← Акыда

Акыда · id 8353

لوامع الأنوار البهية

السفاريني

Полный текст (921 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

وَأَنْ يَكُونَ ((ذَا خِبْرَةٍ)) بِتَدْبِيرِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، ((وَ)) أَنْ يَكُونَ ((حَاكِمًا)) أَيْ يَكُونُ قَادِرًا عَلَى إِيصَالِ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ، وَكَفِّ ظُلْمِ الْمُعْتَدِي وَقَمْعِ أَهْلِ الِافْتِرَاءِ وَالِاعْتِدَاءِ، وَقَادِرًا عَلَى إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَقَمْعِ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالْجُحُودِ، لَا تَأْخُذُهُ رَأْفَةٌ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالذَّبِّ عَنِ الْأُمَّةِ. فَإِنْ عُقِدَتْ لِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَهِيَ لِلْأَوَّلِ، فَإِنْ فَسَقَ الْإِمَامُ بَعْدَ الْعَدَالَةِ الْمُقَارَنَةِ لِلْعَدْلِ لَمْ يَنْعَزِلْ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَشْهَرِ، وَلَا تُشْتَرَطُ عِصْمَتُهُ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَلَا كَوْنُهُ أَفْضَلَ الْأُمَّةِ، وَلَا كَوْنُهُ هَاشِمِيًّا، أَوْ إِظْهَارُ مُعْجِزَةٍ عَلَى يَدِهِ يُعْلَمُ بِهِ صِدْقُهُ خِلَافًا لِلرَّافِضَةِ، وَهَذَا مِنْ خُرَافَاتِهِمْ وَجَهَالَاتِهِمْ. وَمِنْ جَهَالَاتِهِمْ أَيْضًا زَعْمُهُمْ أَنَّ غَيْرَ الْمَعْصُومِ يُسَمَّى ظَالِمًا فَيَتَنَاوَلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤] إِذِ الظَّالِمُ لُغَةً مَنْ يَضَعُ الشَّيْءَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَشَرْعًا الْعَاصِي، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ غَيْرَ مَعْصُومٍ أَنْ يَكُونَ عَاصِيًا وَلَا ظَالِمًا لِجَوَازِ كَوْنِهِ مَحْفُوظًا فَلَا يَصْدُرُ عَنْهُ ذَنْبٌ أَوْ إِذَا صَدَرَ عَنْهُ ذَنْبٌ تَابَ مِنْهُ تَوْبَةً نَصُوحًا. [وجوب طاعته بشرطه] ((وَكُنْ مُطِيعًا أَمْرَهُ فِيمَا أَمَرْ ... مَا لَمْ يَكُنْ بِمُنْكَرٍ فَيُحْتَذَرْ)) ((وَ)) إِذَا عُقِدَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ فَصَارَ إِمَامًا لِلْمُسْلِمِينَ فَـ ((كُنْ مُطِيعًا)) أَنْتَ وَسَائِرُ رَعِيَّتِهِ ((أَمْرَهَ فِيمَا)) أَيْ فِي الشَّيْءِ الَّذِي ((أَمَرَ)) بِهِ إِنْ كَانَ طَاعَةً، وَالْحَاصِلُ أَنَّ طَاعَتَهُ تَجِبُ فِي الطَّاعَةِ وَتُسَنُّ فِي الْمَسْنُونِ وَتُكْرَهُ فِي الْمَكْرُوهِ، فَإِذَا أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ وَجَبَ امْتِثَالُ أَمْرِهِ ((مَا لَمْ يَكُنْ)) أَمْرُهُ ((بِـ)) شَيْءٍ ((مُنْكَرٍ)) ضِدِّ الْمَعْرُوفِ، ((فَـ)) لَا يُطَاعُ فِي ذَلِكَ بَلْ ((يُحْتَذَرُ)) وَيُجْتَنَبُ فَلَا تَجِبُ طَاعَتُهُ فِي الْمَعْصِيَةِ، بَلْ تَحْرُمُ إِذْ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي صَدْرِ كِتَابِهِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ أَمْرَكُمْ» ". قَالَ: وَآيَةُ الْأُمَرَاءِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٨ - ٥٩]

стр. 877

قَالَ: نَزَلَتِ الْآيَةُ الْأُولَى فِي وُلَاةِ الْأُمُورِ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا حَكَمُوا بَيْنَ النَّاسِ أَنْ يَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، وَنَزَلَتِ الْآيَةُ الثَّانِيَةُ فِي الرَّعِيَّةِ مِنَ الْجُيُوشِ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يُطِيعُوا أُولِي الْأَمْرِ الْفَاعِلِينَ لِذَلِكَ فِي قَسَمِهِمْ وَحُكْمِهِمْ وَمَغَازِيهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ، فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي شَيْءٍ رَدُّوهُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وُلَاةُ الْأُمُورِ ذَلِكَ أُطِيعُوا فِيمَا يَأْمُرُونَ بِهِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأُدِّيَتْ حُقُوقُهُمْ إِلَيْهِمْ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأُعِينُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا يُعَاوَنُونَ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَعَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنْ يُوَلِّيَ عَلَى كُلِّ عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْمُسْلِمِينَ أَصْلَحَ مَنْ يَجِدُهُ لِذَلِكَ الْعَمَلِ. فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا وَهُوَ يَجِدُ أَصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» ". رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي صَحِيحِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: " «مَنْ قَلَّدَ رَجُلًا عَمَلًا مِنْ عِصَابَةٍ وَهُوَ يَجِدُ فِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ» "، وَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁: مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا فَوَلَّى رَجُلًا لِمَوَدَّةٍ أَوْ قَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُسْلِمِينَ. وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. [فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ] [صلاح العباد لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] ((فَصْلٌ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ)) وَلَمَّا كَانَ صَلَاحُ الْعِبَادِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ لَا يَتِمُّ وَلَا يَصْلُحُ وَلَا يَسْتَقِيمُ لَهُمْ حَالٌ إِلَّا بِذَلِكَ قَالَ: ((وَاعْلَمْ بِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ مَعَا ... فَرْضَا كِفَايَةٍ عَلَى مَنْ قَدْ وَعَا)) ((وَإِنْ يَكُنْ ذَا وَاحِدًا تَعَيَّنَا ... عَلَيْهِ لَكِنْ شَرْطُهُ أَنْ يَأْمَنَا)) ((فَاصْبِرْ وَزُلْ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ ... لِمُنْكَرٍ وَاحْذَرْ مِنَ النُّقْصَانِ)) ((وَاعْلَمْ)) أَيُّهَا الْمُتَبَحِّرُ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ الْمُحَرِّرِ لِدَعَائِمِ الدِّينِ وَقَوَاعِدِ الْحَقِّ الْمُبِينِ ((بِأَنَّ الْأَمْرَ)) أَيْ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ كَمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا، ((وَالنَّهْيَ)) عَنِ الْمُنْكَرِ وَهُوَ ضِدُّ الْمَعْرُوفِ ((مَعًا)) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا

стр. 878

مُنْفَرِدًا وَكِلَاهُمَا ((فَرْضَا كِفَايَةٍ)) عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يُخَاطِبُ بِهِ الْجَمِيعَ وَيَسْقُطُ بِمَنْ يَقُومُ بِهِ، بِخِلَافِ فَرْضِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، ((عَلَى مَنْ)) أَيْ إِنْسَانٍ أَوِ الَّذِي ((قَدْ وَعَا)) أَيْ حَفِظَ حُكْمَهُ وَعَلِمَهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ إِصْلَاحَ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ إِنَّمَا هُوَ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ زَوَاجِرِهِ، وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إِلَّا بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَبِهِ صَارَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ قَالَ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] ، وَقَالَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩] ، وَفِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ «عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ» ". وَفِي لَفْظٍ مِنْ عِنْدِهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ: «إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إِنَّ الْقَوْمَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ» ".، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا إِلَّا يُوشَكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْ عِنْدِهِ» ". ((وَإِنْ يَكُنْ ذَا)) أَيِ الَّذِي عَلِمَ بِالْمُنْكَرِ وَتَحَقَّقَهُ وَشَاهَدَهُ وَهُوَ عَارِفٌ بِمَا يُنْكِرُ ((وَاحِدًا)) أَوْ كَانُوا عَدَدًا وَلَكِنْ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ إِلَّا بِهِمْ جَمِيعًا ((تَعَيَّنَا)) أَيِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ وَصَارَا فَرْضَ عَيْنٍ ((عَلَيْهِ)) أَوْ عَلَيْهِمْ لِلُزُومِهِ عَلَيْهِمْ ((وَلَكِنْ شَرْطُهُ)) أَيْ شَرْطُ افْتِرَاضِهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ

стр. 879

أَوِ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ كَانَا فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ عَيْنٍ ((أَنْ يَأْمَنَا)) بِأَلِفِ الْإِطْلَاقِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَلَمْ يَخَفْ سَوْطًا وَلَا عَصًا وَلَا أَذًى وَلَا فِتْنَةً تَزِيدُ عَلَى الْمُنْكَرِ، وَقِيلَ إِذَا زَادَتْ وَجَبَ الْكَفُّ، وَإِنْ تَسَاوَيَا سَقَطَ الْإِنْكَارُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: يَأْمُرُ بِالرِّفْقِ وَالْخُضُوعِ، فَإِنْ أَسْمَعُوهُ مَا يَكْرَهُ لَا يَغْضَبُ فَيَكُونُ يُرِيدُ أَنْ يَنْتَصِرَ. وَلِهَذَا قَالَ: " فَاصْبِرْ " عَلَى الْأَذَى مِمَّنْ تَأْمُرُهُ وَتَنْهَاهُ وَلَا تَغْضَبْ لِنَفْسِكَ، بَلْ لِلَّهِ، (وَزُلِ) الْمُنْكَرَ وَغَيْرَهُ مِنْ زَالَهُ عَنْ مَكَانِهِ يُزِيلُهُ زَيْلًا وَإِزَالَةً وَإِزَالًا ((بِالْيَدِ)) وَهُوَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْإِنْكَارِ، وَإِزَالَةُ الْمُنْكَرِ كَإِرَاقَةِ الْخَمْرِ، وَكَسْرِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَالْحَيْلُولَةِ بَيْنَ الضَّارِبِ وَالْمَضْرُوبِ وَنَحْوِهِ، وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ إِلَى مَالِكِهِ، ((وَ)) غَيْرُ الْمُنْكَرِ بِـ ((اللِّسَانِ)) حَيْثُ لَمْ تَسْتَطِعْ تَغْيِيرَهُ بِالْيَدِ بِأَنْ تَعِظَهُ وَتُذَكِّرَهُ بِاللَّهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ وَتُوَبِّخَهُ وَتُعَنِّفَهُ مَعَ لِينٍ وَإِغْلَاظٍ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ، وَقَدْ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ فِي بَعْضِ الْمَحَالِّ بِالرِّفْقِ وَالسِّيَاسَةِ بِأَزْيَدَ وَأَتَمَّ مِمَّا يَحْصُلُ بِالْعُنْفِ وَالرِّيَاسَةِ، كَأَنْ يَقُولَ لِمَنْ رَآهُ مُتَكَشِّفًا فِي نَحْوِ حَمَّامٍ: اسْتُرْ سَتَرَكَ اللَّهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ ((لِمُنْكَرٍ)) مُتَعَلِّقٌ بِزُلْ وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ زُلْ " ذُدْ " أَيِ اطْرُدْ وَامْنَعْ لِلْمُنْكَرِ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، ((وَاحْذَرْ)) مِنَ النُّزُولِ عَنْ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ حَيْثُ قَدَرْتَ عَلَى أَنْ تُغَيِّرَ الْمُنْكَرَ بِيَدِكَ إِلَى أَوْسَطِهَا وَهُوَ الْإِنْكَارُ بِاللِّسَانِ إِلَّا مَعَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَسُوغُ لَكَ الْعُدُولُ عَنِ التَّغْيِيرِ لِلْمُنْكَرِ بِاللِّسَانِ وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَيْهِ إِلَى الْإِنْكَارِ بِالْقَلْبِ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ تَغْيِيرَ الْمُنْكَرِ لَا بِيَدِكَ وَلَا بِلِسَانِكَ فَاعْدِلْ إِلَى الْإِنْكَارِ بِقَلْبِكَ وَهُوَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ، فَلِذَا حَذَّرَ ((مِنَ النُّقْصَانِ)) . وَأَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَغَيَّرَهُ بِيَدِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَغَيَّرَهُ بِلِسَانِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِلِسَانِهِ فَغَيَّرَهُ بِقَلْبِهِ فَقَدْ بَرِئَ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» ". وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

стр. 880

وَسَلَّمَ - قَالَ: " «مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مَنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ» ". وَفِي هَذَا الْبَابِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ وَقَدْ دَلَّتْ كُلُّهَا عَلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ إِنْكَارَهُ بِالْقَلْبِ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَمَنْ لَمْ يُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ دَلَّ عَلَى ذَهَابِ الْإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: إِنَّ أَوَّلَ مَا تُغْلَبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ، ثُمَّ الْجِهَادُ بِأَلْسِنَتِكُمْ، ثُمَّ الْجِهَادُ بِقُلُوبِكُمْ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَلْبُهُ الْمَعْرُوفَ، وَيُنْكِرْ قَلْبُهُ الْمُنْكَرَ نُكِّسَ، فَجُعِلَ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: هَلَكَ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الْمَعْرُوفَ وَيُنْكِرِ الْمُنْكَرَ بِقَلْبِهِ. يُشِيرُ إِلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ الْمَعْرُوفِ وَالْمُنْكَرِ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ لَا يَسْقُطُ عَنْ أَحَدٍ، فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ هَلَكَ، وَأَمَّا الْإِنْكَارُ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ فَإِنَّمَا يَجِبُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ. وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنِ الْعُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الْأَرْضِ كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا وَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا» ". وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا نَحْوَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا. وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ وَاجِبًا تَارَةً يُحْمَلُ عَلَيْهِ رَجَاءُ الثَّوَابِ، وَتَارَةً خَوْفُ الْعِقَابِ فِي تَرْكِهِ، وَتَارَةً الْغَضَبُ لِلَّهِ عَلَى انْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ، وَتَارَةً النَّصِيحَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالرَّحْمَةُ لَهُمْ، وَرَجَاءُ إِنْقَاذِهِمْ مِمَّا أَوْقَعُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهِ مِنَ التَّعَرُّضِ لِغَضَبِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَتَارَةً يُحْمَلُ عَلَيْهِ إِجْلَالُ اللَّهِ وَإِعْظَامُهُ وَمَحَبَّتُهُ وَأَنَّهُ أَهْلٌ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ، وَأَنْ يُفْتَدَى مِنَ انْتِهَاكِ مَحَارِمِهِ بِالنُّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: وَدِدْتُ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ أَطَاعُوا اللَّهَ وَأَنَّ لَحْمِي قُرِضَ بِالْمَقَارِيضِ. فَمَنْ لَحَظَ مَا ذَكَرْنَاهُ هَانَ عَلَيْهِ مَا يَلْقَاهُ مِنَ الْأَذَى فِي اللَّهِ ، قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ إِلَّا مَنْ كَانَتْ فِيهِ خِصَالٌ ثَلَاثٌ: رَفِيقٌ بِمَا يَأْمُرُ رَفِيقٌ بِمَا يَنْهَى، عَدْلٌ بِمَا يَأْمُرُ عَدْلٌ

стр. 881

بِمَا يَنْهَى، عَالِمٌ بِمَا يَأْمُرُ عَالِمٌ بِمَا يَنْهَى. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: النَّاسُ يَحْتَاجُونَ إِلَى مُدَارَاةٍ وَرِفْقٍ، الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ بِلَا غِلْظَةٍ إِلَّا رَجُلٌ مُعْلِنٌ بِالْفِسْقِ فَلَا حُرْمَةَ لَهُ. وَلِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ عَدْلًا بِمَا يَنْهَى، أَشَارَ بِقَوْلِهِ: [الآمر بالمعروف يبدأ بنفسه] ((وَمَنْ نَهَى عَمَّا لَهُ قَدِ ارْتَكَبْ ... فَقَدْ أَتَى مِمَّا بِهِ يُقْضَى الْعَجَبْ)) ((فَلَوْ بَدَا بِنَفْسِهِ فَذَادَهَا ... عَنْ غَيِّهَا لَكَانَ قَدْ أَفَادَهَا)) ((وَمَنْ)) إِنَّ أَيَّ إِنْسَانٍ أَوِ الَّذِي ((نَهَى)) الْخَلْقَ ((عَمَّا)) أَيِ الشَّيْءِ الَّذِي ((لَهُ)) أَيْ لِذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي نَهَى النَّاسَ عَنْهُ ((قَدِ ارْتَكَبَ)) وَفَعَلَهُ وَخَالَفَ قَوْلُهُ عَمَلَهُ مِنْ فِعْلِ الْمَحْظُورِ وَتَرْكِ الْمَأْمُورِ، ((فَقَدْ)) وَاللَّهِ ((أَتَى)) مِنْ قَالِهِ وَحَالِهِ ((مِمَّا)) أَيْ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي ((بِهِ)) أَيْ مِنْهُ ((يُقْضَى)) بِانْبِنَائِهِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ((الْعَجَبُ)) نَائِبُ الْفَاعِلِ، أَيْ يَقْضِي الْعُقَلَاءُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ وَالْحَزْمِ مِنْ مُخَالَفَةِ قَوْلِهِ لِعَمَلِهِ الْعَجَبَ، أَيْ يَحْكُمُونَ وَيَقْطَعُونَ بِالْعَجَبِ وَهُوَ إِنْكَارُ مَا يَرِدُ عَلَيْكَ وَيَخْفَى سَبَبُهُ، وَالْمُرَادُ أَنْ يَعْظُمَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وَيَكْبُرَ لَدَيْهِمْ أَنْ يَنْهَى عَنِ الْقَبِيحِ وَيَأْتِيَهُ وَيَأْمُرَ بِالْحَسَنِ وَلَا يَأْتِيَهُ، وَقَدْ وَرَدَ التَّحْذِيرُ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ - أَيْ أَمْعَاؤُهُ وَمَعْنَى تَنْدَلِقُ أَيْ تَخْرُجُ - فَيَدُورُ فِيهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ فِي الرَّحَى، فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: يَا فُلَانُ مَا لَكَ، أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: بَلِيَ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ ﵁ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: " «مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِأَقْوَامٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ» ". وَرَوَى نَحْوَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا وَفِيهِ فَقَالَ: «الْخُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ» . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ. وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ

стр. 882

- ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " «مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ وَيَنْسَى نَفْسَهُ كَمَثَلِ السِّرَاجِ يُضِيءُ لِلنَّاسِ وَيَحْرِقُ نَفْسَهُ» ". رَوَى الْأَصْبِهَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ ﵁ مَرْفُوعًا: " «إِنَّ الرَّجُلَ لَا يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَكُونَ قَلْبُهُ مَعَ لِسَانِهِ سَوَاءً، وَيَكُونُ لِسَانُهُ مَعَ قَلْبِهِ سَوَاءٍ، وَلَا يُخَالِفُ قَوْلُهُ عَمَلَهُ، وَيَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» ". كَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ ﵀ إِذَا خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَكَأَنَّهُ رَجُلٌ عَايَنَ الْآخِرَةَ ثُمَّ جَاءَ يُخْبِرُ عَنْهَا، فَكَانُوا إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ خَرَجُوا وَهُمْ لَا يَعُدُّونَ الدُّنْيَا شَيْئًا، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَا تُذْكَرُ الدُّنْيَا فِي مَجْلِسِهِ وَلَا تُذْكَرُ عِنْدَهُ، إِنَّمَا يَصْلُحُ التَّأْدِيبُ بِالسَّوْطِ مِنْ صَحِيحِ الْبَدَنِ ثَابِتِ الْقَلْبِ قَوِيِّ الذِّرَاعَيْنِ، فَيُؤْلِمُ ضَرْبُهُ فَيَرْدَعُ، فَأَمَّا مَنْ هُوَ سَقِيمُ الْبَدَنِ لَا قُوَّةَ لَهُ فَمَاذَا يَنْفَعُ تَأْدِيبُهُ بِالضَّرْبِ؟ وَالنُّفُوسُ مَجْبُولَةٌ عَلَى عَدَمِ الِانْتِفَاعِ بِكَلَامِ مَنْ لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَصِفُ لَهُ الطَّبِيبُ دَوَاءً لِمَرَضٍ بِهِ مِثْلُهُ، وَالطَّبِيبُ مُعْرِضٌ عَنْهُ غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إِلَيْهِ بَلِ الطَّبِيبُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ هَذَا الْآمِرِ الْمُخَالِفِ لِمَا أَمَرَ بِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ يَقُومُ عِنْدَ الطَّبِيبِ دَوَاءٌ آخَرُ مَقَامَ هَذَا الدَّوَاءِ، وَقَدْ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى تَرْكِ التَّدَاوِي بِخِلَافِ الْوَاعِظِ فَإِنَّ مَا يَعِظُ بِهِ طَرِيقَ النَّجَاةِ لَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَلِهَذِهِ النَّفْرَةِ قَالَ شُعَيْبٌ ﵇ لِقَوْمِهِ: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْكَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَإِذَا أَمَرْتَ بِشَيْءٍ فَكُنْ أَوَّلَ الْفَاعِلِينَ لَهُ الْمُؤْتَمِرِينَ بِهِ، وَإِذَا نَهَيْتَ عَنْ شَيْءٍ فَكُنْ أَوَّلَ الْمُنْتَهِينَ عَنْهُ، وَلِهَذَا قَالَ ((فَلَوْ بَدَا)) الْآمِرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ قُبِلَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ لِغَيْرِهِ ((بِنَفْسِهِ)) مُتَعَلِّقٌ بِبَدَا ((فَذَادَهَا)) أَيْ مَنَعَهَا وَرَدَّهَا ((عَنْ غَيِّهَا)) مُتَعَلِّقٌ بِذَادَهَا أَيْ عَنْ ضَلَالِهَا، وَالْغَيُّ الضَّلَالُ وَالِانْهِمَاكُ فِي الْبَاطِلِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ الْإِسْرَاءِ: " «لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ» ". أَيْ ضَلَّتْ ((لَكَانَ)) بِبِدَايَتِهِ بِإِرْشَادِ نَفْسِهِ وَرَدِّهَا عَمَّا هِيَ فِيهِ مِنَ ارْتِكَابِ مَهَاوِي الْهَوَى وَالضَّلَالِ وَالْغَيِّ وَالْوَبَالِ ((قَدْ أَفَادَهَا)) النَّجَاةَ وَالسَّلَامَةَ وَالرُّشْدَ وَالِاسْتِقَامَةَ، فَإِنَّ النَّاصِحَ الشَّفِيقَ وَالْمُرْشِدَ الرَّفِيقَ يَبْدَأُ فِي إِرْشَادِهِ مِنَ الْأُمَمِ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ وَالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنْ ذَوِي الرَّحِمِ وَلَا أَهَمَّ وَلَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ، وَقَدْ قَالَ مَنْ أَفْصَحَ فِي الْمَقَالِ وَنَصَحَ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى

