← Акыда

Акыда · id 8353

لوامع الأنوار البهية

السفاريني

Полный текст (921 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فَيُحَاسَبُونَ» " وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، وَغَيْرُهُ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ فَقَالَ: قَدْ رُوِيَ أَنَّ الْمُتَهَجِّدِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ. وَذُكِرَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَاءَ مُنَادٍ يُنَادِي بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: «سَيَعْلَمُ الْخَلَائِقُ الْيَوْمَ مَنْ أَوْلَى بِالْكَرَمِ» " فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَيُرْوَى أَيْضًا عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ قَوْلِهِ، وَيُرْوَى نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا، وَيُرْوَى نَحْوُهُ أَيْضًا عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَرَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ وَالْحَسَنِ وَكَعْبٍ مِنْ قَوْلِهِمْ. قَالَ الْحَافِظُ: قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: قِيَامُ اللَّيْلِ يُهَوِّنُ طُولَ قِيَامِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ: وَإِذَا كَانَ أَهْلُهُ يَسْبِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَقَدِ اسْتَرَاحَ أَهْلُهُ مِنْ طُولِ الْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الصحف] وَلَمَّا أَنْهَيْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْحِسَابِ بِحَسْبِ مَا يَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ ثَنَّيْنَا الْعَطْفَ عَلَى شَرْحِ الصُّحُفِ وَالْمِيزَانِ الْمُشَارِ إِلَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ((وَ)) كَذَا وُقُوفُ الْخَلْقِ لِأَخْذِ ((الصُّحُفُ)) جَمْعُ صَحِيفَةٍ، وَهِيَ الْكُتُبُ كَتَبَتْهَا الْمَلَائِكَةُ، وَأَحْصَوْا مَا فَعَلَهُ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ سَائِرِ أَعْمَالِهِ فِي الدُّنْيَا الْقَوْلِيَّةِ وَالْفِعْلِيَّةِ، وَقِيلَ هِيَ صُحُفٌ تَكْتُبُهَا الْعِبَادُ فِي قُبُورِهَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ [التكوير: ١٠] قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: أَيِ الَّتِي فِيهَا أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ نُشِرَتْ لِلْحِسَابِ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى بِالصُّحُفِ إِلْزَامًا لِلْعِبَادِ، وَرَفْعًا لِلْجَدَلِ وَالْعِنَادِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ [الإسراء: ١٣] قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعْنَى (طَائِرَهُ) عَمَلُهُ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مَعَهُ لَا يُفَارِقُهُ، وَهُوَ مَعْنَى الْأَوَّلِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ٨] وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [الإسراء: ٧١] وَالْفَتِيلُ هُوَ الْقِشْرُ الَّذِي فِي شَقِّ النَّوَاةَ، وَهَذَا يُضْرَبُ مَثَلًا لِلشَّيْءِ الْحَقِيرِ. وَذَكَرَ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَتِيلِ الْوَسَخُ الَّذِي يَظْهَرُ بِفَتْلِ الْإِنْسَانِ إِبْهَامَهُ بِسَبَّابَتِهِ. قَالَ الْعَلَّامَةَ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ: وَإِنَّمَا خَصَّ الْقِرَاءَةَ بِمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ دُونَ مَنْ أُوتِيَهُ بِشِمَالِهِ لِأَنَّ أَهْلَ الشِّمَالِ إِذَا طَالَعُوا

стр. 632

كِتَابَهُمْ وَجَدُوهُ مُشْتَمِلًا عَلَى الْمُهْلِكَاتِ الْعَظِيمَةِ، وَالْقَبَائِحِ الْكَامِلَةِ فَيَتَوَلَّى الْخَوْفُ وَالدَّهَشُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَيَثْقُلُ لِسَانُهُمْ، وَيَعْجِزُونَ عَنِ الْقِرَاءَةِ الْكَامِلَةِ بِخِلَافِ أَصْحَابِ الْيَمِينِ فَإِنَّهُمْ إِذَا طَالَعُوا صُحُفَ حَسَنَاتِهِمْ، وَجَدُوهَا عَلَى الْكَمَالِ فَيَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ عَلَى أَحْسَنِ الْأَحْوَالِ وَأَتَمِّهَا، ثُمَّ لَمْ يَقْنَعْ أَحَدٌ بِقِرَاءَتِهِ حَتَّى يَقُولَ لِأَهْلِ الْمَحْشَرِ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩]- كَمَا قَالَ الْفَخْرُ، وَغَيْرُهُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا - وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا - وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ - فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا - وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ١٢] . وَالْحَاصِلُ أَنَّ نَشْرَ الصُّحُفِ وَأَخْذَهَا بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ مِمَّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ، وَعَقَدَ الْقَلْبُ بِأَنَّهُ حَقٌّ لِثُبُوتِهِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْعُقَيْلِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «الْكُتُبُ كُلُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا فَتُطَيِّرُهَا بِالْأَيْمَانِ وَالشَّمَائِلِ» "، أَوَّلُ خَطٍّ فِيهَا ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤] " قَالَ قَتَادَةُ: سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَارِئًا فِي الدُّنْيَا، وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: " «عُنْوَانُ كِتَابِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُسْنُ ثَنَاءِ النَّاسِ عَلَيْهِ» ". وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ، فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الْأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ» . " وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَلَفْظُهُ: " «وَأَمَّا الْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ فَتَطَايُرُ الْكُتُبِ فِي الْأَيْمَانِ وَالشَّمَائِلِ» ". قَالَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: الْجِدَالُ لِلْأَعْدَاءِ يُجَادِلُونَ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ رَبَّهُمْ فَيَظُنُّونَ أَنَّهُمْ إِذَا جَادَلُوا نَجَوْا أَوْ قَامَتْ حُجَّتُهُمْ، وَالْمَعَاذِيرُ لِلَّهِ يَعْتَذِرُ إِلَى آدَمَ وَإِلَى أَنْبِيَائِهِ، وَيُقِيمُ حُجَّتَهُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَالْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَهُوَ الْعَرْضُ الْأَكْبَرُ يَخْلُو بِهِمْ فَيُعَاتِبُ مَنْ يُرِيدُ عِتَابَهُ فِي تِلْكَ الْخَلَوَاتِ حَتَّى يَذُوقَ وَبَالَ

стр. 633

الْحَيَاءِ وَالْخَجَلِ ثُمَّ يَغْفِرَ لَهُمْ وَيَرْضَى عَنْهُمْ. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُعْطَى كِتَابَهُ فِي سَتْرٍ مِنَ اللَّهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ فَيَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ، ثُمَّ يَقْرَأُ حَسَنَاتِهِ فَيَرْجِعُ إِلَيْهِ لَوْنُهُ ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِذَا سَيِّئَاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَنَاتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ. وَأَخْرَجَ مَكِّيٌّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ ﵂ قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟ قَالَ: " يُؤْتَى الْعَبْدُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئَاتِهِ، وَيُقْرِئُ النَّاسَ حَسَنَاتِهِ ثُمَّ يَحُلُّ الصَّحِيفَةَ فَيُحَوِّلُ اللَّهُ حَسَنَاتِهِ فَيَقْرَؤُهَا النَّاسُ فَيَقُولُونَ: مَا كَانَ لِهَذَا الْعَبْدِ مِنْ سَيِّئَةٍ " فَهَذَا تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ - فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا - وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الانشقاق: ١٠ - ٩] أَهْلُهُ هُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ كَمَا فِي الْبَهْجَةِ» . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: « ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] قَالَ يُدْعَى الرَّجُلُ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ سِتِّينَ ذِرَاعًا، وَيُبَيَّضُ وَجْهُهُ، وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ يَتَلَأْلَأُ فَيَنْطَلِقُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَيَرَوْنَهُ مِنْ بَعِيدٍ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ائْتِنَا بِهَذَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي هَذَا حَتَّى يَأْتِيَهُمْ فَيَقُولُ: أَبْشِرُوا فَإِنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُسَوَّدُ وَجْهُهُ، وَيُمَدُّ فِي جِسْمِهِ سِتُّونَ ذِرَاعًا، وَيُجْعَلُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ مِنْ نَارٍ، وَيَرَاهُ أَصْحَابُهُ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ هَذَا، اللَّهُمَّ لَا تَأْتِنَا بِهَذَا، فَيَأْتِيهِمْ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ اخْزِهِ، فَيَقُولُ أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْكُمْ مِثْلَ هَذَا» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ يَذْكُرُ الْحَبِيبُ حَبِيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " أَمَّا عِنْدَ ثَلَاثٍ فَلَا، عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَثْقُلُ أَمْ يَخِفُّ، وَعِنْدَ تَطَايُرِ الْكُتُبِ فَإِمَّا أَنْ يُعْطَى بِيَمِينِهِ أَوْ شِمَالِهِ، وَحِينَ يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ» الْحَدِيثَ. ((فَوَائِدُ)) (الْأُولَى) قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: الَّذِي يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ تُلْوَى يَدُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ ثُمَّ يُعْطَى كِتَابَهُ. وَقِيلَ: تُنْزَعُ مِنْ صَدْرِهِ إِلَى خَلْفِ ظَهْرِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠] قَالَ: تُجْعَلُ شِمَالُهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ فَيَأْخُذُ بِهَا كِتَابَهُ.

стр. 634

(الثَّانِيَةُ) يُعْطَى الْكَافِرُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ بِأَنْ تُخْلَعَ أَوْ يُدْخِلَهَا مِنْ صَدْرِهِ أَوْ تُلْوَى، وَيُعْطَى الْمُؤْمِنُ الْعَاصِي كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ أَمَامِهِ، وَيُعْطَى الْمُؤْمِنُ الطَّائِعُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ مِنْ أَمَامِهِ. وَقَدْ جَزَمَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّ الْفَاسِقَ الَّذِي مَاتَ عَلَى فِسْقِهِ دُونَ تَوْبَةٍ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ حَكَى قَوْلًا بِالْوُقُوفِ قَالَ: وَلَا قَائِلَ بِأَنَّهُ يَأْخُذُهُ بِشِمَالِهِ. وَقَالَ يُوسُفُ بْنُ عَمْرٍو مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: اخْتُلِفَ فِي عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، فَقِيلَ: يَأْخُذُونَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَقِيلَ بِشَمَائِلِهِمْ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ يَأْخُذُونَهَا بِأَيْمَانِهِمْ قِيلَ: يَأْخُذُونَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِي النَّارِ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَامَةً عَلَى عَدَمِ خُلُودِهِمْ فِيهَا، وَقِيلَ يَأْخُذُونَهَا بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثَةُ) وَرَدَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ: أَوَّلُ مَنْ يُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَلَهُ شُعَاعٌ كَشُعَاعِ الشَّمْسِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَبَعْدَهُ أَبُو سَلَمَةَ. انْتَهَى. وَرُوِيَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ أَخُو أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، رُوِيَ أَنَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ لِيَأْخُذَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَجْذِبُهُ مَلَكٌ فَيَخْلَعُ يَدَهُ، فَيَأْخُذَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ خَلَعَ يَدَ سَلَمَةَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ، فَمَنَعَ بَنُو الْمُغِيرَةِ أُمَّ سَلَمَةَ أَنْ تَسِيرَ مَعَ أَبِي سَلَمَةَ، وَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ فَأَخَذُوهَا مِنْهُ، فَغَضِبَ رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ وَهُمْ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، فَاجْتَذَبُوا ابْنَهُ سَلَمَةَ الْمَذْكُورَ مِنْ أُمِّهِ حَيْثُ أَخَذَهَا رَهْطُهَا، وَلَمْ يَدَعُوهَا تَسِيرُ مَعَ أَبِي سَلَمَةَ فَخَلَعُوا يَدَ الْغُلَامِ - الْقِصَّةَ. فَجُوزِيَ الْأَسْوَدُ بِخَلْعِ يَدِهِ، فَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ: إِذَا وَقَفَ النَّاسُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ مِنَ الصُّحُفِ الَّتِي يُؤْمَرُ بَعْدَ الْبَعْثِ حُوسِبُوا بِهَا. وَأَخْرَجَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁ لِكَعْبٍ حَدِّثْنَا مِنْ حَدِيثِ الْآخِرَةِ، قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ رُفِعَ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ إِلَّا، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى عَمَلِهِ ثُمَّ يُؤْتَى بِالصُّحُفِ الَّتِي فِيهَا أَعْمَالُ الْعِبَادِ، فَتُنْشَرُ حَوْلَ الْعَرْشِ ثُمَّ يُدْعَى الْمُؤْمِنُ، فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَيَنْظُرُ فِيهِ.

стр. 635

[الميزان] ((وَ)) كَذَا وُقُوفُ الْخَلْقِ لِأَجَلِ ((الْمِيزَانِ)) اعْلَمْ أَنَّ مَرَاتِبَ الْمَعَادِ الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ ثُمَّ الْمَحْشَرُ، ثُمَّ الْقِيَامُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ الْعَرْضُ، ثُمَّ تَطَايُرُ الصُّحُفِ وَأَخْذُهَا بِالْيَمِينِ وَأَخْذُهَا بِالشِّمَالِ، ثُمَّ السُّؤَالُ وَالْحِسَابُ، ثُمَّ الْمِيزَانُ ((بِالثَّوَابِ)) أَيْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَعَنِ السَّيِّئَاتِ الْفَاضِحَةِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا كَغَيْرِهِمْ: نُؤْمِنُ بِأَنَّ الْمِيزَانَ الَّذِي تُوزَنُ بِهِ الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ حَقٌّ، قَالُوا: وَلَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ تُوزَنُ بِهِ صَحَائِفُ الْأَعْمَالُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تُوزَنُ الْحَسَنَاتُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، وَالسَّيِّئَاتُ فِي أَقْبَحِ صُورَةٍ. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ: الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِيزَانِ الْمِيزَانُ الْحَقِيقِيُّ لَا مُجَرَّدَ الْعَدْلِ خِلَافًا لِبَعْضِهِمْ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِذَا انْقَضَى الْحِسَابُ كَانَ بَعْدَهُ وَزْنُ الْأَعْمَالِ؛ لِأَنَّ الْوَزْنَ لِلْجَزَاءِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُحَاسَبَةِ لِتَقْرِيرِ الْأَعْمَالِ وَالْوَزْنُ لِإِظْهَارِ مَقَادِيرِهَا لِيَكُونَ الْجَزَاءُ بِحَسَبِهَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ - فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ - وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ - نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ١١] ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْمِيزَانِ كَأَخْذِ الصُّحُفِ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، فَالْكِتَابُ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ - فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَرُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ ﵇ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُرِيَهُ الْمِيزَانَ، فَلَمَّا رَآهُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: إِلَهِي مَنْ ذَا الَّذِي يَقْدِرُ بِمَلْأِ كِفَّةِ حَسَنَاتِهِ؟ فَقَالَ: إِذَا رَضِيتُ عَنْ عَبْدِي مَلَأْتُهَا بِتَمْرَةٍ. ذَكَرَهُ الرَّازِيُّ وَالثَّعْلَبِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ﵁: إِنَّ مِيزَانَ رَبِّ الْعَالَمِينَ يُنْصَبُ لِلْجِنِّ وَالْإِنْسِ، يُسْتَقْبَلُ بِهِ الْعَرْشُ، إِحْدَى كِفَّتَيْهِ عَلَى الْجَنَّةِ، وَالْأُخْرَى عَلَى جَهَنَّمَ، لَوْ وُضِعَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ فِي إِحْدَاهُمَا لَوَسِعَتْهُنَّ، وَجِبْرِيلُ آخِذٌ بِعَمُودِهِ يَنْظُرُ إِلَى لِسَانِهِ. قَالَ فِي الْبَهْجَةِ فِي هَذَا: إِنَّ أَعْمَالَ الْجِنِّ تُوزَنُ كَمَا تُوزَنُ أَعْمَالُ الْإِنْسِ، وَهُوَ كَذَلِكَ ارْتَضَاهُ الْأَئِمَّةُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ: الْمُتَّقُونَ تُوضَعُ حَسَنَاتُهُمْ فِي الْكِفَّةِ النَّيِّرَةِ حَتَّى

