Полный текст (367 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
مقدمة
...
داخل أبناء المجتمع معنى الانتماء ومفهوم الولاء، أي ينتمى كل فرد لمجتمعه، ويستشعر الولاء له.
إن أداء الواجب ينبع من انتماء الفرد لجماعة صغيرة، ثم انتمائه لجماعة أكبر فأكبر حتى يشمل الوطن كله. بهذا تتقدم الشعوب والدول والأمم. والتنشئة هي المسئولة عن تعليم الطفل وتدريبه على أداء الواجبات، والانتماء شديد الصلة بالولاء، وكلاهما مشبع بالحب، وما أجمل أن يحب الطفل أسرته ومدرسته ومدينته ووطنه ... والبشريةكلها.
ويتم إدماج الأطفال في المجتمع وفق عملية التنشئة الاجتماعية، التي إطارها الأول الوالدان داخل الأسرة، ويأتي بعد ذلك دور العديد من وكالات التنشئة التي تساهم أيضا مع الأسرة في إكساب الأطفال نسق المعايير الأخلاقية التي تنظم العلاقات بين الفرد وأفراد المجتمع، وبذلك يصبح لدى الطفل أدوات فعالة أولية تساعد على الاندماج في الجماعات المتعددة عبر مراحل نموه.
والطفل العربي يقاسم كل أطفال العالم صعوبة التلاؤم أثناء نموه مع عالم اليوم السريع المتطور، إلا أن طابع إعداده يجب أن يجعله أهلا لفهم مدلول القيم التي أورثتها إياه الأجيال السابقة، وصيانه ودعم التقاليد، بحيث يصبح بإمكانه في الغد أن يواصل تبليغ ما ورث إلى الأجيال التالية. ورغم كل ذلك تبقى هذه الأجيال مستعدة للعيش وسط سلاسل من التغيرات الاجتماعية والثقافية.
إن اقتناع جيل ما بأنه مسئول عن الجيل الذي يليه، يعني أن جيلا يزرع أشجارا ستكبر بعد سنوات وتؤتي أكلها بعد حين ليستفيد بها جيل لاحق، وهذا الجيل اللاحق لن يكتفي بجني الثمرات ولكن عليه أن يزرع أشجارا. ومن هنا يكون الجيل المربي حقيقيا هو الذي يبني مستقبل مجتمعة، ويكمل مسيرة جيل سابق له، وفي هذا أخذ وعطاء، والتنشئة تؤكد على الاثنين.
وقديما قال الفيلسوف الإغريقي المعروف "أفلاطون" ما معناه: "هل نسمح للأطفال دون عناية لأن يستمعوا لأي شخص ولأي قصة؟ إنهم سيتلقون أخبارا وأحاديث لها معان هي أبعد ما تكون عما نريد لأطفالنا أن ينشئوا عليه، وكالسموم الخطرة على الجسم، فكذلك هذه المعاني خطرة على عقول الأطفال ... وهذا ضد ما نود أن ينشأ عليه الأطفال وهم في طريقهم إلى أن يصبحوا كبارا".
стр. 2
وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم". فالتنشئة إذا كان محورها الأدب فهي خير ميراث، وحسن الخلق هو خير قرين.
والكتاب الذي بين أيدينا يعالج موضوع تنشئة الطفل، ودور الوالدين في رعايته، وأساليب معاملته وتمكينه من التغلب على بعض المشكلات التي تعترض مسار تلك التنشئة.
ويشتمل الكتاب على ثمانية فصول، جاء الفصل الأول حول مفهوم التنشئة الاجتماعية وتاريخها ونظرياتها ومراحلها وأهدافها وشروطها ... واشتمل الفضل الثاني على دور الثقافة في تنشئة الأطفال ونظم تشكيل الأطفال تبعا للثقافة. أما الفصل الثالث فقد استعرض أهم وكالات التنشئة الاجتماعية، واشتمل الفصل الرابع على نماذج لتنشئة الطفل من بيئات مختلفة في العالم. وفي الفصل الخامس اقترح نموذج للوالدية في ضوء أفكار Belsky وبعض الدراسات السابقة العربية والأجنبية. ودارت الفصول الثلاثة الأخيرة حول تفاعل الوالدين والأبناء، ودور الوالدين في تنشئة الأطفال على المبادئ ومواجهة مشكلات أطفالهم، وهي ترجمة بتصرف للفصول الثاني والثالث والسابع من مؤلف Rincover. وتعد كتابات Denham و Elkin و Maccoby و Shaffer وغيرهم من الباحثين العرب والأجانب من أهم ما اعتمد عليه الكتاب الحالي.
ونأمل أن يجد القارئ الكريم فيما نكتب أفكارا مستساغة ميسرة، ونسأل الله أن يوفقنا إلى تقديم المزيد حول الأطفال وسيكلوجيتهم.
ونتمنى أن يخرج هذا العمل العلمي مواكبا المعرفة العلمية المعاصرة في مجال التنشئة، ونشارك به مع من يسعون إلى تقوية حركة دراسات الطفولة، مما يحقق مزيدا من النهضة والتجديد في تربية النشء العربي في عالمنا المعاصر.
والله نسأل حسن القصد
القاهرة، مصر الجديدة
السبت ٢٦ أغسطس ١٩٩٥ المؤلفان
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾
يعد موضوع تنشئة الطفل من الموضوعات ذات الأهمية في حاضر عالمنا، الذي تعاقبت عليه العديد من الأزمات، تتراكم وتتكدس انعكاساتها الإيجابية والسلبية حقبة بعد أخرى، وتنتج تباينا في أساليب العيش مع التحولات الناجمة، وضياعا لبعض القيم، وصراعا بين الأجيال داخل البناء الاجتماعي الواحد.
إن البناء الاجتماعي يهدف إلى تحقيق التوازن بين التأثيرات الثقافية وأسالب الضغط الاجتماعي لدى الأفراد أعضاء هذا البناء، وإلى إيجاد نوع من التوافق بين حاجات الأفراد ومطالب المجتمع، وإلى إيجاد سلوكيات تحقق رغبات الفرد ويرضى عنها الآخرون.
وتعد تجارب السنوات الأولى من حياة الطفل، التي تهيئ للمراحل الأخرى من نضجه العقلي والنفسي والاجتماعي، مرتبطة وثيق الارتباط بتصورات الآخرين الذين يشكلون المجموعة التي ينتمي إليها، بقيمها وعاداتها، وعلى وجه الخصوص بسلطة الأسرة بداية، التي يتأثر بها تأثرا عميقا.
وقد تظهر الصورة شاحبة هزيلة في بؤسها، ولكنها حقيقة حياة ملايين من الأسر التي ينمو أطفالها وغالبا ما تكون لديهم اتجاهات وعادات وقيم هي غير المطلوبة لمجتمع عليه أن يسابق الزمن متخطيا سني التخلف إلى بدايات ضعيفة للتقدم.
إن إعداد أطفال يتمكنون من العيش سعداء في أوطانهم، وفي عالمهم، لمن أعسر المهام، وأبعثها على النخوة. والأمر لا يتطلب تعليمهم لعدد من القيم الاجتماعية التي تمثل جوهر المجتمع فحسب، بل نساعدهم على اكتساب المرونة لتتلاءم مع المتغيرات الجديدة وليدة التحولات الاجتماعية السريعة. وبذلك يتكون
стр. 4
محتويات الكتاب:
الصفحة الموضوع
الفصل الأول: تنشئة الأطفال اجتماعيا
١٧ أولا: مفهوم التنشئة الاجتماعية
٢٠ ثانيا: لمحة تاريخية عن التنشئة ومعاملة الأطفال
٢٨ ثالثا: نظريات في التنشئة الاجتماعية
٢٩ ١- نظرية التحليل النفسي
٣٠ ٢- نظريات التعلم الاجتماعي المبني على فكرة التدعيم
٣١ ٣- نظرية الدور الاجتماعي
٣٣ رابعا: عمليات تحدث أثناء تنشئة الطفل
٣٦ خامسا: متغيرات خلف العمليات التي تحدث أثناء التنشئة
٣٦ ١- المطاوعة
٣٧ ٢- العدوانية
٣٩ ٣- التقليد والتعليم البديل
٣٩ ٤- الحساسية من المشاهدين والمستمعين
٤٠ ٥- تركيبة الأسرة
٤١ ٦- دافع الإنجاز
٤٢ ٧- بيئة الجنين والطفل
٤٣ سادسا: الأخلاق وعملية التنشئة الاجتماعية
٤٥ سابعا: اللغة وعملية التنشئة الاجتماعية
٤٦ ثامنا: مرحل عملية التنشئة الاجتماعية للأطفال
стр. 5
٤٦ ١- مراحل التنشئة كعملية محدودة لها نهاية
٤٨ ٢- مراحل التنشئة كعملية مستمرة لا نهائية
٥١ تاسعا: حدود التنشئة الاجتماعية
٥٣ ١- أطفال الكيبوتز
٥٤ ٢- استحالة الجتمعة للطفل
٥٥ ٣- محو آثار التنشئة
٥٦ عاشرا: أهداف ومحتوى التنشئة الاجتماعية للأطفال
٥٨ حادي عاشر: شروط تحقق التنشئة الاجتماعية الملائمة
٦٠ ثاني عشر: نتائج التنشئة الاجتماعية على الأطفال
ثالث عاشر: الإخفاق في التنشئة
الفصل الثاني: دور الثقافة في تنشئة الطفل
٦٧ أولا: مدخل
٧٠ ثانيا: نظم تشكيل الأطفال تبعا للثقافة
٧٠ ١- النظم الأولية:
٧١ أ- نظام الرضاعة.
٧١ ب- نظام الفطام
٧١ جـ- نظام الإخراج
٧٢ د- تعديل العادات الجنسية
٧٢ هـ- اللعب والثقافة
٧٥ و التدريب على الاستقلالية
٧٧ ز- التدريب على العدوان
٢- النظم الثانوية:
٧٨ أ- نظام الاقتصاد.
٧٩ ب- نظام السياسة
стр. 6
٨٠ جـ- نظام القضاء والدين.
٨١ د- نظام العائلة
٨٢ هـ- نظام الأخلاق
٨٣ و النظام الفني الجمالي
٨٤ ز- نظام اللغة
٨٤ ح- النظام الديموجرافي والمورفولوجي.
٨٥ ك- التصورات عند الأطفال
الفصل الثالث: وكالات التنشئة الاجتماعية
٩٠ أولا: الأسرة
١٠٥ ثانيا: دار الحضانة
١٠٨ ثالثا: رياض الأطفال
١١٤ رابعا: المدرسة
١٢٧ خامسا: جماعة الرفاق
١٣٥ سادسا: النوادي والساحات الشعبية والجمعيات
١٣٨ سابعا: دور العبادة.
