← Акыда

Акыда · id 8353

لوامع الأنوار البهية

السفاريني

Полный текст (921 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وَاقِعَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الْآخِرَةِ قَطْعًا كَمَا مَرَّ، وَأَمَّا مَنِ ادَّعَاهَا فِي الدُّنْيَا يَقَظَةً لِغَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ عَلَى مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخِلَافِ فَهُوَ ضَالٌّ، بَلْ قَالَ الْكَوَاشِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ فِي سُورَةِ النَّجْمِ: وَمُعْتَقِدُ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى هُنَا يَعْنِي فِي الدُّنْيَا بِالْعَيْنِ لِغَيْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَزِنْدِيقٌ، فَلَوْ قَالَ: إِنِّي أَرَى اللَّهَ عِيَانًا فِي الدُّنْيَا، وَيُكَلِّمُنِي شِفَاهًا كَفَرَ. انْتَهَى. وَنُقِلَ عَنِ الْمَهْدَوِيِّ الْمُفَسِّرِ أَنَّهُ كَفَّرَ مُدَّعِيَ الرُّؤْيَةِ. هَذَا، وَقَدْ نَقَلَ جَمَاعَةٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ لِلْأَوْلِيَاءِ فِي الدُّنْيَا. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ وَأَبُو شَامَةَ: إِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ مُدَّعِي الرُّؤْيَةِ فِي الدُّنْيَا يَقَظَةً، فَإِنَّ شَيْئًا مُنِعَ مِنْهُ مُوسَى كَلِيمُ اللَّهِ ﵊، وَاخْتُلِفَ فِي حُصُولِهِ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ كَيْفَ يُسْمَحُ بِهِ لِمَنْ لَمْ يَصِلْ لِمَقَامِهِمَا مِمَّا لَا يُتَوَقَّفُ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِآحَادِ النَّاسِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى مَنَامًا وَالْحَقُّ جَوَازُهَا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (الثَّانِي) : اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] أَيْ حَيْثُ الْوَتَرُ مِنَ الْقَوْسِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: قَابَ قَوْسَيْنِ أَيْ مِقْدَارَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى أَوْ أَقْرَبَ، وَالْقَابُ مَا بَيْنَ الْقُبَّةِ وَالسِّيَةِ مِنَ الْقَوْسِ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَوْسِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا. قَالَ: وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الذِّرَاعُ؛ لِأَنَّهُ يُقَاسُ بِهَا الشَّيْءُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الرَّاجِحُ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: الْقَابُ الْقَدْرُ، وَالْقَوْسَيْنِ الذِّرَاعَانِ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْقَوْسُ الَّتِي يُرْمَى بِهَا لَمْ يُمَثَّلْ بِذَلِكَ لِيَحْتَاجَ إِلَى التَّثْنِيَةِ فَكَانَ يُقَالُ مَثَلًا: قَابَ رُمْحٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، وَقَدْ قِيلَ أَنَّهُ عَلَى الْقَلْبِ، وَالْمُرَادُ فَكَانَ قَابَيْ قَوْسٍ؛ لِأَنَّ الْقَابَ مَا بَيْنَ الْمِقْبَضِ إِلَى السِّيَةِ، فَلِكُلِّ قَوْسٍ قَابَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خَالِفَتِهِ. وَقَوْلُهُ: أَوْ أَدْنَى أَيْ: أَقْرَبَ، قَالَ الزَّجَّاجُ: خَاطَبَ اللَّهُ الْعَرَبَ بِمَا أَلِفُوا، وَالْمَعْنَى: فِيمَا تُقَدِّرُونَ أَنْتُمْ، وَاللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِالْأَشْيَاءِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ لَا تَرَدُّدَ عِنْدَهُ، وَقِيلَ: أَوْ بِمَعْنَى بَلْ، وَالتَّقْدِيرُ بَلْ هُوَ أَقْرَبُ مِنَ الْقَدْرِ الْمَذْكُورِ، وَسِيَةُ الْقَوْسِ هِيَ الْفُرْضَةُ الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا الْوَتَرُ، وَالْمُرَادُ بِهِ جِبْرِيلُ ﵇. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي التَّفْسِيرِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الصَّحَابَةِ ﵃.

стр. 737

وَقَدْ رَوَى الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂ ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى - فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨ - ٩] قَالَتْ ذَاكَ جِبْرِيلُ. قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: لِأَنَّ جِبْرِيلَ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِمَا ذُكِرَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى - عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٤] هَكَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ لِعَائِشَةَ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: «سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ: ذَلِكَ جِبْرِيلُ لَمْ أَرَهُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ: وَلَفْظُ الْقُرْآنِ لَا يَدُلُّ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، ثُمَّ سَاقَ سَبْعَةَ وُجُوهٍ دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ شَرِيكٍ عَنْ أَنَسٍ وَدَنَا لِلْجَبَّارِ رَبِّ الْعِزَّةِ، فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِيهِ، وَقَالُوا: إِنْ شَرِيكًا غَلِطَ فِيهِ وَذَكَرَ فِيهِ أُمُورًا مُنْكَرَةً، لَكِنْ قَالَ الْمُحَقِّقُ أَنَّ الدُّنُوَّ وَالتَّدَلِّي الَّذِي فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ غَيْرُ الَّذِي فِي الْآيَةِ، وَلِذَا قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَيْ: فَكَانَ بَيْنَ جِبْرِيلَ وَمُحَمَّدٍ ﷺ مِقْدَارُ قَوْسَيْنِ أَوْ أَقَلَّ، وَهَذَا عَلَى اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ وَعَادَتِهِمْ، فَإِنَّ الْأَمِيرَيْنِ مِنْهُمْ أَوِ الْكَبِيرَيْنِ إِذَا اصْطَلَحَا وَتَعَاقَدَا أَخْرَجَا بِقَوْسَيْهِمَا، فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَوْسَهُ بِطَرَفِ قَوْسِ صَاحِبِهِ، وَمَنْ دُونَهُمَا مِنَ الرَّعِيَّةِ يَكُونُ كَفُّهُ بِكَفِّ صَاحِبِهِ فَيَمُدَّانِ بَاعَيْهِمَا كَذَلِكَ فَسُمِّيَ مُبَايَعَةً. انْتَهَى. وَقَوْلُهُ: أَوْ أَدْنَى، قَالَ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ: أَوْ هُنَا لَيْسَتْ لِلشَّكِّ بَلْ لِتَحْقِيقِ قَدْرِ الْمَسَافَةِ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُ عَلَى قَوْسَيْنِ الْبَتَّةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] تَحْقِيقًا لِهَذَا الْعَدَدِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَنْقُصُونَ عَنْ مِائَةِ أَلْفِ رَجُلًا وَاحِدًا، وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] أَيْ لَا تَنْقُصُ قَسْوَتُهَا عَنْ قَسْوَةِ الْحِجَارَةِ بَلْ إِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى قَسْوَةِ الْحِجَارَةِ لَمْ تَكُنْ دُونَهَا، قَالَ: وَهَذَا الْمَعْنَى أَحْسَنُ وَأَلْطَفُ وَأَدَقُّ مِنْ قَوْلِ مَنْ جَعَلَ " أَوْ " فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى بَلْ، وَمِنْ قَوْلِ مَنْ جَعَلَهَا لِلشَّكِّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرَّائِي، وَمِنْ قَوْلِ مَنْ جَعَلَهَا بِمَعْنَى الْوَاوِ فَتَأَمَّلْهُ. انْتَهَى. (الثَّالِثُ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى) : السِّدْرُ شَجَرُ النَّبْقِ، وَاحِدُهُ سِدْرَةٌ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهَا سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى لِأَنَّهُ يَنْتَهِي إِلَيْهَا مَا يُهْبَطُ مِنْ فَوْقِهَا، فَيُقْبَضُ مِنْهَا وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي

стр. 738

مَا يَعْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ دِحْيَةَ، وَاخْتِيرَتِ السِّدْرَةُ دُونَ غَيْرِهَا لِأَنَّ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَوْصَافٍ: ظِلٌّ مَدِيدٌ، وَطَعْمٌ لَذِيذٌ، وَرَائِحَةٌ ذَكِيَّةٌ، فَكَانَتْ بِمَنْزِلَةِ الْإِيمَانِ الَّذِي يَجْمَعُ الْقَوْلَ وَالْعَمَلَ وَالنِّيَّةَ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ السِّدْرَةَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ أَنَّهَا فِي السَّابِعَةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهُوَ تَعَارُضٌ لَا شَكَّ فِيهِ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ قَوْلُ الْأَكْثَرِ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ وَصْفُهَا بِكَوْنِهَا الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا عِلْمُ كُلِّ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ، وَكُلِّ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، وَيَتَرَجَّحُ حَدِيثُ أَنَسٍ أَيْضًا بِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفٌ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: كَذَا قَالَ - يَعْنِي الْقُرْطُبِيَّ - وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى الْجَمْعِ بَلْ جَزَمَ بِالتَّعَارُضِ، وَلَا يُعَارِضُ أَنَّهَا فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ أَنَّهُ وَصَلَ إِلَيْهَا بَعْدَ أَنْ دَخَلَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ أَصْلَهَا فِي السَّادِسَةِ وَأَغْصَانَهَا وَفُرُوعَهَا فِي السَّابِعَةِ، وَلَيْسَ فِي السَّادِسَةِ إِلَّا أَصْلُ سَاقِهَا، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْأَظْهَرُ أَنَّ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى مَغْرُوسَةٌ بِالْأَرْضِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: وَنَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَلَا يُطْلَقُ هَذَا اللَّفْظُ وَمَا أَشْبَهَهُ إِلَّا عَلَى مَا يُفْهَمُ، وَالْبَاطِنُ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ سَرَيَانُهُ تَحْتَ شَيْءٍ، وَحِينَئِذٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْبَاطِنِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ أَصْلَ شَجَرَةِ الْمُنْتَهَى فِي الْأَرْضِ لِكَوْنِهِ قَالَ: إِنَّ النِّيلَ وَالْفُرَاتَ يَجْرِيَانِ مِنْ أَصْلِهَا، وَهُمَا بِالْمُشَاهَدَةِ يَجْرِيَانِ مِنَ الْأَرْضِ، فَلْيَزُمْ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ أَصْلُ السِّدْرَةِ فِي الْأَرْضِ، وَتَعَقَّبَهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِمَا يَخْرُجَانِ مِنْ أَصْلِهَا غَيْرُ خُرُوجِهِمَا بِالنَّبْعِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَصْلَهَا مِنَ الْجَنَّةِ، وَهُمَا يَخْرُجَانِ أَوَّلًا مِنْ أَصْلِ السِّدْرَةِ ثُمَّ يَسِيرَانِ إِلَى أَنْ يَسْتَقِرَّا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يَنْبُعَانِ. وَفِي أَصْلِ الْقِصَّةِ: فَإِذَا فِي أَصْلِهَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، وَقَالَ جِبْرِيلُ لَمَّا سُئِلَ عَنْهَا: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ. قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّيلَ وَالْفُرَاتَ لَيْسَا مِنَ الْجَنَّةِ، وَسِدْرَةُ الْمُنْتَهَى لَيْسَتْ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى يُقَالَ إِنَّهُمَا يَخْرُجَانِ مِنْهَا بَعْدَ نَبْعِهِمَا مِنَ السِّدْرَةِ، وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الْفُرَاتَ وَالنِّيلَ مَنْبَعُهُمَا مِنَ السِّدْرَةِ، وَإِذَا أُنْزِلَا إِلَى الْأَرْضِ

стр. 739

يَسْلُكَانِ أَوَّلًا عَلَى الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلَانِهَا، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْزِلَانِ إِلَى الْأَرْضِ. انْتَهَى. قُلْتُ: إِذَا قُلْنَا: سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى فِي السَّابِعَةِ تَعَيَّنَ أَنَّهَا فِي الْجَنَّةِ؛ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَ سَقْفُهَا سِوَى عَرْشِ الرَّحْمَنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الرَّابِعُ) : الْمُسْتَوَى الَّذِي سَمِعَ فِيهِ ﷺ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ هُوَ الْمَصْعَدُ، وَقِيلَ الْمَكَانُ الْمُسْتَوِي، وَصَرِيفُ الْأَقْلَامِ بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْفَاءِ هُوَ صَوْتُ حَرَكَةِ الْأَقْلَامِ، وَهُوَ جَرَيَانُهَا عَلَى الْمَكْتُوبِ فِيهِ مِنَ الْأَقْضِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْوَحْيِ، وَمَا يَنْسَخُونَهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُكْتَبَ وَيُرْفَعَ لِمَا أَرَادَهُ تَعَالَى مِنْ أَوَامِرِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْإِيمَانِ بِصِحَّةِ كِتَابَةِ الْوَحْيِ وَالْمَقَادِيرِ فِي كُتُبِ اللَّهِ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ بِالْأَقْلَامِ الَّذِي هُوَ تَعَالَى يَعْلَمُ جِنْسَهَا وَكَيْفِيَّتَهَا عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ، فَكُلُّ مَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ حَقٌّ يَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ، نَعَمْ كَيْفِيَّةُ ذَلِكَ وَصُورَتُهُ وَجِنْسُهُ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، وَمَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَمَا يَتَأَوَّلُ هَذَا أَوْ يُحِيلُهُ إِلَّا ضَعِيفُ الْإِيمَانِ إِذْ جَاءَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ، وَاللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (الْخَامِسُ) : الصَّحِيحُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْإِسْرَاءَ وَالْمِعْرَاجَ كَانَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، هَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَكْثَرُ أَهْلُ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: كَانَ الْإِسْرَاءُ وَحْدَهُ فِي لَيْلَةٍ ثُمَّ كَانَ هُوَ وَالْمِعْرَاجُ فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى، وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْمُفَسِّرِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ. وَإِنَّمَا كَانَا يَقَظَةً بِالرُّوحِ وَالْجَسَدِ جَمِيعًا - لَا فِي الْمَنَامِ - مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي هُوَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِلَى السَّمَاوَاتِ الْعُلَى إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ الْعَلِيُّ الْأَعْلَى. قَالَ أَهْلُ الْحَقِّ: وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ غَيْرِ امْتِرَاءٍ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ الْقُرْآنُ نَصًّا، وَصَحِيحُ الْأَخْبَارِ إِلَى السَّمَاوَاتِ اسْتَفَاضَ اسْتِفَاضَةً تَكَادُ تَبْلُغُ التَّوَاتُرَ أَوْ بَلَغَتْهُ، وَلَا يُعْدَلُ عَنِ الظَّاهِرِ فِي الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَلَا عَنِ الْحَقِيقَةِ الْمُتَبَادِرَةِ إِلَى الْأَذْهَانِ مِنْ أَلْفَاظِهَا إِلَى التَّأْوِيلِ إِلَّا عِنْدَ الِاسْتِحَالَةِ، وَتَعَذُّرِ حَمْلِ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَلَيْسَ ثَمَّ اسْتِحَالَةٌ تُؤْذِنُ بِالتَّأْوِيلِ

