Полный текст (921 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
مِنْ أُمَّتِي» " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا مُرْسَلٌ حَسَنٌ يَشْهَدُ لِكَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ شَائِعَةً.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا: " «مَازِلْتُ أَشْفَعُ إِلَى رَبِّي وَيُشَفِّعُنِي، وَأَشْفَعُ، وَيُشَفِّعُنِي، حَتَّى أَقُولَ: أَيْ رَبِّ شَفِّعْنِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَقُولُ:
هَذَا لَيْسَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ وَلَا لِأَحَدٍ، هَذَا لِي، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَرَحْمَتِي لَا أَدَعُ فِي النَّارِ أَحَدًا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ".
(الثَّانِي) : فِي ذِكْرِ الْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِشَفَاعَتِهِ ﷺ . أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ:
«قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " ظَنَنْتُ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» ".
وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ ﵁: " «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو.
وَفِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ فَقِيهٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَسْمَعُ النِّدَاءَ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْمُفْتَرَضَةِ أَعْطِ مُحَمَّدًا سُؤْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ فِي شَفَاعَتِهِ» .
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَجَدْبِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي أَيُّوبَ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ:
" «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا» ".
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَلْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ اسْتَوْجَبَ شَفَاعَتِي، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْآمِنِينَ» ".
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبَى الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرًا
стр. 667
وَحِينَ يُمْسِي عَشْرًا أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا: " «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» ".
وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ، وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ الْمَقْعَدَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» "، وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ عَنْ خَادِمِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّا يَقُولُ لِلْخَادِمِ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ قَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ حَاجَتِي أَنْ تَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ فَأَعِنِّي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» ، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا: " مَنْ «زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي» ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: " «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تَحْمِلُهُ حَاجَةٌ إِلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ ﵁ مَرْفُوعًا: " «مَنْ زَارَنِي كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا، وَمَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
(الثَّالِثُ) :
فِي مَنْ لَا تُدْرِكُهُمُ الشَّفَاعَةُ، وَيُحْرَمُونَ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِاتِّصَافِهِمْ بِالْبِدَعِ وَسُوءِ الْبِضَاعَةِ، فَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا تَنَالُهُمَا شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ» " وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ غَشَّ الْعَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي» .
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْعَرَبُ اسْمٌ لِهَذَا الْجِيلِ الْمَعْرُوفِ مِنَ النَّاسِ، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَسَوَاءٌ أَقَامَ بِالْبَادِيَةِ أَوِ الْمُدُنِ. انْتَهَى.
وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا بَنُو إِسْمَاعِيلَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رَجُلَانِ لَا تَنَالُهُمْ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ ظَلُومٌ غَشُومٌ عَسُوفٌ، وَآخَرُ غَالٍ فِي دِينِ اللَّهِ مَارِقٌ مِنْهُ» ".
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُمَارِيَ لَا أَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".
стр. 668
(الرَّابِعُ) :
مِمَّا احْتَجَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِمَذْهَبِهِمْ فِي نَفْيِ الشَّفَاعَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ دَخَلَ جَهَنَّمَ يُخَلَّدُ فِيهَا لِأَنَّهُ إِمَّا كَافِرٌ أَوْ صَاحِبُ كَبِيرَةٍ مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ، هَذَا رَأْيُهُمْ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَهُوَ رَأْيٌ فَاسِدٌ وَمَذْهَبٌ بَاطِلٌ تَرُدُّهُ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ، وَالْآثَارُ الصَّرِيحَةُ، وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ أَيَّدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئَا﴾ [البقرة: ٤٨] الْكُفَّارُ لِلْآيَاتِ الْوَارِدَةِ، وَالْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ فِي الشَّفَاعَةِ، قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: تَمَسَّكَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى نَفْيِ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ لِلْكُفَّارِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ مِيثَاقَ الْخِطَابِ مَعَهُمْ.
وَالْآيَةُ نَزَلَتْ رَدًّا لِمَا كَانَتِ الْيَهُودُ تَزْعُمُ أَنَّ آبَاءَهُمْ تَشْفَعُ لَهُمْ. انْتَهَى.
وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] الْمُرَادُ بِالظَّالِمِينَ الْكُفَّارُ، فَإِنَّ الظَّالِمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الْكَافِرُ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]- ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]- ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] . وَمَنْ أَخْزَاهُ اللَّهُ لَا يَرْتَضِيهِ، وَمَنِ ارْتَضَاهُ لَا يُخْزِيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] الْآيَةَ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى مَا قَالَ سَيِّدُنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْنَى ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٩٢] مَنْ تُخْلِدُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: تُدْخِلُ مَقْلُوبُ تُخْلِدُ. وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَ أَهْلُ حَرُورَاءَ: " يَعْنِي الْخَوَارِجَ "، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ قَدْ أَخْزَيْتَهُ عَلَى بَابِهِ مِنَ الْهَلَاكِ أَيْ: أَهْلَكْتَهُ وَأَبْعَدْتَهُ وَمَقَتَّهُ، وَلِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: الْآيَةُ جَاءَتْ خَاصَّةً فِي قَوْمٍ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْآيَةِ ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] أَيِ الْكُفَّارِ، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْآيَةَ فِي عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ فَالْمُرَادُ بِالْخِزْيِ الْحَيَاءُ، يُقَالُ: خَزِيَ يَخْزَى خِزَايَةً إِذَا اسْتَحَى، فَهُوَ خَزْيَانُ، وَامْرَأَةٌ خَزْيَا، فَخِزْيُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ اسْتِحْيَاؤُهُمْ مِنْ دُخُولِ النَّارِ وَدَارِ الْبَوَارِ مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْكُفَّارِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، وَرَحْمَةِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، وَنَفْيُ النُّصْرَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الشَّفَاعَةِ لِأَنَّهَا طَلَبٌ مِنْ خُضُوعٍ، وَالنُّصْرَةُ رُبَّمَا تُبْنَى عَلَى الْمُدَافَعَةِ وَالْمُمَانَعَةِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، عَلَى أَنَّا نَقُولَ لَا يَسْلَمُ لَهُمْ زَعْمُهُمْ أَنَّ الْفَاسِقَ
стр. 669
غَيْرُ مَرْضِيٍّ مُطْلَقًا، بَلْ هُوَ مَرْضِيٌّ مِنْ جِهَةِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَإِنْ كَانَ مَبْغُوضًا مِنْ جِهَةِ الذُّنُوبِ وَالْعِصْيَانِ وَارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ مُطْلَقًا لِعَدَمِ الْأَسَاسِ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ الْحَسَنَاتُ وَالِاعْتِدَادُ بِالْكَمَالَاتِ وَهُوَ الْإِيمَانُ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالشَّفَاعَةِ وَاجِبٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنَ النُّصُوصِ مَا لَعَلَّهُ يَقْلَعُ شُرُوشَ الِاخْتِلَاجِ مِنْ خَوَاطِرِ مَنْ أَذْعَنَ لَهَا، وَخَلَعَ مِنْ عُنُقِهِ رِبْقَةَ تَقْلِيدِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالِاعْوِجَاجِ، كَيْفَ وَالنُّصُوصُ مُتَوَاتِرَةٌ، وَالْآثَارُ مُتَوَافِرَةٌ، وَالْعَقْلُ الصَّحِيحُ لَا يُحِيلُ ذَلِكَ، وَالنَّقْلُ الصَّرِيحُ نَاطِقٌ بِمَا هُنَالِكَ، فَدَعْ عَنْكَ نِحْلَةَ فُلَانَةَ وَفُلَانٍ، وَاعْقِدْ قَلْبَكَ عَلَى مَا صَحَّ عَنْ سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَانَ، وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا عَقْلَ يُحِيلُهُ، وَلَا نَقْلَ يُزِيلُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفَّقُ.
[فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ]
[الْكَلَامِ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ]
((فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ))
وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَأَقْسَامِهَا وَتَفْصِيلِهَا وَأَحْكَامِهَا بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِالْمَقَامِ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْعَظِيمَتَيْنِ دَارِ الْقَرَارِ لِلْأَخْيَارِ، وَدَارِ الْبَوَارِ لِلْكُفَّارِ، وَهُمَا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَ:
((وَكُلُّ إِنْسَانٍ وَكُلُّ جِنَّةٍ ... فِي دَارِ نَارٍ أَوْ نَعِيمِ جَنَّةٍ))
((هُمَا مَصِيرُ الْخَلْقِ فِي كُلِّ الْوَرَى ... فَالنَّارُ دَارُ مَنْ تَعَدَّى وَافْتَرَى))
((وَمَنْ عَصَى بِذَنْبِهِ لَمْ يَخْلُدِ ... وَإِنْ دَخَلَهَا يَا بَوَارَ الْمُعْتَدِي))
((وَكُلُّ إِنْسَانٍ)) مِنْ بَنِي آدَمَ، فَالْإِنْسُ وَالْإِنْسَانُ مِنَ الْبَشَرِ، وَالْوَاحِدُ إِنْسِيٌّ وَأَنَسِيٌّ، وَالْجَمْعِ أَنَاسِيُّ وَالْمَرْأَةُ إِنْسَانٌ، وَبِالْهَاءِ عَامِّيَّةٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ قَالَ: وَسُمِعَ فِي شِعْرٍ كَأَنَّهُ مُوَلَّدٌ:
لَقَدْ كَسَتْنِي فِي الْهَوَى ... مَلَابِسَ الصَّبِّ الْغَزَلْ
إِنْسَانَةٌ فَتَّانَةٌ ... بَدْرُ الدُّجَى مِنْهَا خَجِلْ
إِذَا زَنَتْ عَيْنِي بِهَا ... فَبِالدُّمُوعِ تَغْتَسِلْ
((وَكُلُّ جِنَّةٍ)) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مَفْتُوحَةً طَائِفَةُ الْجِنِّ، وَالْجَانُّ اسْمٌ لِلْجِنِّ، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ الَّذَيْنِ هُمَا الْإِنْسُ وَالْجِنُّ لَابُدَّ أَنْ
стр. 670
يَكُونَ ((فِي)) إِحْدَى الدَّارَيْنِ إِمَّا فِي ((دَارِ نَارٍ)) وَهِيَ دَارُ الْبَوَارِ وَمَقَرُّ الْكُفَّارِ، وَهِيَ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُحْرِقٌ يَطْلُبُ الْعُلُوَّ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَأَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ عَلَى نُوَيْرَةٍ، وَتُجْمَعُ جَمْعَ قِلَّةٍ عَلَى نِيرَةٍ وَأَنْوَارٍ، وَجَمْعَ كَثْرَةٍ عَلَى نِيرَانٍ وَنُورٍ، وَالنُّورُ ضَوْءُهَا وَضَوْءُ كُلِّ نِيرٍ، وَهُوَ ضِدُّ الظُّلْمَةِ، وَالنَّارُ سَبْعُ طَبَقَاتٍ أَعْلَاهَا جَهَنَّمُ، فَلَظًى ثُمَّ الْحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الْجَحِيمُ، ثُمَّ الْهَاوِيَةُ، وَبَابُ كَلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مِنْ دَاخِلِ الْأُخْرَى عَلَى الِاسْتِوَاءِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ ((أَوْ)) فِي دَارِ ((نَعِيمٍ)) مُقِيمٍ فِي ((جَنَّةِ)) الْمَوْلَى الْكَرِيمِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَاعْتِقَادُ وَجُودِهِ حَقٌّ لَازِبٌ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْجَنَّةِ دَارُ الثَّوَابُ، وَمِنَ النَّارِ دَارُ الْعِقَابِ ((هُمَا)) أَيِ: الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ((مَصِيرُ الْخَلْقِ)) مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، أَيْ لَابُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ ((مِنْ كُلِّ الْوَرَى)) كِفَّتَيِ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، بَلْ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي الْجَنَّةِ كَمَا يَأْتِي، أَنْ يَصِيرَ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَإِمَّا أَهْلِ الْأَعْرَافِ، فَإِنَّ مَصِيرَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا يَأْتِي ((فَالنَّارُ الَّتِي هِيَ دَارُ الْهَوَانِ وَالْبَوَارِ، فَهِيَ ((دَارُ مَنْ)) أَيْ كُلِّ شَخْصٍ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ ((تَعَدَّى)) طَوْرَهُ، وَخَالَفَ مَوْلَاهُ فَكَفَرَ بِهِ، أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، أَوْ بِكِتَابٍ مِنْ كُتُبِهِ، أَوْ شَرْعٍ مِنْ شَرْعِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ بَعَثَهُ، وَلَمْ يَنْسَخْهُ ((وَافْتَرَى)) فِيمَا عَبَدَ، وَاجْتَرَأَ بِمَا قَصَدَ، فَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ الْحُدُودِ، وَلَمْ يَفِ بِالْعَهْدِ الْمَوْعُودِ، فَكُلُّ مَنْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِكُفْرِهِ مِنْ كَافِرٍ أَصْلِيٍّ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْكَوَاكِبِ وَالنِّيرَانِ، وَأَهْلِ الشَّرَائِعِ الْمَنْسُوخَةِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَهُمْ خَالِدُونَ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، وَدَارِ الْخِزْيِ وَالْبَوَارِ ((مِنْ)) أَيْ وَكُلُّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَوْ مُبْتَدِعًا لَمْ يَحْكُمِ الشَّرْعُ بِكُفْرِهِ ((عَصَى)) بِمُخَالَفَةِ رَبِّهِ، وَتَعَدَّى حُدُودَهُ ((بِذَنْبِهِ)) ، وَلَوْ كَانَ ذَنْبُهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَأَكْلِ الرِّبَا، وَمَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَوْ لَمْ يَتُبْ ((لَمْ يَخْلُدْ)) فِي النَّارِ ((وَإِنْ دَخَلَهَا)) لِيَتَطَهَّرَ مِنَ الْأَوْزَارِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا إِمَّا بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ، أَوْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ ((يَا بَوَارَ)) أَيْ يَا هَلَاكَ ((الْمُعْتَدِي)) إِشَارَةً إِلَى تَقْبِيحِ مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ زَعْمِهِمْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ، فَهُوَ خَالِدٌ فِيهَا لِأَنَّهُ إِمَّا كَافِرٌ، أَوْ صَاحِبُ كَبِيرَةٍ
стр. 671
مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ إِذِ الْمَعْصُومُ وَالتَّائِبُ وَصَاحِبُ الصَّغِيرَةِ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النَّارِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ أُصُولِهِمْ، وَالْكَافِرُ مُخَلَّدٌ بِالْإِجْمَاعِ بِخِلَافِ الْعَاصِي، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ، وَإِنَّ مُرْتَكِبَ الْكَبِيرَةِ إِذَا مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَلَمْ يُعَذِّبْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ ثُمَّ يُخْرِجُهُ، وَأَمَّا خُلُودُ الْمُؤْمِنِ الْمُصِرِّ، فَهُوَ مَذْهَبُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَأَهْلُ الْحَقِّ عَلَى خِلَافِهِ، وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ:
الْجَانُّ أَبُو الْجِنِّ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْوَفَا بْنُ عُقَيْلٍ: إِنَّمَا يُسَمَّى الْجِنُّ جِنًّا لِاجْتِنَانِهِمْ، وَاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْعُيُونِ، قَالَ: وَالشَّيَاطِينُ عُصَاةُ الْجِنِّ، وَهُمْ مِنْ وَلَدِ إِبْلِيسَ، وَالْمَرَدَةُ أَعْتَاهُمْ وَأَغْوَاهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْجِنُّ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْعِلْمِ بِاللِّسَانِ عَلَى مَرَاتِبَ، فَإِذَا ذَكَرُوا الْجِنَّ خَالِصًا قَالُوا: جِنِّيٌّ، فَإِنْ أَرَادُوا أَنَّهُ مِمَّنْ يَسْكُنُ مَعَ النَّاسِ قَالُوا: عَامِرٌ، وَالْجَمْعُ عُمَّارٌ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْرِضُ لِلصِّبْيَانِ قَالُوا: أَرْوَاحٌ، فَإِنْ خَبُثَ وَتَعَرَّضَ قَالُوا شَيْطَانٌ، فَإِنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ وَقَوِيَ أَمْرُهُ قَالُوا: عِفْرِيتٌ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ: لَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ فِي وُجُودِ الْجِنِّ، وَكَذَا جُمْهُورُ الْكُفَّارِ، لِأَنَّ وُجُودَهُمْ تَوَاتَرَتْ بِهِ أَخْبَارُ الْأَنْبِيَاءِ تَوَاتُرًا مَعْلُومًا بِالِاضْطِرَارِ يَعْرِفُهُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ، وَقَالَ: وَلَمْ يُنْكِرِ الْجِنَّ إِلَّا شِرْذِمَةٌ قَلِيلَةٌ مِنْ جُهَّالِ الْفَلَاسِفَةِ وَنَحْوِهِمْ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ: كَثِيرٌ يُقِرُّ بِوُجُودِهِمْ، وَيَزْعُمُ أَنَّهُمْ لَا يُرَوْنَ لِرِقَّةِ أَجْسَامِهِمْ وَنُفُوذِ الشُّعَاعِ فِيهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ لَا يُرَوْنَ لِأَنَّهُمْ لَا أَلْوَانَ لَهُمْ، وَقَدْ ذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ فِي الْمُبْتَدَأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄: خُلِقَ الْجِنُّ قَبْلَ آدَمَ بِأَلْفَيْ سَنَةٍ، وَقَالَ إِسْحَاقُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى سَوْمًا أَبَا الْجِنِّ؟ وَهُوَ الَّذِي خُلِقَ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ قَالَ لَهُ تَعَالَى: تَمَنَّ، قَالَ: أَتَمَنَّى أَنْ نَرَى وَلَا نُرَى، وَأَنْ نَغِيبَ فِي الثَّرَى، وَيَصِيرَ كَهْلُنَا شَابًّا. فَأُعْطِيَ ذَلِكَ، فَهُمْ يَرَوْنَ وَلَا يُرَوْنَ، وَإِذَا مَاتُوا غُيِّبُوا فِي الثَّرَى، وَلَا يَمُوتُ كَهْلُهُمْ حَتَّى يَعُودَ شَابًّا يَعْنِي مِثْلَ الصَّبِيِّ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ.
