Полный текст (921 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
بْنِ الْمُغِيرَةِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» . وَفِي حَدِيثِ الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ وَالْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ، عَنْ أَسْلَمَ نَحْوُهُ وَفِيهِ: فَكَبَّرَ الْمُسْلِمُونَ تَكْبِيرَةً سُمِعَتْ بِفِجَاجِ مَكَّةَ، فَجِئْتُ خَالِي أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، وَكَانَ شَرِيفًا، فَقَرَعْتُ عَلَيْهِ الْبَابَ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قُلْتُ: ابْنُ الْخَطَّابِ وَقَدْ صَبَوْتُ. قَالَ: لَا تَفْعَلْ، ثُمَّ دَخَلَ وَأَجَافَ الْبَابَ دُونِي. وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ وَابْنِ عَسَاكِرَ، فَقُلْتُ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقِّ؟ قَالَ: بَلَى. قُلْتُ فَفِيمَ الِاخْتِفَاءُ؟ فَخَرَجْنَا صَفَّيْنِ أَنَا فِي أَحَدِهِمَا، وَحَمْزَةُ فِي الْآخَرِ، حَتَّى دَخَلْنَا الْمَسْجِدَ، فَنَظَرَتْ قُرَيْشٌ إِلَى حَمْزَةَ، فَأَصَابَتْهُمْ كَآبَةٌ شَدِيدَةٌ، فَسَمَّانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْفَارُوقَ يَوْمَئِذٍ، وَفُرِّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ» . وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ ذَكْوَانَ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: «مَنْ سَمَّى عُمَرَ الْفَارُوقَ؟ قَالَتْ: النَّبِيُّ ﷺ » . وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: «لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ نَزَلَ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ لَقَدِ اسْتَبْشَرَ أَهْلُ السَّمَاءِ بِإِسْلَامِ عُمَرَ» . وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ قَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدِ انْتَصَفَ الْقَوْمُ الْيَوْمَ مِنَّا. وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ فَتْحًا، وَكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا، وَكَانَتْ إِمَامَتُهُ رَحْمَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَصِلَ إِلَى الْبَيْتِ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ، قَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُوا سَبِيلَنَا.
وَقَالَ حُذَيْفَةُ: لَمَّا أَسْلَمَ عُمَرُ كَانَ الْإِسْلَامُ كَالرَّجُلِ الْمُقْبِلِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا قُوَّةً، وَلَمَّا قُتِلَ كَانَ الْإِسْلَامُ كَالرَّجُلِ الْمُدْبِرِ لَا يَزْدَادُ إِلَّا بُعْدًا. وَكَانَ إِسْلَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الْبَعْثَةِ، وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً، وَكَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ تِسْعَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا أَوْ أَرْبَعِينَ أَوْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً، فَفَرِحَ الْمُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ، وَظَهَرَ الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ عَقِبَ إِسْلَامِهِ.
وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ الْكَثِيرَةُ، وَالْأَخْبَارُ الشَّهِيرَةُ بِفَضَائِلِهِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 772
وَسَلَّمَ -: " «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» ". وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَقَدْ كَانَ فِي مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَإِنَّهُ عُمَرُ» ". أَيْ مُلْهَمُونَ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ وَلَفْظُهُ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «قَدْ كَانَ يَكُونُ فِي الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» ". وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: مُحَدَّثُونَ أَيْ مُفَهَّمُونَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: تَفْسِيرُ مُحَدَّثُونَ مُلْهَمُونَ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» ". قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَمَا نَزَلَ بِالنَّاسِ أَمْرٌ قَطُّ فَقَالُوا وَقَالَ إِلَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ عُمَرُ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ» ". وَأَخْرَجَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلِيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ - قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الدِّينُ» ". وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَتَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ لِمَنْ هَذَا؟ قَالُوا: لِعُمَرَ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَهُ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا ". فَبَكَى عُمَرُ ﵁ وَقَالَ: عَلَيْكَ أَغَارُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟» وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِقَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِشَابٍّ مِنْ قُرَيْشٍ، فَظَنَنْتُ أَنِّي أَنَا هُوَ، قَالُوا: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ» ". وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁: مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عُمَرَ. أَخْرَجَهُ ابْنُ عَسَاكِرَ وَقِيلَ لِأَبِي بَكْرٍ:
стр. 773
مَاذَا تَقُولُ لِرَبِّكَ وَقَدْ وَلَّيْتَ عُمَرَ؟ قَالَ: أَقُولُ لَهُ: وَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ. أَخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ. وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِذَا ذُكِرَ الصَّالِحُونَ فَحَيَّ هَلًا بِعُمَرَ، مَا كُنَّا نَعُدُّ أَنَّ السِّكِّينَةَ لَا تَنْزِلُ إِلَّا عَلَى لِسَانِ عُمَرَ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: لَوْ أَنَّ عِلْمَ عُمَرَ وُضِعَ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَ عِلْمُ أَحْيَاءِ الْأَرْضِ فِي كِفَّةٍ، لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ، وَلَقَدْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهُ ذَهَبَ بِتِسْعَةِ أَعْشَارِ الْعِلْمِ. أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْحَاكِمُ. وَقَالَ حُذَيْفَةُ ﵁: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ رَجُلًا لَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ إِلَّا عُمَرَ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ بَعْدَ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ ((مِنْ غَيْرِ افْتِرَا)) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْكَذِبِ يُقَالُ فَرِيَ يَفْرِي فَرْيًا وَافْتَرَى يَفْتَرِي افْتِرَاءً أَيْ كَذِبَ فَهُوَ افْتِعَالٌ مِنْهُ، وَفِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [الممتحنة: ١٢] وَفِي الْحَدِيثِ: " «مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيَا» ". فَالْفِرَى جَمْعُ فِرْيَةٍ وَهِيَ الْكَذِبَةُ، وَأَفْرَى أَفْعَلُ مِنْهُ لِلتَّفْضِيلِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَوْضِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (عَنْهُ يُذَادُ الْمُفْتَرِي كَمَا وَرَدَ) ، وَلَمَّا كَانَ الْحُكْمُ بِأَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ الْفَارُوقِ ﵄ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ صَرَّحَ بِقَوْلِهِ: مِنْ غَيْرِ افْتِرَا؛ إِشَارَةً لِرَدِّ قَوْلِ الْخَطَّابِيَّةِ الزَّاعِمِينَ بِأَنَّ عُمَرَ ﵁ أَفْضَلُ الْخُلَفَاءِ، وَهَذَا الزَّعْمُ بِالنِّسْبَةِ لِلصِّدِّيقِ زُورٌ وَافْتِرَاءٌ وَكَذِبٌ وَضَلَالٌ مِنْ زَاعِمِيهِ، نَعَمْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَ الصِّدِّيقِ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى رَدِّ قَوْلِ الرَّاوَنْدِيَّةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁، وَالرَّدُّ عَلَى الشِّيعَةِ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ أَفْضَلَهُمْ عَلِيٌّ ﵁ كَمَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ قَرِيبًا.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْكُنَى، وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَالْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ خَيْرُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَخَيْرُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ، وَخَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
стр. 774
الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَلَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ، وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ أَيْضًا، وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ، وَالضِّيَاءُ فِي الْمُخْتَارَةِ عَنْ أَنَسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ عَنْ جَابِرٍ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵃ أَجْمَعِينَ - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «هَذَانِ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ» ". - يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄. وَفِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ ﵃.
وَهَاجَرَ عُمَرُ ﵁ إِلَى الْمَدِينَةِ جَهْرًا وَذَلِكَ أَنَّهُ تَقَلَّدَ سَيْفَهُ وَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْهُمًا، وَأَتَى الْكَعْبَةَ وَأَشْرَافُ قُرَيْشٍ بِفِنَائِهَا، فَطَافَ سَبْعًا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْمَقَامِ، ثُمَّ أَتَى حِلَقَهُمْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ: شَاهَتِ الْوُجُوهُ مَنْ أَرَادَ تَثْكَلُهُ أُمُّهُ، وَيُيَتَّمُ وَلَدُهُ، وَتُرَمَّلُ زَوْجَتُهُ فَلْيَلْقَنِي وَرَاءَ هَذَا الْوَادِي. فَمَا تَبِعَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. وَشِدَّةُ عُمَرَ وَشَجَاعَتُهُ لَا تَخْفَى حَتَّى أَنَّهُ وُصِفَ فِي التَّوْرَاةِ بِأَنَّهُ قَرْنٌ مِنْ حَدِيدٍ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ وَفَضَائِلُهُ شَهِيرَةٌ، وَقَدْ وَافَقَ رَبَّهُ فِي عِدَّةِ أَحْكَامٍ مَأْثُورَةٍ وَمُوَافَقَاتٍ فِي الْآيَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ مَخْبُورَةٍ.
وَلِيَ الْخِلَافَةَ بِعَهْدٍ مِنْ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ الصِّدِّيقِ الْأَكْبَرِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ يَوْمَ تُوُفِّيَ، وَذَلِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَقَامَ بِالْأَمْرِ أَتَمَّ قِيَامٍ، وَكَثُرَتِ الْفُتُوحَاتُ فِي أَيَّامِهِ: فَفِي سَنَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ دِمَشْقُ بَيْنَ الصُّلْحِ وَالْعَنْوَةِ، وَحِمْصُ وَبَعْلَبَكَّ صُلْحًا، وَأَيْلَةُ عَنْوَةً وَفِيهَا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ، وَفِي الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ فُتِحَتِ الْأُرْدُنُ عَنْوَةً، إِلَّا طَبَرِيَّةَ فَإِنَّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا، وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ الْيَرْمُوكِ وَالْقَادِسِيَّةِ، وَفِيهَا حَاصَرَ عَمْرٌو مِصْرَ وَمَصَّرَ سَعِدٌ الْكُوفَةَ، وَفِيهَا فَرَضَ عُمَرُ الْفُرُوضَ وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ وَأَعْطَى الْعَطَايَا.
وَفِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ فُتِحَتِ الْأَهْوَازُ وَالْمَدَائِنُ، وَأَقَامَ بِهَا سَعْدٌ الْجُمُعَةَ فِي إِيوَانِ كِسْرَى وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بِالْعِرَاقِ، وَفِيهَا كَانَتْ وَقْعَةُ جَلُولَا وَهُرْمُزَ وَيَزْدَجِرْدَ بْنِ كِسْرَى
стр. 775
وَتَقَهْقَرَ إِلَى الرَّيِّ وَفِيهَا فُتِحَتْ تَكْرِيتُ، وَفِيهَا سَارَ بِنَفْسِهِ ﵁ فَفَتَحَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ صُلْحًا وَخَطَبَ بِالْجَابِيَةِ خُطْبَتَهُ الْمَشْهُورَةَ، وَفِيهَا فُتِحَتْ قِنَّسْرِينُ عَنْوَةً، وَحَلَبُ وَأَنْطَاكِيَةُ وَمَنْبِجُ صُلْحًا، وَفِيهَا كُتِبَ التَّارِيخُ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ الْهِجْرَةِ بِمَشُورَةِ عَلِيٍّ ﵁.
وَفِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ زَادَ عُمَرُ ﵁ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَفِيهَا كَانَ الْقَحْطُ بِالْحِجَازِ فَسُمِّيَ عَامَ الرَّمَادَةِ، وَاسْتَسْقَى عُمَرُ بِالْعَبَّاسِ فَأَخَذَ عُمَرُ ﵁ بِيَدِ الْعَبَّاسِ ﵁ ثُمَّ رَفَعَهَا، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَشْفِعُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نَبِيِّكَ ﷺ أَنْ تُذْهِبَ عَنَّا الْمَحْلَ وَأَنْ تَسْقِيَنَا الْغَيْثَ، فَلَمْ يَبْرَحُوا حَتَّى سُقُوا فَأَطْبَقَتِ السَّمَاءُ عَلَيْهِمْ أَيَّامًا.
وَفِي الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ جُنْدَيْسَابُورُ صُلْحًا وَحُلْوَانُ عَنْوَةً، وَفِيهَا وَقَعَ طَاعُونُ عَمْوَاسَ، وَفِيهَا فُتِحَتِ الرُّهَاءُ وَشُمَيْسَاطُ وَحَرَّانُ وَنَصِيبِينُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْجَزِيرَةِ عَنْوَةً، وَكَذَا الْمَوْصِلُ وَنَوَاحِيهَا.
وَفِي سَنَةِ تِسْعَ عَشْرَةَ فُتِحَتْ قَيْسَارِيَّةُ، وَفِي سَنَةِ عِشْرِينَ فُتِحَتْ مِصْرُ عَنْوَةً وَقِيلَ صُلْحًا، وَإِسْكَنْدَرِيَّةُ عَنْوَةً، وَالْمَغْرِبُ كُلُّهُ عَنْوَةً، وَفِيهَا فُتِحَتْ تُسْتَرُ، وَفِيهَا هَلَكَ قَيْصَرُ مَلِكُ الرُّومِ، وَفِيهَا أَجْلَى عُمَرُ الْيَهُودَ عَنْ خَيْبَرَ وَعَنْ نَجْرَانَ وَقَسَّمَ خَيْبَرَ وَوَادِي الْقُرَى، وَفِي سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ فُتِحَتْ نَهَاوَنْدُ عَنْوَةً وَلَمْ يَكُنْ لِلْأَعَاجِمِ بَعْدَهَا جَمَاعَةٌ، وَفِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ فُتِحَتْ كِرْمَانُ وَسِجِسْتَانُ وَمَكْرَانُ مِنْ بِلَادِ الْجَبَلِ وَأَصْبَهَانُ وَنَوَاحِيهَا. وَفِي آخِرِهَا كَانَتْ وَفَاةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الْحَجِّ.
قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: لَمَّا نَفَرَ عُمَرُ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالْأَبْطَحِ، ثُمَّ اسْتَلْقَى وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ كَبُرَتْ سِنِّي، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ، فَمَا انْسَلَخَ ذُو الْحِجَّةِ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، وَكَانَ قَالَ لَهُ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: إِنِّي أَجِدُكَ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ تُقْتَلُ شَهِيدًا فَقَالَ: وَأَنَّى لِي بِالشَّهَادَةِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ؟ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ نَبِيِّكَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ، وَإِنِّي لَأُرَاهُ حُضُورَ أَجَلِي، وَإِنَّ قَوْمًا يَأْمُرُونِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ وَلَا خِلَافَتَهُ، فَإِنْ عَجَّلَ بِي أَمْرٌ فَالْخِلَافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلَاءِ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ
стр. 776
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَانَ عُمَرُ ﵁ لَا يَأْذَنُ لِكَافِرٍ قَدِ احْتَلَمَ فِي دُخُولِ الْمَدِينَةِ، حَتَّى كَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَهُوَ عَلَى الْكُوفَةِ يَذْكُرُ لَهُ غُلَامًا عِنْدَهُ صَنَائِعُ يَسْتَأْذِنُهُ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ، وَيَقُولَ: إِنَّ عِنْدَهُ أَعْمَالًا كَثِيرَةً فِيهَا مَنَافِعُ لِلنَّاسِ، وَأَنَّهُ حَدَّادٌ وَنَقَّاشٌ وَنَجَّارٌ، فَأَذِنَ لَهُ أَنْ يُرْسِلَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَضَرَبَ عَلَيْهِ الْمُغِيرَةُ مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ، فَجَاءَ إِلَى عُمَرَ يَشْتَكِي شِدَّةَ الْخَرَاجِ، فَقَالَ لَهُ: مَا خَرَاجُكَ بِكَثِيرٍ. فَانْصَرَفَ سَاخِطًا، ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ ﵁: أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَقُولُ: لَوْ أَشَاءُ لَصَنَعْتُ رَحًى تَطْحَنُ بِالرِّيحِ؟ فَالْتَفَتَ إِلَى عُمَرَ عَابِسًا وَقَالَ: لَأَضَعَنَّ لَكَ رَحًى يَتَحَدَّثُ النَّاسُ بِهَا، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَوْعَدَنِي الْعَبْدُ وَهُوَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ، ثُمَّ إِنَّهُ الْخَبِيثُ اشْتَمَلَ عَلَى خِنْجَرٍ ذِي رَأْسَيْنِ نِصَابُهُ فِي وَسَطِهِ، فَكَمَنَ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَا الْمَسْجِدِ فِي الْغَلَسِ، فَلَمْ يَزَلْ هُنَاكَ حَتَّى خَرَجَ عُمَرُ يُوقِظُ النَّاسَ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ طَعَنَهُ ثَلَاثَ طَعَنَاتٍ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ، وَطَعَنَ مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مَاتَ مِنْهُمْ سِتَّةً، فَأَلْقَى عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ثَوْبًا فَلَمَّا اغْتَمَّ فِيهِ قَتَلَ نَفْسَهُ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: كَانَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ عَبْدًا لِلْمُغِيرَةِ يَصْنَعُ الْأَرْحَاءَ، وَحُمِلَ عُمَرُ ﵁ إِلَى أَهْلِهِ وَكَادَتْ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، فَصَلَّى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ﵁ بِالنَّاسِ بِأَقْصَرِ سُورَتَيْنِ، وَأُتِيَ عُمَرُ بِنَبِيذٍ فَشَرِبَهُ فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ فَلَمْ يَتَبَيَّنْ، فَسَقَوْهُ لَبَنًا فَخَرَجَ ثَانِيًا، فَقَالُوا: لَا بَأْسَ عَلَيْكَ. فَقَالَ: إِنْ يَكُنْ فِي الْقَتْلِ بَأْسٌ فَقَدْ قُتِلْتُ. فَجَعَلَ النَّاسُ يُثْنُونَ عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ كُنْتَ وَكُنْتَ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ وَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْهَا كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَ، وَأَنَّ صُحْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَلِمَتْ لِي، فَأَثْنَى عَلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الْأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ هَوْلِ الْمُطَّلَعِ، وَقَدْ جَعَلْتُهَا شُورَى فِي عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعْدٍ، وَأَجَّلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَالَ: يَشْهَدُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَعَهُمْ وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، فَإِنْ أَصَابَتِ الْإِمْرَةُ سَعْدًا فَهُوَ ذَاكَ، وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِنْ بِهِ أَيُّكُمْ مَا أُمِّرَ، فَإِنِّي لَمْ أَعْزِلْهُ مِنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ، وَأَمَرَ صُهَيْبًا أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄: كَانَ أَبُو لُؤْلُؤَةَ مَجُوسِيًّا وَكَانَ اسْمُهُ فَيْرُوزُ. وَقَالَ عُمَرُ ﵁: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مَنِيَّتِي بِيَدِ رَجُلٍ لَا يَدَّعِي الْإِسْلَامَ. وَكَانَتْ إِصَابَتُهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ
стр. 777
ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، وَدُفِنَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَصَحَّ أَنَّ الشَّمْسَ كَسَفَتْ يَوْمَ مَوْتِهِ وَنَاحَتِ الْجِنُّ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁: انْظُرْ مَا عَلَيَّ مِنَ الدَّيْنِ، فَحَسَبُوهُ فَوَجَدُوهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا أَوْ نَحْوَهَا، فَقَالَ: إِنْ وَفَّى مَالُ آلِ عُمَرَ أَدِّهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَإِلَّا فَاسْأَلْ فِي بَنِي عَدِيٍّ، فَإِنْ لَمْ تَفِ أَمْوَالُهُمْ فَاسْأَلْ فِي قُرَيْشٍ، وَاذْهَبْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ وَقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ أَنْ يُدْفَنَ عِنْدَ صَاحِبَيْهِ، فَذَهَبَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ - تَعْنِي الْمَكَانَ - لِنَفْسِي، وَاللَّهِ لَأُوثِرَنَّهُ الْيَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَأَتَى عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: قَدْ أَذِنَتْ. فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ ﵁: أُوصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأُوصِيهِ بِالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَأُوصِيهِ بِالْأَمْصَارِ خَيْرًا، فَلَمَّا تُوُفِّيَ ﵁ صَلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَخَرَجَ النَّاسُ يَمْشُونَ وَعَبْدُ اللَّهِ أَمَامَهُمْ، فَسَلَّمَ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ عُمَرُ يَسْتَأْذِنُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَدْخِلُوهُ. فَأُدْخِلَ فَوُضِعَ هُنَاكَ مَعَ صَاحِبَيْهِ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَصَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى رَسُولِهِ وَحَبِيبِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
رُوِيَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْأَحَادِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمْسُمِائَةٍ وَسَبْعَةُ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، أُخْرِجَ لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْهَا أَحَدٌ وَثَمَانُونَ، اتَّفَقَا عَلَى سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِأَرْبَعَةٍ وَثَلَاثِينَ، وَمُسْلِمٌ بِأَحَدٍ وَعِشْرِينَ.