стр. 740

فَلَا جَرَمَ وَجَبَ اعْتِقَادُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مَعَ تَفْوِيضِ عِلْمِ مَا دَقَّ إِلَى الْحَقِّ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (السَّادِسُ) : زَعَمَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْمِعْرَاجَ وَقَعَ لَهُ ﷺ ثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، وَاحِدَةٌ مِنْهَا بِجِسْمِهِ الشَّرِيفِ، وَالْبَاقِي بِرُوحِهِ. وَرَدَّ الْمُحَقِّقُ تَعَدُّدَ ذَلِكَ مَعَ تَعَدُّدِ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَالْمُرَاجَعَةِ فِي الْحَطِّ وَالتَّخْفِيفِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: وَمَا أَظُنُّ أَحَدًا مِمَّنْ قَالَ بِالتَّعَدُّدِ يَلْتَزِمُ إِعَادَةَ مِثْلِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [مزايا وخصائص النبي ﷺ كثيرة غير ما ذكر] ((فَكَمْ حَبَاهُ رَبُّهُ وَفَضَّلَهْ ... وَخَصَّهُ سُبْحَانَهُ وَخَوَّلَهْ)) ((فَكَمْ حَبَاهُ رَبُّهُ)) بِمَكْرُمَةٍ " وَ " كَمْ ((فَضَّلَهُ)) عَلَى غَيْرِهِ بِمَزِيدٍ مِنَ الْمَزَايَا الَّتِي لَا تُحْصَى، وَالْمَكْرُمَاتِ الَّتِي لَا تُسْتَقْصَى، فَإِنَّ كَمْ هَذِهِ خَبَرِيَّةٌ بِمَعْنَى كَثِيرٍ، فَهِيَ تُفِيدُ كَثْرَةَ مَا حَبَاهُ رَبُّهُ بِهِ مِنَ الْمَكْرُمَاتِ، وَالْمَزَايَا، وَالْحِبَاءُ بِمَعْنَى الْإِعْطَاءِ، يُقَالُ: حَبَا فُلَانًا أَعْطَاهُ بِلَا جَزَاءٍ وَلَا مَنٍّ أَوْ عَامٌّ، وَالِاسْمُ الْحِبَاءُ كَكِتَابٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ ((وَ)) كَمْ ((خَصَّهُ)) اللَّهُ ((سُبْحَانَهُ)) وَتَعَالَى بِخُصُوصِيَّةٍ، يُقَالُ: خَصَّهُ خَصًّا وَخُصُوصًا وَخُصُوصِيَّةً، وَيُفْتَحُ، وَخِصِّيصَى وَيُمَدُّ، وَخَصِّيَّةً وَتَخِصَّةً فَضَّلَهُ، وَالْخَاصُّ وَالْخَاصَّةُ ضِدَّ الْعَامَّةِ ((وَخَوَّلَهُ)) بِمَعْنَى أَعْطَاهُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: خَوَّلَهُ اللَّهُ الْمَالَ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ تَفَضُّلًا. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا خَصَّ نَبِيَّهُ الْمُصْطَفَى بِخَصَائِصَ كَثِيرَةٍ وَمَزَايَا غَيْرِ مَا ذَكَرْنَا، حَتَّى إِنَّ أَبَا سَعِيدٍ فِي كِتَابِهِ " شَرَفُ الْمُصْطَفَى " أَوْصَلَ الْخَصَائِصَ الَّتِي اخْتَصَّ اللَّهُ تَعَالَى النَّبِيَّ ﷺ بِهَا عَنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ إِلَى سِتِّينَ، وَبَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْحَافِظِ أَوْصَلَهَا إِلَى ثَلَاثِمِائَةٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: الْحَقُّ عَدَمُ حَصْرِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي النَّظْمِ إِلَّا لِبَعْضِ الْمُهِمِّ مِنْهَا عَلَى أَنَّهَا أُفْرِدَتْ بِالتَّأْلِيفِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى تَعْدَادِهَا هُنَا. [فَصْلٌ في التَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ ] [معجزات النبي ﷺ كثيرة لا تنحصر] ((فَصْلٌ)) ((فِي التَّنْبِيهِ عَلَى بَعْضِ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ وَهِيَ كَثِيرَةٌ جِدًّا)) وَتَعْرِيفُ الْمُعْجِزَةِ: هِيَ اسْمُ فَاعِلٍ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْعَجْزِ الْمُقَابِلِ لِلْقُدْرَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ: مُعْجِزَةُ النَّبِيِّ مَا أَعْجَزَ بِهِ الْخَصْمَ عِنْدَ التَّحَدِّي، وَالْهَاءُ لِلْمُبَالَغَةِ. انْتَهَى.

стр. 741

وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: الْمُعْجِزَةُ هِيَ مَا خَرَقَ الْعَادَةَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ إِذَا وَافَقَ دَعْوَى الرِّسَالَةِ وَقَارَنَهَا وَطَابَقَهَا عَلَى جِهَةِ التَّحَدِّي ابْتِدَاءً بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى مِثْلِهَا، وَلَا عَلَى مَا يُقَارِبُهَا. وَقَالَ الْفَخْرُ الرَّازِيُّ: الْمُعْجِزَةُ عُرْفًا أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ مَقْرُونٌ بِالتَّحَدِّي مَعَ عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ. قَالَ الْعَلَّامَةُ التَّفْتَازَانِيُّ: إِنَّمَا قَالَ أَمْرٌ لِيَتَنَاوَلَ الْفِعْلَ كَانْفِجَارِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَتَنَاوَلَ عَدَمَهُ أَيْ عَدَمَ الْفِعْلِ كَعَدَمِ إِحْرَاقِ النَّارِ إِبْرَاهِيمَ ﵇. وَاحْتَرَزُوا بِقَيْدِ الْمُقَارَنَةِ لِلتَّحَدِّي عَنْ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ، وَالْعَلَامَاتِ الْإِرْهَاصِيَّةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُ الْبَعْثَةَ النَّبَوِيَّةَ وَعَنْ أَنْ يَتَّخِذَ الْكَاذِبُ مُعْجِزَةَ مَنْ مَضَى مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ مَا تَقَدَّمَ لَهُ فِي السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ حُجَّةً لِنَفْسِهِ، وَبِقَيْدِ عَدَمِ الْمُعَارَضَةِ عَنِ السِّحْرِ وَالشَّعْوَذَةِ، وَقَوْلُ ابْنِ حَمْدَانَ: (وَطَابَقَهَا) ؛ لِيُخْرِجَ مَا إِذَا قَالَ: مُعْجِزَتِي نُطْقُ هَذَا الْحَجَرِ، فَنَطَقَ بِأَنَّهُ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ، وَكَمَا تَفَلَ مُسَيْلِمَةُ فِي بِئْرٍ فَغَارَ مَاؤُهَا، وَمَسَحَ عَلَى رَأْسِ غُلَامٍ فَصَارَ أَقْرَعَ وَنَحْوُ ذَلِكَ. إِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَقَدَ أَشَارَ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ كَثِيرَةٌ فَلَا يُمْكِنُ اسْتِقْصَاءُ عَدَدِهَا بِقَوْلِهِ: ((وَمُعْجِزَاتُ خَاتَمِ الْأَنْبَاءِ ... كَثِيرَةٌ تَجِلُّ عَنْ إِحْصَائِي)) ((وَمُعْجِزَاتُ)) جَمْعُ مُعْجِزَةٍ، وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُهَا آنِفًا ((خَاتَمِ الْأَنْبَاءِ)) يَعْنِي نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ وَالْأَنْبَاءُ جَمْعُ نَبِيٍّ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى كَوْنِهِ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ ((كَثِيرَةٌ)) جِدًّا ((تَجِلُّ)) أَيْ تَعْظُمُ وَتَكْبُرُ ((عَنْ إِحْصَائِي)) أَيْ عَنْ عَدِّي وَحِفْظِي لِكَثْرَةِ أَفْرَادِهَا، وَتَنَوُّعِهَا مِنَ الْأَقْوَالِ، وَالْأَفْعَالِ الَّتِي مَا سَبَقَتْ لِمِثْلِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ كَثْرَةِ الْمُعْجِزَاتِ مَا بَلَغَهُ نَبِيُّنَا ﷺ وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى مَزِيدِ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ وَشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ وَالِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِ، وَالِاحْتِفَالِ بِأَمْرِ نُبُوَّتِهِ، وَأَيْضًا لَمَّا كَانَ نَبِيُّنَا خَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَشَرِيعَتُهُ خَاتِمَةُ الشَّرَائِعِ أَجْمَعِينَ نَاسِبَ كَثْرَةَ الْمُعْجِزَاتِ، وَتَرَادُفَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ فِي كِتَابِهِ " الْجَوَابُ الصَّحِيحُ ": الْآيَاتُ وَالْبَرَاهِينُ الدَّالَّةُ عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ كَثِيرَةٌ مُتَنَوِّعَةٌ، وَهِيَ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ آيَاتِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ: وَيُسَمِّيهَا

стр. 742

النُّظَّارُ مُعْجِزَاتٍ وَتُسَمَّى دَلَائِلُ النُّبُوَّةِ وَأَعْلَامُ النُّبُوَّةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ إِذَا سُمِّيَتْ بِهَا آيَاتُ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ أَدَلَّ عَلَى الْمَقْصُودِ مِنْ لَفْظِ الْمُعْجِزَاتِ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الْمُعْجِزَاتِ مَوْجُودًا فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ وَإِنَّمَا فِيهِ لَفْظُ الْآيَةِ وَالْبَيِّنَةِ وَالْبُرْهَانِ، وَأَهْلُ الْكَلَامِ لَا يُسَمُّونَ مُعْجِزًا إِلَّا مَا كَانَ لِلْأَنْبِيَاءِ فَقَطْ، وَأَمَّا مَا يَثْبُتُ لِلْأَوْلِيَاءِ مِنْ خَرْقِ عَادَةٍ يُسَمُّونَهَا كَرَامَةً، قَالَ: وَالسَّلَفُ كَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ كَانُوا يُسَمُّونَ هَذَا وَهَذَا مُعْجِزًا وَيَقُولُونَ لِخَوَارِقِ الْأَوْلِيَاءِ إِنَّهَا مُعْجِزَاتٌ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْأَنْبِيَاءِ بِخِلَافِ مَا كَانَ آيَةً وَبُرْهَانًا عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ فَإِنَّ هَذَا يَجِبُ اخْتِصَاصُهُ، وَرُبَّمَا سَمَّوُا الْكَرَامَاتِ آيَاتٍ لِكَوْنِهَا تَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ مَنِ اتَّبَعَهُ الْوَلِيُّ، فَإِنَّ الدَّلِيلَ يَسْتَلْزِمُ الْمَدْلُولَ فَيَمْتَنِعُ ثُبُوتُهُ بِدُونِ ثُبُوتِ الْمَدْلُولِ، فَكَذَلِكَ مَا كَانَ آيَةً وَبُرْهَانًا وَهُوَ الدَّلِيلُ وَالْعِلْمُ عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ النَّبِيِّ، وَقَدْ يُقَالُ إِنَّهُمْ سَمَّوْهَا مُعْجِزَاتٍ لِأَنَّ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ دَلِيلٌ عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ الَّذِي اتَّبَعُوهُ، أَوْ لِأَنَّهَا تُعْجِزُ غَيْرَهُمْ وَهِيَ آيَةٌ عَلَى صِحَّةِ طَرِيقَتِهِمْ. انْتَهَى. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: مُعْجِزَاتُ نَبِيِّنَا كَثِيرَةٌ لَا تَنْحَصِرُ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ ﷺ أُعْطِي ثَلَاثَ آلَافِ مُعْجِزَةٍ يَعْنِي غَيْرَ الْقُرْآنِ فَإِنَّ فِيهِ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ أَلْفَ مُعْجِزَةٍ تَقْرِيبًا وَلِهَذَا قَالَ: [القرآن وانشقاق القمر] ((مِنْهَا كَلَامُ اللَّهِ مُعْجِزُ الْوَرَى ... كَذَا انْشِقَاقُ الْبَدْرِ فِي غَيْرِ امْتِرَا)) ((مِنْهَا)) أَيْ مِنْ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا خَاتَمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ بَلْ أَعْظَمِهَا وَأَجَلِّهَا، ((كَلَامُ اللَّهِ)) الْمُنَزَّلُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ، ((مُعْجِزُ الْوَرَى)) كَفَتَى: الْخَلْقِ جَمِيعِهِمْ إِنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ، وَأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ فَهُوَ مُعْجِزٌ بِنَفْسِهِ لَيْسَ فِي وُسْعِ الْبَشَرِ الْإِتْيَانُ بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مُوَضَّحًا، وَ ((كَذَا)) مِنْ غُرَرِ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ ((انْشِقَاقُ الْبَدْرِ)) أَيِ الْقَمَرِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: وَالْبَدْرُ: الْقَمَرُ الْمُمْتَلِئُ. انْتَهَى. وَهُوَ أَحَدُ الْكَوَاكِبِ السَّيَّارَةِ الَّتِي هِيَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالزُّهْرَةُ وَعُطَارِدُ وَالْمِرِّيخُ وَالْمُشْتَرَى وَزُحَلُ، فَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ نِصْفَيْنِ ثَابِتٌ، ((مِنْ غَيْرِ امْتِرَا)) أَيْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا جَدَلٍ، مَأْخُوذٌ مِنَ الْمِرْيَةِ - بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ - وَالشَّكِّ وَالْجَدَلِ، يُقَالُ: مَارَاهُ مُمَارَاةً وَمِرَاءً وَامْتَرَى فِيهِ وَتَمَارَى: شَكَّ كَمَا فِي الْقَامُوسِ. وَفِي النِّهَايَةِ الْمِرَاءُ الْجِدَالُ

стр. 743

وَالتَّمَارِي وَالْمُمَارَاةُ: الْمُجَادَلَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ. انْتَهَى. وَإِنَّمَا قَالَ مِنْ غَيْرِ امْتِرَا لِثُبُوتِ ذَلِكَ وَظُهُورِهِ لِكُلِّ أَحَدٍ ظُهُورًا تَامًّا وَثُبُوتًا جَازِمًا، وَقِصَّةُ ذَلِكَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ «أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا» . وَقَالَ شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ: «فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ» . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةً دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اشْهَدُوا» . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَشُقَّ لَنَا الْقَمَرَ فِرْقَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَبَّهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا سَأَلُوا، فَانْشَقَّ الْقَمَرُ فِرْقَتَيْنِ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَادِي: يَا فُلَانُ يَا فُلَانُ اشْهَدُوا، وَذَلِكَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ» . وَقَالَ مُجَاهِدٌ: انْشَقَّ الْقَمَرُ فَبَقِيَتْ فِرْقَةٌ مِنْ وَرَاءِ الْجَبَلِ. وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: لَمَّا انْشَقَّ الْقَمَرُ كَانَ يُرَى بِجَبَلٍ قُعَيْقِعَانَ النِّصْفُ وَبِأَبِي قُبَيْسٍ النِّصْفُ الْآخَرُ. قَالَ فِي النِّهَايَةِ: قُعَيْقِعَانُ جَبَلٌ بِمَكَّةَ قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ جُرْهُمًا لَمَّا تَحَارَبُوا كَثُرَتْ قَعْقَعَةُ السِّلَاحِ هُنَاكَ، وَجَبَلُ أَبِي قُبَيْسٍ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ بِمَكَّةَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ﵁ قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَارَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً عَلَى هَذَا الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً عَلَى هَذَا الْجَبَلِ فَقَالُوا: سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ وَقَالُوا: إِنْ كَانَ سَحَرَنَا فَإِنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ، فَاسْأَلُوا فَإِنْ شَهِدُوا بِمَا أَبْصَرْتُمُوهُ فَهُوَ حَقٌّ وَلَيْسَ هُوَ سِحْرًا، فَسَأَلُوا مَنْ كَانَ مُسَافِرًا عَنْ مَكَّةَ مِنْ أَهْلِهَا وَمِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَلِكَ فَتَمَادَوْا فِي كُفْرِهِمْ وَعُتُوِّهِمْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: «انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قَوْمٌ: هَذَا سِحْرٌ سَحَرَكُمُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ فَاسْأَلُوا السُّفَّارُ يَقَدَمُونَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ كَانَ مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ وَإِلَّا فَهُوَ سِحْرٌ، فَقَدِمَ السُّفَّارُ فَسَأَلُوهُمْ فَقَالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأَيْنَا، قَدِ انْشَقَّ الْقَمَرُ» . وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] قَالَ:

стр. 744

انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . (قُلْتُ) قَدْ ثَبَتَ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَبِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ عَنِ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ، وَقَدْ بَلَغَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ وَأَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ أَهْلُ الْحَقِّ. وَهَذَا الِانْشِقَاقُ الْوَاقِعُ لِلْقَمَرِ مِنْ خَصَائِصِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا عَنْ سَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - فَلَمْ يَشْرَكْهُ فِي ذَلِكَ غَيْرُهُ وَلَمْ يَقَعْ لِأَحَدٍ سِوَاهُ وَهُوَ مِنْ أُمَّهَاتِ مُعْجِزَاتِهِ الَّتِي لَا يَكَادُ يَعْدِلُهَا بَعْدَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ، وَلَا يَعْدِلُهَا آيَةٌ مِنْ آيَاتِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ لِظُهُورِ ذَلِكَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ خَارِجًا عَنْ جُمْلَةِ طِبَاعِ مَا فِي هَذَا الْعَالَمِ الْمُرَكَّبِ مِنَ الطَّبَائِعِ، فَهُوَ آيَةٌ وَمُعْجِزَةٌ جَسِيمَةٌ وَلِهَذَا قَرَنَهَا بِمُعْجِزَةِ الْقُرْآنِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْمُعْجِزَاتِ، لِأَنَّ فِيهِمَا كِفَايَةً عَمَّا سِوَاهُمَا وَإِلَّا فَمُعْجِزَاتُهُ ﷺ لَا تُحْصَى وَدَلَائِلُ نُبُوَّتِهِ لَا تُسْتَقْصَى. (تَنْبِيهَاتٌ) (الْأَوَّلُ) قَدْ رُوِيَ انْشِقَاقُ الْقَمَرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَحُذَيْفَةُ وَعَلِيٌّ وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وَغَيْرُهُمْ ﵃. (الثَّانِي) الثَّابِتُ مِنْ قِصَّةِ انْشِقَاقِ الْقَمَرِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالنُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، وَأَمَّا مَا قِيلَ: إِنَّ الْقَمَرَ دَخَلَ فِي جَيْبِهِ ﷺ وَخَرَجَ مِنْ كُمِّهِ فَلَا أَصْلَ لَهُ. (الثَّالِثُ) قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْجَوَابِ الصَّحِيحِ: آيَاتُهُ ﷺ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْقُدْرَةِ وَالْفِعْلِ وَالتَّأْثِيرِ أَنْوَاعٌ، (مِنْهَا) مَا هُوَ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ كَانْشِقَاقِ الْقَمَرِ وَحِرَاسَةِ السَّمَاءِ بِالشُّهُبِ الْحِرَاسَةَ التَّامَّةَ وَمِعْرَاجُهُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: وَإِنَّمَا جَعَلَ الْآيَةَ فِي انْشِقَاقِ الْقَمَرِ دُونَ الشَّمْسِ وَسَائِرِ الْكَوَاكِبِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْأَرْضِ مِنَ الشَّمْسِ وَالنُّجُومِ، وَكَانَ الِانْشِقَاقُ فِيهِ دُونَ أَجْزَاءِ الْفَلَكِ لِأَنَّهُ جِسْمٌ مُسْتَنِيرٌ فَيَظْهَرُ فِيهِ الِانْشِقَاقُ لِكُلِّ مَنْ يَرَاهُ ظُهُورًا لَا يَتَمَارَى فِيهِ، وَإِذَا قُبِلَ الِانْشِقَاقُ فَقَبُولُ مَحَلِّهِ أَوْلَى بِذَلِكَ، قَالَ: وَفِيهِ حِكْمَتَانِ عَظِيمَتَانِ إِحْدَاهُمَا كَوْنُهُ مِنْ آيَاتِ النُّبُوَّةِ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى جَوَازِ انْشِقَاقِ الْفَلَكِ وَأَنَّ ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى مَا أَخْبَرَتْ بِهِ

