Полный текст (921 стр.). Показаны 911–921 · переход к 916.
стр. 911
وَعَنْهُ ابْنُهُ حَمَّادٌ وَوَكِيعٌ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَهُمَا الصَّاحِبَانِ إِذَا أُطْلِقَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ثِقَةً لَا يُحَدِّثُ بِمَا لَا يَحْفَظُ، وَقَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: مَا رَأَيْتُ فِي الْفِقْهِ مِثْلَهُ، وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَمَا رَأَيْتُ فِي الْكُوفِيِّينَ أَوْرَعَ مِنْهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: النَّاسُ فِي الْفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُئِلَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: أَيُّهُمَا أَفْقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَوْ سُفْيَانُ؟ فَقَالَ: سُفْيَانُ أَحْفَظُ لِلْحَدِيثِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهُ. أُكْرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ عَلَى الْقَضَاءِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا، وَكَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً وَدُعَاءً وَتَضَرُّعًا، وُلِدَ ﵁ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ إِحْدَى، وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
((وَ)) الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ((مَالِكٍ)) بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ، هُوَ الْإِمَامُ الْكَبِيرُ وَالنَّجْمُ الْمُنِيرُ وَالْعَلَمُ الشَّهِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْأَصْبَحِيُّ الْحِمْيَرِيُّ الْمَدَنِيُّ، شَيْخُ الْأَئِمَّةِ وَإِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ نَافِعٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَخَلْقٌ جَمَعَهُمُ الْخَطِيبُ فِي مُجَلَّدٍ، قَالَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: لِمَالِكٍ نَحْوُ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْإِمَامِ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: قُلْتُ لِأَبِي: مَنْ أَثْبَتُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ؟ قَالَ: مَالِكٌ أَثْبَتُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵁: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁: إِذَا جَاءَ الْأَثَرُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ، وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ، قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: أَخَذَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ الْأَوْزَاعِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمَا، وَنُودِيَ فِي الْمَدِينَةِ أَلَا لَا يُفْتِي النَّاسَ إِلَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. مَاتَ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً ﵁ وَدُفِنَ فِي الْبَقِيعِ، وَكَانَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ إِلَى الشُّقْرَةِ، طَوِيلًا عَظِيمَ الْهَامَةِ أَصْلَعَ، يَلْبَسُ
стр. 912
الثِّيَابَ الْعَدَنِيَّةَ الْجِيَادَ، وَيَكْرَهُ حَلْقَ الشَّارِبِ وَيَعِيبُهُ وَيَرَاهُ مِنَ الْمُثْلَةِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ.
وَالْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ((مُحَمَّدٍ)) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ سَقَطَ حَرْفُ الْعَطْفِ لِإِقَامَةِ الْوَزْنِ، فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْمُطَّلِبِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵁، يَجْتَمِعُ نَسَبُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عَبْدِ مَنَافٍ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ ((الصِّنْوَانِ)) أَيِ الْقَرَابَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لِلنَّخْلَتَيْنِ فِي مَا زَادَ فِي الْأَصْلِ الْوَاحِدِ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صِنْوٌ وَيُضَمُّ وَرَكِيَّتَانِ صِنْوَانِ مُتَجَاوِرَتَانِ أَوْ يَنْبُعَانِ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ ﵁: " «فَإِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «الْعَبَّاسُ صِنْوُ أَبِي» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " صِنْوِي ". يُرِيدُ ﷺ أَنَّ أَصْلَ الْعَبَّاسِ وَأَصْلِي وَاحِدٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ الصِّنْوَانِ: الْمِتْقَانِ، مِنَ الْإِتْقَانِ لِإِتْقَانِهِ لِلْعُلُومِ وَإِحْكَامِهِ لِلْمَنْطُوقِ مِنْهَا وَالْمَفْهُومِ، فَهُوَ إِمَامُ الْأُمَّةِ وَقُدْوَةُ الْأَئِمَّةِ.