(تَنْبِيهٌ (اعْلَمْ أَنَّ خِلَافَةَ سَيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵁ مُرَتَّبَةٌ وَلَازِمَةٌ لِحَقِّيَّةِ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَقَدْ قَامَ الْإِجْمَاعُ وَإِشَارَاتُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى حَقِّيَةِ خِلَافَتِهِ، فَمَا ثَبَتَ لِلْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الصِّدِّيقُ مِنْ حَقِّيَّةِ الْخِلَافَةِ يَثْبُتُ لِفَرْعِهِ الَّذِي هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِيهَا، فَلَا مَطْمَعَ لِأَحَدٍ مِنْ فِرَقِ الضَّلَالِ فِي الطَّعْنِ وَالنِّزَاعِ فِي حَقِّيَّةِ الْخِلَافَةِ، وَقَدْ عَلِمَ أَهْلُ الْعِلْمِ عِلْمًا بَاتًّا ضَرُورِيًّا أَنَّ الصَّحَابَةَ الْكِرَامَ أَجْمَعُوا عَلَى تَوْلِيَةِ الصِّدِّيقِ الْخِلَافَةَ، وَمَنْ شَذَّ لَا يَقْدَحُ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مِرْيَةٍ.
فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: " مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ حَسَنٌ، وَمَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدُ اللَّهِ سَيِّئٌ ". وَقَدْ رَأَى
стр. 778
الصَّحَابَةُ ﵃ أَنْ يُسْتَخْلَفَ أَبُو بَكْرٍ فَهَذَا صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَهُوَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ وَمُتَقَدِّمِيهِمْ، فَحَكَى الِاجْتِمَاعَ عَنِ الصَّحَابَةِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ هُوَ أَحَقَّ بِهَا عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَمِصْرٍ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَكْثَرِ فِرَقِ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مِنْ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ ﵁ يَقُولُ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁، وَذَلِكَ أَنَّهُ اضْطَرَبَ النَّاسُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمْ يَجِدُوا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ خَيْرًا مِنْ أَبِي بَكْرٍ فَوَلَّوْهُ رِقَابَهُمْ. وَأَخْرَجَ أَسَدُ السُّنَّةِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: مَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَشُكُّونَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَةُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمَا كَانُوا يُسَمُّونَهُ إِلَّا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، وَمَا كَانُوا يَجْتَمِعُونَ عَلَى خَطَأٍ وَلَا عَلَى ضَلَالَةٍ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا بَلَغَ التَّوَاتُرَ وَعُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ﵁ بَايَعَهُ وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ عَنْ تَأَخُّرِهِ لِعَدَمِ مَشُورَتِهِ، وَإِنَّ لَهُ حَقًّا فِي الشُّورَى حَتَّى إِنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا ﵁ بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ لِإِزَالَةِ شُبْهَةِ التَّخَلُّفِ وَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ. وَالنُّصُوصُ الْمُشِيرَةُ إِلَى خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ كَثِيرَةٌ.
وَمِنْ أَعْظَمِ فَضَائِلِ الصِّدِّيقِ، وَأَتَمِّ فِرَاسَتِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَأَكْمَلِ نُصْحِهِ لِهَذَا الدِّينِ الْقَوِيمِ اسْتِخْلَافُهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ الْفَارُوقَ، لِمَا حَصَلَ بِهِ مِنْ عُمُومِ النَّفْعِ وَفَتْحِ الْبِلَادِ، وَظُهُورِ الْإِسْلَامِ الظُّهُورِ التَّامِّ، وَقَمْعِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ لَمَّا ثَقُلَ بِهِ الْمَرَضُ دَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ. فَقَالَ: مَا تَسْأَلُنِي عَنْ أَمْرٍ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَإِنْ كَانَ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: هُوَ وَاللَّهِ أَفْضَلُ مَنْ وَرَاءَكَ وَرَأْيُكَ فِيهِ أَتَمُّ رَأْيٍ، فَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ عُمَرَ. فَقَالَ: أَنْتَ أَخْبَرُنَا بِهِ. وَقَالَ لَعَلِيٍّ كَذَلِكَ، فَقَالَ عِلْمُكَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ لِلصِّدِّيقِ: عِلْمِي بِهِ أَنَّ سَرِيرَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عَلَانِيَتِهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِينَا مِثْلُهُ، وَشَاوَرَ مَعَهُمَا زَيْدًا وَأُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْخَيْرَ، ثُمَّ دَعَا عُثْمَانَ فَكَتَبَ عَهْدَهُ لِعُمَرَ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْكِتَابِ فَخَتَمَهُ، ثُمَّ أَمَرَ عُثْمَانَ فَخَرَجَ بِالْكِتَابِ مَخْتُومًا، فَبَايَعَ النَّاسُ وَرَضُوا بِهِ، ثُمَّ دَعَا أَبُو بَكْرٍ
стр. 779
- ﵁ عُمَرَ خَالِيًا فَأَوْصَاهُ بِمَا أَوْصَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ، فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلَّا إِصْلَاحَهُمْ، وَخِفْتُ عَلَيْهِمُ الْفِتْنَةَ فَعَمِلْتُ فِيهِمْ مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ، وَاجْتَهَدْتُ لَهُمْ رَأْيِي فَوَلَّيْتُ عَلَيْهِمْ خَيْرَهُمْ وَأَقْوَاهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَحْرَصَهُمْ عَلَى مَا يُرْشِدُهُمْ، وَقَدْ حَضَرَنِي مِنْ أَمْرِكَ مَا حَضَرَنِي، فَاخْلُفْنِي فِيهِمْ فَهُمْ عِبَادُكَ وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِكَ، أَصْلِحْ وِلَايَتَهُ وَاجْعَلْهُ مِنْ خَلَائِفِكَ الرَّاشِدِينَ، وَأَصْلِحْ لَهُ رَعِيَّتَهُ.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أَفَرَسُ النَّاسِ ثَلَاثَةٌ: أَبُو بَكْرٍ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ، وَصَاحِبَةُ مُوسَى حِينَ قَالَتْ: اسْتَأْجِرْهُ، وَالْعَزِيزُ حِينَ تَفَرَّسَ فِي يُوسُفَ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَكْرِمِي مَثْوَاهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ يَسَارِ بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ أَبُو بَكْرٍ أَشْرَفَ عَلَى النَّاسِ مِنْ كُوَّةٍ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ عَهِدْتُ عَهْدًا أَفَتَرْضَوْنَ بِهِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: رَضِينَا يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ، فَقَامَ عَلِيٌّ ﵁ فَقَالَ: لَا نَرْضَى إِلَّا أَنْ يَكُونَ عُمَرَ. قَالَ: إِنَّهُ عُمَرُ. ﵃ أَجْمَعِينَ -.
[عثمان ذو النورين]
((وَبَعْدَهُ)) أَيْ بَعْدَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَيْ يَلِيهِ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو عَمْرٍو وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ ذُو النُّورَيْنِ ((عُثْمَانُ)) بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَاسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ، قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: يُقَالُ كَانَ يُكَنَّى فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَبَا عَمْرٍو، فَلَمَّا وَلَدَتْ لَهُ رُقَيَّةُ ﵂ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ اكْتَنَى بِهِ، وَأُمُّهُ أَرْوَى وَأُمُّهَا أُمُّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبُو أَرْوَى أُمِّ عُثْمَانَ كُرَيْزٌ - بِضَمِّ الْكَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ فَزَايٌ مُصَغَّرُ كُرْزٍ -، وَهُوَ كُرَيْزُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ.
وُلِدَ عُثْمَانُ ﵁ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الْفِيلِ، وَأَسْلَمَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ الصِّدِّيقِ الْأَعْظَمِ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، وَهَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَتَزَوَّجَ رُقَيَّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ الْبَعْثِ، مَاتَتْ عِنْدَهُ فِي الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ عِنْدَ رُجُوعِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ الْعُظْمَى، وَلَمْ يَشْهَدْ عُثْمَانُ ﵁ بَدْرًا لِتَخَلُّفِهِ بِإِذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُمَرِّضَ رُقَيَّةَ ﵂، فَجَاءَ الْبَشِيرُ بِنَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ دَفْنِهَا، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ
стр. 780
- ﷺ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ، وَلَمَّا مَاتَتْ رُقَيَّةُ زَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُخْتَهَا أُمَّ كُلْثُومٍ، وَتُوُفِّيَتْ عِنْدَهُ أَيْضًا سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ تَزَوَّجَ بِنْتَيْ نَبِيٍّ غَيْرُهُ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ بِذِي النُّورَيْنِ فَهُوَ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَأَوَّلُ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، وَأَحَدُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ جَمَعُوا الْقُرْآنَ، وَمَرَّ أَنَّ الصِّدِّيقَ جَمَعَهُ أَيْضًا، وَإِنَّمَا تَمَيَّزَ عُثْمَانُ بِجَمْعِهِ فِي الْمُصْحَفِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الْيَوْمَ، وَاسْتَخْلَفَهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَكَانَ ﵁ ذَا جَمَالٍ مُفْرِطٍ، رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةُ حَدِيثٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، وَرَوَى عَنْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيُّ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَأَبُو أُمَامَةَ وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَغَيْرُهُمْ ﵃ وَخَلَائِقُ مِنَ التَّابِعِينَ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا حَدَّثَ أَتَمَّ حَدِيثًا وَلَا أَحْسَنَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا يَهَابُ الْحَدِيثَ.
وَأَخْرَجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِالْمَنَاسِكِ عُثْمَانُ وَبَعْدَهُ ابْنُ عُمَرَ ﵃. وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ رَجُلًا رَبْعَةً لَيْسَ بِالْقَصِيرِ وَلَا بِالطَّوِيلِ، أَبْيَضَ مُشْرَبًا بِحُمْرَةٍ، بِوَجْهِهِ نَكَتَاتُ جُدَرِيٍّ، كَبِيرَ اللِّحْيَةِ عَظِيمَ الْكَرَادِيسِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ جَزْلَ السَّاقَيْنِ طَوِيلَ الذِّرَاعَيْنِ، شَعْرُهُ قَدْ كَسَا ذِرَاعَيْهِ، جَعْدَ الرَّأْسِ أَصْلَعَ أَحْسَنَ النَّاسِ ثَغْرًا، جُمَّتُهُ أَسْفَلُ مِنْ أُذُنَيْهِ يَخْضِبُ بِالصُّفْرَةِ، وَكَانَ قَدْ شَدَّ أَسْنَانَهُ بِالذَّهَبِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ فَمَا رَأَيْتُ قَطُّ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى أَحْسَنَ وَجْهًا مِنْهُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: «لَمَّا زَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ بِنْتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ لِعُثْمَانَ قَالَ لَهَا: " إِنَّ بَعْلَكِ أَشْبَهُ النَّاسِ بِجَدِّكِ إِبْرَاهِيمَ وَأَبِيكِ مُحَمَّدٍ» " ﷺ . وَأَخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ أَيْضًا وَابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّا لَنُشَبِّهُ عُثْمَانَ بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ» ". وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ ثِيَابَهُ حِينَ دَخَلَ عُثْمَانُ
стр. 781
وَقَالَ: " «أَلَا أَسْتَحْيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ» ؟ " وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَجَهَّزْتُهُمْ؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ حَفَرَ بِئْرَ رُومَةَ فَلَهُ الْجَنَّةُ فَحَفَرْتُهَا؟ فَصَدَّقُوهُ بِمَا قَالَ» .
وَبَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ بِيَسَارِهِ، فَكَانَتْ يَسَارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُثْمَانَ خَيْرًا مِنْ يَمِينِ نَفْسِهِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِتْنَةً فَقَالَ: يُقْتَلُ فِيهَا هَذَا مَظْلُومًا - لِعُثْمَانَ -» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «عُثْمَانُ أَحْيَا أُمَّتِي وَأَكْرَمُهَا» ". وَأَخْرَجَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ أَشَدَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا حَيَاءً عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ» ". وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «إِنَّ عُثْمَانَ لَأَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ بِأَهْلِهِ إِلَى اللَّهِ بَعْدَ لُوطٍ» ". وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُثْمَانَ: «يَا عُثْمَانُ إِنَّ اللَّهَ - وَفِي لَفْظٍ لَعَلَّ اللَّهَ - مُقَمِّصُكَ - وَفِي لَفْظٍ يُقَمِّصُكَ - قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادُوكَ (عَلَى) خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى يَخْلَعُوهُ - وَفِي لَفْظٍ - فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي» .
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَهْلَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ ﵁ «يَقُولُ يَوْمَ الدَّارِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا، فَأَنَا مُمْتَثِلٌ لَهُ وَصَابِرٌ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَصَبَرَ حَتَّى قُتِلَ ﵁ شَهِيدًا» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَقَالَ غَرِيبٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: " «لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَرَفِيقِي فِيهَا عُثْمَانُ» ". وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ، وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ الصَّنْعَانِيِّ أَنَّ خُطَبَاءَ قَامَتْ بِالشَّامِ، وَفِيهِمْ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَامَ آخِرُهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مُرَّةُ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ: لَوْلَا حَدِيثٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا قُمْتُ «وَذَكَرَ الْفِتَنَ فَقَرَّبَهَا، وَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ فَقَالَ: " هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى "
стр. 782
فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ، فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ» . فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ مَظْلُومٌ، وَأَنَّهُ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى.
وَأَمَّا ذِكْرُ خِلَافَتِهِ ﵁ فَتَقَدَّمَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ جَعَلَهَا شُورَى بَيْنَ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَلَمَّا فَرَغَ النَّاسُ مِنْ دَفْنِ عُمَرَ ﵁ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ إِلَى ثَلَاثَةٍ مِنْكُمْ، فَقَالَ الزُّبَيْرُ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عَلِيٍّ، وَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ جَعَلْتُ أَمْرِي إِلَى عُثْمَانَ. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَنَا لَا أُرِيدُهَا فَأَيُّكُمَا يَبْرَأُ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ وَنَجْعَلُهُ إِلَيْهِ، وَاللَّهُ عَلَيْهِ وَالْإِسْلَامُ لِيَنْظُرْ أَفْضَلَهُمْ فِي نَفْسِهِ، وَلْيَحْرِصْ عَلَى صَلَاحِ الْأُمَّةِ.
فَسَكَتَ الشَّيْخَانِ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اجْعَلُوهُ إِلَيَّ وَاللَّهُ عَلَيَّ أَنْ لَا آلُوكُمْ عَنْ أَفْضَلِكُمْ، قَالَا: نَعَمْ. فَخَلَا بِعَلِيٍّ وَقَالَ لَهُ: لَكَ مِنَ الْقِدَمِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْقَرَابَةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا قَدْ عَلِمْتَ، اللَّهُ عَلَيْكَ لَئِنْ أَمَّرْتُكَ لَتَعْدِلَنَّ وَلَئِنْ أَمَّرْتُ عَلَيْكَ لَتَسْمَعَنَّ وَلَتُطِيعَنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ.