стр. 745

الرُّسُلُ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنَ انْشِقَاقِ السَّمَاوَاتِ خِلَافًا لِلْفَلَاسِفَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ الْفَلَكَ لَا يَقْبَلُ الْخَرْقَ وَالِالْتِئَامَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ، (وَمِنْهَا) مَا هُوَ فِي الْجَوِّ كَاسْتِسْقَائِهِ وَاسْتِصْحَائِهِ ﷺ وَطَاعَةِ السَّحَابِ فِي حُصُولِهِ وَذَهَابِهِ، (وَمِنْهَا) تَصَرُّفُهُ فِي الْحَيَوَانَاتِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ، (وَمِنْهَا) تَصَرُّفُهُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْخَشَبِ وَالْأَحْجَارِ، (وَمِنْهَا) تَأْيِيدُهُ بِمَلَائِكَةِ السَّمَاءِ، (وَمِنْهَا) كِفَايَةُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ أَعْدَاءَهُ وَعِصْمَتُهُ مِنَ النَّاسِ، (وَمِنْهَا) إِعْلَامُهُ بِالْمُغَيَّبَاتِ الْمَاضِيَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ، (وَمِنْهَا) تَأْثِيرُهُ فِي تَكْثِيرِ الْمَاءِ وَالشَّرَابِ وَالطَّعَامِ وَالثِّمَارِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ نُبُوَّتِهِ وَأَعْلَامِ رِسَالَتِهِ وَمُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَةِ وَآيَاتِهِ الْبَاهِرَةِ. (الرَّابِعُ) أَنَّ نَفْسَ صُورَةِ النَّبِيِّ ﷺ الشَّرِيفَةِ الْبَاهِرَةِ وَهَيْئَتِهِ وَطَلْعَتِهِ الظَّاهِرَةِ وَسَمْتِهِ وَدَلِّهِ يَدُلُّ الْعُقَلَاءَ عَلَى صِدْقِهِ، وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ﵁: فَلَمَّا رَأَيْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ. وَمَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ وَرَأَى آدَابَهُ لَمْ يَدْخُلْهُ شَكٌّ فِي نُبُوَّتِهِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْحُفَّاظِ: وَثَبَتَ فِي عِدَّةِ أَخْبَارٍ أَنَّهُ ﷺ كَانَ فِي صِغَرِهِ يُعْرَفُ بِالْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ وَجَمِيلِ الْأَخْلَاقِ، وَقَدْ قَالَ هِرَقْلُ فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ: مَا كَانَ لِيَتْرُكَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي الْجَوَابِ الصَّحِيحِ: قَالَ نِفْطَوَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] هُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُولُ: يَكَادُ مَنْظَرُهُ يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَإِنْ لَمْ يَتْلُ قُرْآنًا، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ﵁: لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيِّنَةٌ ... كَانَتْ بَدِيهَتُهُ تَأْتِيكَ بِالْخَبَرِ . وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي كِتَابِهِ الشِّفَاءِ وَذَكَرَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ طَرَفًا صَالِحًا، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. [فَصْلٌ فِي ذِكْرِ فَضِيلَةِ نَبِيِّنَا وَأُولِي الْعَزْمِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ] [أفضل العالم الرسول ﷺ ] (فَصْلٌ) فِي ذِكْرِ فَضِيلَةِ نَبِيِّنَا وَأُولِي الْعَزْمِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -: ((وَأَفْضَلُ الْعَالَمِ مِنْ غَيْرِ امْتِرَا ... نَبِيُّنَا الْمَبْعُوثُ فِي أُمِّ الْقُرَى))

стр. 746

((وَأَفْضَلُ الْعَالَمِ)) الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ مِنْ مَلَكٍ وَبَشَرٍ وَجِنٍّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي سَائِرِ خِلَالِ الْخَيْرِ وَخِصَالِ الْكَمَالِ وَنُعُوتِ الْمَكَارِمِ وَالْجِمَالِ، ((مِنْ غَيْرِ امْتِرَا)) أَيْ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا رَيْبٍ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْعَالَمُ الْخَلْقُ كُلُّهُ أَوْ مَا حَوَاهُ بَطْنُ الْفَلَكِ، ((نَبِيُّنَا)) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ الْعَالَمِ مُحَمَّدٌ ((الْمَبْعُوثُ)) رَسُولًا لِكَافَّةِ النَّاسِ بَلْ لِلثَّقَلَيْنِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ قِيلَ: وَالْمَلَائِكَةُ وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ، ((فِي أُمِّ الْقُرَى)) مَكَّةُ الْمُشَرَّفَةُ وَبَكَّةُ الْمُعَظَّمَةُ قَالَ تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ [الشورى: ٧] يَعْنِي مَكَّةَ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ مُثِيرِ الْغَرَامِ السَّاكِنِ إِلَى أَشْرَفِ الْأَمَاكِنِ: فِي تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: (أَحَدُهَا) لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْ تَحْتِهَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: لِأَنَّهَا أَقْدَمُهَا، (الثَّانِي) لِأَنَّهَا قِبْلَةٌ يَؤُمُّهَا جَمِيعُ النَّاسِ، (الثَّالِثُ) لِأَنَّهَا أَعْظَمُ الْقُرَى شَأْنًا، (الرَّابِعُ) لِأَنَّ فِيهَا بَيْتَ اللَّهِ وَلَمَّا اطَّرَدَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ بَلَدَ الْمَلِكِ وَبَيْتَهُ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ عَلَى الْأَمَاكِنِ سُمِّىَ أُمًّا لِأَنَّ الْأُمَّ مُتَقَدِّمَةٌ. وَإِنَّمَا كَانَ أَفْضَلَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيَّدَهُ بِأَبْهَرِ الْمُعْجِزَاتِ وَأَظْهَرِ الدَّلَالَاتِ وَأَشْهَرِ الْمُكَرَّمَاتِ، فَمُعْجِزَاتُهُ أَشْهَرُ الْمُعْجِزَاتِ وَأَبْهَرُهَا، وَأُمَّتُهُ أَزْكَى الْأُمَمِ وَأَطْهَرُهَا، وَشَرِيعَتُهُ أَتَمُّ الشَّرَائِعِ وَأَشْهَرُهَا، وَصِفَاتُهُ أَكْمَلُ الصِّفَاتِ وَأَشْرَفُهَا، وَأَخْلَاقُهُ أَحْسَنُ الْأَخْلَاقِ وَأَعْرَفُهَا وَأَوْسَعُهَا، وَشِيَمُهُ أَعْلَى الشِّيَمِ وَأَنْفَعُهَا. وَمِنْ عِظَمِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ نَبِيِّنَا وَفَضْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - أَنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِحَيَاتِهِ، وَفِي شَرْعِهِ إِنَّمَا تَنْعَقِدُ الْأَيْمَانُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ وَكَلَامِهِ لَا بِدُونِ ذَلِكَ، قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ: أَقْسَمَ الْحَقُّ بِحَيَاتِهِ وَإِنَّمَا يَقَعُ الْقَسَمُ بِالْمُعَظَّمِ وَبِالْمَحْبُوبِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] . وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا خَلَقَ اللَّهُ وَمَا ذَرَأَ نَفْسًا هِيَ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَمَا سَمِعْتُهُ أَقْسَمَ بِحَيَاةِ أَحَدٍ غَيْرِهِ فَقَالَ ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] . قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَأَعْظَمُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِمُوسَى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ

стр. 747

اللَّامَ فِي قَوْلِهِ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي الَّتِي هِيَ لِلْمِلْكِ أَوْ الِاخْتِصَاصِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ بَيْنَهُ تَعَالَى وَبَيْنَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَاسِطَةً بَلْ قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ - وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: ١ - ٢] الْمَعْنَى أُقْسِمُ بِكَ لَا بِالْبَلَدِ فَإِنْ أَقْسَمْتُ بِالْبَلَدِ فَلِأَنَّكَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَا مُوسَى اخْلَعْ نَعْلَيْكَ وَلَا تَجِئْ إِلَّا مَاشِيًا، يَا مُحَمَّدُ ارْكَبِ الْبُرَاقَ وَلَا تَجِئْ إِلَّا رَاكِبًا. وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ مَرْفُوعًا: " «أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ رَبُّكَ: أَتَدْرِي كَيْفَ رَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ؟ قَالَ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ: " إِذَا ذُكِرْتُ ذُكِرْتَ مَعِي» ". وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: يُرِيدُ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ وَالتَّشَهُّدَ وَالْخُطْبَةَ عَلَى الْمَنَابِرِ، قَالَ: وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا عَبَدَ اللَّهَ وَصَدَّقَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَلَمْ يَشْهَدْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِشَيْءٍ وَكَانَ كَافِرًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَلَيْسَ خَطِيبٌ وَلَا مُتَشَهِّدٌ وَلَا صَاحِبُ صَلَاةٍ وَلَا أَذَانٍ إِلَّا يُنَادِي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَفِيهِ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁: أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ ... مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ وَشَقَّ لَهُ مِنْ إِسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ وَمِنْ مَزَايَاهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ تَعَالَى دَعَاهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦] ، ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: ٤٨] ، ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [هود: ٧٦] ، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] ، ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦] ، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ١١٠] ، ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ﴾ [مريم: ٧] ، ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ [مريم: ١٢] ، وَدَعَا نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ بِالتَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤] ، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١] وَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَهُ قَرَنَهُ بِذِكْرِ الرِّسَالَةِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] ، ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولٌ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] ، ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ [محمد: ٢] ،

стр. 748

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْخَلِيلَ وَسَيِّدَنَا رَسُولَ اللَّهِ ذَكَرَ الْخَلِيلَ بِاسْمِهِ وَذَكَرَهُ بِاللَّقَبِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨] . وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَكَانَ الْأَنْبِيَاءُ ﵈ يُجَادِلُونَ أُمَمَهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ كَقَوْلِ نُوحٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالَ﴾ [الأعراف: ٦٠] فَقَالَ دَافِعًا عَنْ نَفْسِهِ: لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ، وَقَالَ قَوْمُ هُودٍ: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾ [الأعراف: ٦٦] ، فَقَالَ: ﴿لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾ [الأعراف: ٦٧] ، وَقَالَ فِرْعَوْنُ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا، فَقَالَ مُوسَى: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا أَيْ مَصْرُوفًا عَنِ الْحَقِّ مَطْبُوعًا عَلَى قَلْبِكَ، وَأَمَّا نَبِيُّنَا ﷺ فَتَوَلَّى الْحَقُّ سُبْحَانَهُ الْمُجَادَلَةَ عَنْهُ فَلَمَّا قَالُوا: هَذَا شَاعِرٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] ، وَلَمَّا قَالُوا: كَاهِنٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَا هُوَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ) ، وَقَالُوا: ضَلَّ. فَقَالَ: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢] ، وَقَالُوا: مَجْنُونٌ. فَقَالَ: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ٢] حَتَّى قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] . قَالَ الْوَاحِدِيُّ: أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ فَضْلَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى سَائِرِ الْبَرِيَّةِ فِي الْمُخَاطَبَةِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُفَخِّمُوهُ وَيُشَرِّفُوهُ، وَلَا يَقُولُوا لَهُ عِنْدَ دُعَائِهِ يَا مُحَمَّدُ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا يَدْعُونَ بَعْضَهُمْ بَعْضًا، بَلْ يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ فِي لِينٍ وَتَوَاضُعٍ وَخَفْضٍ. وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْوَفَاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ﴾ [النور: ٦٣] الْآيَةَ، قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ يَا مُحَمَّدُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ إِعْظَامًا لِنَبِيِّهِ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَحُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ نَحْوُهُ، رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ، وَهَذَا بِخِلَافِ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُخَاطِبُونَ أَنْبِيَاءَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ. وَفَضَائِلُهُ وَمَزَايَاهُ ﷺ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ فَهُوَ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ وَأَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ» ". وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا، لِوَاءُ الْحَمْدِ بِيَدِي وَأَنَا أَكْرَمُ

стр. 749

وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي وَلَا فَخْرَ» ". قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: أَرَادَ لَا أَتَبَجَّحُ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ لَكِنْ أَقُولُهَا شُكْرًا وَمُنَبِّهًا عَلَى إِنْعَامِ رَبِّي عَلَيَّ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتْبَعَنِي» ". فَإِنْ قِيلَ: قَدْ «قَالَ ﷺ لِمَنْ قَالَ لَهُ يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ: ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ» ، وَقَالَ: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى» . وَقَالَ: «لَا تُفَاضِلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ» . وَقَالَ ﷺ : «مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى» ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ ﷺ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُعْلِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فَلَمَّا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ أَخْبَرَ بِهِ، وَإِمَّا أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ تَوَاضُعًا وَتَأَدُّبًا وَاحْتِرَامًا لِخُلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَإِمَّا أَنَّهُ أَرَادَ بَرِيَّةَ عَصْرِ إِبْرَاهِيمَ، أَوْ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا هُوَ عَنْ تَفْضِيلٍ يُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ، أَوْ يُؤَدِّي إِلَى الْخُصُومَةِ وَالْفِتْنَةِ كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي سَبَبِ وُرُودِ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ، أَوْ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ التَّفْضِيلِ فِي النُّبُوَّةِ نَفْسِهَا، وَذَلِكَ قَدْ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهَا بَلْ فِي خَصَائِصِهَا وَتَوَابِعِهَا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَرَدَ النَّصُّ بِتَفْضِيلِ بَعْضِ الرُّسُلِ عَلَى بَعْضٍ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] . وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِتَفْضِيلِ اللَّهِ لَهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ، مَعَ مُرَاعَاتِهِ لِعُلُوِّ مَرَاتِبِهِمُ الْبَاذِخَةِ وَجَلَالَةِ مَنَاصِبِهِمُ الشَّامِخَةِ، ثُمَّ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ سَيِّدُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَأَفْضَلُ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَمَرَ بِتَبْلِيغِ ذَلِكَ فَبَلَّغَهُ كَمَا أُمِرَ، لِأَنَّ اعْتِقَادَ ذَلِكَ حَقٌّ لَازِمٌ وَفَرْضٌ جَازِمٌ مَعَ مُجَانَبَةِ التَّفْضِيلِ الْمُؤَدِّي إِلَى تَنْقِيصِ الْمَفْضُولِ، وَمُرَاعَاةِ عُلُوِّ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ الَّتِي لَا تُدْرِكُ كُنْهَ حَقَائِقِهَا أَكْثَرُ الْعُقُولِ، فَالنَّبِيُّ الْمُصْطَفَى أَفْضَلُ الْخَلْقِ جَمِيعًا بِلَا خَفَاءٍ ﷺ وَعَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

