← Акыда

Акыда · id 8353

لوامع الأنوار البهية

السفاريني

Полный текст (921 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الْخُصُومِ عَنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ، وَصِحَّةِ النِّيَّةِ وَالِاعْتِقَادَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الْعَمَلُ فِي حَيِّزِ الْقَبُولِ، (وَثَمَرَةُ) جَمِيعِ ذَلِكَ الْفَوْزُ بِسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ، وَالظَّفَرُ بِمَا هُوَ كَمَالٌ فِي الْكَوْنَيْنِ. فَفِي الدُّنْيَا انْتِظَامُ أَمْرِ الْمَعَاشِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْعَدْلِ وَالْمُعَامَلَةِ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي إِبْقَاءِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ عَلَى وَجْهٍ لَا يُؤَدِّي إِلَى الْفَسَادِ، وَفِي الْآخِرَةِ النَّجَاةُ مِنَ الْعَذَابِ الْمُرَتَّبِ عَلَى الْكُفْرِ وَسُوءِ الِاعْتِقَادِ، (وَمَسَائِلُهُ) الْقَضَايَا النَّظَرِيَّةُ الشَّرْعِيَّةُ الِاعْتِقَادِيَّةُ، (وَاسْتِمْدَادُهُ) مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالنَّظَرِ الصَّحِيحِ. [الفائدة الثانية المقصود من ترتيب القواعد] (الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ) : مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْقَوَاعِدَ الْكَلَامِيَّةَ مَا رُتِّبَتْ هَذَا التَّرْتِيبَ، وَبُوِّبَتْ هَذَا التَّبْوِيبَ لِتُؤْخَذَ مِنْهَا الِاعْتِقَادَاتُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَالْقَوَاعِدُ الدِّينِيَّةُ، بَلِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا لَيْسَ إِلَّا دَفْعَ شُبَهِ الْخُصُومِ، وَدَحْضَ نَهْجِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ، فَإِنَّهُمْ طَعَنُوا فِي بَعْضٍ مِنْهَا بِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَبَيَّنَ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ بِأَنَّ زَعْمَهُمْ عَلَى غَايَةٍ مِنَ الْغَلَطِ وَالذُّهُولِ، فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَأْتِي بِمُحَارَاتِ الْعُقُولِ لَا بِمُحَالِهَا، ثُمَّ بَيَّنَ لَهُمْ عُلَمَاءُ السُّنَّةِ بِالْقَوَاعِدِ الْكَلَامِيَّةِ مَعْقُولِيَّةَ مَا أَنْكَرُوا، وَزَيَّفُوا عَلَيْهِمْ مِنْ بِدَعِهِمُ الْفَظِيعَةِ وَنَزَعَاتِهِمُ الشَّنِيعَةِ مَا ابْتَكَرُوا، وَإِنَّمَا أَخَذَ أَهْلُ (السُّنَّةِ) الِاعْتِقَادَاتِ، وَاعْتَمَدُوا مِنَ الْمُعْتَقَدَاتِ، عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ النُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ، وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ، وَدَرَجَ عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ، وَنَهَجَ إِلَيْهِ أَعْلَامُ الْأَئِمَّةِ، مِنَ الرَّعِيلِ الْأَوَّلِ وَمَنْ عَلَيْهِمْ دُونَ سِوَاهُمُ الْمُعَوَّلُ. [الفائدة الثالثة لمعة عن أول البدع ظهورا] (الثَّالِثَةُ) : أَوَّلُ بِدْعَةٍ ظَهَرَتْ بِدْعَةُ الْقَدَرِ، وَبِدْعَةُ الْإِرْجَاءِ، وَبِدْعَةُ التَّشَيُّعِ وَالْخَوَارِجِ، وَهَذِهِ الْبِدَعُ ظَهَرَتْ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي، وَالصَّحَابَةُ مَوْجُودُونَ، وَقَدْ أَنْكَرُوا عَلَى أَهْلِهَا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ، ثُمَّ ظَهَرَتْ بِدْعَةُ الِاعْتِزَالِ، وَلَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى النَّهْجِ الْأَوَّلِ، وَلُزُومِ ظَاهِرِ السُّنَّةِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ ﵃ إِلَى أَنْ حَدَثَتِ الْفِتَنُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْبَغْيُ عَلَى أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَظَهَرَ اخْتِلَافُ الْآرَاءِ، وَالْمَيْلُ إِلَى الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَكَثُرَتِ الْمَسَائِلُ وَالْوَاقِعِيَّاتُ، وَالرُّجُوعُ إِلَى الْعُلَمَاءِ فِي الْمُهِمَّاتِ، فَاشْتَغَلُوا بِالنَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَاسْتِنْبَاطِ النَّتَائِجِ، وَتَمْهِيدِ الْقَوَاعِدِ، وَإِنْتَاجِ الْقَضَايَا وَالْفَوَائِدِ، وَأَخَذُوا فِي

стр. 72

التَّبْوِيبِ وَالتَّفْصِيلِ، وَالتَّرْتِيبِ وَالتَّأْصِيلِ، فَأَسَّسَتْ فِرْقَةُ الْمُعْتَزِلَةِ قَوَاعِدَ الْخِلَافِ، وَنَهَجَتْ مَنْهَجَ الِانْحِرَافِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اعْتَزَلَ عَنْ مَجْلِسِ سَيِّدِ التَّابِعِينَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ رَئِيسُ الطَّائِفَةِ الْمُعْتَزِلَةِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: كَانَ النَّاسُ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْفَاسِقِ الْمِلِّيِّ، وَهُوَ أَوَّلُ خِلَافٍ حَدَثَ فِي الْمِلَّةِ، هَلْ هُوَ كَافِرٌ أَوْ مُؤْمِنٌ؟ فَقَالَتِ الْخَوَارِجُ: إِنَّهُ كَافِرٌ، وَقَالَتِ الْجَمَاعَةُ: إِنَّهُ مُؤْمِنٌ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: نَقُولُ إِنَّهُ فَاسِقٌ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، مَنْزِلَةٌ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ، وَخَلَّدُوهُ فِي النَّارِ، فَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵁: اعْتَزِلُوا عَنَّا، فَاعْتَزَلُوا حَلْقَةَ الْحَسَنِ وَأَصْحَابِهِ، فَسُمُّوا مُعْتَزِلَةً، وَسَمَّوْا هُمْ أَنْفُسَهُمْ أَصْحَابَ الْعَدْلِ وَالتَّوْحِيدِ، لِقَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ ثَوَابِ الْمُطِيعِ، وَعِقَابِ الْعَاصِي عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَنَفْيِ الصِّفَاتِ الْقَدِيمَةِ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَقَفَ عَلَى مَجْلِسِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا إِمَامُ، ظَهَرَ فِي هَذَا الزَّمَانِ جَمَاعَةٌ يُكَفِّرُونَ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ - يَعْنِي بِهِمُ الْخَوَارِجَ، وَجَمَاعَةٌ يَقُولُونَ: لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ، كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ - يَعْنِي بِهِمُ الْمُرْجِئَةَ، فَمَا تَعْتَقِدُهُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَأَطْرَقَ الْحَسَنُ مُفَكِّرًا فِي الصَّوَابِ، فَبَادَرَهُ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ بِالْجَوَابِ، فَقَالَ: أَنَا لَا أَقُولُ إِنَّ صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُؤْمِنٌ مُطْلَقًا، وَلَا كَافِرٌ مُطْلَقًا، وَقَامَ إِلَى أُسْطُوَانَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، يُقَرِّرُ مَذْهَبَهُ وَيُثْبِتُ الْمَنْزِلَةَ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ، وَيَقُولُ: النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: مُؤْمِنٌ، وَكَافِرٌ، وَلَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، وَهُوَ صَاحِبُ الْكَبِيرَةِ، إِذَا مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ، فَقَالَ لَهُ الْحَسَنُ: اعْتَزَلَ عَنَّا وَاصِلٌ، فَسُمُّوا الْمُعْتَزِلَةَ لِذَاكَ، وَرَفِيقُ وَاصِلٍ فِي الِاعْتِزَالِ وَقَرِينُهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ الْمُتَكَلِّمُ الزَّاهِدُ، وَكَانَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَالزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالدِّيَانَةِ عَلَى جَانِبٍ عَظِيمٍ، حَتَّى إِنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ لَمَّا سُئِلَ عَنْهُ، أَجَابَ السَّائِلَ: لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ رَجُلٍ كَأَنَّ الْمَلَائِكَةَ أَدَّبَتْهُ، وَكَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ رَبَّتْهُ، إِنْ قَامَ بِأَمْرٍ قَعَدَ بِهِ، وَإِنْ قَعَدَ بِأَمْرٍ قَامَ بِهِ، وَإِنْ أَمَرَ بِشَيْءٍ كَانَ أَلْزَمَ النَّاسِ لَهُ، وَإِنْ نَهَى عَنْ شَيْءٍ كَانَ أَتْرَكَ النَّاسِ لَهُ، مَا رَأَيْتُ ظَاهِرًا أَشْبَهَ بِبَاطِنٍ، وَلَا بَاطِنًا أَشْبَهَ بِظَاهِرٍ مِنْهُ، انْتَهَى، وَيُرْوَى أَنَّ وَاصِلَ

стр. 73

ابْنَ عَطَاءٍ تَكَلَّمَ مَرَّةً بِكَلَامٍ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: لَوْ بُعِثَ نَبِيًّا كَانَ يَتَكَلَّمُ بِأَحْسَنَ مِنْ هَذَا؟ وَفَصَاحَةُ وَاصِلٍ مَشْهُورَةٌ، وَكَانَ يَلْثَغُ بِالرَّاءِ، فَكَانَ يَجْتَنِبُهَا حَتَّى كَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْحُرُوفِ، ثُمَّ خَلَفَهُ الْجُبَّائِيُّ، وَكَانَ الْأَشْعَرِيُّ - إِمَامُ الطَّائِفَةِ الْأَشْعَرِيَّةِ - مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ فَارَقَهُ لَمَّا ظَهَرَ لَهُ فَسَادُ مَذْهَبِهِ كَمَا هُوَ مَشْهُورٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الفائدة الرابعة التعريف بأهل السنة] (الرَّابِعَةُ) : أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ثَلَاثُ فِرَقٍ: الْأَثَرِيَّةُ وَإِمَامُهُمْ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ﵁، وَالْأَشْعَرِيَّةُ وَإِمَامُهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ﵀، وَالْمَاتُرِيدِيَّةُ وَإِمَامُهُمْ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ، وَأَمَّا فِرَقُ الضَّلَالِ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا، وَهَذَا أَوَانُ الشُّرُوعِ فِي الْمَقْصُودِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

стр. 74

[الْمُقَدَّمَةُ فِي تَرْجِيحِ مَذْهَبِ السَّلَفِ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ] [افتراق الأمة على بضع وسبعين فرقة] وَقَدْ قَدَّمْنَا مَا يُفِيدُ أَنَّ مَذْهَبَ السَّلَفِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَالدِّيَانَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ وَالصِّيَانَةِ، وَالسُّنَّةِ وَالْأَمَانَةِ، وَإِنَّمَا نُسِبَ لِإِمَامِنَا الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ ; لِأَنَّهُ انْتَهَى إِلَيْهِ مِنَ السُّنَّةِ، وَنُصُوصِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَكْثَرُ مِمَّا انْتَهَى إِلَى غَيْرِهِ، وَابْتُلِيَ بِالْمِحْنَةِ وَالرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ، فَصَارَ إِمَامًا فِي السُّنَّةِ أَظْهَرَ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الْمَغَارِبَةِ: الْمَذْهَبُ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَالظُّهُورُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. فَالَّذِي عَلَيْهِ أَحْمَدُ عَلَيْهِ جَمِيعُ الْأَئِمَّةِ، وَإِنْ زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعِلْمِ وَالْبَيَانِ، وَإِظْهَارِ الْحَقِّ، وَدَفْعِ الْبَاطِلِ. ((اعْلَمْ هُدِيتَ أَنَّهُ جَاءَ الْخَبَرْ ... عَنِ النَّبِيِّ الْمُقْتَفَى خَيْرِ الْبَشَرْ)) ((بِأَنَّ ذِي الْأُمَّةَ سَوْفَ تَفْتَرِقْ ... بِضْعًا وَسَبْعِينَ اعْتِقَادًا وَالْمُحِقْ)) ((مَا كَانَ فِي نَهْجِ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى ... وَصَحْبِهِ مِنْ غَيْرِ زَيْغٍ وَجَفَا)) ((اعْلَمْ)) فِعْلُ أَمْرٍ مِنَ الْعِلْمِ، وَهُوَ حُكْمُ الذِّهْنِ الْجَازِمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، أَيْ كُنْ مُتَهَيِّئًا وَمُتَفَهِّمًا لِإِدْرَاكِ مَا يُلْقَى إِلَيْكَ مِنَ الْعُلُومِ، وَمَا فِي ضِمْنِ الْمَنْثُورِ مِنْ كَلَامِي وَالْمَنْظُومِ، (هُدِيتَ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دُعَائِيَّةٌ مِنَ الْهِدَايَةِ، وَهِيَ الدَّلَالَةُ، وَالْمُرَادُ بِهَا هُنَا الدَّلَالَةُ الْمُوصِلَةُ إِلَى الْمَطْلُوبِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، (أَنَّهُ) أَيِ: الشَّأْنَ وَالْأَمْرَ، (جَاءَ الْخَبَرُ) يَعْنِي الْحَدِيثَ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، (عَنِ النَّبِيِّ) الْمُصْطَفَى وَالْحَبِيبِ، (الْمُقْتَفَى) أَيِ الْمُخْتَصِّ الْمُتَّبَعِ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ الْمُقَفَّى، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: هُوَ الْمُوَلِّي الذَّاهِبُ وَقَدْ قَفَّى يُقَفَّى فَهُوَ مُقَفٍّ، يَعْنِي أَنَّهُ آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَّبِعُ لَهُمْ، فَإِذَا قَفَّى فَلَا نَبِيَّ بَعْدَهُ. انْتَهَى. وَقَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ " زَادِ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ ": الْمُقَفَّى الَّذِي قَفَّى عَلَى آثَارِ مَنْ تَقَدَّمَهُ مِنَ الرُّسُلِ، فَقَفَّى اللَّهُ بِهِ عَلَى آثَارِ مَنْ سَبَقَهُ مِنْهُمْ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْقَفْوِ، قَفَاهُ يَقْفُوهُ إِذَا تَأَخَّرَ عَنْهُ، (خَيْرِ الْبَشَرْ) بَلْ خَيْرُ جَمِيعِ الْخَلْقِ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلَائِكَةِ، فَهُوَ سَيِّدُ الْعَالَمِ وَصَفْوَةُ بَنِي آدَمَ، وَأَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ، وَخَيْرُ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 75

وَسَلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، (بِأَنَّ ذِي) أَيْ هَذِهِ (الْأُمَّةَ) الْمُحَمَّدِيَّةَ، وَالْمِلَّةَ الْأَحْمَدِيَّةَ (سَوْفَ) أَيْ سَـ (تَفْتَرِقُ) فِيمَا بَعْدُ (بِضْعًا) أَيْ إِلَى بِضْعٍ (وَسَبْعِينَ) فِرْقَةً، وَالْبِضْعُ فِي الْعَدَدِ بِالْكَسْرِ - وَقَدْ تُفْتَحُ - مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى التِّسْعِ، وَإِذَا جَاوَزَتْ لَفْظَ الْعَشْرِ ذَهَبَ الْبِضْعُ، فَلَا يُقَالُ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ، أَوْ يُقَالُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ جَرَيْنَا فِي النَّظْمِ، فَيُقَالُ: بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، وَبِضْعٌ وَعِشْرُونَ امْرَأَةً، وَلَا يُعْكَسُ (اعْتِقَادًا) أَيِ افْتِرَاقُهُمْ لِأَجْلِ الِاعْتِقَادِ، فَهُوَ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، وَهِيَ ضَالَّةٌ مُنْحَرِفَةٌ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَالنَّهْجِ الْقَوِيمِ (وَ) إِنَّمَا (الْمُحِقُّ) مِنْ جَمِيعِهَا طَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ (مَا كَانَ) سَيْرُهَا وَاعْتِقَادُهَا وَنَهْجُهَا وَاعْتِمَادُهَا (فِي نَهْجِ) أَيْ مَنْهَجِ (النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى) أَيْ صَفْوَةِ خَلْقِ اللَّهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَيُقَالُ: إِنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ ﷺ الْمُصْطَفَى، وَهُوَ مَشْهُورٌ مَلْهُوجٌ بِهِ، وَهُوَ صَادِقٌ عَلَيْهِ وَلَائِقٌ بِهِ، قَالَ الْقَاضِيَ عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الْمَأْثُورَ مِنْ أَسْمَائِهِ مَا لَفْظُهُ: وَجَرَى مِنْهَا، أَيْ أَلْقَابِهِ وَسِمَاتِهِ فِي كُتُبِ اللَّهِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَكُتُبِ أَنْبِيَائِهِ، وَأَحَادِيثِ رَسُولِهِ، وَإِطْلَاقِ الْأُمَّةِ جُمْلَةً شَافِيَةً كَتَسْمِيَتِهِ بِالْمُصْطَفَى، وَبِالْمُجْتَبَى، وَبِالْحَبِيبِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (وَ) مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي نَهْجِ (صَحْبِهِ) رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ; أَيْ مَنْ كَانَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ، وَسَارَ بِسَيْرِهِمْ، مِنِ اقْتِفَاءِ الرَّسُولِ فِي اتِّبَاعِ الْمَنْقُولِ (مِنْ غَيْرِ زَيْغٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ وَلَا انْحِرَافٍ وَلَا شَكٍّ وَلَا انْصِرَافٍ، (وَ) مِنْ غَيْرِ (جَفَا) بِالْجِيمِ أَيْ مِنْ غَيْرِ تَجَافٍ عَنْ هَدْيِهِمْ، وَإِزَالَةٍ عَنْ نَهْجِهِمْ، وَالْجَفَاءُ نَقِيضُ الصِّلَةِ، وَيُقْصَرُ وَيَصِحُّ أَنْ يُقْرَأَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ، وَلَا كَتْمٍ وَسَتْرٍ، وَالْخَافِيَةُ ضِدُّ الْعَلَانِيَةِ، وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ فِي الْبَيْتَيْنِ هُوَ مَا رَوَاهُ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ ﵁ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: « (أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ، ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ فِيهِ: ( «وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تَتَجَارَى بِهِمُ الْأَهْوَاءُ كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ، لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ» ) ، قَوْلُهُ: الْكَلَبُ بِفَتْحِ اللَّامِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ دَاءٌ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ عَضَّةِ