стр. 883

الْبَالَ وَتَرَكَ الْوَبَالَ. يَا أَيُّهَا الرَّجُلُ الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ ... هَلَّا لِنَفْسِكَ كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ مِنَ الضَّنَا ... كَيْ يَشْتَفِيَ مِنْهُ وَأَنْتَ سَقِيمُ لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا ... فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ فَهُنَاكَ يُقْبَلُ مَا تَقُولُ وَيُقْتَدَى ... بِالْقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْلِيمُ وَلَمَّا جَلَسَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زَيْدٍ الْوَاعِظُ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنَ الصَّالِحَاتِ فَأَنْشَدَتْهُ: يَا وَاعِظًا قَامَ لِاحْتِسَابٍ ... يَزْجُرُ قَوْمًا عَنِ الذُّنُوبِ تَنْهَى وَأَنْتَ الْمُرِيبُ حَقًّا ... هَذَا مِنَ الْمُنْكَرِ الْعَجِيبِ لَوْ كُنْتَ أَصْلَحْتَ قَبْلَ هَذَا ... عَيْبَكَ أَوْ تُبْتَ مِنْ قَرِيبِ كَانَ لِمَا قُلْتَ يَا حَبِيبِي ... مَوْقِعُ صِدْقٍ مِنَ الْقُلُوبِ تَنْهَى عَنِ الْعَمَى وَالتَّمَادِي ... وَأَنْتَ فِي النَّهْيِ كَالْمُرِيبِ وَقَالَ آخَرُ: وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقَى ... طَبِيبٌ يُدَاوِي النَّاسَ وَهْوَ سَقِيمُ وَجَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فَقَالَ: أُرِيدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَقَالَ: إِنْ لَمْ تَخْشَ أَنْ تَفْضَحَكَ هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ فَافْعَلْ وَإِلَّا فَابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ تَلَا: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ - كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: حِكَايَةً عَنْ شُعَيْبٍ ﵇ ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] . (تَنْبِيهَاتٌ) (الْأَوَّلُ) مَا قَدَّمْنَا مِنَ اعْتِبَارِ كَوْنِ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ مُسْتَقِيمَ الْحَالِ هُوَ عَيْنُ الْكَمَالِ وَالْمُؤَثِّرُ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ فِي الْقُلُوبِ، وَالَّذِي قَالَهُ وَحَالُهُ تِرْيَاقُ الذُّنُوبِ فِي ظُهُورِ الْإِنْجَاحِ وَإِدْرَاكِ الْفَلَاحِ، وَأَمَّا الْوُجُوبُ فَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ، بَلْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْعَدَالَةِ وَالْعَفَافِ، فَعَلَى مُرْتَكِبِ الذَّنْبِ النَّهْيُ عَنْ مِثْلِ مَا ارْتَكَبَ، لِأَنَّ تَرْكَهُ لِلْمُنْكَرِ

стр. 884

وَنَهْيَهُ فَرْضَانِ مُتَمَيِّزَانِ لَيْسَ لِمَنْ يَتْرُكُ أَحَدَهُمَا أَنْ يَتْرُكَ الْآخَرَ، فَيَجِبُ عَلَى مُتَعَاطِي الْكَأْسِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْجُلَّاسِ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاجِبٌ وَالِانْكِفَافَ عَنِ الْمُحَرَّمِ وَاجِبٌ، وَالْإِخْلَالَ بِأَحَدِ الْوَاجِبَيْنِ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ فِعْلِ الْآخَرِ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: " «مُرُوا النَّاسَ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهِ، وَانْهَوُا النَّاسَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَإِنْ لَمْ تَتَنَاهَوْا عَنْهُ كُلِّهِ» ". وَقِيلَ لِلْحَسَنِ: إِنَّ فُلَانًا لَا يَعِظُ وَيَقُولُ أَخَافَ أَنْ أَقُولَ مَا لَا أَفْعَلُ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَأَيُّنَا يَفْعَلُ مَا يَقُولُ وَدَّ الشَّيْطَانُ أَنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِهَذَا فَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ مُنْكَرٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَوْ كَانَ الْمَرْءُ لَا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مَا أَمَرَ أَحَدٌ بِمَعْرُوفٍ وَلَا نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ. قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: (وَصَدَقَ) وَمَنْ ذَا الَّذِي لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ! (الثَّانِي) مُتَعَلِّقُ وُجُوبِ الْإِنْكَارِ الرُّؤْيَةُ لِلْمُنْكَرِ وَتَحَقُّقِهِ، فَلَوْ كَانَ مَسْتُورًا فَلَمْ يَرَوْهُ وَلَكِنْ عَلِمَ بِهِ، فَالْمَذْهَبُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْإِنْكَارُ لِتَحَقُّقِهِ وَالْمَنْصُوصُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لَهُ وَلَا يُفَتِّشُ عَلَى مَا اسْتَرَابَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ يَكْسِرُ الْمُغَطَّى إِذَا تَحَقَّقَهُ وَهَذَا الْمُعْتَمَدُ، وَأَمَّا إِذَا سَمِعَ صَوْتَ مَلْهَاةٍ وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا تَسَوُّرُ الْجُدْرَانِ عَلَى مَنْ عَلِمَ اجْتِمَاعَهُمْ عَلَى مُنْكَرٍ فَقَدْ أَنْكَرَهُ الْأَئِمَّةُ مِثْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّجَسُّسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، نَعَمْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي كِتَابِهِ الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: إِنْ كَانَ فِي الْمُنْكَرِ الَّذِي غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ الِاسْتِسْرَارُ بِهِ بِإِخْبَارِ ثِقَةٍ عَنْهُ انْتِهَاكُ حُرْمَةٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهَا كَالزِّنَا وَالْقَتْلِ جَازِ التَّجَسُّسُ وَالْإِقْدَامُ عَلَى الْكَشْفِ وَالْبَحْثِ حَذَرًا مِنْ فَوَاتِ اسْتِدْرَاكِ انْتِهَاكِ الْمَحَارِمِ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فِي الرُّتْبَةِ لَمْ يَجُزِ التَّجَسُّسُ عَلَيْهِ وَلَا الْكَشْفُ عَنْهُ. انْتَهَى. وَحِكْمَةُ عَدَمِ وُجُوبِ التَّفْتِيشِ مَعَ وُجُودِ النُّصُوصِ عَلَى التَّجَسُّسِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ إِذَا خَفِيَتْ إِنَّمَا تَضُرُّ مَنْ يَعْمَلُهَا، وَإِذَا أُعْلِنَتْ ضَرَّتِ الْعَامَّةَ فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُونَهُ، فَإِذَا فَعَلُوا

стр. 885

ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ» ". وَخَرَّجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَقُولَ: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُنْكِرَهُ؟ فَإِذَا لَقَّنَ اللَّهُ عَبْدًا حُجَّتَهُ قَالَ: يَا رَبُّ رَجَوْتُكَ وَفَرِقْتُ النَّاسَ» ". وَأَخْرَجَا مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا مَرْفُوعًا: " «لَا يُحَقِّرُ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ كَيْفَ يُحَقِّرُ أَحَدُنَا نَفْسَهُ؟ قَالَ: يَرَى أَمْرًا لِلَّهِ عَلَيْهِ فِيهِ مَقَالٌ ثُمَّ لَا يَقُولُ فِيهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَقُولَ فِيَّ كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ خَشْيَةُ النَّاسِ، فَيَقُولُ: إِيَّايَ كُنْتَ أَحَقَّ أَنْ تَخْشَى» ". فَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْمَانِعَ لَهُ مِنَ الْإِنْكَارِ مُجَرَّدُ الْهَيْبَةِ دُونَ الْخَوْفِ الْمُسْقِطِ لِلْإِنْكَارِ، فَإِنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ السَّيْفَ أَوِ السَّوْطَ أَوِ الْحَبْسَ أَوِ الْقَيْدَ أَوِ النَّفْيَ أَوْ أَخَذَ الْمَالِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَذَى، أَوْ خَافَ مِثْلَ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِهِ وَجِيرَانِهِ سَقَطَ وُجُوبُ الْإِنْكَارِ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَئِمَّةُ مِنْهُمْ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا يَتَعَرَّضُ لِلسُّلْطَانِ فَإِنَّ سَيْفَهُ مَسْلُولٌ. وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ كَالْجِهَادِ يَجِبُ عَلَى الْوَاحِدِ أَنْ يُصَابِرَ فِيهِ الِاثْنَيْنِ وَيَحْرُمَ عَلَيْهِ الْفِرَارُ مِنْهُمَا وَلَا يَجِبَ عَلَيْهِ مُصَابَرَةُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ خَوْفِ السَّبِّ أَوْ سَمَاعِ الْكَلَامِ السَّيِّئِ فَلَا يُسْقِطُ الْإِنْكَارَ - نَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَإِنِ احْتَمَلَ الْأَذَى وَقَوِيَ عَلَيْهِ فَهُوَ أَفْضَلُ. نَصَّ عَلَيْهِ وَقَالَ: " «أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ» ". وَهَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ﵁ مَرْفُوعًا، وَخَرَّجَ ابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ. وَفِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ «عَنْ أَمِينِ الْأُمَّةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الشُّهَدَاءِ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ؟ قَالَ: " رَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ بِمَعْرُوفٍ وَنَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ فَقَتَلَهُ» "، وَحَدِيثُ: " «لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ» " يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُطِيقُ الْأَذَى وَلَا يَصْبِرُ عَلَيْهِ، فَلَا يَتَعَرَّضْ حِينَئِذٍ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَهَذَا حَقٌّ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِيمَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الصَّبْرَ، كَذَلِكَ قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَسُفْيَانُ وَالْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ وَغَيْرُهُمْ. (الثَّالِثُ) إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فَهَلْ يَسْقُطُ وُجُوبُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ؟ حَكَى

стр. 886

الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَيْنِ وَصَحَّحَ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهِ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِ السَّلَفِ فِي هَذَا فَقَالَ: تَكُونُ مَعْذِرَةً، وَهَذَا كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ أَنْكَرُوا عَلَى الْمُعْتَدِينَ فِي السَّبْتِ أَنَّهُمْ قَالُوا لِمَنْ قَالَ لَهُمْ: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤] وَقَدْ وَرَدَ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى سُقُوطِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَبُولِ وَالِانْتِفَاعِ، فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيِّ «عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: " بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَانْتَهُوا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ الْعَوَامِّ» ". وَقَدْ رُوِيَ مَعْنَى هَذَا مِنْ عِدَّةِ وُجُوهٍ، وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَيَجُوزُ الْإِنْكَارُ فِيمَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَإِنْ خَافَ أَذًى، وَقِيلَ لَا، وَقِيلَ يَجِبْ، وَلَا يَجِبُ الْإِنْكَارُ فِيمَا فَاتَ وَمَضَى إِلَّا فِي الْعَقَائِدِ وَالْآرَاءِ. (الرَّابِعُ) الَّذِي يَجِبُ إِنْكَارُهُ مِنَ الْمُنْكَرِ هُوَ مَا كَانَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ فَمِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ: لَا يَجِبُ إِنْكَارُهُ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ مُجْتَهِدًا فِيهِ أَوْ مُقَلِّدًا لِمُجْتَهِدٍ تَقْلِيدًا سَائِغًا، وَاسْتَثْنَى الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ مَا ضَعُفَ فِيهِ الْخِلَافُ وَكَانَ ذَرِيعَةً إِلَى مَحْظُورٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، فَإِنَّهُ ذَرِيعَةٌ إِلَى الزِّنَا الْمُجْمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ. وَذُكِرَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ بْنِ شَاقِلَا أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْمُتْعَةَ هِيَ الزِّنَا صُرَاحًا. وَقَالَ ابْنُ بَطَّةَ لَا يُفْسَخُ نِكَاحٌ حَكَمَ بِهِ قَاضٍ إِذَا كَانَ قَدْ تَأَوَّلَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَضَى لِرَجُلٍ بِعَقْدِ مُتْعَةٍ، وَالْمَنْصُوصُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ الْإِنْكَارُ عَلَى اللَّاعِبِ بِالشَّطْرَنْجِ، وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى مَنْ لَعِبَ بِهَا بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ سَائِغٍ، وَنَظَرَ فِيهِ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ بِأَنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْهُ أَيْضًا أَنْ يُحَدَّ شَارِبُ النَّبِيذِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، وَإِقَامَةُ الْحَدِّ أَبْلَغُ مَرَاتِبِ الْإِنْكَارِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُنْكِرُ كُلَّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ ضَعُفَ الْخِلَافُ فِيهِ لِدَلَالَةِ السُّنَّةِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَاعِلُهُ الْمُتَأَوِّلُ مِنَ الْعَدَالَةِ بِذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَكَذَا نَصَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ عَلَى

стр. 887

الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ لَا يُتِمُّ صَلَاتَهُ، وَلَا يُقِيمُ صُلْبَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلَافِ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ لِضَعْفِ مِثْلِ هَذَا الِاخْتِلَافِ لِمُصَادَمَتِهِ لِلنُّصُوصِ عَنْ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الْخَامِسُ) وُجُوبُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَدَلِيلُهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا الْكِتَابُ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وَتَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ، وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَلِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَتَوَاصَوْنَ بِذَلِكَ، وَيُوَبِّخُونَ تَارِكَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَعَلَى النَّاسِ إِعَانَةُ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ وَنَصْرُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمَا يَخْتَصُّ عِلْمُهُ بِالْعُلَمَاءِ يَخْتَصُّ إِنْكَارُهُ بِهِمْ وَبِمَنْ يَأْمُرُونَهُ بِهِ مِنَ الْوُلَاةِ وَالْعَوَامِّ، وَمَنِ الْتَزَمَ مَذْهَبًا أُنْكِرَ عَلَيْهِ مُخَالَفَتُهُ بِلَا دَلِيلٍ ظَاهِرٍ وَلَا تَقْلِيدٍ سَائِغٍ أَوْ عُذْرٍ ظَاهِرٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ. [الْخَاتِمَةُ] [مدارك العلوم] ((الْخَاتِمَةُ)) (نَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى حُسْنَ الْخَاتِمَةِ) فِي فَوَائِدَ جَلِيلَةٍ وَفَوَائِدَ جَزِيلَةٍ لَا يَسَعُ مَنْ خَاضَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْعُلُومِ الْجَهْلُ بِهَا، وَهِيَ قِسْمَانِ: مُفْرَدَاتٌ وَمُرَكَّبَاتٌ كَمَا قَالَ الْإِمَامُ الْمُوَفَّقُ، وَلِذَا قَالَ: ((مَدَارِكُ الْعُلُومِ فِي الْعِيَانِ ... مَحْصُورَةٌ فِي الْحَدِّ وَالْبُرْهَانِ)) ((وَقَالَ قَوْمٌ عِنْدَ أَصْحَابِ النَّظَرْ ... حِسٌّ وَإِخْبَارٌ صَحِيحٌ وَالنَّظَرْ)) ((مَدَارِكُ الْعُلُومِ)) الْمَدَارِكُ جَمْعُ مَدْرَكٍ مِنْ أَدْرَكَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ، وَاسْتَدْرَكَهُ حَاوَلَ إِدْرَاكَهُ بِهِ وَأَدْرَكَ الشَّيْءَ أَحَاطَ بِهِ وَبَلَغَ وَقْتَهُ وَانْتَهَى إِلَى الْعِلْمِ بِهِ وَالْإِحَاطَةِ بِحُكْمِهِ، وَالْمُرَادُ الْمُدْرَكُ بِالْعُقُولِ لِأَنَّا نُشَاهِدُ قَطْعًا آثَارَ الْعُقُولِ فِي الْآرَاءِ وَالْحُكْمِ وَالْحِيَلِ وَغَيْرِهَا مُتَفَاوِتَةً، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى

стр. 888

تَفَاوُتِ الْعُقُولِ فِي نَفْسِهَا، وَالْعُقُولُ جَمْعُ عَقْلٍ وَهُوَ لُغَةً الْمَنْعُ سُمِّيَ بِهِ لِمَنْعِهِ صَاحِبَهُ مِنَ الرَّذَائِلِ وَالْقَبَائِحِ، وَلِذَا لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ تَعَالَى الْعَاقِلُ، وَاصْطِلَاحًا مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَيْزُ بَيْنَ الْمَعْلُومَاتِ، وَعَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الْعَقْلُ آلَةُ التَّمْيِيزِ وَالْإِدْرَاكِ. وَهُوَ غَرِيزَةٌ، قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁ وَقَالَ الْحَارِثُ الْمُحَاسَبِيُّ: لَيْسَ مُكْتَسَبًا بَلْ خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى يُفَارِقُ بِهِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْبَهِيمَةِ، وَيَسْتَعِدُّ بِهِ لِقَبُولِ الْعِلْمِ وَتَدْبِيرِ الصَّنَائِعِ الْفِكْرِيَّةِ، فَكَأَنَّهُ نُورٌ يُقْذَفُ فِي الْقَلْبِ كَالْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ، وَالصِّبَا وَنَحْوُهُ حِجَابٌ لَهُ، قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: إِنَّهُ غَيْرُ مُكْتَسَبٍ كَالضَّرُورِيِّ، وَقَالَ الْبَرْبَهَارِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا: لَيْسَ الْعَقْلُ بِجَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ وَلَا اكْتِسَابٍ، وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ الْقُوَّةُ الْمُدْرِكَةُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ لَا الْإِدْرَاكُ، وَهُوَ بَعْضُ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَالْأَكْثَرُ يَسْتَعِدُّ بِهَا لِفَهْمِ دَقَائِقِ الْعُلُومِ وَتَدْبِيرِ الصَّنَائِعِ الْفِكْرِيَّةِ، وَقَالَهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُمَا، فَخَرَجَتِ الْعُلُومُ الْكَسْبِيَّةُ، لِأَنَّ الْعَاقِلَ يَتَّصِفُ بِكَوْنِهِ عَاقِلًا مَعَ انْتِفَاءِ الْعُلُومِ النَّظَرِيَّةِ، وَإِنَّمَا قَالُوا بَعْضَ الْعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَمِيعَهَا لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْفَاقِدُ لِلْعِلْمِ بِالْمُدْرَكَاتِ غَيْرَ عَاقِلٍ لِعَدَمِ الْإِدْرَاكِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهَا، وَالْمُشَاهَدُ خِلَافُهُ، وَمَحَلُّ الْعَقْلِ الْقَلْبُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْأَطِبَّاءِ وَلَهُ اتِّصَالٌ بِالدِّمَاغِ، وَرُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ مَحَلَّهُ الدِّمَاغُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالطُّوفِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَقِيلَ فِي الدِّمَاغِ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ جَوْهَرٌ وَإِلَّا فَفِي الْقَلْبِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْعَقْلَ يَخْتَلِفُ كَالْمُدْرَكِ بِهِ، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ عُلَمَائِنَا وَالْأَشَاعِرَةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ: الْعَقْلُ لَا يَخْتَلِفُ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عَامَّةٌ يَرْجِعُ إِلَيْهِ النَّاسُ عِنْدَ اخْتِلَافِهِمْ، وَلَوْ تَفَاوَتَتِ الْعُقُولُ لَمَا كَانَ كَذَلِكَ. وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: الْعَقْلُ عَقْلَانِ غَرِيزِيٌّ وَتَجْرِيبِيٌّ مُكْتَسَبٌ، فَالْعَقْلُ الْغَرِيزِيُّ لَا يَخْتَلِفُ، وَأَمَّا الْكَسْبِيُّ فَيَخْتَلِفُ. وَحَمَلَ الْعَلَّامَةُ الطُّوفِيُّ الْخِلَافَ عَلَى ذَلِكَ. قَوْلُهُ ((فِي الْعِيَانِ)) أَيِ الْمُشَاهَدَةِ وَبَادِئِ النَّظَرِ لِذَوِي الْعِرْفَانِ ((مَحْصُورَةٌ)) فِي شَيْئَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا أَيْ مَحْبُوسَةٌ وَمَمْنُوعَةٌ فِيهِمَا وَمَقْصُورَةٌ عَلَيْهِمَا لَا تَتَجَاوَزْهُمَا ((فِي الْحَدِّ)) ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَنْهُ قَرِيبًا ((وَ)) فِي ((الْبُرْهَانِ)) هُوَ الْحُجَّةُ