стр. 636

لَا تَرْتَفِعَ، وَتُرْفَعُ الْمَظْلَمَةُ ارْتِفَاعَ الْفَارِغَةِ الْخَالِيَةِ، قَالَ: وَأَمَّا الْكُفَّارُ فَيُوضَعُ كُفْرُهُمْ وَأَوْزَارُهُمْ فِي الْكِفَّةِ الْمُظْلِمَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ أَعْمَالُ بِرٍّ وُضِعَتْ فِي الْكِفَّةِ الْأُخْرَى فَلَا تُقَاوِمُهَا إِظْهَارًا بِفَضْلِ الْمُتَّقِينَ وَذُلِّ الْكَافِرِينَ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْكُفَّارَ لَا يُقِيمُ اللَّهُ لَهُمْ وَزْنًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] ، وَمَنْ قَالَ: تُوزَنُ أَعْمَالُهُمْ لِوُرُودِهِ فِي ظَوَاهِرِ عُمُومِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ يُجِيبُ عَنِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يُقِيمُ لَهُمْ وَزْنًا نَافِعًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣] أَيْ كَالْهَبَاءِ فِي عَدْلِ نَفْعِهِ، وَحُصُولِ فَائِدَتِهِ. وَالْحَقُّ أَنَّ مُؤْمِنِي الْجِنِّ كَالْإِنْسِ فِي الْوَزْنِ، وَكَافِرَهُمْ كَكَافِرِهِمْ. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «يُوضَعُ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَوْ وُزِنَ فِيهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لَوَسِعَهُنَّ، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ لِمَنْ يَزِنُ هَذَا؟ فَيَقُولُ: لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ» " وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ فِي الزُّهْدِ، وَالْآجُرِّيُّ فِي الشَّرِيعَةِ عَنْ سَلْمَانَ مَوْقُوفًا. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يُؤْتَى بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُوقَفُ بَيْنَ كِفَّةِ الْمِيزَانِ، وَيُوَكَّلُ بِهِ مَلَكٌ، فَإِنْ ثَقُلَ مِيزَانُهُ نَادَى الْمَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: سَعِدَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ سَعَادَةً لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا، وَإِنْ خَفَّ مِيزَانُهُ نَادَى الْمَلَكُ بِصَوْتٍ يُسْمِعُ الْخَلَائِقَ: أَلَا شَقِيَ فُلَانٌ شَقَاوَةً لَا يَسْعَدُ بَعْدَهَا أَبَدًا» "، وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ وَغَيْرُهُ، وَابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: صَاحِبُ الْمِيزَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جِبْرِيلُ ﵇. وَقَالَ الْحَسَنُ هُوَ مِيزَانٌ لَهُ كِفَّتَانِ، وَلِسَانٌ وَهُوَ بِيَدِ جِبْرِيلَ ﵇. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَيْخِ بْنُ حَيَّانَ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: الْمِيزَانُ لَهُ لِسَانٌ وَكِفَّتَانِ. فَقَدْ دَلَّتِ الْآثَارُ عَلَى أَنَّهُ مِيزَانٌ حَقِيقِيٌّ ذُو كِفَّتَيْنِ وَلِسَانٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدْ بَلَغَتْ أَحَادِيثُهُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ، وَانْعَقَدَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: يُحَاسَبُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

стр. 637

فَمَنْ كَانَتْ حَسَنَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ سَيِّئَاتِهِ بِوَاحِدَةٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ كَانَتْ سَيِّئَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ حَسَنَاتِهِ بِوَاحِدَةٍ دَخَلَ النَّارَ. قَالَ: وَإِنَّ الْمِيزَانَ يَخِفُّ بِمِثْقَالِ حَبَّةٍ وَيَرْجَحُ، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ فَوُقِفُوا عَلَى الصِّرَاطِ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ مِنْ طَرِيقِ رَبَاحِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي الْجَرَّاحِ عَنْ رَجُلٍ يُقَالُ لَهُ حَازِمٌ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يَبْكِي، فَقَالَ: " «مَنْ هَذَا؟ قَالَ: فُلَانٌ، قَالَ جِبْرِيلُ: أَنَا أَزِنُ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا إِلَّا الْبُكَاءَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُطْفِئُ بِالدَّمْعِ بُحُورًا مِنْ نِيرَانِ جَهَنَّمَ» ". وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ( «مَا اغْرَوْرَقَتْ عَيْنٌ بِمَائِهَا إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ الْجَسَدَ عَلَى النَّارِ، وَلَا سَالَتْ قَطْرَةٌ عَلَى خَدِّهَا فَيَرْهَقُ ذَلِكَ الْوَجْهَ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ، وَلَوْ أَنَّ بَاكِيًا بَكَى فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ لَرُحِمُوا، وَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا لَهُ مِقْدَارٌ وَمِيزَانٌ إِلَّا الدَّمْعَةَ فَإِنَّهَا يُطْفَأُ بِهَا بِحَارٌ مِنْ نَارٍ» ) ، وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ «حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: " أَنَا فَاعِلٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ " قُلْتُ: أَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: " أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ " قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ قَالَ: " فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ " قُلْتُ، فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ قَالَ: " فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ، فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ الثَّلَاثَ مَوَاطِنَ» وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ وَغَيْرِهِ. (تَنْبِيهَاتٌ) (الْأَوَّلُ) اخْتُلِفَ فِي الْمِيزَانِ هَلْ هُوَ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ مِيزَانٌ وَاحِدٌ لِجَمِيعِ الْأُمَمِ، وَلِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ كِفَّتَاهُ كَأَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كَمَا مَرَّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ مِيزَانٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ مِيزَانٌ. قَالَ بَعْضُهُمُ: الْأَظْهَرُ إِثْبَاتُ مَوَازِينَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا مِيزَانٍ وَاحِدٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ، وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨] قَالَ: وَعَلَى هَذَا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ لِأَفْعَالِ الْقُلُوبِ مِيزَانٌ، وَلِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ مِيزَانٌ، وَلِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْقَوْلِ مِيزَانٌ. أَوْرَدَ هَذَا ابْنُ عَطِيَّةَ، وَقَالَ: النَّاسُ عَلَى خِلَافِهِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ وَاحِدٍ وَزْنٌ مُخْتَصٌّ بِهِ، وَالْمِيزَانُ وَاحِدٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا جَمَعَ الْمَوَازِينَ فِي الْآيَةِ لِكَثْرَةِ مَنْ تُوزَنُ أَعْمَالُهُمْ. وَهُوَ حَسَنٌ.

стр. 638

(الثَّانِي) اخْتُلِفَ فِي الْمَوْزُونِ، قِيلَ: يُوزَنُ الْعَبْدُ مَعَ عَمَلِهِ، وَقِيلَ تُوزَنُ نَفْسُ الْأَعْمَالِ فَتُصَوَّرُ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ بِصُورَةٍ حَسَنَةٍ نُورَانِيَّةٍ ثُمَّ تُطْرَحُ فِي كِفَّةِ النُّورِ، وَهِيَ الْيُمْنَى الْمُعَدَّةُ لِلْحَسَنَاتِ، فَتَثْقُلُ بِفَضْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَتُصَوَّرُ الْأَعْمَالُ السَّيِّئَةُ بِصُورَةٍ قَبِيحَةٍ ظُلْمَانِيَّةٍ ثُمَّ تُطْرَحُ فِي الْكِفَّةِ الْمُظْلِمَةِ، وَهِيَ الشِّمَالُ الْمُعَدَّةُ لِلسَّيِّئَاتِ، فَتُخَفَّفُ بِعَدْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ، فَامْتِنَاعُ قَلْبِ الْحَقَائِقِ فِي مَقَامِ خَرْقِ الْعَادَاتِ غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إِلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى، وَقِيلَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ أَجْسَامًا عَلَى عَدَدِ تِلْكَ الْأَعْمَالِ مِنْ غَيْرِ قَلْبٍ لَهَا. وَالْحَقُّ مَا قَدَّمْنَاهُ؛ أَنَّ الْمَوْزُونَ صُحُفُ الْأَعْمَالِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَصَوَّبَهُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمَّا يُوزَنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: " الصُّحُفُ» ذَكَرَهُ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ وَغَيْرُهُ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي الْمَعَالِي، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ الْبِطَاقَةِ وَالسِّجِلَّاتِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَسْتَخْلِصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُنْشَرُ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ سِجِلًّا كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظْلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ أَوْ حَسَنَةٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ اللَّهُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيُقَالُ: فَإِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، وَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ، وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ، فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ» " قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ: ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَوْزُونَ صَحَائِفُ الْأَعْمَالِ، فَإِنْ قِيلَ: قَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ

стр. 639

بَعُوضَةٍ» "، فَقَدْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْمَوْزُونَ نَفْسُ بَدَنِ الْإِنْسَانِ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا ضَرَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ مَثَلًا لِلَّذِي يَغْتَرُّ بِبَعْضِ الْأَجْسَامِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ اكْتِرَاثِ اللَّهِ بِالْأَجْسَادِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى الصُّوَرِ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُ إِلَى الْأَعْمَالِ وَالْقُلُوبِ، فَكَمْ مِنْ جِسْمٍ وَسِيمٍ وَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ مِنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ، فَهَذَا مَحْمِلُ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّالِثُ) قَالَ النَّسَفِيُّ فِي بَحْرِ الْكَلَامِ: إِنَّ الْإِيمَانَ لَا يُوزَنُ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ يُوضَعُ فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ ضِدَّهُ الْكُفْرُ، وَالْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ لَا يَكُونَانِ فِي الْإِنْسَانِ الْوَاحِدِ. قُلْتُ: هَذَا وَزْنُ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَهِيَ أُسُّ الْإِيمَانِ، وَانْتَصَرَ الْقُرْطُبِيُّ لِلنَّسَفِيِّ كَالْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ، وَأَجَابَ عَنْ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ بِأَنَّهَا تَكُونُ إِيمَانًا أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَبَعْدَ ذَلِكَ تَكُونُ مِنْ حَسَنَاتِهِ. قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ : «بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، وَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا إِيمَانًا، وَقَدْ سُئِلَ ﷺ عَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ هِيَ؟ " مِنْ أَعْظَمِ الْحَسَنَاتِ» " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُ. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى. (فَإِنْ قِيلَ) مَا الْحِكْمَةُ فِي الْوَزْنِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ فَيَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ؟ (أَجَابَ) الثَّعْلَبِيُّ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ تَعْرِيفُ اللَّهِ عَبِيدَهُ مَا لَهُمْ عِنْدَهُ مِنَ الْجَزَاءِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ: بَلِ الْحِكْمَةُ فِيهِ إِظْهَارُ الْعَدْلِ وَبَيَانُ الْفَضْلِ حَيْثُ أَنَّهُ يَزِنُ مِثْقَالَ الذَّرَّةِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠] . (الرَّابِعُ) ظَوَاهِرُ الْآثَارِ وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ كَيْفِيَّةَ الْوَزْنِ فِي الْآخِرَةِ خِفَّةً وَثِقَلًا مِثْلُ كَيْفِيَّتِهِ فِي الدُّنْيَا، مَا ثَقُلَ نَزَلَ إِلَى أَسْفَلَ ثُمَّ يُرْفَعُ إِلَى عِلِّيِّينَ، وَمَا خَفَّ طَاشَ إِلَى أَعْلَى ثُمَّ نَزَلَ إِلَى سِجِّينٍ، وَبِهِ صَرَّحَ جُمُوعٌ مِنْهُمُ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: بَلِ الصِّفَةُ مُخْتَلِفَةٌ، وَإِنَّ عَمَلَ الْمُؤْمِنِ إِذَا رَجَحَ صَعِدَ وَسَفُلَتْ سَيِّئَتُهُ، وَالْكَافِرُ تَسْفُلُ كِفَّتُهُ لِخُلُوِّ الْأُخْرَى عَنِ الْحَسَنَاتِ، ثُمَّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي صِفَةِ الْوَزْنِ أَنْ تُجْعَلَ جَمِيعُ

стр. 640

أَعْمَالِ الْعِبَادِ فِي الْمِيزَانِ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ، الْحَسَنَاتُ فِي كِفَّةِ النُّورِ، وَهِيَ يَمِينُ الْعَرْشِ جِهَةَ الْجَنَّةِ، وَالسَّيِّئَاتُ فِي كِفَّةِ الظُّلْمَةِ، وَهِيَ عَنْ يَسَارِهِ جِهَةَ النَّارِ، وَيَخْلُقُ اللَّهُ لِكُلِّ إِنْسَانٍ عِلْمًا ضَرُورِيًّا يُدْرِكُ بِهِ خِفَّةَ أَعْمَالِهِ وَثِقَلَهَا. وَقِيلَ: بَلْ عَلَامَةُ الرُّجْحَانِ عَمُودُ نُورٍ يَقُومُ فِي كِفَّةِ الْحَسَنَاتِ حَتَّى يَكْسُوَ كِفَّةَ السَّيِّئَاتِ، وَعَلَامَةُ الْخِفَّةِ عَمُودُ ظُلْمَةٍ يَقُومُ مِنْ كِفَّةِ السَّيِّئَاتِ حَتَّى يَكْسُوَ كِفَّةَ الْحَسَنَاتِ لِكُلِّ أَحَدٍ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [الصراط] وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ عَنِ الْوُقُوفِ وَالْحِسَابِ، وَتَطَايُرِ الصُّحُفِ وَالْمِيزَانِ لِلثَّوَابِ أَعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الصِّرَاطِ فَقَالَ: ((كَذَا الصِّرَاطُ ثُمَّ حَوْضُ الْمُصْطَفَى ... فَيَا هَنَا لِمَنْ بِهِ نَالَ الشِّفَا)) ((كَذَا)) أُجْزِمُ بِثُبُوتِ ((الصِّرَاطِ)) ، فَإِنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ بِلَا شِطَاطٍ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ، وَمِنْهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ ... إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمُ وَقَوْلُ الْآخَرِ: فَصَدَّ عَنْ نَهْجِ الطَّرِيقِ الْوَاضِحِ وَالصِّرَاطُ بِالصَّادِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالزَّايِ عَلَى نِزَاعٍ فِي إِخْلَاصِهَا وَمُضَارَعَتُهَا بَيْنَ الصَّادِ وَالزَّايِ مِنْ سَرِطْتُ الشَّيْءَ بِكَسْرِ الرَّاءِ إِذَا ابْتَلَعْتَهُ لِأَنَّهُ يَبْتَلِعُ الْمَارَّةَ كَمَا أَنَّ الطَّرِيقَ كَذَلِكَ، أَيْ يُغَيِّبُهُمْ، وَفِي الشَّرْعِ جِسْمٌ مَمْدُودٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ يَرِدُهُ الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، فَهُوَ قَنْطَرَةُ جَهَنَّمَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَخُلِقَ مِنْ حِينَ خُلِقَتْ جَهَنَّمُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ: اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ فِي الْآخِرَةِ صِرَاطَيْنِ أَحَدُهُمَا مَجَازٌ لِأَهْلِ الْمَحْشَرِ كُلِّهِمْ ثَقِيلِهِمْ وَخَفِيفِهِمْ إِلَّا مَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَإِلَّا مَنْ يَلْتَقِطُهُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ، فَإِذَا خَلَصَ مَنْ خَلَصَ مِنْ هَذَا الصِّرَاطِ الْأَكْبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَلَا يَخْلُصُ عَنْهُ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُمْ أَنَّ الْقِصَاصَ لَا يَسْتَنْفِدُ حَسَنَاتِهِمْ حُبِسُوا عَلَى صِرَاطٍ خَاصٍّ لَهُمْ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى النَّارِ مِنْ هَؤُلَاءِ أَحَدٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّهُمْ قَدْ عَبَرُوا الصِّرَاطَ الْأَوَّلَ الْمَضْرُوبَ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ الَّتِي يَسْقُطُ فِيهَا مَنْ أَبْقَتْهُ ذُنُوبُهُ، وَزَادَ عَلَى الْحِسَابِ