стр. 76

(الْكَلْبِ) . وَقَالَ: وَعَلَامَةُ ذَلِكَ فِي الْكَلْبِ أَنْ تَحْمَرَّ عَيْنَاهُ، وَلَا يَزَالُ يُدْخِلُ ذَنَبَهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ، فَإِذَا رَأَى إِنْسَانًا سَاوَرَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةٌ وَاحِدَةٌ ". فَقِيلَ لَهُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ يَعْنِي الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ، فَقَالَ: " هُوَ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» "، وَفِي رِوَايَةٍ: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً، وَهِيَ مَا كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» ". قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: هُمْ يَعْنِي الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ، أَهْلُ الْحَدِيثِ، يَعْنِي الْأَثَرِيَّةَ وَالْأَشْعَرِيَّةَ وَالْمَاتُرِيدِيَّةَ، قُلْتُ: وَلَفْظُ الْحَدِيثِ يَعْنِي قَوْلَهُ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً يُنَافِي التَّعَدُّدَ، وَلِذَا قُلْتُ: (وَلَيْسَ هَذَا النَّصُّ جَزْمًا يُعْتَبَرْ فِي فِرْقَةٍ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الْأَثَرْ) (وَلَيْسَ هَذَا النَّصُّ) الْمَذْكُورُ عَنْ مَنْبَعِ النُّورِ وَمِصْبَاحِ الدَّيْجُورِ (جَزْمًا) يَحْتَمِلُ الْمَصْدَرِيَّةَ، أَيْ أَجْزِمُ بِهِ جَزْمًا، أَوْ أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ، أَيْ مِنْ جِهَةِ الْجَزْمِ وَالْيَقِينِ (يُعْتَبَرْ) أَيْ يُسْتَدَلُّ بِهِ وَيُوَافِقُ (فِي فِرْقَةٍ) أَيْ لَا يَنْطِقُ وَيَصْدُقُ عَلَى فِرْقَةٍ مِنَ الثَّلَاثِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً (إِلَّا عَلَى) فِرْقَةِ (أَهْلِ الْأَثَرْ) وَمَاعَدَاهُمْ مِنْ سَائِرِ الْفِرَقِ قَدْ حَكَّمُوا الْعُقُولَ، وَخَالَفُوا الْمَنْقُولَ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ . وَالْوَاجِبُ أَنْ يُتَلَقَّى بِالْقَبُولِ، فَأَنَّى يَصْدُقُ عَلَيْهِمُ الْخَبَرُ، أَوْ يَنْطَبِقُ عَلَيْهِمُ الْأَثَرُ. [تنبيهات خاصة بالفرق] [التنبيه الأول تعداد الفرق] [فرقة المعتزلة] تَنْبِيهَاتٌ الْأَوَّلُ: قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَهْلُ الْبِدَعِ خَمْسَةٌ - يَعْنِي: مِنْ جِهَةِ أُصُولِهَا، ثُمَّ كَلُّ (فِرْقَةٍ) تَتَشَعَّبُ وَتَتَفَرَّقُ فِرَقًا شَتَّى: أَحَدُهَا: الْمُعْتَزِلَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْعِبَادَ خَالِقُو أَعْمَالِهِمْ، وَيَنْفُونَ رُؤْيَةَ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْآخِرَةِ، وَيَقُولُونَ بِوُجُوبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَالصَّلَاحِ وَالْأَصْلَحِ عَلَى اللَّهِ، وَمِنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَوْلُ بِالْعَدْلِ وَثُبُوتِ الْمَنْزِلَةِ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَالتَّوْحِيدِ، يَعْنِي نَفْيَ الصِّفَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُمْ عِشْرُونَ فِرْقَةً، يُضَلِّلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا.

стр. 77

(أَحَدُهَا) : الْوَاصِلِيَّةُ أَتْبَاعُ وَاصِلِ بْنِ عَطَاءٍ، قَالُوا بِجَمِيعِ مَا ذَكَرَ، وَخَطَّئُوا أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ عُثْمَانَ ﵁ وَمُقَاتِلِيهِ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ سَيِّدُنَا عُثْمَانُ ﵁ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ، وَخَلَّدُوهُ فِي النَّارِ، وَكَذَا عَلِيٌّ وَمُقَاتِلُوهُ، وَحَكَمُوا بِأَنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَلِيًّا ﵃ بَعْدَ وَقْعَةِ الْجَمَلِ لَوْ شَهِدُوا عَلَى حَبَّةٍ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ كَالْمُتَلَاعِنَيْنِ. (الثَّانِيَةُ) : الْعَمْرِيَّةُ مِثْلُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ فَسَّقُوا كِلَا الْفَرِيقَيْنِ. (الثَّالِثَةُ) : الْهُذَلِيَّةُ أَصْحَابُ أَبِي الْهُذَيْلِ الْعَلَّافِ، قَالُوا بِفَنَاءِ مَقْدُورَاتِ اللَّهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِنَّ الْعِبَادَ مَجْبُورُونَ فِي الْآخِرَةِ، وَلِهَذَا تُسَمِّي الْمُعْتَزِلَةُ أَبَا الْهُذَيْلِ جَهْمِيَّ الْآخِرَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِعِلْمٍ، وَقَادِرٌ بِقُدْرَةٍ، كِلَاهُمَا عَيْنُ ذَاتِهِ، مُرِيدٌ بِإِرَادَةٍ، لَا فِي ذَاتٍ، مُتَكَلِّمٌ بِكَلِمَةِ (كُنْ) لَا فِي ذَاتٍ، وَهُوَ يُوَافِقُ قَوْلَ جَهْمٍ فِي بَعْضِ الْوُجُوهِ، وَإِنْ كَانَ الْمُعْتَزِلَةُ كُلُّهُمْ جَهْمِيَّةً. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: أَوَّلُ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَقَالَةَ التَّعْطِيلِ لِلصِّفَاتِ فِي الْإِسْلَامِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ الَّذِي ضَحَّى بِهِ خَالِدٌ الْقَسْرِيُّ، وَأَخَذَهَا عَنْهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَأَظْهَرَهَا فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْجَعْدَ أَخَذَ مَقَالَتَهُ عَنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ، وَأَخَذَهَا أَبَانُ مِنْ طَالُوتَ ابْنِ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ، وَأَخَذَهَا طَالُوتُ مِنْ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيِّ السَّاحِرِ، الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانَ الْجَعْدُ هَذَا فِيمَا قِيلَ مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ، وَكَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ، بَقَايَا أَهْلِ دِينِ النُّمْرُودِ الْكَنْعَانِيِّينَ، وَالنُّمْرُودُ هُوَ مِلْكُ الصَّابِئَةِ الْمُشْرِكِينَ، اسْمُ جِنْسٍ كَكِسْرَى لِمَلِكِ الْفُرْسِ وَقَيْصَرَ مَلِكِ الرُّومِ، وَكَانَ الصَّابِئُونَ هَؤُلَاءِ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيَبْنُونَ لَهَا الْهَيَاكِلَ، فَمَذْهَبُ النُّفَاةِ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي الرَّبِّ - تَعَالَى - لَيْسَ لَهُ إِلَّا صِفَاتٌ سَلْبِيَّةٌ أَوْ إِضَافِيَّةٌ أَوْ مُرَكَّبَةٌ مِنْهُمَا، وَأَخَذَهَا الْجَهْمُ أَيْضًا فِيمَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَنِ السَّمْنِيَّةِ وَبَعْضِ فَلَاسِفَةِ الْهِنْدِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ مِنَ الْعُلُومِ مَا سِوَى الْحِسِّيَّاتِ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: فَهَذِهِ أَسَانِيدُ الْجَهْمِ تَرْجِعُ إِلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَالْفَلَاسِفَةِ الضَّالِّينَ إِمَّا مِنَ الصَّابِئِينَ، وَإِمَّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. (الرَّابِعَةُ) : النَّظَّامِيَّةُ أَصْحَابُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَيَّارٍ النَّظَّامِ، قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ

стр. 78

لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ بِعِبَادِهِ فِي الدُّنْيَا مَا لَا صَلَاحَ لَهُمْ فِيهِ، وَلَا أَنْ يَزِيدَ وَيَنْقُصَ مِنْ عِقَابٍ وَثَوَابٍ، وَكَوْنُهُ مُرِيدًا لِفِعْلِهِ كَوْنُهُ خَالِقَهُ، وَلِفِعْلِ الْعَبْدِ كَوْنُهُ أَمَرَ بِهِ، وَالْإِنْسَانُ هُوَ الرُّوحُ وَالْبَدَنُ، وَالْأَعْرَاضُ وَالْأَجْسَامُ لَا تَبْقَى، وَالْجِسْمُ مُؤَلَّفٌ مِنَ الْأَعْرَاضِ، وَالْعِلْمُ وَالْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ مِثْلَانِ، وَالْإِيمَانُ وَالْكُفْرُ كَذَلِكَ، وَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ دَفْعَةً وَالتَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ فِي الْكَوْنِ وَالظُّهُورَ، وَنَظْمُ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِمُعْجِزٍ، وَالتَّوَاتُرُ يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ، وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَأَوْجَبُوا النَّصَّ عَلَى الْإِمَامِ وَثُبُوتَهُ لِعَلِيٍّ لَكِنْ كَتَمَهُ عُمَرُ. (الْخَامِسَةُ) : الْأَسْوَارِيَّةُ وَهُمْ أَصْحَابُ الْأَسْوَارِيِّ، زَادُوا عَلَى مَنْ قَبْلَهُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا أَخْبَرَ بِعَدَمِهِ أَوْ عَلِمَ عَدَمَهُ، (وَالْإِنْسَانُ قَادِرٌ عَلَى مَا أُخْبِرَ بِعَدَمِهِ أَوْ عَلِمَهُ) . (السَّادِسَةُ) : الْإِسْكَافِيَّةُ أَصْحَابُ أَبِي جَابِرٍ الْإِسْكَافِ، قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْدِرُ عَلَى الظُّلْمِ عَلَى الْعُقَلَاءِ، لَكِنْ عَلَى الصِّبْيَانِ وَالْمَجَانِينِ. (السَّابِعَةُ) : الْجَعْفَرِيَّةُ أَصْحَابُ جَعْفَرِ بْنِ مُبَشِّرٍ وَابْنِ حَرْبٍ، زَادُوا: إِنَّ فِي فُسَّاقِ الْأُمَّةِ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنَ الزَّنَادِقَةِ وَالْمَجُوسِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى حَدِّ الشُّرْبِ خَطَأٌ، وَسَارِقُ الْحَبَّةِ مُنْخَلِعٌ عَنِ الْإِيمَانِ. (الثَّامِنَةُ) : الْبِشْرِيَّةُ أَصْحَابُ بِشْرِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، قَالُوا: الْأَعْرَاضُ مِنَ الطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ وَغَيْرِهَا تَقَعُ مُتَوَلَّدَةً، وَالْقُدْرَةُ بِسَلَامَةِ الْبِنْيَةِ، وَاللَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَعْذِيبِ الطِّفْلِ ظَالِمًا. (التَّاسِعَةُ) : الْمُرْدَارِيَّةُ وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي مُوسَى عِيسَى بْنِ صُبَيْحٍ الْمُرْدَارِ تِلْمِيذِ بِشْرٍ، قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ، وَوُقُوعِ فِعْلٍ بَيْنَ فَاعِلَيْنِ تَوَلُّدًا، وَالنَّاسُ قَادِرُونَ عَلَى مِثْلِ الْقُرْآنِ وَأَحْسَنَ مِنْهُ، وَيُكَفِّرُونَ الْقَائِلَ بِخَلْقِ الْأَعْمَالِ وَالرُّؤْيَةِ. (الْعَاشِرَةُ) : الْهِشَامِيَّةُ أَصْحَابُ هِشَامِ بْنِ عُمَرَ، قَالُوا: لَا يُطْلَقُ اسْمُ الْوَكِيلِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لِاسْتِدْعَائِهِ مُوَكَّلًا، وَلَا دَلَالَةَ فِي الْقُرْآنِ عَلَى الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْإِمَامَةُ لَا تَنْعَقِدُ مَعَ الِاخْتِلَافِ، وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ لَمْ تُخْلَقَا بَعْدُ، وَلَمْ يُقْتَلْ

стр. 79

عُثْمَانُ، وَمَنْ أَفْسَدَ صَلَاةً عَقَدَهَا بِشُرُوطِهَا، فَأَوَّلُ صَلَاتِهِ مَعْصِيَةٌ. (الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ) : الصَّالِحِيَّةُ وَهُمْ أَصْحَابُ الصَّالِحِ، جَوَّزُوا قِيَامَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ، وَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ بِالْمَيِّتِ، وَخُلُوَّ الْجَوَاهِرِ عَنِ الْأَعْرَاضِ. (الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) : الْحَائِطِيَّةُ أَصْحَابُ أَحْمَدَ بْنِ حَائِطٍ مِنْ أَصْحَابِ الْبَطَّالِ، قَالُوا: لِلْعَالَمِ إِلَهَانِ: قَدِيمٌ، وَمُحْدَثٌ، وَالْمَسِيحُ هُوَ الَّذِي يُحَاسِبُ النَّاسَ فِي الْآخِرَةِ. (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) : الْحَدَبِيَّةُ أَصْحَابُ فَضْلٍ الْحَدَبِيِّ، زَادُوا التَّنَاسُخَ، وَأَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ مُكَلَّفٌ، بَلْ قِيلَ فِي كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْحَيَوَانِ نَبِيٌّ مِنْ جِنْسِهِ. (الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) : الْمَعْمَرِيَّةُ أَصْحَابُ مَعْمَرِ بْنِ عَبَّادٍ السُّلَمِيِّ، قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْلُقُ شَيْئًا غَيْرَ الْأَجْسَامِ، وَلَا يُوصَفُ بِالْقِدَمِ، وَلَا يَعْلَمُ نَفْسَهُ، وَالْإِنْسَانُ لَا فِعْلَ لَهُ غَيْرُ الْإِرَادَةِ. (الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) : الثُّمَامِيَّةُ أَصْحَابُ ثُمَامَةَ بْنِ أَشْرَسَ النُّمَيْرِيِّ، قَالُوا: الْأَفْعَالُ الْمُتَوَلِّدَةُ لَا فَاعِلَ لَهَا، وَالْمَعْرِفَةُ مُتَوَلِّدَةٌ مِنَ النَّظَرِ، وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ قَبْلَ الشَّرْعِ، وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ وَالزَّنَادِقَةُ يَصِيرُونَ تُرَابًا، لَا يَدْخُلُونَ جَنَّةً وَلَا نَارًا، وَكَذَا الْبَهَائِمُ وَالْأَطْفَالُ، وَالِاسْتِطَاعَةُ سَلَامَةُ الْآلَةِ، وَمَنْ لَا يَعْلَمُ خَالِقَهُ مِنَ الْكُفَّارِ مَعْذُورٌ، وَلَا فِعْلَ لِلْإِنْسَانِ غَيْرُ الْإِرَادَةِ، وَمَا عَدَاهَا حَادِثٌ بِلَا مُحْدِثٍ، وَالْعَالَمُ فِعْلُ اللَّهِ بِطَبْعِهِ. (السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) : الْخَيَّاطِيَّةُ أَصْحَابُ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ أَبِي عُمَرَ الْخَيَّاطِ، قَالُوا بِالْقُدْرَةِ وَتَسْمِيَةِ الْمَعْدُومِ شَيْئًا وَجَوْهَرًا وَعَرَضًا، وَقَالُوا عَنْ إِرَادَةِ اللَّهِ كَوْنُهُ غَيْرَ مُكْرَهٍ وَلَا كَارِهٍ، وَهِيَ فِي فِعْلِهِ الْخَلْقُ، وَفِي فِعْلِ الْعِبَادِ الْأَمْرُ، وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ الْعِلْمُ بِمُتَعَلِّقِهِمَا. (السَّابِعَةَ عَشْرَةَ) : الْجَاحِظِيَّةُ أَتْبَاعُ عَمْرٍو الْجَاحِظِ أَبِي عُثْمَانَ بْنِ بَحْرٍ الْبَصْرِيِّ الْمُتَكَلِّمِ صَاحِبِ التَّآلِيفِ فِي كُلِّ فَنٍّ، وَكَانَ تِلْمِيذَ أَبِي إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَيَّارٍ الْبَلْخِيِّ الْمُتَكَلِّمِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قَالُوا: الْمَعَارِفُ كُلُّهَا ضَرُورِيَّةٌ، وَلَا إِرَادَةَ فِي الشَّاهِدِ، وَالْأَجْسَامُ ذَوَاتُ طَبَائِعَ، وَيَمْتَنِعُ انْعِدَامُ الْجَوَاهِرِ، وَالنَّارُ تَجْتَذِبُ إِلَيْهَا أَهْلَهَا، لَا أَنَّ اللَّهَ يُدْخِلُهُمْ فِيهَا، وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ

стр. 80

مَنْ فِعْلِ الْعَبْدِ، وَالْقُرْآنُ جَسَدٌ يَنْقَلِبُ تَارَةً رَجُلًا وَتَارَةً امْرَأَةً. (الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ) : الْكَعْبِيَّةُ أَصْحَابُ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَعْبِيِّ، قَالُوا: فِعْلُ الرَّبِّ وَاقِعٌ بِغَيْرِ إِرَادَتِهِ، وَلَا يَرَى نَفْسَهُ وَلَا غَيْرَهُ إِلَّا بِمَعْنَى الْعِلْمِ. (التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ) : الْجُبَّائِيَّةُ وَهُمْ شِيعَةُ أَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ، قَالُوا: إِرَادَةُ اللَّهِ حَادِثَةٌ لَا فِي مَحَلٍّ، وَالْعَالَمُ يَفْنَى فَنَاءً لَا فِي مَحَلٍّ، وَاللَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِكَلَامٍ يَخْلُقُهُ فِي جِسْمٍ، وَلَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ، وَالْعَبْدُ خَالِقٌ فِعْلَهُ، وَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ لَا مُؤْمِنٌ وَلَا كَافِرٌ، وَإِذَا مَاتَ بِلَا تَوْبَةٍ يَخْلُدُ فِي النَّارِ، وَلَا كَرَامَةَ لِلْأَوْلِيَاءِ، وَيَجِبُ عَلَى اللَّهِ إِكْمَالُ عَقْلِ الْمُكَلَّفِ، وَإِعْدَادُ أَسْبَابِ التَّكْلِيفِ لَهُ مِنْ بَعْثِ الرُّسُلِ وَالْمُعْجِزَةِ عَلَى يَدِهِ. وَشَارَكَهُ ابْنٌ لَهُ - يَعْنِي أَبَا عَلِيٍّ - وَهُوَ أَبُو هَاشِمٍ، وَانْفَرَدَ أَبُو عَلِيٍّ بِأَنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِلَا صِفَةٍ، وَسَمْعُهُ وَبَصَرُهُ كَوْنُهُ حَيًّا بِلَا آفَةٍ. (الْعِشْرُونَ) : الْهَاشِمِيَّةُ فِرْقَةُ أَبِي هَاشِمٍ، قَالُوا: لَا تَوْبَةَ عَنْ كَبِيرَةٍ مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى غَيْرِهَا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِقُبْحِهَا، وَلَا مَعَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَلَا يَتَعَلَّقُ عِلْمٌ بِمَعْلُومَيْنِ عَلَى التَّفْصِيلِ، وَأَثْبَتَ لِلَّهِ خَمْسَ حَالَاتٍ: الْحَيِيَّةَ، وَالْعَالِمِيَّةَ، وَالْقَادِرِيَّةَ، وَالْمَوْجُودِيَّةَ، وَالْإِلَهِيَّةُ مُوجِبَةٌ لِلْأَرْبَعَةِ، فَهَذِهِ الْعِشْرُونَ فِرْقَةً الْمَشْهُورَةُ مِنْ فِرَقِ أَهْلِ الِاعْتِزَالِ، وَكُلُّهَا مُتَّصِفَةٌ بِالْبِدَعِ وَالضَّلَالِ. [فرقة الشيعة] الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ الشِّيعَةُ الشَّنِيعَةُ وَافْتَرَقَتْ إِلَى اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ فِرْقَةً، وَأُصُولُ ذَلِكَ كُلُّهُ ثَلَاثُ فِرَقٍ غُلَاةٌ وَإِمَامِيَّةٌ وَزَيْدِيَّةٌ، أَمَّا الْغُلَاةُ فَافْتَرَقَتْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ فِرْقَةً، يُكَفِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا، (أَحَدُهَا) السَّبَئِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَأٍ الَّذِي قَالَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: أَنْتَ الْإِلَهُ حَقًّا، فَأَحْرَقَ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْهُمْ، فَخَدَّ لَهُمْ أَخَادِيدَ، وَأَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ، وَقَالَ: إِنِّي إِذَا سَمِعْتُ قَوْلًا مُنْكَرًا ... أَجَّجْتُ نَارًا وَدَعَوْتُ قَنْبَرَا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ: وَابْنُ سَبَأٍ هَذَا أَوَّلُ مَنِ ابْتَدَعَ الرَّفْضَ، قَالَ: وَكَانَ مُنَافِقًا زِنْدِيقًا، أَرَادَ فَسَادَ دِينِ الْإِسْلَامِ كَمَا فَعَلَ بُولِسُ صَاحِبُ الرَّسَائِلِ الَّتِي بِأَيْدِي النَّصَارَى، حَيْثُ ابْتَدَعَ لَهُمْ بِدَعًا أَفْسَدَ بِهَا دِينَهُمْ، وَكَانَ يَهُودِيًّا فَأَظْهَرَ النَّصْرَانِيَّةَ نِفَاقًا لِقَصْدِ إِفْسَادِ مِلَّتِهِمْ، وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ سَبَأٍ يَهُودِيًّا، فَقَصَدَ ذَلِكَ وَسَعَى فِي الْفِتْنَةِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ، لَكِنْ حَصَلَ