стр. 889

وَالدَّلِيلُ فِي الْحَدِيثِ: " «الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ» ". أَيْ أَنَّهَا حُجَّةٌ لِطَالِبِ الْأَجْرِ مِنْ أَنَّهَا قَرْضٌ يُجَازِي اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ، وَقِيلَ بَلْ هِيَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ إِيمَانِ صَاحِبِهَا لِطِيبِ نَفْسِهِ بِإِخْرَاجِهَا، وَذَلِكَ لِعَلَاقَةِ مَا بَيْنَ النَّفْسِ وَالْمَالِ. وَالْبُرْهَانُ عِنْدَ أَهْلِ الْمِيزَانِ قِيَاسٌ مُؤَلَّفٌ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ يَقِينِيَّةٍ لِإِنْتَاجِ يَقِينِيَّاتٍ. وَالْيَقِينُ اعْتِقَادُ أَنَّ الشَّيْءَ كَذَا مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا كَذَا مَعَ مُطَابَقَتِهِ لِلْوَاقِعِ وَامْتِنَاعِ تَغَيُّرِهِ. ((وَقَالَ قَوْمٌ)) بَلْ مَدَارِكُ الْعِلْمِ ((عِنْدَ أَصْحَابِ النَّظَرِ)) الْفِكْرُ وَالتَّدْقِيقُ وَالْبَحْثُ وَالتَّحْقِيقُ، أَعْنِي عُلَمَاءَ النَّظَرِ وَهُمُ النُّظَّارُ مِنَ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمَنْطِقِيِّينَ وَعُلَمَاءِ الْأُصُولِ ثَلَاثَةٌ، أَحَدُهَا ((حِسٌّ)) أَيْ مَا يُدْرَكُ بِأَحَدِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسَةِ وَهِيَ جَمْعُ حَاسَّةٍ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ الْحَاسَّةِ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالشَّمِّ وَالذَّوْقِ وَاللَّمْسِ، فَخَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى كُلًّا مِنْ تِلْكَ الْحَوَاسِّ لِإِدْرَاكِ أَشْيَاءَ مَخْصُوصَةٍ، فَالسَّمْعُ لِلْأَصْوَاتِ، وَالذَّوْقُ لِلطُّعُومِ، وَالشَّمُّ لِلرَّوَائِحِ، وَالْبَصَرُ لِلْمَرْئِيَّاتِ، وَاللَّمْسُ لِلْمَلْمُوسَاتِ، وَهِيَ الْقُوَّةُ الْمُنْبَثَّةُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ، يُدْرَكُ بِهَا الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ وَالرُّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ عِنْدَ التَّمَاسِّ وَالِاتِّصَالِ، فَلَا يُدْرَكُ بِوَاحِدَةٍ مَا يُدْرَكُ بِالْحَاسَّةِ الْأُخْرَى وَالْمُدْرَكُ بِشَيْءٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهُ مَحْسُوسٌ. ((وَ)) الثَّانِي ((إِخْبَارٌ صَحِيحٌ)) ثَابِتٌ رَجِيحٌ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ، فَإِنَّ الْخَبَرَ كَلَامٌ يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ احْتِمَالًا مُتَسَاوِيًا بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ قَائِلِهِ، وَلَهُ نِسْبَةٌ خَارِجَةٌ فَإِنْ طَابَقَتْهُ فَصَادِقٌ وَإِلَّا فَكَاذِبٌ، وَهَذَا الْخَبَرُ هُوَ الَّذِي يُفِيدُ الْعَلِمَ عَلَى نَوْعَيْنِ: (أَحَدُهُمَا) الْمُتَوَاتِرُ الثَّابِتُ عَلَى أَلْسِنَةِ قَوْمٍ لَا يُتَصَوَّرُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، وَمِصْدَاقُهُ وُقُوعُ الْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ شُبْهَةٍ، وَهُوَ مُوجِبٌ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ كَالْعِلْمِ بِالْمُلُوكِ الْمَاضِيَةِ فِي الْأَزْمِنَةِ الْخَالِيَةِ وَالْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ كَوُجُودِ مَكَّةَ وَبَغْدَادَ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُحْسِنْ الِاكْتِسَابَ وَلَا تَرْتِيبَ الْمُقَدِّمَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ يُدْرِكُ ذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ ضَرُورِيًّا لَمَا أَحْسَنُوا ذَلِكَ، وَأَمَّا خَبَرُ النَّصَارَى بِقَتْلِ عِيسَى ﵇ وَالْيَهُودُ بِتَأْبِيدِ دِينِ مُوسَى ﵇ فَتَوَاتُرُهُ مَمْنُوعٌ، لِأَنَّ مُسْتَنَدَهُ مُجَرَّدُ الْوَهْمِ وَالْهَوَى. فَإِنْ قِيلَ خَبَرُ كُلِّ وَاحِدٍ لَا يُفِيدُ إِلَّا الظَّنَّ، وَضَمُّ الظَّنِّ إِلَى الظَّنِّ لَا يُوجِبُ

стр. 890

الْيَقِينَ، وَأَيْضًا جَوَازُ كَذِبِ كُلِّ وَاحِدٍ يُوجِبُ جَوَازَ كَذِبِ الْمَجْمُوعِ لِأَنَّهُ نَفْسُ الْآحَادِ؟ فَالْجَوَابُ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ أَوْجَبَتْ لَهُ مِنَ الْقُوَّةِ مَا لَمْ تَكُنْ لِأَفْرَادِهِ كَقُوَّةِ الْحَبْلِ الْمُؤَلَّفِ مِنَ الشَّعْرِ مَعَ الشَّعَرَاتِ. فَإِنْ قِيلَ الضَّرُورِيَّاتُ لَا يَقَعُ فِيهَا تَفَاوُتٌ وَلَا اخْتِلَافٌ، وَنَحْنُ نَجِدَ الْعِلْمَ بِكَوْنِ الْوَاحِدِ نِصْفَ الِاثْنَيْنِ أَقْوَى مِنَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ إِسْكَنْدَرَ وَالْمُتَوَاتِرُ قَدْ أَنْكَرَ إِفَادَتَهُ الْعِلْمَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ كَالسَّمْنِيَّةِ وَالْبَرَاهِمَةِ. فَالْجَوَابُ هَذَا مَمْنُوعٌ بَلْ قَدْ يَتَفَاوَتُ أَنْوَاعُ الضَّرُورِيِّ بِوَاسِطَةِ التَّفَاوُتِ بِالْإِلْفِ وَالْعَادَةِ وَالْمُمَارَسَةِ وَالْإِخْطَارِ بِالْبَالِ، وَتَصَوُّرِ أَطْرَافِ الْأَحْكَامِ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ فِيهِ مُكَابِرَةً وَعِنَادًا كَالسُّوفُسْطَائِيَّةِ فِي جَمِيعِ الضَّرُورِيَّاتِ كَمَا سَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ قَرِيبًا. (النَّوْعُ الثَّانِي) مِنْ نَوْعَيِ الْخَبَرِ الْمُفِيدِ لِلْعِلْمِ خَبَرُ الرَّسُولِ الْمُؤَيَّدِ بِالْمُعْجِزَةِ الْخَارِقَةِ الْمَقْرُونَةِ بِالتَّحَدِّي كَمَا مَرَّ، فَيُوجِبُ الْعِلْمَ الِاسْتِدْلَالِيَّ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَنْ أَظْهَرَ اللَّهُ تِلْكَ الْمُعْجِزَةَ عَلَى يَدِهِ تَصْدِيقًا لَهُ فِي دَعْوَى الرِّسَالَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا صَادِقًا فِيمَا أَتَى بِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَإِذَا كَانَ صَادِقًا يَقَعُ الْعِلْمُ بِمَضْمُونِهَا قَطْعًا، وَإِنَّمَا كَانَ اسْتِدْلَالِيًّا لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ وَاسْتِحْضَارِ أَنَّهُ خَبَرُ مَنْ ثَبَتَتْ رِسَالَتُهُ بِالْمُعْجِزَاتِ، وَكُلُّ خَبَرٍ هَذَا شَأْنُهُ فَهُوَ صَادِقٌ وَمَضْمُونُهُ وَاقِعٌ، وَالْعِلْمُ الثَّابِتُ بِخَبَرِ الرَّسُولِ يُشَابِهُ الْعِلْمَ الثَّابِتَ بِالضَّرُورَةِ كَالْمَحْسُوسَاتِ وَالْمُتَوَاتِرَاتِ فِي التَّيَقُّنِ وَالثَّبَاتِ. ((وَ)) الثَّالِثُ مِنْ مَدَارِكِ الْعِلْمِ ((النَّظَرُ)) أَيِ الْفِكْرُ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ، قَالَ الْعَلَّامَةُ شِهَابُ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ قَاضِي الْجَبَلِ مِنْ مُحَقِّقِي عُلَمَائِنَا: النَّظَرُ لُغَةً الِانْتِظَارُ وَالرُّؤْيَةُ وَالرَّأْفَةُ وَالتَّفَكُّرُ، وَعُرْفًا الْفِكْرُ الْمَطْلُوبُ بِهِ عِلْمٌ أَوْ ظَنٌّ فَيَنْتَقِلُ مِنْ أُمُورٍ حَاصِلَةٍ ذِهْنًا إِلَى أُمُورٍ مُسْتَحْصَلَةٍ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى حَرَكَةِ النَّفْسِ الَّتِي تَلِيهَا الْبَطْنُ الْأَوْسَطُ مِنَ الدِّمَاغِ الْمُسَمَّى بِالدُّودَةِ أَيْ حَرَكَةٌ كَانَتْ فِي الْمَعْقُولَاتِ وَالْمَحْسُوسَاتِ تُسَمَّى تَخَيُّلًا لَا فِكْرًا، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْوَاضِحِ: النَّظَرُ هُوَ الْأَصْلُ فِي تَحْصِيلِ هَذَا الْأَمْرِ وَالطَّرِيقُ إِلَيْهِ، وَهُوَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلَى الرُّؤْيَةِ بِالْبَصَرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ - إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وَعَلَى الِانْتِظَارِ لِلْمُنْتَظَرِ وَالتَّوَقُّعِ لَهُ: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: ٣٥] وَهُوَ هَاهُنَا أَيْ فِي عُرْفِ الْأَصْلِيِّينَ التَّأَمُّلُ

стр. 891

وَالتَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ بِمَعْرِفَةِ الْحَقِّ مِنَ الْبَاطِلِ، وَالْفَصْلِ بَيْنَ الْحُجَّةِ وَالشُّبْهَةِ، وَهُوَ فِكْرَةُ الْقَلْبِ وَتَأَمُّلُهُ وَنَظَرُهُ الْمَطْلُوبُ بِهِ عِلْمُ هَذِهِ الْأُمُورِ وَغَلَبَةُ الظَّنِّ لِبَعْضِهَا، وَقَدْ يُصِيبُ النَّاظِرُ فِيهَا وَقَدْ يُخْطِئُ وَكِلَاهُمَا نَظَرٌ مِنْهُ، وَقَدْ يَنْظُرُ فِي شُبْهَةٍ وَفِي دَلِيلٍ وَقَدْ يَصِلُ بِنَظَرِهِ إِلَى الْعِلْمِ تَارَةً إِذَا سَلَكَ فِيهِ الْمَسْلَكَ الصَّحِيحَ وَرَتَّبَهُ عَلَى وَاجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ، وَقَدْ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ إِذَا قَصُرَ وَغَلَطَ وَخَلَطَ فِيهِ أَوْ نَظَرَ فِيمَا هُوَ شُبْهَةٌ وَلَيْسَ بِدَلِيلٍ، وَلِلنَّظَرِ آلَةٌ وَغَرَضٌ فَالْآلَةُ هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ أَجْلِ غَيْرِهِ وَالْغَرَضُ هُوَ الْمَطْلُوبُ مِنْ أَجْلِهِ فِي نَفْسِهِ، فَالْغَرَضُ كَمَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ . انْتَهَى. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَسْبَابَ الْعِلْمِ ثَلَاثَةٌ: الْحَوَاسُّ السَّلِيمَةُ وَالْخَبَرُ الصَّادِقُ وَالْعَقْلُ، وَوِجْهَةُ الْحَصْرِ أَنَّ السَّبَبَ إِنْ كَانَ مِنْ خَارِجٍ فَالْخَبَرُ الصَّادِقُ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ آلَةً غَيْرَ الْمُدْرَكِ فَالْحَوَاسُّ وَإِلَّا فَالْعَقْلُ - وَإِنْ كَانَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْعُلُومِ كُلِّهَا فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّهَا بِخَلْقِهِ وَإِيجَادِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [تعريف الحد وبيان شرطه] ((فَالْحَدُّ وَهْوَ أَصْلُ كُلِّ عِلْمِ ... وَصْفٌ مُحِيطٌ كَاشِفٌ فَافْتَهِمِ)) ((وَشَرْطُهُ طَرْدٌ وَعَكْسٌ وَهُوَ إِنْ ... أَنْبَا عَنِ الذَّوَاتِ فَالتَّامُ اسْتَبِنْ)) ((وَإِنْ يَكُنْ بِالْجِنْسِ ثُمَّ الْخَاصَّهْ ... فَذَاكَ رَسْمٌ فَافْهَمِ الْمُحَاصَّهْ)) (فَ) إِذَا عَرَفْتَ مَا ذَكَرْنَاهُ لَكَ مِنَ التَّمْهِيدِ وَطَلَبْتَ تَعْرِيفَ الْحَدِّ الْمَذْكُورِ، فَ (الْحَدُّ) فِي اللُّغَةِ الْمَنْعُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْبَوَّابُ حَدَّادًا لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مَنْ يَدْخُلُ الدَّارَ، وَالْحُدُودُ حُدُودًا لِأَنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ الْعَوْدِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَسُمِّيَ التَّعْرِيفُ حَدًّا لِمَنْعِهِ الدَّاخِلَ فِيهِ مِنَ الْخُرُوجِ عَنْهُ وَالْخَارِجَ عَنْهُ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ، وَقَوْلُهُ ((وَهُوَ)) أَيِ الْحَدُّ ((أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ)) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ الْحَدُّ وَخَبَرِهِ الَّذِي هُوَ وَصْفٌ إِلَخْ، وَإِنَّمَا كَانَ أَصْلًا لِلْعُلُومِ لِأَنَّ مَنْ لَا يُحِيطُ بِهِ عِلْمًا لَا يَنْتَفِعُ بِمَا عِنْدَهُ، قَالَ الْفَخْرُ أَبُو مُحَمَّدٍ إِسْمَاعِيلُ الْبَغْدَادِيُّ مِنْ عُلَمَائِنَا: الْحَدُّ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَصْلُ كُلِّ عِلْمٍ فَمَنْ لَا يُحِيطُ بِهِ عِلْمًا لَا نَفْعَ

стр. 892

لَهُ بِمَا عِنْدَهُ، وَقَالَهُ غَيْرُهُ وَهُوَ صَحِيحٌ كَمَا فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ التَّحْرِيرِ، وَالْحَدُّ فِي الِاصْطِلَاحِ ((وَصْفٌ مُحِيطٌ)) بِمَوْصُوفِهِ، قَالَ الْإِمَامُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنْ أَئِمَّةِ عُلَمَائِنَا: مَعْنَى الْحَدِّ هُوَ الْجَامِعُ لِجِنْسٍ مَا فَرَّقَهُ التَّفْصِيلُ الْمَانِعُ مِنْ دُخُولِ مَا لَيْسَ مِنْ جُمْلَتِهِ فِيهِ، وَفِي التَّحْرِيرِ: الْمُحِيطُ بِمَعْنَاهُ أَيْ بِمَعْنَى الْمَحْدُودِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: حَدُّ الشَّيْءِ الْوَصْفُ الْمُحِيطُ بِمَعْنَاهُ، ((كَاشِفٌ)) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى مُحِيطٍ الَّذِي هُوَ نَعْتٌ لِوَصْفٍ أَيْ مُمَيِّزٌ لِلْمَحْدُودِ عَنْ غَيْرِهِ، وَلِذَا قَالَ الْغَزَالِيُّ: قِيلَ حَدُّ الشَّيْءِ نَفْسُهُ وَذَاتُهُ، وَقِيلَ هُوَ اللَّفْظُ الْمُفَسِّرُ لِمَعْنَاهُ عَلَى وَجْهٍ يَجْمَعُ وَيَمْنَعُ. وَقَالَ الْعَلَامَّةُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: إِنَّهُ قَوْلٌ يَكْشِفُ حَقِيقَةَ الْحُدُودِ. وَذَكَرَ فِيهِ ثَمَانِيَةَ أَقْوَالٍ. ((فَافْتَهِمْ)) أَمْرٌ بِالِانْفِعَالِ؛ لِقَبُولِ الْفَهْمِ بِالتَّفَهُّمِ، وَالْفَهْمُ إِدْرَاكُ مَعْنَى الْكَلَامِ بِسُرْعَةٍ كَمَا فِي وَاضِحِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَاسْتَظْهَرُوا عَدَمَ تَقْيِيدِهِ بِسُرْعَةٍ كَمَا قَالَهُ الطُّوفِيُّ فِي شَرْحِ مُخْتَصَرِهِ، وَتَبِعَهُ الْعَلَّامَةُ أَبُو بَكْرٍ الْجِرَاعِيُّ فِي حَوَاشِي أُصُولِ ابْنِ اللَّحَّامِ، قَالَ الطَّوْفِيُّ: لِأَنَّ مَنْ سَمِعَ كَلَامًا وَلَمْ يُدْرِكْ مَعْنَاهُ إِلَّا بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ أَكْثَرَ قِيلَ فَهِمَ، وَبِذَلِكَ يُقَالُ الْفَهْمُ إِمَّا بَطِيءٌ أَوْ سَرِيعٌ فَيَنْقَسِمُ إِلَيْهِمَا، وَمَوْرِدُ الْقِسْمَةِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْأَقْسَامِ نَعَمِ السُّرْعَةُ قَيْدٌ فِي الْفَهْمِ الْجَيِّدِ. انْتَهَى. - وَقِيلَ: الْفَهْمُ جَوْدَةُ الذِّهْنِ مِنْ جِهَةِ تَهَيُّئِهِ لِاقْتِبَاسِ مَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ الطَّالِبِ، وَالذِّهْنُ قُوَّةُ النَّفْسِ الْمُسْتَعِدَّةِ لِاكْتِسَابِ الْحُدُودِ وَالْآرَاءِ. (وَشَرْطُهُ) أَيْ شَرْطُ كَوْنِ الْحَدِّ صَحِيحًا، وَالشَّرْطُ فِي اللُّغَةِ الْعَلَامَةُ، وَفِي الْعُرْفِ مَا يُعْتَبَرُ لِلْحُكْمِ وَهُوَ مَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ فَلَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ مَعَ عَدَمِ شَرْطِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ وُجُودِ الشَّرْطِ وُجُودُ الْمَشْرُوطِ، وَهُوَ عَقْلِيٌّ وَلُغَوِيٌّ وَشَرْعِيٌّ، فَالْعَقْلِيُّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، وَاللُّغَوِيُّ كَقَوْلِهِ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَالشَّرْعِيُّ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، ((طَرْدٌ)) خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ شَرْطُهُ، وَهُوَ الْمَانِعُ الَّذِي كُلَّمَا وُجِدَ الْحَدُّ وُجِدَ الْمَحْدُودُ، ((وَعَكْسٌ)) وَهُوَ الْجَامِعُ الَّذِي كُلَّمَا وُجِدَ الْمَحْدُودُ وُجِدَ الْحَدُّ فَهَذَا عَكْسُ الِاطِّرَادِ وَيَلْزَمُ مِنْ