وُلِدَ بِغَزَّةِ هَاشِمٍ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ، وَقِيلَ وُلِدَ بِعَسْقَلَانَ، وَقِيلَ بِالْيَمَنِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ كَذَا فِي طَبَقَاتِ الْحُفَّاظِ لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ، وَشَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْحَدِيثِ لِلْمُصَنِّفِ، وَفِي طَبَقَاتِ الْحُفَّاظِ أَيْضًا: وُلِدَ بِبِلَادِ غَزَّةَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ فَنَشَأَ بِهَا، وَكَانَ ﵁ جَمَّ الْمَفَاخِرِ مُنْقَطِعَ النَّظِيرِ، اجْتَمَعَتْ فِيهِ مِنَ الْعُلُومِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَآثَارِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعْرِفَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ - حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ الْأَصْمَعِيُّ مَعَ اشْتِهَارِهِ بِهَذَا الشَّأْنِ أَشْعَارَ الْهُذَلِيِّينَ - مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي غَيْرِهِ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: عَرَفْنَا نَاسِخَ الْحَدِيثِ وَمَنْسُوخَهُ لَمَّا جَالَسْنَا الشَّافِعِيَّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ رَجُلٍ كَانَ الشَّافِعِيُّ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُكَ تُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ كَانَ الشَّافِعِيُّ كَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا وَكَالْعَافِيَةِ لِلْبَدَنِ، هَلْ لِذَيْنِ مِنْ خَلَفٍ أَوْ عَنْهُمَا مِنْ عِوَضٍ؟ كَذَا فِي وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ لِابْنِ خِلِّكَانَ. قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي طَبَقَاتِ الْحُفَّاظِ: رَوَى
стр. 913
الشَّافِعِيُّ عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبِي أُسَامَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَالْإِمَامِ مَالِكٍ، وَإِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، وَخَلْقٍ، وَعَنْهُ ابْنُهُ أَبُو عُثْمَانَ مُحَمَّدٌ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ السَّرْحِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ، وَأَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّيُّ، وَأَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَمَّا حَمَلَتْ أُمُّ الشَّافِعِيِّ بِهِ رَأَتْ كَأَنَّ الْمُشْتَرَى خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا حَتَّى انْقَضَّ بِمِصْرَ ثُمَّ وَقَعَ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنْهُ شَظِيَّةٌ، فَتَأَوَّلَهُ أَصْحَابُ الرُّؤْيَا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَالِمٌ يَخُصُّ عِلْمُهُ أَهْلَ مِصْرَ ثُمَّ يَنْتَشِرُ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَيِّضُ لِلنَّاسِ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ يُعَلِّمُهُمُ السُّنَّةَ، وَيَنْفِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ الْكَذِبَ. فَنَظَرْنَا فَإِذَا فِي رَأْسِ الْمِائَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَفِي رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ الشَّافِعِيُّ ﵁. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: حَفِظْتُ الْقُرْآنَ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَحَفِظْتُ الْمُوَطَّأَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: كَانَ الشَّافِعِيُّ يُفْتِي وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: كَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ إِلَى الشَّافِعِيِّ وَهُوَ شَابٌّ أَنْ يَضَعَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَيَجْمَعَ قَبُولَ الْأَخْبَارِ فِيهِ وَحُجَّةَ الْإِجْمَاعِ، وَبَيَانَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَوَضَعَ لَهُ كِتَابَ الرِّسَالَةِ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: مَا أُصَلِّي صَلَاةً إِلَّا وَأَنَا أَدْعُو لِلشَّافِعِيِّ فِيهَا. وَقَالَ هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ: لَوْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَاظَرَ عَلَى هَذَا الْعَمُودِ الَّذِي مِنْ حِجَارَةٍ أَنَّهُ مِنَ الْخَشَبِ لَغَلَبَ لِاقْتِدَارِهِ عَلَى الْمُنَاظَرَةِ. وَكَانَ الْحُمَيْدِيُّ يَقُولُ حَدَّثَنَا سَيِّدُ الْفُقَهَاءِ.
تُوُفِّيَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ - فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، وَدُفِنَ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِهِ بِالْقَرَافَةِ الصُّغْرَى، وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ يُزَارُ وَيُتَبَرَّكُ بِهِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ قَاطِبَةً عَلَى ثِقَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَعَدَالَتِهِ، وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَنَزَاهَةِ عِرْضِهِ وَعِفَّةِ نَفْسِهِ، وَحُسْنِ سِيرَتِهِ وَعُلُوِّ قَدْرِهِ وَسَخَائِهِ ﵁، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ قَدْ قَدِمَ بَغْدَادَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مِصْرَ وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَيْهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، قَالَهُ ابْنُ خِلِّكَانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ
стр. 914
مِنْ هَذِهِ الْمِلَّةِ مِمَّنْ لَهُ عَمَلٌ وَتَقْوَى أَنْ يُقَلِّدَ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَقْوَى، فَقَالَ:
[تُقَليِّدَ أحِد الأئمة الْأَرْبَعَةِ]
((مَنْ لَازِمٌ لِكُلِّ أَرْبَابِ الْعَمَلِ ... تَقْلِيدُ حَبْرٍ مِنْهُمُ فَاسْمَعْ تَخَلْ))
((مَنْ)) أَيِ الَّذِينَ هُمْ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ فَرْضٌ، ((لَازِمٌ)) لَا انْفِكَاكَ عَنْهُ وَلَا مَنْدُوحَةَ مِنْهُ ((لِكُلِّ)) وَاحِدٍ مُكَلَّفٍ مِنْ ((أَرْبَابِ)) أَصْحَابِ ((الْعَمَلِ)) الصَّالِحِ وَالْكَدِّ النَّاجِحِ، مِمَّنْ لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ ((تَقْلِيدُ حَبْرٍ مِنْهُمْ)) أَيْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمَعْلُومَةِ مَذَاهِبُهُمْ، الْمَضْبُوطَةِ أَقْوَالُهُمْ، الْمَحْفُوظَةِ رِوَايَاتُهُمْ، الْمُدَوَّنَةِ مَذَاهِبُهُمْ فِي كُلِّ مِصْرٍ وَعَصْرٍ، الْوَاصِلَةِ بِالتَّوَاتُرِ بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا، وَمَوَانِعِهَا وَإِتْقَانِهَا بِحَيْثُ لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يَنْسِبَ لِمَذْهَبٍ مِنْهَا مَا هُوَ لَيْسَ مِنْهُ، بَلْ آحَادُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَيَعِيبُهُ، وَيَقُولُ: هَذَا لَيْسَ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ، حَتَّى إِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ الْمَشْهُورَ مِنْ أَقْوَالِ الْمَذْهَبِ وَالْمَهْجُورَ، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ الْمَأْثُورُ مَعَ الْقَوْلِ الْمَهْجُورِ.
وَالْحَبْرُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ - الْعَالِمُ الْمُتْقِنُ، وَكَانَ يُقَالُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: الْحَبْرُ وَالْبَحْرُ لِعِلْمِهِ وَسِعَتِهِ، وَتُسَمَّى سُورَةُ الْمَائِدَةِ سُورَةَ الْأَحْبَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤] ، وَالتَّقْلِيدُ لُغَةً وَضْعُ الشَّيْءِ فِي الْعُنُقِ مُحِيطًا بِهِ وَذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمَّى قِلَادَةً وَجَمْعُهَا قَلَائِدُ، وَعُرْفًا أَخْذُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ مَعَ اعْتِقَادِ صِحَّتِهِ وَاتِّبَاعِهِ عَلَيْهِ بِلَا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ، فَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَى الْمُفْتِي وَإِلَى الْإِجْمَاعِ، وَرُجُوعُ الْقَاضِي إِلَى الْعُدُولِ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ وَلَوْ سُمِّيَ ذَلِكَ تَقْلِيدًا لَسَاغَ، وَفِي الْمُقْنِعِ الْمَشْهُورِ أَنَّ أَخْذَهُ بِقَوْلِ الْمُفْتِي تَقْلِيدٌ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَدَّمَهُ النَّجْمُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَالتَّقْلِيدُ قَبُولُ الْقَوْلِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَيْسَ الْمَصِيرُ إِلَى الْإِجْمَاعِ تَقْلِيدًا لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ، وَلِذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يُقَالُ تَقْلِيدٌ بِخِلَافِ فُتْيَا الْفَقِيهِ، وَذَكَرَ فِي ضِمْنِ مَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: مَنْ قَلَّدَ الْخَبَرَ رَجَوْتُ أَنْ يَسْلَمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَطْلَقَ اسْمَ التَّقْلِيدِ عَلَى مَنْ صَارَ إِلَى الْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فِي نَفْسِهِ.
(تَنْبِيهٌ) إِنَّمَا قَالَ: لِكُلِّ أَرْبَابِ الْعَمَلِ لِيَحْتَرِزَ بِهِ عَنِ التَّقْلِيدِ
стр. 915
فِي عَقَائِدِ التَّوْحِيدِ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنُعُوتِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَالرِّسَالَةِ، وَكَذَا فِي أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ، ذَكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ الْكَلْوَذَانِيُّ وَأَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ لِتَسَاوِي النَّاسِ فِيمَا لَا يُسَوَّغُ فِيهِ اجْتِهَادٌ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْبَابِ الْأَوَّلِ مُطَوَّلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ الْإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ فِي الرَّوْضَةِ: وَأَمَّا التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ فَهُوَ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعَامَّةَ يَلْزَمُهُمُ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ، وَاسْتَدَلَّ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وَهُوَ عَامٌّ لِتَكَرُّرِهِ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، وَعِلَّةُ الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ الْجَهْلُ، وَأَيْضًا الْإِجْمَاعُ فَإِنَّ الْعَوَامَّ يُقَلِّدُونَ الْعُلَمَاءَ مِنْ غَيْرِ إِبْدَاءِ مُسْتَنَدٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَيْضًا عَدَمُ الْقَوْلِ بِذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى خَرَابِ الدُّنْيَا بِتَرْكِ الْمَعَاشِ وَالصَّنَائِعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ لِتَيَسُّرِهِ وَقِلَّتِهِ وَدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: يَجِبُ عَلَى الْعَوَامِّ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ الِاجْتِهَادُ فِي أَعْيَانِ الْأَدِلَّةِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيَّةِ فَإِنَّهُمْ وَافَقُوا الْقَدَرِيَّةَ فِي إِيجَابِهِمْ عَلَى الْعَوَامِّ الِاجْتِهَادَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، وَمِنْ الِاسْتِطَاعَةِ تَرْكُ التَّقْلِيدِ، وَلِأَنَّ الْعَامِّيَّ مُتَمَكِّنٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ فَوُجُوبُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ تَرْكُهَا قِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ، وَلَنَا أَنَّ الْخَطَأَ مُتَعَيِّنٌ وَبُلُوغُ الصَّوَابِ مُتَعَسِّرٌ بَلْ مُتَعَذِّرٌ فِي حَقِّ الْعَوَامِّ إِذَا انْفَرَدُوا بِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَلَا الْمُخَصِّصَ وَلَا الْمُقَيِّدَ وَلَا كَثِيرًا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ دَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ وَلَا يَضْبُطُونَهُ، وَلَا يَسُوغُ لَهُمْ مُخَالَفَتُهُ لِفَرْطِ الْغَرَرِ فِيهِ فَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ.