١٤١ ثامن: وسائل الإعلام
١٦٧ تاسعا: الخدم والبشكار والمربيات
الفصل الرابع: نماذج لتنشئة الطفل من بيئات مختلفة
١٧٥ أولا: نمط تنشئة الطفل من قرية مصرية
١٧٨ ثانيا: نمط تنشئة الطفل من قرية مكسيكية
١٨١ ثالثا: التنشئة للأطفال في الولايات المتحد الأمريكية
١٨٣ رابعا: تنشئة الأطفال في روسيا
١٨٨ خامسا: تنشئة الطفل الغجري في الهند
стр. 7
١٩٢ سادسا: نمط التنشئة في قرية كولمبية
١٩٧ سابعا: تنشئة الأطفال عند الفنزويليين الأفارقة
٢٠١ ثامنا: تنشئة الأطفال في قرية فرنسية
الفصل الخامس: نحو نموذج للوالدية في التنشئة
٢١١ أولا: تفاعل الوالدين مع الأبناء من خلال نماذج وبحوث
٢١٧ ثانثا: الأساليب الوالدية في معاملة الأبناء
الفصل السادس: الوالدان كجزء من مشاكل تنشئة الاطفال وأجزاء من الحلول
٢٣١ أولا: إعطاء الطفل الانطلاقة الأولى
٢٣٣ ثانيا: أفضل التوقعات
٢٣٣ ثالثا: المنافسة مع الآباء الآخرين
٢٣٤ رابعا: علاقة الأبناء بأحد الأبوين.
٢٣٥ خامسا: الطفل يشبه أحد الوالدين
٢٣٧ سادسا: الندية بين الأشقاء
٢٣٩ سابعا: المشاركة في المسئوليات بين الوالدين
٢٤٠ ثامنا: تأثير الانفصال بين الوالدين أو الطلاق
٢٤١ تاسعا: جليس الطفل
٢٤٢ عاشرا: تفضيل الوالدين لأحد الأبناء
٢٤٣ حادي عشر: حب الأطفال أكثر من اللازم
الفصل السابع: دور الوالدين في تنشئة الأبناء على المبادئ
٢٤٧ أولا: استدلال الطفل عبر النموذج
٢٤٨ ثانيا: زيادة قدرة الطفل لتوجيهه
٢٤٩ ثالثا: تقسم طريق الوصول إلى الهدف
стр. 8
٢٥١ رابعا: حب الأطفال لاهتمام وانتباه الوالدين
٢٥٣ خامسا: استخدام التغذية الراجعة.
٢٥٤ سادسا: ما يخبرنا به الطفل بخصوص مشكلاته
٢٥٦ سابعا: عقاب الأطفال
٢٦١ ثامنا: الاستمتاع مع الطفل
٢٦٣ تاسعا: الثواب أم الرشوة للأطفال
٢٦٤ عاشرا: إعطاء الطفل حق الاختيار
٢٦٦ حادي عشر: تعلم الصفات الخلقية والقيم
الفصل الثامن: دور الوالدين في مواجهة مشكلات أطفالهم أثناء التنشئة
٢٧٤ أولا: مشكلات الأكل.
٢٨٦ ثانيا: البكاء ونوبات الغضب والانفعال
٢٩٠ ثالثا: عادة مص الأصابع
٢٩٣ رابعا: مشكلات الكلام
٣٠١ خامسا: الخوف
٣٠٦ سادسا: سلوك ضرب الرأس بالحائط وإصابة الطفل لنفسه
٣١١ سابعا: سلوك عدم الطاعة والاعتراض
٣٢٠ ثامنا: التدريب على قضاء الحاجة
٣٢٤ تاسعا: مشاكل النوم
٣٣٢ عاشرا: العدوانية
حادي عشر: السلوك الاجتماعي والعلاقات
٣٤٣ ثاني عشر: النشاط الزائد
٣٤٨ ثالث عشر: الاستحواذ، الإكراه، الطقوس
٣٤٩ رابع عشر: طلب المساعدة
стр. 9
الفصل الأول: تنشئة الأطفال اجتماعيا
أولا: مفهوم التنشئة الاجتماعية
لقد اختفى إلى غير ظهور الوقت الذي كان فيه علماء النفس يشبهون الطفل بكتلة لينة يمكن للوالدين والمربين تشكيلها على النحو الذي يختارونه، وإن كان ينبغي على كل مجتمع أن يصل إلى ثلاثة حلول لقضايا هامة تواجهه بخصوص الأطفال. هي: طرق رعايتهم، وترسيخ القواعد التي تتحكم في كيفية تفاعلهم مع الآخرين، ونقل المهارات والقيم من الكبار إليهم.
وإزاء المطلب الآخير واجهت المجتمعات مصاعب متباينة، معتمدة في ذلك على عملية تعليم وتعلم تقوم على التفاعل الاجتماعي، وتهدف إلى إكساب الأطفال سلوكا ومعايير اتجاهات مناسبة لأدوار اجتماعية معينة، تمكنهم من مسايرة الجماعة والتوافق الاجتماعي، أي تكسبهم الطابع الاجتماعي وتيسر لهم الاندماج في الحياة الاجتماعية، إن الأمر هنا ينطوي على ما يعرف بعملية التنشئة الاجتماعية "The Socialization Process" أو ما تسمى أحيانا بعملية التطبيع الاجتماعي، تلك العملية التي يتعلم من خلالها الفرد كيف يصبح فردا في أسرته وعضوا في مجتمعه، إنها عملية تعلم القصد منها أن يُنمى لدى الطفل الذي يولد ولديه إمكانيات هائلة ومتنوعة سلوك فعل مقبول، ومعتاد وفق معايير الجماعة التي ينتمي إليها.
ويستعرض أبو القاسم الأصفهاني معنى التنشئة لغويا ... نشأ النشء، والنشأة إحداث الشيء وتربيته، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة: ٦٢] ويقال: نشأ فلان، والناشئ يراد به الشاب، والإنشاء هو إيجاد الشيء وترتيبه.
وفي سورة الملك: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَار﴾ [الملك: ٢٣] .
وفي سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون: ١٤] .
وفي سورة العنكبوت: ﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَة﴾ [العنكبوت: ٢٠]
وعموما أي يربى كتربية النشأة، وينشأ أي يتربى.
ويرى Reber أنها العملية التي يصبح بها الفرد واعيا بالقيم والمهارات الاجتماعية، ومكتسبا لحساسية اجتماعية تؤهله إلى كيفية التفاعل مع الجماعة في
стр. 10
مجتمعه. بينما يعرفها Kagan بأنها العملية التي تغرس في الطفل قيما وأنواعا من السلوك المناسب أو الملائم لمجتمعه. ويتناولها Erikson على أنها عملية تحويل الكائن البشري من حالة الطفولة أو الرضاعة، ومن حالة الضعف والأنانية إلى حالة الراشد المثالي الذي يدين بالامتثال المعقول Sensidle Conformity مع وجود سمات الاستقلال والإبداع.
ويرى حامد زهران أن التنشئة الاجتماعية عملية تعلم وتعليم، وتربية تقوم على التفاعل الاجتماعي وتهدف إلى اكتساب الفرد سلوكا ومعايير واتجاهات مناسبة لأدوار اجتماعية تمكنه من مسايرة جماعته والتوافق الاجتماعي معها، وهي عملية التشكيل الاجتماعي لخاصة الشخصية.
ويرى كل من Hetherington and Parke أن التنشئة الاجتماعية عملية يعلم فيها أفراد جدد في المجتمع قواعد وقوانين اللعب الاجتماعي من خلال وكالات للتنشئة تساعد هؤلاء الجدد أن يتبنوا قوانين وقواعد تساعدهم على اللعب بنفس الطريقة المرتضاة في ذلك المجتمع.
والتنشئة الاجتماعية عملية تعلم اجتماعي Social Learning يتعلم فيها الفرد عموما طفلا أو راشدا عن طريق التفاعل الاجتماعي أدواره الاجتماعية Social Roles، ويتمثل ويكتسب المعايير الاجتماعية Social Norms والاتجاهات Attitudes النفسية، ويتعلم كيف يتصرف ويسلك بأسلوب اجتماعي توافق عليه وترتضيه الجماعة والمجتمع.
إن التنشئة الاجتماعية عملية يتم فيها تشكيل السلوك الإنساني بتكوين المعايير والقيم والمهارات والاتجاهات للأفراد كي تتطابق وتنسق مع دورهم الاجتماعي حتى يسلك كل فرد حسب جنسه "ذكر، أنثى" ودوره المتوقع في المجتمع الذي يعيش فيه حاضرا ومستقبلا.
والتنشئة الاجتماعية ليست فقط عملية تعلم اجتماعي بل هي أيضا عملية نمو يتحول خلالها الأفراد من أطفال اعتماديين متمركزين حول ذواتهم إلى كبار ناضجين يدركون إيثار الذات ومعنى المسئولية الاجتماعية Social Responsbiltiy أو التبعية الاجتماعية، يضبطون انفعالاتهم ويتحكمون في إلحاح الحاجات ويشبعونها بما يتفق وقيم المجتمع. وهذا ما يجعل عادل عز الدين يعرف التنشئة الاجتماعية.
стр. 11
بأنها العملية التي يكتسب الأطفال من خلالها الحكم الخلقي والضبط الذاتي اللازم حتى يصبحوا أعضاء راشدين مسئولين في مجتمعهم.
وللتنشئة الاجتماعية خاصية الاستمرارية، فهي لا تقتصر على مرحلة الطفولة فقط بل تستمر في المراحل الأخرى كالمراهقة حتى الشيخوخة، لأن الفرد في كل من هذه المراحل ينتمي إلى جماعات من نوع جديد يبدو فيها بدور جديد ويعدل من سلوكياته ويكتسب أنماطا مستحدثة من السلوك، وهذا ما يدفع Parsons لتقديم معنى التنشئة الاجتماعية على أنها عملية تعتمد على التلقين والمحاكاة والتوحد مع الأنماط العقلية والعاطفية والأخلاقية لدى الطفل والراشد، هادفة إلى إدماج عناصر الثقافة في نسق الشخصية، وتبدأ من الميلاد داخل الأسرة وتستمر باتساع أنساق التفاعل كلما كبر المرء. وتتأثر بجماعات الرفاق ونوع المهنة والتخصص ... وتعبر عن نشاط البناء الاجتماعي بأنساقه "الأسرة، الدين، السياسة، التعليم، المهنة، الاقتصاد" الذي يضغط على الفرد لكي يتوافق مع غيره، ويتعلم كل يوم شيئا جديدا.
