← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8354

تنشئة الطفل وسبل الوالدين في معاملته ومواجهة مشكلاته

زكريا الشربينى

Полный текст (367 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٦- دافع الإنجاز Achievement Motivation: يرى كل من Lindgren, Watson أن من المهم جدا لحدوث عملية التنشئة لدى الأطفال الذين هم بمثابة متعلمين، أن تسد توجيهاتنا إليهم بعض حاجاتهم النفسية، مثل الحاجة إلى الحب والحاجة إلى التقدير والحاجة إلى الإنجاز والتي عرفت بدافع الإنجاز ... وغيرها. ويعد دافع الإنجاز من أهم الدوافع التي نالت اهتمام الباحثين، ومن رواده Atkinson, Mcclelland الذي انطوى تعريف زكريا الشربيني له على أنه حرص الطفل على تحقيق الأشياء الصعبة، والتحكم في الأفكار وحسن تناولها وتنظيمها والقيام بعمل المطلوب منها على نحو جيد وسريع، وباستقلالية قدر الإمكان مع بلوغ معايير الامتياز والتفوق على النفس والآخرين. ودافع الإنجاز يبدو في فترة مبكرة من حياة الأطفال وتكون بالغة التطور بحلول الثامنة أو العاشرة. والدافع إلى الإنجاز يظهر بصورة أكثر تكرارا وقوة في الأسر التي تشجع الأطفال على الاستقلال في سن مبكرة. فنجد من مثل هؤلاء الأطفال ترتيبا لأسرتهم في عمر مبكر. وربطا لأحذيتهم في عمر مبكر، ومحاولات لإصلاح ألعابهم وتجهيزهم وجباتهم أو المشاركة في هذا التجهيز قبل غيرهم من الأطفال الذين نشئوا في أسر تشجع على الاعتمادية. إن الأطفال ذوي الدافع إلى الإنجاز نجد أن آباءهم في الغالب يحددون لهم أهدافا عالية، كما أن ردود أفعالهم تجاه الأطفال أكثر إيجابية مما يفعل آباء وأمهات الأطفال ذوي الدافع المنخفض. وما يلفت الانتباه أن أمهات الأولاد ذوي الدافع العالي للإنجاز أكثر سيطرة من أمهات الأولاد ذوي الدافع المنخفض، بينما آباء ذوي الدافع المرتفع أقل سيطرة من آباء ذوي الدافع المنخفض.

стр. 37

٧- بيئة الجنين والطفل Environment: كما هو معروف فإن البيئة تعنى جميع المثيرات التي تحيط بالكائن والتي يتفاعل معها منذ بدء خلقه جنينا حتى رحيله. ويبدأ اتصال الفرد ببيئته منذ أن يصبح جنينا في رحم الأم، فهو يتأثر بأغلب ما تتأثر به الأم من أمور حسية وانفعالية وكيميائية وغذائية. فالجنين يحدث ردود أفعال للأصوات العالية المفاجئة فيصبح أكثر نشاطا في الرحم، وإذا كانت الأم أكثر تعرضا للاضطرابات الانفعالية يأتي أطفالها حديثو المولد أكثر ميلا للبكاء وللاضطرابات المعوية، بعكس الأمهات اللاتي كانت حالتهن أثناء الحمل يعم عليها الاستقرار النفسي، يأتي أطفالهن حديثو الولادة أكثر ميلا للهدوء والنمو السريع. كما أن كثرة العقاقير أثناء فترة الحمل وتدخين السجائر أو المخدرات تؤثر على صحة الجنين وربما أتت بأطفال مشوهين، ويضيف Shaffer , وربما أدى الأمر إلى ولادات قبل الموعد المتوقع. وحينما يولد الطفل بين أبوين بينهما صفة الاستقرار والتعاطف والحنان يكون أكثر اتزانا من الناحية النفسية وأكثر بعدا عن المشكلات السلوكية الحادة. كما أن البيئة الجغرافية تلعب دورا مهما في نواحي الشخصية التي تنعكس آثارها على تنشئة الطفل، فقد فسر ابن خلدون في مقدمته الشهيرة أهمية البيئة الجغرافية في تحديد الخصائص العامة للإنسان من حيث حجم الجسم واللون والطباع ونوع النشاط والأخلاق، كما أكد Mcclelland وزكريا الشربيني على أثر العوامل المناخية ودرجات الحرارة في دافع الإنجاز الذي سبق التحدث عنه.