стр. 893

ذَلِكَ أَنَّهُ كُلَّمَا انْتَفَى الْحَدُّ انْتَفَى الْمَحْدُودُ. وَقَالَ الْجِرَاعِيُّ فِي الْحَوَاشِي: الْمُطَّرِدُ هُوَ الَّذِي إِذَا وُجِدَ الْحَدُّ وُجِدَ الْمَحْدُودُ وَهُوَ الْمَانِعُ، قَالَ: وَالْمُنْعَكِسُ هُوَ الَّذِي إِذَا عُدِمَ الْحَدُّ عُدِمَ الْمَحْدُودُ وَهُوَ الْجَامِعُ، قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمِنْهُمُ الْغَزَالِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَابْنُ مُفْلِحٍ، قَالَ: وَعَكَسَ الْقَرَافِيُّ وَالطَّوْفِيُّ فَقَالَا: الْمُطَّرِدُ هُوَ الْجَامِعُ وَالْمُنْعَكِسُ هُوَ الْمَانِعُ، وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ فِي كِتَابِ التَّذْكِرَةِ فِي أُصُولِ الدِّينِ أَنَّ هَذَا التَّعْرِيفَ لِلْحَدِّ قَوْلُ الْمُتَكَلِّمِينَ، وَأَمَّا الْمَنَاطِقَةُ فَقَالُوا: إِنَّهُ الْقَوْلُ الدَّالُّ عَلَى مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ وَهُوَ مَا يَتَحَصَّلُ مِنْ جِنْسِ التَّعْرِيفِ وَفَصْلِهِ، قَالَ: وَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى ذِكْرِ الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتْبَعُ الْمَاهِيَّةَ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدَّ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَامٌّ، وَرَسْمِيٌّ، وَلَفْظِيٌّ. وَلِذَا قَالَ ((وَهُوَ)) أَيِ الْحَدُّ ((إِنْ أَنْبَأَ)) أَيْ دَلَّ وَكَشَفَ ((عَنِ الذَّوَاتِ)) أَيْ ذَاتِيَّاتِ الْمَحْدُودِ الْكُلِّيَّةِ الْمُرَكَّبَةِ كَمَا إِذَا قِيلَ: مَا الْإِنْسَانُ؟ فَيُقَالُ: حَيَوَانٌ نَاطِقٌ، ((فَ)) هُوَ أَيِ الْحَدُّ الَّذِي أَنْبَأَ عَنْ ذَاتِيَّاتِ الْمَحْدُودِ الْحَقِيقِيِّ ((التَّامُّ)) وَهُوَ الْأَصْلُ وَلَهُ حَدٌّ وَاحِدٌ لِأَنَّ ذَاتَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ لَهُ حَدَّانِ، مِثَالُهُ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ فَإِنَّهُ حَدٌّ لِلْإِنْسَانِ، فَإِنْ قِيلَ: جَمِيعُ ذَاتِ الشَّيْءِ عَيْنُ الشَّيْءِ وَالشَّيْءُ لَا يُفَسِّرُ نَفْسَهُ، فَالْجَوَابُ أَنَّ دَلَالَةَ الْمَحْدُودِ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ وَدَلَالَةَ الْحَدِّ مِنْ حَيْثُ التَّفْصِيلُ، فَلَيْسَ عَيْنُهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَصَحَّ تَعْرِيفُهُ بِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُجْعَلِ اللَّفْظَانِ مُتَرَادِفَيْنِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْحَدُّ لَفْظِيًّا، فَلِذَا قَالَ فَ ((اسْتَبِنْ)) أَيِ اطْلُبِ الْبَيَانَ وَالْكَشْفَ عَنْ حَقِيقَةِ الْحَدِّ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْحَدُّ الْحَقِيقِيُّ التَّامُّ الْمُنْبِئُ عَنْ ذَاتِيَّاتِ الْمَحْدُودِ. وَإِنْ كَانَ بِفَصْلٍ قَرِيبٍ فَقَطْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ جِنْسٍ فَحَدٌّ حَقِيقِيٌّ نَاقِصٌ كَمَا إِذَا قِيلَ: مَا الْإِنْسَانُ؟ فَقُلْتُ: نَاطِقٌ. وَكَذَا إِنْ كَانَ بِفَصْلٍ وَجِنْسٍ بَعِيدٍ كَجِسْمٍ نَاطِقٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ، ((وَإِنْ يَكُنْ)) الْحَدُّ مُرَكَّبًا ((بِالْجِنْسِ)) أَيْ مِنَ الْجِنْسِ الْقَرِيبِ ((ثُمَّ الْخَاصَّةُ)) مِثْلُ ذَلِكَ حَيَوَانٌ ضَاحِكٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ، ((فَذَاكَ)) الْمُرَكَّبُ مِنْ جِنْسٍ قَرِيبٍ خَاصَّةً نَحْوِ الضَّاحِكِ ((رَسْمٌ)) تَامٌّ، فَإِنَّ الضَّاحِكَ عَرَضٌ فِي الْفِعْلِ مُفَارِقٌ لَا بِالْقُوَّةِ، وَسُمِّيَ خَاصَّةً لِاخْتِصَاصِهِ بِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ بِالْقُوَّةِ أَوِ الْفِعْلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ، لِأَنَّ الضَّحِكَ بِالْقَوْمِ لَازِمٌ لِمَاهِيَّةِ الْإِنْسَانِ مُخْتَصٌّ بِهَا وَبِالْفِعْلِ مُفَارِقٌ لَهَا مُخْتَصٌّ

стр. 894

بِهَا، وَتَعْرِيفُ الْخَاصَّةِ هِيَ كُلِّيَّةٌ تُقَالُ عَلَى مَا تَحْتَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ قَوْلًا عَرَضِيًّا. وَإِنْ كَانَ الْحَدُّ بِهَا أَيِ الْخَاصَّةِ فَقَطْ كَقَوْلِكَ الْإِنْسَانُ ضَاحِكٌ سُمِّيَ رَسْمًا نَاقِصًا، كَذَا إِنْ كَانَتِ الْخَاصَّةُ مِنْ جِنْسٍ بَعِيدٍ كَقَوْلِكَ الْإِنْسَانُ جِسْمٌ ضَاحِكٌ، ((فَافْهَمِ الْمُحَاصَّةَ)) - بِضَمِّ الْمِيمِ فَحَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ فَأَلِفٌ فَصَادٌ مُهْمَلَةٌ مُدْغَمَةٌ فِي مِثْلِهَا فَهَاءُ تَأْنِيثٍ - أَيِ الْمُقَاسَمَةُ يُقَالُ حَصَّصَ الشَّيْءَ تَحْصِيصًا وَحَصْحَصَ: بَانَ وَظَهَرَ، وَتَحَاصُّوا وَحَاصُّوا اقْتَسَمُوا حِصَصًا كَمَا فِي الْقَامُوسِ، قَالَ: وَالْحِصَّةُ بِالْكَسْرِ النَّصِيبُ. وَالْمُرَادُ افْهَمْ مَا بَيْنَ الْحَدِّ الْحَقِيقِيِّ التَّامِّ كَالْحَيَوَانِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَالْحَقِيقِيِّ النَّاقِصِ وَلَهُ صُورَتَانِ: الْأُولَى أَنْ يَكُونَ بِفَصْلٍ قَرِيبٍ فَقَطْ كَالنَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ، أَوْ بِالْفَصْلِ مَعَ جِنْسٍ بَعِيدٍ كَالْجِسْمِ النَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ أَيْضًا، وَكَذَا افْهَمِ الرَّسْمَ الْحَقِيقِيَّ التَّامَّ وَالرَّسْمَ النَّاقِصَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا. وَالْجِنْسُ كُلِّيٌّ مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالْحَقَائِقِ فِي جَوَابِ مَا هُوَ؟ كَالْحَيَوَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنْوَاعِهِ نَحْوَ الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، وَالنَّوْعُ كُلِّيٌّ مَقُولٌ عَلَى كَثِيرِينَ مُخْتَلِفِينَ بِالْعَدَدِ دُونَ الْحَقِيقَةِ فِي جَوَابِ مَا هُوَ؟ كَالْإِنْسَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى زَيْدٍ وَعَمْرٍو نَحْوِهِمَا مِنْ أَفْرَادِهِ. وَالْفَصْلُ غَيْرُ مَقُولٍ فِي جَوَابِ مَا هُوَ بَلْ فِي جَوَابِ أَيِّ شَيْءٍ هُوَ فِي ذَاتِهِ؟ وَهُوَ الَّذِي يُمَيِّزُ الشَّيْءَ عَمَّا يُشَارِكُهُ فِي الْجِنْسِ كَالنَّاطِقِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْسَانِ. وَالْحَدُّ اللَّفْظِيُّ مَا كَانَ بِلَفْظٍ مُرَادِفٍ أَظْهَرُ عِنْدَ السَّائِلِ مِنَ الْمَسْئُولِ عَنْهُ، كَمَا لَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا الْخِنْرِيسُ؟ فَيُقَالُ هُوَ الْخَمْرُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [الإدراك بالحس وحال السفوسطائية] ((وَكُلُّ مَعْلُومٍ بِحِسٍّ وَحِجَى ... فَنُكْرُهُ جَهْلٌ قَبِيحٌ فِي الْهِجَا)) ((فَإِنْ يَقُمْ بِنَفْسِهِ فَجَوْهَرُ ... أَوْ لَا فَذَاكَ عَرَضٌ مُفْتَقِرُ)) ((وَالْجِسْمُ مَا أُلِّفَ مِنْ جُزْأَيْنِ ... فَصَاعِدًا فَاتْرُكْ حَدِيثَ الْمَيْنِ)) ((وَكُلُّ مَعْلُومٍ بِحِسٍّ)) مِنَ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي لَا شَكَّ فِيهَا وَلَا آفَةَ تَعْتَرِيهَا فَإِنْكَارُهُ قَبِيحٌ جِدًّا، إِذْ هُوَ مُجَرَّدُ مُكَابَرَةٍ، قَالَ فِي شَرْحِ الْجَوَاهِرِ: وَيُنْسَبُ إِنْكَارُ الْحَوَاسِّ إِلَى بَطْلَيْمُوسَ وَأَفْلَاطُونَ وَأَرِسْطُو وَجَالِينُوسَ، قَالَ: وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ أَنَّ جَزْمَ الْعَقْلِ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الْحِسِّ بَلْ بِتَوَسُّطِ ضَمِيمَةٍ لَا أَنَّ حُكْمَ الْحِسِّ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ أَصْلًا وَإِلَّا يَلْزَمُ

стр. 895

انْتِفَاءُ عُلُومِهِمُ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الْأَحْكَامِ الْحِسِّيَّةِ. وَاسْتَدَلَّ مَنْ قَالَ بِالْإِنْكَارِ بِأَنَّ الْحِسَّ كَثِيرُ الْغَلَطِ فَلَا يُعْتَبَرُ، وَبَيَانُهُ أَنَّهُ يَرَى الْعِنَبَةَ فِي الْمَاءِ كَالْإِجَّاصَةِ، وَالْقَطْرَةَ النَّازِلَةَ كَالْخَطِّ الْمُسْتَقِيمِ، وَمِنْهَا أَنَّ الْحِسَّ حَاكِمٌ بِبَيَاضِ الثَّلْجِ وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ أَجْزَاءٍ شَفَّافَةٍ لَيْسَ فِي الْوَاقِعِ لَهُ بَيَاضٌ، وَأَنَّ النَّائِمَ يَجْزِمُ بِمَا رَأَى فِي نَوْمِهِ جَزْمَهُ فِي الْيَقَظَةِ، وَكَذَا صَاحِبُ الْبِرْسَامِ وَنَحْوِهِ، فَيُمْكِنُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ، وَذَلِكَ كَافٍ فِي رَفْعِ الثِّقَةِ، وَأَيْضًا الْأَمْثَالُ مُتَوَارِدَةٌ أَعَمُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ جَوَاهِرَ الْأَجْسَامِ عِنْدَ النَّظَّامِ أَوْ عَرَضًا كَالْأَلْوَانِ عِنْدَ مُتَكَلِّمِي الْأَشَاعِرَةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ، وَالْحِسُّ حَاكِمٌ بِاسْتِمْرَارِهَا، فَيَقُومُ الِاحْتِمَالُ فِي الْكُلِّ وَلَا جَزْمَ مَعَ قِيَامِ الِاحْتِمَالِ. وَجَوَابُ شُبَهِهِمْ عَمَّا أَوْرَدُوهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى عَدَمِ الْوُثُوقِ بِجَزْمِ الْعَقْلِ فِي الْمَحْسُوسَاتِ بَلْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْعَقْلُ بِمُجَرَّدِ الْحِسِّ وَهُوَ غَيْرُ مَنْكُورٍ، فَالْحَاكِمُ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الْعَقْلُ بِتَوَسُّطِ الْحِسِّ لَا الْحِسُّ فَقَطْ، كَذَا قِيلَ، وَالْحَقُّ أَنَّ إِنْكَارَ الْوُثُوقِ بِالْمُدْرَكِ بِالْحَوَاسِّ مُكَابَرَةٌ، ((وَ)) كَذَا مَا يُدْرَكُ بِ ((حِجَى)) كَإِلَى هُوَ الْعَقْلُ ((فَنُكْرُهُ)) أَيْ إِنْكَارُهُ وَرَدُّهُ بِعَدَمِ الْوُثُوقِ بِهِ ((جَهْلٌ قَبِيحٌ)) مُتَنَاهٍ فِي الْقُبْحِ، ((فِي الْهِجَا)) أَيْ فِي الشَّكْلِ وَالْمِثْلِ يُقَالُ هَذَا عَلَى هِجَا هَذَا أَيْ عَلَى شَكْلِهِ أَيْ قَبِيحٌ فِي الْعَادَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ، وَمَرْدُودٌ عِنْدَ ذَوِي الْهِجَا الْمُجِيدِينَ فِي التَّبَحُّرِ وَالْكَشْفِ عَنْ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ يُقَالُ: هَجِيَ النَّبْتُ كَرَضِيَ هِجًى انْكَشَفَ، قَالَ الْعَلَّامَةُ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ حَمْدَانَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: كُلُّ مُؤَدٍّ إِلَى حَقِيقَةٍ ثَابِتَةٍ تُعْلَمُ عَقْلًا أَوْ حِسًّا فَإِنْكَارُهُ سَفْسَطَةٌ. انْتَهَى. وَالسُّوفُسْطَائِيَّةُ أَنْكَرُوا كُلًّا مِنَ الْحِسِّيَّاتِ وَالْبَدِيهِيَّاتِ، فَقَالُوا بِعَدَمِ الْجَزْمِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَأَوْرَدُوا عَلَيْهِمْ جَزْمَهُمْ بِالشَّكِّ فَالْتَزَمُوا عَدَمَ الْجَزْمِ فِيهِ أَيْضًا، فَقَالُوا: نَحْنُ شَاكُّونَ وَشَاكُّونَ فِي أَنَّا شَاكُّونَ، وَهَؤُلَاءِ ثَلَاثُ فِرَقٍ عِنْدِيَّةٌ وَعِنَادِيَّةٌ وَلَا أَدْرِيَّةٌ، فَالْعِنْدِيَّةُ قَالَتْ مَذْهَبُ قَوْمٍ حَقٌّ بِالْقِيَاسِ إِلَيْهِمْ بَاطِلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُصُومِهِمْ وَلَا حَقَّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَالْعِنَادِيَّةُ: مَا مِنْ قَضِيَّةٍ بَدِيهِيَّةً كَانَتْ أَوْ نَظَرِيَّةً إِلَّا وَلَهَا مُعَارِضٌ يُسَاوِيهَا فِي الْقُوَّةِ وَالْقَبُولِ، وَأَمَّا اللَّا أَدْرِيَّةُ وَهُمْ أَمْثَلُهُمْ فَقَالُوا: نَحْنُ شَاكُّونَ وَشَاكُّونَ فِي أَنَا شَاكُّونَ، وَتَمَسَّكُوا بِأَنَّ دَلِيلَ كُلٍّ مِنْ مُنْكِرِي الْحِسِّيَّاتِ وَالْبَدِيهِيَّاتِ دَالٌّ عَلَى انْتِفَائِهِمَا وَالنَّظَرُ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِمَا مُنْتَفٍ بِانْتِفَائِهِمَا

стр. 896

وَلَا طَرِيقَ إِلَى الْجَزْمِ غَيْرُ الْحِسِّ وَالْبَدِيهِيَّةِ وَالنَّظَرِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْجَزْمِ تُحَقِّقٌ أَصْلًا. وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلْمُنَاظَرَةِ مَعَهُمْ فَائِدَةٌ، لِأَنَّهَا لِإِفَادَةِ الْمَجْهُولِ وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ مَعْلُومٌ فَتُنْجِزُ الْمُنَاظَرَةُ إِلَى الْتِزَامِ مَذْهَبِهِمْ، وَلِذَا مَنَعَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهَا مَعَهُمْ، وَلَكِنْ يُقَالُ لَهُمْ: هَلْ مَيَّزْتُمْ بَيْنَ الْأَلَمِ وَاللَّذَّةِ أَوْ بَيْنَ مَذْهَبِكُمْ وَمَا يُنَاقِضُهُ؟ فَإِنْ أَبَوْا إِلَّا الْإِصْرَارَ أُوجِعُوا ضَرْبًا وَعُذِّبُوا بِالنَّارِ لِيَعْتَرِفُوا أَوْ يَهْلَكُوا. وَسُوفُسْطَا اسْمٌ لِلْحِكْمَةِ الْمُمَوَّهَةِ وَالْعِلْمِ الْمُزَخْرَفِ، لِأَنَّ سُوفَا مَعْنَاهُ الْعِلْمُ وَالْحِكْمَةُ، وَاسْطَا مَعْنَاهُ الْمُزَخْرَفُ وَالْغَلَطُ، وَمِنْهُ اشْتُقَّتِ السَّفْسَطَةُ، كَمَا اشْتُقَّتِ الْفَلْسَفَةُ مِنْ فَيْلَاسُوفَ أَيْ مُحِبِّ الْحِكْمَةِ. (تَنْبِيهَانِ) (الْأَوَّلُ) اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ مِنْهُ مَا هُوَ ضَرُورِيٌّ وَمِنْهُ مَا هُوَ كَسْبِيٌّ، فَالضَّرُورِيُّ مَا يَلْزَمُ نَفْسَ الْمَخْلُوقِ لُزُومًا لَا يَجِدُ إِلَى الِانْفِكَاكِ عَنْهُ سَبِيلًا كَالتَّصْدِيقِ بِأَنَّ الْكُلَّ أَعْظَمُ مِنَ الْجُزْءِ وَأَنَّ الْوَاحِدَ نِصْفُ الِاثْنَيْنِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ الْبَدِيهِيَّ أَخَصُّ مِنَ الضَّرُورِيِّ، لِأَنَّ الْبَدِيهِيَّ هُوَ مَا يُثْبِتُهُ مُجَرَّدُ الْعَقْلِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَيُمْكِنُ الِاحْتِيَاجُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ الْعَقْلِ كَوِجْدَانٍ أَوْ تَجْرِبَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا. وَأَمَّا الْكَسْبِيُّ فَهُوَ مُقَابِلٌ لِلضَّرُورِيِّ وَهُوَ النَّظَرِيُّ وَالِاسْتِدْلَالِيُّ، وَهُوَ مَا يَتَضَمَّنُهُ النَّظَرُ الصَّحِيحُ، وَعَرَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ بِمَا يَحْصُلُ بِالذَّاتِ عَقِيبَ النَّظَرِ، وَفِي مُخْتَصَرِ التَّحْرِيرِ وَشَرْحِهِ: الدَّالُّ النَّاصِبُ لِلدَّلِيلِ، وَهُوَ لُغَةً الْمُرْشِدُ، وَشَرْعًا مَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ بِصَحِيحِ النَّظَرِ فِيهِ إِلَى مَطْلُوبٍ خَبَرِيٍّ، وَيَدْخُلُ فِي الْمَطْلُوبِ الْخَبَرِيِّ مَا يُفِيدُ الْقَطْعَ وَالظَّنَّ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ الْأُصُولِيِّينَ، وَقِيلَ إِنَّ مَا أَفَادَ الْقَطْعَ سُمِّيَ دَلِيلًا وَمَا أَفَادَ الظَّنَّ يُسَمَّى أَمَارَةً. وَقَالَ: وَيَحْصُلُ الْمَطْلُوبُ الْمُكْتَسَبُ بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِي الدَّلِيلِ عَقِبَهُ عَادَةً، وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَنْ يَفِيضَ عَلَى نَفْسِ الْمُسْتَدِلِّ بَعْدَ النَّظَرِ الصَّحِيحِ مَادَّةُ مَطْلُوبِهِ وَصُورَةُ مَطْلُوبِهِ الَّذِي تَوَجَّهَ بِالنَّظَرِ إِلَى تَحْصِيلِهِ، وَقِيلَ: يَحْصُلُ عَقِبَ النَّظَرِ ضَرُورَةً لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَرْكُهُ. ثُمَّ إِنَّ الْإِدْرَاكَ لِمَاهِيَّةِ الشَّيْءِ بِلَا حُكْمٍ عَلَيْهَا بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتِ تَصَوُّرٍ، لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ سِوَى صُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ فِي الذِّهْنِ، وَتُصَوَّرُ مَاهِيَّةِ الشَّيْءِ مَعَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِإِيجَابٍ أَوْ سَلْبٍ تَصْدِيقٌ، فَالتَّصَوُّرُ