وهذا ما يضفي على عملية التنشئة مفهوم الدينامية، لأن الفرد في تفاعله مع غيره من أفراد الجماعة يأخذ ويعطي في ضوء المعايير والأدوار الاجتماعية، ويؤثر ذلك مع عوامل أخرى على نمو الشخصية لكل فرد، ومن هذه العوامل كما هو معروف: الوراثة والغدد والغذاء والنضج والتعلم، بالإضافة إلى متغيرات أخرى مثل: أعمار الوالدين وحجم الأسرة والترتيب الميلادي ... إلخ.
ولعملية التنشئة وظيفة ظاهرة Manifest Function تنحصر في تدريب الطفل على أداء أنماط معينة من السلوك يرضى عنها المجتمع، ويتخذها الشخص دعامة لسلوكه أثناء حياته، كما أن لها وظيفة مستترة أو كامنة Latent Function تهدف إلى توحد الطفل مع مجموعة الأنماط الثقافية للمجتمع تعرف باسم القيم الاجتماعية Social Values التي تتكون منها بنية الشخصية Structure of Personality.
ويختلف الأشخاص في مبلغ قابليتهم للاندماج في حياة الجماعة باختلاف التنشئة التي يتعرضون لها، والتي تحيط بهم أثناء بداياتهم الأولى، مما قد يفسر لنا كيف يبدو بعض الأطفال منشئين اجتماعيين، وبعضهم مقاوم للاجتماعية Anti Socil
стр. 12
وتقل عجلة التنشئة الاجتماعية Acceleration of Socialization "معدل سرعة عملية التنشئة الاجتماعية" كلما نما الطفل ونضج، وأصبح لديه رصيد كاف من الخبرات والمهارات، لأنه يكون ذا نشاط فعال ومؤثر في شبكة العلاقات الاجتماعية التي تميز جماعته عن الجماعات الأخرى.
إن علاقة الطفل بعالمه الخارجي تأخذ شكل أفعال وردود أفعال أو استجابات اجتماعية واضحة وخالية من التناقضات. فالتصرف الذي كوفئ عليه الطفل في الأمس لا يجب أن يعاقب عليه اليوم، لأن إغفال هذه القاعدة يزرع عنده فقدان الثقة في تصرفاته وسلوكه، ولتجنب ذلك لا بد للمحيطين به من مراعاة التفاعل الثابت المتسق عند التعامل معه.
стр. 13
ثانيا: لمحة تاريخية عن التنشئة ومعاملة الأطفال
وربما كان من المفيد استعراض لمحة تاريخية حول التنشئة ومعاملة الأطفال:
كانت التنشئة قبل الإسلام تتبع أساليب الشدة والقسوة في تربية الأطفال ومعاملتهم، فقد كان الجلد منتشرا والعقاب القاسي شائعا.
فقد وجدت قبل ظهور الإسلام ثلاثة أنماط من التنشئة تتنازع على السيادة في الشرق خاصة، هي: التنشئة الفارسية، والتنشئة الإغريقية، والتنشئة المسيحية. وكان لكل نمط طابع خاص يميزه.
وقد اتسع الإسلام لأدب الفرس، وفلسفة اليونان، وأنظمة الروم، ورهبنة المسيحية، حتى إنه ليصح القول بأن التنشئة الإسلامية برزت على ما عداها، وأصبحت ذات خصائص واضحة المعالم بارزة القسمات.
стр. 14
وأساس التنشئة الإسلامية هو القرآن الكريم، الذي يحفظه الصغار فيهذب أخلاقهم، ويصفي نفوسهم، ويتعودون من خلاله على مكارم الأخلاق ... وتبدأ التنشئة الإسلامية عن طريق المحاكاة والتلقين، ذلك أن الطفل ينشأ فيرى أبويه يقرأان القرآن الكريم بالإضافة للشعائر الأخرى، فتنطبع في ذهنه هذه الصورة، ويترسم خطاها بالتقليد أو بالتوجيه والدفع.
ولقد ضرب النبي ﷺ المثل الأعلى في توضيح أساليب التنشئة الوالدية، فهو مثلا يطالب بالرفق بالأطفال، وعلاج أخطائهم بروح الشفقة والرأفة والعطف والرحمة، ومعرفة البواعث التي أدت إلى هفواتهم والعمل على تداركها وإفهام الأطفال نتيجتها.
ولم يقر ﷺ الشدة والعنف في معاملة الأطفال، واعتبر الغلظة والجفاء في معاملة الأولاد نوعا من فقد الرحمة من القلب، وهدد المتصف بها بأنها عرضة لعدم حصوله على رحمة الله حيث قال ﵇ للأقرع بن حابس حينما أخبر أنه لا يقبل أولاده: "من لا يَرحم لا يُرحم".
ولقد دعا نبي الرحمة ﷺ إلى تأديب الأطفال، وغرس الأخلاق الكريمة في نفوسهم وتعويدهم حسن السمات والتحلي بالصدق والأمانة واحترام الكبير فقال ﷺ : "ليس من أمتى من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه".
وأخرج ابن ماجة عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم".
وعن أيوب بن موسى عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: "ما نحل والد والدا من نحل أفضل من أدب حسن" فلا ينبغي الإكثار من لوم الطفل لتأديبه أو تأنيبه وتوبيخه لزلاته، لأن الإكثار من التأنيب يميت قلب الطفل، ولهذا فالحكمة أفضل عند تأديب الطفل.
وقبل ٥٠٥هـ نادى الغزالي بتكوين العادات الحسنة في الأطفال منذ الصغر، بتعويدهم التبكير في النوم والتبكير في الاستيقاظ والتشجيع على المشي والحركة وعدم البصق في المجالس أو التثاؤب بحضرة الغير، وتجنب الحلف بالله صادقا أو كاذبا، وأن يطيعوا الأبوين والمعلمين.
стр. 15
قال الإمام الغزالي: "اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأموال وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه، فإن عود الخير وعلمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له".
وقرابة عام ٧٥٥هـ قدمت وجهة نظر ابن خلدون في أن القرآن الكريم هو أصل التعليم وأساس التنشئة. ويقول ابن خلدون: "إن الغاية من ذلك الوصول بالوليد إلى رسوخ العقائد الإيمانية في نفسه، وغرس أصول الأخلاق الكريمة عن طريق الدين، الذي جاء مهذبا للنفوس ومقوما للأخلاق باعثا على الخير".
ويقول ابن خلدون: "اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهل الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي يبني عليه غيره من العلوم. ولكل مصر وجهة في تعليمه للولدان، فأهل المغرب يقتصرون على تعليم القرآن فقط، ويأخذون في أثناء المدارسة بالرسم ومسائلة، واختلاف حملة القرآن فيه، لا يخلطون ذلك بسواه، لا بحديث، ولا فقه، ولا شعر ... وأهل الأندلس جعلوه أصلا في التعليم فلا يقتصرون لذلك عليه فقط بل يخلطون في تعليمهم للولدان رواية الشعر في الغالب والترسل وأخذهم بقوانين العربية وحفظها وتجويد الخط والكتاب، ولا تختص عنايتهم في التعليم بالقرآن دون هذه بل عنايتهم فيه بالخط أكثر من جميعها إلى أن يخرج الولد من عمر البلوغ إلى عمر الشبيبة ... أما أهل إفريقيا فيخلطون في تعليمهم للولدان للقرآن بالحديث في الغالب، ومدارسة قوانين العلوم وتلقين بعض مسائلها، إلا أن عنايتهم بالقرآن واستظهار الولدان إياه، ووقوفهم على اختلاف رواياته وقراءاته أكثر مما سواه".
ويؤكد ابن خلدون على الرحمة بالأطفال والرأفة بهم والإشفاق عليهم، والعمل على تهذيبهم باللين واللطف، لا بالشدة والعنف، لأن مجاوزة الحد مضرة
стр. 16
ومفسدة للأخلاق. فإذا أخذ الطفل بالقسوة والشدة ضاعت نفسه وذهبت ريحه، ويحمله هذا على الكذب والخبث والنفاق.
لقد ذاع صيت الفكر الإسلامي في تنشئة الأطفال، واهتم الآباء والمربون بأساليب إسلامية في التنشئة. إلا أن هناك أفكارا جاء بها رواد من الغرب آخرون نبعت أفكارهم وآراؤهم من تجارب على عينات Samples مهما كانت محدودة، ولم تأت أساليب المعاملة التي ينشدونها من جذور للدين كما لاحظنا في التراث الإسلامي.
ففي الفترة ما بين ١٩١٠-١٩٣٠م نظر السلوكيون Behaviorism وفي مقدمتهم Watson إلى أن الطفل كشيء قابل للتشكيل عن طريق الإشراط والاقتران، ولم يعيروا الاهتمام لحاجات الطفل وشعوره إلا القليل، أو حتى للفروق الجينية والاستعدادات والخصائص المزاجية. وركز السلوكيون في هذه الفترة على العوامل البيئية ودروها في إكساب الأطفال ما نريد، وأن نكبح من السلوك ما نريد أي نوقف غير المرغوب من السلوك وذلك عن طريق التعزيز والإثابة أو العقاب على السلوك الاجتماعي. ومن هنا نكسب الأطفال العادات الحسنة ونبطل العادات السيئة.
ومهمة الوالدين في نظر watson البعد عن تدليل الأطفال بأسلوب صارخ أو حتى واضح، وعليهم معاملة الأطفال على أنهم بالغون نسبيا، مع اتباع أسلوب موضوعي لا تتجاوز فيه العاطفة حدودها كالإسراف في تقبيله أو حضنه، ويوصي الوالدين بالبعد عن استخدام الحنان الظاهر لأنه أسلوب لا جدوى منه. ويشير إلى أن حب الأم عائق شديد وآلة حادة يمكن أن تجرح جروحا عميقة لا تلتئم، ويجعل مرحلة الطفولة غير سعيدة والمراهقة مثل الكابوس، كما أن الحب الشديد من جانب الأم يدمر حياة الطفل الزوجية السعيدة فيما بعد بل وتنعكس آثاره السلبية على حياته المهنية مستقبلا. ووصل تأثير watson إلى الكتب الحكومية في الولايات المتحدة، حتى إن كتب العناية بالطفل صارت إلى أنه لا يسمح للطفل بمص أصابعه، وإذا حدث ذلك فالأمر يستوجب ربط ذراع الطفل بالسرير أو إلباسه قفازا أو دهان أصابعه بسائل كريه، بالإضافة إلى عقاب الأطفال إذا تسببوا في اتساخ أنفسهم، كما نصح الآباء بترك أطفالهم يبكون خوفا من تعزيز سلوكيات غير مقبولة عن طريق تهدئتهم.