стр. 641

جُرْمُهُ وَعُيُوبُهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مَشْيَخَتِهِ وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧] قَالَ: " يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَقْتَصُّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلِهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ فِي الدُّنْيَا» قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ يُقَالُ: مَا يُشَبَّهُ بِهِمْ إِلَّا أَهْلُ الْجُمُعَةِ انْصَرَفُوا مِنْ جُمُعَتِهِمْ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: هَذَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَدْخُلِ النَّارَ مِنْ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، أَمَّا مَنْ دَخَلَهَا ثُمَّ أُخْرِجَ فَإِنَّهُمْ لَا يُحْبَسُونَ، بَلْ إِذَا خَرَجُوا بُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ: يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ: أَيْ يَنْجُونَ مِنَ السُّقُوطِ فِيهَا بِمُجَاوَزَةِ الصِّرَاطِ فِيهَا، قَالَ: وَاخْتُلِفَ فِي الْقَنْطَرَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَقِيلَ: إِنَّهَا مِنْ تَتِمَّةِ الصِّرَاطِ، وَهِيَ طَرَفُهُ الَّذِي يَلِي الْجَنَّةَ، وَقِيلَ إِنَّهَا صِرَاطٌ آخَرُ، وَبِهِ جَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ. قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبُدُورِ السَّافِرَةِ فِي عُلُومِ الْآخِرَةِ: وَالْأَوَّلُ يَعْنِي أَنَّهُ طَرَفُ الصِّرَاطِ الَّذِي يَلِي الْجَنَّةَ هُوَ الْمُخْتَارُ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ الْقَنَاطِرِ وَالْحِسَابِ عَلَى الصِّرَاطِ. انْتَهَى قَالَ الْعُلَمَاءُ: الصِّرَاطُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ، وَأَحْمَى مِنَ الْجَمْرَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: يُوضَعُ الصِّرَاطُ عَلَى سَوَاءِ جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ الْمُرْهَفِ مَدْحَضَةٌ - أَيْ مَزْلَقَةٌ، أَيْ لَا تَثْبُتُ عَلَيْهَا قَدَمٌ بَلْ تَزِلُّ عَنْهُ، إِلَّا مَنْ يُثَبِّتُهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَلَيْهِ كَلَالِيبُ مِنْ نَارٍ تَخْطِفُ أَهْلَهَا فَتَمْسِكُ بِهَوَادِيهَا، وَيَسْتَبِقُونَ عَلَيْهَا بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ شَدُّهُ كَالْبَرْقِ، فَذَاكَ الَّذِي لَا يَنْشَبُ أَنْ يَنْجُوَ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَدُّهُ كَالرِّيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَدُّهُ كَالْفَرَسِ الْجَوَادِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَدُّهُ كَهَرْوَلَةِ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَرَمْلِ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَمَشْيِ الرَّجُلِ، وَآخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ قَدْ لَوَّحَتْهُ النَّارُ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: سَلْ وَتَمَنَّ، فَإِذَا فَرَغَ قَالَ: لَكَ مَا سَأَلْتَ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: " «الصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ دَحْضٌ مَزِلَّةٌ ذَا حَسَكٍ وَكَلَالِيبَ» ".

стр. 642

وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «لِجَهَنَّمَ جِسْرٌ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ عَلَيْهِ كَلَالِيبُ وَحَسَكٌ تَأْخُذُ مَنْ شَاءَ، وَالنَّاسُ عَلَيْهِ كَالطَّرْفِ وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيحِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَالْمَلَائِكَةُ يَقُولُونَ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُسَلَّمٌ، وَمُكَوَّرٌ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ» . " وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ الْجِسْرَ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَيْضًا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «وُضِعَ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ جَهَنَّمَ عَلَيْهِ حَسَكٌ كَحَسَكِ السَّعْدَانِ ثُمَّ يَسْتَجِيزُ النَّاسُ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ بِهِ ثُمَّ نَاجٍ، وَمُحْتَبَسٌ بِهِ، وَمَنْكُوسٌ فِيهَا» " وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: الصِّرَاطُ عَلَى جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ فَتَمُرُّ الطَّبَقَةُ الْأُولَى كَالْبَرْقِ، وَالثَّانِيَةُ كَالرِّيحِ، وَالثَّالِثَةُ كَأَجْوَدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعَةُ كَأَجْوَدِ الْبَهَائِمِ يَمُرُّونَ، وَالْمَلَائِكَةُ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمِ اللَّهُمَّ سَلِّمْ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الصِّرَاطُ كَحَدِّ السَّيْفِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُنْجُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَإِنَّ جِبْرِيلَ لَآخِذٌ بِحُجْزَتَيَّ، وَإِنِّي لَأَقُولُ: يَا رَبِّ سَلِّمْ، فَالزَّالُّونَ وَالزَّالَّاتُ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ» " وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ ﵀ تَعَالَى قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الصِّرَاطَ مَسِيرَةُ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ، خَمْسَةُ آلَافٍ صُعُودٌ، وَخَمْسَةُ آلَافٍ هُبُوطٌ، وَخَمْسَةُ آلَافٍ مُسْتَوٍ، أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ، وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ إِلَّا ضَامِرٌ مَهْزُولٌ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّ طُولَ الصِّرَاطِ مَسِيرَةُ ثَلَاثِ آلَافِ سَنَةٍ، أَلْفٌ مِنْهَا صُعُودٌ، وَأَلْفٌ مِنْهَا هُبُوطٌ، وَأَلْفٌ مِنْهَا اسْتِوَاءٌ. وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ جِبْرِيلَ فِي أَوَّلِهِ، وَمِيكَائِيلَ فِي وَسَطِهِ يَسْأَلُونَ النَّاسَ عَنْ عُمُرِهِمْ فِيمَا أَفْنَوْهُ، وَعَنْ شَبَابِهِمْ فِيمَا أَبْلَوْهُ، وَعَنْ عِلْمِهِمْ مَاذَا عَمِلُوا بِهِ. وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّ فِيهِ سَبْعَ قَنَاطِرَ يُسْأَلُ كُلُّ عَبْدٍ عِنْدَ كُلِّ قَنْطَرَةٍ مِنْهَا عَنْ أَنْوَاعٍ مِنَ التَّكْلِيفِ. (قُلْتُ) : وَقَدْ ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ: لَنْ يَجُوزَ أَحَدٌ الصِّرَاطَ حَتَّى يُسْأَلَ عَلَى سَبْعِ قَنَاطِرَ فَأَمَّا الْقَنْطَرَةُ الْأُولَى فَيُسْأَلُ عَنِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَإِنْ جَاءَ

стр. 643

بِهَا مُخْلِصًا - وَالْإِخْلَاصُ قَوْلٌ وَعَمَلٌ - جَازَ، ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْقَنْطَرَةِ الثَّانِيَةِ عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةً جَازَ، ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الرَّابِعَةِ عَنِ الزَّكَاةِ، فَإِنْ جَاءَ بِهَا تَامَّةً جَازَ، ثُمَّ يُسْأَلُ فِي الْخَامِسَةِ عَنِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنْ جَاءَ بِهِمَا تَامَّيْنِ جَازَ إِلَى الْقَنْطَرَةِ السَّادِسَةِ، فَيُسْأَلُ عَنِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، فَإِنْ جَاءَ بِهِمَا تَامَّيْنِ جَازَ إِلَى الْقَنْطَرَةِ السَّابِعَةِ، وَلَيْسَ فِي الْقَنَاطِرِ أَصْعَبَ مِنْهَا، فَيُسْأَلُ فِيهَا عَنْ ظَلَامَاتِ النَّاسِ، وَتَبِعَاتِ الْخَلْقِ. وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ الشَّرِيفِ «أَنَّهُ إِذَا صَارَ النَّاسُ عَلَى طَرَفِ الصِّرَاطِ نَادَى مَلَكٌ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ: يَا فِطْرَةَ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ جُوزُوا عَلَى الصِّرَاطِ، وَلْيَقِفْ كُلُّ عَاصٍ مِنْكُمْ وَظَالِمٍ» . وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: قُلْتُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: أَلَا تَبْتَغِي لِأَضْيَافِكَ مَا يَبْتَغِي الرِّجَالُ لِأَضْيَافِهِمْ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَئُودًا لَا يَجُوزُهَا الْمُثْقِلُونَ، فَأُحِبُّ أَنْ أَتَخَفَّفَ لِتِلْكَ الْعَقَبَةِ» " قَوْلُهُ: كَئُودٌ بِفَتْحِ الْكَافِ وَهَمْزَةٍ مَضْمُومَةٍ: الصَّعْبَةُ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِلَفْظِ " «إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ عَقَبَةً كَئُودًا لَا يَنْجُو مِنْهَا إِلَّا كُلُّ مُخِفٍّ» " وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ بَيْنَ أَيْدِينَا عَقَبَةً كَئُودًا لَا يَصْعَدُهَا إِلَّا الْمُخِفُّونَ " فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمِنَ الْمُخِفِّينَ أَنَا أَمْ مِنَ الْمُثْقِلِينَ؟ قَالَ: " عِنْدَكَ طَعَامُ يَوْمٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَطَعَامُ غَدٍ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: لَوْ كَانَ عِنْدَكَ طَعَامُ ثَلَاثٍ كُنْتَ مِنَ الْمُثْقِلِينَ» وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: «إِنَّ خَلِيلِي ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّ دُونَ جِسْرِ جَهَنَّمَ طَرِيقًا ذَا دَحْضٍ وَمَزِلَّةٍ، وَأَنَّا إِنْ نَأْتِيَ عَلَيْهِ وَفِي أَحْمَالِنَا اقْتِدَارٌ وَاصْطِبَارٌ أَحْرَى أَنْ نَنْجُوَ مِنْ أَنْ نَأْتِيَ عَلَيْهِ وَنَحْنُ مَوَاقِيرُ» . (تَنْبِيهَاتٌ) (الْأَوَّلُ) اتَّفَقَتِ الْكَلِمَةُ عَلَى إِثْبَاتِ الصِّرَاطِ فِي الْجُمْلَةِ، لَكِنَّ أَهْلَ الْحَقِّ يُثْبِتُونَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ كَوْنِهِ جِسْرًا مَمْدُودًا عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ أَحَدَّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقَّ مِنَ الشَّعْرِ، وَأَنْكَرَ هَذَا الظَّاهِرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُعْتَزِلِيُّ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ عُبُورُهُ، وَإِنْ أَمْكَنَ فَفِيهِ تَعْذِيبٌ، وَلَا عَذَابَ عَلَى

стр. 644

الْمُؤْمِنِينَ وَالصُّلَحَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ طَرِيقُ الْجَنَّةِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٥] ، وَطَرِيقُ النَّارِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣] . وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْأَدِلَّةِ الْوَاضِحَةِ وَالْمُبَاحَاتِ وَالْأَعْمَالِ الرَّدِيئَةِ لِيُسْأَلَ عَنْهَا وَيُؤَاخَذَ بِهَا. وَكُلُّ هَذَا بَاطِلٌ وَخُرَافَاتٌ؛ لِوُجُودِ رَدِّ النُّصُوصِ عَلَى حَقَائِقِهَا، وَلَيْسَ الْعُبُورُ عَلَى الصِّرَاطِ بِأَعْجَبَ مِنَ الْمَشْيِ عَلَى الْمَاءِ أَوِ الطَّيَرَانِ فِي الْهَوَاءِ، وَالْوُقُوفِ فِيهِ. وَقَدْ أَجَابَ ﷺ عَنْ سُؤَالِ حَشْرِ الْكَافِرِ عَلَى وَجْهِهِ بِأَنَّ الْقُدْرَةَ صَالِحَةٌ لِذَلِكَ. وَأَنْكَرَ الْعَلَّامَةُ الْقَرَافِيُّ كَوْنَ الصِّرَاطِ أَدَقَّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدَّ مِنَ السَّيْفِ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ شَيْخُهُ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَالْحَقُّ أَنَّ الصِّرَاطَ وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَالْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ وَالصِّحَاحِ مِمَّا لَا يُحْصَى إِلَّا بِكُلْفَةٍ مِنْ أَنَّهُ جِسْرٌ مَضْرُوبٌ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ يَمُرُّ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْخَلَائِقِ، وَهُمْ فِي جَوَازِهِ مُتَفَاوِتُونَ. وَقَالَ الْمُنْكِرُ لِكَوْنِ الصِّرَاطِ أَدَقَّ مِنَ الشِّعْرِ وَأَحَدَّ مِنَ السَّيْفِ: هَذَا إِنْ ثَبَتَ حُمِلَ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ لِمُنَافَاتِهِ لِلْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ مِنْ قِيَامِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى جَنَبَتَيْهِ، وَكَوْنِ الْكَلَالِيبِ وَالْحَسَكِ فِيهِ، وَإِعْطَاءِ كُلٍّ مِنَ الْمَارِّينَ عَلَيْهِ مِنَ النُّورِ قَدْرَ مَوْضِعِ قَدَمَيْهِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَرِيضٌ، وَقِيلَ طَرِيقَانِ يُمْنَى وَيُسْرَى، فَأَهْلُ السَّعَادَةِ يُسْلَكُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ، وَأَهْلُ الشَّقَاوَةِ يُسْلَكُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، وَفِيهِ طَاقَاتٌ كُلُّ طَاقَةٍ تُنْفِذُ إِلَى طَبَقَةٍ مِنْ طَبَقَاتِ جَهَنَّمَ، وَجَهَنَّمُ بَيْنَ الْخَلْقِ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ، وَالْجِسْرُ عَلَى ظَهْرِهَا مَنْصُوبٌ فَلَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ حَتَّى يَمُرَّ عَلَى جَهَنَّمَ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ. ثُمَّ قَالَ الْقَرَافِيُّ تَبَعًا لِلْحَافِظِ الْبَيْهَقِيِّ: كَوْنُ الصِّرَاطِ أَدَقَّ مِنَ الشَّعْرِ وَأَحَدَّ مِنَ السَّيْفِ لَمْ أَجِدْهُ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ، وَإِنَّمَا يُرْوَى عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، فَيُؤَوَّلُ بِأَنَّ أَمْرَهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرِ، فَإِنَّ يُسْرَ الْجَوَازِ عَلَيْهِ وَعُسْرَهُ عَلَى قَدْرِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِي، وَلَا يَعْلَمُ حُدُودَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِضَرْبِ دِقَّةِ الشَّعْرِ مَثَلًا لِلْغَامِضِ الْخَفِيِّ، وَضَرْبِ حَدِّ السَّيْفِ لِإِسْرَاعِ الْمَلَائِكَةِ فِي الْمُضِيِّ لِامْتِثَالِ أَمْرِ اللَّهِ، وَإِجَازَةِ النَّاسِ عَلَيْهِ. وَرَدَّ هَذَا