стр. 81

بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ تَحْرِيشٌ وَفِتْنَةٌ، فَقُتِلَ فِيهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁، وَتَبِعَ ابْنَ سَبَأٍ جَمَاعَاتٌ عَلَى بِدْعَتِهِ وَضَلَالَتِهِ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ: إِنَّ عَلِيًّا ﵁ لَمْ يَمُتْ، وَإِنَّمَا الَّذِي قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ شَيْطَانٌ، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَفِي السَّحَابِ، وَالرَّعْدُ صَوْتُهُ وَالْبَرْقُ سَوْطُهُ، وَإِنَّهُ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ وَيَمْلَؤُهَا عَدْلًا، وَيَقُولُونَ عِنْدَ الرَّعْدِ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. (الثَّانِيَةُ) : الْكَامِلِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ أَبِي كَامِلٍ، قَالُوا بِكُفْرِ الصَّحَابَةِ ﵃ بِتَرْكِ بَيْعَةِ عَلِيٍّ، وَبِكُفْرِ عَلِيٍّ ﵁ بِتَرْكِ طَلَبِ حَقِّهِ، وَيَعْتَقِدُونَ التَّنَاسُخَ، وَأَنَّ الْإِمَامَةَ نُورٌ يَتَنَاسَخُ، وَقَدْ يَصِيرُ فِي شَخْصٍ نُبُوَّةً. (الثَّالِثَةُ) الْبَيَانِيَّةُ أَتْبَاعُ بَيَانِ بْنِ سَمْعَانَ التَّمِيمِيِّ، قَالُوا: اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ، وَيَهْلِكُ كُلُّهُ إِلَّا وَجْهَهُ، وَرُوحُ اللَّهِ حَلَّ فِي عَلِيٍّ، ثُمَّ فِي ابْنِهِ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ فِي ابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ، ثُمَّ فِي بَيَانٍ. (الرَّابِعَةُ) : الْمُغِيرِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ الْمُغِيرَةِ بْنِ سَعِيدٍ الْعِجْلِيِّ، قَالُوا: اللَّهُ - تَعَالَى - جِسْمٌ عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ مِنْ نُورٍ، وَقَلْبُهُ مَنْبَعُ الْحِكْمَةِ، وَلَمَّا أَرَادَ الْخَلْقَ، تَكَلَّمَ بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ، فَطَارَ فَوَقَعَ تَاجٌ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ كَتَبَ عَلَى كَفِّهِ أَعْمَالَ الْعِبَادِ، فَغَضِبَ مِنَ الْمَعَاصِي فَعَرِقَ، فَحَصَلَ مِنْهُ بَحْرَانِ: أَحَدُهُمَا مِلْحٌ مُظْلِمٌ، وَالْآخَرُ حُلْوٌ نَيِّرٌ، ثُمَّ اطَّلَعَ فِي الْبَحْرِ النَّيِّرِ، فَأَبْصَرَ ظِلَّهُ فَانْتَزَعَهُ، فَجَعَلَ مِنْهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَأَفْنَى الْبَاقِيَ، ثُمَّ خَلَقَ الْخَلْقَ مِنَ الْبَحْرَيْنِ، فَالْكُفْرُ مِنَ الْمُظْلِمِ، وَالْإِيمَانُ مِنَ النَّيِّرِ، ثُمَّ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ وَالنَّاسُ فِي ضَلَالٍ، وَعَرَضَ الْأَمَانَةَ وَهِيَ مَنْعُ الْإِمَامَةِ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ، فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا، وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ، قَالُوا: وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ حَمَلَهَا بِأَمْرِ عُمَرَ، بِشَرْطِ أَنْ يَجْعَلَ الْخِلَافَةَ بَعْدَهُ لَهُ، قَالُوا: وَالْإِمَامُ الْمُنْتَظَرُ زَكَرِيَّا بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵃ وَهُوَ حَيٌّ فِي جَبَلٍ حَاجِرٍ. (الْخَامِسَةُ) : الْجَنَاحِيَّةُ وَهُمُ الْمَنْسُوبُونَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ ذِي الْجَنَاحَيْنِ، قَالُوا: الْأَرْوَاحُ تَتَنَاسَخُ، فَكَانَ رُوحُ اللَّهِ فِي آدَمَ، ثُمَّ فِي شَيْثٍ، ثُمَّ فِي الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَئِمَّةِ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى عَلِيٍّ وَأَوْلَادِهِ الثَّلَاثَةِ، ثُمَّ إِلَى

стр. 82

عَبْدِ اللَّهِ، قَالُوا: وَهُوَ حَيٌّ بِجَبَلِ أَصْبَهَانَ، وَأَنْكَرُوا الْقِيَامَةَ وَاسْتَحَلُّوا الْمُحَرَّمَاتِ. (السَّادِسَةُ) : الْمَنْصُورِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ أَبِي مَنْصُورٍ الْعِجْلِيِّ، قَالُوا: الْإِمَامَةُ صَارَتْ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ، وَمَسَحَ اللَّهُ رَأَسَهُ بِيَدِهِ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ، اذْهَبْ وَبَلِّغْ عَنِّي، قَالُوا: وَالرُّسُلُ لَا تَنْقَطِعُ، وَالْجَنَّةُ رَجُلٌ أُمِرْنَا بِمُوَالَاتِهِ وَهُوَ الْإِمَامُ، وَالنَّارُ رَجُلٌ أُمِرْنَا بِمُعَادَاتِهِ، وَكَذَا الْفَرَائِضُ وَالْمُحَرَّمَاتُ. (السَّابِعَةُ) : الْخَطَّابِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ أَبِي الْخَطَّابِ الْأَسَدِيِّ، قَالَ: الْأَئِمَّةُ أَنْبِيَاءُ، وَادَّعَى النُّبُوَّةَ لِنَفْسِهِ، وَقَالَ: الْحَسَنَانِ ﵄ ابْنَانِ لِلَّهِ، وَجَعْفَرٌ إِلَهٌ، لَكِنْ أَبُو الْخَطَّابِ أَفْضَلُ مِنْهُ وَمِنْ عَلِيٍّ، وَيَسْتَحِلُّونَ شَهَادَةَ الزُّورِ لِمُوَافَقِيهِمْ عَلَى مُخَالِفِيهِمْ، قَالُوا: وَالْجَنَّةُ نَعِيمُ الدُّنْيَا وَالنَّارُ آلَامُهَا، وَاسْتَبَاحُوا الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرَكُوا الْفَرَائِضَ، قَالُوا: وَيُمْكِنُ أَنْ يُوحَى إِلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَهُمْ لَا يَمُوتُونَ بَلْ يُرْفَعُونَ إِلَى الْمَلَكُوتِ. (الثَّامِنَةُ) : الذَّمِّيَّةُ الَّذِينَ ذَمُّوا النَّبِيَّ ﷺ قَالُوا: لِأَنَّ عَلِيًّا إِلَهٌ، بَعَثَهُ لِيَدْعُوَ لَهُ فَدَعَا إِلَى نَفْسِهِ، وَقَدْ قِيلَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ بِآلِهِيَّتِهِمَا، وَلَهُمْ فِي التَّقْدِيمِ خِلَافٌ، وَقِيلَ عِنْدَهُمْ هُمَا وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنَانِ آلِهَةٌ، وَهُمْ يَقُولُونَ فَاطِمٌ، وَلَا يَقُولُونَ فَاطِمَةُ تَحَاشِيًا عَنِ التَّأْنِيثِ. (التَّاسِعَةُ) : الْغُرَابِيَّةُ وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا مُحَمَّدٌ أَشْبَهُ بِعَلِيٍّ مِنَ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ، فَغَلِطَ جِبْرَائِيلُ مِنْ عَلِيٍّ إِلَى مُحَمَّدٍ بِالرِّسَالَةِ. (الْعَاشِرَةُ) : الْهِشَامِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ، قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ - جَلَّ شَأْنُهُ - طَوِيلٌ عَرِيضٌ، عَمِيقٌ مُتَسَاوٍ كَالسَّبِيكَةِ الْبَيْضَاءِ، يَتَلَأْلَأُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَلَهُ لَوْنٌ وَطَعْمٌ وَرَائِحَةٌ، وَيَقُومُ وَيَقْعُدُ، وَيَعْلَمُ مَا تَحْتَ الثَّرَى بِشُعَاعٍ يَنْفَصِلُ عَنْهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ سَبْعُةُ أَشْبَارٍ بِأَشْبَارِ نَفْسِهِ، مُمَاسٍّ لِلْعَرْشِ بِلَا تَفَاوُتٍ، وَإِرَادَتُهُ هِيَ حَرَكَةٌ لَا عَيْنُهُ وَلَا غَيْرُهُ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ كَوْنِهَا بِعِلْمٍ لَا قَدِيمٍ وَلَا حَادِثٍ، وَكَلَامُهُ صِفَةٌ لَا مَخْلُوقٌ وَلَا قَدِيمٌ، وَالْأَعْرَاضُ لَا تَدُلُّ عَلَى الْبَارِي، وَالْأَئِمَّةُ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ. (الْحَادِيَةَ عَشَرَ) : الزُّرَارِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ، قَالُوا: صِفَاتُ اللَّهِ حَادِثَةٌ، وَلَا حَيَاةَ قَبْلَ الصِّفَاتِ، وَلَهُمْ أَقْوَالٌ خَبِيثَةٌ جِدًّا.

стр. 83

(الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ) : الْيُونُسِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَمِّيِّ، قَالَ الصَّلَاحُ الصَّفَدِيُّ فِي الْوَافِي بِالْوَفِيَاتِ: كَانَ يُونُسُ عَلَى مَذْهَبِ الْقَطْعِيَّةِ فِي الْإِمَامَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَفْرَطَ فِي التَّشْبِيهِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَحْمِلُهُ حَمَلَةُ عَرْشِهِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْهُمْ كَمَا أَنَّ الطَّائِرَ الْمَعْرُوفَ بِالْكُرْكِيِّ تَحْمِلُهُ رِجْلَاهُ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ رِجْلَيْهِ. وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٧] ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ خَطَأٌ مِنْهُ، فَإِنَّ الْآيَةَ مُصَرِّحَةٌ بِأَنَّ الْعَرْشَ هُوَ الْمَحْمُولُ. (الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ) : النُّعْمَانِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - نُورٌ غَيْرُ جُسْمَانِيٍّ عَلَى صُورَةِ إِنْسَانٍ، وَإِنَّمَا يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ بَعْدَ حُدُوثِهَا. (الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ) : الرِّزَامِيَّةُ، قَالُوا: الْإِمَامَةُ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ، ثُمَّ لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، ثُمَّ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، ثُمَّ لِأَوْلَادِهِ إِلَى الْمَنْصُورِ، ثُمَّ حَلَّ الْإِلَهُ فِي أَبِي مُسْلِمٍ، وَأَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ، وَاسْتَحَلُّوا الْمَحَارِمَ. (الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ) : الْمُفَوِّضَةُ، قَالُوا: اللَّهُ - تَعَالَى - فَوَّضَ خَلْقَ الْعَالَمِ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . (السَّادِسَةَ عَشْرَةَ) : الْبِدَائِيَّةُ، جَوَّزُوا الْبِدَاءَ عَلَى اللَّهِ. (السَّابِعَةَ عَشْرَةَ) : النَّصِيرِيَّةُ، قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - حَلَّ فِي عَلِيٍّ ﵁. (الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ) : الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ وَيُلَقَّبُونَ بِالْبَاطِنِيَّةِ ; لِقَوْلِهِمْ بِبَاطِنِ الْكِتَابِ، وَأَصْلُ دَعْوَتِهِمْ مَبْنِيَّةٌ عَلَى إِبْطَالِ الشَّرَائِعِ وَانْتِقَاصِ الدِّينِ، فَإِنَّ قَوْمًا مِنَ الْمَجُوسِ رَامُوا عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ، وَاخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ، وَتَبَايُنِ الدُّوَلِ، كَسْرَ شَوْكَةِ الْإِسْلَامِ، وَانْتِقَاضَ عُرَى الدِّينِ، وَلَمْ يُمْكِنْهُمُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ، وَلَا إِعْلَانُ مَا قَصَدُوهُ مِنَ الْإِفْكِ وَالْمَهَالِكِ، فَأَخَذُوا فِي تَأْوِيلِ الشَّرِيعَةِ عَلَى وَجْهٍ يَعُودُ إِلَى قَوَاعِدِ أَسْلَافِهِمْ، وَرَأْسُهُمْ فِي ذَلِكَ (حَمْدَانُ قِرْمِطٌ) ، وَمِنْهُمْ بَلْ صَاحِبُ إِظْهَارِ دَعْوَتِهِمْ (أَبُو سَعِيدٍ الْجَنَّابِيُّ) ، فَظَهَرَ عَلَى الْبَحْرَيْنِ، وَاجْتَمَعَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَعْرَابِ وَالْقَرَامِطَةِ، فَقَوِيَ أَمْرُهُ، وَقَتَلَ مَنْ حَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْقُرَى، ثُمَّ قُتِلَ أَبُو سَعِيدٍ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ، قَتَلَهُ خَادِمٌ لَهُ فِي الْحَمَّامِ، وَقَامَ مَقَامَهُ وَلَدُهُ أَبُو طَاهِرٍ سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْحَسَنِ بْنِ بَهْرَامَ الْقِرْمِطِيُّ، وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى عَلَى هَجَرِ الْقَطِيفِ وَالْإِحْسَاءِ وَسَائِرِ بِلَادِ الْبَحْرَيْنِ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَافَى حُجَّاجَ الْمُسْلِمِينَ أَبُو طَاهِرٍ الْقِرْمِطِيُّ بِمَكَّةَ

стр. 84

يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَنَهَبَ أَمْوَالَ الْحَاجِّ، وَقَتَلُوهُمْ حَتَّى فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَفِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَقَلَعَ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، وَأَنْفَذَهُ إِلَى هَجَرَ، وَطَرَحَ الْقَتْلَى فِي زَمْزَمٍ، وَقَلَعَ بَابَ الْكَعْبَةِ. وَالْقِرْمِطُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبَعْدَهَا طَاءٌ مُهْمَلَةٌ، وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْمَذْكُورُ قَصِيرًا مُجْتَمِعَ الْخَلْقِ، أَسْمَرَ كَرِيهَ الْمَنْظَرِ، فَلِذَلِكَ قِيلَ لَهُ قِرْمِطِيٌّ، وَالْجَنَّابِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُوَحَّدَةٌ نِسْبَةً إِلَى جَنَّابَةَ، وَهِيَ بَلْدَةٌ مِنْ أَعْمَالِ فَارِسَ، مُتَّصِلَةٌ بِالْبَحْرَيْنِ عِنْدَ سِيرَافَ، وَالْقَرَامِطَةُ مِنْهَا، فَنُسِبُوا إِلَيْهَا، وَلَهُمْ فِي دَعْوَتِهِمْ مَرَاتِبُ (الزُّرْقِ) ، وَهُوَ التَّفَرُّسُ فِي حَالِ الْمَدْعُوِّ، هَلْ هُوَ قَابِلٌ أَمْ لَا؟ وَلِذَلِكَ مَنَعُوا إِلْقَاءَ الْبَذْرِ فِي السَّبْخَةِ، وَالتَّكَلُّمَ فِي بَيْتٍ فِيهِ سِرَاجٌ أَيْ فَقِيهٌ، ثُمَّ (التَّأْنِيسُ) بِاسْتِمَالَةِ كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَمِيلُ إِلَيْهِ مِنْ زُهْدٍ وَخَلَاعَةٍ، ثُمَّ (التَّشْكِيكُ) فِي أَرْكَانِ الشَّرِيعَةِ بِمُقَطَّعَاتِ السُّوَرُ، وَقَضَاءِ صَوْمِ الْحَائِضِ دُونَ صَلَاتِهَا، وَالْغُسْلِ مِنَ الْمَنِيِّ دُونَ الْبَوْلِ ; لِتَتَعَلَّقَ الْقُلُوبُ بِمُرَاجَعَتِهِمْ فِيهَا، ثُمَّ (الرَّبْطُ) وَهُوَ أَخْذُ الْمِيثَاقِ مِنْهُ بِحَسَبِ اعْتِقَادِهِ أَنْ لَا يُفْشِيَ عَنْهُمْ شَيْئًا، وَحَوَالَتُهُ عَلَى الْإِمَامِ فِي كُلِّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ (التَّدْلِيسُ) وَهُوَ دَعْوَى مُوَافَقَةِ أَكَابِرِ الدِّينِ لَهُمْ حَتَّى يَزْدَادَ مَيْلُهُمْ، ثُمَّ (التَّأْسِيسُ) وَهُوَ تَمْهِيدُ مُقَدَّمَاتٍ يَقْبَلُهَا الْمَدْعُوُّ، ثُمَّ (الْخَلْعُ) وَهُوَ الطُّمَأْنِينَةُ إِلَى إِسْقَاطِ وُجُوبِ الْأَفْعَالِ الْبَدَنِيَّةِ، ثُمَّ (السَّلْخُ) عَنِ الِاعْتِقَادَاتِ، وَحِينَئِذٍ يَأْخُذُونَ فِي الْإِبَاحَةِ وَاسْتِعْجَالِ اللَّذَّاتِ وَتَأْوِيلِ الشَّرِيعَةِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْعَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ: ذَكَرَ الْكَاشِفُونَ لِأَسْرَارِ الْقَرَامِطَةِ، وَالْهَاتِكُونَ لِأَسْتَارِهِمْ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ، وَالْقَاضِي أَبِي يَعْلَى، وَطَوَائِفَ كَثِيرَةٍ، مَا وَجَدْنَا مِصْدَاقَهُ فِي كُتُبِ الْقَرَامِطَةِ، أَنَّهُمْ وَضَعُوا لِأَنْفُسِهِمُ اصْطِلَاحَاتٍ، رَوَّجُوهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَمَقْصُودُهُمْ بِهَا مَقْصُودُ الْفَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ وَالْمَجُوسِ الثَّنَوِيَّةُ، كَقَوْلِهِمُ: السَّابِقُ وَالتَّالِي، يَعْنُونَ بِهِ الْعَقْلَ وَالنَّفْسَ، وَيَقُولُونَ هُوَ اللَّوْحُ وَالْقَلَمُ، قَالَ: وَأَصْلُ دِينِهِمْ مَأْخُوذٌ مِنْ دِينِ الْمَجُوسِ وَالصَّابِئِينَ، وَمِنْ مَذْهَبِهِمْ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَا مَوْجُودٌ وَلَا مَعْدُومٌ، وَرُبَّمَا خَلَطُوا كَلَامَهُمْ بِكَلَامِ الْفَلَاسِفَةِ، وَقَدْ دَخَلَ كَثِيرٌ مِنْ هَذِهِ الْقَرْمَطَةِ فِي كَلَامِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ

стр. 85

كَمَا دَخَلَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَكِتَابُ رَسَائِلِ إِخْوَانِ الصَّفَا أَصْلُ مَذْهَبِ الْقَرَامِطَةِ الْفَلَاسِفَةِ، فَرُبَّمَا نَسَبُوا هَذَا الْكِتَابَ بِالِافْتِرَاءِ إِلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ ; لِيَجْعَلُوهُ مِيرَاثًا عَنْ أَهْلِ الْبَيْتِ. قَالَ: وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْكَذِبِ وَأَوْضَحِهِ، فَإِنَّهُ لَا نِزَاعَ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ أَنَّ رَسَائِلَ إِخْوَانِ الصَّفَا إِنَّمَا صُنِّفَتْ بَعْدَ الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ فِي دَوْلَةِ بَنِي بُوَيْهٍ، قَرِيبًا مِنْ بِنَاءِ الْقَاهِرَةِ الْمُعِزِّيَّةِ. وَدَوْلَةُ الْعُبَيْدِيَّةِ الْحَاكِمِيَّةِ الْمُنْتَسِبِينَ لِأَهْلِ الْبَيْتِ الْمُلَقَّبِينَ بِالْفَاطِمِيَّةِ مِنْ هَذَا النَّمَطِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ مَذْهَبِهِمُ الرَّفْضُ، وَبَاطِنَهُ الْكُفْرُ الْمَحْضُ، وَمِنْ فِرَقِهِمُ الدُّرُوزُ وَالتَّيَامِنَةُ وَالْحَمْزَاوِيَّةُ وَأَضْرَابُهُمْ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَكْفَرِ النَّاسِ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. (وَأَمَّا الزَّيْدِيَّةُ) : فَهُمْ يَنْتَسِبُونَ لِلسَّيِّدِ الشَّرِيفِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بْنِ الْحُسَيْنِ شَهِيدِ كَرْبَلَا، ابْنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ زَيْدٌ إِمَامًا عَالِمًا شُجَاعًا مِقْدَامًا، وَكَانَ قَدْ بَايَعَهُ جُمُوعٌ مِنَ الشِّيعَةِ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: تَبَرَّأْ مِنَ الشَّيْخَيْنِ - يَعْنُونَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ، وَزِيرَا جَدِّي، فَتَرَكُوهُ وَرَفَضُوهُ، وَأَرْفَضُوا عَنْهُ، فَسُمُّوا الرَّافِضَةَ، وَالنِّسْبَةُ رَافِضِيٌّ، ثُمَّ انْقَسَمُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ: (الْأُولَى) : الْجَارُودِيَّةُ أَصْحَابُ أَبِي الْجَارُودِ، قَالُوا بِالنَّصِّ عَلَى عَلِيٍّ ﵁، وَالصَّحَابَةُ كَفَرُوا بِمُخَالَفَتِهِ، وَالْخِلَافَةُ بَعْدَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ شُورَى فِي أَوْلَادِهِمَا، فَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ بِالسَّيْفِ وَهُوَ عَالِمٌ شُجَاعٌ فَهُوَ إِمَامٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُنْتَظَرِ، أَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَلَمْ يُقْتَلْ، أَوْ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ، أَوْ يَحْيَى بْنُ عُمَرَ صَاحِبُ الْكُوفَةِ؟ (الثَّانِيَةُ) : السُّلَيْمَانِيَّةُ شِيعَةُ سُلَيْمَانَ بْنِ جَرِيرٍ، قَالُوا: الْإِمَامَةُ شُورَى، وَإِنَّمَا تَنْعَقِدُ بِرَجُلَيْنِ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ إِمَامَانِ وَإِنْ أَخْطَأَتِ الْأُمَّةُ فِي الْبَيْعَةِ لَهُمَا، وَكَفَّرُوا عُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَعَائِشَةَ. (الثَّالِثَةُ) : الْبَتْرِيَّةُ أَصْحَابُ بَتْرٍ التُّوصِيِّ، قَالُوا بِنَحْوِ قَوْلِ مَنْ قَبْلَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُمْ تَوَقَّفُوا فِي كُفْرِ عُثْمَانَ ﵁. (وَأَمَّا الْإِمَامِيَّةُ) ، فَقَالُوا بِاتِّبَاعِ الِاثْنَيْ عَشَرَ إِمَامًا، وَهُمْ: عَلِيٌّ، وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ، وَزَيْنُ الْعَابِدِينَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، وَالْبَاقِرُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ، وَجَعْفَرٌ

стр. 86

الصَّادِقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ، وَمُوسَى الْكَاظِمُ بْنُ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، وَعَلِيٌّ الرِّضَا بْنُ مُوسَى الْكَاظِمِ، وَمُحَمَّدٌ الْجَوَادُ بْنُ عَلِيٍّ الرِّضَا، وَعَلِيٌّ الْهَادِي بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوَادِ، وَحَسَنٌ الْعَسْكَرِيُّ بْنُ عَلِيٍّ الْهَادِي، وَمُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ الْحُجَّةُ، فَالْإِمَامِيَّةُ هُمُ الْقَائِلُونَ بِزَعْمِهِمْ بِقَوْلِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْأَبْرَارِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، فَقَالَتِ الْإِمَامِيَّةُ بِالنَّصِّ الْجَلِيِّ عَلَى إِمَامَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ وَكَفَّرُوا الصَّحَابَةَ بِمُخَالَفَتِهِ، وَسَاقُوا الْإِمَامَةَ إِلَى جَعْفَرٍ الصَّادِقِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بَعْدَهُ، وَتَشَعَّبَ مُتَأَخِّرُو الْإِمَامِيَّةِ إِلَى مُعْتَزِلَةٍ وَمُشَبِّهَةٍ وَمُفَضِّلَةٍ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - أَعْلَمُ. [فرقة الخوارج] الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ الْخَوَارِجُ وَهُمُ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَفَارَقُوهُ بِسَبَبِ التَّحْكِيمِ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَجَادَلَهُمْ وَوَعَظَهُمْ، فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ وَأَصَرَّ عَلَى الْمُخَالَفَةِ آخَرُونَ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: نَنْظُرُ مَا يَصْدُرُ مِنْ عَلِيٍّ مِنْ أَمْرِ التَّحْكِيمِ، فَإِنْ أَنْفَذَهُ أَقَمْنَا عَلَى مُخَالَفَتِهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَعْلَنُوا الْفُرْقَةَ، وَأَخَذُوا فِي نَهْبِ مَنْ لَمْ يَرَ رَأْيَهُمْ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، يَقْتُلُهَا أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ» ". فَقَتَلَهُمْ عَلِيٌّ وَطَائِفَتُهُ، وَقَالَ ﷺ فِي حَقِّ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ: «يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَقِرَاءَتَهُ مَعَ قِرَاءَتِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، أَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى - لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ". وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ أَحَادِيثَهُمْ فِي صَحِيحِهِ مِنْ عَشَرَةِ أَوْجُهٍ. وَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَفَرِحَ عَلِيٌّ ﵁ بِقَتْلِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِهِ، وَلَمَّا قِيلَ لِعَلِيٍّ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَرَاحَ مِنْهُمُ الْعِبَادَ، قَالَ: كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مِنْهُمْ لَفِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ، وَإِنَّ مِنْهُمْ لَمَنْ يَكُونُ مَعَ الدَّجَّالِ. ثُمَّ إِنَّهُمْ تَشَعَّبُوا إِلَى سَبْعِ فِرَقٍ.

стр. 87

(الْأُولَى) : الْمُحَكِّمَةُ الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ ﵁ عِنْدَ التَّحْكِيمِ وَكَفَّرُوهُ، وَهُمُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، قَالُوا: مَنْ نُصِّبَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ وَعَدَلَ فَهُوَ إِمَامٌ، وَلَمْ يُوجِبُوا نَصْبَ الْإِمَامِ، وَكَفَّرُوا عُثْمَانَ وَأَكْثَرَ الصَّحَابَةِ، وَكُلَّ مُرْتَكِبٍ لِلْكَبِيرَةِ. (الثَّانِيَةُ) : الْبَيْهَسِيَّةُ أَتْبَاعُ بَيْهَسٍ، وَاسْمُهُ الْهَيْصَمُ بْنُ جَابِرٍ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، قَالُوا: الْإِيمَانُ هُوَ الْعِلْمُ بِاللَّهِ - تَعَالَى - وَمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ ، فَمَنْ وَقَعَ فِيمَا لَا يَعْرِفُ، أَحَلَالٌ هُوَ أَمْ حَرَامٌ، فَهُوَ كَافِرٌ لِوُجُوبِ الْفَحْصِ عَنْهُ، وَقِيلَ: لَا، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْإِمَامِ فَيَحُدَّهُ، وَمَا لَا حَدَّ فِيهِ فَمَغْفُورٌ، وَقِيلَ: إِذَا كَفَرَ الْإِمَامُ، كَفَرَتِ الرَّعِيَّةُ حَاضِرًا كَانَ أَوْ غَائِبًا، وَالْأَطْفَالُ كَآبَائِهِمْ إِيمَانًا وَكُفْرًا. (الثَّالِثَةُ) : الْأَزَارِقَةُ أَتْبَاعُ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْرَقِ الْخَارِجِيِّ اللَّعِينِ، وَقَدْ خَرَجَ مَعَهُ قَوْمٌ مِنَ الْبَصْرَةِ وَالْأَهْوَازِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ بُلْدَانِ فَارِسَ وَغَيْرِهَا، وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهُمْ وَتَمَلَّكُوا الْأَمْصَارَ، وَكَانَتْ لَهُ آرَاءٌ وَمَذَاهِبُ دَانُوا بِهَا مَعَهُ، مِنْهَا أَنَّهُ كَفَّرَ عَلِيًّا ﵁ بِسَبَبِ التَّحْكِيمِ، وَزَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ - تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ﴾ [البقرة: ٢٠٤] الْآيَةَ، نَزَلَ فِي حَقِّهِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ نَزَلَ فِي حَقِّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُلْجَمٍ - لَعَنَهُ اللَّهُ، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] ، وَمِنْهَا أَنَّهُ كَفَّرَ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِرَأْيِهِ، وَاسْتَحَلَّ دَمَهُ، وَكَفَّرَ الْقَعَدَةَ عَنِ الْقِتَالِ، وَتَبَرَّأَ مِمَّنْ قَعَدَ عَنْهُ، وَأَنَّ مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَكَانَ مُخَلَّدًا فِي النَّارِ مَعَ سَائِرِ الْكُفَّارِ، وَحَرَّمَ التَّقِيَّةَ، وَجَوَّزَ قَتْلَ أَوْلَادِ الْمُخَالِفِينَ لَهُ وَنِسَاءَهُمْ، وَقَالَ: لَا حَدَّ لِلْقَذْفِ وَلَا لِلزِّنَا. (الرَّابِعَةُ) : النَّجْدِيَّةُ أَتْبَاعُ نَجْدَةَ بْنِ عَامِرٍ الْحَنَفِيِّ، قَالُوا: لَا حَاجَةَ إِلَى الْإِمَامِ، وَيَجُوزُ نَصْبُهُ، وَوَافَقُوا الْأَزَارِقَةَ فِي التَّكْفِيرِ. (الْخَامِسَةُ) : الْأَصْفَرِيَّةُ وَهُمْ أَتْبَاعُ زِيَادِ بْنِ الْأَصْفَرِ، خَالَفُوا الْأَزَارِقَةَ فِي تَكْفِيرِ الْقَعَدَةِ، وَفِي مَنْعِ الْحَدِّ عَلَى الزِّنَا، وَفِي أَطْفَالِ الْكُفَّارِ، وَقَالُوا: الْمَعْصِيَةُ الْمُوجِبَةُ لِلْحَدِّ لَا يُدْعَى صَاحِبُهَا إِلَّا بِهَا، وَمَا لَا حَدَّ فِيهِ لِعِظَمِهِ كَتَرْكِ الصَّوْمِ كُفْرٌ، وَيُزَوِّجُونَ الْمُؤْمِنَةَ مِنَ الْكَافِرِ فِي دَارِ التَّقِيَّةِ دُونَ الْعَلَانِيَةِ.

стр. 88

(السَّادِسَةُ) : الْإِبَاضِيَّةُ أَتْبَاعُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِبَاضٍ، قَالُوا: مُخَالِفُونَا كُفَّارٌ غَيْرُ مُشْرِكِينَ، تَجُوزُ مُنَاكَحَتُهُمْ، وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ مُخَالِفِيهِمْ عَلَيْهِمْ، وَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ مُوَحِّدٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وَالِاسْتِطَاعَةُ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَمَخْلُوقُ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ، وَمُرْتَكِبُ الْكَبِيرَةِ كَافِرٌ كُفْرَ نِعْمَةٍ لَا كُفْرَ مِلَّةٍ، وَتَوَقَّفُوا فِي أَوْلَادِ الْكُفَّارِ وَفِي النِّفَاقِ، أَهُوَ شِرْكٌ أَمْ لَا؟ وَجَوَازُ بَعْثَةِ الرُّسُلِ بِلَا دَلِيلٍ وَتَكْلِيفِ اتِّبَاعِهِ، وَكَفَّرُوا عَلِيًّا وَأَكْثَرَ الصَّحَابَةِ ﵃. وَافْتَرَقُوا أَرْبَعَ فِرَقٍ: (الْأُولَى) : الْحَفْصِيَّةُ أَتْبَاعُ أَبِي حَفْصِ بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ، زَادُوا أَنَّ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالشِّرْكِ مَعْرِفَةَ اللَّهِ، فَمَنْ كَفَرَ بِأَمْرٍ سِوَى الشِّرْكِ أَوْ بِارْتِكَابِ كَبِيرَةٍ، فَكَافِرٌ لَا مُشْرِكٌ. (الثَّانِيَةُ) : الْيَزِيدِيَّةُ، قَالُوا: سَيُبْعَثُ نَبِيٌّ مِنَ الْعَجَمِ بِكِتَابٍ، يُكْتَبُ مِنَ السَّمَاءِ، وَيَتْرُكُ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَى مِلَّةِ الصَّابِئَةِ، وَكُلُّ ذَنْبٍ شِرْكٌ. (الثَّالِثَةُ) : الْحَارِثِيَّةُ أَتْبَاعُ أَبِي الْحَارِثِ الْإِبَاضِيِّ، خَالَفُوا فِي الْعُذْرِ وَالِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ. (الرَّابِعَةُ) : الْقَائِلُونَ بِطَاعَةٍ لَا يُرَادُ بِهَا اللَّهُ. (السَّابِعَةُ) : الْعَجَارِدَةُ أَتْبَاعُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَجْرَدٍ، زَادُوا عَلَى النَّجْدِيَّةِ وُجُوبَ دَعْوَةِ الطِّفْلِ إِلَى الْإِسْلَامِ إِذَا بَلَغَ، وَأَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي النَّارِ، وَيَتَشَعَّبُ مِنْ مَذْهَبِهِمْ إِحْدَى عَشْرَةَ فِرْقَةً: (الْأُولَى) : الْمَيْمُونِيَّةُ أَصْحَابُ مَيْمُونِ بْنِ عِمْرَانَ، قَالُوا بِالْقَدَرِ، وَالِاسْتِطَاعَةِ قَبْلَ الْفِعْلِ، وَاللَّهُ يُرِيدُ الْخَيْرَ دُونَ الشَّرِّ وَلَا يُرِيدُ الْمَعَاصِيَ، وَأَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي الْجَنَّةِ، وَلَهُمُ اعْتِقَادَاتٌ سَيِّئَةٌ. (الثَّانِيَةُ) : الْحَمْزِيَّةُ أَتْبَاعُ حَمْزَةَ بْنِ أَدْرَكَ، وَافَقُوهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا: أَطْفَالُ الْكُفَّارِ فِي النَّارِ. (الثَّالِثَةُ) : الشُّعَيْبِيَّةُ أَشْيَاعُ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدٍ، هُمْ كَالْمَيْمُونِيَّةِ إِلَّا فِي الْقَدَرِ. (الرَّابِعَةُ) : الْحَازِمِيَّةُ، وَهُمْ أَصْحَابُ حَازِمِ بْنِ عَاصِمٍ. (وَالْخَلَفِيَّةُ) أَصْحَابُ خَلَفٍ، (وَالْأَطْرَافِيَّةُ) عَذَرُوا أَهْلَ الْأَطْرَافِ فِيمَا لَمْ يَعْرِفُوهُ، وَوَافَقُوا أَهْلَ السُّنَّةِ فِي أُصُولِهِمْ، وَنَفَوُا الْقَدَرَ. (الْخَامِسَةُ) : الْمَعْلُومِيَّةُ كَالْحَازِمِيَّةِ، إِلَّا أَنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدَهُمْ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ، وَفِعْلُ الْعَبْدِ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ. (السَّادِسَةُ) : الْمَجْهُولِيَّةُ، قَالُوا: تَكْفِي مَعْرِفَةُ اللَّهِ بِبَعْضِ أَسْمَائِهِ، وَفِعْلُ الْعَبْدِ لَهُ. (السَّابِعَةُ) : الصَّلْتِيَّةُ وَهُمْ أَصْحَابُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ، هُمْ كَالْعَجَارِدَةِ، لَكِنْ قَالُوا: مَنْ أَسْلَمَ وَاسْتَجَارَ بِنَا، تَوَلَّيْنَاهُ وَبَرِئْنَا مِنْ أَطْفَالِهِ. (الثَّامِنَةُ) : التَّغَالِبَةُ أَصْحَابُ تَغْلِبَ بْنِ عَامِرٍ، قَالُوا بِوِلَايَةِ الْأَطْفَالِ، وَنُقِلَ عَنْهُمْ أَنَّ الْأَطْفَالَ لَا حُكْمَ