ثُمَّ خَلَا بِالْآخَرِ فَقَالَ لَهُ كَذَلِكَ، فَلَمَّا أَخَذَ مِيثَاقَهُمَا بَايَعَ عُثْمَانَ وَبَايَعَهُ عَلِيٌّ، وَكَانَتْ مُبَايَعَتُهُ بَعْدَ مَوْتِ عُمَرَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَبْلَ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْهَا أَحَدٌ قَدْ خَلَا بِعُثْمَانَ فَقَالَ لَهُ: فَإِنْ لَمْ نُبَايِعْكَ فَمَنْ تُشِيرُ عَلَيَّ؟ قَالَ: عَلِيٌّ. وَقَالَ لِعَلِيٍّ: إِنْ لَمْ نُبَايِعْكَ فَمَنْ تُشِيرُ عَلَيَّ؟ قَالَ: عُثْمَانُ، ثُمَّ دَعَا الزُّبَيْرَ فَقَالَ لَهُ: مَنْ تُشِيرُ عَلَيَّ؟ فَأَمَّا أَنَا وَأَنْتَ فَلَا نُرِيدُهَا. فَقَالَ: عُثْمَانُ.
ثُمَّ اسْتَشَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَعْيَانَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فَرَأَى هَوَى أَكْثَرُهُمْ عُثْمَانَ، فَبَايَعُوا جَمِيعًا فَثَبَتَتْ بَيْعَةُ عُثْمَانَ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهَا، وَلِهَذَا قَالَ: ((فَاتْرُكِ الْمِرَا)) أَيِ الْجِدَالَ وَالشَّكَّ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْمِرْيَةُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ الشَّكُّ وَالْجَدَلُ يُقَالُ مَارَاهُ مُمَارَاةً وَمِرَاءً وَامْتَرَى فِيهِ وَتَمَارَى شَكَّ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «لَا تُمَارُوا فِي الْقُرْآنِ فَإِنَّ مِرَاءً فِيهِ كُفْرٌ» ". الْمِرَاءُ وَالْجِدَالُ وَالتَّمَارِي وَالْمُمَارَاةُ الْمُجَادَلَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّكِّ وَالرِّيبَةِ، كَمَا فِي نِهَايَةِ ابْنِ الْأَثِيرِ وَتَقَدَّمَ، فَإِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ بَايَعَهُ وَقَدْ غَزَا مَعَهُ، وَكَانَ يُقِيمُ الْحَدَّ بَيْنَ يَدَيْهِ كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ -، وَخِلَافَةُ عُثْمَانَ فَرْعٌ عَنْ
стр. 783
خِلَافَةِ عُمَرَ الَّتِي هِيَ فَرْعٌ عَنْ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، وَاسْتُشْهِدَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ فِي دَارِهِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الزُّبَيْرُ وَكَانَ أَوْصَى إِلَيْهِ، وَدُفِنَ فِي حُشِّ كَوْكَبٍ بِالْبَقِيعِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِهِ - وَالْحُشُّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ الْبُسْتَانُ وَضَمُّ الْحَاءِ أَجْوَدُ مِنْ كَسْرِهَا - وَكَوْكَبٌ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ. وَوَلِيَ الْخِلَافَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً وَأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَمُدَّةُ حِصَارِهِ فِي دَارِهِ إِلَى أَنْ قُتِلَ سَبْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ يَوْمًا وَقِيلَ: شَهْرَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، وَاسْتُشْهِدَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ صَائِمٌ، وَهَذَا يُؤَيِّدُ كَوْنَ قَتْلِهِ بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَوْ قَبْلَهَا، فَقَدْ قِيلَ: كَانَ قَتْلُهُ لِثَمَانِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَوْ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَقِيلَ: لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْهُ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَقِيلَ: لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْهُ، وَقَدَّمَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ وَفِي الزَّهْرِ الْبَسَّامِ أَنَّهُ قُتِلَ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ بَاشَرَ قَتْلَهُ فَقَالَ كَثِيرٌ: إِنَّهُ لَا يُعْرَفُ قَاتِلُهُ، وَقِيلَ الْأَسْوَدُ التُّجِيبِيُّ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ، وَقِيلَ جَبَلَةُ بْنُ الْأَيْهَمِ مِنْ مِصْرَ أَيْضًا، وَقِيلَ سُودَانُ بْنُ حُمْرَانَ، وَقِيلَ رُومَانُ الْيَمَانِيُّ، وَقِيلَ سُودَانُ بْنُ رُومَانَ، وَقِيلَ رُومَانُ بْنُ سَرْحَانَ رَجُلٌ أَزْرَقٌ قَصِيرٌ، وَقِيلَ قَتَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُقَالُ لَهُ حِمَارٌ أَزْرَقُ أَشْقَرُ، وَقِيلَ: قَتَلَهُ اثْنَانِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِنَ الْعُمْرِ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَقِيلَ ثَمَانُ وَثَمَانُونَ وَقِيلَ تِسْعُونَ، وَيُرْوَى أَنَّهُ كَانَ الْمُصْحَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَقْرَأُ فِيهِ، فَوَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِنْ دَمِهِ أَوْ قَطَرَاتٌ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] .
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ عَنِ الشَّعْبِيِّ ﵀ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَرَاثِي عُثْمَانَ أَحْسَنَ مِنْ قَوْلِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ ﵁: فَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَيْقَنَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ وَقَالَ لِأَهْلِ الدَّارِ لَا تَقْتُلُوهُمُ عَفَا اللَّهُ عَنْ كُلِّ امْرِئٍ لَمْ يُقَاتِلِ فَكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّهَ صَبَّ عَلَيْهِمُ الْـ عَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَعْدَ التَّوَاصُلِ وَكَيْفَ رَأَيْتَ الْخَيْرَ أَدْبَرَ بَعْدَهُ عَنِ النَّاسِ إِدْبَارَ الرِّيَاحِ الْجَوَافِلِ وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَمَامُ الْعَامَّةِ وَقَدْ نَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَإِنِّي أَعْرِضُ عَلَيْكَ خِصَالًا ثَلَاثًا، اخْتَرْ إِحْدَاهُنَّ: إِمَّا أَنْ تَخْرُجَ فَتُقَاتِلَهُمْ، فَإِنَّ مَعَكَ عَدَدًا وَقُوَّةً وَأَنْتَ عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ، وَإِمَّا أَنْ
стр. 784
تَخْرِقَ لَكَ بَابًا سِوَى الْبَابِ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، فَتَقْعُدَ عَلَى رَوَاحِلِكَ فَتَلْحَقَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْتَحِلُّوكَ وَأَنْتَ بِهَا، وَإِمَّا أَنْ تَلْحَقَ بِالشَّامِ فَإِنَّ أَهْلَ الشَّامِ فِيهِمْ مُعَاوِيَةُ.
فَقَالَ عُثْمَانُ ﵁: فَأَمَّا أَنْ أَخْرُجَ فَأُقَاتِلَ فَلَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ خَالَفَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي أُمَّتِهِ بِسَفْكِ الدِّمَاءِ، وَأَمَّا أَنْ أَخْرُجَ إِلَى مَكَّةَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «يُلْحِدُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ يَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ عَذَابِ الْعَالَمِ» " فَلَنْ أَكُونَ أَنَا، وَأَمَّا أَنْ أَلْحَقَ بِالشَّامِ فَلَنْ أُفَارِقَ دَارَ هِجْرَتِي وَمُجَاوَرَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَأَخْرَجَ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ الْفَهْمِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: لَقَدِ اخْتَبَأْتُ عِنْدَ رَبِّي عَشْرًا: إِنِّي لَرَابِعُ أَرْبَعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنْكَحَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ابْنَتَهُ ثُمَّ تُوُفِّيَتْ فَأَنْكَحَنِي الْأُخْرَى، وَمَا تَغَنَّيْتُ، وَمَا تَمَنَّيْتُ، وَلَا وَضَعْتُ يَمِينِي عَلَى فَرْجِي مُنْذُ بَايَعْتُ بِهَا حَبِيبِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا مَرَّتْ بِي جُمُعَةٌ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إِلَّا وَأَنَا أُعْتِقُ فِيهَا رَقَبَةً، إِلَّا أَنْ لَا تَكُونَ عِنْدِي فَأُعْتِقُهَا بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا سَرَقْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَقَدْ جَمَعْتُ الْقُرْآنَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وَيُضَمُّ إِلَى هَذِهِ الْعَشَرَةِ تَجْهِيزُهُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَقَدْ قَالَ ﷺ لَمَّا جَاءَهُ بِالْمَالِ وَكَانَ أَلْفَ دِينَارٍ فَنَثَرَهَا فِي حِجْرِهِ ﷺ : " «مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ» " مَرَّتَيْنِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَيُضَمُّ إِلَيْهَا أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: شَهِدَتُ يَوْمَ الدَّارِ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ ﵁ فَقَالَ: ائْتُونِي بِصَاحِبَيْكُمُ اللَّذَيْنِ أَلَّبَا عَلَيَّ، فَجِيءَ بِهِمَا فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ وَالْإِسْلَامِ - زَادَ رَزِينٌ وَلَا أَنْشُدُ إِلَّا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ إِلَّا بِئْرُ رُومَةَ، فَقَالَ ﷺ : «مَنْ يَشْتَرِيهَا وَيَجْعَلُ دَلْوَهُ فِيهَا مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ، فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ مَالِي؟ وَأَنَا الْيَوْمُ أُمْنَعُ أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْمِلْحِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالْإِسْلَامَ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ، فَقَالَ ﷺ : مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ
стр. 785
آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ، فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي؟ وَأَنَا الْيَوْمُ أُمْنَعُ أَنْ أُصَلِّيَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَجَهَّزْتُهُ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: وَأَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي كُنْتُ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ حَتَّى تَسَاقَطَتْ حِجَارَتُهُ بِالْحَضِيضِ، فَرَكَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرِجْلِهِ وَقَالَ: اسْكُنْ ثَبِيرُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدٌ؟ قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ شَهِدُوا لِي بِالْجَنَّةِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ثَلَاثًا» - وَفِي رِوَايَةٍ شَهِدُوا لِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ أَنِّي شَهِيدٌ ثَلَاثًا.
وَفِيهِ يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁:
مَنْ سَرَّهُ الْمَوْتُ صَرْفًا لَا مِزَاجَ لَهُ ... فَلْيَأْتِ مَأْدُبَةً فِي دَارِ عُثْمَانَا
ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ ... يَقْطَعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا
لَيُسْمَعَنَّ وَشِيكًا فِي دِيَارِهِمُ ... اللَّهُ أَكْبَرُ يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ قُتِلَ عُثْمَانُ ﵁ ظُلْمًا بِلَا مُحَالٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودُ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَحَدُ الْمُهَاجِرِينَ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَحَدُ أَخْتَانِ سَيِّدِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ، وَمَآثِرُهُ غَزِيرَةٌ، وَأَيَادِيهِ شَهِيرَةٌ، فَرِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ -.
رُوِيَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سِتَّةَ عَشَرَ، اتَّفَقَا عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِثَمَانِيَةٍ وَمُسْلِمٌ بِخَمْسَةٍ.
[علي أبو السبطين]
((وَبَعْدُ فَالْفَضْلُ حَقِيقًا فَاسْمَعِ ... نِظَامِي هَذَا لِلْبَطِينِ الْأَنْزَعِ))
((مُجَدِّلِ الْأَبْطَالِ مَاضِي الْعَزْمِ ... مُفَرِّجِ الْأَوْجَالِ وَافِي الْحَزْمِ))
((وَافِي النَّدَى مُبْدِي الْهُدَى مُرْدِي الْعِدَا ... مُجْلِي الصَّدَى يَا وَيْلَ مَنْ فِيهِ اعْتَدَى))
((وَبَعْدُ)) بِبِنَائِهَا عَلَى الضَّمِّ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَنِيَّةِ ثُبُوتِ مَعْنَاهُ أَيْ وَبَعْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵁ عَلَى الْقَوْلِ الرَّجِيحِ وَالْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ، ((فَالْفَضْلُ)) الشَّامِخُ وَالْقُرْبُ الرَّاسِخُ وَالْمَجْدُ الْبَاذِخُ مِنْ سَائِرِ الْأُمَّةِ وَاتِّفَاقِ
стр. 786
الْأَئِمَّةِ، ((حَقِيقًا)) أَيْ فِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا نُكْرٍ، ((فَاسْمَعِ)) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ وَحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِلْقَافِيَةِ مِنِّي ((نِظَامِي)) أَيْ مَنْظُومِي ((هَذَا)) الَّذِي أَدْرَجْتُ فِيهِ عَقِيدَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَضَمَّنْتُهُ مَا يَقْتَفِيهِ كُلُّ مُحَقِّقٍ فَالِحٍ ثَابِتٍ، ذَلِكَ الْفَضْلُ وَمُسْتَقِرٌّ ((لِـ)) الْإِمَامِ الْهُمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ((الْبَطِينِ الْأَنْزَعِ)) .
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي نِهَايَتِهِ وَفِي صِفَةِ عَلِيٍّ ﵁: الْبَطِينُ الْأَنْزَعُ أَيِ الْعَظِيمُ الْبَطْنِ، وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ أَيْضًا ﵁: أَبِيتُ مِبْطَانًا وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى؟ الْمِبْطَانُ الْكَثِيرُ الْأَكْلِ وَالْعَظِيمُ الْبَطْنِ، ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِفْهَامِ الْإِنْكَارِيِّ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ بَطِينًا أَنَّ بَاطِنَهُ عَظِيمٌ لِتَضَلُّعِهِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ، وَالْمُرَادُ بِالْأَنْزَعِ الْمُنْحَسِرُ شَعْرُ رَأْسِهِ مِمَّا فَوْقَ الْجَبِينِ، وَالنَّزْعَتَانِ عَنْ جَانِبَيِ الرَّأْسِ مِمَّا لَا شَعْرَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: كَانَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ ﵁ أَنْزَعَ الشَّعْرِ لَهُ بَطْنٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ الْأَنْزَعُ مِنَ الشِّرْكِ الْمَمْلُوءُ الْبَطْنِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ، ((مُجَدِّلِ الْأَبْطَالِ)) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: جَدَلَهُ فَانْجَدَلَ وَتَجَدَّلَ صَرَعَهُ عَلَى الْجَدَالَةِ كَسَحَابَةِ الْأَرْضِ مُطْلَقًا أَوْ ذَاتَ رَمْلٍ دَقِيقٍ، وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ: " «أَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ» ". أَيُّ مُلْقًى عَلَى الْجَدَالَةِ وَهِيَ الْأَرْضُ.
وَفِي حَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ حِينَ وَقَفَ عَلَى طَلْحَةَ ﵁ يَوْمَ الْجَمَلِ وَهُوَ قَتِيلٌ، فَقَالَ: أَعْزِزْ عَلَيَّ أَبَا مُحَمَّدٍ أَنْ أَرَاكَ مُجَدَّلًا تَحْتَ نُجُومِ السَّمَاءِ. أَيْ مَرْمِيًّا مُلْقًى عَلَى الْأَرْضِ قَتِيلًا، وَالْأَبْطَالُ جَمْعُ بَطَلٍ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ - وَكَشَدَّادٍ بَيْنَ الْبِطَالَةِ أَوِ الْبُطُولَةِ الرَّجُلُ الشُّجَاعُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ جِرَاحَتَهُ فَلَا يَكْتَرِثُ بِهَا، أَوْ يُبْطِلُ عِنْدَهُ دِمَاءَ الْأَقْرَانِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَتَلَ مِنَ الْأَبْطَالِ عِدَّةً مِثْلَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَعَمْرَو بْنَ عَبْدِ وُدٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَمَرْحَبٍ مِنْ أَبْطَالِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَوْلُهُ: ((مَاضِي الْعَزْمِ)) إِشَارَةٌ إِلَى شِدَّةِ قُوَّتِهِ وَوُفُورِ شِدَّتِهِ، وَالْمَاضِي مَنْ مَضَى فِي الْأَمْرِ مَضَاءً وَمُضُوًّا نَفَذَ، وَمَضَى السَّيْفُ أَيْ قَطَعَ وَالْمُضُوُّ كَالْعُلُوِّ التَّقَدُّمُ وَالْعَزْمُ الْجِدُّ وَالصَّبْرُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
وَقَوْلُهُ: ((مُفَرِّجِ)) أَيْ كَاشِفِ ((الْأَوْجَالِ)) يُقَالُ: فَرَّجَ اللَّهُ الْغَمَّ يُفَرِّجُهُ كَشَفَهُ كَفَرَجَهُ، وَالْأَوْجَالُ جَمْعُ وَجَلٍ - بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْجِيمِ - الْخَوْفُ وَرَجُلٌ وَجِلٌ كَفَرِحٍ يَاجَلُ وَيَجِلُ وَيَوْجَلُ
стр. 787
وَيِيجَلُ - بِكَسْرِ أَوَّلِهِ - وَجَلًا وَمَوْجَلًا كَمَقْعَدٍ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى وَجِلِينَ وَالْمَرْأَةُ وَجِلَةٌ، إِشَارَةٌ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ كَشْفِ الْغُمُومِ وَتَفْرِيجِ الْهُمُومِ، وَالْإِقْدَامِ فِي الْمَوَاقِفِ الصَّعْبَةِ وَالْبُرُوزِ إِلَى الْأَقْرَانِ الْمُسْتَصْعِبَةِ.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: " لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» ". فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ أَيْ يَخُوضُونَ وَيَتَحَدَّثُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا «فَقَالَ: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ فَقِيلَ: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ قَالَ: فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ. فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ» - الْحَدِيثَ.