стр. 645

الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ، وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْآثَارِ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ تِلْكَ الزِّيَادَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ بَلَاغًا، وَلَيْسَتْ مِمَّا لِلرَّأْيِ وَالِاجْتِهَادِ فِيهِ مَجَالٌ فَهِيَ مَرْفُوعَةٌ، وَقَدْ مَرَّ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا يُوجِبُ الْإِيمَانَ بِذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّ الْقَادِرَ عَلَى إِمْسَاكِ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنَ وَيُجْرِيَهُ وَيُمْشِيَهُ، عَلَى أَنَّهُ أَخْرَجَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ الصِّرَاطَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ أَدَقَّ مِنَ الشَّعْرِ، وَعَلَى بَعْضٍ مِثْلَ الْوَادِي الْوَاسِعِ، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ قَالَ: مَنْ دَقَّ الصِّرَاطُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا عَرُضَ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ، وَمَنْ عَرُضَ عَلَيْهِ الصِّرَاطُ فِي الدُّنْيَا دَقَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ. (الثَّانِي) تَقَدَّمَ أَنَّ الصِّرَاطَ مَخْلُوقٌ الْآنَ، وَنُقِلَ فِي كَنْزِ الْأَسْرَارِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَهُ اللَّهُ تَعَالَى حِينَ يَضْرِبُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ حِينَ خَلَقَ جَهَنَّمَ، وَنَحْوُهُ فِي كَلَامِ الْقَاضِي عِيَاضٍ، قَالَ الْحَلِيمِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ يَبْقَى إِلَى خُرُوجِ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ مِنَ النَّارِ فَيَجُوزُونَهَا عَلَيْهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ يُزَالُ ثُمَّ يُعَادُ لَهُمْ أَوْ لَا يُعَادُ، أَوْ تَصْعَدُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى السُّورِ الَّذِي فِي الْأَعْرَافِ. قَالَ الْبَدْرُ الزَّرْكَشِيُّ: وَمِنَ الْحِكْمَةِ فِي الصِّرَاطِ وَرَفْعِهِ أَنْ يَظْهَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ عَظِيمِ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ، وَلِتَصِيرَ الْجَنَّةُ أَسَرَّ لِقُلُوبِهِمْ بَعْدُ، وَلِيَتَحَسَّرَ الْكَافِرُ بِفَوْزِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ اشْتِرَاكِهِمْ فِي الْعُبُورِ. (الثَّالِثُ) مِنَ الْخُرَافَاتِ الْبَارِدَةِ زَعْمُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَاهِيَّةَ الصِّرَاطِ شَعْرَةٌ مِنْ شَعْرِ جُفُونِ مَالِكٍ خَازِنِ النَّارِ، فَهُوَ كَلَامٌ تَنْبُو عَنْهُ الْمَسَامِعُ، وَيُكَذِّبُهُ كُلُّ سَامِعٍ، وَإِنْ نَقَلَهُ الْحَافِظُ بُرْهَانُ الدِّينِ الْحَلَبِيُّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ، وَلَا يُعَوَّلَ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [الحوض] ((ثُمَّ)) أُجْزِمُ بَعْدَ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَأَخْذِ الصُّحُفِ وَالْمُرُورِ بِثُبُوتِ ((حَوْضِ)) النَّبِيِّ ((الْمُصْطَفَى)) نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ، وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبُدُورِ السَّافِرَةِ: وَرَدَ ذِكْرُ الْحَوْضِ مِنْ رِوَايَةِ بِضْعَةٍ وَخَمْسِينَ صَحَابِيًّا مِنْهُمُ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ الرَّاشِدُونَ، وَحُفَّاظُ

стр. 646

الصَّحَابَةِ الْمُكْثِرُونَ وَغَيْرُهُمْ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ثُمَّ ذَكَرَ الْأَحَادِيثَ عَنْهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ذَهَبَ صَاحِبُ الْقُوتِ إِلَى أَنَّ الْحَوْضَ بَعْدَ الصِّرَاطِ. قَالَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قَبْلَهُ، وَكَذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: ذَهَبَ بَعْضُ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْحَوْضَ يُورَدُ بَعْدَ الصِّرَاطِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ قَائِلِهِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالْمَعْنَى يَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْحَوْضِ عَلَى الصِّرَاطِ فَإِنَّ النَّاسَ يَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ عِطَاشًا فَنَاسَبَ تَقْدِيمَهُ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى هَلْ فِيهِ مَاءٌ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ فِيهِ لَمَاءً، وَإِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَيَرِدُونَ إِلَى حِيَاضِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈» ". وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الْحَوْضَ بَعْدَ الصِّرَاطِ، وَأَنَّ الشُّرْبَ مِنْهُ يَقَعُ بَعْدَ الْحِسَابِ، وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي عَقِيدَتِهِ: يَشْرَبُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ دُخُولِ الْجَنَّةِ، وَبَعْدَ جَوَازِ الصِّرَاطِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْحَوْضَ بِجَانِبِ الْجَنَّةِ لِيَنْصَبَّ فِيهِ الْمَاءُ مِنَ النَّهْرِ الَّذِي دَاخِلُهَا، فَلَوْ كَانَ قَبْلَ الصِّرَاطِ لَحَالَتِ النَّارُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَاءِ الَّذِي يُصَبُّ مِنَ الْكَوْثَرِ فِيهِ، قَالَ: وَأَمَّا مَا أُورِدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ جَمَاعَةً يُدْفَعُونَ عَنِ الْحَوْضِ بَعْدَ أَنْ يَرَوْهُ وَيُذْهَبُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ فَجَوَابُهُ أَنَّهُمْ يَقْرُبُونَ مِنَ الْحَوْضِ بِحَيْثُ يَرَوْنَهُ وَيَرَوْنَ الْجَنَّةَ فَيُدْفَعُونَ فِي النَّارِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُصُوا مِنْ بَقِيَّةِ الصِّرَاطِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: إِنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ حَوْضَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ الصِّرَاطِ، وَالثَّانِي فِي الْجَنَّةِ، وَكِلَاهُمَا يُسَمَّى كَوْثَرًا، وَالْكَوْثَرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ. قَالَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ: وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَغَيْرِهِ بِأَنَّ الْحَوْضَ بَعْدَ الصِّرَاطِ، فَإِنْ قِيلَ: إِذَا خَلَصُوا مِنَ الْمَوْقِفِ دَخَلُوا الْجَنَّةَ، فَلَمْ يَحْتَاجُوا إِلَى الشُّرْبِ مِنْهُ، فَالْجَوَابُ: بَلْ يَحْتَاجُونَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ مَحْبُوسُونَ هُنَاكَ لِأَجْلِ الْمَظَالِمِ، فَكَانَ الشُّرْبُ فِي مَوْقِفِ الْقِصَاصِ، وَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَقَعَ الشُّرْبُ مِنَ الْحَوْضِ قَبْلَ الصِّرَاطِ لِقَوْمٍ وَتَأْخِيرُهُ بَعْدَهُ لِآخَرِينَ بِحَسَبِ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْأَوْزَارِ حَتَّى يُهَذَّبُوا مِنْهَا عَلَى الصِّرَاطِ، وَلَعَلَّ هَذَا أَقْوَى. انْتَهَى. قَالَ الْعَلَّامَةُ الشَّيْخُ مَرْعِيٌّ فِي بَهْجَتِهِ: وَهَذَا فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ جَامِعٌ لِلْقَوْلَيْنِ

стр. 647

وَهُوَ دَقِيقٌ. انْتَهَى. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِي التَّذْكِرَةِ، وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِكَ أَوْ يَذْهَبُ وَهْمُكَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَوْضَ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ وُجُودُهُ عَلَى الْأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ عَلَى مَسَافَاتِ هَذِهِ الْأَقْطَارِ، وَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي تَكُونُ بَدَلًا مِنْ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ، وَهِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَالْفِضَّةِ لَمْ يُسْفَكْ عَلَيْهَا دَمٌ، وَلَمْ يُظْلَمْ عَلَى ظَهْرِهَا أَحَدٌ قَطُّ. أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَا يَظْمَأُ أَبَدًا» ". وَفِي رِوَايَةٍ " «حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَمَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ الْوَرِقِ» "، وَهِيَ عِنْدَهُمَا أَيْضًا. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَاللَّفْظُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي أَنْ يُدْخِلَ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعِينَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ " فَقَالَ زَيْدُ بْنُ الْأَخْنَسِ: وَاللَّهِ مَا أُولَئِكَ فِي أُمَّتِكَ إِلَّا كَالذُّبَابِ الْأَصْهَبِ فِي الذُّبَابِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " قَدْ وَعَدَنِي سَبْعِينَ أَلْفًا مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعِينَ أَلْفًا، وَزَادَنِي ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ " قَالَ: فَمَا سَعَةُ حَوْضِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: " كَمَا بَيْنَ عَدَنَ إِلَى عُمَانَ وَأَوْسَعُ وَأَوْسَعُ " يُشِيرُ بِيَدِهِ قَالَ: فِيهِ مُثْعُبَانُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا مُثَلَّثَةٌ، وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ، هُوَ مَسِيلُ الْمَاءِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. قَالَ: فَمَاءُ حَوْضِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: " أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، وَلَمْ يَسْوَدَّ وَجْهُهُ أَبَدًا» ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: ((فَيَا هَنَا)) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْهَنِيءُ وَالْمَهْنَأُ مَا أَتَاكَ بِلَا مَشَقَّةٍ، وَقَدْ هَنِئَ، وَهَنُؤَ هَنَاءَةً، وَهَنَأَنِي، وَلِي الطَّعَامُ يَهْنَأُ وَيَهْنِئُ، وَيَهْنُؤُ هِنْئًا وَهَنْئًا، وَهَنَاءَةً، وَهَنَأَتْنِيهِ الْعَافِيَةُ، وَهُوَ هَنِئٌ: سَائِغٌ، كَأَنَّهُ يَقُولُ أَيُّهَا الشَّرَابُ السَّائِغُ الْهَنِيءُ الْآتِي بِلَا مَشَقَّةٍ أَقْبِلْ ((لِمَنْ)) أَيْ: عَلَى شَخْصٍ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ((بِهِ)) أَيْ بِسَبَبِ الشُّرْبِ مِنْهُ ((نَالَ)) أَيْ أُعْطِيَ، يُقَالُ: نَالَهُ يَنُولُهُ إِذَا أَعْطَاهُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ: النَّوَالُ وَالنَّالُ وَالنَّائِلُ الْعَطَاءُ، وَنُلْتُهُ، وَنُلْتُ لَهُ وَبِهِ أَنُولُهُ بِهِ، وَأَنَلْتُهُ إِيَّاهُ، وَنَوَّلْتُهُ، وَنَوَّلْتُ عَلَيْهِ وَلَهُ أَعْطَيْتُهُ. فِيهِ مُتَعَلَّقٌ بِنَالَ، وَ ((الشِّفَا)) مِنْ ظَمَأِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَالشِّفَاءُ هُوَ

стр. 648

الدَّوَاءُ، وَالْجَمْعُ أَشْفِيَةٌ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَشَافِي، يُقَالُ: شَفَاهُ بَرَأَهُ، وَطَلَبَ لَهُ الشِّفَاءَ كَأَشْفَاهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، فَفِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: مَا الْحَوْضُ؟ قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ شَرَابَهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ، وَآنِيَتَهُ أَكْثَرُ عَدَدًا مِنَ النُّجُومِ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ إِنْسَانٌ فَيَظْمَأُ أَبَدًا، وَلَا يُصْرَفُ عَنْهُ إِنْسَانٌ فَيَرْوَى أَبَدًا» رَوَاهُ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَغَيْرُهُ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ " «إِنَّ مَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْ حَوْضِهِ ﷺ مِنْ أُمَّتِي لَا يَزَالُ مُتَّصِفًا بِدَاءِ الظَّمَأِ أَبَدًا» . وَرَوَى نَحْوَهُ الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا، وَفِيهِ: " «مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، وَمَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ لَمْ يَرْوَ أَبَدًا» . وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا نَحْوَهُ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا، وَفِي ذَلِكَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ. [قوم يزادون عن الحوض] ((عَنْهُ يُذَادُ الْمُفْتَرِي كَمَا وَرَدْ ... وَمَنْ نَحَا سُبُلَ السَّلَامَةِ لَمْ يَرِدْ)) ((عَنْهُ)) أَيْ: عَنْ حَوْضِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ الشُّرْبِ مِنْهُ ((يُذَادُ)) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ، وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، فَدَالٌ مُهْمَلَةٌ قَبْلَهَا أَلِفٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، أَيْ: يُطْرَدُ وَيُسَاقُ وَيُدْفَعُ دَفْعًا عَنِيفًا، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الذَّوْدُ السَّوْقُ وَالطَّرْدُ وَالدَّفْعُ كَالذِّيَادِ ((الْمُفْتَرِي)) نَائِبُ الْفَاعِلِ مِنَ الْفِرْيَةِ بِكَسْرِ الْفَاءِ الْكَذِبُ، يُقَالُ: فَرِيَ يَفْرِي فَرْيًا، وَافْتَرَى يَفْتَرِي افْتِرَاءً إِذَا كَذَبَ، وَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْهُ، وَمِنْهُ ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [الممتحنة: ١٢] ، وَفِي الْحَدِيثِ " «مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا» " فَالْفِرَى جَمْعُ فِرْيَةٍ، وَهِيَ الْكِذْبَةُ، وَأَفْرَى أَفْعَلُ مِنْهُ لِلتَّفْضِيلِ، أَيْ: أَكْذَبُ الْكَذِبَاتِ أَنْ يَقُولَ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَذَا، وَلَمْ يَكُنْ رَأَى شَيْئًا، لِأَنَّهُ كَذِبٌ عَلَى اللَّهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ مَلَكَ الرُّؤْيَا لِيُرِيَهُ الْمَنَامَ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ مِنَ الَّذِينَ يُذَادُونَ عَنِ الْحَوْضِ جِنْسُ الْمُفْتَرِينَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى رَسُولِهِ ﷺ مِنَ الْمُحْدِثِينَ فِي الدِّينِ مِنَ الرَّوَافِضِ وَالْخَوَارِجِ وَثَائِرِ أَصْحَابِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ، وَكَذَلِكَ الْمُسْرِفُونَ مِنَ الظَّلَمَةِ الْمُفْرِطُونَ فِي الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ وَطَمْسِ الْحَقِّ، كَذَلِكَ الْمُتَهَتِّكُونَ فِي ارْتِكَابِ الْمَنَاهِي، وَالْمُعْلِنُونَ فِي اقْتِرَافِ الْمَعَاصِي، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: «أَغْفَى رَسُولُ اللَّهِ

стр. 649

- ﷺ إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُبْتَسِمًا فَقَالَ: " إِنَّهُ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] حَتَّى خَتَمَهَا قَالَ: " هَلْ تَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: هُوَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ رَبِّي فِي الْجَنَّةِ عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آنِيَتُهُ عَدَدُ الْكَوَاكِبِ يُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ» وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا " «أُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْكَوْثَرُ؟ قَالَ: نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ عَرْضُهُ وَطُولُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا يَشْرَبُ مِنْهُ أَحَدٌ فَيَظْمَأُ، وَلَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ أَحَدٌ فَيَشْعَثُ، لَا يَشْرَبُهُ مَنْ أَخْفَرَ ذِمَّتِي، وَلَا مَنْ قَتَلَ أَهْلَ بَيْتِي» " وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ أَقْوَامٌ فَيُخْتَلَجُونَ دُونِي، فَأَقُولُ: رَبِّ أَصْحَابِي، رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» " وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ عَنْ رَيْحَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: أَنْتَ السَّبَّابُ لِعَلِيٍّ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَتَرِدَنَّ عَلَيْهِ الْحَوْضَ - وَمَا أُرَاكَ تَرِدُهُ - فَتَجِدُهُ مُشَمِّرَ الْإِزَارِ عَلَى سَاقٍ يَذُودُ عَنْهُ لَا يَأْتِي الْمُنَافِقُونَ ذَوْدَ غَرِيبَةِ الْإِبِلِ قَوْلَ الصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ، وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ خَبَّابٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «سَيَكُونُ أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِي، فَلَا تُصَدِّقُونَ بِكَذِبِهِمْ، وَلَا تُعِينُوهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَمَنْ فَعَلَ لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الْحَوْضَ» " وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ وَرَدَ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، وَلَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ» " قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَسَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ أَبَى عَيَّاشٍ وَأَنَا أُحَدِّثُ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ: هَكَذَا سَمِعْتَ سَهْلًا يَقُولُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَأَنَا أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ سَمِعْتُهُ يَزِيدُ " «إِنَّهُمْ مِنِّي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي»