стр. 17
وفيما بين عام ١٩٣٠-١٩٦٠م أخذت التنشئة اتجاها آخر مبنيا على التسامح مع نصح الوالدين بمراعاة مشاعر الأطفال وتعرف قدراتهم وإمكاناتهم، ويرجع ذلك التحول إلى آراء مدرسة التحليل النفسي وعلى رأسها Freued، الذي ركز على دور العاطفة وأثر الحرمان العاطفي المبكر على بذور المشكلات النفسية. وقد تأثر بهذا الاتجاه أيضا Gesel ذلك العالم الذي اهتم أيضا بالنضج ودوره مع الاستعداد في عملية التنشئة، ويرى أنه حينما يصل الأطفال إلى سن معينة ويبدون استعدادهم وتقبلهم حينئذ يكون التدريب ممكنا، مثال ذلك التدريب على عملية الإخراج التي تتطلب من الأطفال التحكم والضبط اللذان يساعدانهم على أدائها دون ممارسة ضغوط أو قلق من قبل الآباء.
ومع اقتراب الأربعينيات ١٩٤٠م ظهر الاتجاه الأكثر تسامحا ومرونة على يد أصحاب النزعة الإنسانية Humanistic أمثال Rogers و Maslow وغيرهما مثل Dewey ذلك الرجل التربوي المتألق. لقد بدا المبدأ الآن قائما على فكرة أن الأطفال يولدون ومعهم دافع فطري للتعلم والسعي من أحل تحقيق ذواتهم، وكي يحققوا ذلك لا بد من وجود بيئة مناسبة يشعرون فيها بالحرية ويكون التعامل معهم مبنيا على التفاهم.
وفي الستينيات من هذا القرن ظهرت أفكار Spoke التي لم تشجع على التسامح والتدليل الكامل في تربية الأطفال، وتركز على الدفء والحنان في علاقة الوالدين بالطفل متبنيا فكرة أن الطفل يستجيب لتوجيهات الآباء المحبين الودودين على نحو أسرع وأيسر من الآباء الذين يغلب على أسلوبهم القسوة، فنحن في حاجة إلى آباء مصدر سلطة أكثر من كونهم متسلطينن ومنذ ذلك الوقت استمر التأكيد على دور الدفء في معاملة الأطفال أثناء عملية التنشئة الاجتماعية، والبعد عن التسامح والتهاون أو التشدد كل التشدد. إن الواجب على الآباء في ضوء تلك الأفكار أن يسمعوا وجهة نظر الطفل إذا كان بمقدوره التعبير عنها، وأن يوضحوا قيودهم ونظامهم وألا يستخدموا قوتهم في ضبط الأطفال من خلال العقاب والعنف.
والبحوث الحديثة حول تفاعلات الأطفال الصغار ترتبط بأعمال Bawiby , Spitz التي أثنى عليها Anna Freud , Malanie Klein ويعتمد هذا التيار
стр. 18
الفكري على الرأي القائل بضرورة وجود ارتباط وثيق وحميم دائم بين الأم والطفل، وإن كل شكل من أشكال الانفصال أو الفقدان مضر بالطفل.
وهناك تصور أحدث للارتباط العاطفي على طرف نقيض من وجهة Bowiby إذ هو يوجه التحليل نحو تأثيرات هذا الارتباط بين الأم والطفل، ليس على الطفل فقط بل على ما له من انعكاسات على الأم. إن الطفل ومن يعتنى به مرتبطان بنظام تفاعلات ثري ومعقد، يشترك فيه الطرفان اجتماعيا منذ لحظة الولادة.
ففي السبعينات استطاع Stern, Klaus وغيرهم أن يفصلوا النصيب العائد إلى الرضيع في إقامة هذا الارتباط أو هذه العلاقة والمحافظة عليها وأن يتأملوا الطريقة التي يسلط بها على من يعامله أو من يعتني به بطرق متفاوتة.
ولذا ... فإننا نهتم أكثر بما يجعل الطفل عامل تكوين وتعديل أو على أقصى حد عامل تعكير لسلوك الشخص الذي يعنى به. وهناك ميل إلى أن نرى سلوك الرضيع باعثا لسلوك الأم وإلى اعتبار أشكال التفاعل منظمة مسبقا بينهما، وأن بالإمكان اكتسابها.
وينظر إلى بعض العناصر كما لو كان لها تأثير على تحريك عناية الكبير بالطفل أو استدرارها مثل جنس الطفل وقوامه وحيويته.
ومن أدق التحاليل وأشملها عن تفاعل الأم والرضيع ما أشار إليه Barzelton عن أن التفاعل خلال الأشهر الأولى يكون في هيئة دورات اتصال أو فترات اتصال يثور أثناءها انتباه الطفل، ويبلغ ذروته، ثم يتناقص إلى أن يدخل في مرحلة أهدأ. وينطبق على تفاعل الأم نفس هذا الشكل الذي تتزامن معه إذا كانت الأجواء تجري على خير ما يرام. ويعتبر هذا النسق الذي لا دخل للأم والرضيع فيه أساس الرابطة العاطفية. ومحور التفاعل أساسه المحافظة على ضبط بيولوجي للطفل لا يكون فيه هذا الطفل محل حماية زائدة ولا إهمال تام.
وقد لوحظ من جانب الأم ضروب مختلفة من السلوك، مثل تعمدها المبالغة في تحفيز الطفل في مرحلة انخفاض التفاعل.
وعندما يكون انتباه الطفل في مرحلة الذروة، فيمكن للأم استشارة المرحلة أو المحافظة عليها بواسطة الصوت واللمس، وإن كان للنظر هنا مرتبة الصدارة.
стр. 19
إن Stern يرى أن النظر أكثر أنشطة الأم متابعة قبل الرضيع لارتباطه بنظر الولد الذي هو دون ذلك من حيث الاستقرار. وفي اللحظات التي تتأمل فيها العيون بعضها بعضا يحدث التثبيت أو المحافظات على الرابطة العاطفية بين الاثنين. وهي عملية ذات تأثير مزدوج متبادل، يتحتم مع تكرارها على الطرفين أن يتلازما ويرتبطا اجتماعيا ووجدانيا.
إن عجز الرضع العميان عن إصدار بعض علامات تظهر لدى الرضع المبصرين، يمثل عائقا يحول دون إقامة ترابط وجداني بين الأم والطفل.
والأدوات التي تستخدمها الأم مع وليدها للحفاظ على التأثير المتبادل هي: النظر والاتصال البدني والصوت وملاطفات الأم. وغالبا ما تجيب على ما يبديه الطفل من استعداد للتفاعل بواسطة الصوت. وهذه التفاعلات خلال العام الأول للميلاد ليست مهمة لإقامة الرابطة العاطفية وتثبيتها، وإنما هي مهمة في نمو الطفل اللغوي والإدراكي المعرفي والاجتماعي، وكل ذلك هام للغاية أثناء عملية التنشئة.
وإذا كانت التنشئة الاجتماعية تشير إلى العملية التي يكتسب الأفراد بواسطتها المعرفة والمهارات والإمكانات التي تجعلهم أعضاء فعالين في مجتمعهم، فمن الواضح أن خبرة التطبيع الاجتماعي للفرد في الطفولة لا تعده لكل الأدوار التي يتوقع منه أن يمارسها في حياته المستقبلة في المجتمع.
إن الأمر هنا يتطلب منا أن نوضح علاقة الشخصية بالمجتمع التي تبدو في اتجاهين أساسيين:
الاتجاه الأول: يهتم بكيفية تكيف الشخص للمجتمع، وكيف يتمكن من أن يبدع، وكيف يغير في النظام الاجتماعي الذي ولد فيه بالتدريج، وذلك مع غيره من الأشخاص الذين يحولون على نفس النحو:
الاتجاه الثاني: يهتم بكيفية بناء المجتمع للشخص بعدما يولد فيه، وكيف يحوله من كائن بيولوجي إلى إنسان له فعاليات اجتماعية مناسبة.
إن التنشئة الاجتماعية تنطوي تحت الاتجاه الثاني، أي إنها تدور حول كيفية تغيير المجتمع للإنسان المولود وليس كيفية تغير الإنسان لمجتمعه.
стр. 20
والفرد عموما يعد وبدرجات متفاوتة من النجاح، ليلبي سلوكه مطالب بيئته وأعضاء مجتمعه في مجالات ومناسبات مختلفة، وهذه المطالب دائما ما تكون مرتبطة بواحد من المراكز الاجتماعية أو الأدوار الاجتماعية كالابن والتلميذ والزوج والموظف و ... إلخ. إن السلوكيات المطلوبة من الفرد الذي في مركز أو دور معين تسمى مواصفات الدور Prescribed Role ومواصفات الدور هي في الأساس جهود من قبل أفراد المجتمع أو مؤسساته لينظموا سلوك الأفراد الآخرين حتى تتحقق صور متوقعة أو منتظرة.
وعلى أي حال يكتسب الفرد حضارة جماعته خلال عملية التنشئة الاجتماعية والتي يمكن تقسيمها إلى قسمين:
١- فهم المراكز أو الأدوار الاجتماعية: يكتسب الفرد فهما للمراكز أو الأدوار المعترف بها تقليديا في مجتمعه وأسمائها.
٢- تعلم مواصفات وفعاليات الدور: يتعلم الفرد مواصفات الدور وسلوك الدور وما يصاحب كل دور من شعور وأحاسيس.
ومن خلال القسمين السابقين تصبح وظيفة التنشئة هي تحويل الفرد الخام "الإنسان الخام" في المجتمع إلى عضو عامل فعال وجيد، ومحتوى عملية التنشئة هي فهم كيان الأدوار ومواصفات كل دور وسلوكياته المصاحبة.
وما يجب ألا يخفى على الأذهان أن النظرة التي تعتبر التنشئة الاجتماعية عملية يأتي بواسطتها للمجتمع أفراد مناسبون لا تنكر أن مطالب المجتمع، أحيانا تبدو غير واقعية أو هي بالفعل غير منطقية أو غير ممكنة وربما تحد إذا لم تجعل مستحيلا تحقيق الرغبات الشخصية لكثير من أعضاء المجتمع وربما تسببت واحدة من متطلبات المجتمع في انحلال أو تطرف. وكما أن فكرة كون الطفل صفحة بيضاء يجب إعادة النظر في قبولها فليس هناك ما يبرر بوضوح أن تجارب الطفولة تنعكس بشكل آلي في مظاهر إيجابية أو مظاهر سلبية عند مرحلة الرشد والشيخوخة.
ولقد ظهر الاهتمام بفكرة اكتساب الأدوار من قبل الأطفال في بحوث Michalson, Sewell, Maccoby وغيرها.