وَأَخْرَجَ
стр. 672
مُسْلِمٌ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ» ".
وَأَخْرَجَ الْفِرْيَابِيُّ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] قَالَ: اللَّهَبُ الْأَصْفَرُ وَالْأَخْضَرُ الَّذِي يَعْلُو النَّارَ إِذَا أُوقِدَتْ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: خُلِقَتِ الْجِنُّ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْقُرْآنِ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: خُلِقَ الْجَانُّ وَالشَّيَاطِينُ مِنْ نَارِ الشَّمْسِ. انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو الْوَفَا بْنُ عُقَيْلٍ فِي الْفُنُونِ: سَأَلَ سَائِلٌ عَنِ الْجِنِّ، فَقَالَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ مِنْ نَارٍ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الشُّهُبَ تَضُرُّهُمْ وَتُحْرِقُهُمْ، فَكَيْفَ تُحْرِقُ النَّارُ النَّارَ؟ قَالَ: وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَضَافَ الشَّيَاطِينَ وَالْجَانَّ إِلَى النَّارِ حَسْبَ مَا أَضَافَ الْإِنْسَانَ إِلَى التُّرَابِ وَالطِّينِ وَالْفَخَّارِ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي حَقِّ الْإِنْسَانِ أَنَّ أَصْلَهُ الطِّينُ، وَلَيْسَ الْآدَمِيُّ طِينًا حَقِيقَةً وَلَكِنَّهُ كَانَ طِينًا، كَذَلِكَ الْجَانُّ كَانَ نَارًا فِي الْأَصْلِ.
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ: الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْجِنِّ النَّارُ السَّمْعُ دُونَ الْعَقْلِ.
وَقَالَ الْإِمَامُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ: الْجِنُّ أَجْسَامٌ مُؤَلَّفَةٌ، وَأَشْخَاصٌ مُمَثَّلَةٌ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ رَقِيقَةً وَأَنْ تَكُونَ كَثِيفَةً، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّهُمْ أَجْسَامٌ رَقِيقَةٌ، وَلِرِقَّتِهَا لَا تَرَاهَا. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَلَا قُدْرَةَ لِلشَّيَاطِينِ عَلَى تَغْيِيرِ خَلْقِهِمْ وَالِانْتِقَالِ فِي الصُّوَرِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَهُمُ اللَّهُ كَلِمَاتٍ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ الْأَفْعَالِ إِذَا فَعَلَهَا وَتَكَلَّمَ بِهَا نَقَلَهُ اللَّهُ مِنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ، فَيُقَالُ إِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّصْوِيرِ وَالتَّخْيِيلِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى قَوْلٍ إِذَا قَالَهُ وَفَعَلَهُ نَقَلَهُ اللَّهُ عَنْ صُورَةٍ إِلَى أُخْرَى لِجَرْيِ الْعَادَةِ، وَأَمَّا أَنْ يُصَوِّرَ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ فَذَلِكَ مُحَالٌ؛ لِأَنَّ انْتِقَالَهَا عَنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ إِنَّمَا يَكُونُ بِنَقْضِ الْبِنْيَةِ وَتَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ، وَإِذَا انْتَقَلَتْ بَطُلَتِ الْحَيَاةُ وَاسْتَحَالَ وُقُوعُ الْفِعْلِ مِنَ الْجُمْلَةِ، وَكَيْفَ تَنْقُلُ نَفْسَهَا؟ قَالَ: وَالْقَوْلُ فِي تَشْكِيلِ الْمَلَائِكَةِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَالَّذِي رُوِيَ أَنَّ إِبْلِيسَ تَصَوَّرَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ، وَأَنَّ جِبْرِيلَ تَمَثَّلَ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَهُوَ أَنَّهُ أَقْدَرَهُ اللَّهُ عَلَى قَوْلٍ قَالَهُ فَنَقَلَهُ اللَّهُ عَنْ صُورَةٍ إِلَى صُورَةٍ أُخْرَى، قَالَ الْقَاضِي: الْجِنُّ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ كَمَا يَفْعَلُ الْإِنْسُ.
стр. 673
وَظَاهِرُ الْمَعْلُومَاتِ أَنَّ جَمِيعَ الْجِنِّ كَذَلِكَ، وَهُوَ رَأْيُ قَوْمٍ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَكْلَهُمْ وَشُرْبَهُمْ تَشَمُّمُ اسْتِرْوَاحٍ لَا مَضْغٌ وَبَلْعٌ، وَهَذَا لَا دَلِيلٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: إِنَّهُمْ يَأْكُلُونَ بِمَضْغٍ وَبَلْعٍ، وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ جَمِيعَ الْجِنِّ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ. وَهَذَا سَاقِطٌ، وَقِيلَ إِنَّ صِنْفًا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَصِنْفًا لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ، وَسُئِلَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ عَنِ الْجِنِّ هَلْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ؟ وَهَلْ يَمُوتُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ؟ فَقَالَ: هُمْ أَجْنَاسٌ، فَأَمَا خَالِصُ الْجِنِّ فَهُمْ رِيحٌ لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ وَلَا يَمُوتُونَ وَلَا يَتَوَالَدُونَ، وَمِنْهُمْ أَجْنَاسٌ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَتَوَالَدُونَ وَيَتَنَاكَحُونَ وَيَمُوتُونَ، قَالَ: وَهِيَ هَذِهِ الَّتِي مِنْهَا السَّعَالِي وَالْغُولُ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.
وَحَدِيثُ عَلْقَمَةَ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: «لَمَّا أَتَى النَّبِيُّ ﷺ دَاعٍ مِنَ الْجِنِّ، فَذَهَبَ مَعَهُ فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، وَأَنَّهُ ﷺ انْطَلَقَ بِأَصْحَابِهِ فَأَرَاهُمْ آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا كَالْإِنْسِ فِي الْجُمْلَةِ، وَفِيهِ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ الزَّادَ، وَكَانُوا مِنْ جِنِّ الْجَزِيرَةِ، فَقَالَ لَهُمْ ﷺ :
لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ» - «وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ - يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَ لَحْمًا، وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ» .
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «لَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ» " وَقَدْ جَمَعَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَيْنَ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَبَيْنَ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ بِأَنَّ مَا فِي الْمُسْنَدِ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ مِنَ الْجِنِّ، وَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ، وَصَحَّحَهُ السُّهَيْلِيُّ، وَقَالَ: هَذَا يُعَضِّدُ الْأَحَادِيثَ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى مُنَاكَحَتِهِمْ بُقُولِهِ تَعَالَى ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف: ٥٠] وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٥٦] وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ الْجِمَاعُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «إِنَّ الْجِنَّ يَتَوَالَدُونَ كَمَا يَتَوَالَدُ بَنُو آدَمَ وَهُمْ أَكْثَرُ عَدَدًا» ". رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَأَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظْمَةِ عَنْ قَتَادَةَ.
(الثَّانِي)
فِي ذِكْرِ تَكْلِيفِ الْجِنِّ، وَلَوَاحِقِ ذَلِكَ - قَالَ الْعَلَّامَةُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ مُفْلِحٍ فِي كِتَابِهِ الْفُرُوعِ: الْجِنُّ مُكَلَّفُونَ فِي الْجُمْلَةِ إِجْمَاعًا يَدْخُلُ
стр. 674
كَافِرُهُمُ النَّارَ إِجْمَاعًا، وَيَدْخُلُ مُؤْمِنُهُمُ الْجَنَّةَ وِفَاقًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵄ لَا أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ تُرَابًا كَالْبَهَائِمِ، وَأَنَّ ثَوَابَ مُؤْمِنِهِمُ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ خِلَافًا لَأَبَى حَنِيفَةَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَمَنْ وَافَقَهُمَا، قَالَ: وَظَاهِرُ الْأَوَّلِ يَعْنِي قَوْلَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ﵄ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ كَغَيْرِهِمْ بِقَدْرِ ثَوَابِهِمْ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ: لَا يَأْكُلُونَ وَلَا يَشْرَبُونَ فِيهَا كَمُجَاهِدٍ، أَوْ أَنَّهُمْ فِي رَبَضٍ حَوْلَ الْجَنَّةِ كَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ فِي كِتَابِهِ: الْجِنُّ كَالْإِنْسِ فِي التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَاتِ. انْتَهَى كَلَامُ الْفُرُوعِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْجِنُّ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ مُكَلَّفُونَ مُخَاطَبُونَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠] وَكَقَوْلِهِ ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] . قَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: أَطْبَقَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنَّ كُلَّهُمْ مُكَلَّفُونَ. قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ:
لَا نَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ النَّظَرِ أَنَّ الْجِنَّ مُكَلَّفُونَ.
(الثَّالِثُ) :
قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ فِي فُرُوعِهِ: وَلَمْ يُبْعَثْ إِلَيْهِمْ - يَعْنِي الْجِنَّ - نَبِيٌّ قَبْلَ نَبِيِّنَا ﷺ ، قَالَ: وَلَيْسَ مِنْهُمْ رَسُولٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَابْنُ عُقَيْلٍ وَغَيْرُهُمَا، وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] أَنَّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ [نوح: ١٦] وَإِنَّمَا هُوَ فِي سَمَاءٍ وَاحِدَةٍ.
قَالَ: وَلِلْمُفَسِّرِينَ قَوْلَانِ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ مِنْهُمْ رُسُلًا قَوْلُ الضَّحَّاكِ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَهُوَ ظَاهِرُ الْكَلَامِ.
وَقَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي (لُقَطِ الْمَرْجَانِ) : جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْجِنِّ قَطُّ رَسُولٌ وَلَا نَبِيٌّ، كَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَمُجَاهِدٍ وَالْكَلْبِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ أَبَى حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] قَالَ: لَيْسَ فِي الْجِنِّ رُسُلٌ إِنَّمَا الرُّسُلُ فِي الْإِنْسِ، وَالنِّذَارَةُ فِي الْجِنِّ، وَقَرَأَ ﴿فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] ، وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَوْلَهُ: رُسُلٌ مِنْكُمْ قَالَ: رُسُلُ الرُّسُلِ، وَقَرَأَ الْآيَةَ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَأَمَّا
стр. 675
الَّذِينَ قَالُوا بِقَوْلِ الضَّحَّاكِ، فَاحْتَجُّوا بِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّ مِنَ الْجِنِّ رُسُلًا أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ، قَالُوا: لَوْ جَازَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهُ عَنْ رُسُلِ الْجِنِّ بِمَعْنَى رُسُلِ الْإِنْسِ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ خَبَرُهُ عَنْ رُسُلِ الْإِنْسِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ رُسُلُ الْجِنِّ، وَفِي فَسَادِ هَذَا الْمَعْنَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا بِمَعْنَى الْخَبَرِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ رُسُلُ اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ الْمَعْرُوفُ فِي الْخِطَابِ دُونَ غَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ:
لَمْ يُبْعَثْ إِلَى الْجِنِّ نَبِيٌّ مِنَ الْإِنْسِ الْبَتَّةَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِأَنَّهُ لَيْسَ الْجِنُّ مِنْ قَوْمِ الْإِنْسِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً» ". قَالَ: وَبِالْيَقِينِ نَدْرِي أَنَّهُمْ قَدْ أُنْذِرُوا، وَأَفْصَحَ أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ أَنْبِيَاءُ مِنْهُمْ فِي قَوْلِهِ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] . انْتَهَى.