وَقَدْ تَوَسَّطَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ: شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةُ لَا تَحْتَاجُ لِنَصْبِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْلِيدِ فِيهَا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الْخَفِيَّةُ مِنَ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ التَّقْلِيدُ فِيهَا بِالضَّرُورَةِ وَلَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ وَلَا سِيَّمَا التَّقْلِيدُ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، وَهُوَ دُونَ الضَّرُورَةِ بِكَثِيرٍ وَمَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ يَتَعَيَّنُ التَّقْلِيدُ فِيهِ لِحَاجَةِ النَّظَرِ إِلَى آلَاتٍ مَفْقُودَةٍ فِي الْعَامِّيِّ.
стр. 916
(تَنْبِيهَاتٌ)
(أَحَدُهَا) مَنَعَ قَوْمٌ وُجُوبَ لُزُومِ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: تَنَازَعَ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا هَلْ عَلَى الْعَامِّيِّ أَنْ يَلْتَزِمَ مَذْهَبًا وَاحِدًا بِعَيْنِهِ مِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ بِحَيْثُ يَأْخُذُ بِعَزَائِمِهِ؟ وَرُخَصِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ، قَالَ: وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مَنْ يُوَافِقُ غَرَضَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ إِذَا كَانَ الْحَقُّ لَهُ مَنْ لَا يُقَلِّدُهُ إِذَا كَانَ الْحَقُّ عَلَيْهِ، بَلْ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ فِي الْأَقْوَالِ، فَإِذَا اعْتَقَدَ وُجُوبَ شَيْءٍ أَوْ تَحْرِيمَهُ اعْتَقَدَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ يُمَاثِلُهُ كَشُفْعَةِ الْجِوَارِ، فَلَيْسَ لَهُ ثُبُوتُ الشُّفْعَةِ إِذَا كَانَ هُوَ الطَّالِبَ وَانْتِفَاؤُهَا إِذَا كَانَ هُوَ الْمَطْلُوبَ كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْهَوَى مُتَابَعَةً لِلْهَوَى لَا مُرَاعَاةً لِلتَّقْوَى.
وَقَالَ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى: التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبٍ بِحَيْثُ يَأْخُذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ طَاعَةُ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي كُلِّ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. وَتَوَقَّفَ أَيْضًا فِي جَوَازِ ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ وُجُوبِهِ، وَقَالَ: إِنْ خَالَفَهُ لِقُوَّةِ الدَّلِيلِ أَوْ زِيَادَةِ عِلْمٍ أَوْ تَقْوَى فَقَدْ أَحْسَنَ، وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي عَدَالَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ. وَقَالَ: بَلْ يَجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالِ لَهُ وَأَنَّهُ نَصُّ الْإِمَامِ. وَكَذَا قَالَ الْقَدَرِيُّ الْحَنَفِيُّ: مَا ظَنَّهُ أَقْوَى فَعَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ فِيهِ، وَلَهُ الْإِفْتَاءُ بِهِ حَاكِيًا مَذْهَبَ مَنْ قَلَّدَهُ. وَقَالَ صَدْرُ الْوُزَرَاءِ عَوْنُ الدِّينِ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ هُبَيْرَةَ: إِنَّهُ مِنْ مَكَايِدِ الشَّيْطَانِ أَنْ يُقِيمَ أَوْثَانًا فِي الْمَعْنَى تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِثْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ، فَيَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِمَذْهَبِنَا تَقْلِيدًا لِمُعَظَّمٍ عِنْدَهُ قَدْ قَدَّمَهُ عَلَى الْحَقِّ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْحَاكِمِ وَلَا الْمُفْتِي تَقْلِيدُ رَجُلٍ فَلَا يَحْكُمُ وَلَا يُفْتِي إِلَّا بِقَوْلِهِ. انْتَهَى. وَالْأَشْهَرُ الْآنَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الرِّعَايَةِ: هَذَا الْأَشْهَرُ فَلَا يُقَلِّدُ غَيْرَ أَهْلِهِ. وَقَالَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي: يَجْتَهِدُ فِي أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ فَيَتَعَبَّدُ، وَقَطَعَ الْكِبَارُ بِلُزُومِ التَّمَذْهُبِ بِمَذْهَبٍ، قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: هَذَا كَلَامُ الْأَصْحَابِ، وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ. انْتَهَى.