стр. 650

وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ " «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ فَمَنْ وَرَدَ أَفْلَحَ، وَيُجَاءُ بِأَقْوَامٍ فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: مَا زَالُوا بَعْدَكَ مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» " وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «يَا عُثْمَانُ، لَا تَرْغَبْ عَنْ سُنَّتِي، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: " «إِنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أُمَرَاءُ فَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِوَارِدٍ عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، وَلَمْ يُصَدِّقْهُمْ بِكَذِبِهِمْ فَهُوَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، وَهُوَ وَارِدٌ عَلَيَّ الْحَوْضَ» . " وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَيُرْفَعَنَّ لِي رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِي إِذَا رَأَيْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي فَأَقُولُ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» " فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ ((كَمَا وَرَدَ)) . ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ مِمَّا ذَكَرْنَا وَمِمَّا لَمْ نَذْكُرْ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ بِلَفْظِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ إِلَيَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ إِذَا هَوَيْتُ إِلَيْهِمْ لِأُنَاوِلَهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» " وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْضَ رِجَالٌ مِمَّنْ صَاحَبَنِي حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ أَصْحَابِي، فَلَيُقَالَنَّ لِي: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا، فَأَقُولُ: سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي» " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي - أَوْ قَالَ: مِنْ أُمَّتِي، فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الْحَوْضِ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُ لَا عِلْمَ لَكَ بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى» "، وَفِي رِوَايَةٍ، فَيُجْعَلُونَ، قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: اخْتُلِجُوا إِذَا اسْتُلِبُوا وَأُخِذُوا بِسُرْعَةٍ، وَقَوْلُهُ: فَيُحَلَّئُونَ

стр. 651

يَعْنِي: مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، أَيْ: يُدْفَعُونَ عَنِ الْمَاءِ، وَيُطْرَدُونَ عَنْ وُرُودِهِ إِذَا كَانَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ، وَمَنْ رَوَاهُ بِالْجِيمِ فَهُوَ مِنَ الْجَلَاءِ، وَهُوَ النَّفْيُ عَنِ الْوَطَنِ، وَهُوَ رَاجِعٌ إِلَى الطَّرْدِ. وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ عَلَى الْحَوْضِ إِذَا زُمْرَةٌ حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ، فَقَالَ: هَلُمَّ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ؟ فَقَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، فَقُلْتُ: مَا شَأْنُهُمْ، فَقَالَ: إِنَّهُمْ قَدِ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ الْقَهْقَرَى، ثُمَّ إِذَا زُمْرَةٌ أُخْرَى، حَتَّى إِذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ: هَلُمَّ، قُلْتُ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: إِلَى النَّارِ وَاللَّهِ، قُلْتُ: مَا شَأْنُهُمْ؟ قَالَ: إِنَّهُمُ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ، فَلَا أُرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ» " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: " «وَلَيُصَدَّنَّ عَنِّي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلَا يَصِلُونَ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، هَؤُلَاءِ أَصْحَابِي، فَيُجِيبُنِي مَلَكٌ فَيَقُولُ: وَهَلْ تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ» ! " وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «فَوَاللَّهِ لَيُقْطَعَنَّ دُونِي رِجَالٌ فَلَأَقُولَنَّ: أَيْ رَبِّ، مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي، فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، مَا زَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنِّي عَلَى الْحَوْضِ أَنْظُرُ مَنْ يَرِدُ مِنْكُمْ، وَسَيُؤْخَذُ نَاسٌ دُونِي، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، مِنِّي وَمِنْ أُمَّتِي - وَفِي رِوَايَةٍ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي - فَيُقَالُ: هَلْ شَعَرْتَ مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَرِحُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ» " وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ جِدًّا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا كُلُّ مَنِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِ اللَّهِ أَوْ أَحْدَثَ فِيهِ مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ وَلَمْ يُؤْذِنْ بِهِ، فَهُوَ مِنَ الْمَطْرُودِينَ عَنِ الْحَوْضِ، وَأَشَدُّهُمْ طَرْدًا مَنْ خَالَفَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ كَالْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِدِ وَالْمُعْتَزِلَةِ عَلَى اخْتِلَافِ فِرَقِهِمْ، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مُبَدِّلُونَ، وَكَذَا الظَّلَمَةُ الْمُسْرِفُونَ فِي الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَطَمْسِ الْحَقِّ وَإِذْلَالِ أَهْلِهِ، وَالْمُعْلِنُونَ بِكَبَائِرِ الذُّنُوبِ، والْمُسْتَخْفُونَ بِالْمَعَاصِي، وَجَمَاعَةُ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْبِدَعِ. ثُمَّ الطَّرْدُ قَدْ يَكُونُ فِي حَالٍ، وَيُقَرَّبُونَ بَعْدَ الْمَغْفِرَةِ إِنْ كَانَ التَّبْدِيلُ فِي الْأَعْمَالِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعَقَائِدِ. قَالَ: وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ أَهْلَ الْكَبَائِرِ يَرِدُونَ وَيَشْرَبُونَ، وَإِذَا دَخَلُوا النَّارَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُعَذَّبُوا بِالْعَطَشِ. انْتَهَى. فَأَهْلُ الْبِدَعِ مَطْرُودُونَ عَنْ حَوْضِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَرْدُودُونَ عَنِ الشُّرْبِ، مِنْهُ ((وَمِنْ)) أَيْ:

стр. 652

وَأَيُّ شَخْصٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ((نَحَا)) أَيْ: قَصَدَ، يُقَالُ: نَحَاهُ يَنْحُوهُ وَيَنْحَاهُ قَصَدَهُ كَانْتَحَاهُ ((سُبُلَ)) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ كَكُتُبٍ، جَمْعُ سَبِيلٍ، وَهُوَ الطَّرِيقُ وَمَا وَضَحَ مِنْهُ، وَجَمَعَهُ أَنَّ الطَّرِيقَ الْحَقَّ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ خِصَالِهِ، وَشُعَبِهِ الْمُتَوَصَّلِ مِنْهُ إِلَيْهَا ((السَّلَامَةِ)) مِنَ الْكَلِمَاتِ الْجَامِعَةِ لِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: السَّلَامَةُ الْبَرَاءَةُ مِنَ الْعُيُوبِ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ نَهَجَ مَنْهَجَ الْحَقِّ وَسَلَكَ طَرِيقَ السُّنَّةِ، وَسَلِمَ مِنَ الْبِدَعِ وَكَبَائِرِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُ يَرِدُ عَلَى حَوْضِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَشْرَبُ مِنْهُ، وَ ((لَمْ يُرَدَّ)) عَنِ الشُّرْبِ مِنْهُ، وَلَمْ يُطْرَدْ عَنِ الْوُرُودِ عَلَيْهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَارَّةِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (تَنْبِيهَاتٌ) (الْأَوَّلُ) اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي تَحْدِيدِ الْحَوْضِ وَتَقْدِيرِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ أَنَّهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْحَوْضَ مَا بَيْنَ عَدَنَ وَعُمَانَ، وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ مَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أَيْضًا: مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَعُمَانَ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَمَكَّةَ، وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ: مَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ، وَفِي رِوَايَةٍ: مَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ الْيَمَنِ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ عَنْ كَوْنِ حَوْضِهِ ﷺ مَا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: هُمَا قَرْيَتَيْنِ بِالشَّامِ بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَفِي لَفْظٍ: ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَجَرْبَاءُ قَرْيَةٌ بِجَنْبِ أَذَرُحَ، وَغَلِطَ مَنْ قَالَ: بَيْنَهُمَا ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَإِنَّمَا الْوَهْمُ مِنْ رُوَاةِ الْحَدِيثِ مِنْ إِسْقَاطِ زِيَادَةٍ ذَكَرَهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَهِيَ: مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَجَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ. انْتَهَى. وَفِي مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ: مِثْلُ مَا بَيْنَ عَدَنَ إِلَى عَمَّانَ الْبَلْقَاءِ. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَالِاضْطِرَابُ لَا يُوجِبُ الضَّعْفَ؛ لِأَنَّهُ مِنِ اخْتِلَافِ التَّقْدِيرِ وَالتَّحْدِيدِ لَا مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ فَيُعَدُّ اضْطِرَابًا، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ سَمِعُوهُ فِي مَوَاطِنَ مُتَعَدِّدَةٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُمَثِّلُ لِكُلِّ قَوْمٍ الْحَوْضَ بِحَسَبِ مَا يَعْلَمُ

стр. 653

الْمُتَكَلِّمُ وَيَفْهَمُ السَّائِلُ، وَبِحَسَبِ مَا يَسْنَحُ لَهُ ﷺ مِنَ الْعِبَارَةِ، وَيُحَدِّدُ الْحَوْضَ بِحَسَبِ مَا يَفْهَمُ الْحَاضِرُونَ مِنَ الْإِشَارَةِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: هَذَا الِاخْتِلَافُ الْمُتَبَاعِدُ الَّذِي يَزِيدُ تَارَةً عَلَى ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَيَنْقُصُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ فِي التَّقْدِيرِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَا يَتَقَارَبُ. وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ رِوَايَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ اعْتَرَفَ هُوَ نَفْسُهُ بِأَنَّهَا غَلَطٌ فَلَا يَتَوَجَّهُ الِاعْتِرَاضُ بِهَا. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: لَيْسَ فِي ذِكْرِ الْمَسَافَةِ الْقَلِيلَةِ مَا يَدْفَعُ الْمَسَافَةَ الْكَثِيرَةَ، فَالْأَكْثَرُ ثَابِتٌ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، فَلَا مُعَارَضَةَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُحْمَلُ الْقَصِيرُ عَلَى الْعَرْضِ، وَالطَّوِيلُ عَلَى الطُّولِ. قُلْتُ: وَيَرُدُّ هَذَا: " زَوَايَاهُ سَوَاءٌ "، وَأَوْضَحُ مِنْ هَذَا مَا فِي رِوَايَةِ: طُولُهُ وَعَرْضُهُ سَوَاءٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ سَبَبُ الِاخْتِلَافِ مُلَاحَظَةُ سُرْعَةِ السَّيْرِ وَعَدَمُهَا، فَقَدْ عَهِدَ فِي النَّاسِ مَنْ يَقْطَعُ مَسَافَةَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَعَكْسُهُ، وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَلُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِي) خَالَفَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فَلَمْ تَقُلْ بِإِثْبَاتِ الْحَوْضِ مَعَ ثُبُوتِهِ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فَكُلُّ مَنْ خَالَفَ فِي إِثْبَاتِهِ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَأَمَّا ثُبُوتُهُ بِالْقُرْآنِ فَاحْتِمَالٌ وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ، فَفِيهِ اخْتِلَافٌ هَلِ الْحَوْضُ أَوِ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ أَوِ النَّهْرُ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، وَلَكِنَّ الْحَوْضَ ثَابِتٌ بِالسُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ وَظَاهِرِ الْكِتَابِ، فَمُنْكِرُهُ زَائِغٌ عَنِ الثَّوَابِ مُسْتَحِقٌّ لِلطَّرْدِ وَالْعَذَابِ، وَيَكْفِيهِ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ أَنَّهُ يُذَادُ عَنْهُ وَيُطْرَدُ، وَيُمْنَعُ مِنَ الشُّرْبِ مِنْهُ وَيُرَدُّ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي طَالُوتَ قَالَ: شَهِدْتُ أَبَا بَرْزَةَ ﵁ «دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ فَحَدَّثَنِي فُلَانٌ - سَمَّاهُ مُسْلِمٌ - وَكَانَ فِي السِّمَاطِ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدِيَّكُمْ هَذَا لَدَحْدَاحٌ، فَفَهِمَهَا الشَّيْخُ، فَقَالَ: مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنِّي أَبْقَى فِي قَوْمٍ يُعَيِّرُونِي بِصُحْبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: إِنَّ صُحْبَةَ مُحَمَّدٍ لَكُمْ زَيْنٌ غَيْرُ شَيْنٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا بُعِثْتُ إِلَيْكَ لِأَسْأَلَكَ عَنِ الْحَوْضِ هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ فِيهِ شَيْئًا؟ قَالَ أَبُو بَرْزَةَ ﵁ لَا مَرَّةً، وَلَا مَرَّتَيْنِ، وَلَا ثَلَاثًا، وَلَا أَرْبَعًا، وَلَا خَمْسًا، فَمَنْ كَذَّبَ بِهِ فَلَا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ مُغْضَبًا» . (الثَّالِثَةُ) جَاءَ فِي الْأَخْبَارِ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا، فَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ

стр. 654

سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " إِنَّ «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا تَرِدُهُ أُمَّتُهُ، وَإِنَّهُمْ يَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ، وَإِنِّي أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً» "، وَوَرَدَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا إِلَّا صَالِحًا ﵇، فَإِنَّ حَوْضَهُ ضَرْعُ نَاقَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الشفاعة] ((فَكُنْ مُطِيعًا وَاقْفُ أَهْلَ الطَّاعَةِ ... فِي الْحَوْضِ وَالْكَوْثَرِ وَالشَّفَاعَةِ)) ((فَكُنْ)) أَيُّهَا النَّاظِرُ لِنِظَامِي السَّامِعُ لِكَلَامِي ((مُطِيعًا)) لِمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ، وَصَحَّتْ بِمُقْتَضَاهُ الْآثَارُ، مِنْ صَرِيحِ الْمَنْقُولِ وَصَحِيحِ الْمَعْقُولِ ((وَاقْفُ)) أَمْرٌ مِنْ قَفَوْتُهُ قَفْوًا وَقُفُوًّا تَبِعْتُهُ كَتَقَفَّيْتُهُ وَاقْتَفَيْتُهُ، أَيِ: اتَّبِعْ فِي اعْتِقَادِكَ وَاقْصِدْ فِي نَهْجِكَ وَارْتِيَادِكَ ((أَهْلَ الطَّاعَةِ)) مِنْ فِرْقَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، فَإِنَّهَا الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ وَالْعِصَابَةُ الَّتِي لِكُلِّ فَوْزٍ رَاجِيَةٌ، وَالطَّاعَةُ اسْمٌ مِنْ أَطَاعَهُ يُطِيعُهُ فَهُوَ مُطِيعٌ، وَطَاعَ لَهُ يَطُوعُ وَيُطِيعُ، فَهُوَ طَائِعٌ، أَيْ: أَذْعَنَ وَانْقَادَ، وَالِاسْمُ الطَّاعَةُ، وَقِيلَ: طَاعَ إِذَا انْقَادَ، وَأَطَاعَ إِذَا تَبِعَ الْأَمْرَ وَلَمْ يُخَالِفْهُ ((فِيهِ)) اعْتِقَادُ إِثْبَاتِ ((الْحَوْضِ)) الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، وَتَقَدَّمَ دُعَاءُ الصَّحَابِيِّ عَلَى مَنْ كَذَّبَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْقِيهِ مِنْهُ. وَمَرَّ فِي الْأَحَادِيثِ: أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ فِي هَذَا الدِّينِ لَا يُسْقَى مِنْهُ، وَكَفَى بِإِنْكَارِ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ حَدَثًا وَبِدْعَةً ((وَ)) اقْفُ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي إِثْبَاتِ ((الْكَوْثَرِ)) وَهُوَ فَوَعْلٌ مِنَ الْكَثْرَةِ، وَالْوَاوُ زَائِدَةٌ، وَمَعْنَاهُ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ «سُئِلَ مَا الْكَوْثَرُ " ذَاكَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ " قَالَ عُمَرُ: ﵁: إِنَّ هَذِهِ لَنَاعِمَةٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِنَهْرٍ حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَضَرَبَ الْمَلَكُ بِيَدِهِ فَإِذَا طِينُهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ» " وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ عَنْ أَنَسٍ أَيْضًا ﵁ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 655