وَقَوْلُهُ: ((وَافِي الْحَزْمِ)) إِشَارَةٌ إِلَى وُفُورِ عَقْلِهِ وَغَزَارَةِ فِطْنَتِهِ وَفَضْلِهِ، وَالْحَزْمُ ضَبْطُ الرَّجُلِ أَمْرَهُ وَالْحَذَرُ مِنْ فَوَاتِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ حَزَمْتَ الشَّيْءَ إِذَا شَدَدْتَهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتٍ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ» ". - يَعْنِي النِّسَاءَ - أَيْ أَذْهَبَ لِعَقْلِ الرَّجُلِ الْمُحْتَرِزِ فِي الْأُمُورِ الْمُسْتَظْهِرِ فِيهَا. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ مَا الْحَزْمُ؟ فَقَالَ: " تَسْتَشِيرُ أَهْلَ الرَّأْيِ ثُمَّ تُطِيعُهُمْ» ". وَفِي الْقَامُوسِ الْحَزْمُ: ضَبْطُ الْأَمْرِ وَالْأَخْذُ فِيهِ بِالثِّقَةِ كَالْحِزَامَةِ وَالْحُزُومَةِ يُقَالُ: حَزُمَ كَكَرُمَ فَهُوَ حَازِمٌ وَحَزِيمٌ وَالْجَمْعُ حَزَمَةٌ وَحُزَمَاءُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ((وَافِي)) أَيْ كَثِيرِ، ((النَّدَى)) أَيِ السَّخَاءِ وَالْكَرَمِ يُقَالُ: فُلَانٌ يَنْدَى عَلَى أَصْحَابِهِ أَيْ يَسْخَى كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِي الْقَامُوسِ تَنْدَى: تَسْخَى وَأَفْضَلُ كَأَنْدَى فَهُوَ نَدِيُّ الْكَفِّ وَالنَّدَى الثَّرَى وَالشَّحْمُ وَالْمَطَرُ وَالْبَلَلُ (وَالْكَلَأُ) وَشَيْءٌ يُتَطَيَّبُ بِهِ كَالْبَخُورِ. وَفِي مَحَلٍّ آخَرَ أَنْدَى كَثُرَ عَطَايَاهُ. انْتَهَى. إِشَارَةٌ إِلَى غَزَارَةِ كَرَمِهِ وَجَزَالَةِ عَطَايَاهُ وَحَزْمِهِ.
((مُبْدِي)) أَيْ مُظْهِرِ ((الْهُدَى)) أَعْنِي الْعُلُومَ الْغَامِضَةَ وَالْفُهُومَ الرَّائِضَةَ وَالْهُدَى - بِضَمِّ الْهَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِّ الْمُهْمَلَةِ - الرَّشَادُ وَالدَّلَالَةُ، ((مُرْدِي الْعِدَا)) اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَرْدَاهُ إِذَا أَهْلَكَهُ وَكَسَرَهُ وَأَوْقَعَ أَعْدَاءَهُ فِي الرَّدَى وَالتَّلَفِ وَالْهَلَاكِ، ((مُجْلِي)) أَيْ مُزِيلٍ وَمُفَرِّقٍ وَكَاشِفٍ، ((الصَّدَى)) أَيِ الْعَطَشِ وَالظَّمَأِ وَالْمُرَادُ بِهِ كَاشِفُ الْكَرْبِ وَمُجْلِي النَّوْبِ، ((يَا وَيْلَ)) هَذِهِ يُرَادُ بِهَا الدُّعَاءُ بِالْحُزْنِ وَالْهَلَاكِ وَالْمَشَقَّةِ وَمَعْنَى
стр. 788
النِّدَاءِ فِيهَا يَا حُزْنُ وَيَا هَلَاكُ وَيَا عَذَابُ احْضُرْ فَهَذَا وَقْتُكَ وَأَوَانُكَ لِـ ((مَنْ)) أَيْ إِنْسَانٌ مُكَلَّفٌ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، ((فِيهِ)) أَيْ فِي أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ((اعْتَدَى)) بِانْتِقَاصِهِ وَانْحِطَاطِهِ عَنْ مَنْزِلَتِهِ الشَّامِخَةِ وَدَرَجَتِهِ الْبَاذِخَةِ وَهَضَمَ مِنْ حُقُوقِهِ الظَّاهِرَةِ وَفَضَائِلِهِ الطَّاهِرَةِ، أَوْ غَلَا فِيهِ غُلُوًّا خَارِجًا عَنْ طَوْرِهِ وَنَسَبَ إِلَيْهِ مَا لَيْسَ لَهُ مِنْ نَحْوِ أُلُوهِيَّةٍ كَغُلَاةِ أَهْلِ الرَّفْضِ أَوْ نُبُوَّةٍ أَوْ أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى مَنْ هُوَ نَفْسُهُ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ.
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبَزَّارُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " «إِنَّ فِيكَ مَثَلًا مِنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇ أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ الْمَنْزِلَ الَّذِي لَيْسَ بِهِ» ". أَلَا وَإِنَّهُ يَهْلِكُ فِيَّ اثْنَانِ: مُحِبٌّ يُقَرِّظُنِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ، وَمُبْغِضٌ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي. وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى وَالْحَاكِمُ أَيْضًا. وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَلِيٍّ: " «أَشْقَى النَّاسِ رَجُلَانِ: أُحَيْمِرُ ثَمُودَ الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ يَا عَلِيُّ عَلَى هَذِهِ - يَعْنِي قَرْنَهُ - حَتَّى يَبُلَّ مِنْهُ هَذِهِ» ". - يَعْنِي لِحْيَتَهُ -. وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَصُهَيْبٍ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَغَيْرِهِمْ ﵁.
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا وَاحِدًا مِنْهُمْ وَقَدْ وُثِّقَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ يَوْمًا: «مَنْ أَشْقَى الْأَوَّلِينَ؟ قَالَ: الَّذِي عَقَرَ النَّاقَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَمَنْ أَشْقَى الْآخِرِينَ؟ قَالَ: لَا عِلْمَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: الَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذِهِ - وَأَشَارَ ﷺ إِلَى يَافُوخِهِ» ، فَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَقُولُ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ - يَعْنِي عِنْدَ ضَجَرِهِ مِنْهُمْ - وَدِدْتُ أَنَّهُ قَدِ انْبَعَثَ أَشْقَاكُمْ فَخَضَّبَ هَذِهِ - يَعْنِي لِحْيَتَهُ - مِنْ هَذِهِ. وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ. وَصَحَّ أَيْضًا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ ﵁ قَالَ لِعَلِيٍّ: لَا تَقْدَمِ الْعِرَاقَ فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكَ بِهَا ذُبَابُ السَّيْفِ. فَقَالَ عَلِيٌّ: وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ: فَمَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ مُحَارِبًا يُخْبِرُ بِذَا عَنْ نَفْسِهِ.
إِذَا عَلِمْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ الْأَنْزَعُ الْبَطِينُ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَاسْمُهُ عَبْدُ مَنَافٍ وَقِيلَ: اسْمُهُ كُنْيَتُهُ، ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاسْمُهُ
стр. 789
شَيْبَةُ الْحَمْدِ قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَقِيلَ: عَامِرٌ قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةُ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا يَصِحُّ، وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْحَارِثِ أَكْبَرُ أَوْلَادِهِ، وَيُكَنَّى أَيْضًا أَبَا الْبَطْحَاءِ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ لِأَنَّ عَمَّهُ الْمُطَّلِبَ أَرْدَفَهُ حِينَ أَتَى بِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ صَغِيرًا فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: عَبْدِي، وَهُوَ ابْنُ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ إِلَخِ النَّسَبِ الشَّرِيفِ، فَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ وَهِيَ أَوَّلُ هَاشِمِيَّةٍ وَلَدَتْ هَاشِمِيًّا فِي الْإِسْلَامِ وَقَدْ أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَأَخُو رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالْمُؤَاخَاةِ، وَصِهَرُهُ عَلَى سَيِّدَةِ النِّسَاءِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ ﵍، وَأَحَدُ السَّابِقِينَ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَحَدُ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ وَالشُّجْعَانِ الْمَشْهُورِينَ وَالزُّهَّادِ الْمَذْكُورِينَ وَالْخُطَبَاءِ الْمَعْرُوفِينَ، وَأَحَدُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَأَحَدُ مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ الْمُبِينَ، وَأَوَّلُ خَلِيفَةٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَأَبُو السِّبْطَيْنِ السَّعِيدَيْنِ.
أَسْلَمَ عَلِيٌّ ﵁ قَدِيمًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَسَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃: إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ حَتَّى نَقَلَ بَعْضُهُمُ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ عِدَّةُ أَخْبَارٍ، وَتَقَدَّمَ فِي ذِكْرِ الصِّدِّيقِ مَا يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا قَالَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ لَمَّا بَلَغَهُ افْتِخَارُ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لِغُلَامِهِ: اكْتُبْ إِلَيْهِ. ثُمَّ أَمْلَى عَلَيْهِ ﵁ قَوْلَهُ:
مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ أَخِي وَصِهْرِي ... وَحَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي
وَجَعْفَرٌ الَّذِي يُمْسِي وَيُضْحِي ... يَطِيرُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ ابْنُ أُمِّي
وَبِنْتُ مُحَمَّدٍ سَكَنِي وَعِرْسِي ... مَنُوطٌ لَحْمُهَا بِدَمِي وَلَحْمِي
وَسِبْطَا أَحْمَدَ ابْنَايَ مِنْهَا ... فَأَيُّكُمُ لَهُ سَهْمٌ كَسَهْمِي
سَبَقْتُكُمُ إِلَى الْإِسْلَامِ طُرًّا ... غُلَامًا مَا بَلَغْتُ أَوَانَ حِلْمِي
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِيُّ: إِنَّ هَذَا الشِّعْرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُتَوَانٍ فِي عَلِيٍّ ﵁ حِفْظُهُ لِيَعْلَمَ مَفَاخِرَهُ فِي الْإِسْلَامِ. انْتَهَى.
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنَاقِبَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ كَثِيرَةٌ
стр. 790
وَمَآثِرُهُ غَزِيرَةٌ وَفَضَائِلُهُ شَهِيرَةٌ حَتَّى قَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدَ ﵁: مَا جَاءَ لِأَحَدٍ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا جَاءَ لِعَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ -. وَكَذَا قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ: لَمْ يَرِدْ فِي حَقِّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِالْأَسَانِيدِ الْحِسَانِ أَكْثَرُ مِمَّا جَاءَ فِي عَلِيٍّ ﵁.
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَسَبَبُ ذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَطْلَعَ نَبِيَّهُ ﷺ عَلَى مَا يَكُونُ بَعْدَهُ مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ عَلِيٌّ وَمَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَافِ لَمَّا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ الْخِلَافَةِ، فَاقْتَضَى ذَلِكَ نُصْحَ الْأُمَّةِ بِإِشْهَارِهِ لِتِلْكَ الْفَضَائِلِ لِتَحْصُلَ النَّجَاةُ لِمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ مِمَّنْ بَلَغَتْهُ، ثُمَّ لَمَّا وَقَعَ ذَلِكَ الِاخْتِلَافُ وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ نَشَرَ مَنْ سَمِعَ مِنَ الصَّحَابَةِ تِلْكَ الْفَضَائِلَ وَبَثَّهَا نُصْحًا لِلْأُمَّةِ أَيْضًا، ثُمَّ لَمَّا اشْتَدَّ الْخَطْبُ وَاشْتَغَلَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ بِتَنْقِيصِهِ وَسَبِّهِ حَتَّى عَلَى الْمَنَابِرِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْخَوَارِجُ، اشْتَغَلَتْ جَهَابِذَةُ الْعُلَمَاءِ وَالْحُفَّاظِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ بِبَثِّ فَضَائِلِهِ حَتَّى كَثُرَتْ، نُصْحًا لِلْأُمَّةِ وَنُصْرَةً لِلْحَقِّ.
وَقَدْ أَخْرَجَ السِّلَفِيُّ فِي الطُّيُورِيَّاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵄ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ فَقَالَ: اعْلَمْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ كَثِيرَ الْأَعْدَاءِ فَفَتَّشَ لَهُ أَعْدَاؤُهُ شَيْئًا فَلَمْ يَجِدُوا، فَجَاءُوا إِلَى رَجُلٍ قَدْ حَارَبَهُ وَقَاتَلَهُ فَأَطْرَوْهُ كِيَادًا مِنْهُمْ لَهُ ﵁. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -: الْكُلُّ مُقِرٌّ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَيْسَ كُفْئًا لِعَلِيٍّ ﵄ فِي الْخِلَافَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعَاوِيَةُ خَلِيفَةً مَعَ إِمْكَانِ اسْتِخْلَافِ عَلِيٍّ لِسَابِقَتِهِ وَعِلْمِهِ وَدِينِهِ وَشَجَاعَتِهِ وَسَائِرِ فَضَائِلِهِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عِنْدَهُمْ ظَاهِرَةً مَعْرُوفَةً كَفَضْلِ إِخْوَانِهِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ ﵃، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ أَهْلِ الشُّورَى غَيْرُهُ وَغَيْرُ سَعْدٍ، لَكِنَّ سَعْدًا كَانَ قَدْ تَرَكَ هَذَا الْأَمْرَ وَكَانَ الْأَمْرُ قَدِ انْحَصَرَ فِي عَلِيٍّ وَفِي عُثْمَانَ ﵄، فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ لَمْ يَبْقَ لَهَا مُعَيَّنٌ إِلَّا عَلِيٌّ ﵁ وَإِنَّمَا وَقَعَ مَا وَقَعَ مِنَ الشَّرِّ بِسَبَبِ قَتْلِ عُثْمَانَ ﵁.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَمُعَاوِيَةُ لَمْ يَدَّعِ الْخِلَافَةَ وَلَمْ يُبَايَعْ لَهُ بِهَا حِينَ قَاتَلَ عَلِيًّا، وَلَمْ يُقَاتِلْهُ عَلِيٌّ ﵁ عَلَى أَنَّهُ خَلِيفَةٌ وَلَا أَنَّهُ
стр. 791
يَسْتَحِقُّ الْخِلَافَةَ، وَلَا كَانُوا يَرَوْنَ أَنْ يَبْدَءُوا عَلِيًّا بِقِتَالٍ، بَلْ لَمَّا رَأَى عَلِيٌّ أَنَّ لِهَؤُلَاءِ شَوْكَةً وَهُمْ خَارِجُونَ عَنْ طَاعَتِهِ رَأَى أَنْ يُقَاتِلَهُمْ حَتَّى يَرُدُّوا إِلَى الْوَاجِبِ، وَهُمْ رَأَوْا أَنَّ عُثْمَانَ ﵁ قُتِلَ مَظْلُومًا بِاتِّفَاقٍ وَقَتَلَتُهُ فِي عَسْكَرِ عَلِيٍّ ﵁ وَهُمْ غَالِبُونَ لَهُمْ شَوْكَةٌ، وَعَلِيٌّ ﵁ لَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُمْ كَمَا لَمْ يُمْكِنْهُ الدَّفْعُ عَنْ عُثْمَانَ، فَرَأَوْا مِنَ الْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ أَنْ نُبَايِعَ خَلِيفَةً (لَا) يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْصِفَنَا وَيَبْذُلَ الْإِنْصَافَ، وَكَانَ فِي جُهَّالِ الْفَرِيقَيْنِ مَنْ يَظُنُّ بِالْإِمَامَيْنِ عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ ﵄ ظُنُونًا كَاذِبَةً، مِنْهُمْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ أَمَرَ بِقَتْلِ عُثْمَانَ ﵁، وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَحْلِفُ وَهُوَ الْبَارُّ الصَّادِقُ بِلَا يَمِينٍ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ وَلَا رَضِيَ بِقَتْلِهِ وَلَمْ يُمَالِئْ عَلَى قَتْلِهِ.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَهَذَا مَعْلُومٌ بِلَا رَيْبٍ مِنْ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - فَكَانَ أُنَاسٌ مِنْ مُحِبِّي عَلِيٍّ وَمِنْ مُبْغَضِيهِ يُشِيعُونَ ذَلِكَ عَنْهُ، فَمُحِبُّوهُ يَقْصِدُونَ الطَّعْنَ عَلَى عُثْمَانَ وَأَنَّهُ كَانَ يَسْتَحِقُّ الْقَتْلَ وَأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَمُبْغِضُوهُ يَقْصِدُونَ الطَّعْنَ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ وَأَنَّهُ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ الْخَلِيفَةِ الْمَظْلُومِ الشَّهِيدِ الَّذِي صَبَرَ نَفْسَهُ وَلَمْ يَدْفَعْ عَنْهَا، وَلَمْ يَسْفِكْ دَمَ مُسْلِمٍ فِي الدَّفْعِ عَنْهُ فَكَيْفَ فِي طَلَبِ طَاعَتِهِ. وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى الْمُشَنِّعِينَ الْعُثْمَانِيَّةِ وَالْعَلَوِيَّةِ، وَكُلٌّ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ مُقِرٌّ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ لَيْسَ بِكُفْءٍ لِعَلِيٍّ ﵁.