стр. 897

إِدْرَاكُ الْحَقَائِقِ مُجَرَّدٌ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَالتَّصْدِيقُ نِسْبَةٌ حُكْمِيَّةٌ بَيْنَ الْحَقَائِقِ بِالْإِيجَابِ وَالسَّلْبِ، وَالْعِلْمُ الْحَاصِلُ بِالضَّرُورَةِ، وَالْكَسْبُ هُوَ صِفَةٌ يُمَيِّزُ الْمُتَّصِفُ بِهَا بَيْنَ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ وَالْوَاجِبِ وَالْمُمْكِنِ وَالْمُمْتَنِعِ تَمْيِيزًا جَازِمًا مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يَتَفَاوَتُ كَالْمَعْلُومِ، وَكَمَا يَتَفَاوَتُ الْإِيمَانُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -: الصَّوَابُ أَنَّ جَمِيعَ الصِّفَاتِ الْمَشْرُوطَةِ بِالْحَيَاةِ تَقْبَلُ التَّزَايُدَ. وَرُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁ فِي الْمَعْرِفَةِ الْحَاصِلَةِ فِي الْقَلْبِ فِي الْإِيمَانِ هَلْ تَقْبَلُ التَّزَايُدَ وَالنَّقْصَ؟ رِوَايَتَانِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ إِمْكَانُ الزِّيَادَةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. انْتَهَى. وَتَقَدَّمَ وُجُوبُ اعْتِقَادِ قَبُولِ الْإِيمَانِ لِلزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ وَدَلِيلُ ذَلِكَ بِالْعَقْلِ وَالْقُرْآنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (الثَّانِي) اعْلَمْ أَنَّ الْعِلْمَ يُطْلَقُ لُغَةً وَعُرْفًا عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ: (أَحَدُهَا) مَا لَا يَحْتَمِلُ النَّقِيضَ كَمَا تَقَدَّمَ، (الثَّانِي) يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مُجَرَّدُ الْإِدْرَاكِ سَوَاءٌ كَانَ جَازِمًا أَوْ مَعَ احْتِمَالِ رَاجِحٍ أَوْ مَرْجُوحٍ أَوْ مُسَاوٍ، (الثَّالِثُ) أَنَّهُ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ التَّصْدِيقُ قَطْعِيًّا كَانَ أَوْ ظَنِّيًّا، (الرَّابِعُ) يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ مَعْنَى الْمَعْرِفَةِ وَيُرَادُ بِهَا الْعِلْمُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] أَيْ عَلِمُوا، وَقَدْ يُطْلَقُ الظَّنُّ وَيُرَادُ بِهِ الْعِلْمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] أَيْ يَعْلَمُونَ، وَالْمَعْرِفَةُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا عِلْمٌ مُسْتَحْدَثٌ أَوِ انْكِشَافٌ مِنْ بَعْدِ لَبْسٍ أَخَصُّ مِنَ الْعِلْمِ، لِشُمُولِهِ غَيْرَ الْمُسْتَحْدَثِ وَهُوَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُسْتَحْدَثَ وَهُوَ عِلْمُ الْعِبَادِ، وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهَا يَقِينٌ وَظَنٌّ أَعَمُّ مِنَ الْعِلْمِ، لِاخْتِصَاصِهِ حَقِيقَةً بِالْيَقِينِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ لَا يَخْلُو أَنْ يَقُومَ بِنَفْسِهِ أَوَّلًا ((فَإِنْ يَقُمْ)) ذَلِكَ الشَّيْءُ ((بِنَفْسِهِ)) أَيْ بِذَاتِهِ، وَمَعْنَى قِيَامِهِ بِذَاتِهِ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنْ يَتَحَيَّزَ بِنَفْسِهِ غَيْرُ تَابِعٍ تَحَيُّزُهُ لِتَحَيُّزِ شَيْءٍ آخَرَ، وَعِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ مَعْنَى قِيَامِ الشَّيْءِ بِذَاتِهِ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ مَحَلٍّ يَقُومُهُ، فَلَا يَخْلُو الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُرَكَّبًا مِنْ جُزْأَيْنِ فَصَاعِدًا وَهُوَ الْجِسْمُ كَمَا يَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ، أَوْ غَيْرَ مُرَكَّبٍ فَإِنْ قَامَ بِنَفْسِهِ وَكَانَ غَيْرَ مُرَكَّبٍ مِنْ جُزْأَيْنِ فَصَاعِدًا ((فَ)) هُوَ

стр. 898

((جَوْهَرٌ)) ، وَالْجَوْهَرُ هُوَ الْعَيْنُ الَّذِي لَا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ لَا فِعْلًا وَلَا وَهْمًا وَلَا فَرْضًا وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، وَعِنْدَ الْفَلَاسِفَةِ لَا وُجُودَ لِلْجَوْهَرِ الْفَرْدِ، أَعْنِي الْجُزْءَ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ. وَزَعَمُوا أَنْ تَرَكُّبَ الْجِسْمِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الْهَيُولِي وَالصُّورَةِ، وَأَقْوَى الْأَدِلَّةِ عَلَى إِثْبَاتِ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ كُرَةً حَقِيقَةً عَلَى سَطْحٍ حَقِيقِيٍّ لَمْ تُمَاسُّهُ إِلَّا بِجُزْءٍ غَيْرِ مُنْقَسِمٍ إِذْ لَوْ مَاسَّتْهُ بِجُزْأَيْنِ لَكَانَ فِيهَا خَطٌّ بِالْفِعْلِ فَلَمْ تَكُنْ كُرَةً حَقِيقِيَّةً. وَأَشْهَرُهَا عِنْدَ مُحَقِّقِي الْمُتَكَلِّمَةِ وَجْهَانِ: (الْأَوَّلُ) أَنْ لَوْ كَانَ كُلُّ عَيْنٍ مُنْقَسِمًا لَا إِلَى نِهَايَةٍ لَمْ تَكُنِ الْخَرْدَلَةُ أَصْغَرَ مِنَ الْجَبَلِ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْرُ مُتَنَاهِي الْأَجْزَاءِ وَالْعِظَمُ وَالصِّغَرُ إِنَّمَا هُوَ بِكَثْرَةِ الْأَجْزَاءِ وَقِلَّتِهَا، وَذَلِكَ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْمُتَنَاهِي، (الثَّانِي) قَالُوا: إِنَّ اجْتِمَاعَ الْجِسْمِ لَيْسَ لِذَاتِهِ وَإِلَّا لَمَا قَبِلَ الِافْتِرَاقَ، فَاللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ فِيهِ الِافْتِرَاقَ إِلَى الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، لِأَنَّ الْجُزْءَ الَّذِي تَنَازَعُوا فِيهِ إِنْ أَمْكَنَ افْتِرَاقُهُ لَزِمَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ دَفْعًا لِلْعَجْزِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَبَتَ الْمُدَّعَى الَّذِي هُوَ وُجُودُ الْجُزْءِ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ، وَلِضَعْفِ هَذِهِ الْمَدَارِكِ لَمْ يُثْبِتْهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ -، وَإِنْ كَانَ فِي إِثْبَاتِهِ نَجَاةٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ ظُلُمَاتِ الْفَلَاسِفَةِ مِثْلَ إِثْبَاتِ الْهَيُولِي وَالصُّورَةِ الْمُؤَدِّي إِلَى قِدَمِ الْعَالَمِ وَنَفْيِ حَشْرِ الْأَجْسَادِ وَامْتِنَاعِ الْخَرْقِ وَالِالْتِئَامِ، مِمَّا هُوَ مَعْلُومُ الْفَسَادِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِالضَّرُورَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ((أَوْ لَا)) يَقُومُ بِنَفَسِهِ ((فَذَاكَ)) الَّذِي لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ قَائِمًا بِغَيْرِهِ تَابِعًا لَهُ فِي التَّحَيُّزِ أَوْ مُخْتَصًّا بِهِ اخْتِصَاصَ النَّاعِتِ بِالْمَنْعُوتِ، فَهُوَ ((عَرْضٌ مُفْتَقِرٌ)) إِلَى مَحَلٍّ يَقُومُهُ، فَوُجُودُ الْعَرَضِ فِي الْمَوْضُوعِ هُوَ أَنَّ وُجُودَهُ فِي نَفْسِهِ هُوَ وُجُودُهُ فِي الْمَوْضُوعِ فَيَمْتَنِعُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ، فَالْعَرَضُ مُفْتَقِرٌ إِلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ وَيَحْمِلُهُ، وَقِيلَ: هُوَ الْمَوْجُودُ فِي شَيْءٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ بِهِ لَا كَجُزْءٍ مِنْهُ وَلَا يَصِحُّ قِوَامُهُ دُونَ مَا هُوَ مِنْهُ، وَقِيلَ: مَا يَطْرَأُ عَلَى جَوْهَرٍ مِنْ كَوْنٍ وَلَوْنٍ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَعَلُّقُهُ بِدُونِ الْمَحَلِّ كَمَا قَدْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، نَعَمْ يُوجَدُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَعْرَاضِ كَالْأُبُوَّةِ مَثَلًا. ((وَالْجِسْمُ مَا)) أَيْ شَيْءٌ أَوِ الَّذِي ((أُلِّفَ)) أَيْ رُكِّبَ ((مِنْ جُزْأَيْنِ

стр. 899

فَصَاعِدًا)) أَيْ أَكْثَرَ يَعْنِي ذَاهِبًا إِلَى جِهَةِ الصُّعُودِ وَالِارْتِفَاعِ عَنِ اثْنَيْنِ، فَيَكُونُ أَقَلُّ مَا يَتَرَكَّبُ مِنْ جُزْأَيْنِ وَلَا حَدَّ لِلْكَثْرَةِ، ((فَاتْرُكْ حَدِيثَ)) أَيْ كَلَامَ ((الْمَيْنِ)) أَيِ الْكَذِبِ يَعْنِي الْكَلَامَ الْكَذِبَ، وَأَرَادَ بِهَذَا الرَّدِّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَتَرَكَّبُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَجْزَاءَ لِتَحَقُّقِ الْأَبْعَادِ الثَّلَاثَةِ، أَعْنِي الطُّولَ وَالْعَرْضَ وَالْعُمْقَ، وَعَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ لَا يَتَرَكَّبُ مِنْ أَقَلَّ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ لِتَحَقُّقِ تَقَاطُعِ الْأَبْعَادِ عَلَى زَوَايَا قَائِمَةٍ، وَقِيلَ: الْجِسْمُ مَا يَقْبَلُ الزِّيَادَةَ بِالْوَصْفِ بِجَوْهَرِ الْجِسْمِ مِنْهُ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْجَوْهَرِ وَالْجِسْمِ وَالْعَرَضِ عِنْدَ قَوْلِنَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ: وَلَيْسَ رَبُّنَا بِجَوْهَرٍ وَلَا عَرَضٍ وَلَا جِسْمٍ تَعَالَى ذُو الْعُلَا فَرَاجِعْهُ إِنْ شِئْتَ وَإِنَّمَا أَعَادَهُ هُنَا تَبَعًا لِلْأَصْحَابِ فِي إِلْحَاقِهِمْ أَوَاخِرَ الْعَقَائِدِ كَلِمَاتٍ يَكْثُرُ دَوَرَانُهَا فِي هَذَا الْعِلْمِ، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ قَوْلُهُ: [بعض اصطلاحات العلماء] ((وَمُسْتَحِيلُ الذَّاتِ غَيْرُ مُمْكِنِ ... وَضِدُّهُ مَا جَازَ فَاسْمَعْ زَكَنِي)) ((وَالضِّدُّ وَالْخِلَافُ وَالنَّقِيضُ ... وَالْمِثْلُ وَالْغَيْرَانِ مُسْتَفِيضُ)) ((وَكُلُّ هَذَا عِلْمُهُ مُحَقَّقْ ... فَلَمْ نُطِلْ بِهِ وَلَمْ نُنَمِّقْ)) ((وَمُسْتَحِيلُ الذَّاتِ غَيْرُ مُمْكِنٍ)) أَيِ الْمُسْتَحِيلُ لِذَاتِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَلَا مَقْدُورٍ، إِذْ لَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ الْقُدْرَةُ لَصَارَ مُمْكِنًا، لِأَنَّهَا لَا تَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالْمُمْكِنَاتِ كَمَا مَرَّ، وَضِدَّهُ أَيْ ضِدُّ الْمُسْتَحِيلِ ((مَا)) أَيِ الَّذِي ((جَازَ)) وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْوَاجِبَ مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ عَدَمُهُ، وَالْمُسْتَحِيلُ مَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي الْعَقْلِ وُجُودُهُ، وَالْمُمْكِنُ مَا جَازَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ، يَعْنِي قَبْلَ إِيجَادِهِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، ((فَاسْمَعْ زَكَنِي)) أَيْ عِلْمِي وَفَهْمِي وَتَفَرُّسِي فِي اخْتِصَارِ الْكَلَامِ مَعَ تَمَامِ الْأَحْكَامِ، يُقَالُ زَكِنَ كَفَرِحَ وَأَزْكَنَهُ عَلَّمَهُ وَفَهَّمَهُ وَتَفَرَّسَهُ وَظَنَّهُ، أَوِ الزَّكَنُ ظَنٌّ بِمَنْزِلَةِ الْيَقِينِ عِنْدَكَ أَوْ طَرَفٌ مِنَ الظَّنِّ، وَأَزْكَنَهُ أَعْلَمَهُ وَأَفْهَمَهُ وَالْإِزْكَانُ أَنْ تَزْكَنَ شَيْئًا بِالظَّنِّ فَيُصِيبُ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى بَعْضِ مَا ذَكَرَهُ النَّجْمُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي آخِرِ نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ فَقَالَ: ((وَالضِّدُّ)) يَعْنِي مَعَ ضِدِّهِ، فَالضِّدَّانِ هُمَا مَا امْتَنَعَ اجْتِمَاعُهُمَا فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ. وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَالِاجْتِمَاعِ

стр. 900

وَالِافْتِرَاقِ، إِذِ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ لَا يَكُونُ أَسْوَدَ أَبْيَضَ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَكُونُ سَاكِنًا مُتَحَرِّكًا فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ. قَالَ فِي نِهَايَةِ الْمُبْتَدِئِينَ: وَقِيلَ الضِّدَّانِ الْوَصْفَانِ الْوُجُودِيَّانِ اللَّذَانِ يَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُمَا لِذَاتِهِمَا كَالسَّوَادِ وَالْبَيَاضِ. وَقِيلَ: كُلُّ ذَاتَيْنِ يَتَعَاقَبَانِ عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ يَسْتَحِيلُ اجْتِمَاعُهُمَا فِيهِ بَيْنَهُمَا غَايَةَ الْخِلَافِ وَالْبُعْدِ. انْتَهَى. وَهِيَ عِبَارَاتٌ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى فِي الْجُمْلَةِ. ((وَالْخِلَافُ)) أَيِ الْخِلَافَانِ يَجْتَمِعَانِ يَرْتَفِعَانِ كَالْحَرَكَةِ وَالْبَيَاضِ فِي الْجِسْمِ الْوَاحِدِ ((وَالنَّقِيضَـ)) ـانِ لَا يَجْتَمِعَانِ وَلَا يَرْتَفِعَانِ كَالْوُجُودِ وَالْعَدَمِ الْمُضَافَيْنِ إِلَى مُعَيَّنٍ وَاحِدٍ، ((وَالْمِثْلَـ)) ـانِ مَا قَامَ أَحَدُهُمَا مَقَامَ الْآخَرِ وَسَدَّ مَسَدَّهُ وَعَمِلَ عَمَلَهُ، وَالْجَوَاهِرُ مُتَمَاثِلَةٌ، وَقِيلَ: هُمَا اللَّذَانِ يَشْتَرِكَانِ فِي الصِّفَةِ اللَّازِمَةِ فَهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ وَيَرْتَفِعَانِ لِتَسَاوِي الْحَقِيقَةِ كَبَيَاضٍ وَبَيَاضٍ، وَأَمَّا الْمُتَشَابِهَانِ فَهُمَا اللَّذَانِ يَتَقَارَبَانِ إِمَّا فِي الصُّورَةِ وَإِمَّا فِي اسْتِحْقَاقِ الْمَعْنَى الْمُجَوَّزِ عَلَيْهِمَا، أَوْ فِي السَّبَبِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ وُجُودُهُمَا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا تَقَعُ بِهِ الْمُشَابَهَةُ، وَالْمُتَشَابِهَانِ مِنْ وَجْهٍ قَدْ يَخْتَلِفَانِ فِي آخِرَ وَالْمِثْلَانِ لَا يَخْتَلِفَانِ مِنْ وَجْهٍ، وَالْمُخْتَلِفَانِ قَدْ يَخْتَلِفَانِ مِنْ وَجْهٍ وَيَشْتَبِهَانِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، ((وَالْغَيْرَانِ)) هُمَا الْمُخْتَلِفَانِ وَقِيلَ: هُمَا الْمَوْجُودَانِ اللَّذَانِ يُمْكِنُ أَنْ يُفَارِقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِوَجْهٍ، فَالْمُتَّفِقَانِ يَقْرُبَانِ مِنَ الْمِثْلَيْنِ وَهُمَا فِي التَّقَارُبِ عَلَى الْعَكْسِ مِنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَفِيهِمَا زِيَادَةٌ عَلَى أَصَحِّ حَدِّ الْمُتَشَابِهَيْنِ لِأَنَّهُ يَكُونُ التَّفَاوُتُ بِالْوَصْفِ كَمَا فِي الْمُتَشَابِهَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ التَّفَاوُتُ بِالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْمُتَشَابِهَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمُتَمَاثِلَيْنِ تَفَاضُلٌ مِنْ وَجْهٍ مِثْلُ الْحَرَكَتَيْنِ تَكُونُ إِحْدَاهُمَا أَشَدَّ مِنَ الْأُخْرَى، وَكَذَلِكَ يَتَفَاوَتُ السَّوَادَانِ شَدَّةً وَضَعْفًا، وَكُلُّ عِلْمِ ذَلِكَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ هَذَا الْفَنِّ وَعِنْدَ الْمَنَاطِقَةِ، ((مُسْتَفِيضٌ)) اسْتِفَاضَةً ظَاهِرَةً لَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ لَهُ اعْتِنَاءٌ بِتَحْصِيلِ هَذِهِ الْعُلُومِ الْعَقْلِيَّةِ. (تَنْبِيهٌ) قَدْ يَتَعَذَّرُ ارْتِفَاعُ الْخِلَافَيْنِ لِخُصُوصِ حَقِيقَةِ كَوْنِهِمَا خِلَافَيْنِ كَذَاتِ وَاجِبِ الْوُجُودِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ مَعَ صِفَاتِهِ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ افْتِرَاقُهُمَا (كَالْعِشْرَةِ مَعَ الزَّوْجِيَّةِ خِلَافَانِ وَيَسْتَحِيلُ افْتِرَاقُهُمَا) ، وَالْخَمْسَةُ مَعَ الْفَرْدِيَّةِ، وَالْجَوْهَرُ مَعَ الْأَلْوَانِ، وَنَحْوِ هَذَا وَهُوَ كَثِيرٌ لَكِنْ لَا تَنَافِي بَيْنَ إِمْكَانِ