стр. 89

لَهُمْ، وَيَرَوْنَ أَخْذَ الزَّكَاةِ مِنَ الْعَبِيدِ إِذَا اسْتَغْنَوْا، وَإِعْطَاءَهَا إِلَى الْعَبِيدِ إِذَا افْتَقَرُوا، ثُمَّ افْتَرَقُوا أَرْبَعَ فِرَقٍ: (أَحَدُهَا) : الْأَخْنَسِيَّةُ أَصْحَابُ الْأَخْنَسِ بْنِ فُلَيْسٍ، وَهُمْ كَالتَّغَالِبَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ تَوَقَّفُوا فِي أَهْلِ دَارِ التَّقِيَّةِ، إِلَّا مَنْ عُلِمَ حَالُهُ، وَحَرَّمُوا الِاغْتِيَالَ بِالْقَتْلِ وَالسَّرِقَةِ، وَنُقِلَ عَنْهُمْ تَزْوِيجُ الْمُسْلِمَاتِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِمْ، (وَالْمَعْبَدِيَّةُ) أَصْحَابُ مَعْبَدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، خَالَفُوهُمْ فِي التَّزْوِيجِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَخَالَفُوا التَّغَالِبَةَ فِي زَكَاةِ الْعَبْدِ، (وَالشَّيْبَانِيَّةُ) أَصْحَابُ شَيْبَانَ بْنِ سَلَمَةَ، قَالُوا بِالْجَبْرِ وَنَفْيِ الْقُدْرَةِ، (وَالْمُكْرَمِيَّةُ) أَصْحَابُ مُكْرَمٍ الْعِجْلِيِّ، قَالُوا: تَارِكُ الصَّلَاةِ كَافِرٌ لِجَهْلِهِ بِاللَّهِ، وَكَذَا كُلُّ كَبِيرَةٍ كُفْرٌ. فَإِذَنْ فِرَقُ الْخَوَارِجِ عِشْرُونَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فرقة المرجئة] الْفِرْقَةُ الرَّابِعَةُ الْمُرْجِئَةُ لُقِّبُوا بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ يُرْجِئُونَ الْعَمَلَ عَنِ النِّيَّةِ وَالِاعْتِقَادِ، أَيْ يُؤَخِّرُونَهُ، أَوْ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِيمَانِ مَعْصِيَةٌ، كَمَا لَا تَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ، وَهُمْ خَمْسُ فِرَقٍ: (الْأُولَى) : الْيُونُسِيَّةُ، قَالُوا: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ، وَالْخُضُوعُ لَهُ، وَالْمَحَبَّةُ، وَلَا يَضُرُّ مَعَهَا تَرْكُ الطَّاعَاتِ، وَإِبْلِيسُ كَانَ عَارِفًا بِاللَّهِ، وَإِنَّمَا كَفَرَ بِاسْتِكْبَارِهِ. (الثَّانِيَةُ) : الْعُبَيْدِيَّةُ أَصْحَابُ عُبَيْدٍ الْمُكْتِبُ، رَأَوْا أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَمْ يَزَلْ شَيْئًا غَيْرَهُ، وَأَنَّهُ عَلَى صُورَةِ الْإِنْسَانِ. (الثَّالِثَةُ) : الْغَسَّانِيَّةُ أَصْحَابُ غَسَّانَ الْكُوفِيِّ، قَالُوا: الْإِيمَانُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِهِمَا إِجْمَالًا، وَهُوَ لَا يَزِيدُ وَلَا يَنْقُصُ. وَعَنَوْا بِالْإِجْمَالِ جَوَازَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ - تَعَالَى - قَدْ فَرَضَ الْحَجَّ، وَلَا أَدْرِي أَيْنَ الْكَعْبَةُ، لَعَلَّهَا فِي غَيْرِ مَكَّةَ، أَوْ يُقَالَ بَعَثَ مُحَمَّدًا، وَلَا أَدْرِي هُوَ الَّذِي بِالْمَدِينَةِ أَمْ لَا. (الرَّابِعَةُ) : الثَّوْبَانِيَّةُ هُمْ أَصْحَابُ ثَوْبَانَ الْمُرْجِئِ، قَالُوا: الْإِيمَانُ هُوَ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ، وَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَلَوْ عَفَا عَنْ عَاصٍ، لَعَفَا عَنْ كُلِّ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ، وَكَذَا لَوْ أَخْرَجَ وَاحِدًا مِنَ النَّارِ، وَلَمْ يَجْزِمُوا بِخُرُوجِ الْمُؤْمِنِ مِنَ النَّارِ. (الْخَامِسَةُ) : التُّومَنِيَّةُ، وَهُمْ أَصْحَابُ أَبِي مُعَاذٍ التُّومَنِيِّ، قَالُوا: الْإِيمَانُ الْمَعْرِفَةُ وَالتَّصْدِيقُ، وَالْمَحَبَّةُ وَالْإِخْلَاصُ وَالْإِقْرَارُ، وَتَرْكُ بَعْضِهِ كُفْرٌ، وَلَيْسَ بَعْضُهُ

стр. 90

إِيمَانًا، وَكُلُّ مَعْصِيَةٍ يُجْمَعُ عَلَى أَنَّهَا كُفْرٌ، يُقَالُ لِمُرْتَكِبِهَا فَسَقَ وَعَصَى، لَا فَاسِقٌ وَلَا عَاصٍ، وَمَنْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ لَطَمَهُ فَقَدْ كَفَرَ ; لِأَنَّهُ دَلِيلُ تَكْذِيبِهِ. هَذِهِ هِيَ الْمُرْجِئَةُ الْخَالِصَةُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْإِرْجَاءِ وَالْقَدَرِ، كَمُحَمَّدِ بْنِ شَبِيبٍ، وَغَيْلَانَ الدِّمَشْقِيِّ خَالِ الْأَوْزَاعِيِّ. أَوَّلُ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْقَدَرِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، ثُمَّ غَيْلَانُ. (السَّادِسَةُ) : النَّجَّارِيَّةُ، وَهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ النَّجَّارِ، وَافَقُوا أَهْلَ السُّنَّةِ فِي خَلْقِ الْأَفْعَالِ، وَأَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ مَعَ الْفِعْلِ، وَالْعَبْدُ مُكْتَسِبٌ، وَوَافَقُوا الْمُعْتَزِلَةَ فِي نَفْيِ الصِّفَاتِ وَحُدُوثِ الْكَلَامِ، وَفِرَقُهُمْ ثَلَاثٌ: (الْبَرْغُوثِيَّةُ) ، قَالُوا: كَلَامُ اللَّهِ إِذَا قُرِئَ عَرَضٌ، وَإِذَا كُتِبَ جِسْمٌ، (وَالزَّعْفَرَانِيَّةُ) قَالُوا: كَلَامُ اللَّهِ غَيْرُهُ، وَكُلُّ مَا هُوَ غَيْرُهُ مَخْلُوقٌ، وَمَنْ قَالَ كَلَامُ اللَّهِ مَخْلُوقٌ، فَقَدْ كَفَرَ، (وَالْمُسْتَدْرِكَةُ) ، اسْتَدْرَكُوا عَلَيْهِمْ، وَقَالُوا: إِنَّهُ مَخْلُوقٌ مُطْلَقًا، لَكِنَّا وَافَقْنَا السُّنَّةَ وَالْإِجْمَاعَ فِي نَفْيِهِ، وَقَالُوا: أَقْوَالُ مُخَالِفِينَا كَذِبٌ، حَتَّى قَوْلُهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. [فرقة الجبرية] الْفِرْقَةُ الْخَامِسَةُ الْجَبْرِيَّةُ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّا مُجْبَرُونَ عَلَى أَفْعَالِنَا، وَيُسْنِدُونَ الْأَفْعَالَ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى، فَمِنْهُمْ (مُتَوَسِّطَةٌ) ، يُسْنِدُونَ الْفِعْلَ إِلَى اللَّهِ، وَيُثْبِتُونَ لِلْعَبْدِ كَسْبًا، (وَخَالِصَةٌ) ، لَا تُثْبِتُ لِلْعَبْدِ شَيْئًا كَالْجَهْمِيَّةِ أَصْحَابِ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ، قَالُوا: لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ أَصْلًا، وَاللَّهُ لَا يَعْلَمُ الشَّيْءَ قَبْلَ وُقُوعِهِ، وَعِلْمُهُ - تَعَالَى - حَادِثٌ لَا فِي مَحَلٍّ، وَلَا يُوصَفُ بِمَا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ، كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ. وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ يَفْنَيَانِ. وَوَافَقُوا الْمُعْتَزِلَةَ فِي نَفْيِ الرُّؤْيَةِ، وَخَلْقِ الْكَلَامِ، وَإِيجَابِ الْمَعْرِفَةِ بِالْعَقْلِ. وَقَوْلُ الْجَهْمِيَّةِ مِنْ أَعْظَمِ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْإِفْكِ وَالضَّلَالِ بِاتِّفَاقِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا، حَتَّى إِنَّ الْإِمَامَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ لَمَّا سُئِلَ عَنِ الِاثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، أَجَابَ بِأَنَّ أُصُولَهَا أَرْبَعَةٌ: الشِّيعَةُ، وَالْخَوَارِجُ، وَالْمُرْجِئَةُ، وَالْقَدَرِيَّةُ. فَقِيلَ لَهُ فَالْجَهْمِيَّةُ؟ فَقَالَ: لَيْسَتِ الْجَهْمِيَّةُ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّا لَنَحْكِي قَوْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْكِيَ كَلَامَ الْجَهْمِيَّةِ، فَإِنَّ الْجَهْمِيَّةَ تَارَةً تَقُولُ بِالْحُلُولِ، وَتَارَةً قَوْلُهَا إِلَى

стр. 91

التَّعْطِيلِ. انْتَهَى. وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي رِسَالَتِهِ الْحَمَوِيَّةِ: أَصْلُ مُقَالَةِ التَّعْطِيلِ لِلصِّفَاتِ إِنَّمَا أُخِذَ مِنْ تَلَامِذَةِ الْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ وَضُلَّالِ الصَّابِئِينَ. قَالَ: فَإِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فِي الْإِسْلَامِ الْجَعْدُ بْنُ دِرْهَمٍ، وَأَخَذَهَا عَنْهُ الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ، وَأَظْهَرَهَا فَنُسِبَتْ مَقَالَةُ الْجَهْمِيَّةِ إِلَيْهِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْجَعْدَ أَخَذَ مَقَالَتَهُ عَنْ أَبَانَ بْنِ سَمْعَانَ، وَأَخَذَهَا أَبَانُ مِنْ طَالُوتَ ابْنِ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ، وَأَخَذَهَا طَالُوتُ مِنْ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيِّ السَّاحِرِ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانَ الْجَعْدُ هَذَا فِيمَا قِيلَ مِنْ أَهْلِ حَرَّانَ، وَكَانَ فِيهِمْ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الصَّابِئَةِ وَالْفَلَاسِفَةِ بَقَايَا أَهْلِ دِينِ النُّمْرُودِ الْكَنْعَانِيِّينَ، وَأَخَذَهَا أَيْضًا الْجَهْمُ عَنِ السَّمْنِيَّةِ بَعْضِ فَلَاسِفَةِ الْهِنْدِ، وَهُمُ الَّذِينَ يَجْحَدُونَ مِنَ الْعُلُومِ مَا سِوَى الْحِسِّيَّاتِ، فَهَذِهِ أَسَانِيدُ الْجَهْمِ تَرْجِعُ إِلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَالصَّابِئِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَالْفَلَاسِفَةِ الضَّالِّينَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [فرقة المشبهة] السَّادِسَةُ الْمُشَبِّهَةُ الَّذِينَ شَبَّهُوا اللَّهَ بِمَخْلُوقَاتِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي طُرُقِ التَّشْبِيهِ، (فَمِنْهُمْ) مُشَبِّهَةُ غُلَاةِ الشِّيعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمِنْهُمْ مُشَبِّهَةُ الْحَشْوِيَّةِ، قَالُوا: هُوَ - تَعَالَى - مِنْ لَحْمٍ وَدَمٍ، وَلَهُ أَعْضَاءٌ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ لِأَصْحَابِهِ (لَمَّا سَأَلُوهُ) أَعْفُونِي مِنَ اللِّحْيَةِ وَالْفَرْجِ، وَسَلُونِي عَمَّا وَرَاءَهُمَا، (وَمِنْهُمْ) مُشَبِّهَةُ الْكَرَّامِيَّةِ أَصْحَابُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ، قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ عَلَى الْعَرْشِ مِنْ جِهَةِ الْعُلُوِّ، وَتَجُوزُ عَلَيْهِ الْحَرَكَةُ وَالنُّزُولُ، فَقِيلَ: يَمْلَأُ الْعَرْشَ، وَاخْتَلَفُوا أَبِبُعْدٍ مُتَنَاهٍ أَوْ غَيْرِهِ؟ (وَمِنْهُمْ) مَنْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ الْجِسْمِ. وَفَى الْقَامُوسِ: وَمُحَمَّدُ بْنُ كَرَّامٍ كَشَدَّادٍ إِمَامُ الْكَرَّامِيَّةِ، الْقَائِلُ بِأَنَّ مَعْبُودَهُ مُسْتَقِرٌّ عَلَى الْعَرْشِ، وَأَنَّهُ جَوْهَرٌ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ. انْتَهَى. فَسَمَّاهُ مُحَمَّدًا، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَرَّامٍ. نَعَمْ، الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ حَمْشَادَ كَانَ زَعِيمَ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَرَّامٍ، وَكَانَ فِي دَوْلَةِ يَمِينِ الدَّوْلَةِ وَأَمِينِ الْمِلَّةِ مَحْمُودِ بْنِ سُبُكْتِكِينَ كَبِيرِ الْقَدْرِ، عَالِي الذِّكْرِ. قَالُوا: وَتَحِلُّ الْحَوَادِثُ فِي ذَاتِهِ - تَعَالَى - وَإِنَّمَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا دُونَ الْخَارِجَةِ عَنْ ذَاتِهِ. وَيَجِبُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ خَلْقِهِ حَيًّا يَصِحُّ مِنْهُ

стр. 92

الِاسْتِدْلَالُ، وَالنُّبُوَّةُ وَالرِّسَالَةُ صِفَتَانِ سِوَى الْوَحْيِ وَالْمُعْجِزَةِ وَالْعِصْمَةِ، وَصَاحِبُهَا رَسُولٌ، وَيَجِبُ عَلَى اللَّهِ إِرْسَالُهُ لَا غَيْرَ، فَهُوَ حِينَئِذٍ مُرْسَلٌ، وَكُلُّ مُرْسَلٍ رَسُولٌ بِلَا عَكْسٍ، وَيَجُوزُ عَزْلُهُ دُونَ الرَّسُولِ، وَجَوَّزُوا إِمَامَيْنِ كَعَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ، إِلَّا أَنَّ إِمَامَةَ عَلِيٍّ وَفْقُ السُّنَّةِ بِخِلَافِ مُعَاوِيَةَ، لَكِنْ تَجِبُ طَاعَةُ رَعِيَّتِهِ لَهُ، وَالْإِيمَانُ قَوْلُ الذَّرِّ فِي الْأَزَلِ " بَلَى "، وَهُوَ بَاقٍ فِي الْكُلِّ إِلَّا الْمُرْتَدِّينَ. وَلَا يَخْفَى مَا فِي عَدِّ هَذِهِ الْفِرَقِ مِنَ التَّدَاخُلِ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ أُصُولَ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ سَبْعَةٌ " أَوَّلُهَا الْمُعْتَزِلَةُ ٢٢، ثُمَّ الشِّيعَةُ ٢٢، فَالْخَوَارِجُ ١٢، فَالْمُرْجِئَةُ ٥، فَالنَّجَّارِيَّةُ ٣، الْجَبْرِيَّةُ ١، الْمُشَبِّهَةُ ٣. [التَّنْبِيهُ الثَّانِي رواية كلها في الجنة إلا واحدة] التَّنْبِيهُ الثَّانِي ذَكَرَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَّالِيُّ فِي كِتَابِهِ " التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالزَّنْدَقَةِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي نَيِّفًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا الزَّنَادِقَةَ، وَهِيَ فِرْقَةٌ» ". هَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ. قَالَ: وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الزَّنَادِقَةَ مِنْ أُمَّتِهِ، إِذْ قَالَ: سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي، وَمَنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِنُبُوَّتِهِ فَلَيْسَ مِنْ أُمَّتِهِ، وَالَّذِينَ يُنْكِرُونَ أَصْلَ الْمَعَادِ وَالصَّانِعَ، فَلَيْسُوا مُعْتَرِفِينَ بِنُبُوَّتِهِ، إِذْ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَوْتَ عَدَمٌ مَحْضٌ، وَأَنَّ الْعَالَمَ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ مَوْجُودًا بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ صَانِعٍ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَنْسُبُونَ الْأَنْبِيَاءَ إِلَى التَّلْبِيسِ، فَلَا يُمْكِنُ نِسْبَتُهُمْ إِلَى الْأُمَّةِ. انْتَهَى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ: أَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَلَا أَصْلَ لَهُ، بَلْ هُوَ مَوْضُوعٌ كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِينَ بِهَذَا اللَّفْظِ، بَلِ الْحَدِيثُ الَّذِي فِي كُتُبِ السُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ قَالَ: " «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ» ". وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: " «هِيَ الْجَمَاعَةُ» ". وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: " «هِيَ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنَا عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَأَصْحَابِي» ". وَضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ، لَكِنْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمْ قَالَ: وَأَيْضًا لَفْظُ الزَّنْدَقَةِ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا لَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ، وَأَمَّا الزِّنْدِيقُ الَّذِي