стр. 750

[الأفضل من سائر الخلق بعد النبي أهل العزم] ((وَبَعْدَهُ الْأَفْضَلُ أَهْلُ الْعَزْمِ ... فَالرُّسْلُ ثُمَّ الْأَنْبِيَا بِالْجَزْمِ)) ((وَبَعْدَهُ)) أَيِ النَّبِيِّ ﷺ ، ((الْأَفْضَلُ)) مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ هُمْ ((أَهْلُ الْعَزْمِ)) أَيْ أَهْلُ الثَّبَاتِ وَالْجِدِّ مِنَ الرُّسُلِ، وَهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ وَمُوسَى الْكَلِيمُ وَعِيسَى الرُّوحُ وَنُوحٌ النَّجِيُّ فَيَكُونُونَ خَمْسَةً بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَهُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] ، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ الشَّرَائِعِ، وَقَدَّمَ نَبِيَّنَا ﷺ تَعْظِيمًا لَهُ وَتَكْرِيمًا لِشَأْنِهِ، وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ اجْتَهَدُوا فِي تَأْسِيسِ الشَّرَائِعِ وَتَقْرِيرِهَا، وَصَبَرُوا عَلَى تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ مِنْ قَوْمِهِمْ وَمُعَادَاةِ الطَّاغِينَ فِيهَا، وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانُوا هُمْ أُولِي الْعَزْمِ لِصَبْرِهِمْ عَلَى الْبَلَاءِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَنُوحٌ صَبَرَ عَلَى أَذَى قَوْمِهِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَضْرِبُونَهُ حَتَّى يُغْشَى عَلَيْهِ، وَإِبْرَاهِيمُ صَبَرَ عَلَى النَّارِ وَذَبْحِ وَلَدِهِ، وَقَدْ قِيلَ: كُلُّ الرُّسُلِ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ فَمِنْ لِلتَّبْيِينِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] : ذَوُو الْحَزْمِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ذَوُو الْجِدِّ وَالصَّبْرِ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُلُّ الرُّسُلِ كَانُوا أُولِي عَزْمٍ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا كَانَ ذَا عَزْمٍ وَحَزْمٍ وَرَأْيٍ وَكَمَالِ عَقْلٍ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ مِنْ لِلتَّجْنِيسِ لَا لِلتَّبْعِيضِ كَمَا يُقَالُ اشْتَرَيْتُ أَكْسِيَةً مِنَ الْخَزِّ وَأَرْدِيَةً مِنَ الْبَزِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْأَنْبِيَاءُ كُلُّهُمْ أُولُو الْعَزْمِ إِلَّا يُونُسَ ﵇ لِعَجَلَةٍ كَانَتْ مِنْهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] ؟ وَقَالَ قَوْمٌ: أُولُو الْعَزْمِ نُجَبَاءُ الرُّسُلِ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِهِمْ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠] ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ وَقَتَادَةُ: نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ إِلَخْ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا قَدَّمْنَا آنِفًا. وَأَخْرَجَ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ وَأَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ ﵂: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «يَا عَائِشَةُ إِنَّ الدُّنْيَا لَا تَنْبَغِي لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ، يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَكْرُوهِهَا وَالصَّبْرِ عَنْ مَحْبُوبِهَا، فَلَمْ يَرْضَ إِلَّا أَنْ كَلَّفَنِي مَا كَلَّفَهُمْ فَقَالَ:

стр. 751

﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا بُدَّ لِي مِنْ طَاعَتِهِ، وَاللَّهِ لَأَصْبِرَنَّ كَمَا صَبَرُوا وَأَجْهَدَنَّ (كَمَا جَهِدُوا) وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ» ". وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ يَلِي النَّبِيَّ ﷺ فِي الْفَضِيلَةِ مِنْهُمْ وَالْمَشْهُورُ، وَاخْتَارَهُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، لِمَا وَرَدَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ خُصَّ مِنْهُ مُحَمَّدٌ ﷺ بِإِجْمَاعٍ، فَيَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ مُوسَى وَعِيسَى وَنُوحٍ ﵈ وَالثَّلَاثَةُ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ أَفْضَلُ مِنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَمْ أَقِفْ عَلَى نَقْلِ أَيِّهِمْ أَفْضَلُ، وَالَّذِي يَنْقَدِحُ فِي النَّفْسِ تَفْضِيلُ مُوسَى فَعِيسَى فَنُوحٌ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَعَلَّ تَقْدِيمَ مُوسَى ﵇ لِأَنَّهُ كَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ عِيسَى ﵇ لِأَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ، وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: الْوَاجِبُ اعْتِقَادُهُ أَفْضَلِيَّةُ الْأَفْضَلِ عَلَى طِبْقِ مَا وَرَدَ الْحُكْمُ بِهِ تَفْصِيلًا فِي التَّفْصِيلِيِّ وَإِجْمَالًا فِي الْإِجْمَالِيِّ، ثُمَّ إِنْ تَعَيَّنَ لَنَا نَصٌّ مِنَ الشَّارِعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي جَعَلَهُ سَبَبًا لِأَفْضَلِيَّتِهِ قُلْنَا بِهِ، وَإِلَّا أَمْسَكْنَا عَنْهُ لِأَنَّ التَّفْضِيلَ رَاجِعٌ لِاخْتِيَارِ الْبَارِي لَا لِعِلَّةٍ مُوجِبَةٍ وُجِدَتْ فِي الْفَاضِلِ وَفُقِدَتْ مِنَ الْمَفْضُولِ، وَلِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُفَضِّلَ مِنْ عَبِيدِهِ مَنْ يَشَاءُ بِمَا يَشَاءُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَامِلًا فِي نَفْسِهِ بَالِغًا مِنْ ذَلِكَ الْغَايَةَ الَّتِي تَلِيقُ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى ذَلِكَ وَصْفٌ يَكُونُ فِيهِمْ، وَذَلِكَ مِمَّا يَجِبُ لَهُ سُبْحَانَهُ بِحَقِّ رُبُوبِيَّتِهِ وَسِيَادَتِهِ. وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَاضِلَ لَا يَجِبُ أَنْ يُفَضَّلَ بِمَا لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ سَبَبًا لِتَفْضِيلِهِ، وَأَنَّ الْمَفْضُولَ لَا يَجِبُ أَنْ يُجْعَلَ مَفْضُولًا لِسَبَبٍ لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ تَعَالَى سَبَبًا لِمَفْضُولِيَّتِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُحِبُّ أَنْ يُفَاضِلَ أَحَدٌ بَيْنَ أَحْبَابِهِ بِمَا لَمْ يَجْعَلْهُ سَبَبًا لِلْمُفَاضَلَةِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ الصَّوَابَ مَا أُشِيرَ إِلَيْهِ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَى الْمَنْقُولِ بِالنَّصِّ الْقُرْآنِيِّ، وَالثَّابِتِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ تَفْصِيلًا وَإِجْمَالًا. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. ثُمَّ بَعْدَ أُولِي الْعَزْمِ ((فَ)) الْوَاجِبُ اعْتِقَادُهُ أَنْ يَلِيَهُمْ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ سَائِرُ ((الرُّسُلِ)) الْمُكَرَّمِينَ بِالرِّسَالَةِ، فَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ غَيْرِ الرُّسُلِ، وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّ الرِّسَالَةَ أَفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَلَوْ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِلْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ

стр. 752

فِي قَوْلِهِ إِنَّ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ أَفْضَلُ مِنْ رِسَالَتِهِ لِقَصْرِهَا عَلَى الْحَقِّ تَعَالَى، إِذْ هِيَ الْإِيحَاءُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْبَارِي - جَلَّ شَأْنُهُ - مِنْ غَيْرِ ارْتِبَاطٍ لَهُ بِالْخَلْقِ، أَمَّا مَعَ تَعَدُّدِ الْمَحَلِّ فَلَا خِلَافَ فِي أَفْضَلِيَّةِ الرِّسَالَةِ عَلَى النُّبُوَّةِ ضَرُورَةَ جَمْعِ الرِّسَالَةِ لَهَا مَعَ زِيَادَةٍ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُعْتَمَدَ أَفْضَلِيَّةُ الرِّسَالَةِ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ((ثُمَّ)) الْأَفْضَلُ بَعْدَ الرُّسُلِ الْكِرَامِ ((الْأَنْبِيَاءُ)) - عَلَيْهِمْ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - وَهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْفَضِيلَةِ، فَبَعْضُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] فَهَذَا وَاجِبُ الِاعْتِقَادِ تَفْصِيلًا فِيمَنْ عُلِمَ مِنْهُمْ وَعُلِمَ حُكْمُهُ تَفْصِيلًا وَلَوْ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ صَحِيحٍ، وَإِجْمَالًا فِيمَا عُلِمَ مِنْهُمْ وَعُلِمَ حُكْمُهُ إِجْمَالًا، وَلِهَذَا قَالَ: ((بِالْجَزْمِ)) السَّدِيدِ وَالْقَطْعِ الْمُفِيدِ لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا تَرْدِيدٍ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ عَلَى النَّهْجِ السَّدِيدِ الْأَقْوَمِ، وَعُلِمَ مِمَّا ذُكِرَ وَلَا سِيَّمَا مِنْ قَوْلِهِ بِالْجَزْمِ رَدُّ زَعْمِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْوَلِيَّ قَدْ يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ كَمَا يُحْكَى عَنِ الْكَرَّامِيَّةِ، بَلْ زَعَمَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْوِلَايَةَ أَفْضَلُ مِنَ النُّبُوَّةِ، قَالُوا: لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنِ الْقُرْبِ وَالْكَرَامَةِ كَمَا هُوَ شَأْنُ خَوَاصِّ الْمَلِكِ وَالْمُقَرَّبِينَ مِنْهُ، وَالنُّبُوَّةُ عَنِ الْإِنْبَاءِ وَالتَّبْلِيغِ، كَمَا هُوَ حَالُ مَنْ أَرْسَلَهُ الْمَلِكُ إِلَى الرَّعَايَا لِتَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ، قَالُوا: إِلَّا أَنَّ الْوَلِيَّ لَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ النَّبِيِّ بِخِلَافِ الْعَكْسِ، لِأَنَّ نُبُوَّةَ النَّبِيِّ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْوِلَايَةِ. وَقَدْ شَنَّعَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ عَلَى مَنْ يَزْعُمُ ذَلِكَ فِي مَحِلَّاتٍ مِنْ كُتُبِهِ وَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَقَالَ فِي جَوَابِ الْمَسَائِلِ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ شَنِيعَ مَقَالَاتِهِمْ وَزَيْفَ تُرَّهَاتِهِمْ: وَلِهَذَا يَقُولُونَ: إِنَّ الْوِلَايَةَ أَعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالنُّبُوَّةَ أَعْظَمُ مِنَ الرِّسَالَةِ وَيُنْشِدُونَ: مَقَامُ النُّبُوَّةِ فِي بَرْزَخٍ ... فُوَيْقَ الرَّسُولِ وَدُونَ الْوَلِي وَيَقُولُونَ: إِنَّ وِلَايَةَ النَّبِيِّ أَعْظَمُ مِنْ نُبُوَّتِهِ، وَنُبُوَّتُهُ أَعْظَمُ مِنْ رِسَالَتِهِ، ثُمَّ قَدْ يَدَّعِي أَحَدُهُمْ أَنَّ وِلَايَتَهُ وَوِلَايَةَ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ تَابِعَةٌ لِوِلَايَةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنْ حَيْثُ وِلَايَتِهِمُ (الَّتِي) هِيَ أَعْظَمُ عِنْدِهِمْ مِنْ نَبُّوتِهِمْ وَرِسَالَتِهِمْ، إِنَّمَا يَسْتَفِيدُونَ الْعِلْمَ بِاللَّهِ الَّذِي هُوَ عِنْدَهُمُ الْقَوْلُ بِوَحْدَةِ الْوُجُودِ مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَشُبْهَتُهُمْ فِي أَصْلِ ذَلِكَ أَنْ قَالُوا:

стр. 753

الْوَلِيُّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَالنَّبِيُّ وَالرَّسُولُ يَأْخُذُ بِوَاسِطَةٍ، وَلِهَذَا جَعَلُوا مَا يُلْقَى فِي نُفُوسِهِمْ وَيَجْعَلُونَهُ مِنْ بَابِ الْمُخَاطَبَاتِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمُكَاشَفَاتِ الرَّبَّانِيَّةِ أَعْظَمَ مِنْ تَكْلِيمِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ ﵇ قَالَ: وَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ إِيحَاءَاتٌ شَيْطَانِيَّةٌ وَوَسَاوِسُ نَفْسَانِيَّةٌ ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وَلَوْ هُدُوا لَعَلِمُوا أَنَّ أَفْضَلَ مَا عِنْدَ الْوَلِيِّ مَا يَأْخُذُهُ عَنِ الرَّسُولِ، لَا مَا يَأْخُذُهُ عَنْ قَلْبِهِ، وَأَنَّ أَفْضَلَ الْأَوْلِيَاءِ الصِّدِّيقُونَ وَأَفْضَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَكَانَ هُوَ أَفْضَلَ مِنْ عُمَرَ مَعَ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مُحَدَّثًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «قَدْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ» ". وَفِي التِّرْمِذِيِّ: " «لَوْ لَمْ أُبْعَثْ فِيكُمْ لَبُعِثَ فِيكُمْ عُمَرُ» "، وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ضَرَبَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» ". وَمَعَ هَذَا فَالصِّدِّيقُ الَّذِي تَلَقَّى مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ مُطْلَقًا أَفْضَلُ، لِأَنَّ مَأْخَذَهُ مَعْصُومٌ مِنَ الْخَطَأِ، وَالْمُحَدَّثُ لَيْسَ مَعْصُومًا بَلْ يَقَعُ لَهُ الصَّوَابُ وَالْخَطَأُ، وَلِهَذَا يَحْتَاجُ أَنْ يَزِنَهُ بِمِيزَانِ النُّبُوَّةِ الْمَعْصُومَةِ. وَقَالَ أَبُو مِجْلَزٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] قَالَ: أَنْ يَسْأَلَ مَنَازِلَ الْأَنْبِيَاءِ. ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى زَعْمِهِمْ مَا زَعَمُوا فِي خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَا حَقِيقَةَ لِفَضْلِهَا وَمَزِيَّتِهَا، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَلَطًا لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، وَمُسَمَّى هَذَا اللَّفْظِ هُوَ آخِرُ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ يَكُونُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ أَفْضَلَ الْأَوْلِيَاءِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ أَفْضَلُ الْأَوْلِيَاءِ سَابِقُهُمْ وَأَقْرَبُهُمْ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ﵄ كَمَا يَأْتِي، إِذِ الْأَوْلِيَاءُ يَسْتَفِيدُونَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا يَأْتِي، فَأَقَرَبُهُمْ إِلَى الرَّسُولِ أَفْضَلُهُمْ بِخِلَافِ خَاتَمِ الرُّسُلِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُ بِالرِّسَالَةِ لَمْ يُحِلْهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَقِيَاسُ مُسَمَّى أَحَدِ اللَّفْظَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي وُجُوبِ كَوْنِهِ أَفْضَلَ مِنْ أَفْسَدِ الْقِيَاسِ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ - فِي مَكَانٍ آخَرَ فِي التَّنْكِيتِ عَلَى مَنْ جَعَلَ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ أَفْضَلَ مِنَ الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ: وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ الرُّسُلَ جَمِيعَهُمْ وَالْأَنْبِيَاءَ يَسْتَفِيدُونَ عِلْمَ الْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى مِنْ مِشْكَاةِ الَّذِي جَعَلُوهُ خَاتَمَ الْأَوْلِيَاءِ، وَجَعَلُوهُ أَفْضَلَ مِنْ خَاتَمِ الرُّسُلِ مِنَ الْحَقِيقَةِ وَالْعِلْمِ بِهِ، وَأَنَّهُ يَأْخُذُ عَنِ الْأَصْلِ مِنْ حَيْثُ