وَتَأَوَّلَ الْجُمْهُورُ كُلَّ مَا وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ ظَاهِرَ الْقُرْآنِ مَعَ مَا قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ وَالْبَحْثُ فِيهِ مِمَّا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِعَدَمِ تَرَتُّبِ شَيْءٍ عَلَيْهِ، غَيْرَ أَنْ نَقْطَعَ بِأَنَّهُمْ سَمِعُوا بِبِعْثَةِ رُسُلِ الْإِنْسِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف: ٣٠] وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ بِشَرِيعَةِ مُوسَى ﵇، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ الَّذِينَ سَخَّرَهُمُ اللَّهُ لِسُلَيْمَانَ كَانُوا يَأْتَمِرُونَ فِي الشَّرَائِعِ بِقَوْلِهِ، وَهُوَ كَانَ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهَلْ كَانَ عَلَى شَرْعٍ مُسْتَقِلٍّ أَوْ شَرْعِ مُوسَى؟ قُلْتُ: الظَّاهِرُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الْجَوَابِ الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرْعِ مُوسَى؛ لِأَنَّ شَرِيعَةَ التَّوْرَاةِ اسْتَمَرَّتْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى إِلَى أَنْ بُعِثَ عِيسَى، فَنَسَخَ بَعْضَهَا وَأَمَرَ بِاتِّبَاعِ بَعْضٍ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ عَلَى شَرِيعَةِ مُوسَى، بَلْ صَرِيحٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الرَّابِعُ) :
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: قَالَ شَيْخُنَا - يَعْنِي فِي الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: لَيْسَ الْجِنُّ كَالْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، فَلَا يَكُونُ مَا أُمِرُوا بِهِ وَمَا نُهُوا عَنْهُ مُسَاوِيًا لِمَا عَلَى الْإِنْسِ فِي الْحَدِّ وَالْحَقِيقَةِ، لَكِنَّهُمْ مُشَارِكُوهُمْ فِي جِنْسِ التَّكْلِيفِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَقَدْ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى مُنَاكَحَتِهِمْ وَغَيْرِهَا.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَدْ يَقْتَضِيهِ إِطْلَاقُ أَصْحَابِنَا. وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ لَا تَصِحُّ لِجِنِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِالتَّمْلِيكِ كَالْهِبَةِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِنَ انْتِفَاءِ التَّمْلِيكِ
стр. 676
مِنَّا مَنْعُ الْوَطْءِ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ مَالٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] ، وَقَالَ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١] قَالَ: وَقَدْ جَعَلَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي شُرُوطِ الْكَفَاءَةِ فَهَهُنَا أَوْلَى، قَالَ: وَمَنَعَ مِنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ، وَجَوَّزَهُ مِنْهُمُ ابْنُ يُونُسَ فِي شَرْحِ الْوَجِيزِ. قَالَ فِي مَسَائِلِ حَرْبٍ: بَابُ مُنَاكَحَةِ الْجِنِّ ثُمَّ رَوَى عَنِ الْحُسْنِ وَقَتَادَةَ وَالْحَكَمِ وَإِسْحَاقَ كَرَاهَتَهَا، وَرَوَى مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ نِكَاحِ الْجِنِّ» .
وَعَنْ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جِنِّيَّةً أَتَزَوَّجُهَا تُصَاحِبُنِي حَيْثُ مَا كُنْتُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ يَذْكُرْ حَرْبٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ شَيْئًا، وَعَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي الدِّينِ، وَلَكِنَّنِي أَكْرَهُ إِذَا وُجِدَتِ امْرَأَةٌ حَامِلٌ فَقِيلَ: مَنْ زَوْجُكِ؟ قَالَتْ: مِنَ الْجِنِّ، فَيَكْثُرُ الْفَسَادُ. انْتَهَى.
وَذَكَرَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ آثَارًا وَأَخْبَارًا عَنِ السَّلَفِ وَالْعُلَمَاءِ تَدُلُّ عَلَى وُقُوعِ التَّنَاكُحِ بَيْنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ.
وَقَدْ حَدَّثَنِي بِوُقُوعِهِ جَمَاعَةٌ مَعَهُمْ أَنْفُسِهِمْ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وَإِنْ ظَهَرَ مَخَايِلُ ثُبُوتِهِ، فَأَنَا عَلَى شَكٍّ مِنْهُ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
[جنة النعيم للأبرار]
((وَجَنَّةُ النَّعِيمِ لِلْأَبْرَارِ ... مَصُونَةٌ عَنْ سَائِرِ الْكُفَّارِ))
((وَجَنَّةُ النَّعِيمِ)) : اعْلَمْ أَنَّ لِلْجَنَّةِ عِدَّةَ أَسْمَاءٍ بِاعْتِبَارِ صِفَاتِهَا، وَمُسَمَّاهَا وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ الذَّاتِ، فَهِيَ مُتَرَادِفَةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَهَكَذَا أَسْمَاءُ الرَّبِّ تَعَالَى، وَأَسْمَاءُ كِتَابِهِ، وَأَسْمَاءُ رُسُلِهِ، وَأَسْمَاءُ الْيَوْمِ الْآخِرِ، وَأَسْمَاءُ النَّارِ، فَالِاسْمُ الْعَامُّ الْجَنَّةُ الْمُتَنَاوِلُ لِتِلْكَ الدَّارِ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ النَّعِيمِ وَاللَّذَّةِ وَالْبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ وَقُرَّةِ الْعَيْنِ، وَأَصْلُ اشْتِقَاقِهَا مِنَ السَّتْرِ وَالتَّغْطِيَةِ، وَمِنْهُ الْجَنِينُ لِاسْتِتَارِهِ فِي الْبَطْنِ، وَالْجَانُّ لِاسْتِتَارِهِمْ عَنِ الْعُيُونِ، وَالْمِجَنُّ لِسَتْرِهِ وَوِقَايَتِهِ الْوَجْهَ، وَالْمَجْنُونُ لِاسْتِتَارِ عَقْلِهِ وَتَوَارِيهِ، وَالْجَانُّ وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ الدَّقِيقَةُ، وَمِنْهُ تَسْمِيَةُ الْبُسْتَانِ جَنَّةٌ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ دَاخِلَهُ بِالْأَشْجَارِ وَيُغَطِّيهِ، فَلَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ إِلَّا مَوْضِعٌ كَثِيرُ الشَّجَرِ مُخْتَلِفُ الْأَنْوَاعِ، وَالْجُنَّةُ بِالضَّمِّ مَا يُسْتَجَنُّ بِهِ مِنْ تُرْسٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المجادلة: ١٦] يَتَتَرَّسُونَ بِهَا مِنْ إِنْكَارِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، وَمِنْهُ الْجِنَّةُ بِالْكَسْرِ، وَهُمُ الْجِنُّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ
стр. 677
تَعَالَى ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [هود: ١١٩] وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يُسَمَّوْنَ جِنَّةً، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: ١٥٨] وَقَالُوا هَذَا النَّسَبُ قَوْلُهُمْ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، وَرَجَّحُوهُ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّسَبَ الَّذِي جَعَلُوهُ إِنَّمَا زَعَمُوا أَنَّهُ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَبَيْنَهُ لَا بَيْنَ الْجِنِّ وَبَيْنَهُ، الثَّانِي قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] أَيْ: عَلِمَتِ الْمَلَائِكَةُ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا هَذَا الْقَوْلَ مُحْضَرُونَ الْعَذَابَ.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ (حَادِي الْأَرْوَاحِ إِلَى مَنَازِلِ الْأَفْرَاحِ) : وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْجِنَّةَ هُمُ الْجِنُّ أَنْفُسُهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [هود: ١١٩] وَعَلَى هَذَا فَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ قَالَ: قَالَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵃: فَمَنْ أُمَّهَاتُهُمْ؟ قَالُوا: سَرَوَاتُ الْجِنِّ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: تَزَوَّجَ مِنَ الْجِنِّ فَخَرَجَ مِنْ بَيْنِهِمُ الْمَلَائِكَةُ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَالُوا صَاهَرَ الْجِنَّ، وَالْقَوْلُ الثَّانِي قَوْلُ الْحَسَنِ، قَالَ: أَشْرَكُوا الشَّيَاطِينَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ فَهُوَ النَّسَبُ الَّذِي جَعَلُوهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَالصَّحِيحُ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات: ١٥٨] فَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى الْجِنَّةِ، أَيْ: قَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ أَنَّهُمْ مُحْضَرُونَ لِلْحِسَابِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، أَيْ: لَوْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ نَسَبٌ لَمْ يَحْضُرْهُمُ الْحِسَابُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨] ، فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ عُقُوبَتَهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَإِحْضَارَهُمْ لِلْعَذَابِ مُبْطِلًا لِدَعْوَاهُمُ الْكَاذِبَةِ، وَهَذَا التَّقْدِيرُ فِي الْآيَةِ أَبْلَغُ فِي إِبْطَالِ قَوْلِهِمْ مِنَ التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ. انْتَهَى.
وَمِنْ أَسْمَاءِ الْجَنَّةِ جَنَّاتُ النَّعِيمِ، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] قَالَ فِي حَادِي الْأَرْوَاحِ: وَهَذَا أَيْضًا اسْمٌ جَامِعٌ لِجَمِيعِ الْجِنَانِ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الْأَنْوَاعِ الَّتِي يُتَنَعَّمُ بِهَا مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَالْمَلْبُوسِ وَالصُّوَرِ وَالرَّائِحَةِ وَالْمَنْظَرِ الْبَهِيجِ وَالْمَسَاكِنِ الْوَاسِعَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ النَّعِيمِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ. وَقَوْلُهُ فِي النَّظْمِ ((لِلْأَبْرَارِ)) إِشَارَةً إِلَى أَنَّ هَذِهِ اللَّامَ لَامُ الِاخْتِصَاصِ وَالِاسْتِحْقَاقِ، فَلَا يَدْخُلُهَا وَيَسْكُنُهَا غَيْرُهُمْ، وَالْأَبْرَارُ جَمْعُ بَارٍّ، وَهُوَ كَثِيرُ الْبِرِّ، وَالْبِرُّ اسْمٌ جَامِعٌ لِلْخَيْرِ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] إِنَّ الْبِرَّ الْجَنَّةُ،
стр. 678
وَفِي الْقَامُوسِ: الْبِرُّ الصِّلَةُ الْحَسَنَةُ وَالْخَيْرُ وَالصِّدْقُ وَالطَّاعَةُ كَالتَّبَرُّرِ، وَضِدُّهُ الْعُقُوقُ كَالْمَبَرَّةِ. وَالْبَرُّ بِالْفَتْحِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى، وَالصَّادِقُ وَالْكَثِيرُ الْبِرِّ، وَيُجْمَعُ الْبَارُّ أَيْضًا عَلَى بَرَرَةٍ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عِدَّةَ آيَاتٍ يَخُصُّ الْجَنَّةَ بِأَهْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْجَنَّةِ ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة: ٢٥] وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان: ٨] وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ وَمَدَارُهُ عَلَى ثَلَاثِ قَوَاعِدَ إِيمَانٍ وَتَقْوَى وَعَمَلٍ خَالِصٍ لِلَّهِ عَلَى مُوَافَقَةِ السُّنَّةِ، فَأَهْلُ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ هُمُ الْأَبْرَارُ، وَهُمْ أَهْلُ الْبُشْرَى دُونَ مَنْ عَادَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ، وَعَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ أَشْيَاءَ دَارَتْ بِشَارَاتُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ جَمِيعُهَا، وَهِيَ تَجْتَمِعُ فِي أَصْلَيْنِ، إِخْلَاصٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَإِحْسَانٍ إِلَى خَلْقِهِ، وَتَرْجِعُ إِلَى خَصْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ مُوَافَقَةُ الرَّبِّ تَعَالَى فِي مَحَابِّهِ، وَلَا طَرِيقَ إِلَى ذَلِكَ إِلَّا بِتَحْقِيقِ الْقُدْوَةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَأَمَّا الْأَعْمَالُ الَّتِي هِيَ تَفَاصِيلُ هَذَا الْأَصْلِ فَهِيَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَبَيْنَ هَاتَيْنِ الشُّعْبَتَيْنِ سَائِرُ الشُّعَبِ الَّتِي مَرْجِعُهَا إِلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ، وَطَاعَتِهِ فِي جَمِيعِ مَا أَمَرَ بِهِ إِيجَابًا وَاسْتِحْبَابًا، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ تَحْرِيمًا وَكَرَاهَةً، وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَالَ اللَّهُ : أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ.
فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] » رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: حُفَّتْ بَدَلَ حُجِبَتْ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» ".
стр. 679
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ.
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مِفْتَاحَ الْجَنَّةِ كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ، وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ مَرْفُوعًا: " «مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ". قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ (التَّوْحِيدُ) : فِي سَنَدِهِ انْقِطَاعٌ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا وَلَهُ أَسْنَانٌ، فَإِنْ أَتَيْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحُ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَيْنُ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبُ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْرِبُوا لَهُ مَثَلًا، فَقَالُوا: مَثَلُهُ مَثَلُ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجِبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا يَفْقَهَهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْعَيْنُ نَائِمَةٌ وَالْقَلْبُ يَقْظَانُ، الدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ» .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ بِلَفْظِ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " إِنِّي رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَى رَأْسِي، وَمِيكَائِيلَ عَلَى رِجْلِي ". فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ: " فَاللَّهُ هُوَ الْمَلِكُ، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْبَيْتُ الْجَنَّةُ، وَأَنْتَ يَا مُحَمَّدُ رَسُولُ اللَّهِ، فَمَنْ أَجَابَكَ دَخَلَ الْإِسْلَامَ، وَمَنْ دَخَلَ الْإِسْلَامَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَكَلَ مِمَّا فِيهَا» "، ((مَصُونَةٌ)) أَيْ: جَنَّةُ النَّعِيمِ مَحْفُوظَةٌ وَمَحْمِيَّةٌ ((عَنْ سَائِرِ)) أَيْ: جَمِيعِ ((الْكُفَّارِ)) سَوَاءٌ كَانَ كُفْرُهُمْ بِالشِّرْكِ أَوِ الْجُحُودِ أَوْ إِنْكَارِ النُّبُوَّاتِ أَوْ إِنْكَارِ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، أَوِ اسْتِحْلَالِ مَا عُلِمَ تَحْرِيمُهُ أَوْ تَحْرِيمُ مَا عُلِمَ حِلُّهُ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوْ جَحُودِ مَا عُلِمَ مَجِيءُ النَّبِيِّ ﷺ بِهِ بِالضَّرُورَةِ، أَوْ إِنْكَارِ الْمَعَادِ الْجُسْمَانِيِّ، أَوْ جُحُودِ الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، أَوْ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، أَوْ إِنْقَاصِ مَلَكٍ أَوْ نَبِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَالْجَنَّةُ لَا تَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَمَّا أَهْلُ الْكُفْرِ وَالْجُحُودِ فَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِمْ زَمَنٌ أُولِدَ لَهُمُ الْخُلُودُ فَلَا يُفَتَّرُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا يَنْقَطِعُ، وَلَا إِنْ بَكَى أَحَدُهُمْ وَاسْتَغَاثَ يَنْتَفِعُ، فَعَذَابُهُمْ مُتَوَاصِلٌ فِي دَارِ الْهَوَانِ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ.