стр. 21
وفي ندوة الطفل والتنشئة تحت رعاية الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية جاءت أهمية التنشئة الاجتماعية في مرحلة الطفولة لأسباب منها:
١- التنشئة الاجتماعية تعكس القابلية إلى تعديل السلوك وتشكيله
٢- أن التنشئة الاجتماعية تنطوي على العمليات الأساسية اللازمة لاستمرارية الحضارة وتراكم حصيلة المعرفة الاجتماعية من جيل إلى آخر.
٣- أن التنشئة الاجتماعية تبني المهارات والخبرات اللازمة للعيش في جماعة حضارية بحيث يكون هناك فرصة للنجاح وسط تلك الجماعة.
٤- أن التنشئة الاجتماعية يجمع على أهميتها في الطفولة الآباء والمربون ورجال الدين والمشرعون وعلماء النفس والاجتماع.
стр. 22
ثالثا: نظريات في التنشئة الاجتماعية
مدخل
...
ثالثا: نظريات في التنشئة الاجتماعية:
يرى Field وجود نموذجين يمكن استخلاصهما من التنظيرات المتعددة في مجال التنشئة الاجتماعية.
النموذج الأول: وفيه يتم تصوير عملية التنشئة الاجتماعية على أنها جهاز استدخال Internalization لمعايير وقيم المجتمع أو الحضارة، بحيث تتحول هذه القيم والتقاليد والمعايير إلى جزء من البناء النفسي للفرد، وهكذا يذوب الفرد في البناء الاجتماعي، ويبدو مذعنا أو مستسلما passive فهو عبارة عن إناء خال يتم تعبئته بما تستدخله عليه حضارته التي يعيش فيها، وهنا يبدو الفرد غير قادر على إدراك أو تفسير الفوضى Disorder أو التفاوت الموجود في المجتمع ولا ينقاد إلى التوقعات المعيارية بسبب رغبته الكامنة في الحصول على رضى وحب الآخرين من المحيطين.
النموذج الثاني: وفيه يتم تصوير عملية التنشئة الاجتماعية ليس كجهاز قهري بل طوعي الانقياد Conformity، ويبدو الفرد هنا فعالا مشغولا ببناء الواقع المحيط في ضوء نموه بدءا باكتساب اللغة والانتماء الطوعي للمفاهيم المشتركة. وهنا أيضا يبدو الفرد غير قادر على إدراك أو تفسير التفاوت في البيئة المحيطة وإن كان ينقاد من أجل الحصول على الشعور بالانتماء والرغبة في الحصول على حب المحيطين ورضاهم.
стр. 23
ويبدو من النموذجين السابقين عدم القدرة على تفسير احتمالية تخلي أو جنوح الفرد عن الطريق الذي تحدده المعايير الاجتماعية. إن قضية تفسير التفاوت بين الحفاظ على تقاليد وقيم ومعايير المجتمع دون دمار وبين الخطر المهدد بالعودة إلى شريعة الغاب لم ينجح أي من النموذجين السابقين في حلها. ولا يعني ذلك أننا سوف نصل إلى حل لهذا الصراع ولا يعني أننا نتصور حضارة مجتمعية يصبح فيها الأفراد نسخا مكررة، وربما كان من المفيد استعراض النظريات التي تفسر عملية التنشئة الاجتماعية.
стр. 24
١- نظرية التحليل النفسي:
يستعرض Watson, lindgren نظرية التحليل النفسي والفرويديون الجدد The Neo -Freudians لتفسير التنشئة، وتفترض نظرية التحليل النفسي جهازا داخل الفرد يتكون من ثلاث منظمات عرفت بالهو Id، والأنا Ego والأنا الأعلى Supper Ego ويمثل الهو مصدر الغرائز ومحتواه اللاشعوري ويسعى دائما لتحقيق مبدأ اللذة. وحينما يتصل الهو بالمجتمع المحيط أو البيئة المحيطة تبدأ عملية تكوين الأنا وتظهر فعالية الأنا عندما يتعلم الفرد كيف يتمكن من تحقيق رغبات الهو في نطاق الظروف التي يفرضها المجتمع والبيئة بعاداته وتقاليده. إلا أن الأنا لا يستطيع كبح كل الحفزات الغريزية الخطرة التي تتنافى مع هذه القيم وتلك التقاليد، وبالتالي تأتي أوامر الوالدين والكبار ورقابتهم على تصرفات الطفل وسلوكياته، ويصبح للأب مثلا أوامر ونواه كما له تشجيع ورضى، ومن ثم تشتق الأنا الأعلى، ومع مرور الوقت مع تعليمات وتوجيهات هؤلاء الكبار تصبح الأنا الأعلى بمثابة المراقب للسلوك الذي يوجه للأنا الأوامر ويهددها كما كان يفعل الكبار، ومن هنا تتكون معايير السلوك التي يتمثلها الطفل وتصبح جزءا من بنائه النفسي ويطلق على الآنا الأعلى مصطلح "الضمير".
وترى نظرية التحليل النفسي أن التنشئة عملية قائمة على التفاعل، يكتسب فيها الطفل معايير السلوك.
وتضفي مدرسة التحليل النفسي على الأم أهمية في ذلك الأمر خلال تفاعلها مع طفلها في مواقف التغذية والتدريب على الإخراج. وإن كانت الصيغة الفرويدية Freudiean تركز على دور الأم والأب وتعلن عن توحد Identification الطفل خلال مراحل نفسجنسية psychosexual مع أحد الوالدين، ومن ثم يستدمج Involvement خصائص الوالد المتوحد معه، وهنا تكتمل تنشئته بنمو الأنا الأعلى.
ويلاحظ عدم إمكانية التحقق من افتراضات فرويد في نظريته للتحليل النفسي، وإن كان من إيجابياته التأكيد على علاقة الطفل بوالديه ودورهما في عملية التنشئة.
стр. 25
٢- نظريات التعلم الاجتماعي المبني على فكرة التدعيم:
وتنطوي هذه النظريات على ثلاثة توجهات:
التوجه الأول: ويظهر من خلال ما قدمه Miller and Dollard وكذا Sears and Mecoby ويتبنى هؤلاء فكرة [المثير "المنبه"-الاستجابة] عند تفسير عملية التنشئة الاجتماعية، ويهتمون بالدوافع والجزاءات كشروط لحدوث التعلم، فالطفل يحصل على انتباه والديه أو اهتمامهما عندما يقوم بأفعال أو تصرفات أو أعمال يفضلها الوالدان أو أحدهما أو ربما يقومان بها. ومع تكرار إتيان الطفل هذه التصرفات تصبح جزءا منه فما بعد.
التوجه الثاني: ويظهر من خلال رأي Skinner الذي يفسر السلوك الاجتماعي في ضوء قوانين التدعيم، وأسلوب الثواب وأسلوب العقاب. فالطفل ينمي شخصية محددة نتيجة أنماط مستقلة للثواب والعقاب يطبقها أو يتبعها الوالدان معه، بحيث يميل الطفل إلى تكرار السلوك الذي حصل على الإثابة Rewarded ولا يكرر السلوك غير المثاب Nonrewaded وبالتالي يتعلم الطفل الاستجابات المرتبطة بإثابات، أو تنشط الرابطة بين منبه محدد ومدعم محدد أو تضعف أو تنطفئ الرابطة بين منبه محدد ومدعم محدد.
التوجه الثالث: ويظهر من خلال ما قدمه و Ban, Walter, , Park dura ويتبنى هؤلاء فكرة تقليد النموذج Model باعتباره نمط استجابة متعلما للسلوك الاجتماعي، ومن ثم التنشئة الاجتماعية، فالأطفال يقلدون ويحاكون الأب والأم أو الوالد من نفس الجنس وذلك عندما يجدون دعما ذاتيا كلما اقتربوا من النموذج. وربما كان النموذج من بين ما تقدمه وسيلة الإعلام عموما وبخاصة المرئي.
وعلى الرغم من أن التنشئة الاجتماعية هي عملية تعديل وتغيير في سلوك الفرد وبالتالي فهي عملية تعلم، إلا أن هذا التعلم قد يكون مباشرا من خلال التدريب عليه أو غير مباشر من خلال تقليد المحيطين. وقد يتعلم الطفل أنماطا سلوكية لم يعلمها له الراشدون وربما نهوه عنها، لأن الطفل يعمل ما يشاهده ويراه من تصرفات وسلوك وأغلب ما يحاط بالأطفال يمكن اعتباره نماذج.
ويبدو على ما تبناه علماء نظريات التعلم السابق ذكرهم تحيزهم لدور البيئة المحيطة.
стр. 26
٣- نظرية الدور الاجتماعي:
وتتخذ هذه النظرية مفهومي المكانة الاجتماعية Social status والدور الاجتماعي Social Role، فالفرد يجب أن يعرف الأدوار الاجتماعية للآخرين ولنفسه، حتى يعرف كيف يسلك وماذا يتوقع من غيره وما مشاعر هذا الغير. إن المقصود بالمكانة الاجتماعية وضع الفرد في بناء اجتماعي يتحدد اجتماعيا وترتبط به التزامات وواجبات تقابلها حقوق وامتيازات، مع ارتباط كل مكانة بنمط في السلوك المتوقع وهو الدور الاجتماعي الذي يتضمن إلى جانب السلوك المتوقع ومعرفته، مشاعر وقيما تحددها الثقافة.
ويكتسب الطفل أدوارا اجتماعية عن طريق التفاعل الاجتماعي مع الآباء والراشدين الذين لهم مكانة في نفسه فلا بد من قدر من الارتباط العاطفي أو رابطة التعلق Attachment. وتعتبر الذات المفهوم الثالث في نظرية الدور. ذلك لأنه إذا كان للطفل أن يتفاعل بنجاح مع غيره في مجتمعه فعليه أن يعرف ما هو السلوك المتوقع منه والمصاحب للمكانات الاجتماعية المختلفة [المدارس ... الخادم ... ] وهنا لا بد أن يعرف الطفل ويتعلم كيف يسلك وفقا للتوقعات. وأن يكون قادرا على أن يحدد لنفسه ويعرف عن طريق اللغة ومراجعة النفس، ما إذا كان سلوكه سليما أم لا، ولا يتحقق ذلك كله إلا عندما يرى الطفل نفسه على أنه موضوع ذلك لأن نظرته إلى ذاته على اعتبارها موضوعا يمكنه من مراجعة سلوكه وتوجيهه كلما أمكن إلى الأفضل "من وجهة نظره بالطبع" وأيضا الحكم على هذا السلوك.