وَلِي (عَلِيٌّ) الْخِلَافَةَ وَوَقَعَتْ لَهُ الْمُبَايَعَةُ بِهَا الْغَدُ مِنْ قَتْلِ عُثْمَانَ، فَقَالُوا لَهُ: نُبَايِعُكَ فَمُدَّ يَدَكَ فَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيْكُمْ إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَمَنْ رَضِيَ بِهِ أَهْلُ بَدْرٍ فَهُوَ خَلِيفَةٌ، فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ إِلَّا أَتَى عَلِيًّا، فَقَالُوا: مَا نَرَى أَحَدًا أَحَقَّ بِهَا مِنْكَ، مُدَّ يَدَكَ نُبَايِعْكَ، فَبَايَعُوا، وَهَرَبَ مَرْوَانُ وَوَلَدُهُ وَجَاءَ عَلِيٌّ إِلَى امْرَأَةِ عُثْمَانَ، فَقَالَ لَهَا: مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ لَا أَعْرِفُهُمَا وَمَعَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَأَخْبَرَتْ عَلِيًّا وَالنَّاسَ بِمَا صَنَعَ.
فَدَعَا مُحَمَّدًا فَسَأَلَهُ عَمَّا ذَكَرَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَمْ تَكْذِبْ قَدْ وَاللَّهِ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَأَنَا أُرِيدُ قَتْلَهُ فَذَكَرَ لِي أَبِي، فَقُمْتُ عَنْهُ وَأَنَا تَائِبٌ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُهُ وَلَا أَمْسَكْتُ. فَقَالَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ: صَدَقَ وَلَكِنَّهُ أَدْخَلَهُمَا. وَذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵄ دَخَلَ كَمَا ذَكَرَ فَأَخَذَ بِلِحْيَةِ عُثْمَانَ
стр. 792
فَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ ﵁: وَاللَّهِ لَوْ رَآكَ أَبُوكَ لَسَاءَهُ مَكَانُكَ مِنِّي. فَتَرَاخَتْ يَدُهُ وَدَخَلَ عَلَيْهِ الرَّجُلَانِ فَتَوَجَّيَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ وَخَرَجُوا هَارِبِينَ مِنْ حَيْثُ دَخَلُوا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتُهُ فَلَمْ يُسْمَعْ صُرَاخُهَا لِمَا كَانَ فِي الدَّارِ مِنَ الْجَلَبَةِ وَصَعِدَتْ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ قُتِلَ. فَدَخَلَ النَّاسُ فَوَجَدُوهُ مَذْبُوحًا.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ عَلِيًّا وَطِلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا وَمَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَخَرَجُوا وَقَدْ ذُهِلَتْ عُقُولُهُمْ لِلْخَبَرِ الَّذِي أَتَاهُمْ حَتَّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَوَجَدُوهُ مَقْتُولًا فَاسْتَرْجَعُوا، وَضَرَبَ عَلِيٌّ الْحَسَنَ وَصَدْرَ الْحُسَيْنِ وَشَتَمَ مُحَمَّدَ بْنَ طَلْحَةَ وَكَانَ أَرْسَلَهُمْ يَذُبُّونَ عَنْ عُثْمَانَ، وَقَالَ لِابْنَيْهِ كَيْفَ قُتِلَ وَأَنْتُمَا عَلَى الْبَابِ؟ وَخَرَجَ وَهُوَ غَضْبَانُ حَتَّى أَتَى مَنْزِلَهُ فَهُرِعَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَبَايَعُوهُ جَمِيعًا. وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ إِنَّمَا بَايَعَا كَارِهَيْنِ غَيْرَ طَائِعَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَا إِلَى مَكَّةَ وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِهَا فَأَخَذَاهَا وَخَرَجَا إِلَى الْبَصْرَةِ يَطْلُبُونَ بِدَمِ عُثْمَانَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَخَرَجَ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَقِيَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ مَعَهُمَا وَهِيَ وَقْعَةُ الْجَمَلِ، وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَقُتِلَ بِهَا طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَبَلَغَتِ الْقَتْلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ أَلْفًا، وَأَقَامَ عَلِيٌّ ﵁ بِالْبَصْرَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْكُوفَةِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ وَمَنْ مَعَهُ بِالشَّامِ فَبَلَغَ عَلِيًّا فَسَارَ، فَالْتَقَوْا بِصِفِّينَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَدَامَ الْقِتَالُ بِهَا أَيَّامًا، فَرَفَعَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ يَدْعُونَ إِلَى مَا فِيهَا مَكِيدَةً مِنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَكَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا أَنْ يُوَافُوا رَأْسَ الْحَوْلِ بِأَذْرُحَ فَيَنْظُرُوا فِي أَمْرِ الْأُمَّةِ، فَافْتَرَقَ النَّاسُ وَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ وَمُعَاوِيَةُ إِلَى الشَّامِ وَبَلَغَتِ الْقَتْلَى ثَلَاثِينَ أَلْفًا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ: وَكَانَ مُقَامُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ بِصِفِّينَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ، وَقِيلَ: بَلْ قُتِلَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهِيَ الْأَيَّامُ الْبِيضُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَأَرْبَعَةَ عَشَرَ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْفَرِيقَيْنِ. ذَكَرَهُ الثِّقَةُ الْعَدْلُ أَبُو إِسْحَاقَ.
وَمِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي لَيْلَةُ الْهَرِيرِ جَعَلَ يَهُرُّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، وَالْهَرِيرُ: الصَّوْتُ يُشْبِهُ النُّبَاحَ، لِأَنَّهُمْ تَرَامَوْا بِالنَّبْلِ حَتَّى فَنِيَتْ وَتَطَاعَنُوا بِالرِّمَاحِ حَتَّى انْدَقَّتْ وَتَضَارَبُوا بِالسُّيُوفِ حَتَّى انْقَضَبَتْ، حَتَّى نَزَلَ الْقَوْمُ يَمْشِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَقَدْ كَسَرُوا أَجْفَانَ سُيُوفِهِمْ وَتَضَارَبُوا بِمَا بَقِيَ مِنَ السُّيُوفِ وَعُمُدِ الْحَدِيدِ، فَلَا يُسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَةُ الْقَوْمِ وَالْحَدِيدُ فِي الْهَامِ، ثُمَّ تَرَامَوْا بِالْأَحْجَارِ ثُمَّ جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ فَتَحَاثَّوْا بِالتُّرَابِ ثُمَّ تَكَادَمُوا بِالْأَفْوَاهِ
стр. 793
وَكَسَفَتِ الشَّمْسُ وَثَارَ الْقَتَامُ وَارْتَفَعَ الْغُبَارُ، وَضَلَّتِ الْأَلْوِيَةُ وَالرَّايَاتُ، وَمَرَّتْ مَوَاقِيتُ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ، لِأَنَّ الْقِتَالَ كَانَ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَى مَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ كَمَا فِي تَارِيخِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ وَغَيْرِهِ، وَكَانَ عِدَّةُ أَهْلِ الشَّامِ الَّذِينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ مِائَةَ أَلْفٍ وَخَمْسَةً وَثَلَاثِينَ أَلْفًا، وَكَانَ أَهْلُ الْعِرَاقِ الَّذِينَ مَعَ عَلِيٍّ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ عِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثِينَ وَمِائَةَ أَلْفٍ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ. وَاسْتُشْهِدَ فِي صِفِّينَ أَبُو الْيَقْظَانِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ ﵁ وَكَانَ مَعَ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ -، وَكَانَ عَمَّارٌ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً، وَكَانَ قَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ الطَّيِّبُ الْمُطَيَّبُ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: " «ائْذَنُوا لَهُ مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ» ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعَمَّارٍ: " «تَقْتُلُكَ فِئَةٌ بَاغِيَةٌ» ". وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَمَّارٍ: " تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ". وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِعَمَّارٍ: " أَبْشِرْ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ". وَاسْتَسْقَى يَوْمَ صِفِّينَ فَأُتِيَ بِقَعْبٍ فِيهِ لَبَنٌ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّ آخِرَ رِزْقِي مِنَ الدُّنْيَا ضَيَاحُ لَبَنٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْقَعْبِ، ثُمَّ حَمَلَ فَلَمْ يَثْنِ حَتَّى قُتِلَ» أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ الْمُسْنَدَ مِنْهُ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْبَاقِي ذَكَرَهُ رَزِينٌ.
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ عَمَّارٍ وَهُمْ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، وَيَقُولُ: " «وَيْحَ عَمَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» ". قَالَ: وَجَعَلَ عَمَّارٌ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» ". وَلَمْ يَذْكُرِ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ - يَعْنِي تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ -، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ صَحِيحَةٌ ثَابِتَةٌ وَهِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ كَمَا قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ
стр. 794
رُوحَهُ -: وَمَنْ رَضِيَ بِقَتْلِ عَمَّارٍ ﵁ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَهَا أَيْ حُكْمَ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ الَّتِي قَتَلَتْهُ.
وَيُرْوَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ تَأَوَّلَ أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ إِلَى مَنُونِ مَقَاتِلِهِ فَمَا قَتَلَهُ إِلَّا الَّذِي أَخْرَجَهُ، فَأَلْزَمَهُ عَلِيٌّ ﵁ بِقَوْلِهِ، فَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَنْ قَتَلَ حَمْزَةَ حِينَ أَخْرَجَهُ لِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ حُجَّةَ مُعَاوِيَةَ هَذِهِ أَوْهَى مِنْ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَلَا رَيْبَ أَنَّ قَوْلَ عَلِيٍّ ﵁ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. انْتَهَى. وَلَا يَرْتَابُ ذَوُو الْأَلْبَابِ أَنَّ الْحَقَّ وَالصَّوَابَ مَعَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي السِّبْطَيْنِ، وَزَوْجِ سَيِّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -.
وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ ﵁ فَهُوَ مُجْتَهِدٌ مُخْطِئٌ، وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ فِي الْخِلَافَةِ حَقٌّ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ لَهُ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ: أَنْتَ تُنَازِعُ عَلِيًّا فِي الْخِلَافَةِ وَأَنْتَ مِثْلُهُ؟ قَالَ: لَا، وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ أَفْضَلُ، وَلَكِنْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ مَظْلُومًا؟ وَأَنَا ابْنُ عَمِّهِ وَوَلِيُّهُ أَطْلُبُ بِدَمِهِ، فَائْتُوا عَلِيًّا فَقُولُوا لَهُ يَدْفَعُ لَنَا قَتَلَةَ عُثْمَانَ، فَأَجَابَ مُعَاوِيَةُ أَهْلَ الشَّامِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عَلِيٍّ أَبَا مُسْلِمٍ يَطْلُبُ بِدَمِ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ وَلِيَّهُ وَابْنُ عَمِّهِ، فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ: يَدْخُلُ فِي الْبَيْعَةِ كَمَا فَعَلَ النَّاسُ، ثُمَّ يُحَاكِمُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ عِنْدِي، فَأَحْكُمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ، فَأَبَى مُعَاوِيَةُ حَتَّى جَرَى مَا جَرَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
وَكَانَ أَهْلُ الشَّامِ يُسَمُّونَ قَتْلَ عَمَّارٍ فَتْحَ الْفُتُوحِ، وَفِي قَتْلِهِ يَقُولُ الْحَجَّاجُ بْنُ غَزِيَّةَ الْأَنْصَارِيُّ: قَالَ النَّبِيُّ لَهُ تَقْتُلْكَ شِرْذِمَةٌ سِيطَتْ لُحُومُهُمُ بِالْبَغْيِ فُجَّارُ فَالْيَوْمَ يَعْلَمُ أَهْلُ الشَّامِ أَنَّهُمُ أَصْحَابُ ذَاكَ وَمِنْهُمْ شَبَّتِ النَّارُ
وَقَالَ ابْنُ عَبْدُونَ فِي عَمَّارٍ ﵁: وَمَا رَعَتْ لِأَبِي الْيَقْظَانِ صُحْبَتَهُ وَلَمْ تُزَوِّدْهُ إِلَّا الضَّيْحَ فِي الْعُمْرِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الضَّيَاحُ وَالضَّيْحُ بِالْفَتْحِ اللَّبَنُ الْخَاثِرُ يُصَبُّ فِيهِ الْمَاءُ ثُمَّ يُخْلَطُ - وَهُوَ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ -. وَفِي الْقَامُوسِ: اللَّبَنُ الرَّقِيقُ الْمَمْزُوجُ وَكَذَا الضَّيَاحُ - بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ -. وَلَمَّا رَفَعَ أَهْلُ الشَّامِ الْمَصَاحِفَ يَدْعُونَ إِلَى مَا فِيهَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁: نَعَمْ نَحْنُ
стр. 795
أَحَقُّ بِالْإِجَابَةِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. فَقَالَ الْقُرَّاءُ الَّذِينَ صَارُوا بَعْدَ ذَلِكَ خَوَارِجَ: خَوَّانًا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا تَنْظُرُ إِلَى هَؤُلَاءِ، أَلَا نَمْشِي عَلَيْهِمْ بِسُيُوفِنَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا، فَقَالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ. فَآلَ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ كَتَبُوا بَيْنَهُمْ كِتَابًا أَنْ يُوَافُوا رَأْسَ الْحَوْلِ بِأَذْرُحَ كَمَا تَقَدَّمَ، فَخَرَجَتْ عَنْ طَاعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ الْخَوَارِجُ وَهُمُ الْقُرَّاءُ فَقَالُوا: كَفَرَ عَلِيٌّ وَكَفَرَ مُعَاوِيَةُ، فَاعْتَزَلُوا عَلِيًّا ﵁ وَنَزَلُوا حَرُورَاءَ وَهُمْ بِضْعَةَ عَشَرَ أَلْفًا، فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَيْهِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَنَاشَدَهُمُ اللَّهَ ارْجِعُوا إِلَى خَلِيفَتِكُمْ فِيمَ نَقَمْتُمْ عَلَيْهِ أَفِي قِسْمَةٍ أَوْ قَضَاءٍ؟ قَالُوا: نَخَافُ أَنْ نَدْخُلَ فِي الْفِتْنَةِ. قَالَ: فَلَا تُعَجِّلُوا ضَلَالَةَ الْعَامِ مَخَافَةَ فِتْنَةِ الْعَامِ الْقَابِلِ، فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ إِلَى الطَّاعَةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: نَكُونُ نَاحِيَةً فَإِنْ قَبِلَ الْقَضِيَّةَ - يَعْنِي التَّحْكِيمَ - قَاتَلْنَاهُ عَلَى مَا قَاتَلْنَا عَلَيْهِ أَهْلَ الشَّامِ بِصِفِّينَ وَإِنْ نَقَضَهَا قَاتَلْنَا مَعَهُ.
فَسَارُوا حَتَّى قَطَعُوا النَّهْرَ وَافْتَرَقَتْ مِنْهُمْ فِرْقَةٌ يَقْتُلُونَ النَّاسَ، فَقَالَ أَصْحَابُهُمْ: مَا عَلَى هَذَا فَارَقْنَا عَلِيًّا. فَلَمَّا بَلَغَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيًّا ﵁ صُنْعُهُمْ وَكَانَ مُتَجَهِّزًا لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ بَعْدَ التَّحْكِيمِ، فَإِنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا بِأَذْرُحَ فِي شَعْبَانَ مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ، وَحَضَرَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ اعْتَزَلُوا الْفِتْنَةَ ﵃، فَقَدَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ مَكِيدَةً مِنْهُ فَتَكَلَّمَ، فَاتَّفَقَا عَلَى خَلْعِ الِاثْنَيْنِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، وَيَصِيرُ الْأَمْرُ شُورَى فَمَنْ رَضِيَهُ أَهْلُ بَدْرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَهُوَ الْخَلِيفَةُ، فَتَقَدَّمَ أَبُو مُوسَى فَقَالَ: قَدْ خَلَعْتُ عَلِيًّا. فَقَامَ عَمْرٌو فَقَالَ: إِنَّ أَبَا مُوسَى قَدْ خَلَعَ عَلِيًّا وَإِنِّي نَصَّبْتُ مُعَاوِيَةَ. فَاخْتَلَفَ النَّاسُ وَأَخَذَ أَبُو مُوسَى يَسُبُّ عَمْرًا، وَيَقُولُ: إِنَّكَ غَدَرْتَ فَرَجَعَ عَلِيٌّ إِلَى الْكُوفَةِ وَمُعَاوِيَةُ إِلَى الشَّامِ، وَصَارَ خِلَافٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى صَارَ ﵁ يَعَضُّ عَلَى إِصْبَعِهِ وَيَقُولُ: أُعْصَى وَيُطَاعُ مُعَاوِيَةُ؟ وَرُبَّمَا قَالَ: وَيُطَاعُ ابْنُ آكِلَةِ الْأَكْبَادِ. إِشَارَةً إِلَى أَكْلِ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ أُمِّ مُعَاوِيَةَ مِنْ كَبِدِ حَمْزَةَ ﵁ يَوْمَ أُحُدٍ.
فَلَمَّا تَجَهَّزَ عَلِيٌّ ﵁ لِقِتَالِ أَهْلِ الشَّامِ شَغَلَهُ أَمْرُ الْخَوَارِجِ وَمَا ارْتَكَبُوهُ مِنَ الْمَفَاسِدِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَتَسِيرُونَ إِلَى عَدُوِّكُمْ أَوْ تَرْجِعُونَ إِلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَلَّفُوكُمْ فِي دِيَارِكُمْ؟ فَقَالُوا: بَلْ نَرْجِعُ إِلَيْهِمْ فَقَالَ ﵁: اسْطُوا عَلَيْهِمْ،
стр. 796
فَوَاللَّهِ لَا يُقْتَلُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ وَلَا يَفِرُّ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ فَكَانَ كَذَلِكَ، فَقَالَ: اطْلُبُوا فِي الْقَتْلَى رَجُلًا صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، وَذَكَرَ مِنْ نَعْتِهِ أَنَّ لَهُ ثَدْيًا كَثَدْيِ الْمَرْأَةِ، فَطَلَبُوهُ فَوَجَدُوهُ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَبَادَهُمْ وَأَرَاحَنَا مِنْهُمْ. فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مِنْهُمْ لَمَنْ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ لَمْ تَحْمِلْهُ النِّسَاءُ بَعْدُ. وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فَقَتَلَهُمْ عَلِيٌّ ﵁، وَفَرِحَ عَلِيٌّ بِقِتَالِ الْخَوَارِجِ بِخِلَافِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ وَغَيْرِهَا، فَإِنَّهُ كَانَ يَظْهَرُ مِنْهُ الْحُزْنُ وَالْكَآبَةُ وَالْأَسَفُ. وَمِنْ بَقَايَا الْخَوَارِجِ الْقَرَامِطَةُ وَهُمُ الْبَاطِنِيَّةُ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةُ وَالْمَلَاحِدَةُ وَأَضْرَابُهُمْ.
