر والنسبة بينهما] ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَدِيمِ الْبَاقِي ... مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ وَالْأَرْزَاقِ)) ((حَيٌّ عَلِيمٌ قَادِرٌ مَوْجُودُ ... قَامَتْ بِهِ الْأَشْيَاءُ وَالْوُجُودُ)) ((الْحَمْدُ)) لُغَةً: الثَّنَاءُ بِاللِّسَانِ عَلَى الْجَمِيلِ الِاخْتِيَارِيِّ عَلَى جِهَةِ التَّعْظِيمِ وَالتَّبْجِيلِ، وَعُرْفًا فِعْلٌ يُنْبِئُ عَنْ تَعْظِيمِ الْمُنْعِمِ عَلَى الْحَامِدِ وَغَيْرِهِ. وَالشُّكْرُ لُغَةً: هُوَ الْحَمْدُ اصْطِلَاحًا، وَعُرْفًا: صَرْفُ الْعَبْدِ جَمِيعَ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ فِي مَا خُلِقَ لِأَجْلِهِ، فَبَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، يَجْتَمِعَانِ فِيمَا إِذَا كَانَ بِاللِّسَانِ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ، وَيَنْفَرِدُ الْحَمْدُ فِيمَا إِذَا كَانَ (بِاللِّسَانِ لَا فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ، وَيَنْفَرِدُ الشُّكْرُ فِيمَا إِذَا كَانَ) بِغَيْرِ اللِّسَانِ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ. وَاخْتَارَ الْجُمْلَةَ الِاسْمِيَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ عَلَى الْجُمْلَةِ الْفِعْلِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ ; لِأَنَّهُ مَعَ كَوْنِهِ عَلَى نَسَقِ الْكِتَابِ الْعَظِيمِ أَلْيَقُ بِالْمَقَامِ، وَتَفَاؤُلًا بِذَلِكَ. وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ خَبَرِيَّةً لَفْظًا، فَهِيَ إِنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى. وَاخْتَارَ مَادَّةَ الْحَمْدِ ; لِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْحَاءِ الْحَلْقِيَّةِ، وَالْمِيمِ الشَّفَوِيَّةِ، وَالدَّالِ اللِّسَانِيَّةِ فِي اسْتِعْمَالِهَا بِالثَّنَاءِ عَلَى رَبِّ الْبَرِيَّةِ، حَتَّى لَا يَخْلُوَ مَخْرَجٌ مِنْ نَصِيبِهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ. وَ " الْ " فِي الْحَمْدِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَوِ الْجِنْسِ، أَوِ الْعَهْدِ، أَيْ كُلُّ الْحَمْدِ مُسْتَحَقٌّ، أَوْ جِنْسُهُ مُخْتَصٌّ وَمَمْلُوكٌ " لِلَّهِ "، وَعَلَامَةُ الِ الِاسْتِغْرَاقِيَّةِ أَنْ يَخْلُفَهَا كُلٌّ وَنَحْوُهَا، وَالِ الْجِنْسِيَّةُ إِذَا تَعَقَّبَتْهَا لَامُ الِاخْتِصَاصِ كَانَ الْمَعْنَى: جِنْسُ الْحَمْدِ مُخْتَصٌّ وَمَمْلُوكٌ لَهُ - تَعَالَى - فَتُفِيدُ مَا أَفَادَتْهُ الِ الِاسْتِغْرَاقِيَّةُ ضِمْنًا. وَإِنْ كَانَتْ الْ لِلْعَهْدِ، فَالْمَعْهُودُ ثَنَاءُ اللَّهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَثَنَاءُ مَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ وَخَوَاصِّ خَلْقِهِ، وَلَا نَظَرَ لِغَيْرِ ثَنَائِهِمْ. وَاللَّامُ فِي لِلَّهِ لِلْمِلْكِ أَوِ الِاسْتِحْقَاقِ أَوِ الِاخْتِصَاصِ. وَلَمَّا ابْتَدَأَ بِالْبَسْمَلَةِ ابْتِدَاءً حَقِيقِيًّا، وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِهَا قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ أَعْقَبَهَا بِالْحَمْدَلَةِ ابْتِدَاءً إِضَافِيًّا، أَيْ بِالنِّسْبَةِ لِمَا بَعْدَهَا، وَهُوَ مَا يُقَدَّمُ عَلَى الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ جَمْعًا بَيْنَ حَدِيثَيِ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ، وَلَمْ يَعْكِسْ لِمُوَافَقَةِ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، فَإِنَّ الصَّحَابَةَ

стр. 38

افْتَتَحُوا كِتَابَتَهُ فِي الْإِمَامِ الْكَبِيرِ بِالتَّسْمِيَةِ، وَالْحَمْدَلَةُ تَلَوْهَا، وَتَبِعَهُمْ جَمِيعُ مَنْ كَتَبَ الْمُصْحَفَ بَعْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ، وَمَنْ لَا يَقُولُ ذَلِكَ، فَكَانَ أَوْلَى. [القديم والبقاء من صفاته تعالى] (الْقَدِيمِ) نَعْتٌ لِلَّهِ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَتَقَدَّمَ فِي الرَّحْمَنِ أَنَّهُ وَنَحْوَهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِنْ جَرَى مَجْرَى الْأَعْلَامِ، فَهُوَ وَصْفٌ يُرَادُ بِهِ الثَّنَاءُ، فَأَسْمَاؤُهُ - تَعَالَى - أَسْمَاءٌ وَنُعُوتٌ. وَالْقَدِيمُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ، فَإِنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالْقِدَمِ، وَهِيَ صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ فِي اصْطِلَاحِهِمْ، وَالصِّفَاتُ السَّلْبِيَّةُ مَا مَدْلُولُهَا عَدَمُ أَمْرٍ لَا يَلِيقُ بِهِ - تَعَالَى، فَقِدَمُهُ - تَعَالَى - ذَاتِيٌّ وَاجِبٌ لَهُ - تَعَالَى، غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِعَدَمٍ، إِذْ هُوَ - تَعَالَى - لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْقِدَمَ إِمَّا ذَاتِيٌّ كَقِدَمِ الْوَاجِبِ، وَإِمَّا زَمَانِيٌّ كَقِدَمِ زَمَانِ الْهِجْرَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْيَوْمِ، وَمِنْهُ ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] ، وَمِنْهُ الْقِدَمُ الْإِضَافِيُّ كَقِدَمِ الْأَبِ بِالنِّسْبَةِ لِلِابْنِ. (فَائِدَةٌ) : الْقَدِيمُ أَخَصُّ مِنَ الْأَزَلِيِّ ; لِأَنَّ الْقَدِيمَ مَوْجُودٌ لَا ابْتِدَاءَ لِوُجُودِهِ، وَالْأَزَلِيُّ مَا لَا ابْتِدَاءَ لَهُ وُجُودِيًّا كَانَ أَوْ عَدَمِيًّا، فَكُلُّ قَدِيمٍ أَزَلِيٌّ وَلَا عَكْسَ.

стр. 39

وَفَرْقٌ آخَرُ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الْقَدِيمَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَلْحَقَهُ تَغَيُّرٌ أَوْ زَوَالٌ، بِخِلَافِ الْأَزَلِيِّ الَّذِي لَيْسَ بِقَدِيمٍ، كَعَدَمِ الْحَوَادِثِ الْمُنْقَطِعِ بِوُجُودِهَا، " الْبَاقِي " مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَقَاءِ، وَهُوَ امْتِنَاعُ لُحُوقِ الْعَدَمِ، وَالْبَقَاءُ صِفَةٌ وَاجِبَةٌ لَهُ - تَعَالَى - كَمَا وَجَبَ لَهُ الْقِدَمُ ; لِأَنَّ مَا ثَبَتَ قِدَمُهُ، اسْتَحَالَ عَدَمُهُ، لِأَنَّهُ - سُبْحَانَهُ - لَوْ قُدِّرَ لُحُوقُ الْعَدَمِ لَهُ لَكَانَتْ نِسْبَةُ الْوُجُودِ وَالْعَدَمِ إِلَى ذَاتِهِ - تَعَالَى - سَوَاءً، فَيَلْزَمُ افْتِقَارُ وَجُودِهِ إِلَى مُوجِدٍ يَخْتَرِعُهُ بَدَلًا عَنِ الْعَدَمِ الْجَائِزِ عَلَيْهِ - تَقَدَّسَ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ - فَيَكُونُ حَادِثًا، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ فَكَذَا الْمَلْزُومُ ; لِأَنَّ وُجُودَهُ - تَعَالَى - وَاجِبٌ لِذَاتِهِ. (تَنْبِيهٌ) : نَقَلَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ الْبَقَاءَ صِفَةٌ نَفْسِيَّةٌ، وَعَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهَا صِفَةُ مَعْنًى، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهَا صِفَةٌ سَلْبِيَّةٌ كَالْقِدَمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْقِدَمَ سَلْبِيٌّ، وَالْبَقَاءَ وَجُودِيٌّ، وَمَعْنَى مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ - تَعَالَى - لَا يُشَابُ بِالْعَدَمِ، وَهَذَا مِنْ نُعُوتِ الْجَلَالِ، وَالْجَلَالُ عِبَارَةٌ عَنِ الصِّفَاتِ السَّلْبِيَّةِ، فَفِي الْقِدَمِ سَلْبُ الْحُدُوثِ، وَفِي الْبَقَاءِ سَلْبُ الْفَنَاءِ وَلُحُوقِ الْعَدَمِ، فَنُعُوتُ الْجَلَالِ كَالْقَوَامِ لِلْكَمَالِ، (مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ) الْمُتَوَصَّلِ بِهَا إِلَى مُسَبَّبَاتِهَا، أَيْ خَالِقِ الْأَسْبَابِ الْمُتَوَصَّلِ بِهَا إِلَى الْمَطْلُوبِ. قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: السَّبَبُ الْحَبْلُ، وَكُلُّ شَيْءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى أَمْرٍ مِنَ الْأُمُورِ. وَفِي عُرْفِ الشَّرْعِ: مَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ، وَيَلْزَمُ مِنْ عَدِمِهِ الْعَدَمُ لِذَاتِهِ، فَالْأَوَّلُ احْتِرَازٌ مِنَ الشَّرْطِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ، وَالثَّانِي احْتِرَازٌ مِنَ الْمَانِعِ ; لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدِمِهِ وُجُودٌ وَلَا عَدَمٌ لِذَاتِهِ، وَالثَّالِثُ احْتِرَازٌ

стр. 40

مِمَّا لَوْ قَارَنَ السَّبَبَ فِقْدَانُ الشَّرْطِ وَوُجُودُ الْمَانِعِ كَالنِّصَابِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، أَوْ مَعَ وُجُودِ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِهِ الْوُجُودُ لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ، بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ، وَهُوَ انْتِفَاءُ الشَّرْطِ فِي الْأَوَّلِ، وَوُجُودُ الْمَانِعِ فِي الثَّانِي، فَالتَّقْيِيدُ بِكَوْنِ ذَلِكَ لِذَاتِهِ لِلِاسْتِظْهَارِ عَلَى مَا لَوْ تَخَلَّفَ وُجُودُ الْمُسَبَّبِ مَعَ وِجْدَانِ السَّبَبِ لَفُقِدَ شَرْطٌ، أَوْ وُجُودُ مَانِعٍ كَمَنَ فِيهِ سَبَبُ الْإِرْثٍ، وَلَكِنَّهُ قَاتِلٌ أَوْ رَقِيقٌ، وَعَلَى مَا لَوْ وُجِدَ الْمُسَبَّبُ مَعَ فِقْدَانِ السَّبَبِ، لَكِنْ لِوُجُودِ سَبَبٍ آخَرَ كَالرِّدَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْقَتْلِ إِذَا فُقِدَتْ، وَوُجِدَ قَتْلٌ يُوجِبُ الْقِصَاصَ، أَوْ زِنَا مُحْصَنٍ، فَتَخَلَّفَ هَذَا التَّرْتِيبُ عَنِ السَّبَبِ، لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِمَعْنًى خَارِجٍ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: السَّبَبُ عِبَارَةٌ عَنْ وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ، دَلَّ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى كَوْنِهِ مُعَرِّفًا لِثُبُوتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ طَرْدِيًّا كَانَ كَجَعْلِ زَوَالِ الشَّمْسِ سَبَبًا لِلصَّلَاةِ، أَوْ غَيْرَ طَرْدِيٍّ كَالشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ، سَوَاءٌ اطَّرَدَ الْحُكْمُ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَطَّرِدْ ; لِأَنَّ السَّبَبَ الشَّرْعِيَّ يَجُوزُ تَخْصِيصُهُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ. فَإِنْ قُلْتَ: هَلْ مِنْ أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - الْمُسَبِّبُ حَتَّى أَطْلَقْتَهُ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّ أَسْمَاءَهُ تَوْقِيفِيَّةٌ، أَمْ كَيْفَ الْحُكْمُ؟ قُلْتُ: ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْهُمُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي (بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ) أَنَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ - سُبْحَانَهُ - فِي بَابِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ تَوْقِيفِيٌّ، وَمَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الْأَخْبَارِ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَوْقِيفِيًّا، كَالْقَدِيمِ وَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ، أَوِ الْقَائِمِ بِنَفْسِهِ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: فَهَذَا فَصْلُ الْخِطَابِ فِي مَسْأَلَةِ أَسْمَائِهِ، هَلْ هِيَ تَوْقِيفِيَّةٌ، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ مِنْهَا بَعْضُ مَا لَا يَرِدُ بِهِ السَّمْعُ. (تَنْبِيهٌ) : فِي نُسْخَةٍ مِنْ مَنْظُومَتِي بَدَلَ مُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ (مُقَدِّرِ الْآجَالِ) ، وَهُوَ أَوْلَى لِأَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُقَدِّرَ مِنْ صِفَاتِ أَفْعَالِهِ الْمُعَبَّرَ عَنْهَا بِالْفَوَاضِلِ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْآجَالِ، وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ الْآجَالِ: الْأَقْدَارِ، وَهُوَ أَعَمُّ، وَتَدْبِيرُ الْأُمُورِ وَالْأَحْكَامِ فِعْلٌ هُوَ إِحْسَانٌ مِنْهُ - تَعَالَى - وَهُوَ السَّبَبُ لِوُجُودِ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ ; لِأَنَّ الْإِحْسَانَ يَدْعُو إِلَى ذِكْرِ الْمُحْسِنِ بِفَضَائِلِهِ الَّتِي يَتَأَتَّى بِهَا الْإِحْسَانُ، وَالْأَقْدَارُ جَمْعُ قَدْرٍ بِسُكُونِ الدَّالِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ مَبْلَغِ الشَّيْءِ وَمُنْتَهَاهُ مِنْ حَيْثُ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ، وَكُلُّ مَا لَهُ قَدْرٌ فَمَصْنُوعٌ مُفْتَقِرٌ إِلَى مُخَصِّصٍ يُقَدِّرُ الْمُتَّصِفَ بِهِ مِنَ الْأَقْدَارِ مِنْ طُولٍ وَعَرْضٍ

стр. 41

وَعُمْقٍ، فَاللَّهُ - تَعَالَى - جَعَلَ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا لَا يَتَجَاوَزُهُ، وَحَدًّا لَا يَتَعَدَّاهُ، (الثَّانِي) : الدَّلَالَةُ عَلَى تَقْدِيرِ الْآجَالِ، جَمْعُ أَجَلٍ مُحَرَّكَةً: غَايَةُ الْوَقْتِ فِي الْمَوْتِ وَحُلُولِ الدَّيْنِ وَمُدَّةِ الشَّيْءِ، قَالَ - تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [يونس: ٤٩] ، ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: ١١] ، ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥] ، وَالْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا، (وَ) مُقَدِّرُ (الْأَرْزَاقِ) بِالْفَتْحِ جَمْعُ رِزْقٍ بِالْكَسْرِ: مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّهِ. [تفسير حي عليم موجود قادر] هُوَ - سُبْحَانَهُ - (حَيٌّ) ، أَيْ لَمْ يَزَلْ مَوْجُودًا، وَبِالْحَيَاةِ مَوْصُوفًا، وَسَائِرُ الْأَحْيَاءِ يَعْتَرِضُهُمُ الْمَوْتُ وَالْعَدَمُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، أَوْ فِيهِمَا مَعًا ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ، وَالْحَيَاةُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، قَائِمَةٌ بِذَاتِهِ - تَعَالَى، (عَلِيمٌ) بِالسَّرَائِرِ وَالْخَفِيَّاتِ الَّتِي لَا يُدْرِكُهَا عِلْمُ خَلْقِهِ، كَقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: ١١٩] ، وَجَاءَ عَلَى بِنَاءِ فَعِيلٍ لِلْمُبَالَغَةِ فِي وَصْفِهِ بِكَمَالِ الْعِلْمِ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعِلْمِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ، (قَادِرٌ) أَيْ ذُو الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ، وَالْقُدْرَةُ عِبَارَةٌ عَنْ صِفَةٍ يُوجَدُ بِهَا الْمَقْدُورُ عَلَى طِبْقِ الْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ. قَالَ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الْمَنِينِيُّ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ تَارِيخِ الْعُتْبِيِّ: لِلْقَادِرِ مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْقَدِيرِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَذَلِكَ صِفَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا يُوصَفُ الْقَادِرُ مِنَّا عَلَى بَعْضِ الْمَقْدُورَاتِ دُونَ بَعْضٍ. وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ الْقَادِرُ بِمَعْنَى الْمُقَدِّرِ، يُقَالُ مِنْهُ قَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ مَعْنًى وَاحِدٌ، قَالَ - تَعَالَى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣] أَيْ: نِعْمَ الْمُقَدِّرُونَ. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مِنَ الْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ: يَعْنِي عَلَى كُلِّ مُمْكِنٍ ; لِأَنَّهُ الَّذِي تَتَعَلَّقُ بِهِ الْقُدْرَةُ كَمَا يَأْتِي فِي مَحَلِّهِ، (مَوْجُودٌ) بِالْوُجُودِ الْقَدِيمِ ; لِأَنَّ الْعَالَمَ وَكُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ حَادِثٌ وَمُفْتَقِرٌ مِنْ حَيْثُ وُجُودِهِ وَعَدِمِهِ إِلَيْهِ - تَعَالَى - مِنْ حَيْثُ صَانِعِيَّتِهِ وَإِيجَادِهِ إِيَّاهُ، وَصَانِعُ الْعَالَمِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ فِي وُجُودِهِ لَا يَكُونُ إِلَّا وَاجِبًا بِخِلَافِ وُجُودِ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: قَدْ ثَبَتَ حُدُوثُ الْعَالَمِ، أَوْ يُقَالَ: لَا شَكَّ فِي وُجُودِ حَادِثٍ، وَكُلُّ حَادِثٍ فَبِالضَّرُورَةِ لَهُ مُحْدِثٌ، فَإِمَّا أَنْ يَدُورَ أَوْ يَتَسَلْسَلَ، وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ، وَإِمَّا أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى قَدِيمٍ