ويتم اكتساب الدور عن طريق واحد أو أكثر مما يأتي:
أ- التعليم المباشر: فيقوم الوالدان أو أحدهما بتعليم طفلهما ضرورة مناسبة سلوكه لسنه أو عمره أو جنسه ذكر أم أنثى، فيعلم الطفل الولد أن يكون متسما بالحزم والقوة ويرتدي الملابس التي لا تشبه بالإناس، وكذلك يتم تعلم البنت، وأيضا تحدد الأسرة للطفل في سن محددة أدوارا معينة مثل الحفاظ على أخته أو عدم الدخول قبل الاستئذان أو ...
ب- النموذج: يتخذ الطفل من المحيطين به نماذج تحتذى وقدوة، بالإضافة إلى فهمه لأدوارهم وكيفية تفاعلهم مع بعضهم البعض: الطبيب والمريض، المدرس والتلميذ، الأب والابن، وكذا ما تعكسه هذه النماذج من اتجاهات نحو أصحاب المكانات المختلفة.
стр. 27
ونعود من جديد الآن لنكرر بعد عرض هذه النظريات، أن كلا منها ليس كافيا لتفسير عملية التنشئة الاجتماعية، وأن التكامل بين هذه النظريات في تفسير تلك العملية، أهم وأجدى، مع عدم إهمال دور العوامل الثقافية والاجتماعية في تفسير تلك العملية وبخاصة أننا نعلم أن التنشئة ميكانيزم لنقل دعائم الثقافة. وهذا ما دعا "سويف" إلى أن يرى كل طفل إنساني يدخل مجتمعه وهو موضع اهتمام سابق على قدومه إلى الحياة. فإن هذا الاهتمام السابق على وجود الطفل له دوره في تحديد إجراءات التنشئة التي سوف يتلقاها مع مراعاة أن المتلقي كائن بشري يحمل في طياته عددا من المحددات الجبلية الولادية التي تضع قيودا على حرية فعل البيئة الاجتماعية، وأنه يحمل في أعماقه تاريخ خبراته الذاتية التي تشكل إرجاع استجاباته لأنماط التربية والمتغيرات والظروف الثقافية الاجتماعية المحيطة به. وهذا ما يجعلنا أمام شخصيات تختلف فيما بينها رغم اتفاق مطالب البيئة الثقافية والاجتماعية.
стр. 28
رابعا: عمليات تحدث أثناء تنشئة الطفل:
مما سبق يتضح أن التنشئة الاجتماعية تشير إلى العملية التي ينمو من خلالها الفرد ليكون كائنا اجتماعيا أو يكتسب الحساسية للمنبهات الاجتماعية ويتعلم السير في إطارها، ويسلك مثل الآخرين في جماعته أو ثقافته. إنها عملية كينونة اجتماعية.
إن تفسير ذلك الأمر يعتمد على عدد شبه محدود من العمليات الأساسية التي يمكن بلورتها على النحو التالي:
الاستدخال Internalization Externalization الاستخراج
الاتكالية Dependene Attacment التعلق "بوسيط"
التقليد Imitation Identification التوحد "مع مثال"
لعب الأدوار Role playin Self concept تكوين مفهوم الذات
وكل عملية من العمليات السابقة تنطوي على شكل من أشكال التعلم الاجتماعي، ومن هذه الأشكال التعلم بالاقتران Associative Learning الذي
стр. 29
يتحول فيه إرضاء الوسيط "مثل الأم أو الأب أو الأخر الأكبر أو المدرسة ... " من دافع محدد إلى دافع أولى. مثال ذلك حينما يتعلم الطفل السلوك الحسن إرضاء لوالديه، لأن إرضاء الوالدين ارتبط في السابق بإشباع حاجات أولية عنده.
وفي الاتكالية التعلق بوسيط فإن التعلم يتصل بالسيطرة على مجالات متعددة من الاستجابات للطفل مثلا عن طريق مثيرات يوفرها أشخاص "اعتماد على الغير أو اتكالية" أو عن طريق شخص معين "وسط مثل الأم".
وفي عملية التقليد التوحد مع مثال ينطوي الأمر على تعلم لدى الطفل مثلا عند مطابقة استجاباته مع الإرشادات أو التعليمات التي تظهر استجابات شخص آخر "النموذج أو المثال". أما التوحد مع مثال فيكون التعلم فيه عندما تتولد في الطفل الرغبة في اكتساب الخصائص السلوكية بحيث يظهر في النهاية تشابه بين سلوك الطفل وسلوك المثال.
أما في لعب الأدوار تكوين مفهوم الذات، فإن مجالات التعلم الاجتماعي متسعة إلا أن الأدوار الاجتماعية بمثابة قوالب سلوكية جاهزة مكونة من اتجاهات وقيم وبناءات معرفية تتصل بالوظيفة موضوع الدور والقمة التي تتوج تمثيل كل دور من الأدوار التي مارسها الفرد ورأى فيها نفسه تعطي له مفهومه عن ذاته.
ومن هذا المنظور فإن أخذ الأدوار Role Taking متصل بشدة بتكوين مفهوم الذات ويعتقد البعض أن عمليتي التقليد التوحد مع مثال والاتكالية التعلق بوسيط هما عمليتان متتابعتان كما أن هناك اعتقادا في أن لعب الأدوار هو في حقيقة الأمر مطابق للتوحد مع مثال [مثلما نرى في لعب دور الأب وهو في الحقيقة توحد مع الأب] وسوف نعرض لمراحل عملية التنشئة فيما بعد.
وتبقى عملية الاستدخال كعملية أساسية في التنشئة حيث تنعكس ترجمة التعلم إلى مقدرة على التحكم في السلوك ذاتيا. وهنا يبدو المراقب الداخلي الذاتي المتمثل في الضمير مغنيا عن وجود رقباء أو شرطة للأخلاق إذا جاز التعبير وهذا ما يجعل عملية الاستدخال عند انتظامها داخل الفرد مؤشرا حقيقيا لانتظام عملية التنشئة التي لا يجب أن نغفل دور عدد من المؤثرات المتنوعة عليها.
стр. 30
خامسا: متغيرات خلف العمليات التي تحدث أثناء التنشئة
المطاوعة
...
خامسا: متغيرات خلف العمليات التي تحدث أثناء التنشئة:
هناك متغيرات تكمن خلف العمليات التي تحدث أثناء التنشئة منها:
١- المطاوعة Complince:
إن هناك ظروفا يطيع فيها الأطفال غيرهم بخصوص اقتراحاتهم أو أوامرهم، والميل للمطاوعة يبدأ بصورة مشتتة إلى حد ما ولكنه يثبت مع نضج الطفل، فمن غير الممكن التنبوء بما إذا كان طفل الرابعة أو الخامسة من العمر سيطيع أو لا يطيع في مدرسته من خلال معرفتنا بأسلوب والديه بشأن طرق إثبابته أو عقابه. ولكن يمكن التنبوء على أساس هذه المعلومات بخصوص أطفال أكبر عمرا ومع التقدم في العمر لدى الأطفال يتزايد ثبات سلوك الطاعة، فأطفال دار الحصانة يبدون متسقين إلى حد ما في طاعة الكبار في المنزل أو الروضة أو الحضانة، وإن كانوا ليسوا كذلك مع الأنداد، حتى يصل الأطفال إلى سبع أو ثماني سنوات فيبرز الاتساق في المطاوعة مع الأنداد والكبار.
وطفل الروضة المطاوع مع أنداده ينحو أيضا بصفة عامة إلى أن يعتمد عليهم للمعونة الجسمية والدعم العاطفي، وبالرغم من ذلك يكون عدوانيا أو غير ودي معهم، والطفل المطاوع مع البالغين لا يبدو عدوانيا بنفس القدر.
وعموما فإن الأطفال الصغار ترتبط مطاوعتهم باعتماديتهم أو عدم تمكنهم من الاستقلالية عن الأنداد، بينما لا نجد هذه العلاقة أو الارتباط بين المطاوعة والاستقلالية عن الكبار.
وتعتبر المكافآت أكثر فعالية من العقوبات في إظهار المطاوعة ويبدو أن المطاوعة الاجتماعية Social Compliance كأحد خيوط عملية التنشئة الاجتماعية تستلزم تعلما طويل المدى. فالأطفال يميلون إلى المطاوعة نتيجة لأنواع المكافآت وأنواع العقوبات التى يستخدمها معهم الآباء. وربما لنماذج السلوك التي يقدمها هؤلاء الآباء أو أي أشخاص آخرين مهمين بالنسبة للطفل.
وإن كانت هناك إمكانية لعدم استبعاد فكرة رجوع الميل إلى المطاوعة إلى جذور وراثية، فإن التفسير في ضوء منطلقات فرويديه قد تعتبر مقبولة. إن نمو الميل إلى المطاوعة المتسق من الروضة إلى المدرسة يحدث عندما يستدمج الطفل قيم واحد من الوالدين في طريقه للتوحد مع الوالد الآخر من الجنس المضاد "بما يؤدي إلى حل عقدة أو أديب أو إلكترا". وربما يرى آخرون إلى القدر الأكبر من الاتساق في ضغوط الوالدين على الأطفال الأكبر سنا، مدعين أن سلوكهم الأكثر اتساقا إنما يعكس فقط هذا الضغط المكثف بالمنزل، بالإضافة إلى الضغط المتزايد في المواقف العامة للأطفال الأكبر باتجاه قيامهم بأدوار تتطلب السيطرة المتسقة حينما يكون في وضع قيادي أو المطاوعة المتسقة عندما يكون في وضع التابع.
стр. 31
٢- العدوانية Aggression:
من المعروف أن شكلا من أشكال الإحباط Frustration يسبق صدور العدوان أو صدور السلوك العدواني، وإن كانت الإحباطات لا تؤدي دائما إلى العدوان، لأن سلوكا آخر مثل المطاوعة قد يتصارع معها أو يتعارض مع التعبير عن العدوانية. لقد سبق أن ذكرنا أن الصغار الأكثر مطاوعة يكونون نسبيا أقل عدوانية.
ويستعرض Lambert أن الفرض القائل أن الإحباط يؤدي إلى عدوان لا يعالج عددا من الصور العدوانية. فمثلا عندما يشعر بعض الأطفال بالإحباط فإنهم قد يعبرون عن العدوان بصورة أسرع مما يفعل البعض الآخر: فهل يعود هذا فقط إلى الإحباطات التي سبق تعرضهم لها أم إلى التعزيزات التي كانت بمثابة مكافأة وحبذت على العدوان؟ كما أن بعض الأطفال عدائيون بدون إثارة لهم.