стр. 680
كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ - لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٤ - ٧٥] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] وَقَالَ: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يَنْصُرُونَ﴾ [البقرة: ٨٦] وَالْآيَاتُ فِي مِثْلِ هَذَا كَثِيرَةٌ، وَسَأَلَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ أَبَا بَرْزَةَ عَنْ أَشَدِّ آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ النَّارِ، قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأَ ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠] فَقَالَ: " هَلَكَ الْقَوْمُ بِمَعَاصِيهِمْ لِلَّهِ » ". أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَكَذَا الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ: لَمْ أَعْرِفْهُ.
وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] . . . إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١] فَأَشْعَرَتِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ بِخَطَرِ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَعِظَمِ مِقْدَارِهَا عِنْدَ رَبِّهَا، فَإِنَّ السِّلْعَةَ إِذَا خَفِيَ عَلَيْكَ قَدْرُهَا فَانْظُرِ الْمُشْتَرِي لَهَا مَنْ هُوَ، وَانْظُرْ إِلَى الثَّمَنِ الْمَبْذُولِ فِيهَا مَا هُوَ، وَانْظُرْ إِلَى مَنْ جَرَى عَلَى يَدِهِ عَقْدُ التَّبَايُعِ، فَالسِّلْعَةُ النَّفْسُ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُشْتَرِي لَهَا، وَالثَّمَنُ جَنَّاتُ النَّعِيمِ، وَالسَّفِيرُ فِي هَذَا الْعَقْدِ خَيْرُ خَلْقِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ وَخَيْرُهُمْ مِنَ الْبَشَرِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ.
وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ» ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ «أَمَرَ بِلَالًا يُنَادِي فِي النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَفِي لَفْظٍ: مُؤْمِنَةٌ» .
وَفِي مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ (عَبَّاسٍ عَنْ) عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ " «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ» " وَفِي الْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ.
وَفِي كِتَابِ صِفَةِ الْجَنَّةِ لِأَبِي نُعَيْمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبَانَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: مَا ثَمَنُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: " لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ".
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ (حَادِي الْأَرْوَاحِ) : وَشَوَاهِدُ هَذَا الْحَدِيثِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: " تَعْبُدُ اللَّهَ
стр. 681
لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ " قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ ﷺ : " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا» " وَفِي مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: «أَتَى النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَةَ وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ أَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ» .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ". وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «آتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي فَأَخْبَرَنِي - أَوْ قَالَ: فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ عُتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ» " وَفِي هَذَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ تَزِيدُ عَلَى حَدِّ التَّوَاتُرِ.
[خلود الجنة والنار]
((وَاجْزِمْ بِأَنَّ النَّارَ كَالْجَنَّةِ فِي ... وُجُودِهَا وَأَنَّهَا لَمْ تَتْلَفِ))
((وَاجْزِمْ)) جَزْمَ إِيقَافٍ وَعِرْفَانٍ وَتَصْدِيقٍ وَإِذْعَانٍ ((بِأَنَّ النَّارَ)) وَمَا فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الْعَذَابِ وَالْهَوَانِ وَالْبَوَارِ وَالزَّبَانِيَةِ وَالْأَغْلَالِ وَالْعَقَارِبِ كَالْبِغَالِ وَنَحْوِهَا مَوْجُودٌ الْآنَ، وَمِنْ قَبْلِ الْآنَ ((كَمَا)) أَنَّ ((الْجَنَّةَ)) وَمَا فِيهَا مِنَ الْوِلْدَانِ وَالْحُورِ وَالنَّعِيمِ وَالْحُبُورِ وَالْحُلَلِ وَالتِّيجَانِ وَالْفَوَاكِهِ وَالدُّورِ وَالْفُرُشِ وَالْقُصُورِ وَجَمِيعِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَلَاذِّ وَالسُّرُورِ مَوْجُودٌ الْآنَ، وَقَبْلَ الْآنَ، فَالنَّارُ ((فِي وُجُودِهَا)) الْآنَ كَالْجَنَّةِ فَهُمَا مَوْجُودَتَانِ، قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي كِتَابِهِ: (حَادِي الْأَرْوَاحِ) : لَمْ يَزَلْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ، وَالتَّابِعُونَ وَتَابِعُوهُمْ وَأَهْلُ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ قَاطِبَةً، وَفُقَهَاءُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُ التَّصَوُّفِ وَالزُّهْدِ عَلَى اعْتِقَادِ ذَلِكَ وَإِثْبَاتِهِ
стр. 682
مُسْتَنِدِينَ فِي ذَلِكَ إِلَى نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ أَخْبَارِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ دَعُوا الْأُمَمَ إِلَيْهَا وَأَخْبَرُوا بِهَا، إِلَى أَنْ نَبَغَتْ نَابِغَةٌ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، فَأَنْكَرَتْ أَنْ تَكُونَ الْجَنَّةُ كَالنَّارِ الْآنَ مَخْلُوقَةٌ، وَقَالُوا:
بَلِ اللَّهُ يُنْشِئُهَا يَوْمَ الْمَعَادِ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَصْلُهُمُ الْفَاسِدُ الَّذِي وَضَعُوا بِهِ شَرِيعَةً فِيمَا يَفْعَلُهُ اللَّهُ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا، وَلَا يَنْبَغِيَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا، وَقَاسُوهُ سُبْحَانَهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي أَفْعَالِهِ، فَهُمْ مُشَبِّهَةٌ فِي الْأَفْعَالِ، وَدَخَلَ التَّجَهُّمُ فِيهِمْ فَصَارُوا مَعَ ذَلِكَ مُعَطِّلَةً فِي الصِّفَاتِ وَقَالُوا: خَلْقُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ قَبْلَ الْجَزَاءِ عَبَثٌ، فَإِنَّهُمَا يَصِيرَانِ مُعَطَّلَتَيْنِ مُدَدًا مُتَطَاوِلَةً لَيْسَ فِيهِمَا سَاكِنُهُمَا، قَالُوا:
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَلِكًا لَوِ اتَّخَذَ دَارًا وَأَعَدَّ فِيهَا الْأَلْوَانَ وَالْأَطْعِمَةَ وَالْآلَاتِ وَالْمَصَالِحَ وَعَطَّلَهَا مِنَ النَّاسِ وَلَمْ يُمَكِّنْهُمْ مِنْ دُخُولِهَا قُرُونًا مُتَطَاوِلَةً لَمْ يَكُنْ مَا فَعَلَهُ وَاقِعًا عَلَى وَجْهِ الْحِكْمَةِ، وَوَجَدَ الْعُقَلَاءُ سَبِيلًا إِلَى الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ.
فَحَجَرُوا عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى بِعُقُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ وَآرَائِهِمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي وَضَعُوهَا، وَحَرَّفُوهَا عَنْ مَوَاضِعِهَا، وَضَيَّعُوهَا وَضَلَّلُوا كُلَّ مَنْ خَالَفَ بِدْعَتَهُمْ هَذِهِ الْقَبِيحَةَ، وَبَدَّعُوا مَنِ انْصَرَفَ عَنْ شِرْعَتِهِمْ هَذِهِ الْفَضِيحَةِ، وَالْتَزَمُوا لَهَا لَوَازِمَ أَضْحَكُوا عَلَيْهِمْ فِيهَا الْعُقَلَاءَ، وَقَبَّحَ عَلَيْهِمْ رَأْيَهُمْ بِسَبَبِهَا النُّبَلَاءُ، وَلِهَذَا صَارَ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَمَنْ نَحَا نَحْوَهُمْ يَذْكُرُونَ فِي عَقَائِدِهِمْ أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ، وَيَذْكُرُ مَنْ صَنَّفَ فِي الْمَقَالَاتِ أَنَّ هَذِهِ مَقَالَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ قَاطِبَةً لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا، مِنْهُمُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ إِمَامُ كُلِّ أَشْعَرِيٍّ فِي كِتَابِهِ (مَقَالَاتِ الْإِسْلَامِيِّينَ، وَاخْتِلَافِ الْمُصَلِّينَ) وَفِيهِ: وَأَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مَخْلُوقَتَانِ، وَقَدْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى، وَرَأَى عِنْدَهَا الْجَنَّةَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ فِي صِفَةِ الْإِسْرَاءِ وَفِي آخِرِهِ: " «ثُمَّ انْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَتَى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى فَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ» ".
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
стр. 683
الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، يُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَقَدْ رَأَى ﷺ الْجَنَّةَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ حَتَّى هَمَّ أَنْ يَتَنَاوَلَ عُنْقُودًا مِنْ عِنَبِهَا، وَرَأَى النَّارَ فَلَمْ يَرَى مَنْظَرًا أَفْظَعَ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا.
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي قِصَّةِ ذَلِكَ، وَفِيهِ " «لَقَدْ أُدْنِيَتِ الْجَنَّةُ حَتَّى لَوْ بَسَطْتُ يَدِي لَتَعَاطَيْتُ مِنْ قُطُوفِهَا، وَلَقَدْ أُدْنِيَتِ النَّارُ مِنِّي حَتَّى لَقَدْ جَعَلْتُ أَتَّقِيهَا خَشْيَةَ أَنْ تَغْشَاكُمْ» " الْحَدِيثَ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْتُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا " قَالُوا: وَمَاذَا رَأَيْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالسُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إِلَى الْجَنَّةِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، فَرَجَعَ، وَقَالَ: بِعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا.
فَأَمَرَ بِالْجَنَّةِ فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، فَقَالَ: فَارْجِعْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، وَمَا أَعْدَدْتُ لِأَهْلِهَا فِيهَا، قَالَ:
فَنَظَرَ إِلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ:
وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ إِلَى النَّارِ فَنَظَرَ إِلَيْهَا يَرْكَبُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَقَالَ: لَا يَدْخُلُهَا أَحَدٌ، فَلَمَّا حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ قَالَ:
وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَنْجُوَ مِنْهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا» ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وَدُخُولُهُ ﷺ وَرُؤْيَتُهُ نَهْرَ الْكَوْثَرِ وَقُصُورًا فِي الْجَنَّةِ وَحُورَهَا وَثِمَارَهَا وَدُورَهَا وَقُصُورَهَا، وَقِصَّةُ آدَمَ وَخُرُوجُهُ مِنْهَا، وَأَضْعَافُ أَضْعَافِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْقَطْعِيَّةِ الَّتِي يَفُوتُ عَدُّهَا، وَيَتَعَسَّرُ حَدُّهَا، وَيَعْلَمُ الْمُنْصِفُ أَنَّ الْعُدُولَ عَنْ مَضْمُونِهَا مُكَابَرَةٌ، وَرَدٌّ لِلْأَخْبَارِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
((وَ)) اجْزِمْ أَيْضًا ((أَنَّهَا)) أَيِ النَّارُ ((لَمْ تَتْلَفْ)) أَيْ لَمْ تَهْلَكْ وَتَبِدْ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ تَلِفَ كَفَرِحَ: هَلَكَ، وَأَتْلَفَهُ أَفْنَاهُ، وَالْمُتْلَفُ كَالْمُقْعَدِ: الْمُهْلَكُ.
يَعْنِي أَنَّ النَّارَ لَا تَفْنَى وَلَا يَفْنَى مَا فِيهَا كَالْجَنَّةِ وَمَا فِيهَا.
قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ فِي حَادِي الْأَرْوَاحِ: أَمَّا أَبَدِيَّةُ الْجَنَّةِ وَأَنَّهَا لَا تَفْنَى وَلَا تَبِيدُ فَمِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ
стр. 684
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ بِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] أَيْ: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، وَلَا تَنَافٍ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧] ، نَعَمِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ، فَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ فِي الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ فَيُدْخَلُونَ الْجَنَّةَ، يَقُولُ سُبْحَانَهُ: إِنَّهُمْ خَالِدُونَ فِي الْجَنَّةِ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مُدَّةَ مُكْثِهِمْ فِي النَّارِ.
(وَقَالَتْ فِرْقَةٌ) : الْعَزِيمَةُ وَقَعَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ بِالْخُلُودِ الدَّائِمِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ خِلَافَ ذَلِكَ إِعْلَامًا لَهُمْ بِأَنَّهُمْ مَعَ خُلُودِهِمْ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ لِنَبِيِّهِ ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى: ٢٤] ، وَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [يونس: ١٦] ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِمَّا يُخْبِرُ بِهِ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِمَشِيئَتِهِ، مَا شَاءَ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ.
(وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى) : الْمُرَادُ مُدَّةُ دَوَامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي هَذَا الْعَالَمِ، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِي الْجَنَّةِ مُدَّةَ دَوَامِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَزِيدَهُمْ عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ إِلَّا بِمَعْنَى سِوَى، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْمَعْنَى خَالِدِينَ فِيهَا مُدَّةَ الْعَالَمِ سِوَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَزِيدَهُمْ مِنَ الْخُلُودِ عَلَى مُدَّةِ الْعَالَمِ.
(وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى) : الْمُرَادُ بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ سَمَاءُ الْجَنَّةِ وَأَرْضُهَا، وَهُمَا بَاقِيَتَانِ أَبَدًا، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ:
" «يُجَاءُ بِالْمَوْتِ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، فَيَطَّلِعُونَ مُشْفِقِينَ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَطَّلِعُونَ فَرِحِينَ، فَيُقَالُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، فَيُذْبَحُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتَ فِيهَا، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ وَلَا مَوْتَ فِيهَا ".
ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] .
وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا» . «وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ، ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ [مريم: ٣٩] : وَهَؤُلَاءِ فِي غَفْلَةِ أَهْلِ الدُّنْيَا ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] » ) ، أَخْرَجَهُ فِي التَّفْسِيرِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، «فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، فَيُؤْمَرُ بِذَبْحِهِ فَيُذْبَحُ» ". قَوْلُهُ فَيَشْرَئِبُّونَ:
стр. 685
هُوَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ بَعْدَهَا تَحْتِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ ثُمَّ مُوَحَّدَةٌ مُشَدَّدَةٌ، أَيْ: يَمُدُّونَ أَعْنَاقَهُمْ، وَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ لِلنَّظَرِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " «يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَيَدْخُلُ أَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، كُلٌّ خَالِدٌ فِيمَا هُوَ فِيهِ» ".
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عِنْدَهُمَا " «فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا عَلَى حُزْنِهِمْ» ".