стр. 42

لَا يَفْتَقِرُ إِلَى سَبَبٍ أَصْلًا، وَهُوَ الْمُرَادُ، وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا " قَامَتْ " أَيْ وُجِدَتْ وَاسْتَمَرَّتْ " بِهِ " - سُبْحَانَهُ - وَتَعَالَى " الْأَشْيَاءُ " كُلُّهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ، (وَ) قَامَ بِهِ (الْوُجُودُ) لِكُلِّ مَوْجُودٍ سِوَاهُ، فَهُوَ الَّذِي خَلَقَهُ وَسَوَّاهُ، وَأَحْدَثَهُ وَأَنْشَاهُ، فَوُجُودُ الْبَارِي صِفَةٌ لَهُ وَاجِبٌ قَدِيمٌ، وَوُجُودُ غَيْرِهِ جَائِزٌ مُحْدَثٌ بِإِحْدَاثِ الْخَالِقِ الْحَكِيمِ. وَعَطْفُهُ عَلَى الْأَشْيَاءِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِلتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، رَدًّا عَلَى الْقَائِلِينَ بِكُلِّيَّةِ الْوُجُودِ وَوَحْدَتِهِ، وَأَنَّهُ قَدِيمٌ، وَأَنَّهُ مَوْجُودٌ فِي الْخَارِجِ، وَهَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْهَذَيَانِ وَإِنْ جَلَّ نَاقِلُوهُ، فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِهِ هُمُ الْقَائِلُونَ بِالْوَحْدَةِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَوْلَ بِهَا ضَرْبٌ مِنَ الزَّنْدَقَةِ، فَإِنَّ مِنَ الْمَعْلُومِ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَصَحِيحِ النَّقْلِ أَنَّ الْخَالِقَ الْمُبْدِعَ لَيْسَ هُوَ بِمَخْلُوقٍ، وَلَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِ، وَلَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَمَنْ يَقُولُ أَنَّ الْكُلِّيَّاتِ الطَّبِيعِيَّةَ ثَابِتَةٌ فِي الْخَارِجِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْمُعَيَّنَاتِ أَوْ صِفَةٌ لَهَا، وَلِهَذَا يَقُولُونَ: الْمُطْلَقُ جُزْءٌ مِنَ الْمُعَيَّنِ، وَالْعَامُّ بَعْضُ الْخَاصِّ، فَيَلْزَمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ وُجُودَ الرَّبِّ - تَعَالَى - هُوَ الْكُلِّيُّ، أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ جُزْءًا مِنَ الْمَخْلُوقِ أَوْ صِفَةً لَهُ، وَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ بُطْلَانُهُ بِصَرِيحِ الْعَقْلِ وَصَحِيحِ النَّقْلِ. وَأَمَّا الْمُثُلُ الْأَفْلَاطُونِيَّةُ فَإِذَا قِيلَ: إِنَّ ثَمَّ وُجُودًا كُلِّيًّا مُطْلَقًا مُقَارِنًا لِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْحَيَوَانِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، وَالْعَقْلُ الصَّرِيحُ يَقْطَعُ أَنَّ الْإِنْسَانِيَّةَ الْمُقَارِنَةَ لَا تَكُونُ خَالِقَةً لِكُلِّ إِنْسَانٍ، وَلَا الْحَيَوَانِيَّةُ خَالِقَةً لِكُلِّ حَيَوَانٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْوُجُودُ الْمُجَرَّدُ خَالِقًا لِكُلِّ مَوْجُودٍ أَوْ قَدِيمًا غَيْرَ مَخْلُوقٍ؟ فَإِنَّ هَذِهِ الْكُلِّيَّاتِ لَوْ قُدِّرَ وُجُودُهَا وَأَنَّهَا جَوَاهِرُ عَقْلِيَّةٌ - مَعَ أَنَّ هَذَا بَاطِلٌ، وَلَا وُجُودَ لَهَا إِلَّا فِي الْأَذْهَانِ، وَهَؤُلَاءِ تَخَيَّلُوهَا فِي أَذْهَانِهِمْ، فَظَنُّوا وُجُودَهَا فِي الْخَارِجِ - فَعَلَى فَرْضِ تَسْلِيمِ ذَلِكَ، فَهِيَ جَوَاهِرُ بَسِيطَةٌ، لَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا حَيَّةٌ، وَلَا عَالِمَةٌ، وَلَا قَادِرَةٌ، وَلَا مُتَكَلِّمَةٌ، فَتَعَالَى اللَّهُ عَنْ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْوَحْدَةِ وَالْحُلُولِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالزَّنْدَقَةِ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا ذَرَّةَ وَلَا شَذْرَةَ مِنْ جَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ، وَلَا مَلَكٍ وَلَا فَلَكٍ، وَلَا رُوحٍ وَلَا نَفْسٍ، وَلَا جِنٍّ وَلَا إِنْسٍ مِنْ جَمِيعِ الْعَالَمِ السُّفْلِيِّ وَالْعُلْوِيِّ، إِلَّا وَهُوَ مَخْلُوقٌ وَمَصْنُوعٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، فَلَا يَسْتَحِقُّ الْوُجُودَ الْوَاجِبَ شَيْءٌ سِوَاهُ، وَلَا الْتِفَاتَ

стр. 43

لِمَنْ لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ، فَأَثْبَتَ الْقِدَمَ لِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ عِنْدَ قَوْلِنَا: وَضَلَّ مَنْ أَثْنَى عَلَيْهَا بِالْقِدَمْ. [وجود الخلق دليل وجود الخالق] ((دَلَّتْ عَلَى وُجُودِهِ الْحَوَادِثُ ... سُبْحَانَهُ فَهْوَ الْحَكِيمُ الْوَارِثُ)) ((دَلَّتْ)) دَلَالَةً عَقْلِيَّةً قَطْعِيَّةً (عَلَى وُجُودِهِ) (الْحَوَادِثُ) جَمْعُ حَادِثٍ، وَهُوَ خِلَافُ الْقَدِيمِ، وَالدَّلَالَةُ هِيَ كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنَ الْعِلْمِ بِهِ الْعِلْمُ أَوِ الظَّنُّ بِشَيْءٍ آخَرَ، أَوْ مِنَ الظَّنِّ بِهِ الظَّنُّ بِشَيْءٍ آخَرَ، فَالْأَوَّلُ يُسَمَّى دَلِيلًا بُرْهَانِيًّا، وَبُرْهَانًا إِنْ لَمْ يَتَخَلَّلْهُ الظَّنُّ، وَإِلَّا فَدَلِيلًا إِقْنَاعِيًّا وَأَمَارَةً، وَالشَّيْءُ الثَّانِي يُسَمَّى مَدْلُولًا. ثُمَّ الدَّالُّ إِنْ كَانَ لَفْظًا فَالدَّلَالَةُ لَفْظِيَّةٌ، وَإِلَّا فَغَيْرُ لَفْظِيَّةٍ، فَإِنْ تَوَسَّطَ الْوَضْعُ فِيهَا كَالْخُطُوطِ وَالْعُقُودِ وَالْإِشَارَةِ وَالنُّصْبِ فَوَضْعِيَّةٌ وَإِلَّا فَعَقْلِيَّةٌ، كَدَلَالَةِ الْعَالَمِ عَلَى الصَّانِعِ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مُقَدِّمَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّ الْحَوَادِثَ مَوْجُودَةٌ، وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَادِثَ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِقَدِيمٍ، وَبَعْضُهُمْ يُعَبِّرُ أَنَّ الْمُمْكِنَاتِ مَوْجُودَةٌ، وَأَنَّ الْمُمْكِنَ لَا يُوجَدُ إِلَّا بِوَاجِبٍ. فَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الْأُولَى فَدَلِيلُهَا مَا يُشَاهَدُ مِنْ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ، فَإِنَّا نُشَاهِدُ حُدُوثَ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعَادِنِ، وَحَوَادِثَ الْجَوِّ كَالسَّحَابِ وَالْمَطَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهَذِهِ

стр. 44

الْحَوَادِثُ لَيْسَتْ مُمْتَنِعَةً - فَإِنَّ الْمُمْتَنِعَ لَا يُوجَدُ - وَلَا وَاجِبَةَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهَا - فَإِنَّ وَاجِبَ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ لَا يَقْبَلُ الْعَدَمَ - وَهَذِهِ كَانَتْ مَعْدُومَةً ثُمَّ وُجِدَتْ، فَعَدَمُهَا يَنْفِي وُجُودَهَا، وَوُجُودُهَا يَنْفِي امْتِنَاعَهَا. وَهَذَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ وَاضِحٌ بَيِّنٌ عَلَى ثُبُوتِ الْمُمْكِنَاتِ. وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ وَأَوْضَحُ أَنَّ نَفْسَ حُدُوثِ الْحَوَادِثِ دَلِيلٌ عَلَى إِثْبَاتِ الْمُحْدِثِ لَهَا، فَإِنَّ الْعِلْمَ بِأَنَّ الْحَادِثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ أَبْيَنُ مِنَ الْعِلْمِ بِأَنَّ الْمُمْكِنَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَاجِبٍ، فَتَكُونُ هَذِهِ الطَّرِيقُ أَبْيَنَ وَأَقْصَرَ كَمَا فِي النَّظْمِ. وَأَمَّا الْمُقَدِّمَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ أَنَّ الْحَادِثَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مُحْدِثٍ فَلِاسْتِحَالَةِ حُدُوثِهِ بِنَفْسِهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥] ، يَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى: أُحْدِثُوا مِنْ غَيْرِ مُحْدِثٍ أَمْ هُمْ أَحْدَثُوا أَنْفُسَهُمْ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا يُوجَدُ بِنَفْسِهِ، وَطَرِيقُ الْعِلْمِ بِذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الْمَوْجُودُ إِمَّا حَادِثٌ وَإِمَّا قَدِيمٌ، وَالْحَادِثُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَدِيمٍ، فَيَلْزَمُ ثُبُوتُ الْقَدِيمِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفَقْرَ وَالْحَاجَةَ لِكُلِّ حَادِثٍ وَمُمْكِنٍ وَصْفٌ لَازِمٌ لَهَا، فَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ دَائِمًا حَالَ الْحُدُوثِ وَحَالَ الْبَقَاءِ، وَمَنْ زَعَمَ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنَّ افْتِقَارَهَا إِلَيْهِ فِي حَالِ الْحُدُوثِ فَقَطْ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ، أَوْ فِي حَالِ الْبَقَاءِ فَقَطْ، كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْمُتَفَلْسِفَةِ الْقَائِلِينَ بِمُسَاوَاةِ الْعَالَمِ لَهُ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ، كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي شَرْحِ عَقِيدَةِ شَمْسِ الدِّينِ الْأَصْبَهَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَالْإِمْكَانُ وَالْحُدُوثُ مُتَلَازِمَانِ، فَكُلُّ مُحْدَثٍ مُمْكِنٌ، وَكُلُّ مُمْكِنٍ مُحْدَثٌ، وَالْفَقْرُ مُلَازِمٌ لَهُمَا، فَلَا تَزَالُ مُفْتَقِرَةً إِلَيْهِ، لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ لَحْظَةَ عَيْنٍ، وَهُوَ الصَّمَدُ الَّذِي يَصْمُدُ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ، وَلَا يَصْمُدُ هُوَ إِلَى شَيْءٍ، بَلْ هُوَ - سُبْحَانَهُ - الْمُغْنِي لِمَا سِوَاهُ. وَلِلْإِمَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: الْفَقْرُ لِي وَصْفُ ذَاتٍ لَازِمٌ أَبَدًا ... كَمَا الْغِنَى أَبَدًا وَصْفٌ لَهُ ذَاتِي " سُبْحَانَهُ " وَتَعَالَى، وَهُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى التَّسْبِيحِ الَّذِي هُوَ التَّنْزِيهُ، وَانْتِصَابُهُ بِفِعْلٍ مَتْرُوكٍ إِظْهَارُهُ، وَلَا يَخْفَى حُسْنُ مَوْقِعِهِ هُنَا. أَيْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ سُدًى، أَوْ يُشَارِكَهُ فِي إِحْدَاثِ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ شَرِيكٌ، بَلْ هُوَ الْخَالِقُ الْمُخْتَارُ بِلَا حَاجَةٍ وَلَا اضْطِرَارٍ بِقُدْرَةٍ قَاهِرَةٍ لِحِكْمَةٍ بَاهِرَةٍ، وَلِهَذَا قُلْنَا (فَهُوَ) - تَعَالَى - (الْحَكِيمُ) ، أَيِ الْمُتْقِنُ لِخَلْقِ الْأَشْيَاءِ بِحُسْنِ

стр. 45

التَّدْبِيرِ وَبَدِيعِ التَّقْدِيرِ، بِحَيْثُ يَخْضَعُ الْعَقْلُ لِرِفْعَتِهِ، وَيَشْهَدُ بِإِتْقَانِ صَنْعَتِهِ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: ٧] ، وَقَالَ: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢] ، وَالْحَكِيمُ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَهُوَ ذُو الْحِكْمَةِ، وَهِيَ إِصَابَةُ الْحَقِّ بِالْعِلْمِ. فَالْحِكْمَةُ مِنْهُ - تَعَالَى - عِلْمُ الْأَشْيَاءِ، وَإِيجَادُهَا عَلَى غَايَةِ الْإِحْكَامِ، وَمِنَ الْإِنْسَانِ مَعْرِفَةُ الْمَوْجُودَاتِ وَفِعْلُ الْخَيْرَاتِ، وَهَذَا الَّذِي وُصِفَ بِهِ لُقْمَانُ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان: ١٢] . قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ (صَيْدِ الْخَاطِرِ) : الْعَقْلُ لَا يَنْتَهِي إِلَى حِكْمَةِ الْخَالِقِ - سُبْحَانَهُ - وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَهُ وُجُودُهُ وَمُلْكُهُ وَحِكْمَتُهُ، فَتَعَرُّضُهُ بِالتَّفَاصِيلِ عَلَى مَا تَجْرِي بِهِ عَادَاتُ الْخَلْقِ جَهْلٌ. ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَرَى إِلَى أَوَّلِ الْمُعْتَرِضِينَ، وَهُوَ إِبْلِيسُ اللَّعِينُ، كَيْفَ نَاظَرَ فَقَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ. وَقَوْلُ أَبِي الْعَلَاءِ الْمَعَرِّي: رَأَى مِنْكَ مَا لَا يَشْتَهِي فَتَزَنْدَقَا . ثُمَّ قَالَ: وَيْحَكَ أَحْضِرْ عَقْلَكَ وَقَلْبَكَ وَاسْمَعْ مَا أَقُولُ، أَلَيْسَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ مَالِكٌ، وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَتَصَرَّفَ كَيْفَ يَشَاءُ؟ أَلَيْسَ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ حَكِيمٌ، وَالْحَكِيمُ لَا يَعْبَثُ؟ . قَالَ: وَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّ فِي نَفْسِكَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ شَيْئًا، فَإِنَّكَ قَدْ سَمِعْتَ عَنْ جَالِينُوسَ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَدْرِي أَحَكِيمٌ هُوَ أَمْ لَا؟ وَالسَّبَبُ فِي قَوْلِهِ هَذَا أَنَّهُ رَأَى نَقْضًا بَعْدَ إِحْكَامٍ، فَقَاسَ الْحَالَ عَلَى أَحْوَالِ الْخَلْقِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ بَنَى ثُمَّ نَقَضَ لَا لِمَعْنًى فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ، قَالَ: وَجَوَابُهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا أَنْ يُقَالَ: بِمَاذَا بَانَ لَكَ أَنَّ النَّقْضَ لَيْسَ بِحِكْمَةٍ؟ أَلَيْسَ بِعَقْلِكَ الَّذِي وَهَبَهُ الصَّانِعُ لَكَ؟ فَكَيْفَ يَهَبُ لَكَ الذِّهْنَ الْكَامِلَ وَيَفُوتُهُ هُوَ الْكَمَالُ؟ وَهَذِهِ الْمِحْنَةُ الَّتِي جَرَتْ لِإِبْلِيسَ، فَإِنَّهُ أَخَذَ يَعِيبُ الْحِكْمَةَ بِعَقْلِهِ، فَلَوْ فَكَّرَ عَلِمَ أَنَّ وَاهِبَ الْعَقْلِ أَعْلَى مِنَ الْعَقْلِ، وَأَنَّ حِكْمَتَهُ أَوْفَى مِنْ كُلِّ حَكِيمٍ ; لِأَنَّهُ بِحِكْمَتِهِ التَّامَّةِ أَنْشَأَ الْعُقُولَ، فَهَذَا إِذَا تَأَمَّلَهُ الْمُنْصِفُ، زَالَ عَنْهُ الشَّكُّ. انْتَهَى. وَمُرَادُ الْحَافِظِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ مَنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَرَى طَرِيقًا إِلَى إِدْرَاكِ حِكْمَتِهِ إِلَّا بِالْعَقْلِ، كَيْفَ وَقَدْ جَاءَ فِي صَحِيحِ الْمَنْقُولِ مَا يُوَافِقُ صَرِيحَ الْمَعْقُولِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا لَا يُبْقِي فِي لُبِّ اللَّبِيبِ أَقَلَّ اخْتِلَاجٍ وَأَدْنَى رَيْبٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِكُلِّ غَيْبٍ. وَهُوَ (الْوَارِثُ) أَيِ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ، وَالْمُسْتَرِدُّ لِأَمْلَاكِهِمْ وَمَوَارِيثِهِمْ بَعْدَ مَوْتِهِمْ، قَالَ - تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: ٤٠]