وللعدوان متنفسات متعددة، وغالبا ما يتعرض للإزاحة، كما يحدث عندما يركل الولد الحائط أو اللعبة أو القطة لأنه لا يستطيع أن يركل والديه. وقد تخف درجة العدوان مثلما يحدث عندما نرد على الهجوم بالسخرية أو بكظم الغيظ أو إضمار الرغبة في العدوان. وقد يسقط العدوان. كما يحدث عندما يرى الإنسان العدواني الآخرين فقط كمعتدين، ولا يرى نفسه كذلك، أو عندما يصف الآخرين بالعدوانية كي يبرر عملا عدوانيا ارتكبه.
ولقد انتهت الدراسات التي أجراها Sears وزملاؤه إلى أن الأطفال ذوي العدوانية الواضحة يكونون غالبا من أسر يغلب عليها التسامح بشأن القواعد الحاكمة للعدوانية والشدة في العقوبات. والأطفال الأقل عدوانية هم من أسر
стр. 32
يغلب عليها الصرامة بشأن القواعد الحاكمة مع التهاون في العقوبات. ويبدو أن القواعد المتسامحة تسهم في رفع معدل العدوانية لدى الأطفال أكثر مما تسهم به العقوبات الصارمة أو الشديدة.
وحينما نتتبع نفس الأطفال حتى مرحلة الطفولة المتأخرة، فإن التسامح الزائد من قبل الآباء لا يزال يؤدي إلى عدوانية شديدة مضادة للمجتمع، والأطفال المعرضون لعقاب شديد واقعيا ينحون الآن إلى أن يكونوا من بين الأقل عدوانية تجاه المجتمع.
إن المشكلة التي يواجهها الأطفال حينما تكون لديهم نزعات عدوانية بينما يخشون في الوقت نفسه مغبة القيام بها ينتج عنها حالة تسمى دفع الصراع وحينما يصل أطفال السادسة إلى عمر الثانية عشرة وكانوا قد تعرضوا لعقاب شديد، فإنه يفترض أن استمرار العقاب قد خفض الصراع، مما أدى بالأطفال إلى التخلي عن العدوان نتيجة الكشف الشديد للغاية الذي أصبح مرتبطا به.
وأوضح Sears وزملاؤه أن الأطفال الإناث عموما أقل عدوانية من الاطفال الذكور، كما أن الإناث يعانين من قلق أكثر من جراء سلوكهن العدواني. كما أن الأطفال الأكبر سنا يقللون من عدوانيتهم في حضور البالغين، كما يتعلمون التخفيف من الشجارات عند الاقتراب من منازلهم، وتنفيس الغيظ في غير أفراد الأسرة بدلا من تنفيسه في أشقائهم.
وعموما فإن أغلب الدراسات تجمع على أن الميل إلى العدوان يرتبط ارتباطا موجبا ببعض عوامل التطبع مثل: نبذ الوالدين أو اتجاه إثارة الألم النفسي Atti tude of Rising Psychological pain.
وشدة حمايتهما Parental Overprotection وكذلك هناك ارتباط بين العدوانية وقوة الأمهات في تعويد أطفالهن عادات التخلص من الفضلات.
وعلى أي حال فإن نتائج البحوث غير متسقة بشأن صلة الإحباط أثناء عملية التطبيع وقوة الميل إلى العدوان لدى الأطفال وربما عاد ذلك إلى أن أصحاب هذه البحوث لم يحددوا الفترة العمرية أو مرحلة النمو التي يصبح فبها الإحباط مولدا للعدوان، وإن كان من المهم الإشارة إلى أن الإحباط لا يؤدي إلى العدوان في كثير من الحالات إلا إذا كان العدوان قد وجد تدعيما من قبل الوالدين أو غيرهم. كما أن الاهتمام بدراسة هذه العلاقة من خلال جهود الوالدين فقط فيه من التحيز لأن من المعلوم عدم انفرادهم بعملية التنشئة.
стр. 33
٣- التقليد والتعلم البديل:
تعتبر عادات التقليد لدى الأطفال بمثابة محطات على الطريق إلى الإمكانات الواسعة للتعلم البديل عن طريق الملاحظة. فحين مراقبة طفل لطفل آخر يتلقى تعليمات فإنه يتعلم بمجرد ملاحظته، وربما وصل تعلم الطفل الذي يقوم بالمراقبة إلى مستوى يعادل الطفل المراقب أو حتى يفوقه، حتى عند عدم توافر تغذية راجعة للطفل الذي يقوم بالمراقبة، ولدرجة تصل إلى أنه في حالة غياب النموذج يكون الطفل الذي يقوم بالمراقبة قادرا على الإتيان بالأفعال التي تعلمها.
إن أغلب الأطفال يمرون بمراحل يقتبسون فيها نشاطات المحيطين بهم بطريقة استسلامية، ويبدءون فيما بعد بتقليد أفعال واتجاهات هؤلاء المحيطين، إن الأطفال يتعلمون من الملاحظة أكثر مما يتعلمون من المواقف التي رتبت خصيصا لنقل معلومات وتعليمات شفهية لهم.
وتتيح فرصة توافر بعض الشروط تعلما أفضل وربما تعديلا لسلوك سابق لدى الطفل الذي يقوم بالمراقبة. ومن هذه الظروف كون النموذج المحتذى له قيمة بالنسبة للطفل القائم بالملاحظة، وحينما يكون النموذج صديقا وأحيانا عدوا "في حالات الغيرة" وعندما تكون إشارات واستجابات النموذج واضحة. ولقد اهتم Bandura بالظروف والشروط التي يشكل الأطفال تحتها سلوكهم طبقا لنماذج سلوك غيرهم بحيث يحل السلوك الجديد كسلوك بديل يتعلمه الطفل.
стр. 34
٤- الحساسية من المشاهدين والمستمعين "الجمهور ":
ويطلق أحيانا على ذلك قلق التواجد أمام آخرين كمستمعين Aduience Anxiety، وقد اهتم العلماء بكيفية نمو الحساسية تجاه المستمعين لدى الطفل سواء كان يتجنبهم أو يسعى إليهم. ولوحظ أنه حينما كان الوالدان يكثران من مكافأة الطفل ويقللان من عقابه ويشجعان سلوكه الاجتماعي، لا ينشأ لدى الطفل سوى القليل من الخوف من الجمهور أو الشعور بالحرج عند التعبير عن النفس أمام الناس، وينشأ لدى الطفل مستوى مرتفع من الخوف من الجمهور عندما تكثر تقييمات الوالدين غير الراضية وتعقيباتهم السالبة على تصرفاته، بالإضافة إلى كثرة العقاب عند عام امتثاله لتوجيهاتهم، ولا يجب أن ننسى ظهور عدم الخوف نسبيا من الجمهور مع انفتاح والدي الطفل وانبساطيتهم.
ولقد ظهر أن الأطفال أصحاب الميل القليل لحب الظهور والشعور الزائد بالإحساس بالنفس يقل زمن حديثهم بالمقارنة بالأطفال أصحاب الميل لحب الظهور وعديمي الإحساس بالنفس. وعموما فالأطفال الذين يخشون الجمهور أو الأطفال الذي ينجذبون إليه أكثر وقوعا في أخطاء الكلام.
стр. 35
٥- تركيبة الأسرة Family structure:
إن لهذا الجانب العديد من الدراسات مثل دراسات Marjorbanks ودراسات "يسرية صادق" في البيئة العربية.
وتشير نتائج البحوث إلى أن وضع الفرد الولادي يرتبط باختياره البقاء وحيدا أو في صحبة الآخرين عندما يواجه موقفا مفزع، وأغلب متقدمي المولد أو وحيدي الأسر يختارون البقاء مع الآخرين في المواقف المفزعة، بينما يفضل أغلب متأخري المولد مواجهة ما يقلقهم وهم وحدهم. والمواليد الأوائل يبدو خوفهم أكثر وكذا قلقهم ومغامرتهم مقارنة بمتأخري المواليد. وإن كانت السيطرة تقترن بأوائل المواليد.
وتشير الدراسات إلى أنه كلما زاد فرق العمر بين الوالدين قل ذكاء الأطفال وقلت غيرتهم، وكلما زاد حجم الأسرة قل ذكاء الأطفال وارتفعت غيرتهم في الوقت الذي يرتفع فيه الذكاء كلما زاد الفاصل الزمني بين الإخوة.
ومع زيادة فارق العمر بين الوالدين يقل الابتكار، وكذلك مع زيادة حجم الأسرة. كما أنه بكبر عمر الوالد يقل الخوف لدى الطفل وتزيد الغيرة.
إن الاعتمادية تنشأ عند الطفل الأول إلى حد كبير من جراء عدم خبرة الوالدين وقلقهم الزائد حول أمور بسيطة أو تافهة، كما أن الطفل الأول يعطي عناية أكثر مما يتلقاه الأطفال اللاحقون، وغالبا ما يكون أكثر تلقيا للرضاعة.
إن الأطفال متقدمي المولد ينحون إلى طلب المساعدة والتقرب والتلامس الجسدي وحب اعتراف البالغين بهم أكثر من متأخري المولد.
وهناك أمور تحتاج لمزيد من التحقق مثل ما ظهر من أن الأطفال الأكثر تأخرا في المولد أصبحوا مدمنين للمخدرات بدرجة أكبر من أوائل المواليد. كما أن الأطفال الأوائل يحاولون الحصول على مطالبهم بطرق لا تغضب الآخرين، بينما يكون الأطفال اللاحقون أكثر عناد بصرف النظر عن العواقب.
وحسب المعلومات المتوافرة، فإن الأولاد الذين ينشئون مع أخت أصغر ثم يتزوجون فتاة نشأة مع أخ أكبر تكون حالات الطلاق بينهم أقل مقارنة بالأولاد الذين يتزوجون فتاة كانت الأخت الكبرى بدون إخوة على الإطلاق.
стр. 36
٦- دافع الإنجاز Achievement Motivation:
يرى كل من Lindgren, Watson أن من المهم جدا لحدوث عملية التنشئة لدى الأطفال الذين هم بمثابة متعلمين، أن تسد توجيهاتنا إليهم بعض حاجاتهم النفسية، مثل الحاجة إلى الحب والحاجة إلى التقدير والحاجة إلى الإنجاز والتي عرفت بدافع الإنجاز ... وغيرها.
ويعد دافع الإنجاز من أهم الدوافع التي نالت اهتمام الباحثين، ومن رواده Atkinson, Mcclelland الذي انطوى تعريف زكريا الشربيني له على أنه حرص الطفل على تحقيق الأشياء الصعبة، والتحكم في الأفكار وحسن تناولها وتنظيمها والقيام بعمل المطلوب منها على نحو جيد وسريع، وباستقلالية قدر الإمكان مع بلوغ معايير الامتياز والتفوق على النفس والآخرين.