стр. 93

تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوْبَتِهِ قَبُولًا وَرَدًّا، فَالْمُرَادُ بِهِ عِنْدَهُمُ الْمُنَافِقُ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الْكُفْرَ. انْتَهَى. قُلْتُ: وَقَدْ ذَكَرَ الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْغَزَّالِيُّ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَذُكِرَ أَنَّهُ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، وَلَفْظُهُ: " «تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى سَبْعِينَ، أَوْ إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً ". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: " الزَّنَادِقَةُ، وَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ» ". أَخْرَجَهُ الْعَقِيلِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا، قَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَرَاهُمُ الْقَدَرِيَّةَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَضَعَهُ الْأَبْرَدُ بْنُ أَشْرَسَ، وَكَانَ وَضَّاعَا كَذَّابًا، وَأَخَذَهُ مِنْهُ يَاسِينُ الزَّيَّاتُ، فَقَلَبَ إِسْنَادَهُ وَخَلَطَهُ، وَسَرَقَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْقُرَشِيُّ، وَهَؤُلَاءِ كَذَّابُونَ مَتْرُوكُونَ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ «أَنَّ أُمَّتَهُ سَتَفْتَرِقُ إِلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ» ، فَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَمُعَاوِيَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَجَابِرٍ وَأَبِي أُمَامَةَ، وَوَاثِلَةَ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ، وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ قَالُوا: «وَاحِدَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» . وَلَفْظُ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ مَا تَقَدَّمَ، فَهُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ دُونَ الْحَدِيثِ الْمَكْذُوبِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَخَذَ يَذْكُرُ بَعْضَ مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ فَقَالَ: [قول أهل السنة في النصوص] ((فَأَثْبَتُوا النُّصُوصَ بِالتَّنْزِيهِ ... مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلٍ وَلَا تَشْبِيهِ)) ((فَكُلُّ مَا جَاءَ مِنَ الْآيَاتِ ... أَوْ صَحَّ فِي الْأَخْبَارِ عَنْ ثِقَاتِ)) ((مِنَ الْأَحَادِيثِ نُمِرُّهُ كَمَا ... قَدْ جَاءَ فَاسْمَعْ مِنْ نِظَامِي وَاعْلَمَا)) ((وَلَا نَرُدُّ ذَاكَ بِالْعُقُولِ ... لِقَوْلِ مُفْتَرٍ بِهِ جَهُولِ)) ((فَعِقْدُنَا الْإِثْبَاتُ يَا خَلِيلِي ... مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلٍ وَلَا تَمْثِيلِ))

стр. 94

(فَـ) إِنَّهُمْ: أَيِ الْأَثَرِيَّةَ مِنَ الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ، (أَثْبَتُوا النُّصُوصَ) الْقُرْآنِيَّةَ وَالْأَحَادِيثَ النَّبَوِيَّةَ، مُتَمَسِّكِينَ (بِالتَّنْزِيهِ) لِلَّهِ ، (مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلٍ) لِلصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَهُوَ نَفْيُهَا عَنْهُ - تَعَالَى، فَإِنَّ الْمُعَطِّلِينَ لَمْ يَفْهَمُوا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَصِفَاتِهِ إِلَّا مَا هُوَ اللَّائِقُ بِالْمَخْلُوقِ، ثُمَّ شَرَعُوا فِي نَفْيِ تِلْكَ الْمَفْهُومَاتِ، فَجَمَعُوا بَيْنَ التَّمْثِيلِ وَالتَّعْطِيلِ، فَمَثَّلُوا أَوَّلًا وَعَطَّلُوا آخِرًا، فَهَذَا تَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ مِنْهُمْ لِلْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ - تَعَالَى - بِالْمَفْهُومِ مِنْ أَسْمَاءِ خَلْقِهِ وَصِفَاتِهِمْ، فَعَطَّلُوا مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ اللَّائِقَةِ بِهِ ، بِخِلَافِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَجِلَّاءِ الْأَئِمَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ نَبِيُّهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ (وَلَا تَشْبِيهٍ) ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ - تَعَالَى - قَالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، فَرَدَّ عَلَى الْمُشَبِّهَةِ بِنَفْيِ الْمِثْلِيَّةِ، وَرَدَّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، وَاعْلَمْ أَنَّ قُدَمَاءَ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي عَلِيٍّ الْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ هِيَ الْمُشَاكَلَةُ فِي أَخَصِّ صِفَاتِ النَّفْسِ، فَمُمَاثَلَةُ زَيْدٍ لِعَمْرٍو عِنْدَهُمْ مُشَارَكَتُهُ إِيَّاهُ فِي النَّاطِقِيَّةِ فَقَطْ، وَذَهَبَ الْمَاتُرِيدِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ هِيَ الِاشْتِرَاكُ فِي الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ، كَالْحَيَوَانِيَّةِ وَالنَّاطِقِيَّةِ لِزَيْدٍ وَعَمْرٍو. قَالُوا: وَمِنْ لَازِمِ الِاشْتِرَاكِ فِي الصِّفَةِ النَّفْسِيَّةِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا الِاشْتِرَاكُ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ، وَثَانِيهَمَا أَنْ يَسُدَّ كُلٌّ مِنْهُمَا مَسَدَّ الْآخَرِ، وَيَنُوبَ الْآخَرُ مَنَابَهُ، فَمِنْ ثَمَّ يُقَالُ الْمِثْلَانِ مَوْجُودَانِ مُشْتَرِكَانِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ، أَوْ

стр. 95

مَوْجُودَانِ، يَسُدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَسَدَّ الْآخَرِ. وَالْمُتَمَاثِلَانِ وَإِنِ اشْتَرَكَا فِي الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنِ اخْتِلَافِهِمَا بِجِهَةٍ أُخْرَى لِيَتَحَقَّقَ التَّعَدُّدُ وَالتَّمَايُزُ، فَيَصِحُّ التَّمَاثُلُ، وَنُسِبَ إِلَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي التَّمَاثُلِ التَّسَاوِي مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّهُ لَا تَعَدُّدَ حِينَئِذٍ فَلَا تَمَاثُلَ، وَبِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ مُطْبِقُونَ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِنَا زَيْدٌ مِثْلُ عَمْرٍو فِي الْفِقْهِ، إِذَا كَانَ يُسَاوِيهِ فِيهِ وَسَدَّ مَسَدَّهُ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَوْصَافِ، وَفِي الْحَدِيثِ: " «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» "، أَرَادَ بِهِ الِاسْتِوَاءَ فِي الْكَيْلِ دُونَ الْوَزْنِ وَعَدَدِ الْحَبَّاتِ وَأَوْصَافِهَا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ التَّسَاوِي فِي الْوَجْهِ الَّذِي بِهِ التَّمَاثُلُ، فَزَيْدٌ وَعَمْرٌو إِذَا اشْتَرَكَا فِي الْفِقْهِ وَكَانَ بَيْنَهُمَا مُسَاوَاةٌ فِيهِ بِحَيْثُ يَنُوبُ أَحَدُهُمَا عَنِ الْآخَرِ، يَصِحُّ الْقَوْلُ بِأَنَّهُمَا مِثْلَانِ فِيهِ وَإِلَّا فَلَا. وَكُلُّ هَذَا مُغَالَطَةٌ وَتَمْوِيهٌ، لَيْسَ شَيْءٌ مِنْهُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، (فَكُلُّ مَا جَاءَ) عَنِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ (مِنَ الْآيَاتِ) الْقُرْآنِيَّةِ، (أَوْ صَحَّ) مَجِيئُهُ (فِي الْأَخْبَارِ) بِالْأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ الْمَرْضِيَّةِ، (عَنْ) رُوَاةٍ (ثِقَاتٍ) فِي النَّقْلِ، وَهُمُ الْعُدُولُ الضَّابِطُونَ الْمَرْضِيُّونَ عِنْدَ أَهْلِ الْفَنِّ الْعَارِفِينَ بِالْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ (مِنَ الْأَحَادِيثِ) الصَّحِيحَةِ وَالْآثَارِ الصَّرِيحَةِ مِمَّا يُوهِمُ تَشْبِيهًا أَوْ تَمْثِيلًا، فَهُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، نُؤْمِنُ بِهِ وَبِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَ (نُمِرُّهُ كَمَا قَدْ جَاءَ) عَنِ اللَّهِ، أَوْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيُوصَفُ

стр. 96

اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ، لَا يُتَجَاوَزُ الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: لَا يُوصَفُ اللَّهُ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ ، لَا نَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. فَمَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ - تَعَالَى - بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَكْيِيفٍ، وَهُوَ - سُبْحَانَهُ - لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ

стр. 97

لَا فِي ذَاتِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا فِي أَفْعَالِهِ، وَكُلُّ مَا أَوْجَبَ نَقْصًا أَوْ حُدُوثًا فَاللَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنْهُ حَقِيقَةً، فَإِنَّهُ - تَعَالَى - مُسْتَحِقُّ الْكَمَالِ الَّذِي لَا غَايَةَ فَوْقَهُ، وَمَذْهَبُ السَّلَفِ عَدَمُ الْخَوْضِ فِي مِثْلِ هَذَا، وَالسُّكُوتُ عَنْهُ، وَتَفْوِيضُ عِلْمِهِ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى. قَالَ حَبْرُ الْقُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄: هَذَا مِنَ

стр. 98

الْمَكْتُومِ الَّذِي لَا يُفَسَّرُ، فَالْوَاجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُؤْمِنَ بِظَاهِرِهِ، وَيَكِلَ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ - تَعَالَى. وَعَلَى ذَلِكَ مَضَتْ أَئِمَّةُ السَّلَفِ، كَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ،

стр. 99

وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، فَكُلُّ هَؤُلَاءِ ﵃ يَقُولُونَ فِي الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ. قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ - وَنَاهِيكَ بِهِ: كُلُّ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، فَتَفْسِيرُهُ قِرَاءَتُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُفَسِّرَهُ إِلَّا اللَّهُ وَرَسُولُهُ. فَهَذَا مَذْهَبُ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَفُضَلَاءِ الْأَئِمَّةِ ﵃، فَلِهَذَا قُلْتُ (فَاسْمَعْ) سَمَاعَ إِذْعَانٍ وَتَفَهُّمٍ وَامْتِثَالٍ وَتَعْلِيمٍ (مِنْ) مَنْطُوقِ (نِظَامِي) وَمَفْهُومِهِ، وَمُحْتَرَزِهِ وَمَعْلُومِهِ، (وَاعْلَمَا) فِعْلُ أَمْرٍ مُؤَكَّدٌ بِنُونِ التَّأْكِيدِ الْخَفِيفَةِ الْمُنْقَلِبَةِ أَلِفًا، أَيِ اعْلَمْ ذَلِكَ عِلْمَ تَحْقِيقٍ وَتَحْرِيرٍ وَتَدْقِيقٍ، وَاعْتَمِدْهُ وَاعْتَقِدْهُ، فَإِنَّهُ نَهْجُ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَسَبِيلُ أَحْبَارِ الْأَئِمَّةِ، (وَلَا نَرُدُّ ذَاكَ) الْوَارِدَ فِي الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ، وَمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ (بِالْعُقُولِ) ، بِضَرْبٍ مِنَ التَّأْوِيلِ أَوِ التَّمْوِيهِ وَالتَّضْلِيلِ، (لِـ) أَجْلِ (قَوْلِ) إِنْسَانٍ (مُفْتَرٍ) مِنَ الْفِرْيَةِ، وَهِيَ الْكَذِبُ، وَمِنْهُ " «فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ» "، أَيِ الْكَذِبَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ﴾ [الممتحنة: ١٢] ، يُقَالُ: فَرَى يَفْرِي فَرْيًا، وَافْتَرَى يَفْتَرِي افْتِرَاءً إِذَا كَذَبَ، وَمُفْتَرٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْهُ، (بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْقَوْلِ الَّذِي تَقَوَّلَهُ، وَالتَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ (جَهُولٍ) ، صِفَةٌ لِمُفْتَرٍ مِنْ صِفَاتِ الْمُبَالَغَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - سَمَّى نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ بِالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَصَفَ نَفْسَهُ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ، فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧] ، وَقَالَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ، وَقَالَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] ، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٤]- وَ ﴿يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]- وَ ﴿يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]- وَ ﴿يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]

стр. 100

وَكَذَلِكَ الرِّضَا وَالْغَضَبُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ الْعَظِيمُ وَالنَّبِيُّ الْكَرِيمُ، فَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَعُلَمَاءُ الْأَئِمَّةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيُثْبِتُونَهُ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَهُ - تَعَالَى - مَعَ اعْتِقَادِهِمُ التَّنْزِيهَ وَالتَّقْدِيسَ، عَنِ التَّشْبِيهِ وَالتَّنْقِيصِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَجْعَلُ رَحْمَةَ اللَّهِ وَحُبَّهُ - تَعَالَى - عِبَارَةً عَمَّا يَخْلُقُهُ مِنَ النِّعْمَةِ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ إِثْبَاتَ هَذَا تَشْبِيهٌ ; لِأَنَّ الرَّحْمَةَ رِقَّةٌ تَلْحَقُ الْمَخْلُوقَ، وَالرَّبُّ مُنَزَّهٌ عَنْ مِثْلِ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، (فَالْجَوَابُ) إِنَّ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ يَلْزَمُ مِنْ غَيْرِهَا، فَإِنَّ الْإِرَادَةَ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِ مَيْلُهُ إِلَى مَا يَنْفَعُهُ، وَدَفْعُ مَا يَضُرُّهُ، وَاللَّهُ - تَعَالَى - مُنَزَّهٌ عَنِ الِاحْتِيَاجِ إِلَى عِبَادِهِ، وَهُمْ لَا يَبْلُغُونَ ضَرَّهُ وَلَا نَفْعَهُ، بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْإِرَادَةُ الَّتِي نُثْبِتُهَا لِلَّهِ لَيْسَتْ مِثْلَ إِرَادَةِ الْمَخْلُوقِينَ، كَمَا أَنَّا قَدِ اتَّفَقْنَا وَسَائِرَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّهُ - تَعَالَى - حَيٌّ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، وَلَيْسَ هُوَ مِثْلَ سَائِرِ الْأَحْيَاءِ الْعُلَمَاءِ الْقَادِرِينَ، (فَالْجَوَابُ) أَنَّا نَقُولُ: وَكَذَلِكَ الرَّحْمَةُ وَالْمَحَبَّةُ الَّتِي نُثْبِتُهَا لِلَّهِ - تَعَالَى - لَيْسَتْ مِثْلَ رَحْمَةِ الْمَخْلُوقِ وَمَحَبَّةِ الْمَخْلُوقِ. فَإِنْ قِيلَ: لَا نَعْقِلُ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ إِلَّا هَذَا. قَالَ لَكَ نُفَاةِ الصِّفَاتِ: وَنَحْنُ لَا نَعْقِلُ مِنَ الْإِرَادَةِ إِلَّا هَذَا. وَقُلْنَا نَحْنُ - مَعْشَرَ أَهْلِ الْأَثَرِ -: لَا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ فَهِيمٍ، وَلَا مُؤْمِنٍ سَلِيمٍ أَنَّ إِرَادَتَنَا وَمَحَبَّتَنَا، وَرَحْمَتَنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا، وَإِرَادَتَهُ - تَعَالَى - وَمَحَبَّتَهُ، وَرَحْمَتَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، فَكَمَا أَنَّ ذَاتَهُ لَا تُشْبِهُ ذَوَاتِنَا، وَحَيَاتَهُ لَا تُشْبِهُ حَيَاتَنَا، فَرَحْمَتُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَرِضَاهُ وَغَضَبُهُ كَذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ، فَكَيْفَ تُثْبِتُ لَهُ إِحْدَى الصِّفَتَيْنِ، وَتَنْفِي عَنْهُ الْأُخْرَى مَعَ وُرُودِ الْجَمِيعِ فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ وَالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ؟ وَلَيْسَ فِي الْعَقْلِ، وَلَا فِي السَّمْعِ مَا يُوجِبُ التَّفْرِيقَ، إِذْ غَايَةُ مَا يُقَالُ: إِنَّا نُثْبِتُ الْإِرَادَةَ بِالْعَقْلِ ; لِأَنَّ وُجُودَ التَّخْصِيصِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ دَلَّ عَلَى الْإِرَادَةِ، فَيُقَالُ: أَوَّلًا انْتِفَاءُ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يَقْتَضِي انْتِفَاءَ الْمَدْلُولِ، فَهَبْ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الدَّلِيلِ لَا يَثْبُتُ فِي الرَّحْمَةِ وَالْمَحَبَّةِ، فَمِنْ أَيْنَ نَفَيْتُمْ ذَلِكَ مَعَ أَنَّ السَّمْعَ أَثْبَتَ ذَلِكَ؟ وَيُقَالُ ثَانِيًا فِي إِثْبَاتِ ذَلِكَ بِالطَّرِيقِ الْعَقْلِيِّ نَظِيرَ الَّذِي أَثْبَتُّمْ بِهِ الْإِرَادَةَ: مَا فِي الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ وُجُودِ الْمَنَافِعِ لِلْمُحْتَاجِينَ، وَكَشْفِ الضُّرِّ عَنِ الْمَضْرُورِينَ،

стр. 101

وَالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَخْلُوقَاتِ، وَأَنْوَاعِ الرِّزْقِ وَالْهُدَى وَالْمَسَرَّاتِ دَلِيلٌ عَلَى رَحْمَةِ الْخَالِقِ - سُبْحَانَهُ، وَالْقُرْآنُ يُثْبِتُ دَلَائِلَ الرُّبُوبِيَّةِ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ، تَارَةً يَدُلُّهُمْ بِالْآيَاتِ الْمَخْلُوقَةِ عَلَى وُجُودِ الْخَالِقِ، وَيُثْبِتُ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَحَيَاتَهُ، وَتَارَةً يَدُلُّهُمْ بِالنِّعَمِ وَالْآلَاءِ عَلَى وُجُودِ بِرِّهِ وَإِحْسَانِهِ الْمُسْتَلْزِمِ رَحْمَتَهُ، وَهَذَا كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ - الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: ٢٧] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الرَّحْمَنِ بَعْدَ ذِكْرِ تَعْدَادِ أَنْوَاعِ النِّعَمِ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] ، وَكَذَلِكَ إِثْبَاتُ حِكْمَتِهِ - تَعَالَى - وَمَحَبَّتِهِ الَّتِي تَنْبَنِي عَلَيْهَا حِكْمَةُ خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، مِمَّا يُعْلَمُ بِالسَّمْعِ وَبِالْعَقْلِ أَيْضًا، كَمَا تُعْلَمُ إِرَادَتُهُ - تَعَالَى - (بِهِمَا) ، وَسَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا عَلَى أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يُحِبُّ وَيُحَبُّ، وَهُوَ قَوْلُ شُيُوخِ (أَهْلِ) الْمَعْرِفَةِ. وَفِي الْحَدِيثِ: " «وَأَسْأَلُكَ الشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ» ". إِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ (فَعِقْدُنَا) مَعْشَرَ الْأَثَرِيَّةِ الَّذِي نَعْقِدُ عَلَيْهِ، وَنَهْجُنَا الَّذِي نَسْلُكُهُ وَنَذْهَبُ إِلَيْهِ، (الْإِثْبَاتُ) لِلْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، كَمَا وَرَدَتْ بِهِ الْآيَاتُ، وَدَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ، (يَا خَلِيلِي) مِنَ الْخُلَّةِ، وَهِيَ نِهَايَةُ الْمَحَبَّةِ وَخُلَاصَتُهَا، بِحَيْثُ أَنَّهَا تَخَلَّلَتِ الْأَعْضَاءَ وَالْمَفَاصِلَ، وَالْمُرَادُ بِالْخَلِيلِ هُنَا الْمُوَافِقُ عَلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ، السَّائِلُ عَنْ مِنْهَاجِهِ وَدَقَائِقِهِ وَأُمَّهَاتِ مَسَائِلِهِ وَحَقَائِقِهِ، فَإِنَّا نَدِينُ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِإِثْبَاتِ مَا جَاءَتْ بِهِ الْآيَاتُ وَصَحِيحُ الرِّوَايَاتِ، وَسَلَكَتْهُ الْأَئِمَّةُ السَّادَاتُ (مِنْ غَيْرِ تَعْطِيلٍ) لَهَا عَنْ حَقَائِقِهَا وَنَفْيِهَا مَعَ صِحَّةِ مَخَارِجِهَا، بَلْ نُثْبِتُهَا وَنُؤْمِنُ بِهَا، وَلَا تَشْبِيهَ فِي مُجَرَّدِ إِثْبَاتِهَا، (وَلَا) أَيْ: وَمِنْ غَيْرِ (تَمْثِيلٍ) لَهَا بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِ، بَلْ إِثْبَاتٌ بِلَا تَمْثِيلٍ، وَتَنْزِيهٌ بِلَا تَعْطِيلٍ، فَالْمُمَثِّلُ يَعْبُدُ صَنَمًا، وَالْمُعَطِّلُ يَعْبُدُ عَدَمًا، وَالْمُثْبِتُ الْمُسَلِّمُ يَعْبُدُ رَبَّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، الْمَنْعُوتَ بِنُعُوتِ الصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ. وَعِنْدَنَا مَعْشَرَ السَّلَفِ وَمَنْ نَحَا مَنْحَانَا مِنْ عُلَمَاءِ الْخَلَفِ.