(غَرِيبَةٌ عَجِيبَةٌ)
ذَكَرَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيُّ فِي لَقْطِ الْمَرْجَانِ قَالَ: ذُكِرَ فِي كِتَابِ نُزْهَةِ الْمُذَاكَرَةِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: حَضَرْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَتْلَ الْحَرُورِيَّةِ بِالنَّهْرَوَانِ، فَالْتَمَسَ عَلِيٌّ ذَا الثُّدَيَّةِ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَقَالَ: اطْلُبُوهُ فَوَجَدُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: مَنْ يَعْرِفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: نَحْنُ نَعْرِفُهُ هَذَا قُوصٌ وَأُمُّهُ هَاهُنَا. فَأَرْسَلَ عَلِيٌّ إِلَى أُمِّهِ فَقَالَ لَهَا: مَنْ أَبُو هَذَا؟ قَالَتْ: مَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي كُنْتُ أَرْعَى غَنَمًا لِأَهْلِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِالْمَدِينَةِ، فَغَشِيَنِي شَيْءٌ كَهَيْئَةِ الظُّلَّةِ فَحَبَلْتُ مِنْهُ فَوَلَدْتُ هَذَا. انْتَهَى. تَعْنِي أَنَّ أَبَاهُ مِنَ الْجِنِّ، وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(تَنْبِيهٌ)
عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ - أَعْنِي أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ - عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵃ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ كَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ. قَالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي عُلَمَائِنَا: قَدِ اتَّفَقَ عَلَى بَيْعَةِ عَلِيٍّ ﵁ عَامَّةُ مَنْ حَضَرَ الْمَدِينَةَ مِنَ الْبَدْرِيِّينَ وَالْأَنْصَارِ كَاجْتِمَاعٍ أَهْلِ السَّقِيفَةِ عَلَى بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ ﵁. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵁:
стр. 797
وَاللَّهِ مَا كَانَتْ بَيْعَةُ عَلِيٍّ ﵁ إِلَّا كَبَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵃. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ مِنْ عُلَمَائِنَا: كَانَتْ بَيْعَةُ عَلِيٍّ ﵁ (بَيْعَةَ) اجْتِمَاعٍ وَرَحْمَةٍ لَمْ يَدْعُ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يُجْبِرْهُمْ عَلَى بَيْعَتِهِ بِسَيْفِهِ، وَلَمْ يَغْلِبْهُمْ بِعَشِيرَتِهِ، وَلَقَدْ شَرَّفَ الْخِلَافَةَ بِنَفْسِهِ، وَزَانَهَا بِشَرَفِهِ وَكَسَاهَا حُلَّةَ الْبَهَاءِ بِعَدْلِهِ، وَرَفَعَهَا بِعُلُوِّ قَدْرِهِ، وَلَقَدْ أَبَاهَا فَأَجْبَرُوهُ وَتَقَاعَسَ عَنْهَا فَأَكْرَهُوهُ. وَقَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: إِنَّ عَلِيًّا رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ تُزِنْهُ الْخِلَافَةُ وَلَكِنْ عَلِيٌّ زَانَهَا.
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ قَالَ: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ حِينَ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ فَقَالَ: وَاللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ زَيَّنْتَ الْخِلَافَةَ وَمَا زَانَتْكَ، وَرَفَعْتَهَا وَمَا رَفَعَتْكَ، وَلَهِي كَانَتْ أَحْوَجُ إِلَيْكَ مِنْكَ إِلَيْهَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: قَدْ أَحْسَنَ الْأَعْرَابِيُّ وَصَدَقَ فِيمَا قَالَ، فَإِنَّ عَلِيًّا وَمَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ ﵃ زَيَّنُوا الْخِلَافَةَ وَجَمَّلُوا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَأَتَمُّوا الدِّينَ وَأَظْهَرُوهُ وَأَسَّسُوا الْإِسْلَامَ وَأَشْهَرُوهُ، وَأَنْشَدَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ فِي حَقِّ عَلِيٍّ ﵁: مَا زَانَهُ الْمُلْكُ إِذْ حَوَاهُ بَلْ كُلُّ شَيْءٍ بِهِ يُزَانُ جَرَى فَفَاتَ الْمُلُوكَ سَبْقًا فَلَيْسَ قُدَّامَهُ غِيَانُ نَالَتْ يَدَاهُ ذُرَى مَعَالٍ يَعْجِزُ عَنْ مِثْلِهَا الْعِيَانُ
وَفِي شَرْحِ الْمَقَاصِدِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ انْعَقَدَ عَلَى بَيْعَةِ عَلِيٍّ ﵁ الْإِجْمَاعُ، وَوَجْهُ انْعِقَادِهِ مَا انْحَصَرَ الْأَمْرُ فِيهِ وَفِي عُثْمَانَ زَمَنَ الشُّورَى عَلَى أَنَّهَا لَهُ أَوْ لِعُثْمَانَ، وَهَذَا إِجْمَاعٌ عَلَى عَلِيٍّ ﵁ لَوْلَا عُثْمَانُ فَلَمَّا تُوُفِّيَ عُثْمَانُ ﵁ بَقِيَتْ لِعَلِيٍّ إِجْمَاعًا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ بَعْضُ مُحَقِّقِي عُلَمَاءِ الْكَلَامِ: لَا اكْتِرَاثَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: لَا إِجْمَاعَ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ ﵁، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ هَذَا الْمَقَامُ، وَاللَّهُ وَلِيُّ الْإِنْعَامِ.
وَلَمَّا قَتَلَ عَلِيٌّ ﵁ الْخَوَارِجَ بِالنَّهْرَوَانِ وَاسْتَأْصَلَ جُمْهُورَهُمْ وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، انْتَدَبَ مِنْ بَقَايَاهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيُّ، وَالْحَجَّاجُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّرِيمِيُّ وَيُعْرَفُ بِالْبَرْكِ، وَدَاذَوَيْهِ مَوْلَى بَنِي الْعَنْبَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ، فَأَجْمَعُوا رَأْيَهُمْ عَلَى قَتْلِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَأَنْ يَكُونَ قَتْلُهُمْ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ لَيْلَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ إِحْدَى
стр. 798
عَشَرَ، وَقِيلَ: لَيْلَةُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَانَ تَعَاقُدُهُمْ وَتَعَاهُدُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةَ، فَضِمْنَ ابْنُ مُلْجَمٍ قَتْلَ عَلِيٍّ، فَقِيلَ لَهُ: وَكَيْفَ لَكَ بِذَلِكَ؟ قَالَ: أَغْتَالُهُ. وَضَمِنَ الْبَرْكُ قَتْلَ مُعَاوِيَةَ، وَضَمِنَ دَاذَوَيْهِ قَتْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَزَعَمُوا أَنَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ قَدْ أَفْسَدُوا أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَوْ قَتَلُوا لَعَادَ الْأَمْرُ إِلَى مُسْتَحِقِّيهِ كَذَا زَعَمُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَتَوَجَّهَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِلَى صَاحِبِهِ، فَأَمَّا الْبَرْكُ الصَّرِيمِيُّ فَقَدِمَ عَلَى مُعَاوِيَةَ بِدِمَشْقَ فَضَرَبَهُ فَجَرَحَ أَلْيَتَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ قَطَعَ عِرْقَ النَّسْلِ مِنْهُ فَمَا أَحَبْلَ النِّسَاءَ بَعْدَ تِلْكَ الضَّرْبَةِ، وَأَمَّا دَاذَوَيْهِ بْنُ حُذَافَةَ الْعَنْبَرِيُّ فَقَدِمَ مِصْرَ لِقَتْلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَاتَّفَقَ أَنَّهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ اسْتَخْلَفَ عَلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ خَارِجَةَ بْنَ حُذَافَةَ بْنِ غَانِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيَّ الْعَدَوِيَّ، شَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ، وَكَانَ أَمِيرُ رُبْعِ الْمَدَدِ الَّذِينَ أَمَدَّ بِهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي فَتْحِ مِصْرَ، وَكَانَ عَلَى شُرَطِ مِصْرَ فِي إِمْرَةِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵃، قَالَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: كَانَ خَارِجَةُ بْنُ حُذَافَةَ هَذَا أَحَدُ فُرْسَانِ قُرَيْشٍ فَيُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ يَعْدِلُ بِأَلْفِ فَارِسٍ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَكَانَ كَتَبَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَسْتَمِدُّهُ بِثَلَاثَةِ آلَافِ فَارِسٍ فَأَمَدَّهُ بِخَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَالْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ﵃.
فَأَرَادَ الْخَارِجِيُّ دَاذَوَيْهِ قَتْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَتَلَ خَارِجَةَ بْنَ حُذَافَةَ، فَلَمَّا قَتَلَهُ الْخَارِجِيُّ أُخِذَ وَأُدْخِلَ عَلَى عَمْرٍو فَقَالَ الْخَارِجِيُّ: مَنْ هَذَا الَّذِي أَدْخَلْتُمُونِي عَلَيْهِ؟ قَالُوا: عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. قَالَ: وَمَنْ قَتَلْتُ؟ قَالُوا: خَارِجَةُ. فَقَالَ: أَرَدْتُ عَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ خَارِجَةَ. فَذَهَبَتْ مَثَلًا، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَجِيدِ بْنُ عَبْدُونَ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي قَصِيدَتِهِ الرَّائِيَةِ الَّتِي رَثَى بِهَا بَنِيَ الْأَفْطَسِ مُلُوكَ بَطْلَيُوسَ بِقَوْلِهِ:
وَلَيْتَهَا إِذْ فَدَتْ عَمْرًا بِخَارِجَةَ ... فَدَتْ عَلِيًّا بِمَنْ شَاءَتْ مِنَ الْبَشَرِ
وَأَمَّا أَشْقَى الْآخَرَيْنِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ اللَّعِينُ فَقَدِمَ الْكُوفَةَ وَلَقِيَ بِهَا مِنْ إِخْوَانِهِ الْخَوَارِجِ، فَسَارَّهُمْ بِمَا أَرَادَ فَاشْتَرَى سَيْفًا فِيمَا زَعَمُوا بِأَلْفٍ وَسَقَاهُ السُّمَّ حَتَّى لَفَظَهُ، وَكَانَ فِي خِلَالِ ذَلِكَ يَأْتِي عَلِيًّا ﵁ فَيَسْأَلُهُ
стр. 799
فَوَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى قَطَامِ بِنْتِ عَلْقَمَةَ مِنْ تَيْمِ الرِّبَابِ وَكَانَتْ خَارِجِيَّةً تَرَى رَأْيَ الْخَوَارِجِ، وَكَانَتْ جَمِيلَةً رَائِعَةً فِي الْجَمَالِ، فَأَعْجَبَتْهُ فَخَطَبَهَا فَقَالَتْ: آلَيْتُ أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ إِلَّا عَلَى مَهْرٍ لَا أُرِيدُ سِوَاهُ. فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَتْ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَعَبْدٌ وَجَارِيَةٌ وَقَتْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَتَيْتُ إِلَّا لِلْفَتْكِ بِهِ وَلَا أَقْدَمَنِي هَذَا الْمِصْرَ غَيْرُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ لَمَّا رَأَيْتُكِ أَرَدْتُ تَزْوِيجَكِ. فَقَالَتْ: لَيْسَ إِلَّا الَّذِي قُلْتُ لَكَ. فَقَالَ: وَمَا يُغْنِينِي مِنْكِ إِذَا أَنَا قَتَلْتُ عَلِيًّا أَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أُفْلِتْ؟ فَقَالَتْ: إِنْ قَتَلْتَهُ وَنَجَوْتَ فَهُوَ الَّذِي أَرَدْتَ تَبْلُغُ شِفَاءَ نَفْسِكَ وَيُهْنِيكَ الْعَيْشُ مَعِي، وَإِنْ قُتِلْتَ فَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا. فَقَالَ لَهَا: لَكِ مَا اشْتَرَطْتِ. ثُمَّ قَالَ - لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَعَبْدٌ وَقَيْنَةٌ ... وَضَرْبُ عَلِيٍّ بِالْحُسَامِ الْمُسَمَّمِ
فَلَا مَهْرَ أَغْلَى مِنْ عَلِيٍّ وَإِنْ غَلَا ... وَلَا فَتْكَ إِلَّا دُونَ فَتْكِ ابْنِ مُلْجَمِ
فَقَالَتْ لَهُ: وَرَائِي مَنْ يَشُدُّ ظَهْرَكَ. فَبَعَثَتْ إِلَى ابْنِ عَمٍّ لَهَا يُدْعَى وَرْدَانَ بْنَ مُجَالِدٍ، فَأَجَابَهَا وَلَقِيَ ابْنُ مُلْجَمٍ شَبِيبَ بْنَ شَجَرَةَ الْأَشْجَعِيَّ فَقَالَ: يَا شَبِيبُ هَلْ لَكَ فِي شَرَفِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: تُسَاعِدُنِي عَلَى قَتْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِدًّا كَيْفَ تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: إِنَّهُ رَجُلٌ لَا حَرَسَ لَهُ وَيَخْرُجُ إِلَى الْمَسْجِدِ مُنْفَرِدًا، فَنَتَمَكَّنُ مِنْهُ وَقَدْ كَمِنَّا لَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَنَقْتُلُهُ، فَإِنْ نَجَوْنَا نَجَوْنَا وَإِنْ قُتِلْنَا فَقَدْ سَعِدْنَا بِالذِّكْرِ فِي الدُّنْيَا وَبِالْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ. فَقَالَ: وَيْلَكَ إِنَّ عَلِيًّا ذُو سَابِقَةٍ فِي الْإِسْلَامِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا تَنْشَرِحُ نَفْسِي لِقَتْلِهِ. قَالَ: وَيْلَكَ إِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ وَقَتَلَ إِخْوَانَنَا الصَّالِحِينَ، فَنَقْتُلُهُ بِبَعْضِ مَنْ قَتَلَ فَلَا تَشُكَّنَّ فِي دِينِكَ.
فَأَجَابَهُ وَأَقْبَلَا حَتَّى دَخَلَا عَلَى قَطَامِ وَهِيَ مُعْتَكِفَةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ فِي قُبَّةٍ ضَرَبَتْهَا لِنَفْسِهَا، فَدَعَتْ لَهُمَا وَأَخَذَا سَيْفَيْهِمَا وَجَلَسَا قُبَالَةَ السُّدَّةِ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁، فَخَرَجَ إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَبَدَرَهُ شَبِيبٌ فَضَرَبَهُ فَأَخْطَأَهُ وَضَرَبَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَ: الْحُكْمُ لِلَّهِ يَا عَلِيُّ لَا لَكَ وَلَا لِأَصْحَابِكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَا يَفِرُّ مِنْكُمُ الْكَلْبُ. وَشَدَّ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَحَمَلَ عَلَيْهِمُ ابْنُ مُلْجَمٍ فَأَفْرَجُوا لَهُ فَتَلَقَّاهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ
стр. 800
فَرَمَى عَلَيْهِ قَطِيفَةً كَانَتْ عِنْدَهُ وَاحْتَمَلَهُ وَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ وَقَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ، وَأَمَّا شَبِيبٌ فَانْتَزَعَ السَّيْفَ مِنْ يَدِهِ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ وَصَرَعَهُ وَقَعَدَ عَلَى صَدْرِهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَصِيحُونَ: عَلَيْكُمْ بِصَاحِبِ السَّيْفِ فَخَافَ الْحَضْرَمِيُّ عَلَى نَفْسِهِ فَرَمَى بِالسَّيْفِ وَانْسَلَّ شَبِيبٌ مِنْ بَيْنِ النَّاسِ. فَأُخِذَ ابْنُ مُلْجَمٍ فَدُخِلَ بِهِ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ: إِنْ أَعِشْ فَالْأَمْرُ لِي وَإِنْ أَمُتْ فَالْأَمْرُ لَكُمْ فَالْعَفْوُ أَوِ الْقِصَاصُ.