وَفِي هَذَا عِدَّةُ أَحَادِيثَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَابْنِ مَاجَهْ، وَعَنْ أَنَسٍ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَالْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ، وَفِيهِ " «فَيُذْبَحُ كَمَا تُذْبَحُ الشَّاةُ، فَيَأْمَنُ هَؤُلَاءِ، وَيَنْقَطِعُ رَجَاءُ هَؤُلَاءِ» "، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْآيَاتِ الصَّرِيحَةِ وَالْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ خُلُودُ أَهْلِ الدَّارَيْنِ خُلُودًا مُؤَبَّدًا كُلٌّ بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ نَعِيمٍ وَعَذَابٍ أَلِيمٍ، وَعَلَى هَذَا إِجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَأَجْمَعُوا أَنَّ عَذَابَ الْكُفَّارِ لَا يَنْقَطِعُ، كَمَا أَنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يَنْقَطِعُ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةِ، وَزَعَمَتِ الْجَهْمِيَّةُ أَنَّ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ يَفْنَيَانِ، وَقَالَ هَذَا إِمَامُهُمْ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ إِمَامُ الْمُعَطِّلَةِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي ذَلِكَ سَلَفٌ قَطُّ لَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنَ التَّابِعِينَ وَلَا أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَلَا قَالَ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، نَعَمْ حَكَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي أَبَدِيَّةِ النَّارِ قَوْلَيْنِ.
وَحَاصِلُ ذَلِكَ كُلُّهُ سَبْعُ أَقْوَالٍ (أَحَدُهَا) :
قَوْلُ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا أَبَدًا بَلْ كُلُّ مَنْ دَخَلَهَا يَخْلُدُ فِيهَا أَبَدَ الْآبَادِ.
(وَالثَّانِي) :
قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ أَهْلَهَا يُعَذَّبُونَ مُدَّةً فِيهَا ثُمَّ تَنْقَلِبُ عَلَيْهِمْ، وَتَبْقَى طَبَائِعُهُمْ نَارِيَّةً يَتَلَذَّذُونَ بِالنَّارِ لِمُوَافَقَتِهَا طَبَائِعَهُمْ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَرَبِيٍّ الطَّائِيِّ فِي كِتَابِ فُصُوصِ الْحِكَمِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِ.
(الثَّالِثُ) :
قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ أَهْلَ النَّارِ يُعَذَّبُونَ فِيهَا إِلَى وَقْتٍ مَحْدُودٍ ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا، وَيَخْلُفُهُمْ فِيهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ الْيَهُودُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأَكْذَبَهُمْ فِيهِ، وَقَدْ أَكْذَبَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ - بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨٠ - ٨١] فَهَذَا الْقَوْلُ إِنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَعْدَاءِ اللَّهِ الْيَهُودِ، فَهُمْ
стр. 686
شُيُوخُ أَرْبَابِهِ وَالْقَائِلِينَ بِهِ، وَقَدْ دَلَّ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الدِّينِ عَلَى فَسَادِهِ.
(الرَّابِعُ) :
قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَتَبْقَى نَارًا بِحَالِهَا لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ يُعَذَّبُ، ذَكَرَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْفِرَقِ، قَالَ: وَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ يَرُدَّانِ هَذَا الْقَوْلَ.
(الْخَامِسُ) :
قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: تَفْنَى النَّارُ بِنَفْسِهَا لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ كَانَتْ بَعْدَ أَنْ لَمْ تَكُنْ، وَمَا ثَبَتَ حُدُوثُهُ اسْتَحَالَ بَقَاؤُهُ وَأَبَدِيَّتُهُ، وَهَذَا قَوْلُ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَشِيعَتِهِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ.
(السَّادِسُ) :
قَوْلُ مَنْ يَقُولُ: تَفْنَى حَيَاتُهُمْ وَحَرَكَاتُهُمْ وَيَصِيرُونَ جَمَادًا لَا يَتَحَرَّكُونَ وَلَا يُحِسُّونَ بِأَلَمٍ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ أَحَدِ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ طَرْدًا لِامْتِنَاعِ حَوَادِثَ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ عِنْدَهُ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
(السَّابِعُ) :
قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُفْنِيهَا لِأَنَّهُ رَبُّهَا وَخَالِقُهَا لِأَنَّهُ تَعَالَى - عَلَى زَعْمِ أَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ - جَعَلَ لَهَا أَمَدًا تَنْتَهِي إِلَيْهِ ثُمَّ تَفْنَى وَيَزُولُ عَذَابُهَا، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَقَدْ نُقِلَ هَذَا عَنْ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ.
وَلِشَيْخِ الْإِسْلَامِ وَتِلْمِيذِهِ الْإِمَامِ الْمُحَقِّقِ مَيْلٌ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَذَكَرَ عَلَى تَأْيِيدِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ وَجْهًا، ثُمَّ قَالَ:
وَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ صَوَابٍ فَمِنَ اللَّهِ، وَهُوَ الْمَانُّ بِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَطَإٍ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ، وَاللَّهُ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِلٍ وَقَصْدِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انْتَهَى.
وَقَدْ أَلَّفَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ الْكُرَّمِيُّ الْحَنْبَلِيُّ رِسَالَةً سَمَّاهَا تَوْقِيفَ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى خُلُودِ أَهْلِ الدَّارَيْنِ.
((تَنْبِيهٌ)) :
ذَهَبَ جَمْعٌ إِلَى أَنَّ الْمَوْتَ عَرَضٌ وَمَعْنًى، وَالْأَعْرَاضُ لَا تَنْقَلِبُ أَجْسَامًا، بَلْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَبِهِ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَأَجَابُوا عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] بِأَنَّ الْخَلْقَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ التَّقْدِيرُ، فَإِنْ قِيلَ: فَعَلَى هَذَا كَيْفَ يَأْتِي الْمَوْتُ فِي صُورَةِ كَبْشٍ فَيُذْبَحُ؟ فَالْجَوَابُ: نَقَلَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْوُقُوفُ عَنِ الْخَوْضِ فِي مَعْنَاهُ، فَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَكِلُ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ.
وَأَجَابَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ: لَعَلَّ هَذَا الْكَبْشَ فِي صُورَةِ مَلَكٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يَقْبِضُونَ أَرْوَاحَ الْخَلَائِقِ.
стр. 687
وَإِلَّا فَالْمَوْتُ فِي نَفْسِهِ عَدَمٌ مَحْضٌ رَاجِعٌ إِلَى سَلْبِ الْحَيَاةِ، أَوْ هُوَ اسْتَعَارَةٌ وَكِنَايَةٌ عَنِ الْخُلُودِ الدَّائِمِ، فَضُرِبَ الْمَثَلُ بِالْمَوْتِ وَلَا مَوْتَ هُنَاكَ حَقِيقَةً، انْتَهَى.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَوْتَ جِسْمٌ لَا عَرَضَ، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ فِي صُورَةِ كَبْشٍ، وَالْحَيَاةُ فِي صُورَةِ فَرَسٍ، قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَسَنٍ الْأَشْعَرِيُّ:
الْمَوْتُ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] وَالْعَدَمُ لَا يُخْلَقُ.
كُلُّ هَذَا مُلَخَّصٌ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ مَرْعِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: يُتَأَوَّلُ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ هَذَا الْجِسْمَ ثُمَّ يُذْبَحُ مِثَالًا، لِأَنَّ الْمَوْتَ لَا يَطْرَأُ عَلَى أَهْلِ الْآخِرَةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا غَيْرُ مَرْضِيٍّ وَلَا مُعَوَّلٍ عَلَيْهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ جِسْمٌ فِي صُورَةِ كَبْشٍ مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢] قَالَ:
الْحَيَاةُ فَرَسُ جِبْرِيلَ، وَالْمَوْتُ كَبْشٌ أَمْلَحُ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: خَلَقَ الْمَوْتَ فِي صُورَةِ كَبْشٍ لَا يَمُرُّ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا مَاتَ، وَخَلَقَ الْحَيَاةَ فِي صُورَةِ فَرَسٍ لَا يَمُرُّ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا حَيِيَ.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيَّانَ فِي كِتَابِ الْعَظَمَةِ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ:
خَلَقَ اللَّهُ الْمَوْتَ كَبْشًا أَمْلَحَ مُسْتَتِرًا بِسَوَادٍ وَبَيَاضٍ، لَهُ أَرْبَعَةُ أَجْنِحَةٍ جَنَاحٌ تَحْتَ الْعَرْشِ، وَجَنَاحٌ فِي الثَّرَى، وَجَنَاحٌ فِي الْمَغْرِبِ، وَجَنَاحٌ فِي الْمَشْرِقِ، قَالَ لَهُ كُنْ فَكَانَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ ابْرُزْ فَبَرَزَ لِعِزْرَائِيلَ.
قُلْتُ: الَّذِي نَذْهَبُ إِلَيْهِ أَنَّ الْمَوْتَ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ، وَأَنَّهُ جِسْمٌ لَا عَرَضٌ، وَأَنَّهُ مَخْلُوقٌ فِي صُورَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، وَأَنَّ الْحَيَاةَ فِي صُورَةِ فَرَسٍ كَمَا صَحَّتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَارُ عَنِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَنَقَلَهُ الْأَئِمَّةُ وَدَوَّنَهُ الْجَهَابِذَةُ الْأَخْيَارُ، عَلَى أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ أَشَارَ إِلَى أَنَّ جَمِيعَ الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ عِنْدَنَا مُصَوَّرَةٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِصُوَرِ الْأَجْسَامِ، وَمُشَخَّصَةٌ بِهَيْئَةِ الْأَشْخَاصِ، وَإِنْ كُنَّا لَا نُحِسُّ ذَلِكَ لِكَوْنِنَا مَحْجُوبِينَ عَنْهُ، وَالْأَحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ نَاطِقَةٌ بِذَلِكَ شَاهِدَةٌ لَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ وَرَدَ عِدَّةُ أَخْبَارٍ أَنَّ الْأَعْمَالَ تُعْرَضُ فِي صُورَةِ أَشْخَاصٍ، الْإِسْلَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْمَعْرُوفُ وَالذِّكْرُ، فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
(فَائِدَةٌ)
ذُكِرَ فِي الْبُدُورِ السَّافِرَةِ أَنَّ عِنْدَ إِسْمَاعِيلَ بْنِ زِيَادٍ الشَّامِيِّ
стр. 688
فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى ذَبْحَ الْمَوْتِ جِبْرِيلُ ﵇، وَقِيلَ: يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا ﵉، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَتِمَّةٌ فِي ذِكْرِ مَكَانِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَأَيْنَ هُمَا عَلَى مُقْتَضَى الْآثَارِ) .
اعْلَمْ أَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ كَمَا قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ فِي مُحْكَمِ الْقُرْآنِ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى - عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٥] وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا يَنْتَهِي إِلَيْهَا مَا يَنْزِلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَمَا يَصْعَدُ إِلَيْهِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: هُوَ الْجَنَّةُ - وَتَلَقَّاهُ النَّاسُ عَنْهُ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: هُوَ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁ قَالَ: قَالَ أَكْرَمُ خَلِيقَةِ اللَّهِ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : " «إِنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ» ". وَرَوَى أَبُو نُعَيْمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، وَيَجْعَلُهَا اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ شَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَهَنَّمُ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ.
وَرَوَى ابْنُ مَنْدَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: الْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَعَلَهَا اللَّهُ حَيْثُ شَاءَ، وَالنَّارُ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَعَلَهَا اللَّهُ حَيْثُ شَاءَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَيْنَ الْجَنَّةُ؟ قَالَ:
فَوْقَ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ. قُلْتُ: فَأَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: تَحْتَ سَبْعَةِ أَبْحُرٍ مُطْبَقَةٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَنْدَهْ.
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ:
" «الْجَنَّةُ مِائَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» "، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فِي غَايَةِ الْعُلُوِّ، وَالِارْتِفَاعِ.
وَفِي لَفْظٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ " ( «إِنَّ فِي) الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِهِ» ". وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ يُرَجِّحُ هَذَا اللَّفْظَ، وَهُوَ لَا يَنْفِي أَنْ تَكُونَ دَرَجَةُ الْجَنَّةِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷺ : " «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» " أَيْ: مِنْ جُمْلَةِ أَسْمَائِهِ هَذَا الْعَدَدُ، فَيَكُونُ الْكَلَامُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فِي الْمَوْضِعَيْنِ.
стр. 689
وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ مَنْزِلَةَ نَبِيِّنَا ﷺ فَوْقَ هَذَا كُلِّهِ فِي دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَيْسَ فَوْقَهَا دَرَجَةٌ، وَتِلْكَ الْمِائَةُ يَنَالُهَا آحَادُ أُمَّتِهِ بِالْجِهَادِ.
وَقَالَ فِي (حَادِي الْأَرْوَاحِ) : وَالْجَنَّةُ مُقَبَّبَةٌ، أَعْلَاهَا أَوْسَعُهَا وَوَسَطُهَا وَهُوَ الْفِرْدَوْسُ، وَسَقْفُهُ الْعَرْشُ كَمَا قَالَهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: " «إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ وَسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ» ".
قَالَ فِي حَادِّي الْأَرْوَاحِ: قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ الْحَافِظُ: وَالصَّوَابُ رَاوِيَةُ مَنْ رَوَاهُ فَوْقُهُ بِضَمِّ الْقَافِ عَلَى أَنَّهَا اسْمُ الظَّرْفِ، أَيْ: وَسَقْفُهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَالْجَنَّةُ جَمِيعُهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، وَالْعَرْشُ سَقْفُهَا، فَإِنَّ الْكُرْسِيَّ وَسِعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَالْعَرْشُ أَكْبَرُ مِنْهُ، فَالْجَوَابُ: لَمَّا كَانَ الْعَرْشُ أَقْرَبَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ مِمَّا دُونَهُ مِنَ الْجِنَانِ بِحَيْثُ لَا جَنَّةَ فَوْقَهُ دُونَ الْعَرْشِ كَانَ سَقْفًا لَهُ دُونَ مَا تَحْتَهُ مِنَ الْجِنَانِ لِعِظَمِ سَعَةِ الْجَنَّةِ، وَغَايَةُ ارْتِفَاعِهَا يَكُونُ الصُّعُودُ مِنْ أَدْنَى إِلَى أَعْلَى بِالتَّدْرِيجِ شَيْئًا فَشَيْئًا دَرَجَةً فَوْقَ دَرَجَةٍ، كَمَا يُقَالُ لِقَارِئِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْقَ، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا، وَهَذَا يَحْتَمِلُ شَيْئَيْنِ: أَنْ تَكُونَ مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ آخِرِ حِفْظِهِ، وَأَنْ تَكُونَ عِنْدَ آخِرِ تِلَاوَتِهِ لِمَحْفُوظِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَارِيخٍ أَصْبَهَانَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ جَهَنَّمَ مُحِيطَةٌ بِالدُّنْيَا، وَإِنَّ الْجَنَّةَ وَرَائَهَا، فَلِهَذَا كَانَ الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» ".