стр. 754

يَأْخُذُ الْمَلِكُ الَّذِي يُوحِي إِلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ، فَإِنَّ خَاتَمَ الرُّسُلِ إِنَّمَا هُوَ سَيِّدٌ فِي الشَّفَاعَةِ، فَسِيَادَتُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْخَاصِّ لَا عَلَى الْعُمُومِ، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَيْسَ هَذَا الْعِلْمُ إِلَّا لِخَاتَمِ الرُّسُلِ وَخَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَمَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ إِلَّا مِنْ مِشْكَاةِ الْوَلِيِّ الْخَاتَمِ، حَتَّى أَنَّ الرُّسُلَ لَا يَرَوْنَهُ مَتَى رَأَوْهُ إِلَّا مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، فَإِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ - أَعْنِي نُبُوَّةَ التَّشْرِيعِ وَرِسَالَتَهُ - يَنْقَطِعَانِ، وَالْوِلَايَةُ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا، فَالْمُرْسَلُونَ مِنْ (حَيْثُ) كَوْنُهُمْ أَوْلِيَاءَ لَا يَرَوْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ - يَعْنِي مِنَ الْحَقِيقَةِ وَالْعِلْمِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ - إِلَّا مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، فَكَيْفَ مَنْ دُونَهُمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ؟ وَإِنْ كَانَ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ تَابِعًا فِي الْحُكْمِ لِمَا جَاءَ بِهِ خَاتَمُ الرُّسُلِ مِنَ التَّشْرِيعِ فَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي مَقَامِهِ، وَلَا يُنَاقِضُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ فِيمَا يَزْعُمُونَ، قَالُوا: فَإِنَّهُ مِنْ وَجْهٍ يَكُونُ أَنْزَلَ كَمَا أَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ يَكُونُ أَعْلَى. وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْهُمْ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ التُّرَّهَاتِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً يَنْبُو عَنْهَا السَّمْعُ، وَنَاقَشَهُمْ عَلَيْهَا مُنَاقَشَةً تَامَّةً، وَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ أَنَّ أَفْضَلَ الْخَلْقِ الرُّسُلُ، فَالْأَنْبِيَاءُ، فَالصَّحَابَةُ، فَالْأَوْلِيَاءُ، وَإِنْ دَخَلَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فِي الْجُمْلَةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. [فَصْلٌ فيما يجب وما يستحيل في حق الأنبياء] ((فَصْلٌ)) فِيمَا يَجِبُ لِلْأَنْبِيَاءِ ﵈ وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ وَمَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ)) قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ شُرُوطُ مَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ مِنَ الذُّكُورَةِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالْقُوَّةِ عَلَى أَعْبَاءِ مَا حَمَلُوهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ هُنَا مَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فِي حَقِّهِمْ: ((وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَلِمْ ... مِنْ كُلِّ مَا نَقْصٍ وَمِنْ كُفْرٍ عُصِمْ)) ((كَذَاكَ مِنْ إِفْكٍ وَمِنْ خِيَانَهْ ... لِوَصْفِهِمْ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَهْ)) ((وَ)) هُوَ أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ مُسْلِمٍ ((أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ)) أَيِ الْأَنْبِيَاءِ الْكِرَامِ وَالرُّسُلِ الْعِظَامِ، ((سَلِمَ)) وَتَنَزَّهَ، ((مِنْ كُلِّ مَا)) زَائِدَةٌ لِإِقَامَةِ الْوَزْنِ وَمَزِيدِ التَّأْكِيدِ عَمَّا سَلِمُوا مِنْهُ وَنُزِّهُوا عَنْهُ، ((نَقْصٍ)) يُؤَدِّي إِلَى إِزَالَةِ الْحِشْمَةِ وَإِسْقَاطِ الْمُرُوءَةِ، وَأَلْحَقَتْ بِفَاعِلِهَا الْإِزْرَاءَ وَالْخِسَّةَ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَتَطْفِيفٍ بِحَبَّةٍ، لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْ كُلِّ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْإِزْرَاءِ وَالدَّنَاءَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وَقَالَ:

стр. 755

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، وَمِنَ الْمَعْلُومِ عُمُومُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ فِعْلِ مَا يُزْرِي مَا يُوجِبُ حُبَّ اللَّهِ، وَلَا حُسْنَ التَّأَسِّي وَالِاقْتِدَاءِ فِي ذَلِكَ، فَوَجَبَ تَنْزِيهُهُمْ عَنْهُ وَعَنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَسَلَامَتُهُمْ مِنْ كُلِّ مَا يُوجِبُ الرَّيْبَ، ((وَ)) إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ((مِنْ كُفْرٍ)) بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهِ ((عُصِمَ)) قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَبَعْدَهَا، وَالْعِصْمَةُ الْمَنَعَةُ وَالْعَاصِمُ الْمَانِعُ الْحَامِي، وَالِاعْتِصَامُ الِامْتِسَاكُ بِالشَّيْءِ افْتِعَالٌ مِنْهُ، وَمِنْهُ شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ: ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ أَيْ يَمْنَعُهُمْ مِنَ الضَّيَاعِ وَالْحَاجَةِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: النَّاسُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُبَلِّغُونَهُ عَنِ اللَّهِ فَلَا يَسْتَقِرُّ فِي ذَلِكَ خَطَأٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ هَلْ يَصْدُرُ مِنْهُمْ مَا يَسْتَدْرِكُهُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَنْسَخُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وَيُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ؟ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ، قَالَ: وَالْمَأْثُورُ عَنِ السَّلَفِ يُوَافِقُ الْقَوْلَ بِذَلِكَ، قَالَ: وَأَمَّا الْعِصْمَةُ فِي غَيْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ فَلِلنَّاسِ فِيهِ نِزَاعٌ: هَلْ هُوَ ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ أَوْ بِالسَّمْعِ؟ وَمُتَنَازِعُونَ فِي الْعِصْمَةِ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ أَوْ مِنْ بَعْضِهَا، أَوْ هَلِ الْعِصْمَةُ إِنَّمَا هُوَ فِي الْإِقْرَارِ عَلَيْهَا لَا فِي فِعْلِهَا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ الْقَوْلُ فِي الْعِصْمَةِ إِلَّا بِالتَّبْلِيغِ فَقَطْ قَالَ: وَهَلْ تَجِبُ الْعِصْمَةُ مِنَ الْكُفْرِ وَالذُّنُوبِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ: وَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ الْمُوَافِقُ لِلْآثَارِ إِثْبَاتُ الْعِصْمَةِ مِنَ الْإِقْرَارِ عَلَى الذُّنُوبِ مُطْلَقًا، قَالَ: وَوُقُوعُ الذَّنْبِ إِذَا لَمْ يُقِرَّ عَلَيْهِ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَنْفِيرٌ وَلَا نَقْصٌ، فَإِنَّ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ يُرْفَعُ بِهَا صَاحِبُهَا أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ أَوَّلًا، وَكَذَلِكَ التَّأَسِّي بِهِمْ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا أَقَرُّوا عَلَيْهِ بِدَلِيلِ النَّسْخِ وَنَحْوِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَإِنَّهُمْ مَعْصُومُونَ فِيمَا يُؤَدُّونَ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسُوا مَعْصُومِينَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ وَالسَّهْوِ وَالصَّغَائِرِ فِي الْأَشْهَرِ، لَكِنْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى ذَلِكَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْإِرْشَادِ: إِنَّهُمْ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَمْ يَعْتَصِمُوا فِي الْأَفْعَالِ بَلْ فِي نَفْسِ الْأَدَاءِ، قَالَ: وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ فِي الْأَقْوَالِ فِيمَا يُؤَدُّونَهُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى. انْتَهَى. وَقَالَ الْحَافِظُ زَيْنُ الدِّينِ الْعِرَاقِيُّ: النَّبِيُّ ﷺ مَعْصُومٌ مِنْ تَعَمُّدِ الذَّنْبِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِ بَعْضِ الْخَوَارِجِ وَالْحَشْوِيَّةِ الَّذِينَ نُقِلَ عَنْهُمْ تَجْوِيزُ ذَلِكَ، وَلَا بِقَوْلِ مَنْ

стр. 756

قَالَ مِنَ الرَّوَافِضِ بِجَوَازِهَا تَقِيَّةً، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ وُقُوعِ الصَّغِيرَةِ سَهْوًا فَمَنَعَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِنِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ، وَاخْتَارَهُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ قَالَ: وَهُوَ الَّذِي نَدِينُ اللَّهَ بِهِ وَأَجَازَهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ، قَالَ: وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى عِصْمَتِهِ مِنْ مُوَاقَعَةِ الْمَكْرُوهِ قَصْدًا. انْتَهَى. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ السَّعْدُ التَّفْتَازَانِيُّ: وَفِي عِصْمَتِهِمْ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ تَفْصِيلٌ، وَهُوَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنِ الْكُفْرِ، قَبْلَ الْوَحْيِ وَبَعْدَهُ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَا عَنْ تَعَمُّدِ الْكَبَائِرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْحَشْوِيَّةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّ امْتِنَاعَهُ بِدَلِيلِ السَّمْعِ أَوِ الْعَقْلِ، وَأَمَّا سَهْوًا فَجَوَّزَ الْأَكْثَرُونَ، قَالَ: وَأَمَّا الصَّغَائِرُ فَتَجُوزُ عَمْدًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِلْجُبَّائِيِّ وَأَتْبَاعِهِ، وَتَجُوزُ سَهْوًا بِالِاتِّفَاقِ إِلَّا مَا يَدُلُّ عَلَى الْخِسَّةِ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَالتَّطْفِيفِ بِحَبَّةٍ، لَكِنَّ الْمُحَقِّقِينَ شَرَطُوا أَنْ يُنْهَوْا عَنْهُ فَيَنْتَهُوا مِنْهُ، هَذَا كُلُّهُ بَعْدَ الْوَحْيِ. قَالَ: وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا دَلِيلَ عَلَى امْتِنَاعِ صُدُورِ الْكَبِيرَةِ، وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إِلَى امْتِنَاعِهَا، لِأَنَّهَا تُوجِبُ النَّفْرَةَ الْمَانِعَةَ مِنَ اتِّبَاعِهِمْ فَتَفُوتُ مَصْلَحَةُ الْبَعْثَةِ، قَالَ السَّعْدُ: وَالْحَقُّ مَنْعُ مَا يُوجِبُ النَّفْرَةَ كَعَهْرِ الْأُمَّهَاتِ وَالْفُجُورِ وَالصَّغَائِرِ الدَّالَّةِ عَلَى الْخِسَّةِ، وَمَنَعَ الشِّيعَةُ صُدُورَ الصَّغِيرَةِ وَالْكَبِيرَةِ مِنْهُمْ قَبْلَ الْوَحْيِ وَبَعْدَهُ وَلَكِنَّهُمْ جَوَّزُوا إِظْهَارَ الْكُفْرِ تَقِيَّةً. انْتَهَى. (تَنْبِيهٌ (لَمْ يَكُنْ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ ﷺ قَبْلَ الْبَعْثَةِ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، بَلْ وُلِدَ مُسْلِمًا مُؤْمِنًا كَمَا قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ، قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَمْ يَكُنْ ﷺ عَلَى دِينٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَلَا كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَطُّ، بَلْ وُلِدَ نَبِيُّنَا مُؤْمِنًا صَالِحًا عَلَى مَا كَتَبَهُ اللَّهُ وَعَلِمَهُ مِنْ حَالِهِ. انْتَهَى. وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ فِي كِتَابِهِ لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ: وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ بِحَدِيثِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ السُّلَمِيِّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَإِنَّ آدَمَ ﵇ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ» " - رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَرَوَى مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁ -

стр. 757

وَمِنْ وُجُوهٍ أُخَرَ مُرْسَلَةٍ وَخَرَّجَ الْحَاكِمُ أَيْضًا حَدِيثَ الْعِرْبَاضِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ - عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَزَلْ عَلَى التَّوْحِيدِ مُذْ نَشْأَتِهِ، وَرَدَّ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ زَعَمَ غَيْرَ ذَلِكَ. قَالَ الْحَافِظُ: بَلْ يُسْتَدَلُّ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ﷺ وُلِدَ نَبِيًّا، فَإِنَّ نُبُوَّتَهُ وَجَبَتْ لَهُ مِنْ حِينِ أُخِذَ الْمِيثَاقُ، حَيْثُ اسْتُخْرِجَ مِنْ صُلْبِ آدَمَ فَكَانَ نَبِيًّا مِنْ حِينَذٍ، لَكِنْ كَانَتْ مُدَّةُ خُرُوجِهِ إِلَى الدُّنْيَا مُتَأَخِّرَةً عَنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ نَبِيًّا قَبْلَ خُرُوجِهِ، كَمَنْ يُوَلَّى وِلَايَةً وَيُؤْمَرُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَحُكْمُ الْوِلَايَةِ ثَابِتٌ لَهُ مِنْ حِينِ وِلَايَتِهِ، وَإِنْ كَانَ تَصَرُّفُهُ مُتَأَخِّرًا إِلَى حِينِ مَجِيءِ الْوَقْتِ. قَالَ الْحَافِظُ: قَالَ حَنْبَلٌ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁: مَنْ زَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ؟ قَالَ: هَذَا قَوْلُ سُوءٍ يَنْبَغِي لِصَاحِبِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنْ يُحْذَرَ كَلَامُهُ وَلَا يُجَالَسَ. قُلْتُ: إِنَّ جَارَنَا النَّاقِدَ أَبَا الْعَبَّاسِ يَقُولُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ. قَالَ: قَاتَلَهُ اللَّهُ وَأَيُّ شَيْءٍ أَبْقَى إِذَا زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ وَهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ؟ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ عِيسَى ﵇: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦] ، ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: مَاذَا يُحَدِّثُ النَّاسُ مِنَ الْكَلَامِ؟ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُ الْكَلَامِ مَنْ أَحَبَّ الْكَلَامَ لَمْ يُفْلِحْ، سُبْحَانَ اللَّهِ لِهَذَا الْقَوْلِ، وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِرُؤْيَا أُمِّهِ النُّورَ عِنْدَ وِلَادَتِهِ حَتَّى أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ قَالَ: وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَمَا وَلَدَتْ رَأَتْ ذَلِكَ! . وَقِيلَ وَقَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ كَانَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا مِنَ الْأَوْثَانِ، ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: احْذَرُوا الْكَلَامَ، فَإِنَّ أَصْحَابَ الْكَلَامِ لَا يَئُولُ أَمْرُهُمْ إِلَى خَيْرٍ. أَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَمُرَادُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ الِاسْتِدْلَالُ بِتَقْدِيمِ الْبِشَارَةِ بِنُبُوَّتِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِ خُرُوجِهِ إِلَى الدُّنْيَا وَوِلَادَتِهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْعِرْبَاضِ. انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ ابْنِ رَجَبٍ مُلَخَّصًا، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِنَصِّ الْإِمَامِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ((كَذَاكَ)) كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ قَدْ عُصِمَ، ((مِنْ إِفْكٍ)) أَيْ مِنْ كَذِبٍ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْإِفْكُ فِي الْأَصْلِ الْكَذِبُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ أَفَكَ كَضَرَبَ وَعَلِمَ إِفْكًا بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ (وَالتَّحْرِيكِ وَ) أُفُوكًا كَذَبَ كَأَفَّكَ فَهُوَ

стр. 758

أَفَّاكٌ وَأَفِيكٌ وَأُفُوكٌ. وَفِي حَدِيثِ عَرْضِ نَفْسِهِ ﷺ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ لَقَدْ أَفِكَ قَوْمٌ كَذَّبُوكَ وَظَاهَرُوا عَلَيْكَ. أَيْ صَرَفُوا عَنِ الْحَقِّ وَمَنَعُوا مِنْهُ يُقَالُ أَفِكَهُ يَأْفِكُهُ إِفْكًا إِذَا صَرَفَهُ عَنِ الشَّيْءِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ وَرُسُلَهُ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَعْصُومُونَ مِنَ الْكَذِبِ ((وَ)) مَعْصُومُونَ ((مِنْ خِيَانَةٍ)) ، وَلَوْ قُلْتَ ((لِ)) وُجُوبِ ((وَصْفِهِمْ)) - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ((بِالصِّدْقِ)) الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْكَذِبِ ((وَ)) وُجُوبِ وَصْفِهِمْ بِـ ((الْأَمَانَةِ)) الَّتِي هِيَ ضِدُّ الْخِيَانَةِ، وَالضِّدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، فَالصِّدْقُ وَاجِبٌ فِي حَقِّهِمْ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَهُوَ مُطَابَقَةُ أَخْبَارِهِمْ لِلْوَاقِعِ إِيجَابًا وَسَلْبًا، إِذْ لَوْ جَازَ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ الَّذِي هُوَ عَدَمُ مُطَابَقَةِ الْوَاقِعِ لَجَازَ الْكَذِبَ فِي خَبَرِهِ تَعَالَى لِتَصْدِيقِهِ إِيَّاهُمْ بِالْمُعْجِزَةِ الْمُنَزَّلَةِ مَنْزِلَةَ قَوْلِهِ تَعَالَى: صَدَقَ عَبْدِي فِي كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّي، وَتَصْدِيقُ الْكَاذِبِ مِنَ الْعَالِمِ بِكَذِبِهِ مَحْضُ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ فَلُزُومُهُ كَذَلِكَ. وَقَدْ أَجْمَعْتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ طَرِيقُهُ الْإِبْلَاغُ فَالْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ مَعْصُومُونَ فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ لَا قَصْدًا وَلَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا عَلَى تَفْصِيلٍ فِي بَعْضِ ذَلِكَ يُعْلَمُ مِمَّا مَرَّ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ سِرَّهُ -: يَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ الْإِقْرَارُ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ ، فَمَا جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ أَوِ السُّنَّةُ الْمَعْلُومَةُ وَجَبَ عَلَى الْخَلْقِ الْإِقْرَارُ بِهِ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا عِنْدَ الْعِلْمِ بِالتَّفْصِيلِ، فَلَا يَكُونُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا حَتَّى يُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ تَحْقِيقُ شَهَادَةِ أَنْ لَا الْهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَمَنْ شَهِدَ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ شَهِدَ أَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ هَذِهِ حَقِيقَةُ الشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ، إِذِ الْكَاذِبُ لَيْسَ بِرَسُولٍ فِيمَا يُكَذِّبُهُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ - لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ - ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦] وَهُوَ عِرْقٌ فِي الْقَلْبِ إِذَا انْقَطَعَ مَاتَ صَاحِبُهُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يُحْتَاجُ إِلَى تَقْرِيرِهِ، وَفِي قِصَّةِ هِرَقْلَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ كَمَا فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ سُؤَالِ هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ أَوْصَافِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ؟ - أَيْ عَلَى النَّاسِ - قَالَ: لَا وَإِنْ كَانَ لَيُدْعَى فِينَا بِالْأَمِينِ، فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ

стр. 759

عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى. فَيُشْعِرُ هَذَا أَنَّ عُقَلَاءَ الْأُمَمِ مُطْبِقُونَ عَلَى اسْتِحَالَةِ كَذِبِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. وَقَوْلُهُ: وَالْأَمَانَةُ أَيْ يَجِبُ لَهُمُ الْأَمَانَةُ وَهِيَ ضِدُّ الْخِيَانَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] أَيِ الْفَرَائِضَ الْمَفْرُوضَةَ أَوِ النِّيَّةَ الَّتِي يَعْقِدُهَا فِيمَا يُظْهِرُهُ بِاللِّسَانِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَيُؤَدِّيهِ مِنْ جَمِيعِ الْفَرَائِضِ فِي الظَّاهِرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُظْهِرْهَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ، فَمَنْ أَضْمَرَ مِنَ التَّوْحِيدِ مِثْلَ مَا أَظْهَرَ فَقَدْ أَدَّى الْأَمَانَةَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْأَمَانَةُ تَقَعُ عَلَى الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالثِّقَةِ وَالْأَمَانِ. وَالْمُرَادُ بِهَا فِي حَقِّ رُسُلِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَنْبِيَائِهِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - اتِّصَافُهُمْ بِحِفْظِ ظَوَاهِرِهِمْ وَبَوَاطِنِهِمْ مِنَ التَّلَبُّسِ بِمَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَلَوْ نَهْيَ كَرَاهَةٍ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، أَيْ كَوْنُهُمْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونُوا إِلَّا كَذَلِكَ إِذْ لَوْ جَازَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخُونُوا اللَّهَ تَعَالَى بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ مَكْرُوهٍ عَلَى قَوْلٍ لَجَازَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَنْهِيٌّ مِنْهُ مَأْمُورًا بِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِمْ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، وَهُوَ تَعَالَى لَا يَأْمُرُ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وَالْمُرَادُ مَا لَمْ تَقُمْ قَرِينَةٌ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ كَنِكَاحِ أَزْيَدَ مِنْ أَرْبَعٍ فَتَخْتَصُّ بِهِمْ دُونَ أُمَمِهِمْ، وَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ ﷺ قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ كَمَا أُمِرَ، وَلَمْ يَكْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا، فَإِنَّ كِتْمَانَ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ يُنَاقِضُ مُوجَبَ الرِّسَالَةِ، كَمَا أَنَّ الْكَذِبَ يُنَاقِضُ مُوجَبَ الرِّسَالَةِ، قَالَ: وَمِنَ الْمَعْلُومِ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الْكِتْمَانِ لِشَيْءٍ مِنَ الرِّسَالَةِ، كَمَا أَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنَ الْكَذِبِ فِيهَا، وَالْأُمَّةُ تَشْهَدُ لَهُ بِأَنَّهُ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى، وَبَيَّنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَقَدْ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ تَصْدِيقُهُ فِي كُلِّ مَا أَخْبَرَ بِهِ. (تَتِمَّةٌ) ذَكَرَ أَبُو الْفَضْلِ الْقَاضِي عِيَاضٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِهِ الشِّفَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ فِيمَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَمَا لَا

стр. 760

يَجُوزُ عَلَى طَرِيقِ الْمُذَاكَرَةِ وَالتَّعْلِيمِ أَنْ يَلْتَزِمَ فِي كَلَامِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ ﵊ وَذِكْرِ تِلْكَ الْأَحْوَالِ، الْوَاجِبَ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ، وَيُرَاقِبُ حَالَ بَيَانِهِ وَلَا يُهْمِلُهُ، وَتَظْهَرُ عَلَيْهِ عَلَامَاتُ الْأَدَبِ عِنْدَ ذِكْرِهِ، فَإِذَا ذَكَرَ مَا قَاسَاهُ ﵇ مِنَ الشَّدَائِدِ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْإِشْفَاقُ وَالِارْتِمَاضُ وَالْغَيْظُ عَلَى عَدُوِّهِ، وَمَوَدَّةُ الْفِدَاءِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لَوْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَالنُّصْرَةُ لَهُ لَوْ أَمْكَنَتْهُ، وَإِذَا أَخَذَ فِي أَبْوَابِ الْعِصْمَةِ وَتَكَلَّمَ عَلَى مَجَارِي أَعْمَالِهِ وَأَقْوَالِهِ ﵇ تَحَرَّى أَحْسَنَ اللَّفْظِ، وَآدَبَ الْعِبَارَةِ مَا أَمْكَنَهُ، وَاجْتَنَبَ بَشِعَ ذَلِكَ، وَهَجَرَ مِنْ تِلْكَ الْعِبَارَةِ مَا يَقْبُحُ كَلَفْظَةِ الْجَهْلِ وَالْكَذِبِ وَالْمَعْصِيَةِ، فَإِذَا تَكَلَّمَ فِي الْأَقْوَالِ قَالَ: هَلْ يَجُوزُ الْخُلْفُ فِي الْقَوْلِ وَالْإِخْبَارُ بِخِلَافِ مَا وَقَعَ سَهْوًا أَوْ غَلَطًا؟ وَنَحْوُهُ مِنَ الْعِبَارَةِ، وَتَجَنَّبَ لَفْظَةِ الْكَذِبِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَإِذَا تَكَلَّمَ عَلَى الْعِلْمِ قَالَ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمَ إِلَّا مَا عُلِّمَ؟ وَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ لَا يَكُونَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ بَعْضِ الْأَشْيَاءِ حَتَّى يُوحَى إِلَيْهِ؟ وَلَا يَقُولُ يَجْهَلُ لِقُبْحِ لَفْظِهِ وَشَنَاعَتِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ فِي الْأَفْعَالِ قَالَ: هَلْ يَجُوزُ مِنْهُ الْمُخَالَفَةُ فِي بَعْضِ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي وَمُوَاقَعَةِ بَعْضِ الصَّغَائِرِ؟ فَهُوَ آدَبُ وَأَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ: هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَعْصِيَ أَوْ أَنْ يُذْنِبَ أَوْ أَنْ يَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَعَاصِي؟ فَهَذَا مِنْ حَقِّ تَوْقِيرِهِ ﵊ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ تَوْقِيرٍ وَإِعْظَامِ قَدْرٍ. وَأَمَّا مَا يُورِدُهُ عَلَى جِهَةِ النَّفْيِ وَالتَّنْزِيهِ عَنْهُ فَلَا حَرَجَ فِي شَرْحِ الْعِبَارَةِ وَتَصْرِيحِهَا كَقَوْلِهِ: لَا يَجُوزُ ﵇ الْكَذِبُ جُمْلَةً، وَلَا إِتْيَانُ الْكَبَائِرِ بِوَجْهٍ، وَلَا الْجَوْرُ فِي الْحُكْمِ عَلَى حَالٍ. وَلَكِنْ مَعَ هَذَا يَجِبُ ظُهُورُ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ مُجَرَّدًا فَكَيْفَ عِنْدَ ذِكْرِ مِثْلِ هَذَا؟ وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَظْهَرُ عَلَيْهِمْ حَالَاتٌ شَدِيدَةٌ عِنْدَ مُجَرَّدِ ذِكْرِهِ ﷺ . انْتَهَى مُلَخَّصًا. وَمِثْلُهُ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -. وَقَدْ فُهِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ الْوَاجِبُ فِي حَقِّهِمْ، وَالْمُسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ مِمَّا عُصِمُوا مِنْهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ، وَأَشَارَ إِلَى الْجَائِزِ فِي حَقِّهِمْ بِقَوْلِهِ: [فَصْلٌ الجائزفي حق الأنبياء] ((وَجَائِزٌ فِي حَقِّ كُلِّ الرُّسُلِ ... النَّوْمُ وَالنِّكَاحُ مِثْلُ الْأَكْلِ)) ((وَجَائِزٌ)) عَقْلًا وَشَرْعًا ((فِي حَقِّ كُلِّ)) الْأَنْبِيَاءِ وَ ((الرُّسُلِ)) عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَهَذَا الْقِسْمُ وَإِنْ فُهِمَ مِنْ ذِكْرِ مَا يَجِبُ لَهُمْ، وَمَا

стр. 761

يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ مَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ الثُّبُوتِ لَهُمْ وَلَا وَاجِبَ النَّفْيِ عَنْهُمْ، فَوُجُودُهُ وَعَدَمُهُ جَائِزٌ فِي حَقِّهِمْ، لَكِنَّهُ نَبَّهَ بِمَا ذَكَرَهُ لِإِيضَاحِ قِسْمِ الْجَائِزِ عَلَيْهِمْ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ - ((النَّوْمُ)) وَهُوَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ، لِتَسْتَرِيحَ أَبْدَانُهُمْ عِنْدَ تَعَبِهِمْ، وَهُوَ غَشْيَةٌ ثَقِيلَةٌ تَقَعُ عَلَى الْقَلْبِ تَمْنَعُ الْمَعْرِفَةَ بِالْأَشْيَاءِ، لَكِنَّ نَبِيَّنَا ﷺ كَانَ تَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، بَلْ قَلْبُهُ ﷺ كَانَ أَبَدًا مُسْتَيْقِظًا مُتَهَيِّئًا لِإِدْرَاكِ مَا يُلْقَى إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ، وَمِثْلُ النَّوْمِ مِمَّا هُوَ جَائِزٌ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - الْجُلُوسُ وَالْمَشْيُ وَالْبُكَاءُ وَالضَّحِكُ، وَكُلُّ مَا هُوَ مِنَ الْخَوَاصِّ الْبَشَرِيَّةِ الْمُبَاحَةِ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ جَوَازِ وُقُوعِ الْمُبَاحِ مِنْهُمْ، ((وَالنِّكَاحُ)) وَالتَّسَرِّي وَجِمَاعُ النِّسَاءِ، فَيَجُوزُ عَلَيْهِمْ وَطْءُ النِّسَاءِ بِالْمِلْكِ بِشَرْطِ كَوْنِهِنَّ مُسْلِمَاتٍ أَوْ مُطْلَقًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ((مِثْلُ الْأَكْلِ)) وَالشُّرْبِ الْحَلَالِ، وَكَذَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ كُلُّ عَرَضٍ بَشَرِيٍّ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ وَلَا مُبَاحٍ مُزْرٍ، وَلَا مِمَّا تَعَافُهُ الْأَنْفُسُ، وَلَا مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى النَّفْرَةِ، حَتَّى إِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الِاحْتِلَامُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنَ الْبَشَرِ، وَأُرْسِلُوا إِلَى الْبَشَرِ، فَظَوَاهِرُهُمْ خَالِصَةٌ لِلْبَشَرِ، يَجُوزُ عَلَيْهَا مِنَ الْآفَاتِ وَالتَّغْيِيرَاتِ وَالْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَتَجَرُّعِ كَأْسِ الْحِمَامِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْبَشَرِ مِمَّا لَا نَقِيصَةَ فِيهِ، فَإِنَّ نَبِيَّنَا ﷺ كَانَ يَمْرَضُ وَيَتَأَلَّمُ وَيَتَشَكَّى، وَكَانَ يُصِيبُهُ الْحَرُّ وَالْقُرُّ وَالْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَالْغَضَبُ وَالضَّجَرُ وَالنَّصَبُ وَالتَّعَبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا نَقْصَ عَلَيْهِ فِيهِ وَلَا يُوجِبُ الِاتِّصَافُ بِهِ نَوْعَ نُفْرَةٍ عِنْدَ كُلِّ نَبِيهٍ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [فَصْلٌ ذِكْرِ فضل الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ ﵃] [أبو بكر الصديق] ((فَصْلٌ)) فِي ذِكْرِ الصَّحَابَةِ الْكِرَامِ ﵃ اعْلَمْ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا ﷺ ، ثُمَّ بَقِيَّةَ أُولِي الْعَزْمِ، ثُمَّ الرُّسُلَ، ثُمَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ أَفْضَلُ الْبَشَرِ الصَّحَابَةُ ﵃. وَيَأْتِي ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي التَّفَاضُلِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمَلَائِكَةِ - أَعْقَبَ ذِكْرَ الْأَنْبِيَاءِ بِالصَّحَابَةِ حَسَبَ اصْطِلَاحِ أَصْحَابِنَا وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَبَدَأَ بِأَفْضَلِهِمِ الْإِمَامُ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَخَلِيفَةُ رَسُولِ

стр. 762

اللَّهِ ﷺ بِالتَّصْدِيقِ: الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ فَقَالَ: ((وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ بِالتَّحْقِيقِ ... فِي الْفَضْلِ وَالْمَعْرُوفِ كَالصِّدِّيقِ)) ((وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ)) أَيْ أُمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ أُمَّةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَأَلْ فِيهَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا أَفْضَلُ الْأُمَمِ، فَيَكُونُ الصِّدِّيقُ أَفْضَلَ الْبَشَرِ بَعْدَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، ((بِالتَّحْقِيقِ)) الثَّابِتِ الْمَنْصُوصِ وَالتَّدْقِيقِ الْبَاتِّ الْمَخْصُوصِ، ((فِي الْفَضْلِ)) بِجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْفَضَائِلِ ((وَ)) بَذْلِ ((الْمَعْرُوفِ)) مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ ((كَ)) أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ الْكَعْبَةِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ وَلَقَّبَهُ بِـ ((الصِّدِّيقِ)) ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وَلَقَّبَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَتِيقًا لِجَمَالِ وَجْهِهِ، وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ مِنَ السَّمَاءِ الصِّدِّيقَ، فَهُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ، يَجْتَمِعُ نَسَبُهُ مَعَ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَأُمُّ الصِّدِّيقِ أُمُّ الْخَيْرِ سَلْمَى بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبٍ، بِنْتُ عَمِّ أَبِيهِ، مَاتَتْ هِيَ وَأَبُوهُ أَبُو قُحَافَةَ عُثْمَانُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَمْرٍو مُسْلِمَيْنِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ -، فَإِنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ جَاءَ بِأَبِيهِ يَوْمَ الْفَتْحِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْلَمَ، وَتُوُفِّيَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، وَهُوَ أَوَّلُ النَّاسِ إِيمَانًا بِالنَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَوْلِ جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: قَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: أَلَسْتُ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ؟ أَلَسْتُ صَاحِبَ كَذَا؟ الْحَدِيثَ. وَقِيلَ: بَلْ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَنَقَلَ الْحَاكِمُ اتِّفَاقَ الْمُؤَرِّخِينَ عَلَيْهِ، وَاسْتُنْكِرَ هَذَا مِنْهُ، وَقِيلَ: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَقِيلَ: خَدِيجَةُ، وَادَّعَى الثَّعْلَبِيُّ الِاجْمَاعَ فِيهِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي مَنْ بَعْدَهَا، وَصَوَّبَهُ كَثِيرٌ وَاسْتَظْهَرَهُ الْبَرَمَاوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَقِيلَ: أَوَّلُهُمْ بِلَالُ بْنُ حَمَامَةَ، وَقِيلَ: خَبَّابُ بْنُ الْأَرَتِّ حَكَاهُمَا الْمَسْعُودِيُّ،