وَاجْتَمَعَ الْأَطِبَّاءُ عِنْدَهُ وَكَانَ أَبْصَرَهُمْ بِالطِّبِّ أَثِيرُ بْنُ عَمْرٍو السَّكُونِيُّ وَكَانَ مِنْ أَطِبَّاءِ كِسْرَى، فَأَخَذَ رِئَةَ شَاةٍ حَارَّةٍ فَتَتَبَّعَ عِرْقًا مِنْهَا فَأَخْرَجَهُ فَأَدْخَلَهُ فِي جِرَاحَةِ عَلِيٍّ ﵁ ثُمَّ نَفَخَ الْعِرْقَ فَاسْتَخْرَجَهُ، فَإِذَا عَلَيْهِ بَيَاضُ دِمَاغٍ وَإِذَا الضَّرْبَةُ قَدْ وَصَلَتْ إِلَى أُمِّ رَأْسِهِ، فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اعْهَدْ عَهْدَكَ فَأَنْتَ مَيِّتٌ. وَسَمِعَ ابْنُ مُلْجَمٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ - الرَّنَّةَ مِنَ الدَّارِ فَقَالَ لَهُ مَنْ حَضَرَهُ: أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ إِنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵁. فَقَالَ ابْنُ مُلْجَمٍ: فَعَلَى مَنْ تَبْكِي أُمُّ كُلْثُومٍ؟ أَعَلَيَّ؟ أَمَا وَاللَّهِ لَقَدِ اشْتَرَيْتُ سَيْفِي بِأَلْفٍ وَمَا زِلْتُ أَعْرِضُهُ فَمَا يَعِيبُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْلَحْتُ ذَلِكَ الْعَيْبَ، وَلَقَدْ سَقَيْتُهُ السُّمَّ حَتَّى لَفَظَهُ، وَلَقَدْ ضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ عَلَى مَنْ بِالْمَشْرِقِ لَأَتَتْ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَاتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِتِسْعَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ، وَغَسَّلَهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ﵃ وَصَلَّى عَلَيْهِ الْحَسَنُ وَدُفِنَ بِدَارِ الْإِمَارَةِ بِالْكُوفَةِ، ثُمَّ أُحْضِرَ ابْنُ مُلْجَمٍ وَجَاءَ النَّاسُ بِالنِّفْطِ وَالْبَوَارِي وَقُطِعَتْ يَدَاهُ وَرِجْلَاهُ وَكُحِّلَتْ عَيْنَاهُ بِمَسَامِيرِ الْحَدِيدِ مُحْمَاةً، ثُمَّ قُطِعَ لِسَانُهُ ثُمَّ أُحْرِقَ فِي قَوْصَرَةٍ، وَقِيلَ إِنَّهُ قُطِعَتْ أَطْرَافُهُ - لَعَنَهُ اللَّهُ - وَلَمْ يَتَأَوَّهْ بَلْ (كَانَ) يَتْلُو الْقُرْآنَ فَلَمَّا أَرَادُوا قَطْعَ لِسَانِهِ امْتَنَعَ مِنْ إِخْرَاجِهِ فَتَعِبُوا فِي ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: قُطِعَتْ يَدَاكَ وَرِجْلَاكَ فَمَا تَمَانَعْتَ، فَمَا هَذَا التَّمَانُعُ عِنْدَ قَطْعِ لِسَانِكَ؟ قَالَ: لِئَلَّا يَفُوتَنِي مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ وَأَنَا حَيٌّ، فَشَقُّوا شِدْقَهُ وَأَخْرَجُوا لِسَانَهُ بِكُلَّابٍ فَقَطَعُوهُ.
وَكَانَ عُمْرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا مَاتَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، كَعُمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَمَّا بَلَغَ عَائِشَةَ ﵂ مَوْتُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ
стр. 801
اللَّهُ عَنْهُ - قَالَتْ: لِتَصْنَعِ الْعَرَبُ مَا شَاءَتْ بَعْدَهُ فَلَيْسَ لَهَا مَنْ يَنْهَاهَا. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ قَدْ قَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ وَكَانَ مِنَ الْعُبَّادِ الْمَعْدُودِينَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، حَتَّى يُقَالُ إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى بَعْضِ عُمَّالِهِ أَنْ يُوَسِّعَ دَارَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجَمٍ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ الْفِقْهَ وَالْقُرْآنَ، ثُمَّ كَانَ مِنْ شِيعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ وَشَهِدَ مَعَهُ صِفِّينَ، ثُمَّ فَعَلَ بَعْدَ هَذَا مَا فَعَلَ فَنَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ فِي عَافِيَةٍ.
وَعِنْدَ الْخَوَارِجِ أَنَّ ابْنَ مُلْجَمٍ أَفْضَلُ الْأُمَّةِ وَكَذَلِكَ النَّصِيرِيَّةُ يُعَظِّمُونَهُ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: يَقُولُونَ إِنَّهُ أَفْضَلُ أَهْلِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ خَلَّصَ رُوحَ اللَّاهُوتِ مِنْ ظُلْمَةِ الْجَسَدِ وَكَدَرِهِ. وَعِنْدَ الرَّوَافِضِ أَنَّهُ أَشْقَى الْخَلْقِ فِي الْآخِرَةِ. قُلْتُ: وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ اسْتَحَلَّ قَتْلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بَلْ عَدَّ قَتْلَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ، وَهَذَا كُفْرٌ بِلَا رَيْبٍ حَتَّى إِنَّ عِمْرَانَ بْنَ حِطَّانَ الْخَارِجِيَّ - قَبَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ يَمْدَحُ ابْنَ مُلْجَمٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ -:
يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا ... إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا
إِنِّي لَأَذْكُرُهُ يَوْمًا فَأَحْسَبُهُ ... أَوْفَى الْبَرِيَّةِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا
وَعَارَضَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ:
قُلْ لِابْنِ مُلْجِمِ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ ... هَدَمْتَ وَيْلَكَ لِلْإِسْلَامِ أَرْكَانَا
قَتَلْتَ أَفْضَلَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ ... وَأَوَّلَ النَّاسِ اسْلَامًا وَإِيمَانَا
وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِالْإِيمَانِ ثُمَّ ... بِمَا سَنَّ الرَّسُولُ لَنَا شَرْعًا وَتِبْيَانَا
صِهْرُ النَّبِيِّ وَمَوْلَاهُ وَنَاصِرُهُ ... أَضْحَتْ مَنَاقِبُهُ نُورًا وَبُرْهَانَا
وَكَانَ مِنْهُ عَلَى رَغْمِ الْحَسُودِ لَهُ ... مَكَانُ هَارُونَ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَا
стр. 802
وَكَانَ فِي الْحَرْبِ سَيْفًا مَاضِيًا ذَكَرَا
لَيْثًا إِذَا لَقِيَ الْأَقْرَانُ أَقْرَانَا ... ذَكَرْتُ قَاتِلَهُ وَالدَّمْعُ مُنْحَدِرٌ
فَقُلْتُ سُبْحَانَ رَبِّ الْعَرْشِ سُبْحَانَا ... إِنِّي لَأَحْسَبُهُ مَا كَانَ مِنْ بَشَرٍ
يَخْشَى الْمَعَادَ وَلَكِنْ كَانَ شَيْطَانَا ... أَشْقَى مُرَادٍ إِذَا عُدَّتْ قَبَائِلُهَا
وَأَبْخَسُ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مِيزَانَا ... كَعَاقِرِ النَّاقَةِ الْأُولَى الَّتِي جَلَبَتْ
عَلَى ثَمُودَ بِأَرْضِ الْحُجْرِ خُسْرَانَا ... قَدْ كَانَ يُخْبِرُهُمْ أَنْ سَوْفَ يَخْضِبُهَا
قَبْلَ الْمَنِيَّةِ أَزْمَانًا وَأَزْمَانَا ... فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ مَا تَحَمَّلَهُ
وَلَا سَقَى قَبْرَ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَا ... لِقَوْلِهِ فِي شَقِيٍّ ظَلَّ مُجْتَرِمًا
وَنَالَ مَا نَالَهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانَا ... يَا ضَرْبَةً مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا
إِلَّا لَيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا ... بَلْ ضَرْبَةٌ مِنْ غَوِيٍّ أَوْرَثَتْهُ لَظًى
فَسَوْفَ يَلْقَى بِهَا الرَّحْمَنَ غَضْبَانَا ... كَأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ قَصْدًا بِضَرْبَتِهِ
إِلَّا لِيَصْلَى عَذَابَ الْخُلْدِ نِيرَانَا
وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ عُمَارَةُ الْيَمَنِيُّ فِي الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ﵃:
أَرْدَتْ عَلِيًّا وَعُثْمَانًا بِمَخْلَبِهَا ... وَلَمْ يَفُتْهَا أَبُو بَكْرٍ وَلَا عُمَرُ
وَمَنْ أَرَادَ التَّأَسِّي فِي مُصِيبَتِهِ ... فَلِلْوَرَى فِي رَسُولِ اللَّهِ مُعْتَبَرُ
стр. 803
وَاعْلَمْ أَنَّ مَنَاقِبَ عَلِيٍّ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ - كَثِيرَةٌ وَمَآثِرُهُ شَهِيرَةٌ، وَلَقَدْ قَالَ فِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵃: كَانَ لِعَلِيٍّ ضِرْسٌ قَاطِعٌ فِي الْعِلْمِ، وَكَانَ لَهُ الْقِدَمُ فِي الْإِسْلَامِ، وَالصِّهْرُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْفِقْهُ فِي السُّنَّةِ، وَالنَّجْدَةُ فِي الْحَرْبِ، وَالْجُودُ فِي الْمَالِ. وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ - يَعْنِي عَلِيًّا ﵁.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَبْصِرَتِهِ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ لِضِرَارِ بْنِ ضَمْرَةَ: صِفْ لِي عَلِيًّا. قَالَ: أَوَتُعْفِينِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: بَلْ تَصِفُهُ لِي. قَالَ: أَوَتُعْفِينِي. قَالَ: لَا أُعْفِيكَ. قَالَ: أَمَّا إِذْ لَا بُدَّ فَإِنَّهُ وَاللَّهِ كَانَ بَعِيدَ الْمَدَى، شَدِيدَ الْقُوَى، يَقُولُ فَصْلًا، وَيَحْكُمُ عَدْلًا، يَتَفَجَّرُ الْعِلْمُ مِنْ جَوَانِبِهِ، وَتَنْطِقُ الْحِكْمَةُ مِنْ نَوَاحِيهِ، يَسْتَوْحِشُ مِنَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتِهَا، وَيَسْتَأْنِسُ بِاللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ، كَانَ وَاللَّهِ غَزِيرَ الدَّمْعَةِ، طَوِيلَ الْفِكْرَةِ، يُقَلِّبُ كَفَّهُ، وَيُخَاطِبُ نَفْسَهُ، يُعْجِبُهُ مِنَ اللِّبَاسِ مَا خَشُنَ، وَمِنَ الطَّعَامِ مَا جَشَبَ، كَانَ وَاللَّهِ كَأَحَدِنَا يُجِيبُنَا إِذَا سَأَلْنَاهُ، وَيَبْتَدِئُنَا إِذَا أَتَيْنَاهُ، وَيَأْتِينَا إِذَا دَعَوْنَاهُ، وَنَحْنُ وَاللَّهِ مَعَ تَقْرِيبِهِ لَنَا وَقُرْبِهِ مِنَّا لَا نُكَلِّمُهُ هَيْبَةً وَلَا نَبْتَدِئُهُ لِعَظَمَتِهِ، كَانَ إِذَا تَبَسَّمَ فَعَنْ مِثْلِ اللُّؤْلُؤِ الْمَنْظُومِ، يُعَظِّمُ أَهْلَ الدِّينِ، وَيُحِبُّ الْمَسَاكِينَ، لَا يَطْمَعُ الْقَوِيُّ فِي بَاطِلِهِ، وَلَا يَيْأَسُ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِهِ، فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَرَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ مَوَاقِفِهِ وَقَدْ أَرْخَى اللَّيْلُ سُجُوفَهُ، وَغَارَتْ نُجُومُهُ، وَقَدْ مَثَلَ فِي مِحْرَابِهِ قَابِضًا عَلَى لِحْيَتِهِ، يَتَمَلْمَلُ تَمَلْمُلَ السَّلِيمِ، وَيَبْكِي بُكَاءَ الْحَزِينِ، فَلَكَأَنِّي أَسْمَعُهُ وَهُوَ يَقُولُ: يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا أَلِي تَعَرَّضْتِ؟ أَمْ لِي تَشَوَّفْتِ؟ هَيْهَاتَ، غُرِّي غَيْرِي، قَدْ بِنْتُكِ ثَلَاثًا لَا رَجْعَةَ لِي فِيكِ وَلَا مَثْنَوِيَّةَ، فَعُمْرُكِ قَصِيرٌ، وَعَيْشُكِ حَقِيرٌ، وَخَطَرُكِ كَبِيرٌ، وَيُرْوَى أَنَّهُ قَالَ: حَلَالُكِ حِسَابٌ وَحَرَامُكِ عَذَابٌ، ثُمَّ أَنْشَدَ ﵁:
دُنْيَا تُخَادِعُنِي كَأَنِّ ... ي لَسْتُ أَعْرِفُ حَالَهَا
مَدَّتْ إِلَيَّ يَمِينَهَا ... فَرَدَدْتُهَا وَشِمَالَهَا
حَظَرَ الْإِلَهُ حَرَامَهَا ... وَأَنَا اجْتَنَبْتُ حَلَالَهَا
وَعَلِمْتُهَا خَدَّاعَةً ... فَتَرَكْتُ جُمْلَتَهَا لَهَا
آهِ مِنْ قِلَّةِ الزَّادِ وَبُعْدِ السَّفَرِ وَوَحْشَةِ الطَّرِيقِ.
قَالَ: فَذَرَفَتْ دُمُوعُ مُعَاوِيَةَ
стр. 804
فَمَا يَمْلِكُهَا وَهُوَ يُنَشِّفُهَا بِكُمِّهِ وَقَدِ اخْتَنَقَ الْقَوْمُ بِالْبُكَاءِ، ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا الْحَسَنِ كَانَ وَاللَّهِ كَذَلِكَ فَكَيْفَ حُزْنُكَ عَلَيْهِ يَا ضِرَارُ؟ قَالَ: حُزْنُ مَنْ ذُبِحَ وَلَدُهَا فِي حِجْرِهَا فَلَا تَرْقَأُ عَبْرَتُهَا، وَلَا تَسْكُنُ حَسْرَتُهَا. وَأَنْشَدَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّبْصِرَةِ مِنْ نَظْمِ الْإِمَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ وَوَصْفِ نَفْسِهِ:
إِذَا الْمُشْكِلَاتُ تَصَدَّيْنَ لِي ... كَشَفْتُ حَقَائِقَهَا بِالنَّظَرْ
وَإِنْ بَرَقَتْ فِي مَحَلِّ الصَّوَا ... بِ عَمْيَاءُ لَا يَجْتَلِيهَا الْبَصَرْ
مُقَنَّعَةٌ بِغُيُوبِ الْأُمُورِ ... وَضَعْتُ عَلَيْهَا صَحِيحَ الْفِكَرْ
لِسَانِي كَشَقْشَقَةِ الْأَرْحَبِيِّ ... أَوْ كَالْحُسَامِ الْيَمَانِيِّ الذَّكَرْ
وَفِي الطُّيُورِيَّاتِ قَالَ رَجُلٌ لِعَلِيٍّ ﵁: نَسْمَعُكَ تَقُولُ فِي الْخُطْبَةِ: اللَّهُمَّ أَصْلِحْنَا بِمَا أَصْلَحْتَ بِهِ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، فَمَنْ هُمْ؟ فَاغْرَوْرَقَتْ عَيْنَاهُ قَالَ: هُمْ أَحِبَّائِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ إِمَامَا الْهُدَى وَشَيْخَا الْإِسْلَامِ، رَجُلَا قُرَيْشٍ وَالْمُقْتَدَى بِهِمَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَنِ اقْتَدَى بِهِمَا عُصِمَ، وَمَنِ اتَّبَعَ آثَارَهُمَا هُدِيَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِمَا فَهُوَ فِي حِزْبِ اللَّهِ.
وَالْإِمَامُ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ﵁ أَوَّلُ مَنْ وَضَعَ عِلْمَ النَّحْوِ، قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيِّ فِي أَمَالِيهِ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَرَأَيْتُهُ مُفَكِّرًا، قُلْتُ: فِيمَ تُفَكِّرُ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ بِبَلَدِكُمْ هَذَا لَحْنًا فَأَرَدْتُ أَنْ أَضَعَ كِتَابًا فِي أُصُولِ الْعَرَبِيَّةِ. فَقُلْتُ: إِنْ فَعَلْتَ هَذَا أَحْيَيْتَنَا وَبَقِيتْ فِينَا هَذِهِ اللُّغَةُ. ثُمَّ أَتَيْتُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَأَلْقَى إِلَيَّ صَحِيفَةً فِيهَا: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْكَلَامُ كُلُّهُ اسْمٌ وَفِعْلٌ وَحَرْفٌ، فَالِاسْمُ مَا أَنْبَأَ عَنِ الْمُسَمَّى، وَالْفِعْلُ مَا أَنْبَأَ عَنْ حَرَكَةِ الْمُسَمَّى، وَالْحَرْفُ مَا أَنْبَأَ عَنْ مَعْنًى لَيْسَ بِاسْمٍ وَلَا فِعْلٍ، ثُمَّ قَالَ: وَاعْلَمْ يَا أَبَا الْأَسْوَدِ أَنَّ الْأَشْيَاءَ ثَلَاثَةٌ: ظَاهِرٌ وَمُضْمَرٌ وَشَيْءٌ لَيْسَ بِظَاهِرٍ وَلَا مُضْمَرٍ، ثُمَّ قَالَ: تَتَبَّعْهُ وَانْحُ نَحْوَهُ وَزِدْ فِيهِ. وَهَذَا مَشْهُورٌ وَمَا تُحِيطُ الدَّفَاتِرُ بِالْبَحْرِ الْخِضَمِّ، وَالشَّيْءِ الْأَعَمِّ وَالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ، فَكُلُّ مَا ذَكَرْنَاهُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا تَرَكْنَاهُ كَقَطْرَةِ مَاءٍ مِنْ بَحْرٍ لُجِّيٍّ، أَوْ كَرَمْلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ رِمَالٍ فَيْحَةٍ.
وَرُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
стр. 805
وَسَلَّمَ - خَمْسُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، اتَّفَقَا مِنْهَا عَلَى عِشْرِينَ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِتِسْعَةٍ وَمُسْلِمٌ بِخَمْسَةَ عَشَرَ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ.