стр. 901

الِافْتِرَاقِ وَالِارْتِفَاعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّاتِ وَتَعَذُّرِ الِارْتِفَاعِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَمْرٍ خَارِجِيٍّ عَنْهَا، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مُمْكِنِ الْوُجُودِ، أَمَّا اللَّهُ تَعَالَى وَصِفَاتُهُ فَلَا يُقَالُ بِإِمْكَانِ رَفْعِ شَيْءٍ مِنْهَا لِتَعَذُّرِ رَفْعِهِ بِسَبَبِ وُجُوبِ وَجُودِهِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي بَحْثِ الصِّفَاتِ مَا يُرْشِدُ لِهَذَا. ((وَكُلُّ هَذَا)) الْمَذْكُورُ وَأَضْعَافُهُ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ ((عِلْمُهُ)) مَشْهُورٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْفَنِّ ((مُحَقَّقٌ)) ، وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى هَذَا الْمِقْدَارِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ((فَلَمْ نُطِلْ بِهِ)) أَيْ بِذِكْرِهِ، ((وَلَمْ نُنَمِّقْ)) مِنَ التَّنْمِيقِ وَهُوَ التَّحْسِينُ وَالتَّزْيِينُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: نَمَّقَ الْكِتَابَ كَتَبَهُ وَنَمَّقَهُ تَنْمِيقًا حَسَّنَهُ وَزَيَّنَهُ بِالْكِتَابَةِ، وَيُقَالُ لِلشَّيْءِ الْمُرْوِحِ: فِيهِ نَمَقَةٌ - مُحَرَّكَةٌ -. إِذِ الْمَقْصُودُ إِنَّمَا هُوَ ذِكْرُ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ الْعَقَائِدِ السَّلَفِيَّةِ وَنَظْمُ فَرَائِدِ الْأُصُولِ الْأَثَرِيَّةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْهَا مَا لَعَلَّهُ يَكْفِي الْمُبْتَدِيَ وَيَشْفِي الْمُنْتَهِيَ وَيُكَمِّدُ الْمُعْتَدِيَ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، ثُمَّ حَمِدْنَا اللَّهَ تَعَالَى عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ فَقُلْنَا: [التَّسْلِيمُ وَالِانْقِيَادُ وَالْمُثُولُ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مُقْتَضَى النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ] ((وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّوْفِيقِ ... لِمَنْهَجِ الْحَقِّ عَلَى التَّحْقِيقِ)) ((مُسَلِّمًا لِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ ... وَالنَّصِّ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ)) ((لَا أَعْتَنِي بِغَيْرِ قَوْلِ السَّلَفِ ... مُوَافِقًا أَئِمَّتِي وَسَلَفِي)) ((وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى التَّوْفِيقِ)) وَهَذَا حَمْدٌ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةِ التَّأْهِيلِ لِهَذَا الْفَضْلِ الْجَزِيلِ وَالْمَشْرَبِ الصَّافِي مِنْ يَنْبُوعِ التَّنْزِيلِ مِنْ غَيْرِ إِلْحَادٍ وَلَا تَأْوِيلٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَالتَّوْفِيقُ تَسْهِيلُ سَبِيلِ الْخَيْرِ وَالطَّاعَةِ. قَالَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي كِتَابِهِ شَرْحِ مَنَازِلِ السَّائِرِينَ: قَدْ أَجْمَعَ الْعَارِفُونَ بِاللَّهِ أَنَّ التَّوْفِيقَ أَنْ لَا يَكِلَكَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى نَفْسِكَ، وَالْخِذْلَانُ ضِدُّهُ وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا، فَالْعَبِيدُ مُتَقَلِّبُونَ بَيْنَ تَوْفِيقِهِ وَخِذْلَانِهِ، بَلِ الْعَبْدُ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ يَنَالُ نَصِيبَهُ مِنْ هَذَا وَهَذَا، فَيُطِيعُ مَوْلَاهُ وَيُرْضِيهِ وَيَذْكُرُهُ وَيَشْكُرُهُ بِتَوْفِيقِهِ، ثُمَّ يَعْصِيهِ وَيُخَالِفُهُ وَيُسْخِطُهُ وَيَغْفُلُ عَنْهُ بِخِذْلَانِهِ لَهُ، فَهُوَ دَائِرٌ بَيْنَ تَوْفِيقِهِ وَخِذْلَانِهِ، فَإِنْ وَفَّقَهُ فَبِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ وَإِنْ خَذَلَهُ فَبِعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ الْمَحْمُودُ فِي هَذَا وَهَذَا لَهُ أَتَمُّ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ، لَمْ يَمْنَعِ الْعَبْدَ شَيْئًا هُوَ لَهُ وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مَا هُوَ مُجَرَّدُ فَضْلِهِ وَعَطَائِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ حَيْثُ يَضَعُهُ وَأَيْنَ يَجْعَلُهُ. قَالَ: فَمَتَى شَهِدَ الْعَبْدُ هَذَا الْمَشْهَدَ وَأَعْطَاهُ حَقَّهُ عَلِمَ ضَرُورَتَهُ وَفَاقَتَهُ

стр. 902

إِلَى التَّوْفِيقِ فِي كُلِّ نَفَسٍ وَلَحْظَةٍ وَطَرْفَةِ عَيْنٍ، وَأَنَّ تَوْحِيدَهُ وَإِيمَانَهُ مُمْسَكٌ بِيَدِ غَيْرِهِ لَوْ تَخَلَّى عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنٍ لَثَلَّ عَرْشُهُ وَلَخَرَّتْ سَمَاءُ إِيمَانِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَأَنَّ الْمُمْسِكَ لَهُ مَنْ يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَدَأْبُهُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ: يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قَلْبِي عَلَى طَاعَتِكَ، وَدَعْوَاهُ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ. ثُمَّ قَالَ: وَالتَّوْفِيقُ هُوَ إِرَادَةُ اللَّهِ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ بِعَبْدِهِ مَا يَصْلُحُ بِهِ الْعَبْدُ بِأَنْ يَجْعَلَهُ قَادِرًا عَلَى فِعْلِ مَا يُرْضِيهِ مُرِيدًا لَهُ مُحِبًّا مُؤْثِرًا عَلَى غَيْرِهِ، وَيُبَغِّضَ إِلَيْهِ مَا يُسْخِطُهُ وَيَكْرَهُهُ، وَهَذَا مُجَرَّدُ فِعْلِهِ تَعَالَى وَالْعَبْدُ مَحَلٌّ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ - فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحجرات: ٧ - ٨] فَهُوَ سُبْحَانُهُ عَلِيمٌ بِمَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الْفَضْلِ وَمَنْ لَا يَصْلُحُ لَهُ، حَكِيمٌ يَضَعُهُ فِي مَوَاضِعِهِ وَعِنْدَ أَهْلِهِ وَلَا يَضَعُهُ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ. وَذَكَرَ هَذَا عِنْدَ عَقِيبَ قَوْلِهِ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] ، ثُمَّ جَاءَ بِحَرْفِ الِاسْتِدْرَاكِ فَقَالَ: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ﴾ [الحجرات: ٧] ، قَالَ: وَقَدْ فَسَّرَتِ الْجَبْرِيَّةُ وَغَيْرُهُمُ التَّوْفِيقَ بِأَنَّهُ خَلْقُ الطَّاعَةِ وَالْخِذْلَانَ خَلْقُ الْمَعْصِيَةِ، وَبَنَوْا ذَلِكَ عَلَى أُصُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ مِنْ إِنْكَارِ الْأَسْبَابِ وَالْحُكْمِ، وَرَدُّوا الْأَمْرَ إِلَى مَحْضِ الْمَشِيئَةِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَلَا حِكْمَةٍ، قَالَ: وَقَابَلَهُمُ الْقَدَرِيَّةُ فَفَسَّرُوا التَّوْفِيقَ بِالْبَيَانِ الْعَامِّ وَالْهُدَى الْعَامِّ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الطَّاعَةِ وَالِاقْتِدَارِ عَلَيْهَا وَتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهَا، قَالَ: وَهَذَا حَاصِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ كَافِرٍ وَمُشْرِكٍ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ وَتَمَكَّنَ مِنَ الْإِيمَانِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْقَدْرِ مَا لَعَلَّهُ يَكْفِي وَيَشْفِي وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَقَوْلُهُ ((لِمَنْهَجِ الْحَقِّ عَلَى التَّحْقِيقِ)) مُتَعَلِّقٌ بِالتَّوْفِيقِ، وَالْمَنْهَجُ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ كَالنَّهْجِ وَالْمِنْهَاجِ. وَالْحَقُّ هُوَ الْحُكْمُ الْمُطَابِقُ لِلْوَاقِعِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْأَقْوَالِ وَالْعَقَائِدِ وَالْأَدْيَانِ وَالْمَذَاهِبِ بِاعْتِبَارِ اشْتِمَالِهَا عَلَى ذَلِكَ، وَيُقَابِلُهُ الْبَاطِلُ، وَأَمَّا الصِّدْقُ فَشَاعَ فِي الْأَقْوَالِ خَاصَّةً، وَيُقَابِلُهُ الْكَذِبُ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالصِّدْقِ بِأَنَّ الْمُطَابَقَةَ تُعْتَبَرُ فِي الْحَقِّ

стр. 903

مِنْ جَانِبِ الْوَاقِعِ وَفِي الصِّدْقِ مِنْ جَانِبِ الْحُكْمِ فَمَعْنَى صِدْقِ الْحُكْمِ مُطَابَقَتُهُ الْوَاقِعَ وَمَعْنَى حَقِّيَتِهِ مُطَابَقَةُ الْوَاقِعِ إِيَّاهُ، وَالتَّحْقِيقُ إِيقَاعُ الْأَشْيَاءِ فِي مَحَالِّهَا وَرَدُّهَا إِلَى حَقَائِقِهَا، يُقَالُ: حَقَّقَ الطَّرِيقَ رَكِبَ حَاقَتَهُ وَحَقَّقَ الْأَمْرَ تَيَقَّنَهُ، وَقَوْلُهُ ((مُسَلِّمًا)) حَالٌ مِنْ مَعْمُولِ التَّوْفِيقِ أَيْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى تَوْفِيقِي لِمَنْهَجِ الْحَقِّ حَالَ كَوْنِي مُسَلِّمًا، ((لِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ)) أَيْ لِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ النَّبَوِيُّ ((وَالنَّصُّ)) الصَّرِيحُ الْقُرْآنِيُّ، وَقَدَّمَ الْحَدِيثَ لِمُرَاعَاةِ الْقَافِيَةِ وَلِشِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِالتَّمَسُّكِ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، وَالْأَحَادِيثُ الْمَرْضِيَّةُ كَالنَّصِّ كَمَا هُوَ فِي نُسْخَةٍ وَهِيَ أَوْلَى وَأَحْرَى وَحِينَئِذٍ فَالنَّصُّ هُوَ الْمُقَدَّمُ وَسَوَاءٌ أَدْرَكْنَا مَعْنَاهُ بِعُقُولِنَا أَوْ لَمْ نُدْرِكْهُ، وَهَذَا هُوَ الْحَقُّ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ صِفَاتِهِ وَغَيْرِهَا لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلَى أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الرَّسُولَ إِذَا أَخْبَرَنَا بِشَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ عَلَيْنَا التَّصْدِيقُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ ثُبُوتَهُ بِعُقُولِنَا. وَمَنْ لَمْ يُقِرَّ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ حَتَّى يَعْلَمَهُ بِعَقْلِهِ فَقَدْ أَشْبَهَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] وَمَنْ سَلَكَ هَذَا السَّبِيلَ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ مُؤْمِنًا بِالرَّسُولِ وَلَا مُتَلَقِّيًا عَنْهُ الْأَخْبَارَ بِشَأْنِ الرُّبُوبِيَّةِ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ أَنْ يُخْبِرَ الرَّسُولُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ إِذَا كَانَ الَّذِي لَمْ يَعْلَمْهُ بِعَقْلِهِ لَا يُصَدِّقُ بِهِ بَلْ يَتَأَوَّلُهُ، وَمَا لَمْ يُخْبِرْهُ بِهِ إِنْ عَلِمَهُ بِعَقْلِهِ آمَنَ بِهِ، وَمَنْ سَلَكَ هَذَا السَّبِيلَ فَوُجُودُ الرَّسُولِ وَأَخْبَارُهُ وَعَدَمُهُمَا عِنْدَهُ سَوَاءٌ، وَمَا يُذْكَرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ لَا أَثَرَ لَهُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُتَكَلِّمَةِ، وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ بَعْدَ قَوْلِنَا: فَكُلُّ مَا قَدْ جَاءَ فِي الدَّلِيلِ ... فَثَابِتٌ مِنْ غَيْرِ مَا تَمْثِيلِ. وَقَوْلُهُ ((فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ)) يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ كِلَاهُمَا مُرَادٌ: (أَحَدُهُمَا) رَاجِعٌ إِلَى النَّاظِمِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا عَقِيدَتِي وَاعْتِمَادِي، وَمَبْنَى عِصْمَتِي وَاعْتِقَادِي التَّسْلِيمُ وَالِانْقِيَادُ وَالْمُثُولُ وَالِاعْتِمَادُ عَلَى مُقْتَضَى النُّصُوصِ الْقُرْآنِيَّةِ وَالْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ سَوَاءٌ أَدْرَكْنَا مَعَانِيهَا بِعُقُولِنَا، أَوْ قَصُرَتْ عَنْ إِدْرَاكِ حَقَائِقِهَا

стр. 904

أَلْبَابُنَا وَآرَاؤُنَا، وَهَذَا فِي أَوَّلِ زَمَانِ وُجُودِ إِدْرَاكِ فَهْمِي وَلَمْ يَنْفَكَّ عَنْ هَذَا عَقْدُ لُبِّي وَدَلِيلُ عِلْمِي، فَقَدِيمُ زَمَنِي وَحَدِيثُهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ عَلَى نَهْجِهِ الْقَوِيمِ، وَإِنْ تَبَايَنَتِ الْمَسَالِكُ، (الثَّانِي) أَنَّ مَبْنَى عِلْمِي وَحَقِيقَةَ حُجَّتِي وَفَهْمِي وَعِصْمَتِي وَسَنَدِي إِنَّمَا هُوَ النَّصُّ الْقُرْآنِيُّ وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ النَّبَوِيُّ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ السُّلَفُ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْعِبَادَاتِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَالْأَنْكِحَةِ وَالْجِنَايَاتِ وَالْحُدُودِ وَالْكَفَّارَاتِ، أَوِ الْأَخْبَارُ عَنِ الْبَرْزَخِ وَالْمَعَادِ وَمَا لِلْعَالَمِ مِنْ شِقْوَةٍ أَوْ إِسْعَادٍ، هَذَا وَهَذَا وَنَحْوُهُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحَادِثِ وَالْحَوَادِثِ، أَوْ كَانَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْقَدِيمِ الدَّيَّانِ مِنَ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالْقُرْآنِ حَسْبَمَا بَرْهَنَّا عَلَى ذَلِكَ فِي شَرْحِنَا عَلَى قَدْرِ الْإِمْكَانِ، مِمَّا يَعْلَمُهُ النَّاظِرُ فِيهِ بِالْبَرَاهِينِ السَّاطِعَةِ وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ وَالْأَدِلَّةِ النَّافِعَةِ وَالْإِلْزَامَاتِ الْقَامِعَةِ. ((لَا أَعْتَنِي)) فِي أَصْلِ نَظْمِ عَقِيدَتِي هَذِهِ بِقَوْلِ قَائِلٍ وَإِنْ جَلَّ أَمْرُهُ وَشَاعَ ذِكْرُهُ ((بِغَيْرِ قَوْلِ السَّلَفِ)) أَيْ لَا أُعَوِّلُ وَلَا يُهِمُّنِي وَلَا يَعْنِينِي فِي نَظْمِ عِقْدِ تَوْحِيدِي إِلَّا قَوْلُ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَالرَّعِيلِ الْأَوَّلِ الْفَالِحِ، وَفِي نُسْخَةٍ لَا أَعْتَنِي إِلَّا بِقَوْلِ السَّلَفِ ، وَلَسْتُ فِي ذَلِكَ مُنْفَرِدًا وَلَا نَاهِجًا نَهْجًا مُنْتَقَدًا، بَلْ فِي نَهْجِي الْمَذْكُورِ وَسَيْرِي الْمَشْكُورِ حَالَ كَوْنِي ((مُوَافِقًا أَئِمَّتِي)) مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْأَثَرِ، ((وَسَلَفِي)) فِي ذَلِكَ مِنْ كُلِّ هُمَامٍ مُعْتَبَرٍ، قَدْ سَبَرُوا الْأَخْبَارَ وَدَوَّنُوا الْآثَارَ، وَعَرَفُوا مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ الْمُخْتَارُ وَمَا اقْتَفَاهُ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ الْأَبْرَارُ وَأَصْهَارُهُ الْأَخْيَارُ وَأَنْصَارُهُ الْأَطْهَارُ - صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ -، وَقَدْ قَالَ: " «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي إِلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً وَهِيَ مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» ". وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ. [ذكر المؤلف أن اقتفاء الأئمة والسلف الصالح ليس تقليدا لهم في الاعتقاد] ((وَلَسْتُ فِي قَوْلِي بِذَا مُقَلِّدَا ... إِلَّا النَّبِيَّ الْمُصْطَفَى مُبْدِي الْهُدَى)) ((صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ مَا قَطْرٌ نَزَلْ ... وَمَا تَعَانَى ذِكْرَهُ مِنَ الْأَزَلْ)) ((وَمَا انْجَلَى بِهَدْيِهِ الدَّيْجُورُ ... وَرَاقَتِ الْأَوْقَاتُ وَالدُّهُورُ)) ((وَلَسْتُ فِي قَوْلِي بِذَا)) أَيْ بِمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنِ اقْتِفَاءِ الْأَئِمَّةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ ((مُقَلِّدًا)) لَهُمْ فِي اعْتِقَادِي، وَإِنَّ الَّذِي نَحَوْهُ بِمَجْرَدِهِ عُمْدَتِي وَاعْتِمَادِي، مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي الدَّلِيلِ وَبَحْثٍ عَنِ الْكَثِيرِ وَالْقَلِيلِ، بَلْ نَظَرْتُ كَمَا نَظَرُوا، وَسَبَرْتُ كَمَا سَبَرُوا، وَخُضْتُ فِي عُلُومِ النَّظَرِ وَالْكَلَامِ،

стр. 905

وَالْحِكْمَةِ وَالْأَحْكَامِ، فَرَأَيْتُهَا لَا تَشْفِي مِنْ سِقَامٍ، وَلَا تَرْوِي مِنْ أُوَامٍ، وَلَا تَهْدِي مِنْ ضَلَالٍ، وَلَا تُجْدِي مِنْ نَوَالٍ، هَذَا وَاللُّبُّ عَاكِفٌ عَلَى الْآثَارِ، عَارِفٌ بِثَمَرَاتِ الْأَخْبَارِ، كَارِفٌ مِنْ نَشْرِهَا مَا يُزِيلُ نَتِنَ الْآرَاءِ، غَارِفٌ مِنْ بَحْرِهَا مَا يُطْفِئُ حَرَارَاتِ الْأَهْوَاءِ، مُقْتَبِسًا مِنْ أَنْوَارِهَا مَا يَقْشَعُ ظُلُمَاتِ الْأَفْكَارِ الْفَلْسَفِيَّةِ، مُلْتَمِسًا مِنْ أَسْرَارِهَا مَا يَقْمَعُ شُبُهَاتِ الْأَنْظَارِ الْكَلَامِيَّةِ، مُقَيِّدًا مِنْهَا بِمَا يُزِيلُ الْخَيَالَاتِ الْمُعْتَزِلِيَّةِ، مُعْتَمِدًا مِنْهَا عَلَى مَا يَغْسِلُ الزَّبَّالَاتِ الرَّافِضِيَّةِ، فَلَيْسَ لِي فِي كُلِّ سَيْرِي قَلَّدًا، وَلَا فِي اعْتِقَادِي قُدْوَةً مُعْتَمَدًا ((إِلَّا النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى)) مِنْ سَائِرِ الْعَالَمِ لْمُخْتَارُ مِنْ سَائِرِ بَنِي آدَمَ، ((مُبْدِي)) أَيْ مُظْهِرُ وَمُبِينُ وَكَاشِفُ ((الْهُدَى)) بِالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَةِ، وَمُرْشِدُ الْعَالَمِ إِلَى سُلُوكِ الْمَسَالِكِ النَّاجِحَةِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْهِدَايَةِ، بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ، فَقَدْ بَذَلْتُ وُسْعِي فِي اقْتِفَاءِ آثَارِهِ، وَانْتِقَاءِ أَخْبَارِهِ، وَسَبْرِ أَحْوَالِهِ، وَنَشْرِ أَقْوَالِهِ، وَتَهْذِيبِ سِيرَتِهِ الشَّرِيفَةِ، وَثُبُوتِ شَرِيعَتِهِ الْمُحْكَمَةِ الْمُنِيفَةِ، فَكَرَعْتُ مِنْهَا عَلَلًا بَعْدَ نَهَلٍ، وَشَرِبْتُ عَذْبًا زُلَالًا صَافِيًا بَرِيًّا مِنْ زَبَّالَاتِ الْآرَاءِ وَالزَّلَلِ، فَذَاكَ مُعْتَمَدِي مَدَى الْعُمْرِ، لَا زَيْدٌ وَلَا بَكْرٌ، وَلَا خَالِدٌ وَلَا عَمْرٌو. ((صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ)) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَنْ مَعْنَى الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ، ((مَا قَطْرٌ نَزَلَ)) أَيْ مُدَّةَ دَوَامِ نُزُولِ الْأَمْطَارِ وَتَدَاوُلِ الْأَعْصَارِ، وَالْقَطْرُ هُوَ الْمَاءُ وَالنُّزُولُ وَكَفُّهُ مِنَ الْعُلُوِّ إِذَا هَطَلَ، ((وَ)) ﷺ ((مَا تَعَانَى)) الْمُعْتَنُونَ ((ذِكْرَهُ مِنَ الْأَزَلِ)) فِي الْأَعْصَارِ الْخَالِيَةِ وَالْأَطْوَارِ الْبَالِيَةِ وَالْقُرُونِ الْفَانِيَةِ وَالْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْلُ زَمَانٌ مِنْ ذِكْرِهِ وَلَا أَوَانٌ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَرْعِهِ وَمَبْعَثِهِ وَنَهْيِهِ وَأَمْرِهِ إِلَى أَنْ جَاءَ إِبَّانُ رِسَالَتِهِ زَمَانُ بِعْثَتِهِ وَظُهُورُ مَقَالَتِهِ فَظَهَرَتْ شَمْسُ نُبُوَّتِهِ عَلَى سَائِرِ كَوَاكِبِ النُّبُوَّاتِ، فَانْخَنَسَتْ وَبَهَرَتْ رِسَالَتُهُ الْمَقَالَاتِ فَانْطَمَسَتْ، ((وَ)) ﷺ ((مَا انْجَلَى)) أَيْ تَفَرَّقَ وَزَالَ وَانْكَشَفَ ((بِهَدْيِهِ)) النَّاصِعِ وَنُورِ شَرْعِهِ الْمَشْرِقِ اللَّامِعِ ((الدَّيْجُورُ)) أَيِ الظَّلَامُ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الدَّيْجُورُ التُّرَابُ وَالظَّلَامُ وَالْأَغْبَرُ الضَّارِبُ إِلَى السَّوَادِ. أَيْ مُدَّةَ دَوَامِ انْجِلَاءِ ظَلَامِ الشِّرْكِ وَسَوَادِ الْإِفْكِ وَغُبَارِ الْبِدَعِ وَالِابْتِكَارِ بِمَنَارِ هَدْيِهِ وَنُورِ شَرْعِهِ الَّذِي أَزَالَ كُلَّ ظِلَالٍ وَأَطْفَأَ كُلَّ نَارٍ، ((وَ)) مَا بِهَدْيِهِ ﷺ ((رَاقَتْ)) أَيْ صَفَتْ، قَالَ فِي الْقَامُوسِ:

стр. 906

التَّرْوِيقُ التَّصْفِيَةُ وَالرِّوَاقُ الْمِصْفَاةُ وَالرِّيقُ تَرَدُّدُ الْمَاءِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنَ الضِّحْضَاحِ وَالرَّائِقُ الْخَالِصُ، وَ ((الْأَوْقَاتُ)) جَمْعُ وَقْتٍ وَهُوَ الْمِقْدَارُ مِنَ الدَّهْرِ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَاضِي، وَالْمِيقَاتُ يُطْلَقُ عَلَى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ الْمَضْرُوبِ لِلْفِعْلِ، وَفِي نُسْخَةٍ مَا رَاقَتِ الْأَيَّامُ بَدَلَ الْأَوْقَاتِ جَمْعُ يَوْمٍ، وَالْمُرَادُ مَا خَلَصَتْ وَصَفَتِ الْأَحْوَالُ جَمْعُ حَالٍ الْوَاقِعَةُ فِي الْأَوْقَاتِ وَالْحَاصِلَةُ فِي الْأَيَّامِ وَالسَّاعَاتِ، وَالْحَالُ كُنْهُ الْإِنْسَانِ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ كَالْحَالَةِ وَيُرَادُ بِالْحَالِ الْهَيْئَةُ وَمِنْهُ تَغَيَّرَ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، ((وَ)) مَا رَاقَتْ ((الدُّهُورُ)) جَمْعُ دَهْرٍ وَهُوَ الزَّمَانُ الطَّوِيلُ وَالْأَمَدُ الْمَمْدُودُ وَقَدْ يُعَدُّ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى، وَالْمُرَادُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ وَالَّذِي عَدَّهُ فِي الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى نَظَرَ إِلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ ﷺ : " «لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ» ". وَإِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: " «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ» ". قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ: أَنَا صَاحِبُ الدَّهْرِ وَمُدَبِّرُ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْسِبُونَهَا إِلَى الدَّهْرِ فَمَنْ سَبَّ الدَّهْرَ مِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَادَ بِسَبِّهِ إِلَى رَبِّهِ الَّذِي هُوَ فَاعِلُهَا، وَإِنَّمَا الدَّهْرُ زَمَانٌ جُعِلَ ظَرْفًا لِمَوَاقِعِ الْأُمُورِ، وَكَانَتْ عَادَةُ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّهُمْ إِذَا أَصَابَهُمْ مَكْرُوهٌ أَضَافُوهُ لِلدَّهْرِ، فَقَالُوا: بُؤْسًا لِلدَّهْرِ وَتَبًّا لِلدَّهْرِ. قَالَ الْمُحَقِّقُونَ: مَنْ نَسَبَ سَيِّئًا مِنَ الْأَفْعَالِ إِلَى الدَّهْرِ حَقِيقَةً كَفَرَ، وَمَنْ جَرَى هَذَا اللَّفْظُ عَلَى لِسَانِهِ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِذَلِكَ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ وَلَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ. وَقَدْ شَنَّ الْغَارَةَ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَى مَنْ نَسَبَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إِلَى الدَّهْرِ وَلَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ ظَاهِرَهُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كُتُبِهِ مِنْهَا صَيْدُ الْخَاطِرِ. وَغَلَّطَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الدَّهْرَ مُدَّةُ زَمَانِ الدُّنْيَا، وَعَرَّفَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ أَمَدُ مَفْعُولَاتِ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا أَوْ فِعْلُهُ لِمَا قَبْلَ الْمَوْتِ. وَقَدْ تَمَسَّكَ الْجَهَلَةُ مِنَ الدَّهْرِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَاحْتَجُّوا بِهِ عَلَى مَنْ لَا رُسُوخَ لَهُ فِي الْعِلْمِ، لِأَنَّ الدَّهْرَ عِنْدَهُمْ حَرَكَاتُ الْفَلَكِ وَأَمَدُ الْعَالَمِ وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ وَلَا صَانِعَ سِوَاهُ. وَكَفَى فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ: " «أَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ» ". فَكَيْفَ يُقَلِّبُ الشَّيْءُ نَفْسَهُ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ: لَا يَخْفَى أَنَّ مَنْ سَبَّ الصَّنْعَةَ فَقَدْ سَبَّ

стр. 907

صَانِعَهَا، فَمَنْ سَبَّ نَفْسَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَقْدَمَ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ بِغَيْرِ مَعْنًى، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنْ لَيْسَ لِلدَّهْرِ وَلَا لِلَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِعْلٌ وَلَا تَأْثِيرٌ، فَمَنْ سَبَّ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ يُؤَوَّلُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَنَّهُ سَبَّ خَالِقَ ذَلِكَ. انْتَهَى مُلَخَّصًا. ((وَآلِهِ وَصَحْبِهِ أَهْلِ الْوَفَا ... مَعَادِنِ التَّقْوَى وَيَنْبُوعِ الصَّفَا)) ((وَتَابِعٍ وَتَابِعٍ لِلتَّابِعِ ... خَيْرُ الْوَرَى حَقًّا بِنَصِّ الشَّارِعِ)) ((وَ)) صَلَّى اللَّهُ عَلَى ((آلِهِ)) أَيْ أَتْبَاعِهِ عَلَى دِينِهِ، وَقِيلَ أَقَارِبُهُ الْأَدْنَوْنَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَالْأَوَّلُ اخْتِيَارُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مَقَامِ الدُّعَاءِ، وَالثَّانِي اخْتِيَارُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ آلُهُ أَهْلُهُ، وَالصَّوَابُ جَوَازُ إِضَافَتِهِ إِلَى الضَّمِيرِ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ نَعَمْ هُوَ قَلِيلٌ، ((وَصَحْبِهِ)) وَهُمْ كُلُّ مَنِ اجْتَمَعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ مُؤْمِنًا وَمَاتَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، وَفِي قَوْلِهِ ((أَهِلِ الْوَفَا)) إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا وَوَفَّوْا بِمَا عَاهَدُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ عَلَيْهِ مِنْ بَذْلِ نُفُوسِهِمُ النَّفِيسَةِ، وَكُلِّ نَفِيسٍ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ الْقَوِيمِ وَالتَّمَسُّكِ بِهَدْيِهِ الْمُسْتَقِيمِ. وَقَوْلُهُ ((مَعَادِنِ التَّقْوَى)) يَصِحُّ جَرُّهُ عَلَى التَّبَعِيَّةِ لِمَا قَبْلَهُ وَنَصْبُهُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَمْدَحُ وَنَحْوَهُ وَرَفْعُهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هُمْ، وَالْمَعَادِنُ جَمْعُ مَعْدِنٍ بِكَسْرِ الدَّالِ، قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سُمِّيَ الْمَعْدِنُ مَعْدِنًا لِعُدُونِ مَا أَنْبَتَهُ اللَّهُ فِيهِ أَيْ لِإِقَامَتِهِ فِيهِ، يُقَالُ عَدَنَ بِالْمَكَانِ يَعْدِنُ عُدُونًا وَالْمَعْدِنُ الْمَكَانُ الَّذِي عُدِنَ فِيهِ الْجَوْهَرُ مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ. وَأَحْرَى خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَجْدَرُ بِإِقَامَةِ التَّقْوَى فِيهِمْ وَعُدُونِهَا لَدَيْهِمْ بَعْدَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَرُسُلِهِ أَصْحَابُ نَبِيِّهِ الْمُصْطَفَى - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ - وَالتَّقْوَى التَّحَرُّزُ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مُخَالَفَتِهِ وَامْتِثَالُ أَمْرِهِ وَاجْتِنَابُ نَهْيِهِ، وَحَقِيقَتُهَا أَنْ يَجْعَلَ الْمَرْءُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعَاصِي اللَّهِ وِقَايَةً تَمْنَعُهُ مِنَ انْتِهَاكِهَا وَالْوُقُوعِ فِيهَا، فَلَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَاجِزًا، وَفِي سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " «لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ» ". وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁: التَّقْوَى تَمَامُ التَّقْوَى أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ الْعَبْدُ حَتَّى يَتَّقِيَهُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ، وَحَتَّى يَتْرُكَ بَعْضَ مَا يَرَى أَنَّهُ حَلَالٌ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ حَرَامًا حِجَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَرَامِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا

стр. 908

فِي صَدْرِ الْكِتَابِ. ((وَيَنْبُوعِ الصَّفَا)) مَعْطُوفٌ عَلَى مَعَادِنَ وَالْيَنْبُوعُ - بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَهَا وَاوٌ سَاكِنَةٌ فَعَيْنٌ مُهْمَلَةٌ - عَيْنُ الْمَاءِ أَوِ الْجَدْوَلُ الْكَثِيرُ الْمَاءِ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَالصَّفَاءُ ضِدُّ الْكَدَرِ كَالصَّفْوِ وَالصَّفْوَةِ، وَصَفْوَةُ الشَّيْءِ مُثَلَّثَةٌ مَا صُفِّيَ مِنْهُ وَمِنْهُ صَفَا الْجَوُّ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ لَطْخَةُ غَيْمٍ، فَالصَّحَابَةُ الْكِرَامُ يَنْبُوعُ كُلِّ خَالِصٍ مِنَ الْكَدَرِ نَقِيٍّ مِنْ غُبَارِ الْبِدَعِ وَقَذَى الْفِكْرِ، فَمَنْ وَرَدَ مَوْرِدَهُمْ كَرَعَ صَافِيًا زُلَالًا، وَمَنْ زَلَّ عَنْ نَهْجِهِمْ شَرِبَ أُجَاجًا قَذِرًا وَبَالًا، ((وَ)) عَلَى ((تَابِعٍ)) لَهُمْ بِإِحْسَانٍ ((وَتَابِعٍ لِلتَّابِعِ)) عَلَى نَهْجِ الِاسْتِقَامَةِ وَالْإِتْقَانِ، وَهَؤُلَاءِ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ ((خَيْرُ الْوَرَى)) كَفَتَى: الْخَلْقُ أَيْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَفْضَلِهِمْ أَحَقُّ بِذَلِكَ ((حَقًّا بِنَصِّ الشَّارِعِ)) لِلشَّرَائِعِ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: " «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ". قَالَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ ﵄ فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ قَرْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا، وَكَذَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَلَفْظُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: " «خَيْرُ أُمَّتِي الْقَرْنُ الَّذِي بُعِثْتُ فِيهِ» ". وَلِهَذَا الْمَعْنَى قَالَ: [ذكر أئمة المذاهب الأربعة] ((وَرَحْمَةُ اللَّهِ مَعَ الرِّضْوَانِ ... وَالْبِرِّ وَالتَّكْرِيمِ وَالْإِحْسَانِ)) ((تُهْدَى مَعَ التَّبْجِيلِ وَالْإِنْعَامِ ... مِنِّي لِمَثْوَى عِصْمَةِ الْإِسْلَامِ)) ((أَئِمَّةِ الدِّينِ هُدَاةِ الْأُمَّةِ ... أَهْلِ التُّقَى مِنْ سَائِرِ الْأَئِمَّةِ)) ((لَا سِيَّمَا أَحْمَدَ وَالنُّعْمَانِ ... وَمَالِكٍ وَمُحَمَّدٍ الصِّنْوَانِ)) ((وَرَحْمَةُ اللَّهِ)) تَعَالَى ((مَعَ الرِّضْوَانِ)) مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ((وَالْبِرِّ)) - بِالْكَسْرِ - الْإِحْسَانِ وَالشَّفَقَةِ ((وَالتَّكْرِيمِ)) لَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الْعَمِيمِ وَكَرَمِهِ الْكَرِيمِ، ((وَالْإِحْسَانِ)) إِلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ أَحْسَنُوا عَمَلًا وَأَخْلَصُوا قَوْلًا وَفِعْلًا فَيُجَازِيهِمْ بِالْإِحْسَانِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠] . ((تُهْدَى)) - بِضَمِّ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ - عَلَى صِيغَةِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ أَيْ هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي هِيَ الرَّحْمَةُ وَالرِّضْوَانُ وَالْبِرُّ وَالتَّكْرِيمُ وَالْإِحْسَانُ، ((مَعَ التَّبْجِيلِ)) أَيِ التَّعْظِيمِ وَفِي حَدِيثٍ أَنَّهُ ﵇ أَتَى قُبُورًا فَقَالَ: " «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَصَبْتُمْ خَيْرًا بَجِيلًا» ". أَيْ وَاسِعًا كَثِيرًا مِنَ التَّبْجِيلِ يَعْنِي التَّعْظِيمَ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ: بَجَّلَهُ تَبْجِيلًا عَظَّمَهُ، ((وَالْإِنْعَامِ)) مِنَ الْمَلِكِ الْمُنْعِمِ

стр. 909

الْمُهَيْمِنِ السَّلَامِ ((مِنِّي)) أَيْ بِأَنْ أَسَالَ اللَّهَ ﵎ أَنْ يَفْعَلَ جَمِيعَ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَطَوْلِهِ وَحِلْمِهِ ((لِمَثْوَى)) أَيْ مَنْزِلٍ وَمَقَامٍ، قَالَ فِي النِّهَايَةِ: الْمَثْوَى الْمَنْزِلُ مِنْ ثَوِيَ بِالْمَكَانِ إِذَا أَقَامَ فِيهِ. وَفِي الْقَامُوسِ: الْمَثْوَى الْمَنْزِلُ وَجَمْعُهُ مَثَاوِي. وَهُوَ مَجَازًا لِأَنَّ الْمُرَادَ الثَّاوِينَ فَأَطْلَقَ الْمَحَلَّ وَأَرَادَ الْحَالَّ، ((عِصْمَةِ)) أَهْلِ ((الْإِسْلَامِ)) مِنَ الْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ وَالْآرَاءِ الْمُخِلَّةِ وَأَهْلِ الزَّيْغِ وَالْإِلْحَادِ وَالْإِفْكِ وَالْعِنَادِ. وَالْعِصْمَةُ الْمَنَعَةُ وَالْعَاصِمُ الْمَانِعُ الْحَامِي، وَالِاعْتِصَامُ الِامْتِسَاكُ بِالشَّيْءِ افْتِعَالٌ مِنْهُ، وَفِي شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ : ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ أَيْ يَمْنَعُهُنَّ مِنَ الضَّيَاعِ وَالْحَاجَةِ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ إِنَّمَا عِصْمَةُ هَذَا الدِّينِ بَعْدَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ كَانَ بِهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ: ((أَئِمَّةِ)) أَهْلِ هَذَا ((الدِّينِ)) الْمَتِينِ وَنُورِ اللَّهِ الْمُبِينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ الْأَمِينُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، ((هُدَاةِ الْأُمَّةِ)) أَيِ الدَّالِّينَ الْأُمَّةَ عَلَى نَهْجِ الرَّسُولِ، وَالْكَاشِفِينَ لَهُمْ عَنْ مَعَانِي الْكِتَابِ الْمُنَزَّلِ وَالْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمُعَوَّلُ، وَالذَّابِّينَ زَيْغَ الزَّائِغِينَ وَبِدَعَ الْمُبْتَدِعِينَ وَضَلَالَ الْمُضِلِّينَ وَإِلْحَادَ الْمُلْحِدِينَ، فَقَدْ شَيَّدُوا مَبَانِيَهَا وَسَدَّدُوا مَعَانِيَهَا، وَأَصَّلُوا أُصُولَهَا وَفَصَّلُوا فُصُولَهَا، فَأَصْبَحَتِ الشَّرِيعَةُ بِهَذَا التَّرْتِيبِ مَضْبُوطَةً، وَأَحْكَامُهَا بِهَذَا الْوَصْفِ وَالتَّبْوِيبِ مَرْبُوطَةً، فَمَنْ رَامَ اخْتِلَاسَ حُكْمٍ مِنْ أَحْكَامِهَا نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَهُوَ خَائِبٌ، وَمَنْ دَنَا مِنْ سَمَاءِ أَحْكَامِهَا رَمَتْهُ كَوَاكِبُ حَرَسِهَا بِشِهَابٍ ثَاقِبٍ، وَلَسْتُ أَخُصُّ بِهَذَا الْوَصْفِ وَالدُّعَاءِ أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ، بَلْ أَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى لَهُمْ جَمِيعًا، لِأَنَّهُمْ هُمْ ((أَهْلُ التُّقَى مِنْ سَائِرِ)) أَيْ جَمِيعِ ((الْأَئِمَّةِ)) مِنَ الْمُقْتَدَى بِأَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، مِنْ كُلِّ عَالِمٍ هُمَامٍ وَحَبْرٍ قَمْقَامٍ وَمُقْدِمٍ مِقْدَامٍ، كَالْأَئِمَّةِ الْمَتْبُوعَةِ الْآتِي ذِكْرُهُمْ، وَالسُّفْيَانَيْنِ، وَالْحَمَّادَيْنِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ، وَأَبِي ثَوْرٍ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، وَالْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَرَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جُرَيْجٍ، وَدَاوُدَ، وَغَيْرِهِمْ، فَإِنَّهُمْ وَإِنْ تَبَايَنَتْ أَقْوَالُهُمْ وَاخْتَلَفَتْ آرَاؤُهُمْ مِنْ جِهَةِ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ، فَالْجَمِيعُ سَلَفِيَّةٌ أَثَرِيَّةٌ، وَلَهُمْ فِي السُّنَّةِ التَّصَانِيفُ النَّافِعَةُ وَالتَّآلِيفُ النَّاصِعَةُ، كَابْنِ سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَأَشْبَاهِهِمْ. ثُمَّ بَعْدَ أَنْ عَمَّ جَمِيعَ الْأَئِمَّةِ بِالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ خَصَّ الْأَئِمَّةَ الْأَرْبَعَةَ، الَّذِينَ مَدَارُ الشَّرِيعَةِ الْآنَ عَلَى مَا أَوْصَلُوهُ، وَأَحْكَامُهَا

стр. 910

ضِمْنَ مَا فَصَّلُوهُ، فَقَالَ: ((لَا سِيَّمَا)) هَذِهِ الْكَلِمَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى دُخُولِ مَا بَعْدَهَا فِي مَا قَبْلَهَا بِالْأَوْلَى، فَكُلُّ مَا نُسِبَ لِمَنْ قَبْلَهَا مِنَ الثَّنَاءِ وَالدُّعَاءِ فَمَنْ بَعْدَهَا كَذَلِكَ وَأَوْلَى بِذَلِكَ، وَيَجُوزُ فِي الِاسْمِ الَّذِي بَعْدَهَا الْجَرُّ وَالرَّفْعُ مُطْلَقًا، وَكَذَلِكَ النَّصْبُ أَيْضًا إِذَا كَانَ نَكِرَةً وَقَدْ رُوِيَ بِالْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ: وَلَا سِيَّمَا يَوْمٍ بِدَارَةِ جُلْجُلِ وَأَرْجَحُهَا الْجَرُّ وَهُوَ عَلَى الْإِضَافَةِ وَمَا زَائِدَةٌ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ مِثْلُهَا فِي: أَيُّمَا رَجُلَيْنِ، وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُضْمَرٍ مَحْذُوفٍ وَمَا مَوْصُولَةٌ أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بِالْجُمْلَةِ وَالتَّقْدِيرُ: وَلَا مِثْلُ الَّذِي هُوَ أَوْ وَلَا مِثْلُ شَيْءٍ هُوَ يَوْمٌ، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ فَتْحَةُ سِيَّ إِعْرَابٌ لِأَنَّهُ مُضَافٌ. وَالنَّصْبُ عَلَى التَّمْيِيزِ كَمَا يَقَعُ التَّمْيِيزُ بَعْدَ مِثْلٍ فِي مِثْلِ: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩] وَمَا كَافَّةٌ عَنِ الْإِضَافَةِ وَفَتْحَةُ سِيَّ فَتْحَةُ بِنَاءٍ مِثْلُهَا فِي، لَا رَجُلَ، وَأَمَّا انْتِصَابُ الْمَعْرِفَةِ نَحْوَ وَلَا سِيَّمَا زَيْدًا فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ، وَتَشْدِيدُ سِيَّمَا وَدُخُولُ لَا عَلَيْهَا وَدُخُولُ الْوَاوِ عَلَى لَا وَاجِبٌ عِنْدَ قَوْمٍ، حَتَّى قَالَ ثَعْلَبٌ: مَنِ اسْتَعْمَلَ لَا سِيَّمَا عَلَى خِلَافِ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ: وَلَا سِيَّمَا يَوْمٍ - فَهُوَ مُخْطِئٌ - وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّهَا قَدْ تُخَفَّفُ وَقَدْ تُحْذَفُ الْوَاوُ كَقَوْلِهِ: فِهْ بِالْعُقُودِ وَبِالْأَيْمَانِ لَا سِيَمَا ... عَقْدٌ وَفَاءٌ بِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرَبِ وَهِيَ عِنْدَ الْفَارِسِيِّ مَنْصُوبَةٌ عَلَى الْحَالِ وَعِنْدَ غَيْرِهِ اسْمٌ لِلَا التَّبْرِئَةِ وَاخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ. الْإِمَامُ ((أَحْمَدُ)) بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيُّ، سَيِّدُنَا وَإِمَامُنَا وَقُدْوَتُنَا وَمُتَبُوعُنَا، وَالْوَاسِطَةُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ ﷺ الْإِمَامُ الشَّهِيرُ وَالْأُمَّةُ الْعَلَمُ الْمُنِيرُ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ وَالتَّفْسِيرِ وَالزُّهْدِ وَغَيْرِهَا ﵁ وَتَقَدَّمَتْ تَرْجَمَتُهُ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ((وَ)) الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ وَالْحَبْرُ الْمُعَظَّمُ أَبِي حَنِيفَةَ ((النُّعْمَانِ)) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ عَلَى الْمُخْتَارِ الْأَكْثَرِ، وَيَصِحُّ الرَّفْعُ فِيهِمَا كَمَا أَشَرْنَا أَوْلًا عَلَى الْأَشْهَرِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ الْكُوفِيُّ إِمَامُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَفَقِيهُهُمْ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِمَامُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، قَالَ الْحَافِظُ جَلَالُ الدِّينِ السُّيُوطِيُّ فِي طَبَقَاتِ الْحُفَّاظِ: قِيلَ إِنَّهُ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ، وَهُوَ مِنَ التَّابِعِينَ، فَإِنَّهُ رَأَى أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَأَبَا الطُّفَيْلِ ﵄ وَرَوَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَعَطَاءٍ وَعَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَخَلْقٍ،