(الثَّانِي) إِذَا قُلْنَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ يَجُوزُ لَهُ الِانْتِقَالُ عَنِ الْمَذْهَبِ الَّذِي تَمَذْهَبَ بِهِ وَعَمِلَ بِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ فَيَتَخَيَّرُ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَاخْتَارَ
стр. 917
الْآمِدِيُّ مَنْعَ الِانْتِقَالِ فِيمَا عَمِلَ بِهِ، وَتَقَدَّمَ كَلَامُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ إِذَا خَالَفَهُ لِقُوَّةِ دَلِيلٍ أَوْ زِيَادَةِ عِلْمٍ أَوْ تَقْوَى فَقَدْ أَحْسَنَ، وَلَمْ يَقْدَحْ فِي عَدَالَتِهِ بِلَا نِزَاعٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: امْتِنَاعُ الِانْتِقَالِ عَنْهُ مُطْلَقًا لِالْتِزَامِهِ إِيَّاهُ، الثَّانِي: لَهُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ مُطْلَقًا وَالْتِزَامُ مَا لَا يَلْزَمُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَالثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ وَهُوَ إِنْ كَانَ عَمِلَ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ الَّذِي تَمَذْهَبَ بِهِ، وَصَلَّى وَصَامَ وَزَكَّى وَنَحْوَ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِهِ، غَيْرَ مُلْتَفِتٍ لِغَيْرِهِ لَزِمَهُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ عَنْهُ، وَصَوَّبَ ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَجَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ.
(الثَّالِثُ) يَحْرُمُ عَلَى الْعَامِّيِّ الَّذِي لَيْسَ بِمُجْتَهِدٍ تَتَبُّعُ الرُّخَصِ فِي التَّقْلِيدِ، وَلَوْ قُلْنَا بِجَوَازِ الِانْتِقَالِ وَهُوَ أَنَّهُ كُلَّمَا وَجَدَ رُخْصَةً فِي مَذْهَبٍ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَعْمَلُ بِغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ، قَالَ عُلَمَاؤُنَا: وَيُفَسَّقُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَقُولُ بِإِبَاحَةِ جَمِيعِ الرُّخَصِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ مَنْ قَالَ بِالرُّخَصِ فِي مَذْهَبٍ لَا يَقُولُ بِالرُّخْصَةِ الْأُخْرَى فِي غَيْرِهِ. قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا يَجُوزُ لِلْعَامِّيِّ تَتَبُّعُ الرُّخَصَ إِجْمَاعًا. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ بِكُلِّ رُخْصَةٍ؛ يَعْمَلُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي النَّبِيذِ، وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ، وَأَهْلِ مَكَّةَ فِي الْمُتْعَةِ لَكَانَ فَاسِقًا. وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا يَأْخُذُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي السَّمَاعِ - يَعْنِي الْغِنَاءَ - وَإِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ، وَبَقَوْلِ أَهْلِ مَكَّةَ فِي الْمُتْعَةِ وَالصَّرْفِ، وَبَقَوْلِ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي الْمُسْكِرِ؛ كَانَ أَشَرَّ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ: لَوْ أَخَذْتَ بِرُخْصَةِ كُلِّ عَالِمٍ - أَوْ قَالَ زَلَّةِ كُلِّ عَالِمٍ - اجْتَمَعَ فِيكَ الشَّرُّ كُلُّهُ. لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ إِمَامُ الْمَذْهَبِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَلَمْ يُؤَدِّهِ اجْتِهَادٌ إِلَى الرُّخَصِ فَهَذَا فَاسِقٌ، لِأَنَّهُ تَرَكَ مَا هُوَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ وَاتَّبَعَ الْبَاطِلَ، أَوْ يَكُونَ عَامِّيًّا فَأَقْدَمَ عَلَى الرُّخَصِ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ فَهَذَا أَيْضًا فَاسِقٌ، لِأَنَّهُ أَخَلَّ بِفَرْضِهِ وَهُوَ التَّقْلِيدُ، قَالَ: وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامِّيًّا وَقَلَّدَ فِي ذَلِكَ لَمْ يَفْسُقْ، لِأَنَّهُ قَلَّدَ مَنْ يَسُوغُ اجْتِهَادُهُ. وَنَظَرَ فِيهِ الْجِرَاعِيُّ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى أُصُولِ ابْنِ
стр. 918
اللِّحَامِ. قُلْتُ: وَهُوَ الْحَقُّ، وَقَدْ نَقَلَ جَمْعٌ مُحَقِّقُونَ إِنَّمَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَذَاهِبِ فِي النَّوَازِلِ وَالِانْتِقَالُ مِنْ مَذْهَبٍ إِلَى مَذْهَبٍ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ: (الْأَوَّلُ) أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَ الْمَذْهَبَيْنِ مَثَلًا عَلَى صِفَةٍ تُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ كَمَنْ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ صَدَاقٍ وَلَا وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَمْ يَقُلْ بِهَا أَحَدٌ، قُلْتُ أَيْ تَزَوَّجَ بِلَا وَلِيٍّ مُقَلِّدًا لِأَبِي حَنِيفَةَ، وَبِلَا شُهُودٍ مُقَلِّدًا لِمَالِكٍ، فَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدُهُمَا وَلَا غَيْرُهُمَا، وَهُوَ ذَرِيعَةٌ لِلزِّنَا، فَهَذَا لَا نِزَاعَ فِي رَدِّهِ، (الثَّانِي) أَنْ يَعْتَقِدَ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ الْفَضْلَ وَلَوْ بِوُصُولِ خَبَرِهِ إِلَيْهِ، (الثَّالِثُ) أَنْ لَا يَتَتَبَّعَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ.