стр. 46

وَقَالَ - تَعَالَى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣] ، فَلَا يَبْقَى عَلَيْهَا وَلَا عَلَيْهِمْ لِأَحَدٍ غَيْرِهِ - سُبْحَانَهُ - مُلْكٌ وَلَا مِلْكٌ، وَيَقُولُ اللَّهُ - تَعَالَى - فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بَعْدَ فَنَاءِ الْخَلْقِ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] ، وَلَا أَحَدَ يُجِيبُهُ، فَيُجِيبُ نَفْسَهُ فَيَقُولُ: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦] . وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى دَقَائِقَ تَتَعَلَّقُ بِالْأَسْمَاءِ عِنْدَ مَبَاحِثِهَا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ إِنِّي بَعْدَ ابْتِدَائِي بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ - تَعَالَى - بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، عَقَّبْتُهُ بِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ - إِظْهَارًا لِعَظَمَةِ قَدْرِهِ، وَأَدَاءً لِبَعْضِ حُقُوقِهِ الْوَاجِبَةِ، إِذْ هُوَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، وَجَمِيعُ النِّعَمِ الْوَاصِلَةِ إِلَيْهِمُ الَّتِي مِنْ أَعْظَمِهَا الْهِدَايَةُ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ إِنَّمَا هِيَ بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ ﷺ ، وَامْتِثَالًا لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، وَاغْتِنَامًا لِلثَّوَابِ الْوَارِدِ فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ فِي كِتَابٍ، لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَسْتَغْفِرُ لَهُ ". وَفِي رِوَايَةٍ: تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ اسْمِي فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ» ". وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: [الصلاة على النبي ﷺ ] [الصلاة على النبي وبيان معناها وما اشتهر من تفسيرها] ((ثُمَّ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَرْمَدًا ... عَلَى النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى كَنْزِ الْهُدَى)) ((وَآلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَبْرَارِ ... مَعَادِنِ التَّقْوَى مَعَ الْأَسْرَارِ)) ((ثُمَّ الصَّلَاةُ)) وَهِيَ مِنَ اللَّهِ الرَّحْمَةُ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ الِاسْتِغْفَارُ، وَمِنْ غَيْرِهِمُ التَّضَرُّعُ وَالدُّعَاءُ بِخَيْرٍ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَالْجَارِي عَلَى أَلْسِنَةِ الْجُمْهُورِ، وَلَمْ يَرْتَضِ هَذَا الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابَيْهِ (جَلَاءِ الْإِفْهَامِ) وَ (بَدَائِعِ الْفَوَائِدِ) وَغَيْرِهِمَا، وَرَدَّهُ مِنْ وُجُوهٍ: (أَحَدِهَا) : أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - غَايَرَ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] . (الثَّانِي) : أَنَّ سُؤَالَ الرَّحْمَةِ يُشْرَعُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَالصَّلَاةُ تَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَآلِهِ، فَهِيَ حَقٌّ لَهُ وَلِآلِهِ، وَلِهَذَا مَنَعَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الصَّلَاةَ عَلَى مُعَيَّنٍ غَيْرِهِ، يَعْنِي وَغَيْرِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ، وَلَمْ يَمْنَعْ أَحَدٌ مِنَ التَّرَحُّمِ عَلَى مُعَيَّنٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

стр. 47

(الثَّالِثِ) : أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ عَامَّةٌ، وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَصَلَاتُهُ خَاصَّةٌ لِخَوَاصِّ عِبَادِهِ. وَقَوْلُهُمُ الصَّلَاةُ مِنَ الْعِبَادِ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ مُشْكِلٌ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ:

стр. 48

(أَحَدِهَا) : أَنَّ الدُّعَاءَ يَكُونُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَالصَّلَاةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْخَيْرِ. (الثَّانِي) : أَنَّ دَعَوْتُ يَتَعَدَّى بِاللَّامِ، وَصَلَّيْتُ لَا يَتَعَدَّى إِلَّا بِعَلَى، وَدَعَا الْمُعَدَّى بِعَلَى لَيْسَ بِمَعْنَى صَلَّى، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَيْسَتْ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ. (الثَّالِثُ) : أَنَّ فِعْلَ الدُّعَاءِ يَقْتَضِي مَدْعُوًّا وَمَدْعُوًّا لَهُ، تَقُولُ: دَعَوْتُ اللَّهَ لَكَ بِخَيْرٍ. وَفِعْلُ الصَّلَاةِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، لَا تَقُولُ: صَلَّيْتُ اللَّهَ عَلَيْكَ وَلَا لَكَ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنَاهُ، فَأَيُّ تَبَايُنٍ أَظْهَرُ مِنْ هَذَا؟ . قَالَ: وَلَكِنَّ التَّقْلِيدَ يُعْمِي عَنْ إِدْرَاكِ الْحَقَائِقِ، فَإِيَّاكَ وَالْإِخْلَادَ إِلَى أَرْضِهِ. قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: وَرَأَيْتُ لِأَبِي الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيِّ كَلَامًا حَسَنًا فِي اشْتِقَاقِ الصَّلَاةِ، فَذَكَرَ مَا مُلَخَّصُهُ: إِنَّ مَعْنَى اللَّفْظَةِ حَيْثُ تَصَرَّفَتْ تَرْجِعُ إِلَى الْحُنُوِّ وَالْعَطْفِ، إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ مَحْسُوسًا وَمَعْقُولًا، فَالْمَحْسُوسُ مِنْهُ صِفَاتُ الْأَجْسَامِ، وَالْمَعْقُولُ مِنْهُ صِفَةُ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ مَوْجُودٌ فِي الصِّفَاتِ، وَالْكَبِيرُ يَكُونُ صِفَةً لِلْمَحْسُوسَاتِ وَصِفَةً لِلْمَعْقُولَاتِ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الرَّبِّ، تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَنْ مُشَابَهَةِ الْأَجْسَامِ وَمُضَاهَاةِ الْأَنَامِ، فَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ - تَعَالَى - مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي مَعْقُولَةٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَالصَّلَاةُ كَمَا قُلْنَا حُنُوٌّ وَعَطْفٌ مِنْ قَوْلِكَ: صَلَّيْتُ، أَيْ حَنَيْتَ صِلَاكَ وَعَطَفْتَهُ، فَأَخْلَقُ بِأَنْ تَكُونَ الرَّحْمَةُ كَمَا سَمَّى عَطْفًا وَحُنُوًّا، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اعْطِفْ عَلَيْنَا، أَيِ ارْحَمْنَا. قَالَ الشَّاعِرُ: وَمَا زِلْتُ فِي لِينِي لَهُ وَتَعَطُّفِي ... عَلَيْهِ كَمَا تَحْنُو عَلَى الْوَلَدِ الْأُمُّ وَأَمَّا رَحْمَةُ الْعِبَادِ فَرِقَّةٌ فِي الْقَلْبِ، إِذَا وَجَدَهَا الرَّاحِمُ مِنْ نَفْسِهِ انْعَطَفَ عَلَى الْمَرْحُومِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ لِلْعِبَادِ جُودٌ وَفَضْلٌ، فَإِذَا صَلَّى عَلَيْهِ، فَقَدْ أَفْضَلَ وَأَنْعَمَ، وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ إِذَا كَانَتْ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنَ الْعَبْدِ فَهِيَ مُتَعَدِّيَةٌ بِعَلَى مَخْصُوصَةٌ بِالْخَيْرِ، لَا تَخْرُجُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَرَجَعَتْ كُلُّهَا إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، إِلَّا أَنَّهَا فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ وَالرَّحْمَةِ، وَالصَّلَاةُ مَعْقُولَةٌ أَيِ انْحِنَاءٌ مَعْقُولٌ غَيْرُ مَحْسُوسٍ، ثَمَرَتُهُ مِنَ الْعَبْدِ الدُّعَاءُ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهُ، وَثَمَرَتُهُ مِنَ اللَّهِ الْإِحْسَانُ وَالْإِنْعَامُ، فَلَمْ تَخْتَلِفِ الصَّلَاةُ فِي مَعْنَاهَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَتْ ثَمَرَتُهَا الصَّادِرَةُ عَنْهَا. وَالصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ انْحِنَاءٌ مَحْسُوسٌ، فَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَعْنَى فِيهَا إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْمَعْقُولِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِاخْتِلَافٍ فِي الْحَقِيقَةِ،

стр. 49

وَلِذَلِكَ تَعَدَّتْ كُلُّهَا بِعَلَى، وَاتَّفَقَتْ فِي اللَّفْظِ الْمُشْتَقِّ مِنَ الصَّلَاةِ، وَلَمْ يَجُزْ صَلَّيْتُ عَلَى الْعَدُوِّ أَيْ دَعَوْتُ عَلَيْهِ، فَقَدْ صَارَ مَعْنَى الصَّلَاةِ أَرَقَّ وَأَبْلَغَ مِنْ مَعْنَى الرَّحْمَةِ وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إِلَيْهِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ رَاحِمٍ يَنْحَنِي عَلَى الْمَرْحُومِ، وَيَنْعَطِفُ عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ الرَّحْمَةِ. انْتَهَى. " وَالسَّلَامُ " بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ وَالسَّلَامَةِ مِنَ النَّقَائِصِ وَالرَّذَائِلِ. وَفِي الْمَطْلَعِ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ فِي قَوْلِكَ السَّلَامُ عَلَيْكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: اسْمُ السَّلَامِ، وَمَعْنَاهُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدٍ: إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا ... وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ وَالثَّانِي: سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ تَسْلِيمًا وَسَلَامًا، وَمَنْ سَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَلِمَ مِنَ الْآفَاتِ كُلِّهَا. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي (مِفْتَاحِ الْحِصْنِ) : وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، فَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ، لِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، وَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا، جَازَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، فَقَدْ جَرَى عَلَيْهِ جَمْعٌ، مِنْهُمْ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ. وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا نَصَّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، حَتَّى إِنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ نَفْسَهُ اقْتَصَرَ عَلَى الصَّلَاةِ دُونَ تَسْلِيمٍ فِي خُطْبَةِ الرِّسَالَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (سَرْمَدًا) أَيْ دَائِمًا مُتَّصِلًا عَلَى مَمَرِّ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: السَّرْمَدُ الدَّائِمُ وَالطَّوِيلُ مِنَ اللَّيَالِي. أَيْ: صَلَاةً وَسَلَامًا مُمْتَدَّيْنِ دَائِمَيْنِ امْتِدَادًا دَائِمًا سَرْمَدًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (عَلَى النَّبِيِّ) قَالَ فِي الْمَطْلَعِ: يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ، فَمَنْ جَعَلَهُ مِنَ النَّبَأِ هَمَزَهُ ; لِأَنَّهُ يُنْبِئُ النَّاسَ عَنِ اللَّهِ، وَلِأَنَّهُ يُنَبَّأُ هُوَ بِالْوَحْيِ، وَمَنْ لَمْ يَهْمِزْ، فَإِمَّا سَهَّلَهُ وَإِمَّا أَخَذَهُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ الرِّفْعَةُ لِارْتِفَاعِ مَنَازِلِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْخَلْقِ، وَقِيلَ مَأْخُوذٌ مِنَ النَّبِيِّ الَّذِي هُوَ الطَّرِيقُ ; لِأَنَّهُمُ الطُّرُقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى. وَهُوَ إِنْسَانٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإِنْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فَهُوَ رَسُولٌ أَيْضًا عَلَى الْمَشْهُورِ، فَبَيْنَ النَّبِيِّ وَالرَّسُولِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيٌّ، وَلَيْسَ كُلُّ نَبِيٍّ رَسُولًا. وَالرَّسُولُ أَفْضَلُ مِنَ

стр. 50

النَّبِيِّ إِجْمَاعًا ; لِتَمَيُّزِهِ بِالرِّسَالَةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَوَجْهُ تَفْضِيلِ الرِّسَالَةِ ; لِأَنَّهَا تُثْمِرُ هِدَايَةَ الْأُمَّةِ، وَالنُّبُوَّةُ قَاصِرَةٌ عَلَى النَّبِيِّ، فَنِسْبَتُهَا إِلَى النُّبُوَّةِ كَنِسْبَةِ الْعَالِمِ إِلَى الْعَابِدِ، ثُمَّ إِنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِيهِمَا مَعَ اتِّحَادِ مَحَلِّهِمَا وَقِيَامِهِمَا مَعًا بِشَخْصٍ وَاحِدٍ - أَمَّا مَعَ تَعَدُّدِ الْمَحَلِّ فَلَا خِلَافَ فِي أَفْضَلِيَّةِ الرِّسَالَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ - ضَرُورَةُ جَمْعِ الرِّسَالَةِ لَهَا مَعَ زِيَادَةٍ (الْمُصْطَفَى) أَيِ الْمُخْتَارُ وَالْمُسْتَخْلَصُ مَأْخُوذٌ مِنَ الصَّفْوَةِ مُثَلَّثَةً، يُقَالُ: اسْتَصْفَى الشَّيْءَ: أَخَذَ مِنْهُ صَفْوَهُ، وَاخْتَارَهُ كَاصْطَفَاهُ، وَفِي مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ، عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ» ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ: " «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» ". (كَنْزِ) أَيْ مَعْدِنُ وَمَقَرُّ (الْهُدَى) وَمَوْضِعُهُ الَّذِي نَشَأَ عَنْهُ وَاسْتَقَرَّ لَدَيْهِ، وَالْكَنْزُ فِي الْأَصْلِ الْمَالُ الْمَدْفُونُ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ» ". أَيْ أَجْرُهَا مُدَّخَرٌ لِقَائِلِهَا وَالْمُتَّصِفِ بِهَا، كَمَا يُدَّخَرُ الْكَنْزُ الْمَدْفُونُ لِصَاحِبِهِ. وَالْهُدَى فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ كَالسُّرَى وَالتُّقَى، وَمَعْنَاهُ الرَّشَادُ وَالدَّلَالَةُ وَلَوْ غَيْرَ مُوصِلَةٍ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - الْهَادِي، وَهُوَ الَّذِي بَصَّرَ عِبَادَهُ وَعَرَّفَهُمْ طُرُقَ مَعْرِفَتِهِ حَتَّى أَقَرُّوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَهَدَى كُلَّ مَخْلُوقٍ إِلَى مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فِي بَقَائِهِ وَدَوَامِ وُجُودِهِ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «الْهُدَى الصَّالِحُ وَالسَّمْتُ الصَّالِحُ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ» ". الْمُرَادُ بِالْهُدَى هُنَا السِّيرَةُ وَالْهَيْئَةُ وَالطَّرِيقَةُ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْخِلَالَ مِنْ شَمَائِلِ الْأَنْبِيَاءِ وَخِصَالِهِمُ الْحَمِيدَةِ، وَأَنَّهَا جُزْءٌ مَعْلُومٌ مِنْ جَزَاءِ أَفْعَالِهِمْ، لَا أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ النُّبُوَّةَ تَتَجَزَّأُ، وَلَا أَنَّ مَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْخِلَالَ كَانَ فِيهِ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ، فَإِنَّ النُّبُوَّةَ غَيْرُ مُكْتَسَبَةٍ وَلَا مُجْتَلَبَةٍ بِالْأَسْبَابِ، وَإِنَّمَا هِيَ كَرَامَةٌ

стр. 51

مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى - كَمَا يَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى، وَتَخْصِيصُ هَذَا الْعَدَدِ مِمَّا كَانَ يُسْتَأْثَرُ النَّبِيُّ ﷺ بِمَعْرِفَتِهِ. (وَ) الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الدَّائِمَانِ السَّرْمَدِيَّانِ عَلَى (آلِهِ) ﷺ ، وَهُمْ أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ، قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ " جَلَاءِ الْأَفْهَامِ ": يُقَالُ آلُ الرَّجُلِ لَهُ نَفْسُهُ، وَآلُهُ لِمَنْ تَبِعَهُ، وَآلُهُ لِأَهْلِهِ وَأَقَارِبِهِ، فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ ﷺ : " «اللَّهُمَّ صِلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» "، وَقَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات: ١٣٠] ، وَنَازَعَ فِي هَذَا قَوْمٌ، فَقَالُوا: لَا يَكُونُ الْآلُ إِلَّا الْأَتْبَاعَ وَالْأَقَارِبَ، وَأَجَابُوا عَمَّا ذُكِرَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ الْأَقَارِبُ. وَاخْتُلِفَ فِي آلِهِ ﷺ فَقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ حَرُمَتْ عَلَيْهِمُ الزَّكَاةُ، وَهُمْ عِنْدَنَا كَالْحَنَفِيَّةِ بَنُو هَاشِمٍ خَاصَّةً، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ، وَقِيلَ: بَنُو هَاشِمٍ وَمَنْ فَوْقَهُمْ إِلَى غَالِبٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَشْهَبَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَقِيلَ: هُمْ ذُرِّيَّتُهُ وَأَزْوَاجُهُ خَاصَّةً، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ، وَقِيلَ: آلُهُ أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأَقْدَمُ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ هَذَا الْقَوْلَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَاخْتَارَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، قُلْتُ: وَكَثِيرٌ مِنْ عُلَمَائِنَا فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ خَاصَّةً، وَقِيلَ: هُمُ الْأَتْقِيَاءُ مِنْ أُمَّتِهِ، حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالرَّاغِبُ وَجَمَاعَةٌ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ مَنْ آلُكَ، قَالَ: كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ» . وَفِي الْقَامُوسِ: آلُ الرَّجُلِ أَهْلُهُ وَأَتْبَاعُهُ وَأَوْلِيَاؤُهُ، وَلَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِيمَا فِيهِ شَرَفٌ غَالِبًا، فَلَا يُقَالُ: آلُ الْإِسْكَافِ كَمَا يُقَالُ أَهْلُهُ. وَهُوَ اسْمُ جَمْعٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، بَلْ مِنْ مَعْنَاهُ وَهُوَ صَاحِبٌ، وَهَلْ أَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ هَاءٍ وَأَصْلُهُ أَهْلٌ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، أَوْ عَنْ وَاوٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْكِسَائِيِّ؟ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ تَرْجِيحُ الثَّانِي، وَكِلَاهُمَا مَسْمُوعٌ وَيُصَغَّرُ عَلَى أُهَيْلٍ وَأُوَيْلٍ، وَالصَّوَابُ جَوَازُ إِضَافَةِ آلٍ إِلَى الضَّمِيرِ، قَالَ الشَّاعِرُ:

стр. 52

أَنَا الْفَارِسُ الْحَامِي حَقِيقَةَ وَالِدِي ... وَآلِي فَمَا تَحْمِي حَقِيقَةَ آلِكَا وَفِي شِعْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ جَدِّ النَّبِيِّ ﷺ : وَانْصُرْ عَلَى آلِ الصَّلِيـ ... ـبِ وَعَابِدِيهِ الْيَوْمَ آلَكْ نَعَمْ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِضَافَتِهِ إِلَى الظَّاهِرِ قَلِيلٌ. وَإِنَّمَا أَتْبَعْنَا آلَهُ ﵊ لَهُ، لِمَا تَضَافَرَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ وَصَحَّتْ بِهِ الْآثَارُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : " «قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ» ". إِلَى مَا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ. " وَ " الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الدَّائِمَانِ الْمُتَّصِلَانِ عَلَى (صَحْبِهِ) ، اسْمُ جَمْعٍ لِصَاحِبٍ، وَقَالَ الْأَخْفَشُ: جَمْعٌ لَهُ، وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ، فَقَالَ: وَجَمْعُ صَاحِبٍ صَحْبٌ، كَرَاكِبٍ وَرَكْبٌ. وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُرَادُ بِالصَّاحِبِ هُنَا الصَّحَابِيُّ. " الْأَبْرَارُ " جَمْعُ الْبَرِّ أَيِ الْبَارُّ، وَهُوَ الصَّادِقُ وَالْكَثِيرُ الْبِرِّ وَالصِّدْقِ فِي الْيَمِينِ، وَفِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى " الْبَرُّ " دُونَ الْبَارِّ، قَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي كِتَابِهِ (تُحْفَةِ الْعُبَّادِ) : الْبَرُّ هُوَ الْعَطُوفُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُحْسِنُ إِلَيْهِمْ، عَمَّ بِبِرِّهِ جَمِيعَ خَلْقِهِ، فَلَمْ يَبْخَلْ عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِ، وَهُوَ الْبَرُّ بِأَوْلِيَائِهِ إِذْ خَصَّهُمْ بِوِلَايَتِهِ، وَاصْطَفَاهُمْ لِعِبَادَتِهِ، وَهُوَ الْبَرُّ بِالْمُحْسِنِ فِي مُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ لَهُ، وَبِالْمُسِيءِ فِي الصَّفْحِ وَالتَّجَاوُزِ عَنْهُ. وَالْأَبْرَارُ كَثِيرًا مَا يُخَصُّ بِالْأَوْلِيَاءِ وَالزُّهَّادِ وَالْعُبَّادِ وَالصَّحَابَةِ الْكِرَامِ أَفْضَلِ أَوْلِيَاءِ الْأَنَامِ، وَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: ١٩٣] ، وَالصَّحَابِيُّ مَنِ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا وَلَوْ لَحْظَةً، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَوْ تَخَلَّلَهُ رِدَّةٌ. [مراتب الصحابة] وَقَسَّمَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ الصُّحْبَةَ إِلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ: (الْأُولَى) : مَنْ كَثُرَتْ مُعَاشَرَتُهُ وَمُخَالَطَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ صَاحِبُهَا إِلَّا بِهَا، فَيُقَالُ: هَذَا صَاحِبُ فُلَانٍ وَخَادِمُهُ لِمَنْ تَكَرَّرَتْ خِدْمَتُهُ، لَا لِمَنْ خَدَمَهُ مَرَّةً وَاحِدَةً أَوْ سَاعَةً أَوْ يَوْمًا. (الثَّانِيَةُ) : مَنِ اجْتَمَعَ بِهِ ﷺ مُؤْمِنًا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً ; لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَحِبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الِاشْتِهَارِ بِهِ. (الثَّالِثَةُ) : مَنْ رَآهُ ﷺ رُؤْيَةً، وَلَمْ يُجَالِسْهُ وَلَمْ يُمَاشِهِ، فَهَذَا أُلْحِقَ بِالصُّحْبَةِ إِلْحَاقًا، وَإِنْ كَانَتْ حَقِيقَةُ الصُّحْبَةِ لَمْ تُوجَدْ فِي حَقِّهِ، وَلَكِنَّهَا صُحْبَةٌ إِلْحَاقِيَّةٌ حُكْمِيَّةٌ لِشَرَفِ قَدْرِ

стр. 53

النَّبِيِّ ﷺ لِاسْتِوَاءِ الْكُلِّ فِي انْطِبَاعِ طَلْعَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ فِيهِمْ بِرُؤْيَتِهِ إِيَّاهُمْ، أَوْ رُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُ مُؤْمِنِينَ بِمَا جَاءَ بِهِ، وَإِنْ تَفَاوَتَتْ رُتَبُهُمْ، رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. وَفِي وَصْفِنَا إِيَّاهُمْ بِالْأَبْرَارِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَذْهَبِ الرَّاجِحِ مِنْ أَنَّهُمْ عُدُولٌ كُلُّهُمْ، وَلَا يُبْحَثُ عَنْ عَدَالَةِ أَحَدٍ مِنْهُمْ، لَا فِي رِوَايَةٍ وَلَا فِي شَهَادَةٍ، وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يَظْهَرْ مُعَارِضٌ كَزِنَا مَاعِزٍ، وَفِي قَوْلِهِ ﷺ : " «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» "، دَلِيلٌ عَلَى عَدَالَتِهِمْ، إِذْ لَوْ لَمْ يَكُونُوا عُدُولًا، لَمَا حَصَلَ الِاهْتِدَاءُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ. وَعَلَى النَّاسِ ذِكْرُ مَحَاسِنِهِمْ، وَالْكَفُّ عَمَّا جَرَى بَيْنَهُمْ مِنَ الْفِتَنِ، وَيَجِبُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَظَنِّ كُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ أَنَّ مَا صَارَ إِلَيْهِ هُوَ الْوَاجِبُ، وَأَنَّهُ أَرْفَقُ لِلدِّينِ وَأَوْفَقُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ مَأْجُورٌ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْأُمُورِ، وَلِهَذَا وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ " مَعَادِنِ " جُمَعُ مَعْدِنٍ، وَهِيَ الْمَوَاضِعُ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا جَوَاهِرُ الْأَرْضِ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَغَيْرِهِمَا، وَالْعَدْنُ الْإِقَامَةُ، وَالْمَعْدِنُ مَرْكَزُ كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: " «فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: نَعَمْ» . أَيْ عَنْ أُصُولِهَا الَّتِي يُنْسَبُونَ إِلَيْهَا وَيَتَفَاخَرُونَ بِهَا، أَيْ هُمْ مُسْتَقَرُّ " التَّقْوَى " وَمَوَاضِعُهَا، وَالتَّقْوَى لُغَةً الْحَجْزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، وَشَرْعًا التَّحَرُّزُ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَنْ مُخَالَفَتِهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابِ نَهْيِهِ، وَأَصْلُ اتَّقَى اوْتَقَى ; لِأَنَّهُ مِنْ وَقَى وِقَايَةً، فَقُلِبَتِ الْوَاوُ تَاءً، وَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي التَّاءِ، (مَعَ الْأَسْرَارِ) الْبَدِيعَةِ وَالْأَحْوَالِ الرَّفِيعَةِ. وَالسِّرُّ مَا اسْتَوْدَعْتَهُ لِأَخِيكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يُطْلِعَ عَلَيْهِ أَحَدًا، وَقَدْ قَالَ ﷺ : " «الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسٍ: سَفْكَ دَمٍ حَرَامٍ، وَفَرْجٍ حَرَامٍ، وَاقْتِطَاعَ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: " «مَنْ سَمِعَ مِنْ رَجُلٍ حَدِيثًا لَا يَشْتَهِي أَنْ يُذْكَرَ عَنْهُ، فَهُوَ أَمَانَةٌ وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْتِمْهُ» . وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: يَا بُنَيَّ، إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِيكَ - يَعْنِي: عُمَرَ ﵁ فَاحْفَظْ عَنِّي ثَلَاثًا: لَا تُفْشِيَنَّ لَهُ سِرًّا، وَلَا تَغْتَابَنَّ عِنْدَهُ أَحَدًا، وَلَا يَطَّلِعَنَّ مِنْكَ فِي كَذِبَةٍ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ كَانُوا أَعْمَقَ النَّاسِ أَسْرَارًا، وَأَبَرَّهُمْ قُلُوبًا، وَأَعْلَاهُمْ أَنْوَارًا.

стр. 54

[تنبيهات تتعلق بالصلاة على النبي ﷺ ] [التنبيه الأول الجمع بين الآل والصحب] تَنْبِيهَاتٌ (الْأَوَّلُ) : كَثِيرًا مَا يَجْمَعُ الْمُصَنِّفُونَ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ الْآلِ وَالصَّحْبِ، وَيَعْطِفُونَهُمْ عَلَيْهِمْ - مَعَ شُمُولِ الْآلِ لَهُمْ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، كَمَا اخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَحَدُ أَرْكَانِ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، وَالْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي - لِرَغْمِ أُنُوفِ الْمُبْتَدِعَةِ مِنَ الرَّافِضَةِ وَأَشْبَاهِهِمْ، أَذَلَّهُمُ اللَّهُ - تَعَالَى. [التنبيه الثاني عدد الصحابة] (الثَّانِي) : ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ وَاسْمُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ، شَيْخُ الْإِمَامِ أَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِمِ بْنِ الْحَجَّاجِ، أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ يَزِيدُونَ عَلَى مِائَةِ أَلْفٍ. قَالَ الْبَرَمَاوِيُّ فِي شَرْحِ " الزَّهْرِ الْبَسَّامِ ": هَذَا عَلَى الْأَصَحِّ فِي النَّقْلِ عَنْهُ، كَمَا رَوَاهُ ابْنُ الْمَدِينِيِّ فِي ذَيْلِهِ عَلَى كِتَابِ الصَّحَابَةِ، وَرَوَى أَنَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِمَّنْ رَوَى عَنْهُ وَسَمِعَ مِنْهُ ﷺ ، وَاسْتَبْعَدَهُ الْبَرَمَاوِيُّ، قُلْتُ: قَدْ جَزَمَ بِهَذَا الْعَدَدِ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي الْخَصَائِصِ الصُّغْرَى، وَذَكَرَهُ شَيْخُنَا الشِّهَابُ الْمَنِينِيُّ فِي نَظْمِهَا بِقَوْلِهِ: وَصَحْبُهُ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ ... بَعْدَ النَّبِيِّينَ بِلَا اشْتِبَاهِ هُمْ كَالنُّجُومِ كُلُّهُمْ مُجْتَهِدُ ... يَا وَيْلَ أَقْوَامٍ بِهِمْ لَمْ يَهْتَدُوا وَالْفَضْلُ فِي مَا بَيْنَهُمْ مَرَاتِبُ ... وَعْدُهُمْ لِلْأَنْبِيَا يُقَارِبُ [التنبيه الثالث حكم الصلاة على غير الأنبياء] (الثَّالِثُ) : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - هَلْ تَجُوزُ اسْتِقْلَالًا أَمْ لَا؟ قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي (جَلَاءِ الْأَفْهَامِ) : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقَالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، فَهَذَا يَجُوزُ، وَيَكُونُ ﵊ دَاخِلًا فِي آلِهِ، فَالْإِفْرَادُ عَنْهُ وَقَعَ لَفْظًا لَا مَعْنًى. الثَّانِي: أَنْ يُفْرَدَ وَاحِدٌ بِالذِّكْرِ، كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى عَلِيٍّ أَوْ حَسَنٍ أَوْ أَبِي بَكْرٍ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، فَكَرِهَ ذَلِكَ الْإِمَامُ مَالِكٌ، قَالَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِ مَنْ مَضَى. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَالثَّوْرِيِّ، وَبِهِ قَالَ طَاوُسٌ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ

стр. 55

عَنْهُمَا: لَا تَنْبَغِي الصَّلَاةُ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ، وَلَكِنْ يُدْعَى لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ بِالِاسْتِغْفَارِ. وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ، قَالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَحِمَ اللَّهُ رُوحَهُ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ نَاسًا مِنَ النَّاسِ قَدِ الْتَمَسُوا الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ مِنَ الْقُصَّاصِ قَدْ أَحْدَثُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَى خُلَفَائِهِمْ وَأُمَرَائِهِمْ عَدْلَ صَلَاتِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِذَا جَاءَ كِتَابِي فَمُرْهُمْ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُمْ عَلَى النَّبِيِّينَ، وَدُعَاؤُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَلَهُمْ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: مَنْعُ تَحْرِيمٍ، أَوْ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ، أَوْ مِنْ بَابِ تَرْكِ الْأَوْلَى، حَكَاهَا النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ اسْتِقْلَالًا، قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى - مِنْ أَئِمَّةِ مَذْهَبِنَا - فِي كِتَابِهِ رُءُوسِ الْمَسَائِلِ: وَبِذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَخُصَيْفٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَمُقَاتِلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ، وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَقَدْ سُئِلَ: أَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُصَلَّى عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ؟ قَالَ: أَلَيْسَ قَالَ عَلِيٌّ لِعُمَرَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ؟ قَالَ الْقَاضِي، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وَاحْتَجُّوا بِصَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ كَانَ يَأْتِيهِ بِالصَّدَقَةِ. وَاخْتَارَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمُ الْجَوَازَ، مَا لَمْ يَتَّخِذْهُ شِعَارًا أَوْ يَخُصَّ بِهِ وَاحِدًا إِذَا ذُكِرَ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانَ أَفْضَلَ مِنْهُ، كَفِعْلِ الرَّافِضَةِ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيْتِهِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَجْمَعِينَ، فَيُكْرَهُ حِينَئِذٍ، وَلَوْ قِيلَ بِالتَّحْرِيمِ، لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. هَذَا مُلَخَّصُ كَلَامِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الكلام على بعد وأما بعد] ((وَبَعْدُ فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ الْعِلْمِ ... كَالْفَرْعِ لِلتَّوْحِيدِ فَاسْمَعْ نَظْمِي)) ((لِأَنَّهُ الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَنْبَغِي ... لِعَاقِلٍ لِفَهْمِهِ لَمْ يَبْتَغِ)) ((وَبَعْدُ)) الْوَاوُ بَدَلٌ عَنْ أَمَّا النَّائِبَةِ عَنْ مَهْمَا، وَلِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الشَّرْطِ لَزِمَتِ الْفَاءَ فِي جَوَابِهَا، وَبَعْدُ مِنَ الظُّرُوفِ الْمُبَيِّنَةِ مَا لَمْ تُضَفْ لَفْظًا وَمَعْنًى، أَوْ يُنْوَى ثُبُوتُ لَفْظِ الْمُضَافِ إِلَيْهَا، أَوْ تُقْطَعْ عَنِ الْإِضَافَةِ رَأْسًا فَتُعْرَبُ حِينَئِذٍ فِي الثَّلَاثَةِ، وَإِنْ حُذِفَ الْمُضَافُ إِلَيْهَا أَوْ نُوِيَ ثُبُوتُ مَعْنَاهُ بُنِيَتْ عَلَى الضَّمِّ، وَيُؤْتَى

стр. 56

بِهَا لِلِانْتِقَالِ مِنْ أُسْلُوبٍ إِلَى غَيْرِهِ، أَيْ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ. وَيُسْتَحَبُّ الْإِتْيَانُ بِهَا فِي الْخُطَبِ وَالْمُكَاتَبَاتِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْتِي بِهَا فِي خُطَبِهِ وَمُكَاتَبَاتِهِ لِلْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ. وَنَقَلَ الْإِمَامُ الْقَاضِي عَلَاءُ الدِّينِ الْمَرْدَاوِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ التَّحْرِيرِ أَنَّهُ نَقَلَ إِتْيَانَهُ ﷺ بِأَمَّا بَعْدُ فِي خُطَبِهِ وَنَحْوِهَا خَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ صَحَابِيًّا. وَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ نَطَقَ بِهَا، فَقِيلَ دَاوُدُ ﵇، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهَا فَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ ; لِأَنَّهَا تَفْصِلُ بَيْنَ الْمُقَدِّمَاتِ وَالْمَقَاصِدِ، وَقِيلَ: أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَا يَعْقُوبُ، وَقِيلَ: أَيُّوبُ، وَقِيلَ: سُلَيْمَانُ ﵈، وَقِيلَ: قُسُّ بْنُ سَاعِدَةَ الْإِيَادِيُّ، وَقِيلَ: كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَقِيلَ: يَعْرِبُ بْنُ قَحْطَانَ، وَقِيلَ: سَحْبَانُ وَائِلٍ. وَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ فَفَصْلُ الْخِطَابِ الَّذِي أُوتِيَهُ دَاوُدُ ﵇: " الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ ". وَالْأَوَّلُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ بِهَا دَاوُدُ ﵇ أَشْبَهُ، كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلَانِيُّ وَغَيْرُهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ لَكِنَّ نِسْبَةَ أَوَّلِيَّةِ ذَلِكَ لِسَحْبَانَ وَائِلٍ سَاقِطٌ جِدًّا. نَعَمْ، زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ سَحْبَانَ أَوَّلُ مَنْ نَطَقَ بِهَا فِي الشِّعْرِ، حَيْثُ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ الْقَوْمُ الْيَمَانُونَ أَنَّنِي ... إِذَا قُلْتُ أَمَّا بَعْدُ أَنِّي خَطِيبُهَا وَقَدْ نَظَمَ ذَلِكَ الشَّمْسُ الْمَيْدَانِيُّ مَعَ زِيَادَةِ آدَمَ ﵇ فَقَالَ: جَرَى الْخُلْفُ أَمَّا بَعْدُ مَنْ كَانَ بَادِئًا ... بِهَا عَدَّ أَقْوَالًا وَدَاوُدُ أَقْرَبُ وَيَعْقُوبُ أَيُّوبُ الصَّبُورُ وَآدَمُ ... وَقُسٌّ وَسَحْبَانُ وَكَعْبٌ وَيَعْرِبُ [معنى لفظ التوحيد] (فَاعْلَمْ) الْفَاءُ فِي جَوَابِ الْوَاوِ النَّائِبَةِ عَنْ أَمَّا لِتَضَمُّنِهَا مَعْنَى الشَّرْطِ، وَالْعِلْمُ صِفَةٌ يُمَيِّزُ الْمُتَّصِفُ بِهَا بَيْنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ، وَالْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ، تَمْيِيزًا جَازِمًا مُطَابِقًا (أَنَّ كُلَّ الْعِلْمِ) أَيْ سَائِرَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ وَكَذَا الْعَقْلِيَّةِ بِأَنْوَاعِهَا وَتَفَارِيعِهَا مِنْ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، (كَالْفَرْعِ لِـ) عِلْمِ (التَّوْحِيدِ) الْمُتَفَرَّعِ عَلَيْهِ، وَالنَّاشِئِ عَنْهُ، الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ، وَالْمُقْتَبَسِ مِنْهُ، (فَاسْمَعْ) سَمَاعَ فَهْمٍ وَعِرْفَانٍ، وَقَبُولٍ وَإِذْعَانٍ، " نَظْمِي " لِأُمَّهَاتِ مَسَائِلِهِ وَمُهِمَّاتِ دَلَائِلِهِ. وَالتَّوْحِيدُ تَفْعِيلٌ لِلنِّسْبَةِ كَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، لَا لِلْجَعْلِ