وَأَخْرَجَ جُوَيْبِرٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مِنْ أَيْنَ يُجَاءُ بِجَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " يُجَاءُ بِهَا مِنَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ مُعَلَّقٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، تَصِيحُ إِلَيَّ أَهْلِي إِلَيَّ أَهْلِي، فَإِذَا كَانَتْ مِنَ الْعِبَادِ عَلَى مَسِيرَةِ مِائَةِ سَنَةٍ زَفَرَتْ زَفْرَةً، فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إِلَّا جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ يَقُولُ: رَبِّ نَفْسِي نَفْسِي» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «الْبَحْرُ هُوَ جَهَنَّمُ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا فِي الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبَى الْحُسَيْنِ قَالَ: الْبَحْرُ طَبَقُ
стр. 690
جَهَنَّمَ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ فِي الْعَظَمَةِ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: مَا رَأَيْتُ يَهُودِيًّا أَصْدَقَ مِنْ فُلَانٍ زَعَمَ أَنَّ نَارَ اللَّهِ الْكُبْرَى هِيَ الْبَحْرُ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ ثُمَّ بَعَثَ عَلَيْهِ الدَّبُورَ فَسَعَّرَتْهُ.
وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنْ كَعْبٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] قَالَ الْبَحْرُ يُسْجَرُ فَيَصِيرُ جَهَنَّمَ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ عَنْ وَهْبٍ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ أُمِرَ بِالْغَلَقِ فَيُكْشَفُ عَنْ سَقَرَ، وَهُوَ غِطَاؤُهَا فَتَخْرُجُ مِنْهُ، فَإِذَا وَصَلَتْ إِلَى الْبَحْرِ الْمُطْبِقِ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ وَهُوَ بَحْرُ الْبُحُورِ نَشَّفَتْهُ أَسْرَعَ مِنْ طَرْفَةِ الْعَيْنِ، وَهُوَ حَاجِزٌ بَيْنَ جَهَنَّمَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ، فَإِذَا نَشَفَ اشْتَعَلَتْ فِي الْأَرَضِينَ السَّبْعِ فَتَدَعُهَا جَمْرَةً وَاحِدَةً، وَقِيلَ: إِنَّ النَّارَ فِي السَّمَاءِ كَالْجَنَّةِ لِمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ فَلَمْ نُزَايِلْ طَرْفَةَ عَيْنٍ أَنَا وَجِبْرِيلُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَفُتِحَتْ لَنَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَرَأَيْتُ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ» ". وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فِي السَّمَاءِ فَقَرَأْتُ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿وَفِى السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات: ٢٢] فَكَأَنِّي لَمْ أَقْرَأْهَا» ".
وَلَيْسَ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ النَّارَ فِي السَّمَاءِ لِجَوَازِ أَنْ يَرَاهَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ فِي السَّمَاءِ، وَهَذَا الْمَيِّتُ يَرَى وَهُوَ فِي قَبْرِهِ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَلَيْسَتِ الْجَنَّةُ فِي الْأَرْضِ، وَثَبَتَ أَنَّهُ ﷺ رَآهُمَا وَهُوَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَهُوَ فِي الْأَرْضِ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ إِنْ ثَبَتَ وَفِيهِ أَنَّهُ رَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فِي السَّمَاءِ، فَالسَّمَاءُ ظُرْفٌ لِلرُّؤْيَةِ لَا لِلْمَرْئِيِّ. وَفِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ جِدًّا «أَنَّهُ ﷺ رَأَى الْجَنَّةَ وَالنَّارَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ» ، فَلَوْ صَحَّ حُمِلَ مَا ذَكَرْنَا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجَنَّةَ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَسَقْفُهَا الْعَرْشُ، وَأَنَّ النَّارَ فِي الْأَرْضِ السَّابِعَةِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُعْتَمَدِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، وَلَمَّا أَنْهَى الْكَلَامَ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَصَحَّحَ وُجُودَهُمَا الْآنَ وَبَقَائَهُمَا أَبَدًا بِلَا نِهَايَةٍ وَلَا حِسَابٍ، وَبَرْهَنَ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى مَكَانِهِمَا أَعْقَبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ:
стр. 691
[سؤالَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِالنَّعِيمِ وَالتَّنْعِيمِ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ عَذَابٍ]
((فَنَسْأَلُ اللَّهَ النَّعِيمَ وَالنَّظَرْ ... لِرَبِّنَا مِنْ غَيْرِ مَا شَيْنٍ غَبَرِ))
((فَنَسْأَلُ اللَّهَ)) الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ((النَّعِيمَ)) الْمُقِيمَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ بِأَنْوَاعِ مَلَاذِّهَا وَنَعِيمِهَا مَعَ كَوَاعِبِهَا وَحُورِهَا فِي خِيَامِهَا وَقُصُورِهَا وَعَرَصَاتِهَا وَدُورِهَا، وَبِمَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بِشْرٍ ((وَ)) نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ الْحَلِيمَ الْجَوَّادَ الْكَرِيمَ ((النَّظَرَ لِـ)) وَجْهِ ((رَبِّنَا)) وَخَالِقِنَا وَهَادِينَا الْكَرِيمِ مَعَ أَهْلِ الطَّاعَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَالْفَوْزَ وَالنَّجَاةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ((مِنْ غَيْرِ مَا)) زَائِدَةٌ لِمَزِيدِ النَّفْيِ، أَيْ: مِنْ غَيْرِ ((شَيْنٍ)) أَيْ: عَذَابٍ وَمُنَاقَشَةِ حِسَابٍ، وَتَوْبِيخٍ وَعِتَابٍ، وَالشَّيْنُ ضِدُّ الزَّيْنِ، فَإِنَّ مَنْ حَصَلَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ يَذْهَبُ زَيْنُهُ وَيَخْلُفُهُ شَيْنُهُ، وَالْمَشَايِنُ الْمَعَايِبُ ((غَبَرِ)) بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ، أَيْ: ذَهَبَ، وَالْمُرَادُ سَبَقَ، يَعْنِي مِنْ غَيْرِ سَابِقِ عَذَابٍ وَمُنَاقَشَةِ حِسَابٍ، يُقَالُ: غَبَرَ غُبُورًا مَكَثَ وَذَهَبَ، ضِدٌّ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَحْدِرُ فِيمَا غَبَرَ مِنَ السُّورَةِ أَيْ يُسْرِعُ فِي قِرَاءَتِهَا» .
قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: يَحْتَمِلُ الْغَابِرُ هَاهُنَا الْوَجْهَيْنِ - يَعْنِي الْمَاضِيَ وَالْبَاقِيَ - فَإِنَّهُ مِنَ الْأَضْدَادِ، قَالَ: وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَاضِي. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِ بِالنَّعِيمِ وَالتَّنْعِيمِ بِالنَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ مِنْ غَيْرِ سَابِقَةِ عَذَابٍ، وَلَا مُنَاقَشَةِ حِسَابٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنْ ذِكْرِ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، وَأَمَّا النَّظَرُ إِلَى مَوْلَانَا الْكَرِيمِ فَهُوَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ الْحَقِّ خِلَافًا لِأَهْلِ الضَّلَالِ وَالْحُمْقِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ:
[رؤية المؤمنين ربهم في الآخرة]
((فَإِنَّهُ يُنْظَرُ بِالْأَبْصَارِ ... كَمَا أَتَى فِي النَّصِّ وَالْأَخْبَارِ))
((فَإِنَّهُ)) سُبْحَانَهُ، وَتَعَالَى ((يُنْظَرُ بِالْأَبْصَارِ)) فِي دَارِ الْمُقَامَةِ وَالْقَرَارِ، بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ الدِّينِ الْأَبْرَارِ، وَسَلَفِ الْأَئِمَّةِ الْأَخْيَارِ ((كَمَا أَتَى)) أَيْ جَاءَ ((فِي النَّصِّ)) الْقُرْآنِيِّ، وَالتَّنْزِيلِ الرَّحْمَانِيِّ، أَصْلُ النَّصِّ أَقْصَى الشَّيْءِ وَغَايَتُهُ، وَفِي حَدِيثِ كَعْبٍ: «يَقُولُ الْجَبَّارُ: احْذَرُونِي فَإِنِّي لَا أَنَاصُ عَبْدًا إِلَّا عَذَّبْتُهُ، أَيْ: لَا أَسْتَقْصِي عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ وَالْحِسَابِ» ، وَرَوَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ مِثْلَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ: نَصُّ الْقُرْآنِ وَنَصُّ السُّنَّةِ، أَيْ: مَا دَلَّ ظَاهِرُ لَفْظِهِمَا عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَفِي كَلَامِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: مَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَنَصَّ لِلْحَدِيثِ مِنَ الزُّهْرِيِّ، أَيْ: أَرْفَعَ لَهُ وَأَسْنَدَ ((وَ)) كَمَا أَتَى فِي
стр. 692
((الْأَخْبَارِ)) النَّبَوِيَّةِ، وَالْآثَارِ السَّلَفِيَّةِ، وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ وَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَهْلُ الصِّدْقِ وَأَعْلَامُ الْأَئِمَّةِ، وَرُؤْيَةُ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَأَشْرَفُ، وَأَنْعَمُ نَعِيمِ الْجَنَّةِ قَدْرًا، وَأَعْلَاهُ وَأَغْلَاهُ خَطَرًا وَأَمْرًا، وَهِيَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى وَالنِّهَايَةُ الْعُظْمَى الَّتِي شَمَّرَ إِلَيْهَا السَّابِقُونَ، وَتَنَافَسَ فِيهَا الْمُتَنَافِسُونَ، وَاتَّفَقَ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ، وَالصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَأَئِمَّةُ السَّلَفِ وَالدِّينِ عَلَى ثُبُوتِهَا فِي دَارِ الْقَرَارِ، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا إِنْكَارٍ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَهَا أَهْلُ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ، وَالتَّجَهُّمِ وَالِاعْتِزَالِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُحْكَمِ الذِّكْرِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وَقَالَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] ، وَقَالَ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْفُجُورِ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ صُهَيْبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا! أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ! ، قَالَ: فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ» " ثُمَّ تَلَى هَذِهِ الْآيَةَ ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] يَعْنِي أَنَّهُ يَرْفَعُ الْمَوَانِعَ عَنِ الْإِدْرَاكِ عَنْ أَبْصَارِهِمْ حَتَّى يَرَوْهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ نُعُوتِ الْعَظَمَةِ وَالْجَلَالِ، فَذِكْرُ الْحِجَابِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْخَلْقِ لَا الْخَالِقِ، كَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي تَذْكِرَتِهِ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُنَادِيًا يُنَادِي بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ أَوَّلُهُمْ وَآخِرُهُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمُ الْحُسْنَى وَزِيَادَةً، الْحُسْنَى الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ الرَّحْمَنِ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا، وَاللَّالْكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. وَأَخْرَجُوا أَيْضًا، وَابْنُ أَبَى حَاتِمٍ مِثْلَهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا: " «الْحَسَنَةُ الْجَنَّةُ، وَالزِّيَادَةُ النَّظَرُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ» "، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ أَيْضًا وَأَبُو الشَّيْخِ وَاللَّالْكَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا: " «الْحَسَنَةُ وَالزِّيَادَةُ كَالَّذِي قَبْلَهُ سَوَاءً» " وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَلِكَ رَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ، وَعَنِ الصِّدِّيقِ ﵁ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ رَوَاهُ ابْنُ
стр. 693
جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو الشَّيْخِ وَاللَّالْكَائِيُّ وَالْآجُرِّيُّ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَأَبُو الشَّيْخِ وَاللَّالْكَائِيُّ وَالْآجُرِّيُّ، وَكَذَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، وَمِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، وَمِثْلُهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَعَامِرِ بْنِ سَعْدٍ الْبَجَلِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنَ التَّابِعِينَ.
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الرُّؤْيَةِ: هَذَا تَفْسِيرٌ قَدِ اسْتَفَاضَ، وَاشْتَهَرَ فِيمَا بَيْنُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَفَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ حَسَنَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ - قَالَ: نَظَرَتْ إِلَى الْخَالِقِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: نَاضِرَةٌ مِنَ النِّعَمِ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ - قَالَ: تَنْظُرُ إِلَى اللَّهِ نَظَرًا، وَقَالَ الْحَسَنُ: النُّضْرَةُ الْحُسْنُ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ - نَظَرَتْ إِلَى رَبِّهَا فَنَضَرَتْ بِنُورِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْكُرْزِيُّ: نَضَّرَ اللَّهُ تِلْكَ الْوُجُوهَ وَحَسَّنَهَا لِلنَّظَرِ إِلَيْهَا، وَمِثْلُهُ عَنْ مُجَاهِدٍ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَاللَّالْكَائِيُّ عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَرَزَ رَبُّنَا ﵎ فَيَرَاهُ الْخَلْقُ، وَيُحْجَبُ الْكُفَّارُ فَلَا يَرَوْنَهُ، وَرَوَى اللَّالْكَائِيُّ عَنْ أَشْهَبَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مَالِكًا هَلْ يَرَى الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَوْ لَمْ يَرَى الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يُعَاقِبِ الْكُفَّارَ بِالْحِجَابِ، فَقَالَ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] قِيلَ: فَإِنَّ قَوْمًا يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى، فَقَالَ مَالِكٌ: السَّيْفَ السَّيْفَ. وَأَخْرَجَ اللَّالْكَائِيُّ عَنِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] : فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَقَلَ ذَلِكَ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵁ مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥] : هُوَ النَّظَرُ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ . وَقَالَهُ مِنَ التَّابِعِينَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ كَمَا فِي حَادِي الْأَرْوَاحِ، فَهَذِهِ تَفَاسِيرُ هَذِهِ الْآيَاتِ مُسْنَدَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى
стр. 694
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ الْوَارِدَةُ فِي الرُّؤْيَةِ فَأَخْرَجَ اللَّالْكَائِيُّ فِي السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ مُفَضَّلِ بْنِ غَسَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: عِنْدِي سَبْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا فِي الرُّؤْيَةِ كُلُّهَا صِحَاحٌ.
وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ الصِّدِّيقِ وَأَنَسٍ وَجَابِرٍ وَجَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَصُهَيْبٍ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَلَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ وَأَبِي رَزِينٍ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَبُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ ﵃ أَجْمَعِينَ، فَفِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ نَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ " قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ؟ " قَالُوا: لَا، قَالَ: " فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ» " الْحَدِيثَ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ قَالَ: «كُنَّا جُلُوسًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَقَالَ: " إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ فَافْعَلُوا " ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] » وَقَدْ عَدَّدَ فِي حَادِي الْأَرْوَاحِ رُوَاةَ مَنْ رَوَى رُؤْيَةَ الْبَارِي فَزَادُوا عَنِ الْحَدِّ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: كَانَ التَّشْبِيهُ لِلرُّؤْيَا، وَهُوَ فِعْلُ الرَّائِي لَا الْمَرْئِيِّ، وَالْمَعْنَى: تَرَوْنَ رَبَّكُمْ رُؤْيَةً يَنْزَاحُ مَعَهَا الشَّكُّ، وَتَنْتَفِي مَعَهَا الرِّيبَةُ كَرُؤْيَتِكُمُ الْقَمَرَ لَا تَرْتَابُونَ وَلَا تَمْتَرُونَ، وَفِي لَفْظٍ: " لَا تُضَامُّونَ " وَرُوِيَ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَضَمِّ أَوَّلِهِ مِنَ الضَّيْمِ، أَيْ: لَا يَلْحَقُكُمْ فِي رُؤْيَتِهِ ضَيْمٌ وَلَا مَشَقَّةٌ، وَبِتَشْدِيدِهَا وَالْفَتْحَةِ عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّائَيْنِ، وَالْأَصْلُ: لَا تُضَامُونَ، أَيْ: لَا يُضَامُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا كَمَا يَفْعَلُ النَّاسُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ الْخَفِيِّ الَّذِي لَا يَسْهُلُ إِدْرَاكُهُ فَيَتَزَاحَمُونَ عِنْدَ ذَلِكَ يَنْظُرُونَ إِلَى جِهَةٍ يُضَامُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، يُرِيدُ: إِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ فِي مَكَانِهِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ، وَغَيْرِهِمَا أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّ نَاسًا
стр. 695
فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " نَعَمْ، فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ بِالظَّهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ فِي لَيْلَةِ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: " مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ ﵎ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا» " الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ، قَالَ سَعِيدٌ: أَفِيهَا سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ. ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ وَيَبْرُزُ لَهُمْ عَرْشُهُ، وَيَتَبَدَّى لَهُمْ فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ فَتُوضَعُ لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُمْ - وَمَا فِيهِمْ مَنْ دَنِيٍّ - عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَمَا يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: " نَعَمْ، هَلْ تُمَارُونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: " كَذَلِكَ لَا تُمَارُونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً حَتَّى يَقُولَ لِلرِّجَالِ مِنْهُمْ: يَا فُلَانُ بْنَ فُلَانٍ أَتَذْكُرُ يَوْمَ فَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيُذَكِّرُهُ بِبَعْضِ غَدَرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى بِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْتَ مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ» " الْحَدِيثَ.
وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا فِي الصِّحَاحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ يَرَى اللَّهَ ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁: يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَيُنَادَى: أَيْنَ الْمُتَّقُونَ؟ فَيَقُومُونَ فِي كَنَفِ الرَّحِمَنِ لَا يَحْتَجِبُ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَا يَسْتَتِرُ، فَقِيلَ لَهُ: مَنِ الْمُتَّقُونَ؟ قَالَ: قَوْمٌ اتَّقَوُا الشِّرْكَ وَعِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَأَخْلَصُوا لِلَّهِ الْعِبَادَةَ، فَيَمُرُّونَ مِنَ الْجَنَّةِ. وَلِهَذِهِ الْجَنَّةِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
[الكفار والمكذبين محجوبين عن رؤية الله]
((لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يُحْجَبِ ... إِلَّا عَنِ الْكَافِرِ وَالْمُكَذِّبِ))
стр. 696
((لِأَنَّهُ)) أَيِ: الرَّبَّ ((سُبْحَانَهُ)) وَتَعَالَى ((لَمْ يُحْجَبِ)) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ مَبْنِيًّا لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، أَيْ: لَمْ يَمْتَنِعْ سُبْحَانَهُ مِنْ أَنْ يُمَكِّنَ عِبَادَهُ مِنْ رُؤْيَتِهِ فِي دَارِ الْقَرَارِ ((إِلَّا عَنِ الْكَافِرِ)) بِاللَّهِ تَعَالَى، وَبِكُلِّ مُكَفِّرٍ اتَّصَفَ بِهِ، فَكُلُّ مَنْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِكُفْرِهِ فَهُوَ مَحْجُوبٌ عَنْ رُؤْيَةِ رَبِّهِ، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَالَ: مَا حَجَبَ اللَّهُ أَحَدًا عَنْهُ إِلَّا عَذَّبَهُ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ - ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ - ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٥ - ١٧] قَالَ بِالرُّؤْيَةِ، وَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إِنَّ عِنْدَنَا قَوْمًا مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ يُنْكِرُونَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ: إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، وَأَهْلُ الْجَنَّةِ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ، فَحَدَّثَنِي بِنَحْوِ عَشْرَةِ أَحَادِيثَ فِي هَذَا، وَقَالَ: أَمَّا نَحْنُ فَقَدَ أَخَذْنَا دِينَنَا هَذَا عَنِ التَّابِعِينَ، وَالتَّابِعُونَ أَخَذُوهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَهُمْ عَنْ مَنْ أَخَذُوهُ؟ . وَقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ: أَتَيْنَا أَبَا نُعَيْمٍ يَوْمًا فَنَزَلَ إِلَيْنَا مِنَ الدَّرَجَةِ الَّتِي فِي دَارِهِ فَجَلَسَ وَسَطَهَا كَأَنَّهُ مُغْضَبٌ، وَقَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ وَمُنْذِرٌ الثَّوْرِيُّ وَزُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَحَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَحَدَّثَنَا شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّخَعِيُّ، وَهَؤُلَاءِ أَبْنَاءُ الْمُهَاجِرِينَ يُحَدِّثُونَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يُرَى فِي الْآخِرَةِ حَتَّى أَنَّ يَهُودِيًّا صَبَّاغًا يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى - يَعْنِي بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ. وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونُ: لَمْ يَزَلْ يُمْلِي لَهُمْ - يَعْنِي الْمُبْتَدِعَةَ مِنَ الْجَهْمِيَّةِ أَوْ أَضَرَابِهِمْ - الشَّيْطَانُ حَتَّى جَحَدُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] فَقَالُوا: لَا يَرَاهُ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَجَحَدُوا وَاللَّهِ أَفْضَلَ كَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي أَكْرَمَ بِهَا أَوْلِيَاءَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَنَضْرَتَهُ إِيَّاهُمْ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَيَجْعَلَنَّ رُؤْيَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُخْلِصِينَ لَهُ ثَوَابًا لِيُنَضِّرَ بِهَا وُجُوهَهُمْ دُونَ الْمُجْرِمِينَ، وَيُفَلِّجَ بِهَا حُجَّتَهُمْ عَلَى الْجَاحِدِينَ، وَهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ لَا يَرَوْنَهُ كَمَا زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُرَى، وَلَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وَلِذَا قُلْنَا ((وَ)) يُحْجَبُ أَيْضًا عَنِ ((الْمُكَذِّبِ)) بِرُؤْيَتِهِ، وَتَكْلِيمِهِ لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ، وَكَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى
стр. 697
﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ - ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ - ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [المطففين: ١٥ - ١٧] قَالَ بِالرُّؤْيَةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا. وَقَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: مَنْ لَمْ يَقُلْ بِالرُّؤْيَةِ فَهُوَ جَهْمِيٌّ.
وَقَالَ وَقَدْ بَلَغَهُ عَنْ رَجُلٍ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ - أَوْ فَقَدْ كَفَرَ - عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ، أَلَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وَقَالَ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَمِعْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ إِنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ فَهُوَ كَافِرٌ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَرُّوذِيُّ: قِيلَ لَأَبَى عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ أَبِي الْعَطُوفِ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ ﵁: إِنِ اسْتَقَرَّ الْجَبَلَ فَسَوْفَ تَرَانِي، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فَلَا تَرَانِي فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ؟ فَغَضِبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ غَضَبًا شَدِيدًا حَتَّى تَبَيَّنَ فِي وَجْهِهِ، وَكَانَ قَاعِدًا وَالنَّاسُ حَوْلَهُ، فَأَخَذَ نَعْلَهُ وَانْتَعَلَ وَقَالَ: أَخْزَى اللَّهُ هَذَا، لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَبَ عَنْ هَذَا، وَدَفَعَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ (أَنْ يَكُونَ) رَوَاهُ أَوْ حَدَّثَ بِهِ، وَقَالَ: هَذَا جَهْمِيٌّ كَافِرٌ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَ اللَّهُ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وَقَالَ ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] يُخْزِي اللَّهُ هَذَا الْمُحَدِّثَ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا: مَنْ كَذَّبَ بِالرُّؤْيَةِ فَهُوَ زِنْدِيقٌ، قَالَ ﵁: نُؤْمِنُ بِهَا أَيِ الرُّؤْيَةِ وَأَحَادِيثِهَا وَنَعْلَمُ أَنَّهَا حَقٌّ فَنُؤْمِنُ بِأَنَّ اللَّهَ يُرَى، نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا نَشُكُّ فِيهِ وَلَا نَرْتَابُ.
وَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَكَذَّبَ بِالْقُرْآنِ وَرَدَّ عَلَى اللَّهِ أَمْرَهُ، فَيُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ، وَإِلَّا قُتِلَ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَسَأَلَهُ عَنْ أَحَادِيثِ الرُّؤْيَةِ، فَقَالَ: هَذِهِ أَحَادِيثُ صِحَاحٌ نُؤْمِنُ بِهَا، وَنُقِرُّ بِهَا، وَكُلُّ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ أَقْرَرْنَا بِهِ.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا لَمْ نُقِرَّ بِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَدَفَعْنَاهُ رَدَدْنَا عَلَى اللَّهِ أَمْرَهُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] )
стр. 698
(فَوَائِدُ)
(الْأُولَى) : قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي كِتَابِهِ نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ كَسَائِرِ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ: وَنَجْزِمُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْأَبْصَارِ، وَيُكَلِّمُهُمْ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ فِيهِمَا وَلَا يَرَاهُ الْكُفَّارُ، وَلَا يُكَلِّمُهُمْ، قَالَ: وَمَنْ أَنْكَرَ الرُّؤْيَةَ كَفَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ انْتَهَى.
وَفِي حَادِي الْأَرْوَاحِ: الرَّبُّ يُرَى وَلَا يُدْرَكُ، كَمَا يُعْلَمُ وَلَا يُحَاطُ بِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ وَالْأَئِمَّةُ ﵃ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ: لَا تُحِيطُ بِهِ الْأَبْصَارُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ وَلَا تُحِيطُ أَبْصَارُهُمْ بِهِ مِنْ عَظْمَتِهِ، وَبَصَرُهُ تَعَالَى يُحِيطُ بِهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فَالْمُؤْمِنُونَ يَرَوْنَ رَبَّهَمْ ﵎ بِأَبْصَارِهِمْ عِيَانًا، وَلَا تُدْرِكُهُ أَبْصَارُهُمْ بِمَعْنَى أَنَّهَا لَا تُحِيطُ بِهِ إِذْ كَانَ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِأَنَّ شَيْئًا يُحِيطُ بِهِ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ، وَهَكَذَا يُسْمِعُ كَلَامَهُ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، وَلَا يُحِيطُونَ بِكَلَامِهِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] مِنْ أَدَلِّ شَيْءٍ عَلَى أَنَّهُ يُرَى وَلَا يُدْرَكُ، فَهُوَ لِعَظَمَتِهِ يَتَعَالَى عَنْ أَنْ تُدْرِكَهُ الْأَبْصَارُ وَلَا تُحِيطَ بِهِ، وَلِلُطْفِهِ وَخِبْرَتِهِ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَهُوَ الْعَظِيمُ فِي لُطْفِهِ، اللَّطِيفُ فِي عَظَمَتِهِ، الْعَالِي فِي قُرْبِهِ، الْقَرِيبُ فِي عُلُوِّهِ، الَّذِي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]- ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] . انْتَهَى مُلَخَّصًا.
(الثَّانِيَةُ) : ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ إِلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَرَيْنَ اللَّهَ ﵎ فِي الْآخِرَةِ، وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ أَيْضًا مِنْهُمُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَتَبِعَهُ صَاحِبُ آكَامِ الْمَرْجَانِ وَابْنُ جَمَاعَةَ إِلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَرَوْنَ اللَّهَ أَيْضًا ﵎ فِي الْجَنَّةِ، وَهَذَا خِلَافُ التَّحْقِيقِ، فَإِنَّ النَّصَّ الصَّرِيحَ وَالْخَبَرَ الصَّحِيحَ يَرُدُّ هَذَا وَيُبْعِدُهُ وَيُبْطِلُهُ وَيَدْحَضُهُ وَيَطْرُدُهُ، فَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مَرْفُوعًا " «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ
стр. 699
رَأَى الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ فَأَحْدَثُهُمْ عَهْدًا بِالنَّظَرِ إِلَيْهِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، قَالَ: وَيَرَاهُ الْمُؤْمِنَاتُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى " أَيْ: فِي مِثْلِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى» ، وَعُمُومُ الْأَحَادِيثِ شَامِلَةٌ لِلنِّسَاءِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ.
وَأَخْرَجَ الْآجُرِّيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ كُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَرَى اللَّهَ تَعَالَى؟ قَالَ: نَعَمْ.
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، قَالَ: يَا مُوسَى إِنَّهُ لَنْ يَرَانِي أَحَدٌ إِلَّا مَاتَ، وَلَا يَابِسٌ إِلَّا تَدَهْدَهَ، وَلَا رَطْبٌ إِلَّا تَفَرَّقَ، وَإِنَّمَا يَرَانِي أَهْلُ الْجَنَّةِ الَّذِينَ لَا تَمُوتُ أَعْيُنُهُمْ، وَلَا تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ» ". وَبِظَاهِرِ حَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيِّ أَخَذَ ابْنُ كَثِيرٍ فَاخْتَارَ أَنَّ النِّسَاءَ يَرَيْنَ رَبَّهُمْ فِي الْأَعْيَادِ دُونَ الْجُمَعِ، وَبِهِ جَزَمَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ، لَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ أَقْوَى مِنْ حَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَاسْتَثْنَى الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ زَوْجَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَبَنَاتِهِ فَيَرَيْنَهُ تَعَالَى فِي غَيْرِ الْأَعْيَادِ، كَمَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرُ يَرَيَانِهِ تَعَالَى أَزْيَدَ مِنْ غَيْرِهِمَا مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قُلْتُ: وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَامْرَأَةُ فِرْعَوْنَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُسْتَثْنَيَاتِ، وَكَذَا نَحْوُهُمَا كَأُمِّ مُوسَى وَأُخْتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِي آخِرِ الْبُدُورِ السَّافِرَةِ لِلْحَافِظِ السُّيُوطِيِّ: وَقَعَ فِي كَلَامِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةٌ بِمُؤْمِنِي الْبَشَرِ، وَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا يَرَوْنَهُ، وَاحْتُجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] فَإِنَّهُ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ بِالْآيَةِ وَالْأَحَادِيثِ فِي الْمُؤْمِنِينَ فَيَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ فِي الْمَلَائِكَةِ.