стр. 38

سادسا: الأخلاق وعملية التنشئة الاجتماعية: الأخلاق Morality ليست ما يقرره المجتمع حتى ولو كان خطأ فحسب، بل إن الإخلاق ما يعتبره الفرد عدلا Justic وشفقة Kindness وإيثار Alturism وغير ذلك، إنه مفهوم دينامي، يتغير من جيل إلى جيل ومن مجتمع إلى مجتمع، وينمو ويتطور أو يتعدل فيتحسن أو يسوء. وللأخلاق مفهومان أحدهما يعني الامتثال Conformity لمعايير المجتمع وعاداته وتقاليده، والآخر يعني اتباع الغايات والأهداف الصحيحة. والمفهوم الأول يجعل الأفراد يتمثلون السلوك الجماعي وتقاليد الجماعة، والمفهوم الثاني يجعل الأفراد يمارسون الكرم والولاء والأمانة بصرف النظر عن عادات المجتمع لأنها خيرة في ذاتها. والأخلاق بمعنى الامتثال لمعايير المجتمع وأنماط سلوكه تختلف من مجتمع إلى آخر، فما هو خير في بيئة أو مجتمع ربما يبدو شرا في بيئة أخرى أو مجتمع آخر. ويعنى اصطلاح الخلق، السلوك الخلقي Moral Behaviour أيضا وقصد بهما درجة التنظيم الخلقي الفعال لكل قوى الفرد، والاستعداد المستمر الذي يقمع البواعث تبعا لمبدأ تنظيمي محدد، أو تكامل العادات والاتجاهات والعواطف والمثل العليا بصورة تميل إلى الاستقرار والثبات. والنمو الخلقي للطفل يسير من مجرد رغبة في تحقيق اللذة والسعادة إلى التقيد بالمبادئ الخلقية والاجتماعية السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه الطفل. وبتقدم عمر الطفل تتحول القوى الرادعة من كونها صادرة من خارجه عبر الآباء والأمهات والمعلمين ... إلى قوى ذاتية داخلية هي ضمير الطفل تكونت من امتصاص قيم الآباء وأصبحت هي معايير ذلك الصغير نفسه. والسلوك الذي يقوم به الفرد خوفا من عقاب المجتمع ليس خلقيا بالمعنى النفسي، ويصبح خلقيا عندما يصدر عن شعور الفرد بالواجب أو العطف أو الشفقة أو الرحمة أو الحب أو الشرف أو البر أو الإحسان والتقوى.

стр. 39

وتصنف الأنماط الخلقية للأفراد إلى: نمط نفعي Expedient Type وذلك حينما يسلك الفرد فقط بطريقة لتحقيق أغراضه الذاتية. نمط امتثالي Conforming Type وذلك حينما يسلك الفرد ما يسلكه غيره، أو ما يقولون إنه ما ينبغي أن يعمل. نمط عقلي أو نمط الضمير الحي Rational od conscientious Type وذلك حينما يسلك الفرد تبعا لمعاييره الخاصة التي تنقسم إلى: - نمط إيثار Altuistic وهو أعلى مستويات الأخلاق وصاحبه له قواعد خلقية ثابتة ومستقرة. نمط عقلاني واقعي Realistic يتبع صاحبه حرفية القانون الخلقي، ولا يضطر إلى التفسيرات أو التأويلات لما يفعل لأنه يحترم القاعدة الخلقية المحددة. نمط نسبي Relativist يأخذ في الحسبان النوايا والدوافع والإصرار والتعمد والنتائج العملية لعمله. ويوجه Perry الأذهان إلى أهمية الأخلاق في التنشئة الاجتماعية للفرد، بلى ويعتبرها أساسا لرقي الحضارة والإنسانية عموما، وبخاصة في عصر تضطرب فيه الحقائق وتتناقض أحيانا مع القيم الخلقية والمثل الإنسانية. إن التطور المادي أسرع وأكثر تنوعا من النمو الفكري والخلقي، وهناك تسارع بين العقل وماديته والعاطفة وأخلاقياتها. إن الخلق مهم جدا للأطفال لأنه سوف يضعهم ضمن نظام الاستعدادات أو الصفات التي تمكنهم من التصرف بصورة ثابتة حيال الأعراف والمواقف الأخلاقية. ويرتبط النمو الاجتماعي للفرد بالنمو الخلقي، كما يرتبط بالنمو الديني في كثير من الأمور، وهذه الارتباطات تتفاوت في قوتها حسب مدى الاستجابات لمستويات الخير والشر المغروسة في أعماق الأطفال والكبار وبأثر رجعي يعود لمراحل التنشئة الأولى. ويعتمد إدراك الفرد للآخرين وتقديره لهم ومودته إياهم وأمانته ليس فقط على ما ائتمن عليه بل وولائه لمن ينتمى إليه، ومدى عطفه على جماعته ومجتمعه وإيمانه بمبادئه وفهمه لنفسه أو مفهومه لذاته.