стр. 57

فَمَعْنَى وَحَّدْتُ اللَّهَ نَسَبْتُ إِلَيْهِ الْوَحْدَانِيَّةَ، لَا جَعَلْتُهُ وَاحِدًا، فَإِنَّ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ - تَعَالَى - ذَاتِيَّةٌ لَهُ لَيْسَتْ بِجَعْلِ جَاعِلٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: التَّوْحِيدُ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَحْدَهُ. انْتَهَى. أَيِ التَّصْدِيقُ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْخَبَرِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - وَاحِدٌ فِي أُلُوهِيَّتِهِ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَالتَّصْدِيقُ بِذَلِكَ الْخَبَرِ أَنْ يَنْسُبَهُ إِلَى الصِّدْقِ وَمُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ مَعًا، لِأَنَّا نَعْنِي بِالتَّوْحِيدِ هُنَا الشَّرْعِيَّ، وَهُوَ إِفْرَادُ الْمَعْبُودِ بِالْعِبَادَةِ مَعَ اعْتِقَادِ وَحْدَتِهِ ذَاتًا وَصِفَاتٍ وَأَفْعَالًا، فَلَا تَقْبَلُ ذَاتُهُ الِانْقِسَامَ بِوَجْهٍ، وَلَا تُشْبِهُ صِفَاتُهُ الصِّفَاتِ وَلَا تَنْفَكُّ عَنِ الذَّاتِ، وَلَا يَدْخُلُ أَفْعَالَهُ الِاشْتِرَاكُ، فَهُوَ الْخَالِقُ دُونَ مَنْ سِوَاهُ. وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعُلُومُ كَالْفَرْعِ لِعِلْمِ التَّوْحِيدِ ; لِأَنَّهُ أَشْرَفُ الْعِبَادَاتِ وَأَفْضَلُ الطَّاعَاتِ، وَشَرْطٌ فِي صِحَّةِ كُلِّ عِبَادَةٍ وَطَاعَةٍ، وَشَرْطٌ لِقَبُولِ الْأَعْمَالِ، إِذْ هُوَ مَعْرِفَةُ ذِي الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ، فَمَنْ لَمْ يُوَحِّدِ الْمَعْبُودَ، فَكُلُّ عَمَلِهِ مَرْدُودٌ. وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا الْعِلْمُ بِالتَّوْحِيدِ ; لِأَنَّهُ أَشْهَرُ مَسَائِلِهِ وَأَشْرَفُهَا، وَيُسَمَّى أَيْضًا بِعِلْمِ الْكَلَامِ ; لِأَنَّ مَبَاحِثَهُ كَانَتْ مُعَنْوَنَةً فِي كُتُبِ الْقُدَمَاءِ بِقَوْلِهِمْ: الْكَلَامُ فِي كَذَا، أَوْ لِأَنَّ أَشْهَرَ مَوَاضِعِ الْخِلَافِ فِيهِ مَسْأَلَةُ كَلَامِ اللَّهِ - تَعَالَى - حَتَّى جَرَى مَا جَرَى لِأَئِمَّةِ الدِّينِ بِنَزْغَةِ الشَّيْطَانِ لِلْمُخَالِفِينَ، وَلِكَوْنِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ أَصْلَ الْعُلُومِ وَأُسَّ النَّجَاةِ، وَسُلَّمَ الْمَعْرِفَةِ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ، قُلْنَا: (لِأَنَّهُ) أَيْ عِلْمَ التَّوْحِيدِ (الْعِلْمُ) الْعَظِيمُ الْقَدْرِ الْفَخِيمُ الْأَمْرِ " الَّذِي لَا يَنْبَغِي " أَيْ لَا يُطْلَبُ وَلَا يَحْسُنُ وَلَا يَجْمُلُ (لِـ) شَخْصٍ بَالِغٍ (عَاقِلٍ) مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ (لِفَهْمِهِ) أَيْ لِإِدْرَاكِ صُوَرِ مَعْرِفَتِهِ فِي ذِهْنِهِ، وَاقْتِدَارِهِ عَلَى الِاتِّصَافِ بِالْعِلْمِ بِهِ (لَمْ يَبْتَغِ) أَيْ لَمْ يَطْلُبْهُ، وَيَدْأَبْ فِي تَحْصِيلِهِ لِيَكُونَ فِي إِيمَانِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، وَفِي عِبَادَتِهِ عَلَى يَقِينٍ وَمَعْرِفَةٍ مُنِيرَةٍ، وَيُبَايِنَ أَهْلَ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ وَالْحَيْرَةِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُشَمِّرَ عَنْ سَاقِ الْجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَيَدْأَبَ فِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ لِيَنَالَ الْمُرَادَ، وَيُبَايِنَ أَهْلَ الْفُرْقَةِ وَالتَّفْنِيدِ، وَيَخْلَعَ مِنْ عُنُقِهِ رِبْقَةَ التَّقْلِيدِ. [الواجب والمحال والجائز] ((فَيَعْلَمُ الْوَاجِبَ وَالْمُحَالَا ... كَجَائِزٍ فِي حَقِّهِ تَعَالَى))

стр. 58

" فَيَعْلَمُ الْوَاجِبَ " أَيْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ شَرْعًا أَنْ يَعْرِفَ مَا يَجِبُ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَهُوَ مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ عَدَمُهُ، كَوُجُودِهِ - تَعَالَى - وَوُجُوبِ قِدَمِهِ، وَقِدَمِ الْوَاجِبِ لِشَرَفِهِ، إِذْ بِهِ يَتَّصِفُ الْبَارِي - جَلَّ وَعَلَا - وَلِأَنَّ بِمَعْرِفَتِهِ يَعْرِفُ قَسِيمَاهُ (وَ) يَعْلَمُ (الْمُحَالَا) وَهُوَ مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ، كَالشَّرِيكِ لَهُ - تَعَالَى، وَأَلِفُهُ لِلْإِطْلَاقِ، وَقِدَمُهُ عَلَى الْجَائِزِ ; لِأَنَّهُ كَالْبَسِيطِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ الْمُقَابِلُ لِلْوَاجِبِ، وَلِأَجْلِ الْقَافِيَةِ، (كَـ) مَا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْلَمَ لِكُلِّ حُكْمٍ (جَائِزٍ) ، وَهُوَ مَا يَصِحُّ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ وَجُودُهُ وَعَدَمُهُ عَلَى السَّوَاءِ، كَإِرْسَالِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ، وَشَرْعِ الشَّرَائِعِ، وَنَسْخِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ إِلَى سَائِرِ مَا يَجُوزُ (فِي حَقِّهِ تَعَالَى) وَتَقَدَّسَ، وَمِثْلُ ذَلِكَ لِرُسُلِ اللَّهِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - أَجْمَعِينَ فَيَعْرِفُ الْوَاجِبَ فِي حَقِّهِمْ مِنَ الصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ وَتَبْلِيغِ مَا أُمِرُوا بِتَبْلِيغِهِ، وَالْمُسْتَحِيلَ فِي حَقِّهِمْ مِنَ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ وَكَتْمِ شَيْءٍ مِمَّا أُمِرُوا بِإِبْلَاغِهِ، وَالْجَائِزَ فِي حَقِّهِمْ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالنَّوْمِ وَالنِّكَاحِ وَالْأَمْرَاضِ الْغَيْرِ الْمُزْرِيَةِ بِمَنَاصِبِهِمُ الْعَالِيَةِ، كَمَا يَأْتِي تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مَحَالِّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى: [التعريف بأرجوزة المتن] ((وَصَارَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ... أَنْ يَعْتَنُوا فِي سَبْرِ ذَا بِالنَّظْمِ)) ((لِأَنَّهُ يَسْهُلُ لِلْحِفْظِ كَمَا ... يَرُوقُ لِلسَّمْعِ وَيَشْفِي مِنْ ظَمَا)) ((فَمِنْ هُنَا نَظَمْتُ لِي عَقِيدَةً ... أُرْجُوزَةً وَجِيزَةً مُفِيدَةً)) ((نَظَمْتُهَا فِي سِلْكِهَا مُقَدِّمَهْ ... وَسِتُّ أَبْوَابٍ كَذَاكَ خَاتِمَهْ)) ((وَصَارَ)) فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ وَمِنْ قَبْلِهَا فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ، بَعْدَ كَثْرَةِ الْخِلَافِ، وَتَبَايُنِ الْفِرَقِ، وَظُهُورِ الْبِدَعِ مِنْ قَدِيمِ الْأَعْصَارِ (مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ) بِالسُّنَّةِ الدَّائِبِينَ فِي تَحْرِيرِ أَدِلَّتِهَا، وَالْقَائِمِينَ بِنَشْرِهَا وَتَعْلِيمِهَا، وَالْوُقُوفِ عَلَى أُصُولِهَا وَتَبَيُّنِ دَقَائِقِ مَحَالِّ الْخِلَافِ لِخَوْفِ الزَّيْغِ وَالِانْحِرَافِ، (أَنْ يَعْتَنُوا) أَنْ يَقْصِدُوا وَيَشْتَغِلُوا وَيَهْتَمُّوا (فِي سَبْرِ) أَيْ تَتَبُّعِ مُهِمَّاتِ مَسَائِلِ (ذَا) أَيْ هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ عِلْمُ التَّوْحِيدِ وَضَبْطِ أُمَّهَاتِ تَفَاصِيلِهِ (بِالنَّظْمِ) لِسُهُولَةِ حِفْظِهِ ; لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُتَّسِقٌ مُقَفًّى مَوْزُونٌ، فَيَرْسَخُ فِي الْحَافِظَةِ مِنْ غَيْرِ مَزِيدِ مَشَقَّةٍ بِخِلَافِ الْمَنْثُورِ، فَإِنَّهُ أَصْعَبُ رُسُوخًا فِي الْحَافِظَةِ كَمَا لَا يَخْفَى،

стр. 59

فَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا مُعَلِّلِينَ لِلنَّظْمِ " لِأَنَّهُ " أَيِ الْمَنْظُومَ الْمَفْهُومَ مِنَ النَّظْمِ (يَسْهُلُ) ، يُقَالُ: سَهُلَ كَكَرُمَ سَهَالَةً وَسَهْلَةً وَتَسْهِيلًا، لَانَ وَيَسُرَ وَمِنَ الْأَرْضِ ضِدُّ الْحَزَنِ، أَيْ يَيْسُرُ (لِلْحِفْظِ) وَالْعُلُوقِ فِي الْحَافِظَةِ (كَمَا) أَنَّهُ (يَرُوقُ) أَيْ يَحْسُنُ وَيَجْمُلُ وَيَلَذُّ (لِلسَّمْعِ) لِكَوْنِهِ يَنْبَسِطُ لَهُ، وَيَلْتَذُّ بِسَمَاعِهِ لِتَقْفِيَتِهِ وَوَزْنِهِ، (وَيَشْفِي) أَيْ يُبْرِئُ (مِنْ ظَمَا) أَيْ مِنْ شِدَّةِ عَطَشٍ وَاشْتِيَاقٍ إِلَى مَعْرِفَةِ أُصُولِ عِلْمِ التَّوْحِيدِ وَمُهِمَّاتِ مَسَائِلِهِ، وَالظَّمَأُ مَهْمُوزٌ الْعَطَشُ أَوْ أَشَدُّهُ، وَظَمِئَ إِلَيْهِ اشْتَاقَ، وَتَرَكَ الْهَمْزَ لِلْوَزْنِ، (فَمِنْ هُنَا) أَيْ مِنْ أَجْلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَمْيِيزِ النَّظْمِ عَلَى النَّثْرِ، (نَظَمْتُ) النَّظْمُ التَّأْلِيفُ، وَضَمُّ شَيْءٍ إِلَى آخَرَ، يُقَالُ: نَظَمَ اللُّؤْلُؤَ يَنْظِمُهُ نَظْمًا وَنِظَامًا أَلَّفَهُ وَجَمَعَهُ (لِي) وَلِمَنْ كَانَ مِثْلِي وَاعْتِقَادُهُ اعْتِقَادِي عَلَى النَّحْوِ الْأَثَرِيِّ (عَقِيدَةً) سَلَفِيَّةً أَثَرِيَّةً (أُرْجُوزَةً) وَزْنُهَا أُفْعُولَةٌ كَأُفْحُوصَةٍ، أَيْ مُرَجَّزَةَ النَّظْمِ مِنَ الرَّجَزِ، أَحَدِ بُحُورِ الشِّعْرِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَجَمْعُهَا أَرَاجِيزُ، قَالَ الشَّاعِرُ: " أَبِالْأَرَاجِيزِ يَا ابْنَ اللُّؤْمِ تُوعِدُنِي ". (وَجِيزَةً) أَيْ قَلِيلَةً، مِنْ أَوْجَزَ فِي كَلَامِهِ إِذَا اخْتَصَرَهُ وَقَلَّلَهُ، (مُفِيدَةً) أَيْ مُرْبِحَةٍ لِمَنْ قَرَأَهَا وَتَأَمَّلَ مَعَانِيَهَا حَقَّ التَّأَمُّلِ، (نَظَمْتُهَا) أَيْ نَظَمْتُ مَسَائِلَهَا وَمُهِمَّاتِهَا (فِي سِلْكِهَا) ، أَيْ خَيْطِهَا، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: السِّلْكَةُ بِالْكَسْرِ الْخَيْطُ يُخَاطُ بِهَا، وَالْجَمْعُ سِلَكٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَسْلَاكٌ، (مُقَدِّمَهْ) بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْأَفْصَحِ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ قَدَّمَ بِمَعْنَى تَقَدَّمَ، وَمِنْهُ ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] أَيْ: لَا تَتَقَدَّمُوا عَلَيْهِ، وَمُقَدِّمَةُ الْعِلْمِ مَا يَتَوَقَّفُ الشُّرُوعُ فِيهِ عَلَيْهَا، كَمَعْرِفَةِ حَدِّهِ وَرَسْمِهِ، وَمَوْضُوعِهِ وَغَايَةِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ، وَمُقَدِّمَةُ الْكِتَابِ تُقَالُ لِطَائِفَةٍ مِنْ كَلَامِهِ قُدِّمَتْ أَمَامَ الْمَقْصُودِ مِنْهُ ; لِارْتِبَاطٍ لَهُ بِهَا وَانْتِفَاعٍ بِهَا فِيهِ، (وَسِتُّ أَبْوَابٍ) جَمْعُ بَابٍ، وَهُوَ فُرْجَةٌ فِي سَاتِرٍ يُتَوَصَّلُ بِهَا مِنْ خَارِجٍ إِلَى دَاخِلٍ، وَمِنْ دَاخِلٍ إِلَى خَارِجٍ، وَفِي الْعُرْفِ اسْمٌ لِطَائِفَةٍ مِنَ الْعِلْمِ يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ وَفُرُوعٍ وَمَسَائِلَ غَالِبًا (كَذَاكَ) ، أَيْ كَمَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى مُقَدِّمَةٍ وَسِتَّةِ أَبْوَابٍ، يَشْتَمِلُ عَلَى (خَاتِمَهْ) ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عَاقِبَةُ الشَّيْءِ وَآخِرَتُهُ، وَهُنَا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا يَأْتِي بِهَا الْمُصَنِّفُ أَوِ النَّاظِمُ فِي آخِرِ كِتَابِهِ أَوْ فِي

стр. 60

آخِرِ بَحْثٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ لِتَعَلُّقِهَا بِمَا تَقَدَّمَهَا فِي الْجُمْلَةِ، وَهَذِهِ فِهْرِسْتُ مَا ذَكَرْنَا، (الْمُقَدِّمَةُ) فِي تَرْجِيحِ مَذْهَبِ السَّلَفِ عَلَى غَيْرِهِ (الْبَابُ الْأَوَّلُ) فِي مَعْرِفَةِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، (الثَّانِي) فِي الْأَفْعَالِ، (الثَّالِثُ) فِي الْأَحْكَامِ وَالْكَلَامِ عَلَى الْإِيمَانِ وَمُتَعَلِّقَاتِ ذَلِكَ، (الرَّابِعُ) فِي بَعْضِ السَّمْعِيَّاتِ مِنَ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، (الْخَامِسُ) فِي النُّبُوَّاتِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا، وَفِي ذِكْرِ فَضْلِ الصَّحَابَةِ وَأَفْضَلِهِمْ، (السَّادِسُ) فِي ذِكْرِ الْإِمَامَةِ وَمُتَعَلِّقَاتِهَا، (وَالْخَاتِمَةُ) فِي فَوَائِدَ جَلِيلَةٍ، وَفَرَائِدَ جَزِيلَةٍ، لَا يَسَعُ الْجَهْلُ بِهَا، وَسَتَمُرُّ بِكَ بَابًا بَابًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى. وَلَمَّا نَظَمْتُ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ الْأَثَرِيَّةَ: [الإمام أحمد نسبه وبيان مكانته] ((وَسَمْتُهَا بِالدُّرَةِ الْمُضِيَّةِ ... فِي عِقْدِ أَهْلِ الْفِرْقَةِ الْمَرْضِيَّةِ)) ((عَلَى اعْتِقَادِ ذِي السَّدَادِ الْحَنْبَلِي ... إِمَامِ أَهْلِ الْحَقِّ ذِي الْقَدْرِ الْعَلِي)) ((حَبْرِ الْمَلَا فَرْدِ الْعُلَا الرَّبَّانِي ... رَبِّ الْحِجَى مَاحِي الدُّجَى الشَّيْبَانِي)) ((وَسَمْتُهَا)) مِنَ السِّمَةِ وَهِيَ الْعَلَامَةُ، أَيْ: سَمَّيْتُهَا يَعْنِي عَقِيدَتِي الَّتِي نَظَمْتُهَا فِي التَّوْحِيدِ (بِالدُّرَّةِ) بِضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْضًا اللُّؤْلُؤَةُ الْعَظِيمَةُ، وَالْجَمْعُ دُرٌّ وَدُرَرٌ وَدُرَّاتٌ، (الْمُضَيَّةِ) أَيِ الْمُنَوَّرَةِ مِنَ الْإِضَاءَةِ، يُقَالُ: ضَاءَتْ وَأَضَاءَتْ بِمَعْنًى يَعْنِي اسْتَنَارَتْ فَصَارَتْ مُضِيئَةً، (فِي عِقْدِ) أَيِ اعْتِقَادِ، (أَهْلِ الْفِرْقَةِ) أَيِ الطَّائِفَةِ، (الْمَرْضِيَّةِ) فِي اعْتِقَادِهَا الْمَأْثُورِ عَنْ مَنْبَعِ الْهُدَى، وَيَنْبُوعِ النُّورِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهَا قَرِيبًا، (عَلَى اعْتِقَادِ) مُتَعَلِّقٌ بِنَظَمْتُ، وَالِاعْتِقَادُ هُوَ حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمُ، فَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلْوَاقِعِ فَهُوَ صَحِيحٌ، وَإِلَّا فَهُوَ فَاسِدٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَعْنًى عَبَّرَ عَنْهُ الْإِنْسَانُ بِكَلَامٍ خَبَرِيٍّ مِنْ إِثْبَاتٍ أَوْ نَفْيٍ تَخَيَّلَهُ أَوْ لَفَظَ بِهِ إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ مُتَعَلِّقُهُ النَّقِيضَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ أَوْ لَا، الثَّانِي الْعِلْمُ، وَالْأَوَّلُ إِمَّا أَنْ يَحْتَمِلَ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ لَوْ قَدَّرَهُ أَوْ لَا، الثَّانِي الِاعْتِقَادُ، فَإِنْ طَابَقَ هَذَا الِاعْتِقَادُ لِمَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ اعْتِقَادٌ صَحِيحٌ، وَإِنْ لَمْ يُطَابِقْ مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَهُوَ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ، وَالْأَوَّلُ وَهُوَ الَّذِي يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ عِنْدَ الذَّاكِرِ لَوْ قَدَّرَهُ الرَّاجِحُ مِنْهُ ظَنٌّ، وَالْمَرْجُوحُ وَهْمٌ، وَالْمُسَاوِي شَكٌّ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ - تَعَالَى - (ذِي) أَيْ صَاحِبِ، (السَّدَادِ) بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ فَدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ الْقَصْدُ فِي الدِّينِ