(الرَّابِعُ) لِلْعَامِّيِّ أَنْ يُقَلِّدَ الْمَفْضُولَ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ عِنْدَ أَكْثَرِ عُلَمَائِنَا مِنْهُمُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ وَالْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ فِي رَوْضَتِهِ، وَقَالَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ إِنِ اعْتَقَدَهُ فَاضِلًا أَوْ مُسَاوِيًا لَا إِنِ اعْتَقَدَهُ مَفْضُولًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْقَوَاعِدِ أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الرَّاجِحِ إِلَى الْمَرْجُوحِ، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ سُرَيْجٍ وَالْقَفَّالُ وَالسَّمْعَانِيُّ: يَلْزَمُهُ الِاجْتِهَادُ فَيُقَدِّمُ الْأَرْجَحَ، (وَفِي) مَعْنَاهُ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ الْخِرَقِيِّ وَالْإِمَامِ الْمُوَفَّقِ فِي الْمُقْنِعِ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ رِوَايَتَانِ، وَاسْتَدَلَّ لِلْأَوَّلِ بِأَنَّ الْمَفْضُولَ مِنْ أَصْحَابِهِ ﷺ وَمِنَ السَّلَفِ كَانَ يُفْتِي مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ مَعَ الِاشْتِهَارِ وَالتَّكْرَارِ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ، فَكَانَ إِجْمَاعًا عَلَى جَوَازِ اسْتِفْتَائِهِ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِفْتَاءِ الْأَفَاضِلِ وَبِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وَأَيْضًا الْعَامِّيُّ لَا يُمْكِنُهُ التَّرْجِيحَ لِقُصُورِهِ، وَلَوْ كُلِّفَ بِذَلِكَ لَكَانَ تَكْلِيفَهُ بِضَرْبٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ، وَإِنْ زَيَّفَ ابْنُ الْحَاجِبِ ذَلِكَ زَاعِمًا أَنَّ التَّرْجِيحَ يَظْهَرُ بِالتَّسَامُعِ وَرُجُوعِ الْعُلَمَاءِ إِلَيْهِ وَغَيْرِهِ، لِكَثْرَةِ الْمُسْتَفْتِينَ وَتَقْدِيمِ الْعُلَمَاءِ لَهُ. انْتَهَى. لِكَثْرَةِ جِهَاتِ التَّفْضِيلِ كَمَا سَبَقَ وَإِيجَادِ أَشْيَاءَ فِي الْمَفْضُولِ بِبَعْضِهَا مَا يُفَضِّلُ الْفَاضِلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَوْلُهُ: ((فَاسْمَعْ تَخَلْ)) أَيْ فَاسْمَعْ نِظَامِي، وَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنْ لُزُومِ كُلِّ مُكَلَّفٍ لَمْ يَبْلُغْ رُتْبَةَ اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ مِنْ مَعَادِنِهَا وَلَا اسْتِنْبَاطِ الْأَدِلَّةِ مِنْ مَكَانِهَا التَّقْلِيدَ وَالِاقْتِدَاءَ بِأَحَدِ أَئِمَّةِ الْهُدَى وَمَصَابِيحِ الدُّجَى، وَقَوْلُهُ: تَخَلْ أَيْ تَظُنَّ وَتَعْلَمْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَبْلَ سَمَاعِهِ يَكُونُ خَالِيَ الذِّهْنِ، فَإِذَا سَمِعَ الْكَلَامَ وَتَأَمَّلَ مَا فِيهِ مِنْ أَحْكَامٍ عَلِمَ أَوْ ظَنَّ لُزُومَ ذَلِكَ عَلَى ذَوِي الْأَفْهَامِ، وَأَصْلُهُ مَثَلٌ يَقُولُهُ الرَّجُلُ إِذَا بَلَغَهُ شَيْءٌ
стр. 919
مِنْ رَجُلٍ فَاتَّهَمَهُ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ مَنْ يَسْمَعْ أَخْبَارَ النَّاسِ وَمَنَاقِبَهُمْ وَمَثَالِبَهُمْ يَقَعْ فِي نَفْسِهِ أَثَرُ ذَلِكَ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَلَفْظُ الْمَثَلِ: " مَنْ يَسْمَعْ يَخَلْ " أَيْ مَنْ يَسْمَعْ خَبَرًا يَحْدُثْ لَهُ ظَنٌّ، فَحَذَفَ الْمَفْعُولَيْنِ اقْتِصَارًا لِإِفَادَةِ تَجَدُّدِ الْفِعْلِ أَوْ حُدُوثِهِ.