وَسَلَّمَ قَالَ: " «الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَعَدَنِيهِ رَبِّي » - " وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ» " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ بْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ (حَادِي الْأَرْوَاحِ إِلَى مَنَازِلِ الْأَفْرَاحِ) عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] قَالَ: الْخَيْرُ الْكَثِيرُ، قَالَ: وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: نَهْرٌ فِي الْجَنَّةِ لَيْسَ أَحَدٌ يُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ إِلَّا سَمِعَ خَرِيرَ ذَلِكَ النَّهْرِ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ خَرِيرَ ذَلِكَ النَّهْرِ شِبْهُ الْخَرِيرِ الَّذِي يَسْمَعُهُ حِينَ يُدْخِلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ. انْتَهَى. وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ الْكَوْثَرَ الْقُرْآنُ وَالنُّبُوَّةُ، وَالْكَوْثَرُ فِي غَيْرِ هَذَا الرَّجُلُ الْكَثِيرُ الْعَطَاءِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ. ((وَ)) اقْفُ أَهْلَ الطَّاعَةِ وَاتَّبِعْ أَهْلَ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي ((الشَّفَاعَةِ)) وَهِيَ لُغَةً: الْوَسِيلَةُ وَالطَّلَبُ، وَعُرْفًا: سُؤَالُ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ، كَذَا عَرَّفَهَا بَعْضُهُمْ، وَالْحَقُّ أَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الشَّفْعِ الَّذِي ضِدُّ الْوَتْرِ، فَكَأَنَّ الشَّافِعَ ضَمَّ سُؤَالَهُ إِلَى سُؤَالِ الْمَشْفُوعِ لَهُ، مِنْ شَفَعَ يَشْفَعُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ شَفَاعَةً، فَهُوَ شَافِعٌ وَشَفِيعٌ، وَالْمُشَفِّعُ بِكَسْرِ الْفَاءِ الَّذِي يَقْبَلُ الشَّفَاعَةَ، وَالْمُشَفَّعُ الَّذِي تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ. وَاعْلَمْ أَنَّ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَفَاعَاتٍ: (الْأُولَى) الشَّفَاعَةُ الَّتِي يَشْفَعُ فِيهَا لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَهُمْ بَعْدَ أَنْ يَتَدَافَعَهَا الْأَنْبِيَاءُ أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ آدَمُ إِلَى نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، وَقَدْ وَرَدَتْ مِنْ حَدِيثِ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ وَأَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، هَؤُلَاءِ وَرَدَ أَمْرُ الشَّفَاعَةِ فِي أَحَادِيثِهِمْ مُطَوَّلًا، وَوَرَدَ مُخْتَصَرًا مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ، وَغَيْرِهِمْ ﵃، وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُلْهَمُونَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا

стр. 656

حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَقَامِنَا هَذَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ لَهُمْ آدَمُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ الَّذِي أَصَابَ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيَقُولُ: وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا، فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ سُؤَالَ رَبِّهِ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتُونَهُ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ وَيَذْكُرُ لَهُمُ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلَ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَيَسْتَحْيِي رَبَّهُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَتَهُ وَرُوحَهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونَنِي فَأَقُومُ فَأَمْشِي بَيْنَ سِمَاطَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي، ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ قُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ» " الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ ": «إِنِّي لَقَائِمٌ أَنْتَظِرُ مَتَى يُعْبَرُ الصِّرَاطُ إِذْ جَاءَنِي عِيسَى، فَقَالَ: هَذِهِ الْأَنْبِيَاءُ قَدْ جَاءَتْكَ يَا مُحَمَّدُ يَسْأَلُونَكَ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ جَمِيعِ الْأُمَمِ إِلَى حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ إِلَى غَيْرِ مَا هُمْ فِيهِ، فَالْخَلْقُ مُلْجَمُونَ بِالْعَرَقِ، فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ عَلَيْهِ كَالزُّكْمَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَغْشَاهُ الْمَوْتُ، فَقَالَ: انْتَظِرْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ، فَذَهَبَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَلَقِيَ مَا لَمْ يَلْقَ مَلَكٌ مُصْطَفًى، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى جِبْرِيلَ أَنِ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، وَقُلْ لَهُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» " الْحَدِيثَ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَخَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا، وَقَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَشَافِعُهُمْ إِذَا حُبِسُوا، وَمُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا، لِوَاءُ الْكَرَمِ بِيَدِي، وَمَفَاتِيحُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَئِذٍ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ، يَطُوفُ عَلَيَّ أَلْفُ خَادِمٍ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤُ الْمَكْنُونُ» ". وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ

стр. 657

حَدِيثِ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ ﵁ نَحْوَ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي مُرَاجَعَتِهِ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي الْإِمَامَ ابْنَ رَاهَوَيْهِ: هَذَا أَشْرَفُ الْحَدِيثِ. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عِدَّةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَنِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّا ذَاكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الْهَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، وَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ إِلَى مَا قَدْ بَلَغَكُمْ؟ أَلَا تَنْظُرُونَ إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ: يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ، أَلَا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَا يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ، نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيُحِيلُهُمْ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَإِبْرَاهِيمُ عَلَى مُوسَى، وَمُوسَى عَلَى عِيسَى، وَعِيسَى يَقُولُ: اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتَمُ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الْأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ، أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى» . وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وَفِيهِ «أَنَّهُمْ يَأْتُونَ عِيسَى بَعْدَ آدَمَ وَنُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﵈، فَيَقُولُونَ لِعِيسَى ﵇: اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا، فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، إِنِّي اتُّخِذْتُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، وَإِنِّي لَا يُهِمُّنِي الْيَوْمَ إِلَّا

стр. 658

نَفْسِي، وَلَكِنْ إِنْ كَانَ مَتَاعٌ فِي وِعَاءٍ مَخْتُومٍ عَلَيْهِ، أَكَانَ يُقْدَرُ عَلَى مَا فِي جَوْفِهِ حَتَّى يُفَضَّ الْخَاتَمُ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقُولُ: إِنَّ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، قَدْ حَضَرَ الْيَوْمَ وَقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَيَأْتُونَنِي، فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ فَلْيَقْضِ بَيْنَنَا، فَيَقُولُ: أَنَا لَهَا، حَتَّى يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى، فَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَصْدَعَ بَيْنَ خَلْقِهِ نَادَى مُنَادٍ أَيْنَ أَحْمَدُ وَأُمَّتُهُ؟ فَنَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ، نَحْنُ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَوَّلُ مَنْ يُحَاسَبُ، فَتُفْرَجُ لَنَا الْأُمَمُ عَنْ طَرِيقِنَا، فَنَمْضِي مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الطَّهُورِ، فَتَقُولُ الْأُمَمُ: كَادَتْ هَذِهِ الْأُمَمُ أَنْ تَكُونَ أَنْبِيَاءَ كُلُّهَا، فَنَأْتِي بَابَ الْجَنَّةِ، فَآخُذُ بِحَلْقَةِ الْبَابِ فَأَقْرَعُ الْبَابَ، فَيُقَالُ: مَنْ أَنْتَ، فَيَقُولُ أَنَا مُحَمَّدٌ " الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: " يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ» ". وَفَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «إِنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جُثًى كُلُّ أُمَّةٍ تَتْبَعُ نَبِيَّهَا يَقُولُونَ: يَا فُلَانُ اشْفَعْ لَنَا، حَتَّى تَنْتَهِيَ الشَّفَاعَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَلِكَ يَوْمَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ مَقَامًا مَحْمُودًا» . (فَوَائِدُ) (الْأُولَى) : هَذِهِ الشَّفَاعَةُ الْعَامَّةُ الَّتِي خُصَّ بِهَا نَبِيُّنَا ﷺ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ هِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ ﷺ : لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ إِنَّمَا هِيَ لِأَجْلِ حِسَابِهِمْ، وَيُرَاحُوا مِنَ الْمَوْقِفِ كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ، قَالَ: وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبَى هُرَيْرَةَ: " «يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الْأَيْمَنِ» " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شَفَعَ فِيمَا طَلَبَ مِنْ تَعْجِيلِ حِسَابِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ، فَإِنَّهُ لَمَّا أُمِرَ بِإِدْخَالِ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَقَدْ شَرَعَ فِي حِسَابِ مَنْ عَلَيْهِ حِسَابٌ مِنْ أُمَّتِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَانَ طَلَبُ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ مِنَ النَّاسِ غَلَطٌ ثُمَّ يُلْهَمُونَ، وَذَكَرَ ابْنُ بَرَّجَانَ فِي الْإِرْشَادَانِ: الَّذِي يَدُلُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ رُءُوسُ الْمَحْشَرِ، وَهُمْ رُؤَسَاءُ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ. قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ: وَحَدِيثُ: " «لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ» ". . . إِلَخْ - مُتَوَاتِرٌ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَجَابِرٍ ﵄. أَخْرَجَهُمَا مُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الصَّامِتِ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ

стр. 659

اللَّهُ عَنْهُمْ أَخْرَجَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبَى عَقِيلٍ ﵁ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَحِكْمَةُ إِلْهَامِ النَّاسِ التَّرَدُّدَ إِلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَهُ، وَلَمْ يُلْهَمُوا الْمَجِيءَ إِلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ لِإِظْهَارِ فَضْلِهِ وَشَرَفِهِ ﷺ . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِهِ كَشْفِ عُلُومِ الْآخِرَةِ أَنَّ بَيْنَ إِتْيَانِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ آدَمَ وَإِتْيَانِهِمْ نُوحًا أَلْفَ سَنَةٍ، وَكَذَا بَيْنَ كُلِّ نَبِيٍّ وَنَبِيٍّ، فَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: لَمْ أَقِفْ لِذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ، وَقَدْ أُكْثِرَ فِي هَذَا الْكِتَابِ مِنْ إِيرَادِ أَحَادِيثَ لَا أَصْلَ لَهَا، فَلَا يُغْتَرُّ بِشَيْءٍ مِنْهَا. انْتَهَى. (الثَّانِيَةُ) شَفَاعَةُ النَّبِيِّ ﷺ نَوْعٌ مِنَ السَّمْعِيَّاتِ وَرَدَتْ بِهَا الْآثَارُ حَتَّى بَلَغَتْ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ، وَانْعَقَدَتْ عَلَيْهَا إِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ قَبْلَ ظُهُورِ الْمُبْتَدِعَةِ، لَكِنَّ هَذِهِ الشَّفَاعَةَ الْعُظْمَى مُجْمَعٌ عَلَيْهَا لَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ يَقُولُ بِالْحَشْرِ، إِذْ هِيَ لِلْإِرَاحَةِ مِنْ طُولِ الْوُقُوفِ حِينَ يَتَمَنَّوْنَ الِانْصِرَافَ مِنْ مَوْقِفِهِمْ ذَلِكَ، وَلَوْ إِلَى النَّارِ. (الثَّالِثَةُ) سُئِلَ الْقَاضِي جَلَالُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ عَنْ سُجُودِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَيْثُ الْوُضُوءِ، فَأَجَابَ بِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى طِهَارَةِ غُسْلِ الْمَوْتِ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ الْأَصَحُّ بِأَنَّ أُمُورَ الْآخِرَةِ لَيْسَتْ كَأَحْكَامِ الدُّنْيَا، إِذِ الْآخِرَةُ لَيْسَتْ بِدَارِ تَكْلِيفٍ، فَلَا يَتَوَقَّفُ السُّجُودُ فِيهَا عَلَى وُضُوءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [شفاعة الأنبياء وغيرهم] ((فَإِنَّهَا ثَابِتَةٌ لِلْمُصْطَفَى ... كَغَيْرِهِ مِنْ كُلِّ أَسْبَابِ الْوَفَا)) ((مِنْ عَالِمٍ كَالرُّسْلِ وَالْأَبْرَارِ ... سِوَى الَّتِي خُصَّتْ بِذِي الْأَنْوَارِ)) ((فَإِنَّهَا)) أَيِ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى وَغَيْرُهَا مِنْ سَائِرِ الشَّفَاعَاتِ الْآتِي ذِكْرُهَا (ثَابِتَةٌ) بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ بَلِ الْمُتَوَاتِرِ (لِـ) النَّبِيِّ ((الْمُصْطَفَى)) مُحَمَّدٍ ﷺ ((كَ)) مَا أَنَّهَا ثَابِتَةٌ لِـ ((غَيْرِهِ)) أَيْ غَيْرِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ((مِنْ كُلِّ أَرْبَابِ)) أَيْ أَصْحَابِ ((الْوَفَا)) بِامْتِثَالِ الْأَوَامِرِ، وَالِانْتِهَاءِ عَنِ الزَّوَاجِرِ. ثُمَّ أَخَذَ فِي بَيَانِ مَا أُجْمِلَ مِنْ أَرْبَابِ الْوَفَا بِقَوْلِهِ: ((مِنْ عَالِمٍ)) عَامِلٍ بِعِلْمِهِ مُعَلِّمٍ لِغَيْرِهِ، وَهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ، وَهَؤُلَاءِ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، فَهَؤُلَاءِ كَمَا نَفَعُوا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا بِالدَّلَالَةِ وَالتَّعْلِيمِ، كَذَلِكَ يَنْفَعُونَهُمْ بِالشَّفَاعَةِ عِنْدَ الْمَوْلَى الْجَوَّادِ الْكَرِيمِ، فَيَقْبَلُ شَفَاعَاتِهِمْ، وَيُعْلِي دَرَجَاتِهِمْ ((كَالرُّسْلِ))

стр. 660

جَمْعُ رَسُولٍ، وَهُوَ مَنْ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ مِنْ بَنِي آدَمَ وَأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ وَكَذَا الْأَنْبِيَاءُ، وَهُمْ - يَعْنِي الرُّسُلَ وَالْأَنْبِيَاءَ - خَوَاصُّ الْخَلْقِ مِنْ بَنِي آدَمَ ((وَالْأَبْرَارِ)) جَمْعُ بَارٍّ، وَهُمُ الْأَتْقِيَاءُ الْأَخْيَارُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ سَائِرِ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالصَّحَابَةِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ وَالْأَوْلِيَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ مَرَاتِبِهِمْ وَمَقَامَاتِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَشْفَعُونَ، وَبِقَدْرِ جَاهِهِمْ وَوَجَاهَتِهِمْ يُشَفَّعُونَ لِثُبُوتِ الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ، وَتَرَادُفِ الْآثَارِ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ أَمْرٌ جَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحِيلٍ، فَيَجِبُ تَصْدِيقُهُ وَالْقَوْلُ بِمُوجَبِهِ لِثُبُوتِ الدَّلِيلِ، فَقَدْ قَالَ ﷺ : (( «أَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ» )) رَوَى هَذَا اللَّفْظَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهُ بْنُ سَلَامٍ ﵁ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا. وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ قَالَ: يَشْفَعُ نَبِيُّكُمْ رَابِعُ أَرْبَعَةٍ جِبْرِيلُ ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ مُوسَى ثُمَّ عِيسَى ثُمَّ نَبِيُّكُمْ، لَا يُشَفَّعُ أَحَدٌ فِي أَكْثَرَ مِمَّا يُشَفَّعُ فِيهِ نَبِيُّكُمْ، ثُمَّ الْمَلَائِكَةُ، ثُمَّ النَّبِيُّونَ، ثُمَّ الصِّدِّيقُونَ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: كَذَا قَالَ أَبُو الزَّعْرَاءِ: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ ﷺ أَوَّلُ شَافِعٍ، وَكَذَا قَالَ غَيْرُ الْبُخَارِيِّ مِنْ أَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ» " وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ، وَفِي آخِرِهِ " «ثُمَّ الْمُؤَذِّنُونَ» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ قَوْمٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ عُذِّبُوا فِي النَّارِ - بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ» "، وَأَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَنَحْوِهِ، وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُشَفِّعُ اللَّهُ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ جَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ فِي مِائَةِ أَلْفِ أَلْفٍ، وَعَشْرَةِ آلَافِ أَلْفٍ» "، وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ، وَالْأَصْفَهَانِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يُجَاءُ بِالْعَالِمِ وَالْعَابِدِ، فَيُقَالُ لِلْعَابِدِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ، وَيُقَالُ لِلْعَالِمِ: قِفْ حَتَّى تَشْفَعَ لِلنَّاسِ» ".