стр. 61

وَالسَّبِيلِ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالسَّدَدُ الِاسْتِقَامَةُ كَالسَّدَادِ - يَعْنِي بِالْفَتْحِ - وَأَمَّا سِدَادُ الْقَارُورَةِ وَالثَّغْرِ فَبِالْكَسْرِ فَقَطْ، وَسَدَادٌ مِنْ عَوَزٍ وَعَيْشٍ لِمَا يُسَدُّ بِهِ الْخَلَّةُ، وَقَدْ يُفْتَحُ أَوْ لَحْنٌ اهـ. وَقَدْ جَزَمَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وَجَمْعٌ بِلَحْنِ مَنْ فَتَحَ سَدَادًا فِي قَوْلِهِ ﷺ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵄: " «إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ لِدِينِهَا وَجَمَالِهَا، كَانَ فِيهِ سَدَادٌ مِنْ عَوَزٍ» ". وَفِيهِ حِكَايَةٌ مَشْهُورَةٌ. وَالْمُرَادُ بِذِي السَّدَادِ هُوَ الْإِمَامُ الْأَمْجَدُ إِمَامُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَسَدِ بْنِ إِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَيَّانَ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ نُونٌ - ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ عَوْفِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ مَازِنِ بْنِ شَيْبَانَ بْنِ (ذُهْلِ بْنِ) ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَّابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ - بِكَسْرِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَبَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ - بْنِ أَفْصَى - بِالْفَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ - بْنِ دَعْمَى بْنِ جُدَيْلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ الْإِمَامُ الْمَرْوَزِيُّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ، (الْحَنْبَلِيِّ) نِسْبَةً إِلَى جَدِّهِ أَبِي أَبِيهِ حَنْبَلٍ، (إِمَامِ أَهْلِ الْحَقِّ) الَّذِينَ هُمُ الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ لِاقْتِفَائِهِمُ الْمَأْثُورَ عَنْ مَنْبَعِ الْهُدَى، وَمَعْدِنِ الْخَيْرَاتِ، وَيَنْبُوعِ النُّورِ، (ذِي) صَاحِبِ (الْقَدْرِ) أَيِ الْمِقْدَارِ (الْعَلِي) أَيِ الْمُرْتَفَعِ السَّامِي لِكَثْرَةِ فَضَائِلِهِ، وَتَوَفُّرِ مَحَامِدِهِ وَمَنَاقِبِهِ وَآثَارِهِ فِي الْإِسْلَامِ الْمَشْهُورَةِ، وَمَقَامَتِهِ فِي الدِّينِ الْمَذْكُورَةِ، فَقَدِ انْتَشَرَ ذِكْرُهُ فِي الْبِلَادِ، وَعَمَّ نَفْعُهُ الْعِبَادَ. قَالَ الْإِمَامُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حُجَّةٌ بَيْنَ اللَّهِ ﵎ وَبَيْنَ عَبِيدِهِ فِي أَرْضِهِ. وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: خَرَجْتُ مِنْ بَغْدَادَ، وَمَا خَلَّفْتُ فِيهَا أَحَدًا أَتْقَى وَلَا أَوْرَعَ وَلَا أَفْقَهَ وَلَا أَعْلَمَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ: مَا رَأَيْتُ أَسْوَدَ رَأْسٍ أَحْفَظَ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا أَعْلَمَ بِفِقْهِ مَعَانِيهِ مِنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَمِنْ ثَمَّ قُلْتُ (حَبْرِ الْمَلَا) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ

стр. 62

الْعَالِمِ وَالصَّالِحِ، وَالْمَلَأُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ مَهْمُوزٌ: أَشْرَافُ النَّاسِ وَجَمَاعَتُهُمْ وَذَوُو الشَّارَةِ مِنْهُمْ (فَرْدِ) أَيْ وَاحِدٍ صَاحِبِ الْخِصَالِ (الْعُلَى) أَيِ الْمُرْتَفِعَةِ السَّامِيَةِ بِأَوْصَافِهَا الْجَمِيلَةِ، وَنُعُوتِهَا الْفَضِيلَةِ، (الرَّبَّانِي) أَيِ الْعَالَمِ الْعَامِلِ، الْمُعَلِّمِ لِلْعِلْمِ غَيْرَهُ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى الرَّبِّ بِزِيَادَةِ الْأَلِفِ وَالنُّونِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى كَمَالِ الصِّفَةِ، وَهُوَ الشَّدِيدُ التَّمَسُّكِ بِدِينِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَطَاعَتِهِ، وَعَنِ الْمُبَرِّدِ أَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى رَبَّانَ الَّذِي يُرَبِّي النَّاسَ بِالتَّعْلِيمِ. وَقَالَ الصُّوفِيَّةُ: هُوَ الْكَامِلُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ فِي جَمِيعِ الْمَعَانِي. وَفِي الْبُخَارِيِّ: الرَّبَّانِيُّ الَّذِي يُرَبَّى بِصِغَارِ الْعِلْمِ قَبْلَ كِبَارِهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الرَّبَّانِيُّ مَنْ أُفِيضَتْ عَلَيْهِ الْمَعَارِفُ الْإِلَهِيَّةُ، فَعَرَفَ بِهَا رَبَّهُ، وَعَرَفَ النَّاسُ بِعِلْمِهِ، وَرَأَيْتُنِي كَاتِبًا فِي كِتَابِي " الْقَوْلِ الْعَلِيِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ سَيِّدِنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ " عِنْدَ قَوْلِهِ ﵁: " النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رِعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ ". مَا لَفْظُهُ: الْعَالِمُ الرَّبَّانِيُّ وَهُوَ الَّذِي لَا زِيَادَةَ عَلَى فَضْلِهِ لِفَاضِلٍ، وَلَا مَنْزِلَةَ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ لِكَامِلٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: الرَّبَّانِيُّ هُوَ الْمُعَلِّمُ، أَخَذَهُ مِنَ التَّرْبِيَةِ، أَيْ يُرَبِّي النَّاسَ بِالْعِلْمِ كَمَا يُرَبِّي الطِّفْلَ أَبُوهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ الْفَقِيهُ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: زَادُوا أَلِفًا وَنُونًا فِي الرَّبَّانِيِّ إِذَا أَرَادُوا تَخْصِيصًا بِعِلْمِ الرَّبِّ، كَمَا قَالُوا: شَعْرَانِيٌّ وَلِحْيَانِيٌّ لِعَظِيمِ الشَّعْرِ وَاللِّحْيَةِ. وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الزَّاهِدُ: سَأَلْتُ ثَعْلَبًا عَنْ هَذَا الْحَرْفِ، وَهُوَ الرَّبَّانِيُّ، فَقَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ، فَقَالَ: إِذَا كَانَ الرَّجُلُ عَالِمًا عَامِلًا مُعَلِّمًا، قِيلَ لَهُ: هَذَا رَبَّانِيٌّ، فَإِنْ حُرِمَ خَصْلَةً مِنْهَا لَمْ يُقَلْ لَهُ رَبَّانِيٌّ. وَفِي " مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ " لِلْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ ابْنِ الْقَيِّمِ: مَعْنَى الرَّبَّانِيِّ الرَّفِيعُ الدَّرَجَةِ فِي الْعِلْمِ الْعَالِي الْمَنْزِلَةِ فِيهِ، وَعَلَى ذَلِكَ حَمَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٦٣] انْتَهِي. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَبِّ) أَيْ صَاحِبِ، (الْحِجَا) كَالِي الْعَقْلِ وَالْفَطِنَةُ وَالْمِقْدَارُ الْعَالِي. كَانَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ رَبْعَةً مِنَ الرِّجَالِ، حَسَنَ الْوَجْهِ، حَسَنَ الْهَيْئَةِ، لَا يَخُوضُ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ، ذَا وَقَارٍ وَسَكِينَةٍ، مِنْ أَحْيَا النَّاسِ وَأَكْرَمِهِمْ نَفْسًا، وَأَحْسَنِهِمْ عِشْرَةً وَأَدَبًا، كَثِيرَ الْإِطْرَاقِ وَغَضِّ الْبَصَرِ، مُعْرِضًا عَنِ اللَّغْوِ، لَا يُسْمَعُ مِنْهُ إِلَّا الْمُذَاكَرَةُ

стр. 63

بِالْحَدِيثِ وَذِكْرُ الصَّالِحِينَ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو دَاوُدَ: كَانَتْ مَجَالِسُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مَجَالِسَ آخِرَةٍ، لَا يُذْكَرُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا. قَالَ: وَمَا سَمِعْتُهُ ذَكَرَ الدُّنْيَا قَطُّ. وَقَالَ ثَعْلَبٌ فِي صِفَتِهِ: رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنَّ النَّارَ تَوَقَّدُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ الْمَيْمُونِيُّ: مَا أَعْلَمُ أَنِّي رَأَيْتُ أَحَدًا أَنْظَفَ ثَوْبًا، وَلَا أَشَدَّ تَعَاهُدًا لِنَفْسِهِ فِي ثِيَابِهِ وَشَعْرِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ مِنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَكَانَ يُحِبُّ الْفُقَرَاءَ، وَيُعْرِضُ عَنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَكَانَ حَسَنَ الْخُلُقِ، دَائِمَ الْبِشْرِ، لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، يُحِبُّ فِي اللَّهِ، وَيَبْغَضُ فِي اللَّهِ، وَيُحِبُّ لِمَنْ أَحَبَّهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَكْرَهُ لَهُ مَا يَكْرَهُ لَهَا، لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، حَسَنَ الْجِوَارِ، يُؤْذَى فَيَتَحَمَّلُ. وَكَانَ أَصْبَرَ النَّاسِ عَلَى الْوَحْدَةِ، فَكَانَ لَا يُرَى إِلَّا فِي مَسْجِدٍ أَوْ جِنَازَةٍ أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ، وَيَكْرَهُ الْمَشْيَ فِي الْأَسْوَاقِ. وَكَانَ يَقُولُ: الْخَلْوَةُ أَرْوَحُ لِقَلْبِي. وَكَانَ يُقَالُ: كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَدْيًا وَسَمْتًا، وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِهَدْيِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَمْتِهِ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِعَلْقَمَةَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِمَنْصُورٍ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِسُفْيَانَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ: وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِوَكِيعٍ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ يُخَضِّبُ بِالْحِنَّاءِ خَضْبًا لَيْسَ بِالْقَانِي. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا شُبْهَةَ عِنْدَ أَئِمَّةِ الدِّينِ بِأَنَّ سَيِّدَنَا الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ إِمَامُ السُّنَّةِ، وَالصَّابِرُ فِي الْمِحْنَةِ، (مَاحِي) بِنُورِ السُّنَّةِ وَإِضَاءَةِ الْمُتَابَعَةِ وَسَنَا الْوِرَاثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ أَيَّ مَذْهَبٍ أَثَرَ (الدُّجَى) ، أَيْ ظُلْمَةِ الْبِدْعَةِ، يُقَالُ: دَجَا اللَّيْلُ دَجْوًا وَدُجُوًّا، أَظْلَمَ كَأَدْجَى وَتَدَجَّى، وَلَيْلَةٌ دَاجِيَةٌ أَيْ مُظْلِمَةٌ، وَدَيَاجِي اللَّيْلِ حَنَادِسُهُ، فَإِنَّ إِمَامَنَا وَسَيِّدَنَا الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ كَسَّرَ سَوْرَةَ أَهْلِ الْبِدَعِ، وَشَلَّ جُمُوعَهُمْ، وَرَدَّ كَيْدَهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، وَأَبْقَى شَجَاهُمْ فِي نُحُورِهِمْ، (الشَّيْبَانِي) نِسْبَةً إِلَى أَحَدِ أَجْدَادِهِ شَيْبَانَ الْمَذْكُورِ فِي نَسَبِهِ، فَالْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ مِنْ صَرِيحِ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَمِنْ صَمِيمِ الْعَرَبِ، وَكَانَ أَبُو الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالِيَ سَرْخَسَ مِنْ أَبْنَاءِ الدَّعْوَةِ الْعَبَّاسِيَّةِ، وَتُوُفِّيَ وَلَهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَلِلْإِمَامِ

стр. 64

أَحْمَدَ نَحْوُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَإِنَّ أُمَّهُ حَمَلَتْ بِهِ بِمَرْوَ، وَقَدِمَتْ بَغْدَادَ وَهِيَ حَامِلٌ بِهِ، فَوَضَعَتْهُ بِهَا، وَوَلِيَتْهُ أُمُّهُ وَاسْمُهَا صَفِيَّةُ، وَهِيَ شَيْبَانِيَّةٌ أَيْضًا، فَإِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ مَيْمُونِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّيْبَانِيِّ (مِنْ بَنِي عَامِرٍ) ، نَزَلَ أَبُوهُ بِهِمْ فَتَزَوَّجَهَا، وَجَدُّهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ سَوَادَةَ بْنِ هِنْدٍ الشَّيْبَانِيُّ مِنْ وُجُوهِ بَنِي شَيْبَانَ، تَنْزِلُ بِهِ قَبَائِلُ الْعَرَبِ لِلضِّيَافَةِ، فَحَازَ إِمَامُنَا ﵁ شَرَفَ النَّسَبَيْنِ، وَكَمُلَ لَهُ بِأَصْلَيْهِ تَمَامُ الشَّرَفَيْنِ. [مذهب الإمام أحمد هو مذهب السلف] (فَإِنَّهُ إِمَامُ أَهْلِ الْأَثَرِ ... فَمَنْ نَحَا مَنْحَاهُ فَهْوَ الْأَثَرِي) (فَإِنَّهُ) أَيِ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ (إِمَامُ) وَقُدْوَةُ، (أَهْلِ) أَيْ أَصْحَابِ (الْأَثَرِ) ، يَعْنِي الَّذِينَ إِنَّمَا يَأْخُذُونَ عَقِيدَتَهُمْ مِنَ الْمَأْثُورِ عَنِ اللَّهِ - جَلَّ شَأْنُهُ - فِي كِتَابِهِ، أَوْ فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ أَوْ مَا ثَبَتَ وَصَحَّ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنَ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ، وَالتَّابِعِينَ الْفِخَامِ، دُونَ زُبَالَاتِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، وَنُخَالَاتِ أَصْحَابِ الْآرَاءِ وَالْبَشَعِ، (فَمَنْ) أَيْ: أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، (نَحَا) أَيْ: قَصَدَ وَيَمَّمَ، (مَنْحَاهُ) أَيْ: مَقْصِدَهُ وَمَذْهَبَهُ، وَسَارَ بِسِيرَتِهِ مِنِ اتِّبَاعِ الْأَخْبَارِ وَاقْتِفَاءِ الْآثَارِ، (فَهْوَ) أَيْ: ذَلِكَ الذَّاهِبُ مَذْهَبَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، (الْأَثَرِي) أَيِ: الْمَنْسُوبُ إِلَى الْعَقِيدَةِ الْأَثَرِيَّةِ، وَالْفِرْقَةِ السَّلَفِيَّةِ الْمَرْضِيَّةِ. وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِمَذْهَبِ السَّلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَجَمِيعِ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ الْمُقَلَّدِينَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، وَهُوَ شَيْخُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَشَيْخُ الشَّافِعِيِّ وَشَيْخُ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِمْ: اتَّخَذْتُ أَحْمَدَ إِمَامًا فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَقَالَ: إِذَا أَفْتَانِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَمْ أُبَالِ إِذَا لَقِيتُ رَبِّي كَيْفَ كَانَ، وَقَالَ: أَحْمَدُ سَيِّدُنَا، حَفِظَ اللَّهُ أَحْمَدَ، هُوَ الْيَوْمَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَعَزَّ هَذَا الدِّينَ بِرَجُلَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ يَوْمَ الرِّدَّةِ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَوْمَ الْمِحْنَةِ. وَقَدْ قَالَ قُتَيْبَةُ وَأَبُو حَاتِمٍ: إِذَا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يُحِبُّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَاعْلَمْ أَنَّهُ صَاحِبُ سُنَّةٍ. وَقَالَ ابْنُ مَاكُولَا: الْإِمَامُ أَحْمَدُ هُوَ إِمَامُ النَّقْلِ، وَعَلَمُ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ: الْإِمَامُ أَحْمَدُ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَفِي قَصِيدَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ فُلَانٍ التِّرْمِذِيِّ:

стр. 65

لَعَمْرُكَ مَا يَهْوَى لِأَحْمَدَ نَكْبَةً ... مِنَ النَّاسِ إِلَّا نَاقِصُ الْعَقْلِ مُعْوَرُ هُوَ الْمِحْنَةُ الْيَوْمَ الَّذِي يُبْتَلَى بِهِ ... فَيُعْتَبَرُ السُّنِّيُّ فِينَا وَيُسْبَرُ فَقَا أَعْيُنَ الْمُرَّاقِ فِعْلُ ابْنِ حَنْبَلٍ ... وَأَخْرَسَ مَنْ يَبْغِي الْعُيُوبَ وَيَحْفِرُ وَقَالَ أَبُو مُزَاحِمٍ الْخَاقَانِيُّ: لَقَدْ صَارَ فِي الْآفَاقِ أَحْمَدُ مِحْنَةً ... وَأَمْرَ الْوَرَى فِيهَا فَلَيْسَ بِمُشْكِلِ وَقَالَ ابْنُ أَعْيَنَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَضْحَى ابْنُ حَنْبَلٍ حُجَّةً مَبْرُورَةً ... وَبِحُبِّ أَحْمَدَ يُعْرَفُ الْمُتَنَسِّكُ وَإِذَا رَأَيْتَ لِأَحْمَدَ مُتَنَقِّصًا ... فَاعْلَمْ بِأَنَّ سُتُورَهُ سَتُهَتَّكُ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، الْإِمَامُ أَحْمَدُ هُوَ إِمَامُ أَهْلِ السُّنَّةِ بِلَا مِحَالٍ، فَهُوَ الْمُبَيِّضُ وَجْهَ السُّنَّةِ، النَّافِضُ عَنْ وَجْهِهَا غُبَارَ الْبِدْعَةِ، فَكُلُّ سُنِّيٍّ أَثَرِيٍّ فَهُوَ إِمَامُهُ. فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا كَانَ مَذْهَبُ السَّلَفِ هُوَ مَا عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ جَمِيعًا تَبَعًا لِلتَّابِعِينَ وَالصَّحَابَةِ الْكِرَامِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ هَذَا الْمَذْهَبُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ دُونَ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ؟ قُلْتُ: الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتُ، وَالْحَقُّ كَمَا اسْتَخْبَرْتُ، وَهَذِهِ الْمَقَالَةُ هِيَ الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ، وَمَقَالَةُ أَهْلِ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ بِلَا مَحَالَةٍ، وَلَا يَرْتَابُ ذُو لُبٍّ لَبِيبٍ، وَرَأْيٍ صَحِيحٍ مُصِيبٍ، أَنَّهَا هِيَ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ الْحَبِيبُ ﷺ وَأَصْحَابُهُ أَهْلُ الْإِصَابَةِ وَالتَّصْوِيبِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ أَهْلِ التَّفْصِيلِ وَالتَّبْوِيبِ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ فِي الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ اشْرَأَبَّتِ الْفِتَنُ، وَاسْتَعْلَنَتِ الْبِدَعُ وَالْمِحَنُ، وَقَامَتْ دَوْلَةُ أَهْلِ الِابْتِدَاعِ عَلَى