стр. 911

وَعَنْهُ ابْنُهُ حَمَّادٌ وَوَكِيعٌ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَبُو يُوسُفَ الْقَاضِي وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَهُمَا الصَّاحِبَانِ إِذَا أُطْلِقَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. قَالَ الْإِمَامُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ثِقَةً لَا يُحَدِّثُ بِمَا لَا يَحْفَظُ، وَقَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: مَا رَأَيْتُ فِي الْفِقْهِ مِثْلَهُ، وَقَالَ مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: كَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَمَا رَأَيْتُ فِي الْكُوفِيِّينَ أَوْرَعَ مِنْهُ، وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: النَّاسُ فِي الْفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، وَسُئِلَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: أَيُّهُمَا أَفْقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَوْ سُفْيَانُ؟ فَقَالَ: سُفْيَانُ أَحْفَظُ لِلْحَدِيثِ، وَأَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهُ. أُكْرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ عَلَى الْقَضَاءِ فَأَبَى أَنْ يَكُونَ قَاضِيًا، وَكَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً وَدُعَاءً وَتَضَرُّعًا، وُلِدَ ﵁ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَمَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ إِحْدَى، وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ. ((وَ)) الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ((مَالِكٍ)) بِالْجَرِّ وَالتَّنْوِينِ، هُوَ الْإِمَامُ الْكَبِيرُ وَالنَّجْمُ الْمُنِيرُ وَالْعَلَمُ الشَّهِيرُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الْأَصْبَحِيُّ الْحِمْيَرِيُّ الْمَدَنِيُّ، شَيْخُ الْأَئِمَّةِ وَإِمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ، رَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ نَافِعٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ وَحُمَيْدٍ الطَّوِيلِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ وَخَلْقٌ جَمَعَهُمُ الْخَطِيبُ فِي مُجَلَّدٍ، قَالَ الْإِمَامُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: لِمَالِكٍ نَحْوُ أَلْفِ حَدِيثٍ، وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْإِمَامِ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵁: قُلْتُ لِأَبِي: مَنْ أَثْبَتُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ؟ قَالَ: مَالِكٌ أَثْبَتُ فِي كُلِّ شَيْءٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵁: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁: إِذَا جَاءَ الْأَثَرُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ، وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ، قَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: أَخَذَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ الْأَوْزَاعِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمَا، وَنُودِيَ فِي الْمَدِينَةِ أَلَا لَا يُفْتِي النَّاسَ إِلَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ. مَاتَ فِي الْمَدِينَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِينَ سَنَةً ﵁ وَدُفِنَ فِي الْبَقِيعِ، وَكَانَ شَدِيدَ الْبَيَاضِ إِلَى الشُّقْرَةِ، طَوِيلًا عَظِيمَ الْهَامَةِ أَصْلَعَ، يَلْبَسُ

стр. 912

الثِّيَابَ الْعَدَنِيَّةَ الْجِيَادَ، وَيَكْرَهُ حَلْقَ الشَّارِبِ وَيَعِيبُهُ وَيَرَاهُ مِنَ الْمُثْلَةِ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ. وَالْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ((مُحَمَّدٍ)) مَعْطُوفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ سَقَطَ حَرْفُ الْعَطْفِ لِإِقَامَةِ الْوَزْنِ، فَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْمُطَّلِبِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵁، يَجْتَمِعُ نَسَبُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي عَبْدِ مَنَافٍ الْمَذْكُورِ، وَقَوْلُهُ ((الصِّنْوَانِ)) أَيِ الْقَرَابَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ يُقَالُ لِلنَّخْلَتَيْنِ فِي مَا زَادَ فِي الْأَصْلِ الْوَاحِدِ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صِنْوٌ وَيُضَمُّ وَرَكِيَّتَانِ صِنْوَانِ مُتَجَاوِرَتَانِ أَوْ يَنْبُعَانِ مِنْ عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، وَفِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ ﵁: " «فَإِنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " «الْعَبَّاسُ صِنْوُ أَبِي» ". وَفِي رِوَايَةٍ: " صِنْوِي ". يُرِيدُ ﷺ أَنَّ أَصْلَ الْعَبَّاسِ وَأَصْلِي وَاحِدٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بَدَلَ الصِّنْوَانِ: الْمِتْقَانِ، مِنَ الْإِتْقَانِ لِإِتْقَانِهِ لِلْعُلُومِ وَإِحْكَامِهِ لِلْمَنْطُوقِ مِنْهَا وَالْمَفْهُومِ، فَهُوَ إِمَامُ الْأُمَّةِ وَقُدْوَةُ الْأَئِمَّةِ. وُلِدَ بِغَزَّةِ هَاشِمٍ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ، وَقِيلَ وُلِدَ بِعَسْقَلَانَ، وَقِيلَ بِالْيَمَنِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ كَذَا فِي طَبَقَاتِ الْحُفَّاظِ لِلْجَلَالِ السُّيُوطِيِّ، وَشَرْحِ أَلْفِيَّةِ الْحَدِيثِ لِلْمُصَنِّفِ، وَفِي طَبَقَاتِ الْحُفَّاظِ أَيْضًا: وُلِدَ بِبِلَادِ غَزَّةَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، وَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ وَهُوَ ابْنُ سَنَتَيْنِ فَنَشَأَ بِهَا، وَكَانَ ﵁ جَمَّ الْمَفَاخِرِ مُنْقَطِعَ النَّظِيرِ، اجْتَمَعَتْ فِيهِ مِنَ الْعُلُومِ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ، وَكَلَامِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَآثَارِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَقَاوِيلِ الْعُلَمَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعْرِفَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَالشِّعْرِ - حَتَّى قَرَأَ عَلَيْهِ الْأَصْمَعِيُّ مَعَ اشْتِهَارِهِ بِهَذَا الشَّأْنِ أَشْعَارَ الْهُذَلِيِّينَ - مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي غَيْرِهِ، حَتَّى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵁: عَرَفْنَا نَاسِخَ الْحَدِيثِ وَمَنْسُوخَهُ لَمَّا جَالَسْنَا الشَّافِعِيَّ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ رَجُلٍ كَانَ الشَّافِعِيُّ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُكَ تُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ كَانَ الشَّافِعِيُّ كَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا وَكَالْعَافِيَةِ لِلْبَدَنِ، هَلْ لِذَيْنِ مِنْ خَلَفٍ أَوْ عَنْهُمَا مِنْ عِوَضٍ؟ كَذَا فِي وَفَيَاتِ الْأَعْيَانِ لِابْنِ خِلِّكَانَ. قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي طَبَقَاتِ الْحُفَّاظِ: رَوَى

стр. 913

الشَّافِعِيُّ عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، وَأَبِي أُسَامَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ سَالِمٍ الْقَدَّاحِ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَالْإِمَامِ مَالِكٍ، وَإِسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ، وَابْنِ أَبِي فُدَيْكٍ، وَخَلْقٍ، وَعَنْهُ ابْنُهُ أَبُو عُثْمَانَ مُحَمَّدٌ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ، وَأَبُو طَاهِرِ بْنُ السَّرْحِ، وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، وَالْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ، وَأَبُو الْوَلِيدِ الْمَكِّيُّ، وَأَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ، وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، وَخَلْقٌ كَثِيرٌ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لَمَّا حَمَلَتْ أُمُّ الشَّافِعِيِّ بِهِ رَأَتْ كَأَنَّ الْمُشْتَرَى خَرَجَ مِنْ فَرْجِهَا حَتَّى انْقَضَّ بِمِصْرَ ثُمَّ وَقَعَ فِي كُلِّ بَلَدٍ مِنْهُ شَظِيَّةٌ، فَتَأَوَّلَهُ أَصْحَابُ الرُّؤْيَا أَنَّهُ يَخْرُجُ عَالِمٌ يَخُصُّ عِلْمُهُ أَهْلَ مِصْرَ ثُمَّ يَنْتَشِرُ فِي سَائِرِ الْبُلْدَانِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَيِّضُ لِلنَّاسِ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ يُعَلِّمُهُمُ السُّنَّةَ، وَيَنْفِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ الْكَذِبَ. فَنَظَرْنَا فَإِذَا فِي رَأْسِ الْمِائَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَفِي رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ الشَّافِعِيُّ ﵁. قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: حَفِظْتُ الْقُرْآنَ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ، وَحَفِظْتُ الْمُوَطَّأَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرٍ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: كَانَ الشَّافِعِيُّ يُفْتِي وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَكَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ إِلَى أَنْ مَاتَ. وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: كَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ إِلَى الشَّافِعِيِّ وَهُوَ شَابٌّ أَنْ يَضَعَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ مَعَانِي الْقُرْآنِ، وَيَجْمَعَ قَبُولَ الْأَخْبَارِ فِيهِ وَحُجَّةَ الْإِجْمَاعِ، وَبَيَانَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، فَوَضَعَ لَهُ كِتَابَ الرِّسَالَةِ. قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: مَا أُصَلِّي صَلَاةً إِلَّا وَأَنَا أَدْعُو لِلشَّافِعِيِّ فِيهَا. وَقَالَ هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ: لَوْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ نَاظَرَ عَلَى هَذَا الْعَمُودِ الَّذِي مِنْ حِجَارَةٍ أَنَّهُ مِنَ الْخَشَبِ لَغَلَبَ لِاقْتِدَارِهِ عَلَى الْمُنَاظَرَةِ. وَكَانَ الْحُمَيْدِيُّ يَقُولُ حَدَّثَنَا سَيِّدُ الْفُقَهَاءِ. تُوُفِّيَ ﵀ وَرَضِيَ عَنْهُ - فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ خِلِّكَانَ: إِنَّهُ تُوُفِّيَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، وَدُفِنَ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِهِ بِالْقَرَافَةِ الصُّغْرَى، وَقَبْرُهُ مَشْهُورٌ يُزَارُ وَيُتَبَرَّكُ بِهِ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ قَاطِبَةً عَلَى ثِقَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَعَدَالَتِهِ، وَزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَنَزَاهَةِ عِرْضِهِ وَعِفَّةِ نَفْسِهِ، وَحُسْنِ سِيرَتِهِ وَعُلُوِّ قَدْرِهِ وَسَخَائِهِ ﵁، وَكَانَ الشَّافِعِيُّ قَدْ قَدِمَ بَغْدَادَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، فَأَقَامَ بِهَا شَهْرًا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى مِصْرَ وَكَانَ وُصُولُهُ إِلَيْهَا سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ، قَالَهُ ابْنُ خِلِّكَانَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ثُمَّ أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ

стр. 914

مِنْ هَذِهِ الْمِلَّةِ مِمَّنْ لَهُ عَمَلٌ وَتَقْوَى أَنْ يُقَلِّدَ وَاحِدًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ عَلَى الْأَصَحِّ الْأَقْوَى، فَقَالَ: [تُقَليِّدَ أحِد الأئمة الْأَرْبَعَةِ] ((مَنْ لَازِمٌ لِكُلِّ أَرْبَابِ الْعَمَلِ ... تَقْلِيدُ حَبْرٍ مِنْهُمُ فَاسْمَعْ تَخَلْ)) ((مَنْ)) أَيِ الَّذِينَ هُمْ فَهُوَ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ فَرْضٌ، ((لَازِمٌ)) لَا انْفِكَاكَ عَنْهُ وَلَا مَنْدُوحَةَ مِنْهُ ((لِكُلِّ)) وَاحِدٍ مُكَلَّفٍ مِنْ ((أَرْبَابِ)) أَصْحَابِ ((الْعَمَلِ)) الصَّالِحِ وَالْكَدِّ النَّاجِحِ، مِمَّنْ لَيْسَ فِيهِ أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ الْمُطْلَقِ ((تَقْلِيدُ حَبْرٍ مِنْهُمْ)) أَيْ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ الْمَعْلُومَةِ مَذَاهِبُهُمْ، الْمَضْبُوطَةِ أَقْوَالُهُمْ، الْمَحْفُوظَةِ رِوَايَاتُهُمْ، الْمُدَوَّنَةِ مَذَاهِبُهُمْ فِي كُلِّ مِصْرٍ وَعَصْرٍ، الْوَاصِلَةِ بِالتَّوَاتُرِ بِشُرُوطِهَا وَأَرْكَانِهَا، وَمَوَانِعِهَا وَإِتْقَانِهَا بِحَيْثُ لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يَنْسِبَ لِمَذْهَبٍ مِنْهَا مَا هُوَ لَيْسَ مِنْهُ، بَلْ آحَادُ طَلَبَةِ الْعِلْمِ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَيَعِيبُهُ، وَيَقُولُ: هَذَا لَيْسَ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ، حَتَّى إِنَّهُمْ يَعْرِفُونَ الْمَشْهُورَ مِنْ أَقْوَالِ الْمَذْهَبِ وَالْمَهْجُورَ، وَإِنْ كَانَ الدَّلِيلُ الْمَأْثُورُ مَعَ الْقَوْلِ الْمَهْجُورِ. وَالْحَبْرُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ - الْعَالِمُ الْمُتْقِنُ، وَكَانَ يُقَالُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: الْحَبْرُ وَالْبَحْرُ لِعِلْمِهِ وَسِعَتِهِ، وَتُسَمَّى سُورَةُ الْمَائِدَةِ سُورَةَ الْأَحْبَارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: ٤٤] ، وَالتَّقْلِيدُ لُغَةً وَضْعُ الشَّيْءِ فِي الْعُنُقِ مُحِيطًا بِهِ وَذَلِكَ الشَّيْءُ يُسَمَّى قِلَادَةً وَجَمْعُهَا قَلَائِدُ، وَعُرْفًا أَخْذُ مَذْهَبِ الْغَيْرِ مَعَ اعْتِقَادِ صِحَّتِهِ وَاتِّبَاعِهِ عَلَيْهِ بِلَا مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ، فَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَإِلَى الْمُفْتِي وَإِلَى الْإِجْمَاعِ، وَرُجُوعُ الْقَاضِي إِلَى الْعُدُولِ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ وَلَوْ سُمِّيَ ذَلِكَ تَقْلِيدًا لَسَاغَ، وَفِي الْمُقْنِعِ الْمَشْهُورِ أَنَّ أَخْذَهُ بِقَوْلِ الْمُفْتِي تَقْلِيدٌ وَهُوَ أَظْهَرُ، وَقَدَّمَهُ النَّجْمُ ابْنُ حَمْدَانَ فِي آدَابِ الْمُفْتِي، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي الْمُسَوَّدَةِ: وَالتَّقْلِيدُ قَبُولُ الْقَوْلِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، فَلَيْسَ الْمَصِيرُ إِلَى الْإِجْمَاعِ تَقْلِيدًا لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ دَلِيلٌ، وَلِذَلِكَ يُقْبَلُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يُقَالُ تَقْلِيدٌ بِخِلَافِ فُتْيَا الْفَقِيهِ، وَذَكَرَ فِي ضِمْنِ مَسْأَلَةِ التَّقْلِيدِ أَنَّ الرُّجُوعَ إِلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ: مَنْ قَلَّدَ الْخَبَرَ رَجَوْتُ أَنْ يَسْلَمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، فَأَطْلَقَ اسْمَ التَّقْلِيدِ عَلَى مَنْ صَارَ إِلَى الْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ حُجَّةً فِي نَفْسِهِ. (تَنْبِيهٌ) إِنَّمَا قَالَ: لِكُلِّ أَرْبَابِ الْعَمَلِ لِيَحْتَرِزَ بِهِ عَنِ التَّقْلِيدِ

стр. 915

فِي عَقَائِدِ التَّوْحِيدِ مِنْ مَعْرِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَنُعُوتِ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَالرِّسَالَةِ، وَكَذَا فِي أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَوَاتَرَ وَاشْتَهَرَ، ذَكَرَهُ عُلَمَاؤُنَا وَنَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ الْكَلْوَذَانِيُّ وَأَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ لِتَسَاوِي النَّاسِ فِيمَا لَا يُسَوَّغُ فِيهِ اجْتِهَادٌ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْبَابِ الْأَوَّلِ مُطَوَّلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْإِمَامُ مُوَفَّقُ الدِّينِ فِي الرَّوْضَةِ: وَأَمَّا التَّقْلِيدُ فِي الْفُرُوعِ فَهُوَ جَائِزٌ إِجْمَاعًا، قَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُ الْقَدَرِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْعَامَّةَ يَلْزَمُهُمُ النَّظَرُ فِي الدَّلِيلِ، وَاسْتَدَلَّ لِجَوَازِ التَّقْلِيدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وَهُوَ عَامٌّ لِتَكَرُّرِهِ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ، وَعِلَّةُ الْأَمْرِ بِالسُّؤَالِ الْجَهْلُ، وَأَيْضًا الْإِجْمَاعُ فَإِنَّ الْعَوَامَّ يُقَلِّدُونَ الْعُلَمَاءَ مِنْ غَيْرِ إِبْدَاءِ مُسْتَنَدٍ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَأَيْضًا عَدَمُ الْقَوْلِ بِذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى خَرَابِ الدُّنْيَا بِتَرْكِ الْمَعَاشِ وَالصَّنَائِعِ، وَلَا يَلْزَمُ مِثْلُهُ فِي التَّوْحِيدِ وَالرِّسَالَةِ لِتَيَسُّرِهِ وَقِلَّتِهِ وَدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ: يَجِبُ عَلَى الْعَوَامِّ تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْأَحْكَامِ، كَمَا يَجِبُ عَلَى الْمُجْتَهِدِينَ الِاجْتِهَادُ فِي أَعْيَانِ الْأَدِلَّةِ، خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيَّةِ فَإِنَّهُمْ وَافَقُوا الْقَدَرِيَّةَ فِي إِيجَابِهِمْ عَلَى الْعَوَامِّ الِاجْتِهَادَ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، وَمِنْ الِاسْتِطَاعَةِ تَرْكُ التَّقْلِيدِ، وَلِأَنَّ الْعَامِّيَّ مُتَمَكِّنٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ وُجُوهِ النَّظَرِ فَوُجُوبُ أَنْ لَا يَجُوزَ لَهُ تَرْكُهَا قِيَاسًا عَلَى الْمُجْتَهِدِ، وَلَنَا أَنَّ الْخَطَأَ مُتَعَيِّنٌ وَبُلُوغُ الصَّوَابِ مُتَعَسِّرٌ بَلْ مُتَعَذِّرٌ فِي حَقِّ الْعَوَامِّ إِذَا انْفَرَدُوا بِمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ، لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَلَا الْمُخَصِّصَ وَلَا الْمُقَيِّدَ وَلَا كَثِيرًا مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ دَلَالَةُ الْأَلْفَاظِ وَلَا يَضْبُطُونَهُ، وَلَا يَسُوغُ لَهُمْ مُخَالَفَتُهُ لِفَرْطِ الْغَرَرِ فِيهِ فَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ. وَقَدْ تَوَسَّطَ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ: شَعَائِرُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةُ لَا تَحْتَاجُ لِنَصْبِ الِاجْتِهَادِ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّقْلِيدِ فِيهَا كَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الْخَفِيَّةُ مِنَ الْمُجْتَهَدِ فِيهِ فَيَتَعَيَّنُ التَّقْلِيدُ فِيهَا بِالضَّرُورَةِ وَلَا نِزَاعَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْحَاصِلِ مُحَالٌ وَلَا سِيَّمَا التَّقْلِيدُ إِنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ، وَهُوَ دُونَ الضَّرُورَةِ بِكَثِيرٍ وَمَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ يَتَعَيَّنُ التَّقْلِيدُ فِيهِ لِحَاجَةِ النَّظَرِ إِلَى آلَاتٍ مَفْقُودَةٍ فِي الْعَامِّيِّ.
следующие страницы →