стр. 763

وَقِيلَ: خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي، وَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ عَنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَسْعَدَ الْحِمْيَرِيُّ، وَنَقَلَ ابْنُ سَبْعٍ فِي الْخَصَائِصِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ أَوَّلَهُمْ إِسْلَامًا. وَيُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْإِمَامِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: الْأَوْرَعُ أَنْ يُقَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ أَبُو بَكْرٍ، وَمِنَ الصِّبْيَانِ عَلِيٌّ، وَمِنَ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ، وَمِنَ الْمَوَالِي زَيْدٌ، وَمِنَ الْعَبِيدِ بِلَالٌ. وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ مَا قِيلَ لِجَمْعِهِ الْأَقْوَالَ. وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِ الصِّدِّيقِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَالزُّبَيْرُ، وَطَلْحَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَخَبِ الْمُنْتَخَبِ: وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ، وَ (أَوَّلُ مَنْ) قَاءَ تَحَرُّجًا مِنَ الشُّبُهَاتِ، وَأَوَّلُ مَنْ سَمَّى الْقُرْآنَ مُصْحَفًا، وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ خَلِيفَةً، وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا خَلِيفَةَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَنَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَا رَاضٍ بِهِ. وَأَوَّلُ مَنْ وَلِيَ الْخِلَافَةَ وَأَبُوهُ حَيٌّ، وَأَوَّلُ خَلِيفَةٍ مَاتَ وَأَبُوهُ حَيٌّ، وَأَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ بَيْتَ الْمَالِ. وَمَنَاقِبُهُ ﵁ لَا تُحْصَى، وَمَزَايَاهُ وَمَآثِرُهُ لَا تُسْتَقْصَى، وَهُوَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ وَخَيْرُهُمْ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ وَالنَّاسِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، ثُمَّ سَائِرُ الْعَشَرَةِ، ثُمَّ بَاقِي أَهْلِ بَدْرٍ، ثُمَّ بَاقِي أَهْلِ أُحُدٍ، ثُمَّ بَاقِي أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، ثُمَّ بَاقِي الصَّحَابَةِ، هَكَذَا إِجْمَاعُ أَهْلِ الْحَقِّ، فَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ لَا يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ إِلَّا زَائِغٌ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ. قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: هَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فَلَعَنَ اللَّهُ الرَّافِضَةَ مَا أَجْهَلَهُمْ. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: قَدْ نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ مِنْ نَحْوِ ثَمَانِينَ وَجْهًا: خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ وَذُكِرَ نَحْوُ ذَلِكَ لِابْنِ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا فِي الْبُخَارِيِّ، وَالرَّافِضَةُ تُكَذِّبُهُ فَهُمْ مَعَ عَلِيٍّ كَالنَّصَارَى مَعَ الْمَسِيحِ، وَالْيَهُودِ مَعَ مُوسَى - عَلَيْهِمَا

стр. 764

السَّلَامُ -. وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ قَالَ: قُلْنَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ: ذَاكَ امْرُؤٌ سَمَّاهُ اللَّهُ الصِّدِّيقَ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ وَعَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ، كَانَ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَضِيَهُ لِدِينِنَا فَرَضِينَاهُ لِدُنْيَانَا. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ. وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي تَحْيَا قَالَ: لَا أُحْصِي كَمْ سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: إِنَّ اللَّهَ سَمَّى أَبَا بَكْرٍ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صِدِّيقًا. وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَحْلِفُ بِاللَّهِ لَأَنْزَلَ اللَّهُ اسْمَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ السَّمَاءِ الصِّدِّيقَ. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣] هُوَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ فِي تَفْسِيرِهَا: إِنَّ الَّذِي جَاءَ بِالْحَقِّ هُوَ مُحَمَّدٌ، وَالَّذِي صَدَّقَ بِهِ هُوَ أَبُو بَكْرٍ. قَالَ ابْنُ عَسَاكِرَ: هَكَذَا الرِّوَايَةُ بِالْحَقِّ، وَلَعَلَّهَا قِرَاءَةٌ لِعَلِيٍّ. انْتَهَى. وَقِيلَ: إِنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ صِدِّيقًا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ فِيهِ: وَسُمِّيتَ صِدِّيقًا وَكُلُّ مُهَاجِرٍ ... سِوَاكَ يُسَمَّى بِاسْمِهِ غَيْرَ مُنْكَرِ سَبَقْتَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ شَاهِدٌ ... وَكُنْتَ جَلِيسًا فِي الْعَرِيشِ الْمُشْهَرِ وَأَوَّلُ مَا اشْتَهَرَ أَبُو بَكْرٍ بِهَذَا الِاسْمِ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ ﵄ قَالَتْ: جَاءَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا: هَلْ لَكَ إِلَى صَاحِبِكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ قَالَ: أَوَقَالَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: لَقَدْ صَدَقَ، إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ بِأَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، بِخَبَرِ السَّمَاءِ غُدْوَةً وَرَوْحَةً. وَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ ابْنِ عَسَاكِرَ، وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ أَبِي وَهْبٍ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فَكَانَ بِذِي طُوًى

стр. 765

قَالَ: يَا جِبْرِيلُ إِنَّ قَوْمِي لَا يُصَدِّقُونِي، قَالَ: يُصَدِّقُكَ أَبُو بَكْرٍ، وَهُوَ الصِّدِّيقُ» . وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مَوْصُولًا عَنْ أَبِي وَهْبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَقَدْ أَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي زَوَائِدِ الزُّهْدِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَوَّلَ إِسْلَامًا؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ حَسَّانٍ: إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا خَيْرُ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلُهَا ... بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا وَالثَّانِي التَّالِي الْمَحْمُودُ مَشْهَدُهُ ... وَأَوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ فُرَاتِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَأَلْتُ مَيْمُونَ بْنَ مِهْرَانَ قُلْتُ: عَلِيٌّ أَفْضَلُ أَمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟ قَالَ: فَارْتَعَدَ حَتَّى سَقَطَتْ عَصَاهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنِّي أَبْقَى إِلَى زَمَانٍ يَعْدِلُ بِهِمَا لِلَّهِ دَرُّهُمَا، كَانَا رَأْسَ الْإِسْلَامِ. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ كَانَ أَوَّلَ إِسْلَامًا أَمْ عَلِيٌّ؟ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ آمَنَ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ ﷺ زَمَنَ بُحَيْرَا الرَّاهِبِ حِينَ مَرَّ بِهِ، وَاخْتَلَفَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَدِيجَةَ حَتَّى أَنْكَحَهَا إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ عَلِيٌّ. وَأَخْرَجَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مَيْسَرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا بَرَزَ سَمِعَ مَنْ يُنَادِيهِ: يَا مُحَمَّدُ، فَإِذَا سَمِعَ الصَّوْتَ انْطَلَقَ هَارِبًا، فَأَسَرَّ ذَلِكَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ صَدِيقًا لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي، إِنِّي قُلْتُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا، فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ وَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ صَدَقْتَ» ". قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حُفَّاظِ الْإِسْلَامِ، وَأَئِمَّتِهِمْ: صَحِبَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ النَّبِيَّ ﷺ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ، لَمْ يُفَارِقْهُ سَفَرًا وَلَا حَضَرًا إِلَّا فِيمَا أَذِنَ لَهُ ﷺ فِي الْخُرُوجِ فِيهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ غَزْوٍ، وَشَهِدَ مَعَهُ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهَاجَرَ مَعَهُ، وَتَرَكَ عِيَالَهُ وَأَوْلَادَهُ، رَغْبَةً فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ رَفِيقُهُ فِي الْغَارِ قَالَ تَعَالَى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] وَأَنْفَقَ مَالَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَهُوَ أَجْوَدُ الصَّحَابَةِ قَالَ تَعَالَى:

стр. 766

﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ﴾ [الليل: ١٧] إِلَى آخَرِ السُّورَةِ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: أَجْمَعُوا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَقِّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ» ". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلَّا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ. قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: رُوِّينَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵃. وَأَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا، وَزَادَ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْضِي فِي مَالِ أَبِي بَكْرٍ كَمَا يَقْضِي فِي مَالِ نَفْسِهِ. وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَائِشَةَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ أَسْلَمَ يَوْمَ أَسْلَمَ، وَلَهُ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِينَارٍ، فَأَنْفَقَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ، وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ. قَالَ: مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: عَائِشَةُ، قُلْتُ مِنَ الرِّجَالِ: قَالَ أَبُوهَا، قُلْتُ: ثُمَّ؟ قَالَ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» . وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِدُونِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: هَلْ قُلْتَ فِي أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: قُلْ وَأَنَا أَسْمَعُ، فَقَالَ: وَثَانِيَ اثْنَيْنِ فِي الْغَارِ الْمُنِيفِ وَقَدْ ... طَافَ الْعَدُوُّ بِهِ إِذْ صَعَّدَ الْجَبَلَا وَكَانَ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ قَدْ عَلِمُوا ... مِنَ الْبَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلَا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقْتَ يَا حَسَّانُ هُوَ كَمَا قُلْتَ» . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠] أَنَّ الصَّاحِبَ الْمَذْكُورَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ

стр. 767

عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ " «أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ» ". وَقَدْ وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَجُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَجَابِرِ بْنِ عَبَدِ اللَّهِ، وَأَنَسٍ، وَأَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، وَأَبِي الْمُعَلَّى، وَعَائِشَةَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃ فَهُوَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: " «أَنْتَ صَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ وَصَاحِبِي فِي الْغَارِ» ". وَأَخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَبُو بَكْرٍ صَاحِبِي وَمُؤْنِسِي فِي الْغَارِ» ". وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ طَرِيقِ مُجَمِّعِ بْنِ يَعْقُوبَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: كَانَتْ حَلْقَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَشْتَبِكُ حَتَّى تَصِيرَ كَالسِّوَارِ، وَإِنَّ مَجْلِسَ أَبِي بَكْرٍ مِنْهَا لَفَارِغٌ، مَا يَطْمَعُ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَإِذَا جَاءَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ، وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِوَجْهِهِ، وَأَلْقَى إِلَيْهِ حَدِيثَهُ، وَسَمِعَ النَّاسُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «حُبُّ أَبِي بَكْرٍ وَشُكْرُهُ وَاجِبٌ عَلَى أُمَّتِي» ".، وَخَرَّجَ مِثْلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ. وَأَخْرَجَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ مَرْفُوعًا: " «النَّاسُ كُلُّهُمْ يُحَاسَبُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ» ". وَالْأَحَادِيثُ فِي فَضَائِلِهِ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةٌ يَعْسُرُ اسْتِقْصَاؤُهَا، وَقَدْ أَشَرْنَا بِقَطْرَةٍ مِنْ بَحْرٍ لُجِّيٍّ، وَبِذَرَّةٍ مِنْ رَمْلٍ عَالِجٍ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ مَنَاقِبُهُ بِالتَّصْنِيفِ، فَدَعِ الْمُخَادِعَ وَالْمُعَالِجَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَوْزِيِّ وَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ أَبْيَضَ، نَحِيفًا، خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، أَجْنَأَ، لَا يَسْتَمْسِكُ إِزَارُهُ يَسْتَرْخِي عَنْ حَقْوَيْهِ، مَعْرُوقَ الْوَجْهِ، غَائِرَ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئَ الْجَبْهَةِ، عَارِيَ الْأَشَاجِعِ، وَلَهُ مِنَ الْوَلَدِ عَبْدُ اللَّهِ وَأَسْمَاءُ وَأُمُّهُمَا قُتَيْلَةُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَائِشَةُ - وَأُمُّهُمَا أُمُّ رُومَانَ، وَمُحَمَّدٌ وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ -، وَأُمُّ كُلْثُومٍ

стр. 768

وَأُمُّهَا حَبِيبَةُ بِنْتُ خَارِجَةَ، وَهِيَ الَّتِى قَالَ فِي حَقِّهَا لِعَائِشَةَ: إِنَّمَا هُوَ أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ، وَتُوُفِّيَ الصِّدِّيقُ ﵁ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، وَكَانَتْ خِلَافَتُهُ سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إِلَّا عَشْرَ لَيَالٍ، وَقِيلَ: وَثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَتِسْعَ لَيَالٍ، وَغَسَّلَتْهُ زَوْجَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُ ﵂ وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَرُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةُ حَدِيثٍ وَاثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا سِتَّةٌ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِأَحَدَ عَشَرَ، وَمُسْلِمٌ بِحَدِيثٍ، وَسَبَبُ قِلَّةِ رِوَايَتِهِ ﵁ أَنَّهُ تَقَدَّمَتْ وَفَاتُهُ قَبْلَ انْتِشَارِ الْأَحَادِيثِ، وَاعْتِنَاءِ التَّابِعِينَ بِسَمَاعِهَا، وَقَدْ ذَكَرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي قِصَّةِ بَيْعَةِ الصِّدِّيقِ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أُنْزِلَ فِي الْأَنْصَارِ إِلَّا ذَكَرَهُ، وَلَا شَيْئًا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي شَأْنِهِمْ إِلَّا ذَكَرَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ مَحْفُوظِهِ مِنَ السُّنَّةِ، وَسِعَةِ عِلْمِهِ بِالْقُرْآنِ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَحُذَيْفَةُ بْنُ الْيَمَانِ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٌ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَبِلَالٌ، وَعَائِشَةُ، وَأَسْمَاءُ ﵃ وَمِنَ التَّابِعِينَ خَلَائِقُ، وَدُفِنَ ﵁ فِي الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ إِلَى جَانِبِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَانَ ﵁ قَدِ اغْتَسَلَ فِي يَوْمٍ بَارِدٍ فَحُمَّ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَمَاتَ، وَقِيلَ: سَبَبُ مَوْتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ. [عمر الفاروق] ((وَبَعْدَهُ الْفَارُوقُ مِنْ غَيْرِ افْتِرَا ... وَبَعْدَهُ عُثْمَانُ فَاتْرُكِ الْمِرَا)) ((وَبَعْدَهُ)) أَيْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ أَيْ يَلِيهِ فِي الْفَضِيلَةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ((الْفَارُوقُ)) سَمَّاهُ بِهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمَّا أَسْلَمَ، لِأَنَّ اللَّهَ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، فَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحٍ - بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ فَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ - بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ - بِضَمِّ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَطَاءٌ مُهْمَلَةٌ - بْنِ رَزَاحٍ - بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالزَّايِ فَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ بَعْدَ الْأَلْفِ - بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ، وَأُمُّهُ حَنْتَمَةُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَنُونٌ سَاكِنَةٌ فَتَاءٌ مُثَنَّاةٌ

стр. 769

فَوْقِيَّةٌ مَفْتُوحَةٌ فَمِيمٌ فَتَاءُ تَأْنِيثٍ - بِنْتُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: بِنْتُ هِشَامٍ، قَالَ: وَيُعْرَفُ هَاشِمٌ بِذِي الرُّمْحَيْنِ، قَالَ وَقَالَ الْأَمِيرُ بْنُ مَاكُولَا: وَمَنْ قَالَ بِنْتُ هِشَامٍ فَقَدْ أَخْطَأَ، كَذَا قَالَ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُنْتَخَبِ الْمُنْتَخَبِ: إِنَّهَا بِنْتُ هِشَامٍ، وَهِيَ أُخْتُ أَبِي جَهْلٍ عَمْرِو بْنِ هِشَامٍ فَأَبُو جَهْلٍ خَالُ عُمَرَ ﵁. كُنْيَتُهُ أَبُو حَفْصٍ كَنَّاهُ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ لَمَّا نَهَى عَنْ قَتْلِ رِجَالِ بَنِي هَاشِمٍ، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا خَرَجُوا مُكْرَهِينَ، فَقَالَ أَبُو حُذَيْفَةَ: وَاللَّهِ لَئِنْ لَقِيتُ الْعَبَّاسَ لَأُلْجِمَنَّهُ السَّيْفَ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ ذَلِكَ فَقَالَ: " «يَا أَبَا حَفْصٍ يُضْرَبُ وَجْهُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ بِالسَّيْفِ» " فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَوَّلُ يَوْمٍ كَنَّانِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي حَفْصٍ، رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرُهُ، وَالْحَفْصُ فِي اللُّغَةِ وَلَدُ الْأَسَدِ. وَسَبَبُ تَلْقِيبِهِ بِالْفَارُوقِ مَا رَوَاهُ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي سِيرَةِ الْعُمَرَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ ﵁ لِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيتَ بِالْفَارُوقِ؟ فَذَكَرَ حَدِيثَ إِسْلَامِهِ، وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ عُمَرَ لِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيتَ الْفَارُوقَ؟ قَالَ: أَسْلَمُ حَمْزَةُ قَبْلِي بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَسَبَبُ إِسْلَامِ حَمْزَةَ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ أَسْرَعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسُبُّهُ وَيُؤْذِيهِ، فَأُخْبِرَ حَمْزَةُ بِذَلِكَ، فَأَخَذَ قَوْسَهُ، وَعَمَدَ الْمَسْجِدَ إِلَى حَلْقَةِ قُرَيْشٍ الَّتِي فِيهَا أَبُو جَهْلٍ، فَاتَّكَأَ عَلَى قَوْسِهِ مُقَابِلَ أَبِي جَهْلٍ فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَعَرَفَ أَبُو جَهْلٍ الشَّرَّ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عُمَارَةَ؟ فَرَفَعَ الْقَوْسَ وَضَرَبَهُ بِهِ فَشَجَّهُ فَسَالَتِ الدِّمَاءُ، فَأَصْلَحَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ مَخَافَةَ الشَّرِّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخْتَفِيًا فِي دَارِ الْأَرْقَمِ الْمَخْزُومِيِّ، فَانْطَلَقَ حَمْزَةُ فَأَسْلَمَ قَالَ عُمَرُ ﵁ وَخَرَجْتُ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِذَا فُلَانٌ الْمَخْزُومِيُّ فَقُلْتُ: أَرَغِبْتَ أَنْتَ عَنْ دِينِ آبَائِكَ وَاتَّبَعْتَ دِينَ مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ فَقَدْ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ أَعْظَمُ عَلَيْكَ حَقًّا، قُلْتُ: وَمَنْ؟ قَالَ: أُخْتُكَ وَخَتَنُكَ، فَانْطَلَقْتُ فَوَجَدْتُ هَيْنَمَةً، فَدَخَلْتُ فَقُلْتُ: مَاذَا؟ فَمَا زَالَ الْكَلَامُ بَيْنَنَا حَتَّى أَخَذْتُ بِرَأْسِ أُخْتِي فَضَرَبْتُهُ وَأَدْمَيْتُهُ، فَقَامَتْ إِلَيَّ أُخْتِي فَأَخَذَتْ بِرَأْسِي، وَقَالَتْ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِكَ، وَقَدْ أَدْمَيْتُ رَأْسَهَا، فَاسْتَحْيَيْتُ حِينَ رَأَيْتُ الدِّمَاءَ فَجَلَسْتُ، وَقُلْتُ: أَرُونِي