стр. 661

وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مِثْلَهُ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ " «بِمَا أَحْسَنْتَ أَدَبَهُمْ» ". وَأَخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا " «يُقَالُ لِلْعَالِمِ: اشْفَعْ فِي تَلَامِذَتِكَ، وَلَوْ بَلَغَ عَدَدُهُمْ نُجُومَ السَّمَاءِ» ". وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الشَّهِيدُ يُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» " وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ مِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُشَفَّعُ فِي الرَّجُلِ وَالرَّجُلَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَاهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجَدْعَاءِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ "، قَالُوا: سِوَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: سِوَايَ» قَالَ الْفِرْيَابِيُّ: يُقَالُ: إِنَّهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَسَنِ مَرْفُوعًا " «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ» " وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ مَرْفُوعًا " «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ أَكْثَرُ مِنْ مُضَرَ، وَإِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ سَيَعْظُمُ لِلنَّارِ حَتَّى يَكُونَ أَحَدَ زَوَايَاهَا» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ. وَهَنَّادٌ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ لَيْسَ بِنَبِيٍّ مِثْلُ الْحَيَّيْنِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا يَشْفَعُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ فِي الْفِئَامِ مِنَ النَّاسِ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ، وَيَشْفَعُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لِلْقَبِيلَةِ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ، وَيَشْفَعُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لِلرَّجُلِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِهِ» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: لَا تَزَالُ الشَّفَاعَةُ بِالنَّاسِ، وَهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ حَتَّى إِنَّ إِبْلِيسَ الْأَبَالِيسِ لَيَتَطَاوَلُ لَهَا رَجَاءَ أَنْ تُصِيبَهُ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:

стр. 662

" «الْحَاجُّ يَشْفَعُ فِي أَرْبَعَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ» ". وَالْحَاصِلُ أَنْ لِلنَّاسِ شَفَاعَاتٍ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ، وَعُلُوِّ مَرَاتِبِهِمْ وَقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْقُرْآنُ يَشْفَعُ لِأَهْلِهِ، وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَشْفَعُ لِمُسْتَلِمِهِ، وَلَكِنْ لَا يَشْفَعُونَ ﴿إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨] . ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (سِوَى) الشَّفَاعَاتِ (الَّتِي خُصَّتْ بِذِي) أَيْ بِصَاحِبِ (الْأَنْوَارِ) نَبِيِّنَا الْمُخْتَارِ ﷺ مَا دَارَتِ الْأَدْوَارُ، وَتَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا صِدِّيقٌ وَلَا شَهِيدٌ؛ لِأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِجَنَابِهِ الرَّفِيعِ، وَقَدْرِهِ الْمَجِيدِ، وَالشَّفَاعَاتُ الْمُخْتَصَّةُ بِهِ ﷺ عِدَّةٌ، (أَوَّلُهَا) : وَهِيَ أَعْظَمُهَا وَأَعَمُّهَا، شَفَاعَتُهُ ﷺ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْوَرَى بَعْدَ التَّرَدُّدِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَتَدَافُعِهَا بَيْنَ أَخْيَارِ الْمَلَأِ إِلَى أَنْ تَصِلَ لِصَاحِبِ الْحَوْضِ الْمَوْرُودِ، وَهَى الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ، وَقَدْ عَمَّ الْعَالَمَ زِيَادَةُ الْقَلَقِ، وَتَصَاعَدَ الْعَرَقُ، وَقَاسَوْا مِنْ ذَلِكَ مَا يُذِيبُ الْأَكْبَادَ، وَيُنْسِي الْأَوْلَادَ، وَهَذِهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا لَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ. (ثَانِيهَا) : يَشْفَعُ عِنْدَ رَبِّهِ فِي إِدْخَالِ قَوْمٍ مِنْ أُمَّتِهِ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، فَإِنَّ هَذِهِ خَاصَّةٌ بِهِ أَيْضًا ﷺ كَمَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْإِمَامُ النَّوَوِيُّ، وَتَرَدَّدَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الِاخْتِصَاصِ، وَتَبِعَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ قَالَ: فَإِنَّ الِاخْتِصَاصَ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِالدَّلِيلِ، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ هَذِهِ الشَّفَاعَةِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَجَزَمَ بِالِاخْتِصَاصِ الْحَافِظُ السُّيُوطِيُّ فِي أُنْمُوذَجِ اللَّبِيبِ. (ثَالِثُهَا) : شَفَاعَتُهُ ﷺ فِي قَوْمٍ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَيَشْفَعُ فِيهِمْ فَلَا يَدْخُلُونَهَا، وَهَذِهِ جَزَمَ الْقَاضِي وَابْنُ السُّبْكِيِّ بِعَدَمِ اخْتِصَاصِهَا بِهِ ﷺ وَتَرَدَّدَ النَّوَوِيُّ فِي ذَلِكَ. قَالَ السُّبْكِيُّ: لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ صَحِيحٌ بِثُبُوتِ الِاخْتِصَاصِ وَلَا بِنَفْيِهِ. وَجَزَمَ فِي الْأُنْمُوذَجِ بِأَنَّهَا مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ . (رَابِعًا) فِي رَفْعِ دَرَجَاتِ نَاسٍ فِي الْجَنَّةِ، وَهَذِهِ لَا تُنْكِرُهَا الْمُعْتَزِلَةُ كَالْأُولَى، إِلَّا أَنَّ النَّوَوِيَّ جَوَّزَ اخْتِصَاصَهَا بِهِ ﵊، وَجَزَمَ فِي كِتَابِ الِانْتِقَادِ لَهُ بِاخْتِصَاصِهَا بِهِ. قَالَ فِي الْأُنْمُوذَجِ: جَوَّزَ النَّوَوِيُّ اخْتِصَاصَ هَذِهِ وَالَّتِي قَبْلَهَا بِهِ، وَوَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ فِي الَّتِي قَبْلُ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ، وَابْنُ دِحْيَةَ. (خَامِسُهَا) :

стр. 663

الشَّفَاعَةُ فِي إِخْرَاجِ عُمُومِ أُمَّتِهِ مِنَ النَّارِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ، ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ، وَبِالشَّفَاعَةِ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ صُلَحَاءِ الْمُسْلِمِينَ لِيَتَجَاوَزَ عَنْهُمْ فِي تَقْصِيرِهِمْ فِي الطَّاعَاتِ، ذَكَرَهُ الْقَزْوِينِيُّ فِي الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى. (تَنْبِيهَاتٌ) (الْأَوَّلُ) : الشَّفَاعَةُ الَّتِي تُنْكِرُهَا الْمُعْتَزِلَةُ، وَتَجْحَدُهَا هِيَ فِيمَنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا، وَفِيمَنْ دَخَلَهَا مِنْهُمْ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا، فَكَذَّبَتْ بِهَا الْمُبْتَدِعَةُ، وَنَفَتْهَا مَعَ ثُبُوتِ أَدِلَّتِهَا، وَتَضَافُرِ حُجَجِهَا مِمَّا يَتَعَسَّرُ إِحْصَاؤُهُ، وَيَتَعَذَّرُ اسْتِقْصَاؤُهُ، فَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ، فَقَالَ: " إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَوْمٌ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ وَالدَّجَّالِ، وَيُكَذِّبُونَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَيُكَذِّبُونَ بِعَذَابِ الْقَبْرِ، وَيُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ، وَيُكَذِّبُونَ بِقَوْمٍ يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا امْتَحَشُوا ". وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَهَنَّادٌ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: مَنْ كَذَّبَ بِالشَّفَاعَةِ فَلَيْسَ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: إِنَّ قَوْمًا يُكَذِّبُونَ بِالشَّفَاعَةِ، قَالَ: لَا تُجَالِسُوا أُولَئِكَ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْهُ قَالَ: يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ وَلَا نُكَذِّبُ بِهَا كَمَا يُكَذِّبُ بِهَا أَهْلُ حَرُورَاءَ، وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ شَبِيبِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الْمَكِّيِّ قَالَ: ذَكَرُوا عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ الشَّفَاعَةَ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا نُجَيْدٍ إِنَّكُمْ لَتُحَدِّثُونَنَا أَحَادِيثَ لَمْ نَجِدْ لَهَا أَصْلًا فِي الْقُرْآنِ، فَغَضِبَ عِمْرَانُ وَقَالَ لِلرَّجُلِ: أَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَهَلْ وَجَدْتَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ أَرْبَعًا، وَصَلَاةَ الْمَغْرِبِ ثَلَاثًا، وَالْغَدَاةَ رَكْعَتَيْنِ، وَالظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالْعَصْرَ أَرْبَعًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَعَنْ مَنْ أَخَذْتُمْ هَذَا؟ أَلَسْتُمْ عَنَّا أَخَذْتُمُوهُ، وَأَخَذْنَا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ، وَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وَفِي كُلِّ كَذَا شَاةٌ، وَفِي كُلِّ كَذَا بَعِيرٌ، أَوَجَدْتُمْ فِي الْقُرْآنِ هَذَا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: وَوَجَدْتُمْ فِي الْقُرْآنِ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] أَوَجَدْتُمْ طُوفُوا سَبْعًا وَارْكَعُوا رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ الْمَقَامِ؟ أَوَجَدْتُمْ هَذَا فِي الْقُرْآنِ؟ عَمَّنْ أَخَذْتُمُوهُ؟ أَلَسْتُمْ أَخَذْتُمُوهُ عَنَّا؟ ، وَأَخَذْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَوَجَدْتُمْ فِي الْقُرْآنِ: لَا جَلَبَ، وَلَا حَنَبَ، وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ

стр. 664

تَعَالَى قَالَ: فِي كِتَابِهِ ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وَإِنَّا قَدْ أَخَذْنَا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ بِهَا عِلْمٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَلَا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] وَقَوْلَ عِيسَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] ، فَرَفَعَ يَدَهُ، وَقَالَ: أُمَّتِي أُمَّتِي ثُمَّ بَكَى، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ لَهُ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوءُكَ» . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبَى طَالِبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أَشْفَعُ لِأُمَّتِي حَتَّى يُنَادِيَ رَبِّي ﵎: أَرَضِيتَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَأَقُولُ: أَيْ رَبِّ رَضِيتُ» . " وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ رَبِّي خَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ - وَفِي لَفْظٍ: بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ ثُلُثَيْ أُمَّتِي - بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ لِأُمَّتِي، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، قَالَ: وَهِيَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» ". وَرَوَى نَحْوَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا، وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ وَفِيهِ " «وَعَلِمْتُ أَنَّهَا أَوْسَعُ لَهُمْ، وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ مِثْلَهُ عَنْ أَنَسٍ. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا، وَالْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «خُيِّرْتُ بَيْنَ الشَّفَاعَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ لِأَنَّهَا أَعَمُّ وَأَكْفَى، أَتُرَوْنَهَا لِلْمُتَّقِينَ؟ وَلَكِنَّهَا لِلْمُذْنِبِينَ الْخَطَّائِينَ الْمُتَلَوِّثِينَ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنِّي لَأَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِأَكْثَرَ مِمَّا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ شَجَرٍ وَمَدَرٍ» ". وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ أُنَيْسٍ الْأَنْصَارِيِّ، وَلَفْظُهُ " «أَكْثَرَ مِمَّا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ حَجَرٍ وَمَدَرٍ» " وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ

стр. 665

مُحَمَّدٍ ﷺ وَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَيُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ» " وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ فَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ» " وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحُوهُ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» " وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «شَفَاعَتِي فِي أُمَّتِي الْمُذْنِبِينَ الْمُثْقِلِينَ» " وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا، وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «نِعْمَ الرَّجُلُ أَنَا لِشِرَارِ أُمَّتِي " قِيلَ: كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَّا شِرَارُ أُمَّتِي فَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَتِي، وَأَمَّا خِيَارُهُمْ فَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِأَعْمَالِهِمْ» ". وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَالْمُقْتَصِدُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ وَأَهْلُ الْأَعْرَافِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ » . وَفِي أَوْسَطِ الطَّبَرَانِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵁ مَرْفُوعًا " «إِنِّي ادَّخَرْتُ شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» " وَفِي الْكَبِيرِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اعْمَلِي وَلَا تَتَّكِلِي، فَإِنَّ شَفَاعَتِي لِلْهَالِكِينَ مِنْ أُمَّتِي» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» " قَالَ جَابِرٌ: ﵁ مَنْ زَادَتْ حَسَنَاتُهُ عَنْ سَيِّئَاتِهِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، وَمَنِ اسْتَوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَذَلِكَ الَّذِي يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَإِنَّمَا شَفَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ أَوْبَقَ نَفْسَهُ، وَأَغْلَقَ ظَهْرَهُ. وَأَخْرَجَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَنْ تَشْفَعُ؟ قَالَ: لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي، وَأَهْلِ الْعَظَائِمِ وَأَهْلِ الدِّمَاءِ» . " وَأَخْرَجَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: " «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي» ". وَأَخْرَجَ طَاوُسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ

стр. 666

مِنْ أُمَّتِي» " قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا مُرْسَلٌ حَسَنٌ يَشْهَدُ لِكَوْنِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ شَائِعَةً. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا: " «مَازِلْتُ أَشْفَعُ إِلَى رَبِّي وَيُشَفِّعُنِي، وَأَشْفَعُ، وَيُشَفِّعُنِي، حَتَّى أَقُولَ: أَيْ رَبِّ شَفِّعْنِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَيَقُولُ: هَذَا لَيْسَ لَكَ يَا مُحَمَّدُ وَلَا لِأَحَدٍ، هَذَا لِي، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَرَحْمَتِي لَا أَدَعُ فِي النَّارِ أَحَدًا يَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» ". (الثَّانِي) : فِي ذِكْرِ الْأَعْمَالِ الْمُوجِبَةِ لِشَفَاعَتِهِ ﷺ . أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: " ظَنَنْتُ أَنْ لَا يَسْأَلَنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ» ". وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ ﵁: " «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو. وَفِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ فَقِيهٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَسْمَعُ النِّدَاءَ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْمُفْتَرَضَةِ أَعْطِ مُحَمَّدًا سُؤْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ فِي شَفَاعَتِهِ» . وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَجَدْبِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵃، وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي أَيُّوبَ، وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَلْمَانَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ اسْتَوْجَبَ شَفَاعَتِي، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْآمِنِينَ» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبَى الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ حِينَ يُصْبِحُ عَشْرًا