стр. 66

سَاقٍ، وَأَعْلَنَ بِقَوَاعِدِ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ ذَوُو الضَّغَائِنِ وَالنِّفَاقِ، وَسَاعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْجَوْرِ وَالْخُلَفَاءُ الْفُسَّاقُ، قَامَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ كَالنَّمِرِ الْهَصُورِ، لَا، بَلْ كَالْبَحْرِ الطَّامِي وَالرِّئْبَالِ الْجَسُورِ، فَرَدَّ كَيْدَهُمْ فِي نُحُورِهِمْ، وَأَلْقَى بَلَابِلَهُمْ فِي صُدُورِهِمْ، فَقَمَعَ مَقَالَتَهُمْ وَزَيَّفَهَا عَلَيْهِمْ، وَبَيَّنَ فَسَادَهُمْ بِكُلِّ حَالٍ، فَرَدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ خَائِبِينَ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ، فَلَا جَرَمَ نُسِبَ الْمَذْهَبُ إِلَيْهِ ; لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ إِذْ ذَاكَ بِالذَّاتِ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي انْتَصَرَ لِلْحَقِّ وَنَصَرَهُ، وَشَدَخَ رَأْسَ أَهْلِ الْبِدَعِ وَهَصَرَهُ، وَبَيَّنَ الصَّحِيحَ مِنَ الْفَاسِدِ، وَالْغَثَّ مِنَ السَّمِينِ، وَالْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالصِّدْقَ مِنَ الْمَيْنِ. فَلَمَّا كَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هُوَ الَّذِي فَلَّ مَضَارِبَهُمْ، وَبَيَّنَ مَعَايِبَهُمْ، وَكَشَفَ عَنْ زَيْغِهِمْ، وَدَحَضَ تَلْوِينَهُمْ وَتَحْرِيفَهُمْ، وَانْتَصَرَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ مِنَ الْإِثْبَاتِ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَمِنَ التَّنْزِيهِ بِلَا تَعْطِيلٍ، وَمُرُورِ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ بِلَا تَأْوِيلٍ، وَدَعَا إِلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَأَقَامَ عَلَيْهَا كُلَّ بُرْهَانٍ وَدَلَالَةٍ، نُسِبَتْ لَهُ الْمَقَالَةُ، وَصَارَ إِمَامَ أَهْلِهَا فِي كُلِّ حَالَةٍ، وَأَلَّفَ كِتَابَهُ فِي الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ وَالزَّنَادِقَةِ، وَهَذَا الْكِتَابُ رَوَاهُ عَنْهُ الْخَلَّالُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، وَذَكَرَهُ كُلَّهُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ الَّذِي جَمَعَ فِيهِ نُصُوصَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَكَلَامَهُ، وَعَلَى مِنْوَالِ كِتَابِ الْخَلَّالِ " السُّنَّةِ "، جَمَعَ الْبَيْهَقِيُّ كِتَابَهُ الَّذِي سَمَّاهُ " جَامِعَ النُّصُوصِ " مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ. وَخُطْبَةُ كِتَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ ": الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي كُلِّ زَمَانِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، يَدْعُونَ مَنْ ضَلَّ إِلَى الْهُدَى، وَيَصْبِرُونَ مِنْهُمْ عَلَى الْأَذَى، يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى، وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى، فَكَمْ مِنْ قَتِيلٍ لِإِبْلِيسَ قَدْ أَحْيَوْهُ، وَكَمْ مِنْ ضَالٍّ تَائِهٍ هَدَوْهُ، فَمَا أَحْسَنَ أَثَرَهُمْ عَلَى النَّاسِ، وَمَا أَقْبَحَ أَثَرَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، يَنْفُونَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ الَّذِينَ عَقَدُوا أَلْوِيَةَ الْبِدْعَةِ، وَأَطْلَقُوا عِنَانَ الْفِتْنَةِ، فَهُمْ مُخْتَلِفُونَ فِي الْكِتَابِ، مُخَالِفُونَ لِلْكِتَابِ، مُجْمِعُونَ عَلَى مُخَالَفَةِ الْكِتَابِ، يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ وَفِي اللَّهِ وَفِي كِتَابِ

стр. 67

اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، يَتَكَلَّمُونَ بِالْمُتَشَابِهِ مِنَ الْكَلَامِ، وَيَخْدَعُونَ الْجُهَّالَ بِمَا يُشَبِّهُونَ عَلَيْهِمْ، فَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتَنِ الْمُضِلِّينَ ". ثُمَّ سَاقَ الْكِتَابَ، قَدْ قَرَأْنَاهُ وَرَوَيْنَاهُ عَنْ عُلَمَاءَ مُعْتَبَرِينَ، وَفُضَلَاءَ رَاسِخِينَ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ. وَقَدْ ذَكَرَ كِتَابُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ هَذَا أَئِمَّةَ الْمَذْهَبِ، قَالَ الْخَلَّالُ: كَتَبْتُ هَذَا الْكِتَابَ مِنْ خَطِّ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَتَبَهُ عَبْدُ اللَّهِ مِنْ خَطِّ أَبِيهِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁. وَاحْتَجَّ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِهِ " إِبْطَالِ التَّأْوِيلِ " بِمَا نَقَلَهُ مِنْهُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي كِتَابِهِ بَعْضَ مَا فِيهِ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَنَقَلَ مِنْهُ أَصْحَابُهُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَنَقَلَ مِنْهُ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ، وَعَزَاهُ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَصَحَّحَ هَذَا الْكِتَابَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَاعْتَمَدَهُ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جُلِّ تَآلِيفِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي كِتَابِهِ " الْجُيُوشِ الْإِسْلَامِيَّةِ "، وَقَالَ: لَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَلَا مُتَأَخِّرِيهِمْ طَعْنٌ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فَلَمَّا انْتَصَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ لِلسُّنَّةِ السَّنِيَّةِ، وَالْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ الْمَرْضِيَّةِ، وَقَمَعَ أَهْلَ الْبِدَعِ، وَزَيَّفَ مَقَالَتَهُمْ، وَأَدْحَضَ بِدْعَتَهُمْ، وَأَظْهَرَ ضَلَالَتَهُمْ، صَارَ هُوَ عَلَمَ السُّنَّةِ وَإِمَامَهَا، وَصَاحِبَهَا وَخَلِيلَهَا وَمِقْدَامَهَا، حَتَّى إِنَّ الْإِمَامَ أَبَا الْحَسَنِ عَلِيَّ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْأَشْعَرِيَّ إِمَامَ الطَّائِفَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ انْتَسَبَ إِلَى الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَرَأَى اتِّبَاعَهُ عَلَى عَقِيدَتِهِ هُوَ الْمَنْهَجُ الْأَحْمَدُ، قَالَ فِي كِتَابِهِ " الْإِبَانَةِ فِي أُصُولِ الدِّيَانَةِ " لَمَّا أُنْكِرَ قَوْلُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَالْحَرُورِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُرْجِئَةِ: فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: " فَعَرِّفُونَا قَوْلَكُمُ الَّذِي بِهِ تَقُولُونَ، وَدِيَانَتَكُمُ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ، قِيلَ لَهُ: قَوْلُنَا الَّذِي بِهِ نَقُولُ، وَدِيَانَتُنَا الَّتِي بِهَا نَدِينُ، التَّمَسُّكُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَمَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْحَدِيثِ، وَنَحْنُ بِذَلِكَ مُعْتَصِمُونَ، وَبِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ - نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ، وَرَفَعَ دَرَجَتَهُ، وَأَجْزَلَ مَثُوبَتَهُ - قَائِلُونَ، وَلِمَنْ خَالَفَ قَوْلَهُ مُجَانِبُونَ ; لِأَنَّهُ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ، وَالرَّئِيسُ الْكَامِلُ، الَّذِي أَبَانَ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ عِنْدَ ظُهُورِ الضَّلَالِ، وَأَوْضَحَ بِهِ الْمِنْهَاجَ، وَقَمَعَ بِهِ بِدَعَ الْمُبْتَدِعِينَ، وَزَيْغَ الزَّائِغِينَ، وَشَكَّ الشَّاكِّينَ، فَرَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ

стр. 68

مِنْ إِمَامٍ مُقَدَّمٍ، وَكَبِيرٍ مُفَهَّمٍ، وَعَلَى جَمِيعِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ ". انْتَهَى. وُلِدَ سَيِّدُنَا وَقُدْوَتُنَا وَإِمَامُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ بِبَغْدَادَ، وَتُوُفِّيَ نَهَارَ الْجُمُعَةِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ، وَغَسَّلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، وَأُدْرِجَ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ، وَحُزِّرَ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ بِمِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ، وَعَلَى السُّورِ سِتُّونَ أَلْفًا سِوَى مَنْ كَانَ فِي السُّفُنِ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ يَقُولُ: قُولُوا لِأَهْلِ الْبِدَعِ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ يَوْمُ الْجَنَائِزِ. وَأَسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ يَوْمَ مَوْتِهِ عِشْرُونَ أَلْفًا، وَنَاحَتِ الْجِنُّ عَلَيْهِ، وَهَتَفَتْ بِمَوْتِهِ الْهَوَاتِفُ. قَالَ أَبُو زُرْعَةَ: كَانَ يُقَالُ عِنْدَنَا بِخُرَاسَانَ: الْجِنُّ نَعَتْ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَسَمِعُوا قَائِلًا: مَاتَ رَجُلٌ بِالْعِرَاقِ فَذَهَبَتِ الْجِنُّ كُلُّهَا تُصَلِّي عَلَيْهِ إِلَّا الْمَرَدَةَ. وَقَدْ رُثِيَ بِقَصَائِدَ جَمَّةٍ، وَدُفِنَ بِبَغْدَادَ بِبَابِ حَرْبٍ. [وفاة الإمام أحمد] ((سَقَى ضَرِيحًا حَلَّهُ صَوْبُ الرِّضَا ... وَالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ مَا نَجْمٌ أَضَا)) ((وَحَلَّهُ وَسَائِرَ الْأَئِمَّةِ ... مَنَازِل الرِّضْوَانِ أَعْلَى الْجَنَّةِ)) ((سَقَى ضَرِيحًا)) أَيْ قَبْرًا، وَفِي حَدِيثِ دَفْنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «يُرْسَلُ إِلَى اللَّاحِدِ وَالضَّارِحِ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ تَرَكْنَاهُ» ". قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الضَّارِحُ هُوَ الَّذِي يَعْمِلُ الضَّرِيحَ، وَهُوَ الْقَبْرُ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنَ الضَّرْحِ، وَهُوَ الشِّقُّ فِي الْأَرْضِ، وَمِنْهُ فِي خَبَرِ سَطِيحٍ، أَوْفَى عَلَى الضَّرِيحِ، (حَلَّهُ) أَيْ سَكَنَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَنَزَلَ بِهِ، يُقَالُ: حَلَّ الْمَكَانَ، وَبِهِ يَحِلُّ وَيَحُلُّ، نَزَلَ بِهِ كَاحْتَلَّهُ، وَبِهِ فَهُوَ حَالٌّ (صَوْبُ) فَاعِلُ سَقَى، وَهُوَ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ

стр. 69

الْوَاوِ فَمُوَحَّدَةٌ، كَالصَّيِّبِ: انْصِبَابُ الْغَيْثِ وَإِرَاقَتُهُ، وَمَجِيءُ السَّمَاءِ بِالْمَطَرِ أَيْ غَيْثِ (الرِّضَا) ، وَإِرَاقَتُهُ عَلَى قَبْرِهِ، وَانْصِبَابُهُ عَلَى ضَرِيحِهِ، أَيْ رِضْوَانُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَجُودُهُ وَبَرَكَتُهُ، (وَ) سَقَى ضَرِيحًا، حَلَّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ صَوْبُ (الْعَفْوِ) مِنَ اللَّهِ وَالصَّفْحِ، (وَالْغُفْرَانِ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ فَرَاءٍ فَنُونٍ قَبْلَهُ أَلِفٌ، اسْمٌ مِنَ الْغَفْرِ وَهُوَ السَّتْرُ وَالتَّغْطِيَةُ، يُقَالُ: غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَنْبَهُ مَغْفِرَةً وَغُفْرَانًا غَطَّى عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ - تَعَالَى - الْغَفَّارُ وَالْغَفُورُ، وَهُمَا مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ، وَمَعْنَاهُمَا السَّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ وَعُيُوبِهِمْ، الْمُتَجَاوِزُ عَنْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِهِمْ، وَالْمَغْفِرَةُ إِلْبَاسُ اللَّهِ - تَعَالَى - الْعَفْوَ لِلْمُذْنِبِينَ، وَلَا يَزَالُ رِضْوَانُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَعَفْوُهُ وَمَغْفِرَتُهُ نَازِلَةٌ عَلَى ضَرِيحِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَمُتَوَاصِلَةٌ وَمُسْتَمِرَّةٌ (مَا نَجْمٌ) أَيْ كَوْكَبٌ مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ (أَضَا) أَيِ اسْتَنَارَ، يُقَالُ: ضَاءَ وَأَضَاءَ بِمَعْنَى اسْتَنَارَ وَصَارَ مُضِيئًا، أَيْ مُدَّةَ دَوَامِ اسْتِنَارَةِ الْكَوَاكِبِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ، وَفِيهِ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ أَنَّهُ تَشَبَّهَ بِالنُّجُومِ الْعُلَمَاءُ بِجَامِعِ الْإِنَارَةِ وَالْهِدَايَةِ فِي الظَّلْمَاءِ، (وَحَلَّهُ) اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - أَيْ أَحَلَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - (وَ) أَحَلَّ (سَائِرَ) أَيْ بَقِيَّةَ (الْأَئِمَّةِ) مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، وَأَعْلَامِ الْأَئِمَّةِ مِنَ الْأَرْبَعَةِ الْمَتْبُوعَةِ مَذَاهِبُهُمْ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَأَعْلَامِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ بَذَلُوا جَهْدَهُمْ فِي نَشْرِ السُّنَّةِ، وَتَدْوِينِ الشَّرِيعَةِ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمَرْضِيَّةِ الْحَسَنَةِ (مَنَازِلَ الرِّضْوَانِ) مِنَ الرَّحِيمِ الرَّحْمَنِ الْكَرِيمِ الْمَنَّانِ فِي (أَعْلَى الْجَنَّةِ) أَيِ الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ مِنَ الْجِنَانِ عَلَى حَسَبِ مَقَامَتِهِمُ الشَّامِخَةِ، وَمَنَاصِبِهِمُ الْبَاذِخَةِ، فَلَهُمُ الْفَضِيلَةُ بِالسَّبْقِ وَالِاجْتِهَادِ، وَبَذْلِ النُّصْحِ وَإِرْشَادِ الْعِبَادِ، وَعَلَى الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ، أَنْ يَقُولُوا: " ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] "، فَرِضْوَانُ اللَّهِ وَرَحْمَتُهُ وَعَفْوُهُ وَصَفْحُهُ وَغُفْرَانُهُ وَبَرَكَتُهُ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ، مَا تَعَاقَبَ الْمَلَوَانِ، وَكَرَّ الْحَدِيدَانِ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْإِحْسَانِ. [فوائد لنيل هذه المطالب على بصيرة] [الفائدة الأولى مبادىء هذا العلم] فَوَائِدُ نُقَدِّمُهَا أَمَامَ الْمَقْصُودِ، لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مَعْرِفَتِهَا فِي هَذَا الْفَنِّ ; لِيَكُونَ الطَّالِبُ لِنَيْلِ هَذِهِ الْمَطَالِبِ عَلَى بَصِيرَةٍ: (الْأُولَى) : لَا بُدَّ لِكُلِّ طَالِبِ عِلْمٍ أَنْ يَتَصَوَّرَهُ إِمَّا بِحَدِّهِ أَوْ رَسْمِهِ ; لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِي طَلَبِهِ، وَأَنْ يَعْرِفَ مَوْضُوعَهُ لِيَمْتَازَ عِنْدَهُ