стр. 770

هَذَا الْكِتَابَ فَقَالَتْ ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] فَقُمْتُ وَاغْتَسَلْتُ، فَأَخْرَجُوا لِي صَحِيفَةً، فَإِذَا فِيهَا (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قُلْتُ: أَسْمَاءٌ طَيِّبَةٌ طَاهِرَةٌ، وَفِيهَا: ﴿طه - مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١ - ٢] إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] فَعَظُمَتْ فِي صَدْرِي، وَقُلْتُ: مِنْ هَذَا نَفَرَتْ قُرَيْشٌ؟ فَأَسْلَمْتُ. وَفِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ عِنْدَ أَبِي يَعْلَى وَالْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ قَالَ: «خَرَجَ عُمَرُ مُتَقَلِّدًا سَيْفَهُ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، فَقَالَ: إِلَى أَيْنَ تَعْمِدُ يَا عُمَرُ؟ فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ مُحَمَّدًا، قَالَ: وَكَيْفَ تَأْمَنُ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي زُهْرَةَ وَقَدْ قَتَلْتَ مُحَمَّدًا؟ قَالَ: مَا أَرَاكَ إِلَّا وَقَدْ صَبَوْتَ. قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى الْعَجَبِ؟ إِنَّ خَتَنَكَ وَأُخْتَكَ قَدْ صَبَوَا وَتَرَكَا دِينَكَ، فَمَشَى عُمَرُ فَأَتَاهُمَا وَعِنْدَهُمَا خَبَّابٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِحِسِّ عُمَرَ تَوَارَى فِي الْبَيْتِ، فَدَخَلَ عُمَرُ فَقَالَ: مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ؟ وَكَانُوا يَقْرَءُونَ طه، قَالَا: مَا عَدَا حَدِيثًا تَحَدَّثْنَاهُ بَيْنَنَا. قَالَ: فَلَعَلَّكُمَا قَدْ صَبَوْتُمَا. فَقَالَ لَهُ خَتَنُهُ: يَا عُمَرُ إِنْ كَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ؟ فَوَثَبَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَوَطِئَهُ وَطْأً شَدِيدًا، فَجَاءَتْ أُخْتُهُ لِتَدْفَعَهُ عَنْ زَوْجِهَا، فَنَفَحَهَا نَفْحَةً بِيَدِهِ، فَدَمِيَ وَجْهُهَا، فَقَالَتْ وَهِيَ غَضْبَى: وَكَانَ الْحَقُّ فِي غَيْرِ دِينِكَ إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَعْطُونِي الْكِتَابَ الَّذِي هُوَ عِنْدَكُمْ فَأَقْرَأْهُ - وَكَانَ يَقْرَأُ الْكِتَابَ -. فَقَالَتْ أُخْتُهُ: إِنَّكَ رِجْسٌ، وَإِنَّهُ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، فَقُمْ وَاغْتَسِلْ أَوْ تَوَضَّأْ. فَقَامَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ أَخَذَ الْكِتَابَ فَقَرَأَ ﴿طه﴾ [طه: ١] حَتَّى انْتَهَى إِلَى ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ، فَقَالَ عُمَرُ: دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ. فَلَمَّا سَمِعَ خَبَّابٌ قَوْلَ عُمَرَ خَرَجَ، وَقَالَ: أَبْشِرْ يَا عُمَرُ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَكُونَ دَعْوَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ: " اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَوْ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ " وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الدَّارِ الَّتِي فِي أَصْلِ الصَّفَا، فَانْطَلَقَ عُمَرُ حَتَّى أَتَى الدَّارَ، وَعَلَى بَابِهَا حَمْزَةُ وَطَلْحَةُ وَنَاسٌ، فَقَالَ حَمْزَةُ: هَذَا عُمَرُ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُسْلِمْ، وَإِنْ يَكُنْ غَيْرُ ذَلِكَ يَكُنْ قَتْلُهُ عَلَيْنَا هَيِّنًا، قَالَ وَالنَّبِيُّ ﷺ يُوحَى إِلَيْهِ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى عُمَرَ، فَأَخَذَ بِمَجَامِعِ ثَوْبِهِ وَحَمَائِلِ السَّيْفِ، فَقَالَ: أَمَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ يَا عُمَرُ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ بِكَ مِنَ الْخِزْيِ وَالنَّكَالِ مَا أَنْزَلَ بِالْوَلِيدِ

стр. 771

بْنِ الْمُغِيرَةِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» . وَفِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ، عَنْ أَسْلَمَ نَحْوُهُ وَفِيهِ: فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً سُمِعَتْ بِفِجَاجِ مَكَّةَ، فَجِئْتُ خَالِي أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَكَانَ شَرِيفًا، فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ وَقَدْ صَبَوْتُ. قَالَ: لَا تَفْعَلْ، ثُمَّ دَخَلَ وَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنِ عَسَاكِرَ، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ فَفِيمَ الِاخْتِفَاءُ؟ فَخَرَجْنَا صَفَّيْنِ أَنَا فِي أَحَدِهِمَا، وَحَمْزَةُ فِي الْآخَرِ، حَتَّى دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَنَظَرَتْ قُرَيْشٌ إِلَى حَمْزَةَ، فَأَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ شَدِيدَةٌ، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَارُوقَ يَوْمَئِذٍ، وَفُرِّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ ذَكْوَانَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: «مَنْ سَمَّى عُمَرَ الْفَارُوقَ؟ قَالَتْ: النَّبِيُّ ﷺ » . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَقَدِ اسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِإِسْلَامِ عُمَرَ» . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدِ انْتَصَفَ الْقَوْمُ الْيَوْمَ مِنَّا. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ فَتْحًا، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَكَانَتْ إِمَامَتُهُ رَحْمَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، قَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُوا سَبِيلَنَا. وَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ كَانَ الْإِسْلَامُ كَالرَّجُلِ الْمُقْبِلِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا قُوَّةً، وَلَمَّا قُتِلَ كَانَ الْإِسْلَامُ كَالرَّجُلِ الْمُدْبِرِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا بُعْدًا. وَكَانَ إِسْلَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الْبَعْثَةِ، وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا أَوْ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، وَظَهَرَ الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ عَقِبَ إِسْلَامِهِ. وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ، وَالْأَخْبَارُ الشَّهِيرَةُ بِفَضَائِلِهِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 772

وَسَلَّمَ -: " «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» ". وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَقَدْ كَانَ فِي مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ» ". أَيْ مُلْهَمُونَ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ وَلَفْظُهُ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مُحَدَّثُونَ أَيْ مُفَهَّمُونَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ مُلْهَمُونَ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَمَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ فَقَالُوا وَقَالَ إِلَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ عُمَرُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ» ". وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلِيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ - قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينُ» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا؟ قَالُوا: لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا ". فَبَكَى عُمَرُ ﵁ وَقَالَ: عَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِشَابٍّ مِنْ قُرَيْشٍ، فَظَنَنْتُ أَنِّي أَنَا هُوَ، قَالُوا: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» ". وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عُمَرَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ:

стр. 773

مَاذَا تَقُولُ لِرَبِّكَ وَقَدْ وَلَّيْتَ عُمَرَ؟ قَالَ: أَقُولُ لَهُ: وَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ. أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّ هَلًا بِعُمَرَ، مَا كُنَّا نَعُدُّ أَنَّ السِّكِّينَةَ لَا تَنْزِلُ إِلَّا عَلَى لِسَانِ عُمَرَ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَ عِلْمُ أَحْيَاءِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةٍ، لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ، وَلَقَدْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ ﵁: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ رَجُلًا لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ إِلَّا عُمَرَ. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بَعْدَ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ((مِنْ غَيْرِ افْتِرَا)) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْكَذِبِ يُقَالُ فَرِيَ يَفْرِي فَرْيًا وَافْتَرَى يَفْتَرِي افْتِرَاءً أَيْ كَذِبَ فَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْهُ، وَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [الممتحنة: ١٢] وَفِي الْحَدِيثِ: " «مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا» ". فَالْفِرَى جَمْعُ فِرْيَةٍ وَهِيَ الْكَذِبَةُ، وَأَفْرَى أَفْعَلُ مِنْهُ لِلتَّفْضِيلِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَوْضِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (عَنْهُ يُذَادُ الْمُفْتَرِي كَمَا وَرَدَ) ، وَلَمَّا كَانَ الْحُكْمُ بِأَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ الْفَارُوقِ ﵄ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِ افْتِرَا؛ إِشَارَةً لِرَدِّ قَوْلِ الْخَطَّابِيَّةِ الزَّاعِمِينَ بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَفْضَلُ الْخُلَفَاءِ، وَهَذَا الزَّعْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلصِّدِّيقِ زُورٌ وَافْتِرَاءٌ وَكَذِبٌ وَضَلَالٌ مِنْ زَاعِمِيهِ، نَعَمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَ الصِّدِّيقِ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ قَوْلِ الرَّاوَنْدِيَّةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁، وَالرَّدُّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَفْضَلَهُمْ عَلِيٌّ ﵁ كَمَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا. وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَالْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ خَيْرُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَخَيْرُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ، وَخَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ

стр. 774

الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَلَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ أَيْضًا، وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ عَنْ أَنَسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵃ أَجْمَعِينَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» ". - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃. وَهَاجَرَ عُمَرُ ﵁ إِلَى الْمَدِينَةِ جَهْرًا وَذَلِكَ أَنَّهُ تَقَلَّدَ سَيْفَهُ وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْهُمًا، وَأَتَى الْكَعْبَةَ وَأَشْرَافُ قُرَيْشٍ بِفِنَائِهَا، فَطَافَ سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ، ثُمَّ أَتَى حِلَقَهُمْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ مَنْ أَرَادَ تَثْكَلُهُ أُمُّهُ، وَيُيَتَّمُ وَلَدُهُ، وَتُرَمَّلُ زَوْجَتُهُ فَلْيَلْقَنِي وَرَاءَ هَذَا الْوَادِي. فَمَا تَبِعَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَشِدَّةُ عُمَرَ وَشَجَاعَتُهُ لَا تَخْفَى حَتَّى أَنَّهُ وُصِفَ فِي التَّوْرَاةِ بِأَنَّهُ قَرْنٌ مِنْ حَدِيدٍ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ. وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ وَفَضَائِلُهُ شَهِيرَةٌ، وَقَدْ وَافَقَ رَبَّهُ فِي عِدَّةِ أَحْكَامٍ مَأْثُورَةٍ وَمُوَافَقَاتٍ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ مَخْبُورَةٍ. وَلِيَ الْخِلَافَةَ بِعَهْدٍ مِنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ يَوْمَ تُوُفِّيَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَقَامَ بِالْأَمْرِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَكَثُرَتِ الْفُتُوحَاتُ فِي أَيَّامِهِ: فَفِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ دِمَشْقُ بَيْنَ الصُّلْحِ وَالْعَنْوَةِ، وَحِمْصُ وَبَعْلَبَكَّ صُلْحًا، وَأَيْلَةُ عَنْوَةً وَفِيهَا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَفِي الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ فُتِحَتِ الْأُرْدُنُ عَنْوَةً، إِلَّا طَبَرِيَّةَ فَإِنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ وَالْقَادِسِيَّةِ، وَفِيهَا حَاصَرَ عَمْرٌو مِصْرَ وَمَصَّرَ سَعِدٌ الْكُوفَةَ، وَفِيهَا فَرَضَ عُمَرُ الْفُرُوضَ وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ وَأَعْطَى الْعَطَايَا. وَفِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ فُتِحَتِ الْأَهْوَازُ وَالْمَدَائِنُ، وَأَقَامَ بِهَا سَعْدٌ الْجُمُعَةَ فِي إِيوَانِ كِسْرَى وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بِالْعِرَاقِ، وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ جَلُولَا وَهُرْمُزَ وَيَزْدَجِرْدَ بْنِ كِسْرَى

стр. 775

وَتَقَهْقَرَ إِلَى الرَّيِّ وَفِيهَا فُتِحَتْ تَكْرِيتُ، وَفِيهَا سَارَ بِنَفْسِهِ ﵁ فَفَتَحَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ صُلْحًا وَخَطَبَ بِالْجَابِيَةِ خُطْبَتَهُ الْمَشْهُورَةَ، وَفِيهَا فُتِحَتْ قِنَّسْرِينُ عَنْوَةً، وَحَلَبُ وَأَنْطَاكِيَةُ وَمَنْبِجُ صُلْحًا، وَفِيهَا كُتِبَ التَّارِيخُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ الْهِجْرَةِ بِمَشُورَةِ عَلِيٍّ ﵁. وَفِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ زَادَ عُمَرُ ﵁ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَفِيهَا كَانَ الْقَحْطُ بِالْحِجَازِ فَسُمِّيَ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَاسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ فَأَخَذَ عُمَرُ ﵁ بِيَدِ الْعَبَّاسِ ﵁ ثُمَّ رَفَعَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ ﷺ أَنْ تُذْهِبَ عَنَّا الْمَحْلَ وَأَنْ تَسْقِيَنَا الْغَيْثَ، فَلَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى سُقُوا فَأَطْبَقَتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ أَيَّامًا. وَفِي الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ جُنْدَيْسَابُورُ صُلْحًا وَحُلْوَانُ عَنْوَةً، وَفِيهَا وَقَعَ طَاعُونُ عَمْوَاسَ، وَفِيهَا فُتِحَتِ الرُّهَاءُ وَشُمَيْسَاطُ وَحَرَّانُ وَنَصِيبِينُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْجَزِيرَةِ عَنْوَةً، وَكَذَا الْمَوْصِلُ وَنَوَاحِيهَا. وَفِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ قَيْسَارِيَّةُ، وَفِي سَنَةِ عِشْرِينَ فُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً وَقِيلَ صُلْحًا، وَإِسْكَنْدَرِيَّةُ عَنْوَةً، وَالْمَغْرِبُ كُلُّهُ عَنْوَةً، وَفِيهَا فُتِحَتْ تُسْتَرُ، وَفِيهَا هَلَكَ قَيْصَرُ مَلِكُ الرُّومِ، وَفِيهَا أَجْلَى عُمَرُ الْيَهُودَ عَنْ خَيْبَرَ وَعَنْ نَجْرَانَ وَقَسَّمَ خَيْبَرَ وَوَادِي الْقُرَى، وَفِي سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فُتِحَتْ نَهَاوَنْدُ عَنْوَةً وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَعَاجِمِ بَعْدَهَا جَمَاعَةٌ، وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ فُتِحَتْ كِرْمَانُ وَسِجِسْتَانُ وَمَكْرَانُ مِنْ بِلَادِ الْجَبَلِ وَأَصْبَهَانُ وَنَوَاحِيهَا. وَفِي آخِرِهَا كَانَتْ وَفَاةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحَجِّ. قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: لَمَّا نَفَرَ عُمَرُ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ اسْتَلْقَى وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ، فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، وَكَانَ قَالَ لَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنِّي أَجِدُكَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ تُقْتَلُ شَهِيدًا فَقَالَ: وَأَنَّى لِي بِالشَّهَادَةِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؟ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ، وَإِنِّي لَأُرَاهُ حُضُورَ أَجَلِي، وَإِنَّ قَوْمًا يَأْمُرُونِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ وَلَا خِلَافَتَهُ، فَإِنْ عَجَّلَ بِي أَمْرٌ فَالْخِلَافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
следующие страницы →