قَالَ السُّيُوطِيُّ: وَقَدْ نَصَّ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى خِلَافِهِ فَقَالَ فِي كِتَابِ الرُّؤْيَةِ: ذِكْرُ مَا جَاءَ فِي رُؤْيَةِ الْمَلَائِكَةِ رَبَّهُمْ - فَأَخْرَجَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: خَلَقَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ لِعِبَادَتِهِ أَصْنَافًا، وَإِنَّ مِنْهُمْ لَمَلَائِكَةً قِيَامًا صَافِّينَ مِنْ يَوْمَ خَلَقَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَلَائِكَةً رُكُوعًا خُشُوعًا مِنْ يَوْمَ خَلَقَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، قَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ. ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَدِيِّ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى
стр. 700
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمْ مِنْ مَخَافَةِ مَا عِنْدَهُمْ، مَلَكٌ مَا تَقْطُرُ دَمْعَةٌ مِنْ عَيْنِهِ إِلَّا وَقَعَتْ مَلَكًا يُسَبِّحُ، وَمَلَائِكَةً سُجُودًا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَا يَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ وَلَا يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ قَالُوا: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ كَمَا يَنْبَغِي لَكَ» " انْتَهَى.
وَالْحَقُّ الَّذِي لَا مِرْيَةَ فِيهِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ تَعَالَى، بَلْ وَمُؤْمِنُو الْجِنِّ، إِمَّا فِي الْمَوْقِفِ فَجَزْمًا مَعَ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَإِمَّا فِي الْجَنَّةِ، فَفِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عَلَى مَا يَظْهَرُ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ إِلَّا أَنَّهُمْ دُونَ مُؤْمِنِي الْإِنْسِ فِي الرُّؤْيَةِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ رُؤْيَةَ الرَّبِّ ﷻ فِي الْمَوْقِفِ حَاصِلَةٌ حَتَّى لِمُنَافِقِي هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَمَّا الرُّؤْيَا فِي الْجَنَّةِ فَأَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّهَا حَاصِلَةٌ لِلْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالصِّدِّيقِينَ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ وَرِجَالِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْبَشَرِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمْ، وَقَدْ جَزَمَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي اللَّطَائِفِ بِأَنَّ كُلَّ يَوْمِ عِيدٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ عِيدٌ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ عَلَى زِيَارَةِ رَبِّهِمْ، وَيَتَجَلَّى لَهُمْ فِيهِ فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَمَا أَعْطَاهُمْ شَيْئًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] وَيَوْمُ الْجُمُعَةَ فِي الْجَنَّةِ يُدْعَى يَوْمَ الْمَزِيدِ،
стр. 701
وَيَوْمُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى يَجْتَمِعُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فِيهَا. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي اللَّطَائِفِ: رُوِيَ أَنَّهُ يُشَارِكُ النِّسَاءُ الرِّجَالَ فِيهِمَا كَمَا كُنَّ يَشْهَدْنَ الْعِيدَيْنِ مَعَ الرِّجَالِ دُونَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: فَهَذَا لِعُمُومِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَأَمَّا خَوَاصُّهُمْ فَكُلُّ يَوْمٍ لَهُمْ عِيدٌ يَزُورُونَ فِيهِ رَبَّهُمْ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، لِأَنَّ الْخَوَاصَّ كَانَتْ أَيَّامُ الدُّنْيَا كُلُّهَا لَهُمْ أَعْيَادًا، فَصَارَتْ أَيَّامُهُمْ فِي الْآخِرَةِ كُلُّهَا أَعْيَادًا، قَالَ الْحَسَنُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كُلُّ يَوْمٍ لَا يُعْصَى اللَّهُ فِيهِ فَهُوَ عِيدٌ، فَالْيَوْمُ الَّذِي يَقْطَعُهُ الْمُؤْمِنُ فِي طَاعَةِ مَوْلَاهُ وَذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ فَهُوَ لَهُ عِيدٌ. انْتَهَى مُلَخَّصًا.
وَفِي التَّذْكِرَةِ لِلْقُرْطُبِيِّ: إِنَّ النَّاسَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ فِي الْمَوْقِفِ ثُمَّ يُحْجَبُونَ إِلَى أَنْ لَا يَبْقَى فِي النَّارِ مِمَّنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ، فَيُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَرَوْنَهُ فِي الْجَنَّةِ، ثُمَّ لَا يُحْجَبُونَ بَعْدَ ذَلِكَ أَصْلًا، وَلَا فِي حَالِ تَمَتُّعَاتِهِمْ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْكُفَّارَ كَالْمُنَافِقِينَ يَرَوْنَهُ تَعَالَى ثُمَّ يُحْجَبُونَ عَنْهُ فَتَكُونُ الْحَجْبَةُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ، وَخَصَّ النَّوَوِيُّ الْخِلَافَ بِالْمُنَافِقِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ غَيْرُ الْمُنَافِقِ فَلَا يَرَاهُ تَعَالَى اتِّفَاقًا، كَمَا لَا يَرَاهُ غَيْرُ الْعُقَلَاءِ مِنْ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(الثَّالِثَةُ) : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي رُؤْيَةِ خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ لِرَبِّهِ إِلَهِ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ الَّتِي هِيَ فِي حَقِّهِ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَأَسْمَى، فَأَثْبَتَهَا حَبْرُ الْأُمَّةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَقَالَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، الْحَدِيثَ، ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، وَهَذَا قَوْلُ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالرَّبِيعِ بْنِ
стр. 702
سُلَيْمَانَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ - يَعْنِي رُؤْيَةَ الْبَارِي جَلَّ شَأْنُهُ - سَمْعًا بُقُولِهِ تَعَالَى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وَإِذَا جَازَتْ فِي الْآخِرَةِ جَازَتْ فِي الدُّنْيَا لِتَسَاوِي الْوَقْتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَوْتَى.
كَذَا قَالَ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى جَائِزَةٌ عَقْلًا، وَتُثْبِتُ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ الْمَشْهُورَةُ وُقُوعَهَا لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ، وَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَقَالَ مَالِكٌ: إِنَّمَا لَمْ يُرَ سُبْحَانَهُ فِي الدُّنْيَا لِأَنَّهُ بَاقٍ، وَالْبَاقِي لَا يُرَى بِالْفَانِي، فَإِذَا كَانَ فِي الْآخِرَةِ رُزِقُوا أَبْصَارًا بَاقِيَةً فَرَأَوُا الْبَاقِيَ بِالْبَاقِي.
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ اسْتِحَالَةُ الرُّؤْيَةِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْقُدْرَةِ، فَإِذَا أَقْدَرَ اللَّهُ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ عَلَيْهَا لَمْ يَمْتَنِعْ، وَقَدْ وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَا يُؤَيِّدُ هَذِهِ التَّفْرِقَةَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ فِيهِ ( «وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا» ) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵄ فَإِنْ جَازَتِ الرُّؤْيَةُ فِي الدُّنْيَا عَقْلًا فَقَدِ امْتَنَعَتْ سَمْعًا، لَكِنْ مَنْ أَثْبَتَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ لَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْمُتَكَلِّمَ لَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ كَلَامِهِ. كَذَا فِي الْفَتْحِ، قَالَ: وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ رَبَّهُ فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى إِثْبَاتِهَا، وَحَكَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ حَلَفَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ، وَجَزَمَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ بِإِثْبَاتِهَا، وَكَانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِ إِذَا ذُكِرَ لَهُ إِنْكَارُ عَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَجَزَمَ بِهِ كَعْبُ الْأَحْبَارِ وَالزُّهْرِيُّ وَصَاحِبُهُ مَعْمَرٌ وَآخَرُونَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَغَالِبِ أَتْبَاعِهِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ رَآهُ بِعَيْنِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ؟ وَعَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ كَالْقَوْلَيْنِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: جَاءَتْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَارٌ مُطْلَقَةٌ وَأُخْرَى مُقَيَّدَةٌ، قَالَ: فَيَجِبُ حَمْلُ مُطْلَقِهَا عَلَى مُقَيَّدِهَا، ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَتَعْجَبُونَ أَنْ تَكُونَ الْخُلَّةُ لِإِبْرَاهِيمَ، وَالْكَلَامُ لِمُوسَى وَالرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ» .
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِلَفْظِ: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى إِبْرَاهِيمَ بِالْخُلَّةِ - الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّ ابْنَ
стр. 703
عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ نَعَمْ. وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى - وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١١ - ١٣] قَالَ رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ. وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ.
وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ: لَمْ يَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعَيْنِهِ، إِنَّمَا رَآهُ بِقَلْبِهِ.
وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ. وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: " «نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ» " وَلِلْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْهُ ﵁ «قَالَ ﷺ : " رَأَيْتُ نُورًا» " وَلِابْنِ خُزَيْمَةَ عَنْهُ قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ، وَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ مُرَادَ أَبِي ذَرٍّ ﵁ بِذِكْرِ النُّورِ، أَيِ: النُّورُ حَالَ (بَيْنَهُ) وَبَيْنَ رُؤْيَتِهِ لَهُ بِبَصَرِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَ أَقْوَالٍ، أَحَدُهَا ثُبُوتُ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِرَبِّهِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَتْبَاعِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁، فَقَدْ رَوَى الْخَلَّالُ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمَرُّوذِيِّ قَالَ: «قُلْتُ لِأَحْمَدَ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، فَبِأَيِّ شَيْءٍ يُدْفَعُ قَوْلُهَا؟ قَالَ: بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " رَأَيْتُ رَبِّي "، قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ أَكْبَرُ مِنْ قَوْلِهَا» .
وَجَنَحَ ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ إِلَى تَرْجِيحِ الْإِثْبَاتِ، وَأَطْنَبَ فِي الِاسْتِدْلَالِ لَهُ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ، وَحَمَلَ مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ قَوْلِهِ إِنَّهُ إِنَّمَا رَآهُ بِقَلْبِهِ عَلَى أَنَّ الرُّؤْيَا وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِعَيْنِهِ وَمَرَّةً بِقَلْبِهِ.
(الثَّانِي) : مَنْعُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ بِنْتِ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَتْ ﵂: «مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ» .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: «لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ كَعْبًا بِعَرَفَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمٍ - وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: نَقُولُ إِنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ
стр. 704
مَرَّتَيْنِ. فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلِمَهُ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: بَيْنَ مُوسَى وَمُحَمَّدٍ، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ، وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ» .
قَالَ مَسْرُوقٌ: «فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ قَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي - أَيْ قَامَ مِنَ الْفَزَعِ لِمَا حَصَلَ - عِنْدَهَا مِنْ هَيْبَةِ اللَّهِ وَاعْتَقَدْتُهُ مِنْ تَنْزِيهِهِ تَعَالَى وَاسْتِحَالَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَتْ لَهُ: - أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثِ آيَاتٍ؟ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، وَفِي لَفْظٍ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ، ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]- ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] وَلَكِنْ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ» .
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَسُنَنِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ مَسْرُوقًا قَالَ: «قُلْتُ لِعَائِشَةَ: يَا أُمَّتَاهُ - أَصْلُهُ يَا أُمِّ وَالْهَاءُ لِلسَّكْتِ فَأُضِيفَ إِلَيْهَا أَلِفُ الِاسْتِغَاثَةِ فَأُبْدِلَتْ تَاءً وَزِيدَتْ هَاءُ السَّكْتِ بَعْدَ الْأَلِفِ - هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ شَعْرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ مِنْ ثَلَاثٍ؟ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ، مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتِ الْآيَتَيْنِ، وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان: ٣٤] وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ كَذَبَ ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أَنْزِلُ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] الْآيَةَ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِي صُورَتِهِ مَرَّتَيْنِ» ، وَوَافَقَ عَائِشَةَ ﵂ عَلَى مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرَ رَبَّهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمْ ﵃، وَبِهِ قَالَ جَمْعُ الْعُلَمَاءِ، بَلْ نَقَلَ الدَّارِمِيُّ الْحَافِظُ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَاعْتَرَضَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى مَذْهَبِ عَائِشَةَ بِأَنَّهَا ﵂ لَمْ تَنْفِ وُقُوعَ الرُّؤْيَةِ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا لَذَكَرَتْهُ، وَإِنَّمَا اعْتَمَدَتْ الِاسْتِنْبَاطَ عَلَى مَا ذَكَرَتْ مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ، وَقَدْ خَالَفَهَا غَيْرُهَا مِنَ الصَّحَابَةِ، وَالصَّحَابِيُّ إِذَا قَالَ قَوْلًا فَخَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ حُجَّةً اتِّفَاقًا، وَالْمُرَادُ بِنَفْيِ الْإِدْرَاكِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَفْيُ الْإِحَاطَةِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الرُّؤْيَةَ. انْتَهَى.
كَمَا قَدَّمْنَا ذَلِكَ مُوَضَّحًا، وَجَزْمُهُ بِأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ لَمْ تَنْفِ الرُّؤْيَةَ بِحَدِيثٍ مَرْفُوعٍ تَبِعَ فِيهِ ابْنُ خُزَيْمَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ:
стр. 705
النَّفْيُ لَا يُوجِبُ عِلْمًا، قَالَ: وَلَمْ تَحْكِ عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَهَا أَنَّهُ لَمْ يَرَ رَبَّهُ، وَإِنَّمَا تَأَوَّلَتِ الْآيَةَ. انْتَهَى.
وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُمَا، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ مَسْرُوقًا قَالَ: «كُنْتُ مُتَّكِئًا عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةَ ثَلَاثٌ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ.
قَالَ: وَكُنْتُ مُتَّكِئًا فَجَلَسْتُ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْظِرِينِي وَلَا تُعْجِلِينِي، أَلَمْ يَقْلِ اللَّهُ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرَّتَيْنِ، رَأَيْتُهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ. ثُمَّ قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وَقَرَأَتِ الْآيَتَيْنِ» .
وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى بِإِسْنَادِ مُسْلِمٍ فَقَالَتْ: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ - رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذَا فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا رَأَيْتُ جِبْرِيلَ مُنْهَبِطًا» .
نَعَمْ، خَالَفَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَائِشَةَ ﵂ بِاحْتِجَاجِهَا بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] قَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ» .
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - مَا نُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ مِنْ إِثْبَاتِ رُؤْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِرَبِّهِ إِنَّمَا يَعْنِي رُؤْيَةَ الْمَنَامِ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، قَالَ: نَعَمْ رَآهُ، فَإِنَّ رُؤَى الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ، وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِ رَأْسِهِ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَيْضًا: ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ لَمْ يَقُلْ أَنَّهُ ﷺ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ يَقَظَةً، وَمَنْ حَكَى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ وَهِمَ، وَهَذِهِ نُصُوصُهُ مَوْجُودَةٌ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: وَلَفْظُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ كَلَفْظِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ: وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ بِعَيْنِهِ فِي الدُّنْيَا لَا نَبِيٌّ وَلَا غَيْرُ نَبِيٍّ، وَلَمْ يَقَعِ النِّزَاعُ إِلَّا فِي نَبِيِّنَا ﷺ خَاصَّةً، مَعَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمَعْرُوفَةَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا أَنَّهُ رَآهُ، وَإِنَّمَا رُوِيَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ مَوْضُوعٍ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. انْتَهَى.
وَإِذَا عُلِمَ مَا حَرَّرْنَاهُ فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ إِثْبَاتِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَنَفْيِ عَائِشَةَ
следующие страницы →