[مَنْ أَحَب الخلفاء الأربعة فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ أَبْغَضَهُم فَهُوَ زِنْدِيقٌ]
ثُمَّ قَالَ فِي نَظْمِهِ:
((فَحُبُّهُ كَحُبِّهِمْ حَتْمًا وَجَبْ ... وَمَنْ تَعَدَّى أَوْ قَلَى فَقَدْ كَذَبْ))
((فَحُبُّهُ)) أَيْ حُبُّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، ((كَحُبِّهِمْ)) أَيِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ الْإِمَامِ الْمُبَجَّلِ عَلَى التَّحْقِيقِ الْمُسَمَّى بِعَبْدِ اللَّهِ وَالْمُلَقَّبِ بِعَتِيقٍ، فَمَنْ أَحَبَّهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ أَبْغَضَهُ فَهُوَ زِنْدِيقٌ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْمُلَقَّبُ بِالْفَارُوقِ، وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الَّذِي بِكُلِّ مَكْرُمَةٍ مَرْمُوقٌ، فَإِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فَأَحِبَّهُمْ جَمِيعًا وَحَتِّمْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِكَ وَعَلَى كُلِّ أَبْنَاءِ جِنْسِكَ.
((حَتْمًا)) أَيْ خَالِصًا مُحْكَمَ الْأَمْرِ، ((وَجَبَ)) عَلَى جَمِيعِ الْأُمَّةِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ لَا يَزُوغُ عَنْ حُبِّهِمْ إِلَّا هَالِكٌ، وَلَا يَرُوغُ عَنْ وُجُوبٍ ذَلِكَ إِلَّا آفِكٌ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: ((وَمَنْ)) أَيْ مُكَلَّفٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، ((تَعَدَّى)) فِي حُبِّهِ أَوْ لَمْ يَقُلْ بِفَضْلِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ عَلَى تَرْتِيبِ الْخِلَافَةِ ((أَوْ قَلَى)) هُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْهُمْ أَيْ أَبْغَضَهُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْهُمْ، يُقَالُ: قَلَاهُ كَرَمَاهُ رَفَضَهُ قِلًى وَقِلَاءً إِذَا أَبْغَضَهُ وَكَرِهَهُ غَايَةَ الْكَرَاهَةِ وَتَرَكَهُ وَهَجَرَهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْمُظَفَّرِ عَوْنُ الدِّينِ بْنُ هُبَيْرَةَ: الْقِلَى بُغْضٌ بَعْدَ حُبٍّ، ((فَقَدَ)) الْفَاءُ فِي جَوَابِ مَنْ وَقَدْ حَرْفُ تَحْقِيقٍ، ((كَذَبَ)) فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخَصْلَتَيْنِ مِنْ تَعَدِّيهِ فِي الْحُبِّ أَوْ بُغْضِهِ لَهُمْ أَوْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ ﵃ أَجْمَعِينَ -.
(تَنْبِيهَاتٌ)
(الْأَوَّلُ) اعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ اعْتِقَادُهُ أَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ الْأَرْبَعَةُ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ ﵃، فَهُمُ الَّذِينَ وُلُّوا الْخِلَافَةَ الَّتِي هِيَ النِّيَابَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي عُمُومِ مَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ إِقَامَةِ الدِّينِ وَصِيَانَةِ الْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ يَجِبُ عَلَى كَافَّةِ الْخَلْقِ الِاتِّبَاعُ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الْمُخَالَفَةُ، وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ مُدَّةَ الْخِلَافَةِ بَعْدَهُ بِأَنَّهَا ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا عَضُوضًا، فَكَانَتْ مُدَّةُ خِلَافَتِهِمْ، فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ ﵁ -
стр. 806
مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ عَامًا ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ الْمُلْكُ» ". وَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الثَّلَاثِينَ بَعْدَهُ ﷺ إِلَّا الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ وَأَيَّامُ الْحَسَنِ ﵃.
وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنَّ أَوَّلَ دِينِكُمْ نُبُوَّةٌ وَرَحْمَةٌ ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً ثُمَّ يَكُونُ مُلْكًا وَجَبْرِيَّةً» ". فَثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ مُدَّةَ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ خِلَافَةٌ وَرَحْمَةٌ، وَكَذَا مُدَّةُ سَيِّدِنَا الْحَسَنِ ﵁ وَكَانَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَأَيَّامًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
(الثَّانِي) تَرْتِيبُهُمْ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْخِلَافَةِ وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ السُّنَنِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَالْكَلَامِ مِنَ الْأَثَرِيَّةِ وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَالْمَاتُرِيدِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: عَلِيٌّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - رَابِعُهُمْ فِي الْخِلَافَةِ وَالتَّفْضِيلِ. وَقَالَ: مَنْ فَضَّلَ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَوْ قَدَّمَهُ عَلَيْهِمَا فِي الْأَفْضَلِيَّةِ وَالْإِمَامَةِ دُونَ النَّسَبِ فَهُوَ رَافِضِيٌّ مُبْتَدِعٌ فَاسِقٌ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: فَإِنْ فَضَّلَهُ - يَعْنِي عَلِيًّا ﵁ عَلَى عُثْمَانَ ﵁ فَكَذَلِكَ، يَعْنِي أَنَّهُ يَكُونُ رَافِضِيًّا مُبْتَدِعًا فَاسِقًا، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَا يَكُونُ رَافِضِيًّا مُبْتَدِعًا بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ ﵄، وَتَبَرَّأَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ مِمَّنْ ضَلَّلَهُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْهُمُ اهـ.
(الثَّالِثُ) اعْلَمْ أَنَّ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ عُظَمَاءُ الْمِلَّةِ وَعُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَرُؤَسَاءُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا ﷺ الصِّدِّيقُ الْأَعْظَمُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ، ثُمَّ عُمَرُ الْفَارُوقُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵄، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَالْأَكْثَرُونَ وَمِنْهُمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵃ أَنَّ الْأَفْضَلَ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵄، وَجَزَمَ الْكُوفِيُّونَ وَمِنْهُمْ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ عَلَى عُثْمَانَ، وَقِيلَ بِالْوَقْفِ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمَا، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ فَقَدْ حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَارِزِيُّ عَنِ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مَالِكًا
стр. 807
سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ؟ فَقَالَ: أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ. ثُمَّ قَالَ: أَوَفِي ذَلِكَ شَكٌّ؟ فَقِيلَ لَهُ: وَعَلِيٌّ وَعُثْمَانُ؟ فَقَالَ: مَا أَدْرَكْتُ أَحَدًا مِمَّنْ أَقْتَدِي بِهِ يُفَضِّلُ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ. انْتَهَى.
وَقَوْلُهُ: أَوَفِي ذَلِكَ شَكٌّ؟ يُرِيدُ مَا سَنُحَرِّرُهُ أَنَّ تَفْضِيلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى بَقِيَّةِ الْأُمَّةِ قَطْعِيٌّ، نَعَمْ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ التَّوَقُّفِ إِلَى تَفْضِيلِ عُثْمَانَ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَقَدْ نَقَلَ التَّوَقُّفَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنْهُمُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَابْنُ مَعِينٍ، قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَمَنْ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَعَرَفَ لِعَلِيٍّ سَابِقَتَهُ وَفَضْلَهُ فَهُوَ صَاحِبُ سُنَّةٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى عُثْمَانَ وَلَمْ يَعْرِفْ لِعَلِيٍّ فَضْلَهُ فَهُوَ مَذْمُومٌ، وَمِنْ ثَمَّ يَعْلَمُ أَنَّ حِكَايَةَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ عُثْمَانَ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ ﵄ مَدْخُولٌ بَلِ الْخِلَافُ مَعْلُومٌ، نَعَمْ مُعْتَمَدُ مُحَقِّقِي أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ فِي تَرْتِيبِ الْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى نَسَقِ تَرْتِيبِ الْخِلَافَةِ، وَهَذَا مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ التَّفْضِيلَ فِي طَرَفِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ قَطْعِيٌّ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقِيلَ ظَنِّيٌّ كَمَا عِنْدَ الْبَاقِلَّانِيِّ وَغَيْرِهِ.
(الرَّابِعُ) سُئِلَ الْإِمَامُ أَبُو زُرْعَةَ الْوَلِيُّ الْعِرَاقِيُّ عَمَّنِ اعْتَقَدَ فِي الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ الْأَفْضَلِيَّةَ عَلَى التَّرْتِيبِ الْمَعْلُومِ وَلَكِنْ يُحِبُّ أَحَدَهُمْ أَكْثَرَ هَلْ يَأْثَمُ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَدْ تَكُونُ لِأَمْرٍ دِينِيٍّ وَقَدْ تَكُونُ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ، فَالْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ فَمَنْ كَانَ أَفْضَلَ كَانَتْ مَحَبَّتُنَا الدِّينِيَّةُ لَهُ أَكْثَرَ، فَمَتَى اعْتَقَدْنَا فِي وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ أَفْضَلُ ثُمَّ أَحْبَبْنَا غَيْرَهُ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ أَكْثَرَ كَانَ تَنَاقُضًا، نَعَمْ إِنْ أَحْبَبْنَا غَيْرَ الْأَفْضَلِ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّةِ الْأَفْضَلِ لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ كَقَرَابَةٍ وَإِحْسَانٍ وَنَحْوِهِ فَلَا تَنَاقُضَ فِي ذَلِكَ وَلَا امْتِنَاعَ، فَمَنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ أَفْضَلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ، لَكِنَّهُ أَحَبَّ عَلِيًّا أَكْثَرَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَثَلًا فَإِنْ كَانَتِ الْمَحَبَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَحَبَّةً دِينِيَّةً فَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ، إِذِ الْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ كَمَا قَرَّرْنَا وَهَذَا لَمْ يَعْتَرِفْ بِأَفْضَلِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا بِلِسَانِهِ، وَأَمَّا بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُفَضِّلٌ لِعَلِيٍّ لِكَوْنِهِ أَحَبَّهُ مَحَبَّةً دِينِيَّةً زَائِدَةً عَلَى مَحَبَّةِ أَبِي بَكْرٍ وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَتِ الْمَحَبَّةُ الْمَذْكُورَةُ مَحَبَّةً
стр. 808
دُنْيَوِيَّةً لِكَوْنِهِ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي فَلَا امْتِنَاعَ فِيهِ. انْتَهَى.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ الْمَحَبَّةُ الدِّينِيَّةُ لَازِمَةٌ لِلْأَفْضَلِيَّةِ عَلَى حَسَبِ زِيَادَتِهَا وَنَقْصِهَا وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
[باقي العشرة]
[طلحة بن عبيد الله]
((وَبَعْدُ فَالْأَفْضَلُ بَاقِي الْعَشَرَهْ ... فَأَهْلُ بَدْرٍ ثُمَّ أَهْلُ الشَّجَرَهْ))
((وَبَعْدُ)) أَيْ بَعْدَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، ((فَالْأَفْضَلُ)) مِنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ الْمُكْرَمِينَ، ((بَاقِي الْعَشَرَةِ)) الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ عَلَى لِسَانِ سَيِّدِ الْعَالَمِينَ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - وَهُمُ السِّتَّةُ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
(أَحَدُهُمْ) أَبُو مُحَمَّدٍ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ، وَأُمُّهُ الصَّعْبَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمَادٍ الْحَضْرَمِيِّ، أُخْتُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ طَلْحَةُ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا غَيْرَ بَدْرٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَنْفَذَهُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ يَتَعَرَّفَانِ خَبَرَ الْعِيرِ الَّتِي كَانَتْ لِقُرَيْشٍ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، فَعَادَا يَوْمَ اللِّقَاءِ بِبَدْرٍ، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وَوَقَاهُ بِيَدِهِ فَشَلَّتْ إِصْبَعُهُ، وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ جِرَاحَةً، وَقِيلَ: كَانَتْ فِيهِ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ كَمَا فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، وَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ طَلْحَةَ الْخَيْرِ، وَسَمَّاهُ يَوْمَ غَزْوَةِ ذَاتِ الْعَشِيرَةِ طَلْحَةَ الْفَيَّاضُ، وَيَوْمَ حُنَيْنٍ طَلْحَةَ الْجُودِ.
وَكَانَ آدَمَ كَثِيرَ الشَّعْرِ لَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ، حَسَنَ الْوَجْهِ دَقِيقَ الْعِرْنِينِ، لَا يُغَيِّرُ شَعْرَهُ. قُتِلَ ﵁ يَوْمَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِعِشْرِينَ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَيُقَالُ إِنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ قَتَلَهُ وَقِيلَ: أَصَابَهُ سَهْمٌ فِي حَلْقِهِ، وَدُفِنَ بِالْبَصْرَةِ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ: اثْنَتَانِ وَسِتُّونَ، يَلْتَقِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ، وَرُوِيَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ سَبْعَةٌ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا حَدِيثَانِ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِحَدِيثَيْنِ وَمُسْلِمٌ بِثَلَاثَةٍ، وَرَوَى عَنْهُ السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ،
стр. 809
وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيُّ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ، وَغَيْرُهُمْ.
[الزبير بن العوام]
(الثَّانِي) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ، وَأُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵂ عَمَّةُ الرَّسُولِ ﷺ أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ هُوَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵃ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، فَعَذَّبَهُ عَمُّهُ بِالدُّخَانِ لِيَتْرُكَ الْإِسْلَامَ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَهَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَلَّ السَّيْفَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَثَبَتَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ أَبْيَضَ طَوِيلًا، وَيُقَالُ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ يَمِيلُ إِلَى الْخِفَّةِ فِي اللَّحْمِ، وَيُقَالُ: كَانَ أَسْمَرَ خَفِيفَ الْعَارِضَيْنِ، قَتَلَهُ عُمَيْرُ بْنُ جُرْمُوزٍ بِسَفَوَانَ مِنْ أَرْضِ الْبَصْرَةِ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً، وَدُفِنَ بِوَادِي السِّبَاعِ، ثُمَّ حُوِّلَ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَقَبْرُهُ بِهَا مَشْهُورٌ، يَجْتَمِعُ نَسَبُهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُصَيٍّ، رُوِيَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ تِسْعَةٌ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا حَدِيثَانِ، وَبَاقِيهَا لِلْبُخَارِيِّ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ وَغَيْرُهُمَا، وَهُوَ أَحَدُ الشُّجْعَانِ الْمَشْهُورَةِ، وَحَوَارِيُّ الرَّسُولِ ﷺ .
[سعد بن أبي وقاص]
(الثَّالِثُ) أَبُو إِسْحَاقَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنُ وُهَيْبٍ، وَيُقَالُ: أُهَيْبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ، وَأُمُّهُ حَمْنَةُ بِنْتُ سُفْيَانَ، وَقِيلَ: بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، أَسْلَمَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ وَهُوَ ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَقَالَ: كُنْتُ ثَالِثًا فِي الْإِسْلَامِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ قَصِيرًا غَلِيظًا ذَا هَامَةٍ، شَثْنَ الْأَصَابِعِ، آدَمَ، أَفْطَسَ، أَشْعَرَ الْجَسَدِ، وَفَدَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ بِأَبَوَيْهِ أَيْ قَالَ لَهُ: " ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي ". مَاتَ ﵁ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ عَلَى رِقَابِ الرِّجَالِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي
стр. 810
الْمَدِينَةِ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ، وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ: سَبْعٍ وَخَمْسِينَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَقِيلَ: اثْنَانِ وَثَمَانُونَ، وَهُوَ آخِرُ الْعَشَرَةِ مَوْتًا، وَكَانَ قَدِ اعْتَزَلَ الْفِتْنَةَ، وَكُفَّ بَصَرُهُ فِي آخِرِ عُمْرِهِ ﵁ وَرُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِائَتَانِ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَمَانِيَةٌ وَثَلَاثُونَ حَدِيثًا، اتَّفَقَا مِنْهَا عَلَى خَمْسَةَ عَشَرَ، وَانْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِخَمْسَةٍ وَمُسْلِمٌ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَجَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ، وَعَامِرٌ وَمُحَمَّدٌ وَمُصْعَبٌ بَنُوهُ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَابْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، وَغَيْرُهُمْ.
[سعيد بن زيد]
(الرَّابِعُ) أَبُو الْأَعْوَرِ سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَبَاقِي نَسَبِهِ مَعْرُوفٌ مِنْ نَسَبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْقُرَشِيِّ الْعَدَوِيِّ، وَأُمُّهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ بَعْجَةَ - بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْجِيمِ - ابْنِ أُمَيَّةَ مِنْ خُزَاعَةَ، أَسْلَمَ قَدِيمًا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَارَ الْأَرْقَمِ، شَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ يَطْلُبَانِ خَبَرَ عِيرِ قُرَيْشٍ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا، وَضَرَبَ الرَّسُولُ ﷺ بِسَهْمَيْهِمَا فِي الْغَنِيمَةِ وَالْأَجْرِ، كَانَ آدَمَ طَوِيلًا أَشْعَرَ، مَاتَ بِالْعَقِيقِ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، فَحُمِلَ إِلَيْهَا وَدُفِنَ بِهَا سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ وَقِيلَ: اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ، وَلَهُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَقِيلَ: مَاتَ بِالْكُوفَةِ وَدُفِنَ بِهَا، يَجْتَمِعُ مَعَ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لُؤَيٍّ، رُوِيَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ حَدِيثًا، مِنْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ثَلَاثَةٌ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا اثْنَانِ، وَالثَّالِثُ لِلْبُخَارِيِّ.
[عبد الرحمن بن عوف]
(الْخَامِسُ) أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ، كَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدُ عَمْرٍو فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ، وَأُمُّهُ الشِّفَاءُ بِنْتُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ، أَسْلَمَتْ وَهَاجَرَتْ، وَفِي الزَّهْرِ الْبَسَّامِ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ، وَيُقَالُ: الشِّفَاءُ - بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْفَاءِ - بِنْتُ عَوْفٍ، وَأَسْلَمَ هُوَ قَدِيمًا عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَتَيْنِ، وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَثَبَتَ مَعَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَصَلَّى
следующие страницы →