[حث المؤلف على الاقتداء بالأئمة]
((وَمَنْ نَحَا لِسُبْلِهِمْ مِنَ الْوَرَى ... مَا دَارَتِ الْأَفْلَاكُ أَوْ نَجْمٌ سَرَى))
((وَ)) رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ الْبِرِّ وَالْإِحْسَانِ وَالْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ تُهْدَى لِـ ((مَنْ)) أَيْ إِنْسَانٍ أَوِ الَّذِي ((نَحَا)) أَيْ قَصَدَ مُتَّبِعًا ((لِسُبُلِهِمْ)) كَكُتُبٍ جَمْعُ سَبِيلٍ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ كَمَا أَنَّهُ خَصَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ بَعْدَ عُمُومِ الْأَئِمَّةِ، دَعَا لِمَنِ اتَّبَعَهُمْ أَوِ اتَّبَعَ وَاحِدًا مِنْهُمْ ((مِنْ)) سَائِرِ ((الْوَرَى)) - كَفَتَى - الْخَلْقِ ((مَا دَارَتْ)) أَيْ مُدَّةَ دَوَرَانِ ((الْأَفْلَاكِ)) جَمْعُ فَلَكٍ - بِفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ - مَدَارَ النُّجُومِ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى فُلُكٍ - بِضَمَّتَيْنِ - وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ مُسْتَدَارُهُ وَمُعْظَمُهُ وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ، ((أَوْ نَجْمٌ سَرَى)) أَيْ وَتُهْدَى لَهُمْ وَلِمَتْبُوعِهِمُ الرَّحْمَةُ وَالرِّضْوَانُ وَالْبِرُّ وَالْإِحْسَانُ وَالْإِنْعَامُ مُدَّةَ دَوَامِ سُرَى النُّجُومِ عَلَى الدَّوَامِ، وَسُرَى كَهُدَى سَيْرُ عَامَّةٍ اللَّيْلِ، وَالنَّجْمُ الْكَوْكَبُ وَجَمْعُهُ أَنْجُمٌ وَأَنْجَامٌ وَنُجُومٌ وَنُجُمٌ، وَالنَّجْمُ مِنَ النَّبَاتِ مَا نَجَمَ مِنْ غَيْرِ سَاقٍ وَالثُّرَيَّا وَالْوَقْتُ الْمَضْرُوبُ، وَالْمُرَادُ الْأَوَّلُ.
[حث المؤلف على أخذ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ]
((هَدِيَّةٌ مِنِّي لِأَرْبَابِ السَّلَفْ ... مُجَانِبًا لِلْخَوْضِ مِنْ أَهْلِ الْخَلَفْ))
((خُذْهَا هُدِيتَ وَاقْتَفِي نِظَامِي ... تَفُزْ بِمَا أَمَّلْتَ وَالسَّلَامِ))
وَلَمَّا كَانَ نَظْمُ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ بِسُؤَالِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا النَّجْدِيِّينَ، وَأَنَّهَا مَا نَحَاهُ السَّلَفُ مِنَ الْأَثَرِيِّينَ قَالَ عِنْدَ تَمَامِ إِنْجَاحِ السُّؤَالِ: هَذِهِ الْعَقِيدَةُ الْأَثَرِيَّةُ الْمُفِيدَةُ ((هَدِيَّةٌ)) مُهْدَاةٌ وَعَطِيَّةٌ مُؤَدَّاةٌ ((مِنِّي)) بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِ مَنْ لَا يَنْبَغِي الرُّشْدُ مِنْ سِوَاهُ، ((لِأَرْبَابِ)) جَمْعُ رَبٍّ بِمَعْنَى صَاحِبِ طَرِيقَةِ ((السَّلَفِ)) وَعَقِيدَةِ أَهْلِ الْأَثَرِ مِمَّنْ دَرَجَ عَلَى الْحَقِّ وَسَلَفَ حَالَ كَوْنِي ((مُجَانِبًا)) فِي أَصْلِ نَظْمِي لَهَا، وَتَضْمِينِي إِيَّاهَا أَقْوَالَ السَّلَفِ وَعَقَائِدَ أَهْلِ الْآثَارِ ((لِلْخَوْضِ)) فِي التَّأْوِيلِ وَالتَّعَمُّقِ فِي صَرْفِ آيَاتِ التَّنْزِيلِ عَنْ مُقْتَضَاهَا الثَّابِتِ وَمَعْنَاهَا الظَّاهِرِ الْمُؤَيَّدِ بِالسُّنَّةِ السَّنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْأَخْبَارِ السَّلَفِيَّةِ وَالْآثَارِ الْأَثَرِيَّةِ إِلَى غَيْرِ مَحَامِلِهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ نَبَوِيٍّ وَلَا إِذْنٍ شَرْعِيٍّ مِمَّا هُوَ دَأْبُ الْمُتَنَطِّعِينَ ((مِنْ أَهْلِ)) مَذْهَبِ ((الْخَلَفِ خُذْهَا)) أَيْ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ ((هُدِيتَ)) - بِضَمِّ
стр. 920
الْهَاءِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ - عَلَى صِيغَةِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ أَيْ هَدَاكَ اللَّهُ أَيُّهَا الْأَثَرِيُّ وَالْمُتَّبِعُ فِي اعْتِقَادِي أَثَرِي، ((وَاقْتَفِ)) أَيِ اتَّبِعْ ((نِظَامِي)) فِي هَذِهِ الْعَقِيدَةِ السَّلَفِيَّةِ الَّتِي هِيَ بِأُمَّهَاتِ مَسَائِلِ عَقَائِدِ السَّلَفِ وَفِيَّةٌ، فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ ((تَفُزْ)) أَيْ تَظْفَرْ ((بِمَا)) أَيْ بِالَّذِي ((أَمَّلْتَ)) مِنْ نَيْلِ الْفَلَاحِ وَدَرْكِ النَّجَاحِ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْفَوْزُ النَّجَاحُ وَالظَّفَرُ بِالْخَيْرِ، وَالْأَمَلُ الرَّجَاءُ يُقَالُ أَمَلَهُ أَمَلًا وَأَمَّلَهُ تَأْمِيلًا رَجَاهُ.