стр. 667

وَحِينَ يُمْسِي عَشْرًا أَدْرَكَتْهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ مَرْفُوعًا: " «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» ". وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي السُّنَّةِ، وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ الْمَقْعَدَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي» "، وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ أَبِي زِيَادٍ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ عَنْ خَادِمِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِمَّا يَقُولُ لِلْخَادِمِ: أَلَكَ حَاجَةٌ؟ حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَاجَتِي أَنْ تَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ فَأَعِنِّي بِكَثْرَةِ السُّجُودِ» ، وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا: " مَنْ «زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ شَفَاعَتِي» ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِلَفْظِ: " «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تَحْمِلُهُ حَاجَةٌ إِلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ ﵁ مَرْفُوعًا: " «مَنْ زَارَنِي كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا، وَمَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الْآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". (الثَّالِثُ) : فِي مَنْ لَا تُدْرِكُهُمُ الشَّفَاعَةُ، وَيُحْرَمُونَ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِاتِّصَافِهِمْ بِالْبِدَعِ وَسُوءِ الْبِضَاعَةِ، فَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَا تَنَالُهُمَا شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ» " وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ غَشَّ الْعَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي» . قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْعَرَبُ اسْمٌ لِهَذَا الْجِيلِ الْمَعْرُوفِ مِنَ النَّاسِ، وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَسَوَاءٌ أَقَامَ بِالْبَادِيَةِ أَوِ الْمُدُنِ. انْتَهَى. وَالْمُرَادُ بِهِمْ هُنَا بَنُو إِسْمَاعِيلَ. وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ، وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «رَجُلَانِ لَا تَنَالُهُمْ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ ظَلُومٌ غَشُومٌ عَسُوفٌ، وَآخَرُ غَالٍ فِي دِينِ اللَّهِ مَارِقٌ مِنْهُ» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَغَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «ذَرُوا الْمِرَاءَ فَإِنَّ الْمُمَارِيَ لَا أَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ".

стр. 668

(الرَّابِعُ) : مِمَّا احْتَجَّتِ الْمُعْتَزِلَةُ لِمَذْهَبِهِمْ فِي نَفْيِ الشَّفَاعَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] ، وَزَعَمُوا أَنَّ مَنْ دَخَلَ جَهَنَّمَ يُخَلَّدُ فِيهَا لِأَنَّهُ إِمَّا كَافِرٌ أَوْ صَاحِبُ كَبِيرَةٍ مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ، هَذَا رَأْيُهُمْ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَهُوَ رَأْيٌ فَاسِدٌ وَمَذْهَبٌ بَاطِلٌ تَرُدُّهُ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ، وَالْآثَارُ الصَّرِيحَةُ، وَإِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ أَيَّدَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، وَأَجَابُوا عَنِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئَا﴾ [البقرة: ٤٨] الْكُفَّارُ لِلْآيَاتِ الْوَارِدَةِ، وَالْأَخْبَارِ الثَّابِتَةِ فِي الشَّفَاعَةِ، قَالَ الْقَاضِي الْبَيْضَاوِيُّ: تَمَسَّكَتِ الْمُعْتَزِلَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى نَفْيِ الشَّفَاعَةِ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ لِلْكُفَّارِ، وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ مِيثَاقَ الْخِطَابِ مَعَهُمْ. وَالْآيَةُ نَزَلَتْ رَدًّا لِمَا كَانَتِ الْيَهُودُ تَزْعُمُ أَنَّ آبَاءَهُمْ تَشْفَعُ لَهُمْ. انْتَهَى. وَعَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨] الْمُرَادُ بِالظَّالِمِينَ الْكُفَّارُ، فَإِنَّ الظَّالِمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الْكَافِرُ، وَقَالَتِ الْمُعْتَزِلَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]- ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]- ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] . وَمَنْ أَخْزَاهُ اللَّهُ لَا يَرْتَضِيهِ، وَمَنِ ارْتَضَاهُ لَا يُخْزِيهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [التحريم: ٨] الْآيَةَ، وَالْجَوَابُ عَنِ الْآيَةِ الْأُولَى مَا قَالَ سَيِّدُنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعْنَى ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ [آل عمران: ١٩٢] مَنْ تُخْلِدُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: تُدْخِلُ مَقْلُوبُ تُخْلِدُ. وَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَ أَهْلُ حَرُورَاءَ: " يَعْنِي الْخَوَارِجَ "، فَعَلَى هَذَا قَوْلُهُ قَدْ أَخْزَيْتَهُ عَلَى بَابِهِ مِنَ الْهَلَاكِ أَيْ: أَهْلَكْتَهُ وَأَبْعَدْتَهُ وَمَقَتَّهُ، وَلِهَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: الْآيَةُ جَاءَتْ خَاصَّةً فِي قَوْمٍ لَا يَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْآيَةِ ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [البقرة: ٢٧٠] أَيِ الْكُفَّارِ، وَإِنْ سُلِّمَ أَنَّ الْآيَةَ فِي عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ فَالْمُرَادُ بِالْخِزْيِ الْحَيَاءُ، يُقَالُ: خَزِيَ يَخْزَى خِزَايَةً إِذَا اسْتَحَى، فَهُوَ خَزْيَانُ، وَامْرَأَةٌ خَزْيَا، فَخِزْيُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ اسْتِحْيَاؤُهُمْ مِنْ دُخُولِ النَّارِ وَدَارِ الْبَوَارِ مَعَ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْكُفَّارِ، ثُمَّ يَخْرُجُونَ بِشَفَاعَةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ، وَرَحْمَةِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، وَنَفْيُ النُّصْرَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الشَّفَاعَةِ لِأَنَّهَا طَلَبٌ مِنْ خُضُوعٍ، وَالنُّصْرَةُ رُبَّمَا تُبْنَى عَلَى الْمُدَافَعَةِ وَالْمُمَانَعَةِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، عَلَى أَنَّا نَقُولَ لَا يَسْلَمُ لَهُمْ زَعْمُهُمْ أَنَّ الْفَاسِقَ

стр. 669

غَيْرُ مَرْضِيٍّ مُطْلَقًا، بَلْ هُوَ مَرْضِيٌّ مِنْ جِهَةِ الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَإِنْ كَانَ مَبْغُوضًا مِنْ جِهَةِ الذُّنُوبِ وَالْعِصْيَانِ وَارْتِكَابِ الْقَبَائِحِ، بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَرْضِيٍّ مُطْلَقًا لِعَدَمِ الْأَسَاسِ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ الْحَسَنَاتُ وَالِاعْتِدَادُ بِالْكَمَالَاتِ وَهُوَ الْإِيمَانُ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ بِالشَّفَاعَةِ وَاجِبٌ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنَ النُّصُوصِ مَا لَعَلَّهُ يَقْلَعُ شُرُوشَ الِاخْتِلَاجِ مِنْ خَوَاطِرِ مَنْ أَذْعَنَ لَهَا، وَخَلَعَ مِنْ عُنُقِهِ رِبْقَةَ تَقْلِيدِ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالِاعْوِجَاجِ، كَيْفَ وَالنُّصُوصُ مُتَوَاتِرَةٌ، وَالْآثَارُ مُتَوَافِرَةٌ، وَالْعَقْلُ الصَّحِيحُ لَا يُحِيلُ ذَلِكَ، وَالنَّقْلُ الصَّرِيحُ نَاطِقٌ بِمَا هُنَالِكَ، فَدَعْ عَنْكَ نِحْلَةَ فُلَانَةَ وَفُلَانٍ، وَاعْقِدْ قَلْبَكَ عَلَى مَا صَحَّ عَنْ سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَانَ، وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، فَإِنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي لَا عَقْلَ يُحِيلُهُ، وَلَا نَقْلَ يُزِيلُهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفَّقُ. [فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ] [الْكَلَامِ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ] ((فَصْلٌ فِي الْكَلَامِ عَنِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ)) وَلَمَّا انْتَهَى الْكَلَامُ عَلَى الشَّفَاعَةِ وَأَقْسَامِهَا وَتَفْصِيلِهَا وَأَحْكَامِهَا بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِالْمَقَامِ، أَعْقَبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الْعَظِيمَتَيْنِ دَارِ الْقَرَارِ لِلْأَخْيَارِ، وَدَارِ الْبَوَارِ لِلْكُفَّارِ، وَهُمَا الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَ: ((وَكُلُّ إِنْسَانٍ وَكُلُّ جِنَّةٍ ... فِي دَارِ نَارٍ أَوْ نَعِيمِ جَنَّةٍ)) ((هُمَا مَصِيرُ الْخَلْقِ فِي كُلِّ الْوَرَى ... فَالنَّارُ دَارُ مَنْ تَعَدَّى وَافْتَرَى)) ((وَمَنْ عَصَى بِذَنْبِهِ لَمْ يَخْلُدِ ... وَإِنْ دَخَلَهَا يَا بَوَارَ الْمُعْتَدِي)) ((وَكُلُّ إِنْسَانٍ)) مِنْ بَنِي آدَمَ، فَالْإِنْسُ وَالْإِنْسَانُ مِنَ الْبَشَرِ، وَالْوَاحِدُ إِنْسِيٌّ وَأَنَسِيٌّ، وَالْجَمْعِ أَنَاسِيُّ وَالْمَرْأَةُ إِنْسَانٌ، وَبِالْهَاءِ عَامِّيَّةٌ كَمَا فِي الْقَامُوسِ قَالَ: وَسُمِعَ فِي شِعْرٍ كَأَنَّهُ مُوَلَّدٌ: لَقَدْ كَسَتْنِي فِي الْهَوَى ... مَلَابِسَ الصَّبِّ الْغَزَلْ إِنْسَانَةٌ فَتَّانَةٌ ... بَدْرُ الدُّجَى مِنْهَا خَجِلْ إِذَا زَنَتْ عَيْنِي بِهَا ... فَبِالدُّمُوعِ تَغْتَسِلْ ((وَكُلُّ جِنَّةٍ)) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ مَفْتُوحَةً طَائِفَةُ الْجِنِّ، وَالْجَانُّ اسْمٌ لِلْجِنِّ، أَيْ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الثَّقَلَيْنِ الَّذَيْنِ هُمَا الْإِنْسُ وَالْجِنُّ لَابُدَّ أَنْ

стр. 670

يَكُونَ ((فِي)) إِحْدَى الدَّارَيْنِ إِمَّا فِي ((دَارِ نَارٍ)) وَهِيَ دَارُ الْبَوَارِ وَمَقَرُّ الْكُفَّارِ، وَهِيَ جِسْمٌ لَطِيفٌ مُحْرِقٌ يَطْلُبُ الْعُلُوَّ تُذَكَّرُ وَتُؤَنَّثُ، وَأَلِفُهَا مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ بِدَلِيلِ تَصْغِيرِهِ عَلَى نُوَيْرَةٍ، وَتُجْمَعُ جَمْعَ قِلَّةٍ عَلَى نِيرَةٍ وَأَنْوَارٍ، وَجَمْعَ كَثْرَةٍ عَلَى نِيرَانٍ وَنُورٍ، وَالنُّورُ ضَوْءُهَا وَضَوْءُ كُلِّ نِيرٍ، وَهُوَ ضِدُّ الظُّلْمَةِ، وَالنَّارُ سَبْعُ طَبَقَاتٍ أَعْلَاهَا جَهَنَّمُ، فَلَظًى ثُمَّ الْحُطَمَةُ، ثُمَّ السَّعِيرُ، ثُمَّ سَقَرُ، ثُمَّ الْجَحِيمُ، ثُمَّ الْهَاوِيَةُ، وَبَابُ كَلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مِنْ دَاخِلِ الْأُخْرَى عَلَى الِاسْتِوَاءِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُ ((أَوْ)) فِي دَارِ ((نَعِيمٍ)) مُقِيمٍ فِي ((جَنَّةِ)) الْمَوْلَى الْكَرِيمِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ، فَكُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ حَقٌّ ثَابِتٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَكُلُّ مَا هُوَ كَذَلِكَ فَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَاعْتِقَادُ وَجُودِهِ حَقٌّ لَازِبٌ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْجَنَّةِ دَارُ الثَّوَابُ، وَمِنَ النَّارِ دَارُ الْعِقَابِ ((هُمَا)) أَيِ: الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ((مَصِيرُ الْخَلْقِ)) مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، أَيْ لَابُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ ((مِنْ كُلِّ الْوَرَى)) كِفَّتَيِ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، بَلْ وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ، فَإِنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي الْجَنَّةِ كَمَا يَأْتِي، أَنْ يَصِيرَ إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ وَإِمَّا أَهْلِ الْأَعْرَافِ، فَإِنَّ مَصِيرَهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ كَمَا يَأْتِي ((فَالنَّارُ الَّتِي هِيَ دَارُ الْهَوَانِ وَالْبَوَارِ، فَهِيَ ((دَارُ مَنْ)) أَيْ كُلِّ شَخْصٍ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ ((تَعَدَّى)) طَوْرَهُ، وَخَالَفَ مَوْلَاهُ فَكَفَرَ بِهِ، أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ، أَوْ بِكِتَابٍ مِنْ كُتُبِهِ، أَوْ شَرْعٍ مِنْ شَرْعِهِ عَلَى لِسَانِ نَبِيٍّ بَعَثَهُ، وَلَمْ يَنْسَخْهُ ((وَافْتَرَى)) فِيمَا عَبَدَ، وَاجْتَرَأَ بِمَا قَصَدَ، فَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ الْحُدُودِ، وَلَمْ يَفِ بِالْعَهْدِ الْمَوْعُودِ، فَكُلُّ مَنْ حَكَمَ الشَّرْعُ بِكُفْرِهِ مِنْ كَافِرٍ أَصْلِيٍّ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْكَوَاكِبِ وَالنِّيرَانِ، وَأَهْلِ الشَّرَائِعِ الْمَنْسُوخَةِ بَعْدَ النَّسْخِ وَالتَّبْدِيلِ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَهُمْ خَالِدُونَ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ، وَدَارِ الْخِزْيِ وَالْبَوَارِ ((مِنْ)) أَيْ وَكُلُّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَلَوْ مُبْتَدِعًا لَمْ يَحْكُمِ الشَّرْعُ بِكُفْرِهِ ((عَصَى)) بِمُخَالَفَةِ رَبِّهِ، وَتَعَدَّى حُدُودَهُ ((بِذَنْبِهِ)) ، وَلَوْ كَانَ ذَنْبُهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا وَأَكْلِ الرِّبَا، وَمَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ وَلَوْ لَمْ يَتُبْ ((لَمْ يَخْلُدْ)) فِي النَّارِ ((وَإِنْ دَخَلَهَا)) لِيَتَطَهَّرَ مِنَ الْأَوْزَارِ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا إِمَّا بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ، أَوْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرَّاحِمِينَ كَمَا تَقَدَّمَ ((يَا بَوَارَ)) أَيْ يَا هَلَاكَ ((الْمُعْتَدِي)) إِشَارَةً إِلَى تَقْبِيحِ مَا ذَهَبَتْ إِلَيْهِ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ زَعْمِهِمْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ، فَهُوَ خَالِدٌ فِيهَا لِأَنَّهُ إِمَّا كَافِرٌ، أَوْ صَاحِبُ كَبِيرَةٍ
следующие страницы →