стр. 70

عَمَّا سِوَاهُ مَزِيدَ امْتِيَازٍ، فَإِنَّ الْعُلُومَ إِنَّمَا يَتَمَيَّزُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ بِامْتِيَازِ الْمَوْضُوعَاتِ، وَأَنْ يُصَدِّقَ بِغَايَةِ مَا لَهُ، وَإِلَّا كَانَ طَلَبُهُ وَاجْتِهَادُهُ عَبَثًا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعْتَدًّا بِهَا بِالنَّظَرِ لِمَشَقَّةِ التَّحْصِيلِ، وَإِلَّا فَرُبَّمَا فَتَرَ جَدُّهُ، وَأَنْ تَكُونَ مُتَرَتِّبَةً عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَطْلُوبِ، وَإِلَّا فَرُبَّمَا زَالَ اعْتِقَادُهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، فَيَصِيرُ سَعْيُهُ فِي تَحْصِيلِهِ عَبَثًا فِي نَظَرِهِ، فَإِذَا عَلِمْتَ هَذَا، (فَحَدُّ) هَذَا الْعِلْمِ الْمُسَمَّى بِأُصُولِ الدِّينِ وَبِعِلْمِ الْعَقَائِدِ، وَبِعِلْمِ التَّوْحِيدِ، وَبِعِلْمِ الْكَلَامِ، الْعِلْمُ بِالْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، أَيِ الْعِلْمُ بِالْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا الْيَقِينِيَّةِ. وَالْمُرَادُ بِالْعَقَائِدِ الدِّينِيَّةِ الْمَنْسُوبَةِ إِلَى دِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ سَوَاءٌ تَوَقَّفَتْ عَلَى الشَّرْعِ كَالسَّمْعِيَّاتِ أَمْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الدِّينِ فِي الْوَاقِعِ كَكَلَامِ أَهْلِ الْحَقِّ أَوْ لَا كَكَلَامِ الْمُخَالِفِ، وَاعْتُبِرَ فِي أَدِلَّتِهَا الْيَقِينُ ; لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ فِي هَذَا الْعِلْمِ بَلْ فِي الْعَمَلِيَّاتِ، وَخَرَجَ عَنِ التَّعْرِيفِ الْعِلْمُ بِغَيْرِ الشَّرْعِيَّاتِ وَبِالشَّرْعِيَّاتِ الْفَرْعِيَّةِ وَعِلْمِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَالْمُلْكِ، وَعِلْمِ الرَّسُولِ ﵊ بِالِاعْتِقَادِيَّاتِ، وَدَخَلَ عِلْمُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ، فَإِنَّهُ كَلَامٌ وَأُصُولٌ وَعَقَائِدُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُسَمَّى فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ بِهَذَا الِاسْمِ حَيْثُ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِجَمِيعِ الْعَقَائِدِ بِقَدْرِ الطَّاقَةِ الْبَشَرِيَّةِ، مُكْتَسَبًا مِنَ النَّظَرِ فِي الْأَدِلَّةِ الْيَقِينِيَّةِ، أَوْ كَانَ مَلَكَةً تَتَعَلَّقُ بِهَا بِأَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْمَآخِذِ وَالشَّرَائِطِ مَا يَكْفِيهِمْ فِي اسْتِحْضَارِ الْعَقَائِدِ عَلَى مَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِنَا: الْعِلْمُ بِالْعَقَائِدِ مِنَ الْأَدِلَّةِ، وَمَوْضُوعُ كُلِّ عِلْمٍ شَرْعِيًّا كَانَ أَوْ عَقْلِيًّا، مَا يُبْحَثُ فِيهِ عَنْ عَوَارِضِهِ الذَّاتِيَّةِ، (فَمَوْضُوعُ) هَذَا الْعِلْمِ الْبَحْثُ عَنْ أَحْوَالِ الصَّانِعِ - سُبْحَانَهُ - مِنَ الْقِدَمِ وَالْوَحْدَةِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَغَيْرِهَا مِنْ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَكَذَلِكَ مَا يَبْحَثُ عَنِ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْأَجْسَامِ وَالْحُدُوثِ وَالِافْتِقَارِ وَالتَّرْكِيبِ مِنَ الْأَجْزَاءِ، وَقَبُولِ الْفَنَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ - تَعَالَى، (وَغَايَتُهُ) أَنْ يَصِيرَ الْإِيمَانُ وَالتَّصْدِيقُ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مُتْقَنًا مُحْكَمًا، لَا تُزَلْزِلُهُ شُبَهُ الْمُبْطِلِينَ، فَيَرْتَقِي مِنْ حَضِيضِ التَّقْلِيدِ إِلَى ذُرْوَةِ الْإِيقَانِ بِسَبَبِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ، وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَيْضًا إِرْشَادُ الطَّالِبِينَ، وَإِلْزَامُ الْمُعَانِدِينَ بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ، وَنَفْضِ غُبَارِ شُبَهِ

стр. 71

الْخُصُومِ عَنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ، وَصِحَّةِ النِّيَّةِ وَالِاعْتِقَادَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الْعَمَلُ فِي حَيِّزِ الْقَبُولِ، (وَثَمَرَةُ) جَمِيعِ ذَلِكَ الْفَوْزُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، وَالظَّفَرُ بِمَا هُوَ كَمَالٌ فِي الْكَوْنَيْنِ. فَفِي الدُّنْيَا انْتِظَامُ أَمْرِ الْمَعَاشِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْعَدْلِ وَالْمُعَامَلَةِ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي إِبْقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى الْفَسَادِ، وَفِي الْآخِرَةِ النَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْكُفْرِ وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ، (وَمَسَائِلُهُ) الْقَضَايَا النَّظَرِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الِاعْتِقَادِيَّةُ، (وَاسْتِمْدَادُهُ) مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالنَّظَرِ الصَّحِيحِ. [الفائدة الثانية المقصود من ترتيب القواعد] (الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ) : مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْقَوَاعِدَ الْكَلَامِيَّةَ مَا رُتِّبَتْ هَذَا التَّرْتِيبَ، وَبُوِّبَتْ هَذَا التَّبْوِيبَ لِتُؤْخَذَ مِنْهَا الِاعْتِقَادَاتُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَالْقَوَاعِدُ الدِّينِيَّةُ، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا لَيْسَ إِلَّا دَفْعَ شُبَهِ الْخُصُومِ، وَدَحْضَ نَهْجِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ، فَإِنَّهُمْ طَعَنُوا فِي بَعْضٍ مِنْهَا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَبَيَّنَ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ بِأَنَّ زَعْمَهُمْ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْغَلَطِ وَالذُّهُولِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَأْتِي بِمُحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالِهَا، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ بِالْقَوَاعِدِ الْكَلَامِيَّةِ مَعْقُولِيَّةَ مَا أَنْكَرُوا، وَزَيَّفُوا عَلَيْهِمْ مِنْ بِدَعِهِمُ الْفَظِيعَةِ وَنَزَعَاتِهِمُ الشَّنِيعَةِ مَا ابْتَكَرُوا، وَإِنَّمَا أَخَذَ أَهْلُ (السُّنَّةِ) الِاعْتِقَادَاتِ، وَاعْتَمَدُوا مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ، وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ، وَدَرَجَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، وَنَهَجَ إِلَيْهِ أَعْلَامُ الْأَئِمَّةِ، مِنَ الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ وَمَنْ عَلَيْهِمْ دُونَ سِوَاهُمُ الْمُعَوَّلُ. [الفائدة الثالثة لمعة عن أول البدع ظهورا] (الثَّالِثَةُ) : أَوَّلُ بِدْعَةٍ ظَهَرَتْ بِدْعَةُ الْقَدَرِ، وَبِدْعَةُ الْإِرْجَاءِ، وَبِدْعَةُ التَّشَيُّعِ وَالْخَوَارِجِ، وَهَذِهِ الْبِدَعُ ظَهَرَتْ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي، وَالصَّحَابَةُ مَوْجُودُونَ، وَقَدْ أَنْكَرُوا عَلَى أَهْلِهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَتْ بِدْعَةُ الِاعْتِزَالِ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى النَّهْجِ الْأَوَّلِ، وَلُزُومِ ظَاهِرِ السُّنَّةِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ﵃ إِلَى أَنْ حَدَثَتِ الْفِتَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْبَغْيُ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَظَهَرَ اخْتِلَافُ الْآرَاءِ، وَالْمَيْلُ إِلَى الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَكَثُرَتِ الْمَسَائِلُ وَالْوَاقِعِيَّاتُ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْعُلَمَاءِ فِي الْمُهِمَّاتِ، فَاشْتَغَلُوا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَاسْتِنْبَاطِ النَّتَائِجِ، وَتَمْهِيدِ الْقَوَاعِدِ، وَإِنْتَاجِ الْقَضَايَا وَالْفَوَائِدِ، وَأَخَذُوا فِي

стр. 72

التَّبْوِيبِ وَالتَّفْصِيلِ، وَالتَّرْتِيبِ وَالتَّأْصِيلِ، فَأَسَّسَتْ فِرْقَةُ الْمُعْتَزِلَةِ قَوَاعِدَ الْخِلَافِ، وَنَهَجَتْ مَنْهَجَ الِانْحِرَافِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اعْتَزَلَ عَنْ مَجْلِسِ سَيِّدِ التَّابِعِينَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ رَئِيسُ الطَّائِفَةِ الْمُعْتَزِلَةِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: كَانَ النَّاسُ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْفَاسِقِ الْمِلِّيِّ، وَهُوَ أَوَّلُ خِلَافٍ حَدَثَ فِي الْمِلَّةِ، هَلْ هُوَ كَافِرٌ أَوْ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَتِ الْخَوَارِجُ: إِنَّهُ كَافِرٌ، وَقَالَتِ الْجَمَاعَةُ: إِنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: نَقُولُ إِنَّهُ فَاسِقٌ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، مَنْزِلَةٌ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ، وَخَلَّدُوهُ فِي النَّارِ، فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵁: اعْتَزِلُوا عَنَّا، فَاعْتَزَلُوا حَلْقَةَ الْحَسَنِ وَأَصْحَابِهِ، فَسُمُّوا مُعْتَزِلَةً، وَسَمَّوْا هُمْ أَنْفُسَهُمْ أَصْحَابَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ، لِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ ثَوَابِ الْمُطِيعِ، وَعِقَابِ الْعَاصِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَنَفْيِ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَقَفَ عَلَى مَجْلِسِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا إِمَامُ، ظَهَرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ جَمَاعَةٌ يُكَفِّرُونَ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ - يَعْنِي بِهِمُ الْخَوَارِجَ، وَجَمَاعَةٌ يَقُولُونَ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ، كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ - يَعْنِي بِهِمُ الْمُرْجِئَةَ، فَمَا تَعْتَقِدُهُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَأَطْرَقَ الْحَسَنُ مُفَكِّرًا فِي الصَّوَابِ، فَبَادَرَهُ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ بِالْجَوَابِ، فَقَالَ: أَنَا لَا أَقُولُ إِنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ مُطْلَقًا، وَلَا كَافِرٌ مُطْلَقًا، وَقَامَ إِلَى أُسْطُوَانَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، يُقَرِّرُ مَذْهَبَهُ وَيُثْبِتُ الْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَيَقُولُ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: مُؤْمِنٌ، وَكَافِرٌ، وَلَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، وَهُوَ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ، إِذَا مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: اعْتَزَلَ عَنَّا وَاصِلٌ، فَسُمُّوا الْمُعْتَزِلَةَ لِذَاكَ، وَرَفِيقُ وَاصِلٍ فِي الِاعْتِزَالِ وَقَرِينُهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ الْمُتَكَلِّمُ الزَّاهِدُ، وَكَانَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالدِّيَانَةِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ، حَتَّى إِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ، أَجَابَ السَّائِلَ: لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ رَجُلٍ كَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَدَّبَتْهُ، وَكَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ رَبَّتْهُ، إِنْ قَامَ بِأَمْرٍ قَعَدَ بِهِ، وَإِنْ قَعَدَ بِأَمْرٍ قَامَ بِهِ، وَإِنْ أَمَرَ بِشَيْءٍ كَانَ أَلْزَمَ النَّاسِ لَهُ، وَإِنْ نَهَى عَنْ شَيْءٍ كَانَ أَتْرَكَ النَّاسِ لَهُ، مَا رَأَيْتُ ظَاهِرًا أَشْبَهَ بِبَاطِنٍ، وَلَا بَاطِنًا أَشْبَهَ بِظَاهِرٍ مِنْهُ، انْتَهَى، وَيُرْوَى أَنَّ وَاصِلَ

стр. 73

ابْنَ عَطَاءٍ تَكَلَّمَ مَرَّةً بِكَلَامٍ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: لَوْ بُعِثَ نَبِيًّا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا؟ وَفَصَاحَةُ وَاصِلٍ مَشْهُورَةٌ، وَكَانَ يَلْثَغُ بِالرَّاءِ، فَكَانَ يَجْتَنِبُهَا حَتَّى كَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْحُرُوفِ، ثُمَّ خَلَفَهُ الْجُبَّائِيُّ، وَكَانَ الْأَشْعَرِيُّ - إِمَامُ الطَّائِفَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ - مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ فَارَقَهُ لَمَّا ظَهَرَ لَهُ فَسَادُ مَذْهَبِهِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الفائدة الرابعة التعريف بأهل السنة] (الرَّابِعَةُ) : أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ثَلَاثُ فِرَقٍ: الْأَثَرِيَّةُ وَإِمَامُهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁، وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَإِمَامُهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ﵀، وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ وَإِمَامُهُمْ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ، وَأَمَّا فِرَقُ الضَّلَالِ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهَذَا أَوَانُ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 74

[الْمُقَدَّمَةُ فِي تَرْجِيحِ مَذْهَبِ السَّلَفِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ] [افتراق الأمة على بضع وسبعين فرقة] وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يُفِيدُ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَالدِّيَانَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ وَالصِّيَانَةِ، وَالسُّنَّةِ وَالْأَمَانَةِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ لِإِمَامِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ ; لِأَنَّهُ انْتَهَى إِلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ، وَنُصُوصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا انْتَهَى إِلَى غَيْرِهِ، وَابْتُلِيَ بِالْمِحْنَةِ وَالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، فَصَارَ إِمَامًا فِي السُّنَّةِ أَظْهَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَغَارِبَةِ: الْمَذْهَبُ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَالظُّهُورُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. فَالَّذِي عَلَيْهِ أَحْمَدُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَئِمَّةِ، وَإِنْ زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ، وَإِظْهَارِ الْحَقِّ، وَدَفْعِ الْبَاطِلِ. ((اعْلَمْ هُدِيتَ أَنَّهُ جَاءَ الْخَبَرْ ... عَنِ النَّبِيِّ الْمُقْتَفَى خَيْرِ الْبَشَرْ)) ((بِأَنَّ ذِي الْأُمَّةَ سَوْفَ تَفْتَرِقْ ... بِضْعًا وَسَبْعِينَ اعْتِقَادًا وَالْمُحِقْ)) ((مَا كَانَ فِي نَهْجِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى ... وَصَحْبِهِ مِنْ غَيْرِ زَيْغٍ وَجَفَا)) ((اعْلَمْ)) فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَهُوَ حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، أَيْ كُنْ مُتَهَيِّئًا وَمُتَفَهِّمًا لِإِدْرَاكِ مَا يُلْقَى إِلَيْكَ مِنَ الْعُلُومِ، وَمَا فِي ضِمْنِ الْمَنْثُورِ مِنْ كَلَامِي وَالْمَنْظُومِ، (هُدِيتَ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دُعَائِيَّةٌ مِنَ الْهِدَايَةِ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ إِلَى الْمَطْلُوبِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، (أَنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ وَالْأَمْرَ، (جَاءَ الْخَبَرُ) يَعْنِي الْحَدِيثَ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، (عَنِ النَّبِيِّ) الْمُصْطَفَى وَالْحَبِيبِ، (الْمُقْتَفَى) أَيِ الْمُخْتَصِّ الْمُتَّبَعِ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ الْمُقَفَّى، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْمُوَلِّي الذَّاهِبُ وَقَدْ قَفَّى يُقَفَّى فَهُوَ مُقَفٍّ، يَعْنِي أَنَّهُ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَّبِعُ لَهُمْ، فَإِذَا قَفَّى فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ. انْتَهَى. وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ " زَادِ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ ": الْمُقَفَّى الَّذِي قَفَّى عَلَى آثَارِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَقَفَّى اللَّهُ بِهِ عَلَى آثَارِ مَنْ سَبَقَهُ مِنْهُمْ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْقَفْوِ، قَفَاهُ يَقْفُوهُ إِذَا تَأَخَّرَ عَنْهُ، (خَيْرِ الْبَشَرْ) بَلْ خَيْرُ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، فَهُوَ سَيِّدُ الْعَالَمِ وَصَفْوَةُ بَنِي آدَمَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ، وَخَيْرُ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 75

وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، (بِأَنَّ ذِي) أَيْ هَذِهِ (الْأُمَّةَ) الْمُحَمَّدِيَّةَ، وَالْمِلَّةَ الْأَحْمَدِيَّةَ (سَوْفَ) أَيْ سَـ (تَفْتَرِقُ) فِيمَا بَعْدُ (بِضْعًا) أَيْ إِلَى بِضْعٍ (وَسَبْعِينَ) فِرْقَةً، وَالْبِضْعُ فِي الْعَدَدِ بِالْكَسْرِ - وَقَدْ تُفْتَحُ - مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ، وَإِذَا جَاوَزَتْ لَفْظَ الْعَشْرِ ذَهَبَ الْبِضْعُ، فَلَا يُقَالُ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ، أَوْ يُقَالُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَرَيْنَا فِي النَّظْمِ، فَيُقَالُ: بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، وَبِضْعٌ وَعِشْرُونَ امْرَأَةً، وَلَا يُعْكَسُ (اعْتِقَادًا) أَيِ افْتِرَاقُهُمْ لِأَجْلِ الِاعْتِقَادِ، فَهُوَ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، وَهِيَ ضَالَّةٌ مُنْحَرِفَةٌ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَالنَّهْجِ الْقَوِيمِ (وَ) إِنَّمَا (الْمُحِقُّ) مِنْ جَمِيعِهَا طَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ (مَا كَانَ) سَيْرُهَا وَاعْتِقَادُهَا وَنَهْجُهَا وَاعْتِمَادُهَا (فِي نَهْجِ) أَيْ مَنْهَجِ (النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى) أَيْ صَفْوَةِ خَلْقِ اللَّهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيُقَالُ: إِنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ الْمُصْطَفَى، وَهُوَ مَشْهُورٌ مَلْهُوجٌ بِهِ، وَهُوَ صَادِقٌ عَلَيْهِ وَلَائِقٌ بِهِ، قَالَ الْقَاضِيَ عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمَأْثُورَ مِنْ أَسْمَائِهِ مَا لَفْظُهُ: وَجَرَى مِنْهَا، أَيْ أَلْقَابِهِ وَسِمَاتِهِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكُتُبِ أَنْبِيَائِهِ، وَأَحَادِيثِ رَسُولِهِ، وَإِطْلَاقِ الْأُمَّةِ جُمْلَةً شَافِيَةً كَتَسْمِيَتِهِ بِالْمُصْطَفَى، وَبِالْمُجْتَبَى، وَبِالْحَبِيبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي نَهْجِ (صَحْبِهِ) رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ; أَيْ مَنْ كَانَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ، وَسَارَ بِسَيْرِهِمْ، مِنِ اقْتِفَاءِ الرَّسُولِ فِي اتِّبَاعِ الْمَنْقُولِ (مِنْ غَيْرِ زَيْغٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ وَلَا انْحِرَافٍ وَلَا شَكٍّ وَلَا انْصِرَافٍ، (وَ) مِنْ غَيْرِ (جَفَا) بِالْجِيمِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَجَافٍ عَنْ هَدْيِهِمْ، وَإِزَالَةٍ عَنْ نَهْجِهِمْ، وَالْجَفَاءُ نَقِيضُ الصِّلَةِ، وَيُقْصَرُ وَيَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ، وَلَا كَتْمٍ وَسَتْرٍ، وَالْخَافِيَةُ ضِدُّ الْعَلَانِيَةِ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي الْبَيْتَيْنِ هُوَ مَا رَوَاهُ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: « (أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ فِيهِ: ( «وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَتَجَارَى بِهِمُ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ» ) ، قَوْلُهُ: الْكَلَبُ بِفَتْحِ اللَّامِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ دَاءٌ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَضَّةِ
следующие страницы →