((وَ)) تَظْفَرْ أَيْضًا بِـ ((السَّلَامِ)) أَيِ الْأَمَانِ مِنَ التَّخْلِيطِ الْجَدَلِيِّ وَالتَّخْبِيطِ الْكَلَامِيِّ، وَمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ حَزَازَاتِ الصُّدُورِ وَوَسَاوِيسِ الْأَفْكَارِ وَتَصَعُّبِ الْأُمُورِ، وَمَعْنَى السَّلَامَةِ لُغَةً الْأَمَانُ، قَالَ الْعُلَمَاءُ: السَّلَامُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَعْنَى السَّلَامُ عَلَيْكَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَسَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ. وَقَالَ الْعَلَّامَةُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي التُّحْفَةِ فِي مَعْنَى اسْمِهِ تَعَالَى السَّلَامِ: قِيلَ مَعْنَاهُ ذُو السَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَنَقِيصَةٍ، فَيَكُونُ مِنْ أَسْمَاءِ التَّنْزِيهِ، وَقِيلَ: مَالِكُ تَسْلِيمِ الْعِبَادِ مِنَ الْمَهَالِكِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْقُدْرَةِ، ذُو السَّلَامِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْجِنَانِ فَيَرْجِعُ إِلَى الْكَلَامِ الْأَزَلِيِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ، قَالَ: وَحَظُّ الْعَبْدِ مِنْ هَذَا الِاسْمِ أَنْ يَسْلَمَ مِنَ الْغِشِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَمِنْ كُلِّ رَذِيلَةٍ.
وَهَذَا آخَرُ مَا قَصَدْتُ إِيرَادَهُ فِي مَنْظُومَتِي الْمُسَمَّاةِ بِالدُّرَّةِ الْمُضِيَّةِ فِي عَقْدِ أَهْلِ الْفِرْقَةِ الْمَرْضِيَّةِ، وَأَنَا أَتَوَسَّلُ إِلَيْهِ تَعَالَى بِلِسَانِ الِافْتِقَارِ، وَأَتَذَلَّلُ إِلَيْهِ بِجَنَانِ الذُّلِّ وَالِاحْتِقَارِ، وَأَتَضَرَّعُ بِجَوَارِحِ الْعَجْزِ وَالِانْكِسَارِ، وَأَتَشَفَّعُ بِحُرْمَةِ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَآلِهِ الْأَطْهَارِ، وَأَصْحَابِهِ الْأَخْيَارِ، وَأَصْهَارِهِ الْأَبْرَارِ، وَسَائِرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَبِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وَبِالْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ، وَبِالْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ، وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالْمُتَّقِينَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الشَّرْحَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسَبَبًا فِي الْفَوْزِ لَدَيْهِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ وَإِلَى مَنْ كَتَبَهُ وَقَرَأَهُ وَأَقْرَأَهُ بِعَيْنِ الْعِنَايَةِ، وَأَنْ يَحْفَظَنِي وَأَهْلَ بَيْتِي وَإِخْوَانِي مِنْ كُلِّ ضَلَالَةٍ وَغَوَايَةٍ، وَأَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ كَتَبَهُ وَقَرَأَهُ وَفَهِمَهُ وَوَعَاهُ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ، رَءُوفٌ رَحِيمٌ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَأُمَّتِهِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، وَكَافَّةِ مَنْ دَعَا لَنَا بِخَيْرٍ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
стр. 921
خَاتِمَةُ الطَّبْعِ
قَدْ تَمَّ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى طَبْعُ الْجُزْءِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِ لَوَامِعِ الْأَنْوَارِ الْبَهِيَّةِ وَسَوَاطِعُ الْأَسْرَارِ الْأَثَرِيَّةِ لِشَرْحِ الدُّرَرِ الْمُضِيَّةِ فِي عَقْدِ الْفِرْقَةِ الْمَرْضِيَّةِ، كِلَاهُمَا لِلشَّيْخِ الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ السَّفَارِينِيِّ وَبِتَمَامِهِ تَمَّ الْكِتَابُ وَالْحَمْدُ لَهُ رَبِّ الْعَالَمِينَ.