стр. 102

[تأويل الصفات] [حال المؤولين] ((فَكُلُّ مَنْ أَوَّلَ فِي الصِّفَاتِ ... كَذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ مَا إِثْبَاتِ)) ((فَقَدْ تَعَدَّى وَاسْتَطَالَ وَاجْتَرَى ... وَخَاضَ فِي بَحْرِ الْهَلَاكِ وَافْتَرَى)) ((أَلَمْ تَرَ اخْتِلَافَ أَصْحَابِ النَّظَرْ ... فِيهِ وَحُسْنَ مَا نَحَاهُ ذُو الْأَثَرْ)) ((فَإِنَّهُمْ قَدِ اقْتَدَوْا بِالْمُصْطَفَى ... وَصَحْبِهِ فَاقْنَعْ بِهَذَا وَكَفَى)) ((فَكُلُّ مَنْ أَوَّلَ فِي الصِّفَاتِ)) الثَّابِتَةِ لِلذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ عَنْ سِمَاتِ الْمُحْدَثَاتِ، وَالْمُرَادُ بِالتَّأْوِيلِ هُنَا أَنْ يُرَادَ بِاللَّفْظِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، أَوْ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ لِمَعْنًى آخَرَ، أَوْ عَنْ حَقِيقَتِهِ لِمَجَازِهِ، وَهُوَ فِي آيَاتِ الصِّفَاتِ الْمُقَدَّسَةِ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ عِنْدَ أَئِمَّةِ الدِّينِ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ الْمُعْتَبِرِينَ، فَإِنَّا حَيْثُ أَثْبَتْنَا ذَاتًا لَا كَالذَّوَاتِ، فَمَا الْمَانِعُ مِنْ إِثْبَاتِ صِفَاتٍ لَا كَصِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ؟ فَالْكَلَامُ فِي الصِّفَاتِ فَرْعٌ عَلَى الْكَلَامِ فِي الذَّاتِ، فَصِفَاتُهُ - تَعَالَى - قَدِيمَةٌ ثَابِتَةٌ (كَذَاتِهِ) - تَعَالَى، فَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَأَوَّلَ فِي صِفَاتِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَلَا فِي ذَاتِهِ، (مِنْ غَيْرِ مَا) مَا زَائِدَةٌ تَأْكِيدٌ لِلنَّفْيِ وَلِإِقَامَةِ الْوَزْنِ، (إِثْبَاتِ) عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَأَصْحَابِهِ، وَأَئِمَّةِ التَّابِعِينَ الْمُعْتَبَرِينَ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَأَتْبَاعِهِمْ، فَهُمُ الْعُمْدَةُ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَعُلِمَ مِنَ النَّظْمِ أَنَّ اللَّهَ - سُبْحَانَهُ - يُطْلَقُ عَلَيْهِ الذَّاتُ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ، وَاللَّهُ ذَاتٌ لَا كَالذَّوَاتِ، بِخِلَافِ الْمَاهِيَّةِ، فَأَكْثَرُ الْمُتَكَلِّمِينَ

стр. 103

مَنَعَ إِطْلَاقَهَا عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - ; لِأَنَّ مَعْنَى الْمَاهِيَّةِ الْمُجَانَسَةُ، وَهِيَ الْمُشَارَكَةُ فِي الْجِنْسِ وَالْفَصْلِ، قَالُوا: وَمَا رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ لِلَّهِ مَاهِيَّةً لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ، لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ، فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَمْ يُوجَدْ فِي كُتُبِهِ، وَلَمْ يَنْقُلْهُ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْعَارِفِينَ بِأَقْوَالِهِ، فَلَوْ ثَبَتَ عَنْهُ، لَحُمِلَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهُ - تَعَالَى - يَعْلَمُ ذَاتَهُ لَا بِدَلِيلٍ، أَوْ أَنَّ لَهُ أَسْمَاءً لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ كَمَا فِي حَدِيثِ " «وَأَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» "، فَلِلَّهِ أَسْمَاءٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ. وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵇: " «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» "، يَعْنِي الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى، مُتَّصِفَةً بِأَنَّ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (فَقَدْ تَعَدَّى) فَهَذَا خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَإِ الَّذِي هُوَ كُلُّ مَنْ أَوَّلَ، وَتَعَدِّيهِ تَجَرِّيهِ عَلَى مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَإِنَّهُ فَعَلَ مَا لَيْسَ لَهُ، وَقَالَ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَهُ بِهِ، (وَاسْتَطَالَ) عَلَى السَّلَفِ الصَّالِحِ، فَكَأَنَّهُ اسْتَدْرَكَ عَلَيْهِمْ مَا يَزْعُمُ أَنَّهُمْ أَغْفَلُوهُ، وَحَرَّرَ فِيمَا يَدَّعِي أَنَّهُمْ أَهْمَلُوهُ، (وَاجْتَرَى) افْتِعَالٌ مِنَ الْجُرْأَةِ، أَيْ تَشَجَّعَ وَافْتَاتَ حَدَّهُ وَتَعَدَّى طَوْرَهُ، وَلَمْ يَقْتَدِ بِالصَّادِقِ الْمَصْدُوقِ وَلَا بِأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، (وَخَاضَ) ، يُقَالُ: خَاضَ الْمَاءُ يَخُوضُهُ خَوْضًا وَخِيَاضًا دَخَلَهُ، كَخَوْضِهِ وَاخْتَاضَهُ بِالْفَرَسِ أَوْرَدَهُ كَإِخَاضَةٍ، وَخَاضَ الْغَمَرَاتِ اقْتَحَمَهَا، أَيِ اقْتَحَمَ (فِي بَحْرِ الْهَلَاكِ) أَيِ الْمَوْتِ وَالِانْمِحَاقِ، يَعْنِي رَمَى نَفْسَهُ فِي بَحْرٍ يَذْهَبُ بِدِينِهِ وَيَئُولُ بِهِ إِلَى الْهَلَاكِ الْأَبَدِيِّ وَالْعَذَابِ السَّرْمَدِيِّ، (وَافْتَرَى) عَلَى مَوْلَاهُ الَّذِي خَلَقَهُ وَسَوَّاهُ، وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُسَلِّمْ لَمْ يَسْلَمْ، وَمَنْ لَمْ يَقْتَفِ طَرِيقَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، لَمْ يَرْبَحْ وَيَغْنَمْ، فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَتَّبِعَ طَرِيقَةَ أَهْلِ الْأَثَرِ، فَإِنَّهَا أَسْلَمُ، وَدَعْ عَنْكَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ مَذْهَبَ الْخَلَفِ أَعْلَمُ، فَإِنَّهَا مِنَ النَّزَعَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ، وَالزَّخَارِفِ الْبِدْعِيَّةِ، وَالْأَحْدَاسِ النَّفْسِيَّةِ، وَالْوَسَاوِسِ الْجَهْمِيَّةِ، وَالتَّحَذْلُقَاتِ الزَّنْدَقِيَّةِ. فَأَيْنَ عِلْمُ زَيْدٍ وَعَمْرٍو مِمَّنْ شَاهَدَ الرَّسُولَ وَعَايَنَ الْأَمْرَ؟ وَمِنْ ثَمَّ قُلْنَا ((أَلَمْ تَرَ اخْتِلَافَ أَصْحَابِ النَّظَرِ)) ، يَعْنِي نُظَّارَ الْمُتَكَلِّمَةِ مِنْ سَائِرِ الْفِرَقِ وَالطَّوَائِفِ، وَرَدَّ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَتَضْلِيلَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، (فِيهِ) أَيْ فِي نَظَرِهِمُ الَّذِي يَزْعُمُ كُلُّ فَرِيقٍ

стр. 104

مِنْهُمْ أَنَّهُ هُوَ الْعِلْمُ الْحَقُّ وَالْقَوْلُ الصِّدْقُ، فَيَأْتِي غَيْرُ ذَلِكَ الْفَرِيقِ، فَيَنْقُضُهُ وَيَرْمِي صَاحِبَهُ بِالزَّنْدَقَةِ وَالتَّحْمِيقِ، فَكُلُّ فِرْقَةٍ مِنَ الْمُتَأَوِّلِينَ تُخَطِّئُ الْأُخْرَى، وَتَزْعُمُ أَنَّ مَا اهْتَدَتْ إِلَيْهِ بِعَقْلِهَا أَحَقُّ وَأَحْرَى، فَتَرُدُّ مَا زَعَمَتْ تِلْكَ أَنَّهُ بُرْهَانٌ، فَتَجِيءُ الْأُخْرَى فَتُبَرْهِنُ عَلَى بُطْلَانِهِ، وَتَزْعُمُ أَنَّهُ هَذَيَانٌ، وَتَعْتَقِدُ أَنَّ الَّذِي زَخْرَفَتْهُ هُوَ حَقُّ الْيَقِينِ، فَتَأْتِي فِرْقَةٌ أُخْرَى فَتَزْعُمُ أَنَّهُ مِنْ وَحْيِ الشَّيَاطِينِ، فَكُلُّ مَنْ طَالَعَ كُتُبَ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ، عَلِمَ مَا فِي قَوْلِهِمْ مِنَ الْهَذْرَمَةِ وَالزَّخْرَفَةِ. وَالنَّاسُ شَتَّى وَآرَاءٌ مُفَرَّقَةٌ ... كُلٌّ يَرَى الْحَقَّ فِيمَا قَالَ وَاعْتَقَدَا (وَ) أَلَمْ تَرَ (حُسْنَ مَا) أَيِ الْمَذْهَبِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَالْمَنْحَى الَّذِي (نَحَاهُ) وَقَصَدَهُ وَنَهَجَهُ (ذُو) أَيْ صَاحِبُ مَذْهَبِ (الْأَثَرِ) مِنَ النَّبِيِّ الْأَمِينِ وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ الَّذِينَ هُمْ عُمْدَةُ هَذَا الدِّينِ، (فَإِنَّهُمْ) أَيِ الْأَثَرِيَّةَ الْمَفْهُومِينَ مِنْ قَوْلِهِ: وَحُسْنَ مَا نَحَاهُ ذُو الْأَثَرِ، (قَدِ اقْتَدَوْا) فِيمَا اعْتَقَدُوهُ، وَعَوَّلُوا فِيمَا اعْتَمَدُوهُ (بِـ) النَّبِيِّ (الْمُصْطَفَى) افْتِعَالٌ مِنَ الصَّفْوَةِ، وَهُوَ نَبِيُّنَا رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ ﷺ (وَ) اقْتَدَوْا مِنْ بَعْدِهِ ﷺ (بِصَحْبِهِ) الَّذِينَ صَحِبُوهُ، وَنَقَلُوا عَنْهُ الشَّرِيعَةَ، وَعَايَنُوا الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ، وَعَلِمُوا مِنَ الرَّسُولِ بِمَا جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ، فَإِنْ كُنْتَ تَبْغِي السَّلَامَةَ، وَتَسْلَمُ مِنَ الْبِدَعِ وَالنَّدَامَةِ، (فَاقْنَعْ) أَيِ: ارْضَ (بِهَذَا) الْبَيَانِ، الْمُسْنَدِ إِلَى آيَاتِ الْقُرْآنِ، وَإِلَى حَدِيثِ سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَانَ، وَإِلَى الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةِ الْمُهْتَدِينَ، (وَكَفَى) بِهَؤُلَاءِ مُسْتَنَدًا وَمُعْتَقَدًا، فَالسَّلَامَةُ فِيمَا نَحَوْهُ وَأَصَّلُوهُ، لَا فِيمَا زَخْرَفَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ وَتَقَوَّلُوهُ. [تَنْبِيهَاتٌ خاصة بتأويل الصفات] [التنبيه الأول الاختلاف في فهم الكمال] تَنْبِيهَاتٌ (الْأَوَّلُ) : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُقَلَاءِ أَنَّ اللَّهَ مُتَّصِفٌ بِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، مُنَزَّهٌ عَنْ جَمِيعِ صِفَاتِ النَّقْصِ، لَكِنَّهُمْ مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الْكَمَالِ وَالنَّقْصِ، فَتَرَاهُمْ يُثْبِتُ أَحَدُهُمْ لِلَّهِ مَا يَظُنُّهُ كَمَالًا، وَيَنْفِي

стр. 105

الْآخَرُ عَيْنَ مَا أَثْبَتَهُ هَذَا لِظَنِّهِ نَقْصًا، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُمْ سَلَّطُوا الْأَفْكَارَ عَلَى مَا لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْفِكْرِ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - خَلَقَ الْعُقُولَ، وَأَعْطَاهَا قُوَّةَ الْفِكْرِ، وَجَعَلَ لَهَا حَدًّا تَقِفُ عِنْدَهُ مِنْ حَيْثُ مَا هِيَ مُفَكِّرَةٌ، لَا مِنْ حَيْثُ مَا هِيَ قَابِلَةٌ لِلْوَهْبِ الْإِلَهِيِّ، فَإِذَا اسْتَعْمَلَتِ الْعُقُولُ أَفْكَارَهَا فِيمَا هُوَ فِي طَوْرِهَا وَحَدِّهَا وَوَفَّتِ النَّظَرَ حَقَّهُ، أَصَابَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَإِذَا سُلِّطَتِ الْأَفْكَارُ عَلَى مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ طَوْرِهَا وَوَرَاءَ حَدِّهَا الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ لَهَا، رَكِبَتْ مَتْنَ عَمْيَاءَ، وَخَبَطَتْ خَبْطَ عَشْوَاءَ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا قَدَمٌ، وَلَمْ تَرْتَكِنْ عَلَى أَمْرٍ تَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ الَّتِي وَرَاءَ طَوْرِهَا مِمَّا لَا تَسْتَقِلُّ الْعُقُولُ بِإِدْرَاكِهَا مِنْ طَرِيقِ الْفِكْرِ وَتَرْتِيبِ الْمُقَدِّمَاتِ، وَإِنَّمَا تُدْرِكُ ذَلِكَ بِنُورِ النُّبُوَّةِ وَوِلَايَةِ الْمُتَابَعَةِ، فَهُوَ اخْتِصَاصٌ إِلَهِيٌّ يُخْتَصُّ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأَهْلُ وِرَاثَتِهِمْ مَعَ حُسْنِ الْمُتَابَعَةِ، وَتَصْفِيَةِ الْقَلْبِ مِنْ وَضَرِ الْبِدَعِ وَالْفِكَرِ مِنْ نَزَغَاتِ الْفَلْسَفَةِ، وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ. وَمِمَّا يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ الْعُقُولَ لَوْ كَانَتْ مُسْتَقِلَّةً بِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ وَأَحْكَامِهِ، لَكَانَتِ الْحُجَّةُ قَائِمَةً عَلَى النَّاسِ قَبْلَ بَعْثِ الرُّسُلِ وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ بِالنَّصِّ، قَالَ - تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، وَقَالَ - تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه: ١٣٤] ، فَكَذَا الْمَلْزُومُ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ الْكُتُبَ، وَجَبَتْ لِلَّهِ عَلَى الْخَلْقِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَانْقَطَعَتْ عَلَقَةُ الِاعْتِذَارِ، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣] ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] ، وَلَمَّا عَجَزَتِ الْعُقُولُ مِنْ طَرِيقِ الْفِكْرِ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَقِّ الَّتِي هِيَ وَرَاءَ طَوْرِهَا وَمَنْحِهَا الْقَبُولَ، وَقَدْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ، وَأَنْزَلَ فِيهِ مَا حَارَتْ فِي إِدْرَاكِهِ الْعُقُولُ مِنَ الْآيَاتِ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهَا إِلَّا اللَّهُ، أَمَرَنَا الشَّارِعُ بِالْإِيمَانِ بِهَا، وَنَهَانَا عَنِ التَّفْكِيرِ فِي ذَاتِ اللَّهِ رَحْمَةً مِنْهُ بِنَا وَلُطْفًا لِعَجْزِنَا عَنْ إِدْرَاكِهِ، فَإِنَّ تَسْلِيطَ الْفِكْرِ عَلَى مَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ حَدِّهِ تَعَبٌ بِلَا فَائِدَةٍ، وَنَصَبٌ مِنْ غَيْرِ عَائِدَةٍ، وَطَمَعٌ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ، وَكَدٌّ مِنْ غَيْرِ مَنْجَعٍ، وَقَدْ أَمَرَنَا بِالْإِيمَانِ بِالْمُتَشَابِهِ.