ودافع الإنجاز يبدو في فترة مبكرة من حياة الأطفال وتكون بالغة التطور بحلول الثامنة أو العاشرة.
والدافع إلى الإنجاز يظهر بصورة أكثر تكرارا وقوة في الأسر التي تشجع الأطفال على الاستقلال في سن مبكرة. فنجد من مثل هؤلاء الأطفال ترتيبا لأسرتهم في عمر مبكر. وربطا لأحذيتهم في عمر مبكر، ومحاولات لإصلاح ألعابهم وتجهيزهم وجباتهم أو المشاركة في هذا التجهيز قبل غيرهم من الأطفال الذين نشئوا في أسر تشجع على الاعتمادية.
إن الأطفال ذوي الدافع إلى الإنجاز نجد أن آباءهم في الغالب يحددون لهم أهدافا عالية، كما أن ردود أفعالهم تجاه الأطفال أكثر إيجابية مما يفعل آباء وأمهات الأطفال ذوي الدافع المنخفض.
وما يلفت الانتباه أن أمهات الأولاد ذوي الدافع العالي للإنجاز أكثر سيطرة من أمهات الأولاد ذوي الدافع المنخفض، بينما آباء ذوي الدافع المرتفع أقل سيطرة من آباء ذوي الدافع المنخفض.
стр. 37
٧- بيئة الجنين والطفل Environment:
كما هو معروف فإن البيئة تعنى جميع المثيرات التي تحيط بالكائن والتي يتفاعل معها منذ بدء خلقه جنينا حتى رحيله.
ويبدأ اتصال الفرد ببيئته منذ أن يصبح جنينا في رحم الأم، فهو يتأثر بأغلب ما تتأثر به الأم من أمور حسية وانفعالية وكيميائية وغذائية.
فالجنين يحدث ردود أفعال للأصوات العالية المفاجئة فيصبح أكثر نشاطا في الرحم، وإذا كانت الأم أكثر تعرضا للاضطرابات الانفعالية يأتي أطفالها حديثو المولد أكثر ميلا للبكاء وللاضطرابات المعوية، بعكس الأمهات اللاتي كانت حالتهن أثناء الحمل يعم عليها الاستقرار النفسي، يأتي أطفالهن حديثو الولادة أكثر ميلا للهدوء والنمو السريع. كما أن كثرة العقاقير أثناء فترة الحمل وتدخين السجائر أو المخدرات تؤثر على صحة الجنين وربما أتت بأطفال مشوهين، ويضيف Shaffer , وربما أدى الأمر إلى ولادات قبل الموعد المتوقع.
وحينما يولد الطفل بين أبوين بينهما صفة الاستقرار والتعاطف والحنان يكون أكثر اتزانا من الناحية النفسية وأكثر بعدا عن المشكلات السلوكية الحادة.
كما أن البيئة الجغرافية تلعب دورا مهما في نواحي الشخصية التي تنعكس آثارها على تنشئة الطفل، فقد فسر ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أهمية البيئة الجغرافية في تحديد الخصائص العامة للإنسان من حيث حجم الجسم واللون والطباع ونوع النشاط والأخلاق، كما أكد Mcclelland وزكريا الشربيني على أثر العوامل المناخية ودرجات الحرارة في دافع الإنجاز الذي سبق التحدث عنه.
стр. 38
سادسا: الأخلاق وعملية التنشئة الاجتماعية:
الأخلاق Morality ليست ما يقرره المجتمع حتى ولو كان خطأ فحسب، بل إن الإخلاق ما يعتبره الفرد عدلا Justic وشفقة Kindness وإيثار Alturism وغير ذلك، إنه مفهوم دينامي، يتغير من جيل إلى جيل ومن مجتمع إلى مجتمع، وينمو ويتطور أو يتعدل فيتحسن أو يسوء.
وللأخلاق مفهومان أحدهما يعني الامتثال Conformity لمعايير المجتمع وعاداته وتقاليده، والآخر يعني اتباع الغايات والأهداف الصحيحة.
والمفهوم الأول يجعل الأفراد يتمثلون السلوك الجماعي وتقاليد الجماعة، والمفهوم الثاني يجعل الأفراد يمارسون الكرم والولاء والأمانة بصرف النظر عن عادات المجتمع لأنها خيرة في ذاتها.
والأخلاق بمعنى الامتثال لمعايير المجتمع وأنماط سلوكه تختلف من مجتمع إلى آخر، فما هو خير في بيئة أو مجتمع ربما يبدو شرا في بيئة أخرى أو مجتمع آخر.
ويعنى اصطلاح الخلق، السلوك الخلقي Moral Behaviour أيضا وقصد بهما درجة التنظيم الخلقي الفعال لكل قوى الفرد، والاستعداد المستمر الذي يقمع البواعث تبعا لمبدأ تنظيمي محدد، أو تكامل العادات والاتجاهات والعواطف والمثل العليا بصورة تميل إلى الاستقرار والثبات.
والنمو الخلقي للطفل يسير من مجرد رغبة في تحقيق اللذة والسعادة إلى التقيد بالمبادئ الخلقية والاجتماعية السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه الطفل.
وبتقدم عمر الطفل تتحول القوى الرادعة من كونها صادرة من خارجه عبر الآباء والأمهات والمعلمين ... إلى قوى ذاتية داخلية هي ضمير الطفل تكونت من امتصاص قيم الآباء وأصبحت هي معايير ذلك الصغير نفسه.
والسلوك الذي يقوم به الفرد خوفا من عقاب المجتمع ليس خلقيا بالمعنى النفسي، ويصبح خلقيا عندما يصدر عن شعور الفرد بالواجب أو العطف أو الشفقة أو الرحمة أو الحب أو الشرف أو البر أو الإحسان والتقوى.
стр. 39
وتصنف الأنماط الخلقية للأفراد إلى:
نمط نفعي Expedient Type وذلك حينما يسلك الفرد فقط بطريقة لتحقيق أغراضه الذاتية.
نمط امتثالي Conforming Type وذلك حينما يسلك الفرد ما يسلكه غيره، أو ما يقولون إنه ما ينبغي أن يعمل.
نمط عقلي أو نمط الضمير الحي Rational od conscientious Type وذلك حينما يسلك الفرد تبعا لمعاييره الخاصة التي تنقسم إلى:
- نمط إيثار Altuistic وهو أعلى مستويات الأخلاق وصاحبه له قواعد خلقية ثابتة ومستقرة.
نمط عقلاني واقعي Realistic يتبع صاحبه حرفية القانون الخلقي، ولا يضطر إلى التفسيرات أو التأويلات لما يفعل لأنه يحترم القاعدة الخلقية المحددة.
نمط نسبي Relativist يأخذ في الحسبان النوايا والدوافع والإصرار والتعمد والنتائج العملية لعمله.
ويوجه Perry الأذهان إلى أهمية الأخلاق في التنشئة الاجتماعية للفرد، بلى ويعتبرها أساسا لرقي الحضارة والإنسانية عموما، وبخاصة في عصر تضطرب فيه الحقائق وتتناقض أحيانا مع القيم الخلقية والمثل الإنسانية. إن التطور المادي أسرع وأكثر تنوعا من النمو الفكري والخلقي، وهناك تسارع بين العقل وماديته والعاطفة وأخلاقياتها.
إن الخلق مهم جدا للأطفال لأنه سوف يضعهم ضمن نظام الاستعدادات أو الصفات التي تمكنهم من التصرف بصورة ثابتة حيال الأعراف والمواقف الأخلاقية.
ويرتبط النمو الاجتماعي للفرد بالنمو الخلقي، كما يرتبط بالنمو الديني في كثير من الأمور، وهذه الارتباطات تتفاوت في قوتها حسب مدى الاستجابات لمستويات الخير والشر المغروسة في أعماق الأطفال والكبار وبأثر رجعي يعود لمراحل التنشئة الأولى.
ويعتمد إدراك الفرد للآخرين وتقديره لهم ومودته إياهم وأمانته ليس فقط على ما ائتمن عليه بل وولائه لمن ينتمى إليه، ومدى عطفه على جماعته ومجتمعه وإيمانه بمبادئه وفهمه لنفسه أو مفهومه لذاته.
стр. 40
سابعا: اللغة وعملية التنشئة الاجتماعية:
لا تستطيع عملية التنشئة الاجتماعية أن تحقق هدفها دون اللغة. فالكلمات رموز أو علامات تشير إلى أشياء في مواقف معينة وتحمل معاني الأشياء في تلك المواقف، وعن طريق هذه الرموز يستطيع الفرد أن يستجيب للأشياء حتى في حالة عدم وجودها في مجاله الحسي المباشر، وعن طريق اللغة يتمكن الفرد من تحديد سلوكه سلفا بالنسبة للمواقف المستقبلية، وهذا هو أساس عملية التفكير. فاللغة سلوك لفظي يرتبط بمواقف واقعية يواجهها الطفل في حياته اليومية ويسلك نحوها سلوكا معينا، ويمكن باستخدام اللغة نقل ما تحمله الألفاظ من معاني من موقف إلى آخر، أي يمكن تعميمها وتعميم سلوك الطفل نحو المواقف المتشابهة.
فاكتساب الطفل لكلمة واستدعاؤها قد يقوم مقام الأم في توجيه أو ضبط سلوكه، أي إنه باكتسابه للكلمة يسلك سلوكا يتمشى مع اتجاه الأم أو النموذج. وهذا يساعد على نمو ما يسمى بالقدرة على الضبط الذاتي Self Control.
وعندما يقوم الطفل بأدوار الآخرين كما سبق أن ذكرنا وبالتعبير عن اتجاهاتهم بأسلوبه يستخدم اللغة، ومن ثم تكون ذات الطفل.
والكبار يكون في استطاعتهم باستخدام اللغة أن ينقلوا إلى الطفل معاني المواقف المختلفة التي يواجهها في حياته وكذا عند توجيهه ذلك لأن الكبار يستطيعون باستخدام ألفاظ لها دلالات أو معان خاصة من خبرات سابقة أن يكونوا عند الطفل اتجاهات سلوكية معينة بالنسبة للمواقف التي لم يخبرها الطفل.
وباختصار فإن اللغة تهيئ الفرد للقيام بدوره الاجتماعي خير قيام بفهمه بداية للمعايير المشتركة التي تمثل القدر المشترك الذي يبني عليه التفاعل والتأثير والتأثر وبفهمه للأدوار الاجتماعية، فضلا عن أنها أداة الفرد للتعبير عن مشاعره وحاجاته. وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن اللغة أداة تصبغ الفرد بالصبغة الاجتماعية القائمة على تبادل الحوار وفهمه، وإقامة علاقات اجتماعية تتسم بالعمق.
следующие страницы →