стр. 106

وَفِي الْحَدِيثِ " «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَالْتَمِسُوا غَرَائِبَهُ - يَعْنِي فَرَائِضَهُ أَيْ حُدُودَهُ - وَهِيَ حَلَالٌ وَحَرَامٌ، وَمُحْكَمٌ وَمُتَشَابِهٌ وَأَمْثَالٌ، فَأَحِلُّوا حَلَالَهُ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَاعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ» ". رَوَاهُ الدَّيْلَمِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَلَفْظُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «كَانَ الْكِتَابُ الْأَوَّلُ يَنْزِلُ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَنَزَلَ الْقُرْآنُ مِنْ سَبْعَةِ أَبْوَابٍ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ: زَجْرٍ وَأَمْرٍ وَحَلَالٍ وَحَرَامٍ وَمُحْكَمٍ وَمُتَشَابِهٍ وَأَمْثَالٍ، فَأَحِلُّوا حَلَالَهُ، وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ، وَافْعَلُوا مَا أُمِرْتُمْ بِهِ، وَانْتَهُوا عَمَّا نُهِيتُمْ عَنْهُ، وَاعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ، وَاعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَقُولُوا آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا» ". وَرَوَى نَحْوَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ: حَلَالٍ وَحَرَامٍ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٍ تُفَسِّرُهُ الْعَرَبُ، وَتَفْسِيرٍ تُفَسِّرُهُ الْعُلَمَاءُ، وَمُتَشَابِهٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ سِوَى اللَّهِ فَهُوَ كَاذِبٌ» ". ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا بِنَحْوِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نُؤْمِنُ بِالْمُحْكَمِ، وَنَدِينُ بِهِ، وَنُؤْمِنُ بِالْمُتَشَابِهِ، وَلَا نَدِينُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كُلُّهُ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ رُسُوخُهُمْ فِي الْعِلْمِ أَنْ آمَنُوا بِمُتَشَابِهِهٍ وَلَا يَعْلَمُونَهُ. وَلَمَّا قَدِمَ صَبِيغٌ الْمَدِينَةَ الْمُنَوَّرَةَ وَجَعَلَ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، أَرْسَلَ إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ وَقَدْ أَعَدَّ لَهُ عَرَاجِينَ النَّخْلِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ. فَأَخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِنْ تِلْكَ الْعَرَاجِينِ، فَضَرَبَهُ حَتَّى أَدْمَى رَأْسَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَضَرَبَهُ بِالْجَرِيدِ حَتَّى تَرَكَ ظَهْرَهُ دَبَرَةً، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرِئَ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الضَّرْبَ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَرِئَ، فَدَعَا بِهِ لِيُعِيدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ قَتْلِي، فَاقْتُلْنِي قَتْلًا جَمِيلًا، أَوْ رُدَّنِي إِلَى أَرْضِي. فَأَذِنَ لَهُ إِلَى أَرْضِهِ، وَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ لَا يُجَالِسَهُ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَفِي فُرُوعِ ابْنِ مُفْلِحٍ

стр. 107

مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّ عُمَرَ ﵁ أَمَرَ بِهَجْرِ صَبِيغٍ لِسُؤَالِهِ عَنِ الذَّارِيَاتِ وَالْمُرْسَلَاتِ وَالنَّازِعَاتِ انْتَهَى. وَهَذَا مِنْ سَيِّدِنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ لِسَدِّ بَابِ الذَّرِيعَةِ. وَالْآيَةُ الشَّرِيفَةُ دَلَّتْ عَلَى ذَمِّ مُتَّبِعِي الْمُتَشَابِهِ، وَوَصْفِهِمْ بِالزَّيْغِ وَابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ، وَعَلَى مَدْحِ الَّذِينَ فَوَّضُوا الْعِلْمَ إِلَى اللَّهِ وَسَلَّمُوا إِلَيْهِ، كَمَا مَدَحَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْمُؤْمِنِينَ بِالْغَيْبِ، فَعَلَى الْعَاقِلِ النَّاصِحِ لِدِينِهِ وَنَفْسِهِ أَنْ يَسْلُكَ مَسْلَكَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَأَنْ يَرْقَى عَلَى سُلَّمِ التَّسْلِيمِ، فَإِنَّهُ مِنْ أَنْجَحِ الْمَصَالِحِ، وَأَنْ يُؤْمِنَ بِالْمُتَشَابِهَاتِ مِنْ آيَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ، وَيَمْتَثِلَ أَمْرَ نَبِيِّهِ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَإِمَامِ الْمُرْسَلِينَ فِي قَوْلِهِ: وَآمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ، وَقُولُوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] . فَلَقَدْ بَالَغَ فِي النَّصِيحَةِ بِأَدِلَّةٍ صَحِيحَةٍ، وَكَلِمَاتٍ فَصِيحَةٍ، فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا خَيْرَ مَا جَزَى نَبِيًّا عَنْ قَوْمِهِ، وَرَسُولًا عَنْ أُمَّتِهِ، وَرَضِيَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَنْ آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ، وَذَوِي الْحَقِّ وَحِزْبِهِ. [التنبيه الثاني مَذْهَبَ الْحَنَابِلَةِ هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ] - الثَّانِي - اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ الْحَنَابِلَةِ هُوَ مَذْهَبُ السَّلَفِ، فَيَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ، فَاللَّهُ - تَعَالَى - ذَاتٌ لَا تُشْبِهُ الذَّوَاتِ، مُتَّصِفَةٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا تُشْبِهُ الصِّفَاتِ مِنَ الْمُحْدَثَاتِ، فَإِذَا وَرَدَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ، وَصَحِيحُ سُنَّةِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ - بِوَصْفٍ لِلْبَارِي - جَلَّ شَأْنُهُ، تَلَقَّيْنَاهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ، وَوَجَبَ إِثْبَاتُهُ لَهُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَرَدَ، وَنَكِلُ مَعْنَاهُ لِلْعَزِيزِ الْحَكِيمِ، وَلَا نَعْدِلُ بِهِ عَنْ حَقِيقَةِ وَصْفِهِ، وَلَا نُلْحِدُ فِي كَلَامِهِ، وَلَا فِي أَسْمَائِهِ، وَلَا فِي صِفَاتِهِ، وَلَا نَزِيدُ عَلَى مَا وَرَدَ، وَلَا نَلْتَفِتُ لِمَنْ طَعَنَ فِي ذَلِكَ وَرَدَّ. فَهَذَا اعْتِقَادُ سَائِرِ الْحَنَابِلَةِ كَجَمِيعِ السَّلَفِ، فَمَنْ عَدَلَ عَنْ هَذَا الْمَنْهَجِ الْقَوِيِّ، زَاغَ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَانْحَرَفَ. فَدَعْ عَنْكَ فُلَانًا عَنْ فُلَانٍ، وَعَلَيْكَ بِسُنَّةِ سَيِّدِ وَلَدِ عَدْنَانَ، فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَالْجُنَّةُ الْوَاقِيَةُ الَّتِي لَا انْحِلَالَ لَهَا. وَاللَّهُ - تَعَالَى - الْمُوَفِّقُ.

стр. 108

[التنبيه الثالث ذم الخوض في الكلام] - الثَّالِثُ - قَدْ ذَمَّ السَّلَفُ الصَّالِحُ الْخَوْضَ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ، وَالتَّقَصِّيَ وَالتَّدْقِيقَ فِيمَا زَعَمُوا أَنَّهُ قَضَايَا بُرْهَانِيَّةٌ، وَحُجَجٌ قَطْعِيَّةٌ يَقِينِيَّةٌ، وَقَدْ شَحَنُوا ذَلِكَ بِالْقَضَايَا الْمَنْطِقِيَّةِ، وَالْمَدَارِكِ الْفَلْسَفِيَّةِ، وَالتَّخَيُّلَاتِ الْكَشْفِيَّةِ، وَالْمَبَاحِثِ الْقِرْمِطِيَّةِ. وَكَانَ أَئِمَّةُ الدِّينِ مِثْلَ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَبِشْرٍ الْحَافِي، يُبَالِغُونَ فِي ذَمِّ الْكَلَامِ وَفِي ذَمِّ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ وَتَضْلِيلِهِ، حَتَّى أَنَّ هَارُونَ الرَّشِيدَ خَامِسَ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ قَالَ يَوْمًا: بَلَغَنِي أَنَّ بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ يَقُولُ: إِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَلِلَّهِ عَلَيَّ إِنْ أَظْفَرَنِي بِهِ اللَّهُ لَأَقْتُلَنَّهُ قِتْلَةً مَا قَتَلْتُهَا أَحَدًا. فَأَقَامَ بِشْرٌ مُتَوَارِيًا أَيَّامَ الرَّشِيدِ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ فُورَكٍ، وَيَذْكُرُهَا الرَّازِيُّ فِي (تَأْسِيسِ التَّقْدِيسِ) ، وَيُوجَدُ مِنْهَا فِي كَلَامِ غَالِبِ الْمُتَكَلِّمَةِ مِنَ الْجَبَّائِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ، هِيَ بِعَيْنِهَا التَّأْوِيلَاتُ الَّتِي ذَكَرَهَا بِشْرٌ الْمَرِيسِيُّ، وَرَدَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الدَّارِمِيُّ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ أَحَدُ مَشَاهِيرِ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ فِي زَمَنِ الْبُخَارِيِّ فِي الْمِائَةِ الثَّالِثَةِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي سَمَّاهُ (رَدُّ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ عَلَى الْكَاذِبِ الْعَنِيدِ فِيمَا افْتَرَى عَلَى اللَّهِ مِنَ التَّوْحِيدِ) ، فَحَكَى هَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ بِأَعْيَانِهَا عَنْ بِشْرٍ الْمَرِيسِيِّ بِكَلَامٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَرِيسِيَّ أَقْعَدُ بِهَا وَأَعْلَمُ بِالْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ اتَّصَلَتْ إِلَيْهِمْ مِنْ جِهَتِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَئِمَّةُ الْهُدَى عَلَى ذَمِّ الْمَرِيسِيَّةِ، وَأَكْثَرُهُمْ كَفَّرُوهُمْ وَضَلَّلُوهُمْ، وَذَمُّوا الْكَلَامَ وَأَهْلَهُ بِعِبَارَاتٍ رَادِعَةٍ، وَكَلِمَاتٍ جَامِعَةٍ. قَالَ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْحُجَّةِ عَلَى تَارِكِ الْمَحَجَّةِ) بِإِسْنَادِهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا ارْتَدَى بِالْكَلَامِ فَأَفْلَحَ. وَلَمَّا كَلَّمَهُ حَفْصٌ الْفَرْدُ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، قَالَ: لَأَنْ يُبْتَلَى الْعَبْدُ بِكُلِّ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ خَلَا الشِّرْكَ بِاللَّهِ ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِالْكَلَامِ. وَقَالَ: حُكْمِي فِي أَصْحَابِ الْكَلَامِ أَنْ يُصْفَعُوا وَيُنَادَى بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ وَالْقَبَائِلِ: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ السُّنَّةَ، وَأَخَذَ فِي الْكَلَامِ. وَقَالَ سَيِّدُنَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عَلَيْكُمْ بِالسُّنَّةِ وَالْحَدِيثِ وَمَا يَنْفَعُكُمْ، وَإِيَّاكُمْ وَالْخَوْضَ وَالْمِرَاءَ، فَإِنَّهُ لَا يُفْلِحُ مَنْ أَحَبَّ الْكَلَامَ. وَقَالَ

стр. 109

فِي عُلَمَاءِ أَهْلِ الْبِدَعِ مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ: لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُجَالِسَهُمْ وَلَا يُخَالِطَهُمْ وَلَا يَأْنَسَ بِهِمْ، فَكُلُّ مَنْ أَحَبَّ الْكَلَامَ لَمْ يَكُنْ آخِرُ أَمْرِهِ إِلَّا إِلَى الْبِدْعَةِ، فَإِنَّ الْكَلَامَ لَا يَدْعُوهُمْ إِلَى خَيْرٍ، فَلَا أُحِبُّ الْكَلَامَ وَلَا الْخَوْضَ وَلَا الْجِدَالَ، عَلَيْكُمْ بِالسُّنَنِ وَالْفِقْهِ الَّذِي تَنْتَفِعُونَ بِهِ، وَدَعُوا الْجِدَالَ وَكَلَامَ أَهْلِ الزَّيْغِ وَالْمِرَاءِ، أَدْرَكْنَا النَّاسَ وَمَا يَعْرِفُونَ هَذَا وَيُجَانِبُونَ أَهْلَ الْكَلَامِ. وَقَالَ ﵁: مَنْ أَحَبَّ الْكَلَامَ لَمْ يُفْلِحْ، عَاقِبَةُ الْكَلَامِ لَا تَئُولُ إِلَى خَيْرٍ، أَعَاذَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ الْفِتَنِ، وَسَلَّمَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ كُلِّ هَلَكَةٍ. وَقَدْ نُقِلَ عَنْ هَذَيْنِ الْإِمَامَيْنِ مِنْ ذَمِّ الْكَلَامِ وَأَهْلِهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ مَذْكُورٌ فِي كُتُبِ عُلَمَاءِ السَّلَفِ. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْإِمَامِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ، يَسْأَلُهُ عَنِ الْقُرْآنِ وَالْقَدَرِ، فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵁ لِلرَّجُلِ: لَعَلَّكَ مِنْ أَصْحَابِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ، لَعَنَ اللَّهُ عَمْرًا، فَإِنَّهُ ابْتَدَعَ هَذِهِ الْبِدْعَةَ مِنَ الْكَلَامِ، وَلَوْ كَانَ الْكَلَامُ عِلْمًا لَتَكَلَّمَ بِهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ ﵃ كَمَا تَكَلَّمُوا فِي الْأَحْكَامِ وَالشَّرَائِعِ، وَلَكِنَّهُ بَاطِلٌ يَدُلُّ عَلَى بَاطِلٍ. فَهَلْ يَكُونُ أَشَدُّ مِنْ هَذَا الْإِنْكَارِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْكِبَارِ؟ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ صَاحِبُ أَبِي حَنِيفَةَ: سَمِعْتُ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ عَمْرَو بْنَ عُبَيْدٍ، فَإِنَّهُ مُبْتَدِعٌ. وَالنُّصُوصُ عَنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ جِدًّا. وَرَوَى الْإِمَامُ الْحَافِظُ شَمْسُ الدِّينِ الذَّهَبِيُّ فِي كِتَابِهِ (الْعَرْشِ) بِسَنَدِهِ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الْقَيْرَوَانِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ الْأُسْتَاذَ أَبَا الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيَّ، يَقُولُ: يَا أَصْحَابَنَا، لَا تَشْتَغِلُوا بِالْكَلَامِ، فَلَوْ عَرَفْتُ أَنَّ الْكَلَامَ يَبْلُغُ بِي إِلَى مَا بَلَغَ مَا اشْتَغَلْتُ بِهِ. وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الدَّسِيمِيُّ قَالَ: حَكَى لَنَا الْإِمَامُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَقِيهُ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى الْإِمَامِ أَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ نَعُودُهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ، فَأُقْعِدَ فَقَالَ لَنَا: اشْهَدُوا عَلَيَّ أَنِّي قَدْ رَجَعْتُ عَنْ كُلِّ مَقَالَةٍ قُلْتُهَا، أُخَالِفُ فِيهَا السَّلَفَ الصَّالِحَ، وَأَنِّي أَمُوتُ عَلَى مَا يَمُوتُ عَلَيْهِ عَجَائِزُ نَيْسَابُورَ. قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: قُلْتُ: هَذَا مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ: عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ - يَعْنِي: أَنَّهُنَّ مُؤْمِنَاتٌ بِاللَّهِ عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ، لَمْ يَدْرِينَ مَا عِلْمُ الْكَلَامِ. قَالَ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ: وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا أَبُو الْفَتْحِ الْقُشَيْرِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقُولُ:

стр. 110

تَجَاوَزْتُ حَدَّ الْأَكْثَرِينَ إِلَى الْعُلَى وَسَافَرْتُ وَاسْتَبْقَيْتُهُمْ فِي الْمَفَاوِزِ وَخُضْتُ بِحَارًا لَيْسَ يُدْرَكُ قَعْرُهَا وَسَيَّرْتُ نَفْسِي فِي فَسِيحِ الْمَفَاوِزِ وَلَجَّجْتُ فِي الْأَفْكَارِ ثُمَّ تَرَاجَعَ اخْـ ـتِيَارِي إِلَى اسْتِحْسَانِ دِينِ الْعَجَائِزِ وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي رِسَالَتِهِ الْحَمَوِيَّةِ: وَقَدْ أَخْبَرَ الْوَاقِفُ عَلَى نِهَايَاتِ إِقْدَامِ الْمُتَكَلِّمَةِ بِمَا انْتَهَى إِلَيْهِ مِنْ مَرَامِهِمْ: لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ الْمَعَاهِدَ كُلَّهَا ... وَسَيَّرْتُ طَرْفِي بَيْنَ تِلْكَ الْمَعَالِمِ فَلَمْ أَرَ إِلَّا وَاضِعًا كَفَّ حَائِرٍ ... عَلَى ذَقَنٍ أَوْ قَارِعًا سِنَّ نَادِمِ وَقَوْلُ بَعْضِ رُؤَسَائِهِمْ: نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ ... وَأَكْثَرُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا ... وَغَايَةُ دُنْيَانَا أَذًى وَوَبَالُ وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمُرِنَا ... سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فِيهِ قِيلَ وَقَالُوا قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: وَيَقُولُ الْآخَرُ مِنْهُمْ: لَقَدْ خُضْتُ الْبَحْرَ الْخِضَمَّ، وَتَرَكْتُ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَعُلُومَهُمْ، وَخُضْتُ فِي الَّذِي نَهَوْنِي عَنْهُ، وَالْآنَ إِنْ لَمْ يَتَدَارَكْنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ فَالْوَيْلُ لِفُلَانٍ، وَهَا أَنَا ذَا أَمُوتُ عَلَى عَقِيدَةِ أُمِّي. وَيَقُولُ الْآخَرُ مِنْهُمْ: أَكْثَرُ النَّاسِ شَكًّا عِنْدَ الْمَوْتِ أَصْحَابُ الْكَلَامِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: ثُمَّ إِذَا حُقِّقَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُمْ مِنْ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِاللَّهِ وَخَالِصِ الْمَعْرِفَةِ بِهِ خَبَرٌ، وَلَمْ يَقَعُوا مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَيْنٍ وَلَا أَثَرٍ. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَنْبَاءِ قَطْرَةٌ مِنْ بَحْرٍ لُجِّيٍّ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا كَانَ عِلْمُ الْكَلَامِ بِالْمَثَابَةِ الَّتِي ذَكَرْتَ، وَالْمَكَانَةِ الَّتِي عَنْهَا بَرْهَنْتَ، فَكَيْفَ سَاغَ لِلْأَئِمَّةِ الْخَوْضُ فِيهِ، وَالتَّنْقِيبُ عَمَّا يَحْتَوِيهِ؟ ثُمَّ إِنَّكَ أَتَيْتَ مَا عَنْهُ نَهَيْتَ، وَحَرَّرْتَ مَا عَنْهُ نَفَّرْتَ، وَهَلْ هَذَا فِي بَادِئِ الرَّأْيِ إِلَّا مُدَافَعَةٌ، وَجَمْعٌ لِلشَّيْئَيْنِ اللَّذَيْنِ بَيْنَهُمَا تَمَامُ الْمُمَانَعَةِ، قُلْتُ: إِنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ وَهَلَكُ مِنَ التَّمَانُعِ لَمُمْتَنِعٌ، وَمَا سَنَحَ فِي خَلَدِكَ مِنَ التَّدَافُعِ لَمُنْدَفِعٌ، بَلِ الْعِلْمُ الَّذِي نَهَيْنَا عَنْهُ غَيْرُ الَّذِي أَلَّفْنَا فِيهِ. وَالْكَلَامُ الَّذِي حَذَّرْنَا مِنْهُ غَيْرُ الَّذِي صَنَّفَ فِيهِ كُلُّ إِمَامٍ وَحَافِظٍ وَفَقِيهٍ. فَعِلْمُ الْكَلَامِ الَّذِي نَهَى عَنْهُ أَئِمَّةُ الْإِسْلَامِ هُوَ الْعِلْمُ الْمَشْحُونُ بِالْفَلْسَفَةِ وَالتَّأْوِيلِ، وَالْإِلْحَادِ وَالْأَبَاطِيلِ، وَصَرْفِ
следующие страницы →