стр. 40

سابعا: اللغة وعملية التنشئة الاجتماعية: لا تستطيع عملية التنشئة الاجتماعية أن تحقق هدفها دون اللغة. فالكلمات رموز أو علامات تشير إلى أشياء في مواقف معينة وتحمل معاني الأشياء في تلك المواقف، وعن طريق هذه الرموز يستطيع الفرد أن يستجيب للأشياء حتى في حالة عدم وجودها في مجاله الحسي المباشر، وعن طريق اللغة يتمكن الفرد من تحديد سلوكه سلفا بالنسبة للمواقف المستقبلية، وهذا هو أساس عملية التفكير. فاللغة سلوك لفظي يرتبط بمواقف واقعية يواجهها الطفل في حياته اليومية ويسلك نحوها سلوكا معينا، ويمكن باستخدام اللغة نقل ما تحمله الألفاظ من معاني من موقف إلى آخر، أي يمكن تعميمها وتعميم سلوك الطفل نحو المواقف المتشابهة. فاكتساب الطفل لكلمة واستدعاؤها قد يقوم مقام الأم في توجيه أو ضبط سلوكه، أي إنه باكتسابه للكلمة يسلك سلوكا يتمشى مع اتجاه الأم أو النموذج. وهذا يساعد على نمو ما يسمى بالقدرة على الضبط الذاتي Self Control. وعندما يقوم الطفل بأدوار الآخرين كما سبق أن ذكرنا وبالتعبير عن اتجاهاتهم بأسلوبه يستخدم اللغة، ومن ثم تكون ذات الطفل. والكبار يكون في استطاعتهم باستخدام اللغة أن ينقلوا إلى الطفل معاني المواقف المختلفة التي يواجهها في حياته وكذا عند توجيهه ذلك لأن الكبار يستطيعون باستخدام ألفاظ لها دلالات أو معان خاصة من خبرات سابقة أن يكونوا عند الطفل اتجاهات سلوكية معينة بالنسبة للمواقف التي لم يخبرها الطفل. وباختصار فإن اللغة تهيئ الفرد للقيام بدوره الاجتماعي خير قيام بفهمه بداية للمعايير المشتركة التي تمثل القدر المشترك الذي يبني عليه التفاعل والتأثير والتأثر وبفهمه للأدوار الاجتماعية، فضلا عن أنها أداة الفرد للتعبير عن مشاعره وحاجاته. وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن اللغة أداة تصبغ الفرد بالصبغة الاجتماعية القائمة على تبادل الحوار وفهمه، وإقامة علاقات اجتماعية تتسم بالعمق.

стр. 41

ثامنا: مراحل عملية التنشئة الاجتماعية للأطفال مراحل التنشئة كعملية محدودة لها نهاية ... ثامنا: مراحل عملية التنشئة الاجتماعية للأطفال لم تختلف الآراء في وضع مراحل للتنشئة. بقدر ما اختلفت في كون هذه المراحل تتم في الطفولة للفرد "محدودة ولها نهاية" أو تستمر عبر عمر الإنسان "مستمرة ولا نهائية" وسوف نعرض لمراحل التنشئة في ضوء هاتين الوجهتين. ١- مراحل التنشئة كعملية محدودة لها نهاية: تمر عملية التنشئة الاجتماعية للطفل في ضوء هذه الوجهة بثلاث مراحل: أ- المرحلة الذاتية: ويتعلم الطفل في هذه المرحلة أن يتكيف لمطالب جسمه وحاجاته البيولوجية والظروف البيئية المحيطة، ويقبل المعاني التي حددها الكبار للمواقف التي يمر بها، كما يظهر ذلك عند معاملتهم له، وهنا يمكننا القول بأن الطفل يكيف نفسه لسلوك الكبار. ويستجيب الطفل للمواقف المختلفة بحواسه، وتتحدد بالتدريج بعض أنماطه السلوكية نتيجة ما يترتب على استجاباته من نتائج، فيتعلم بالتدريج أن يستبعد بعض الأنماط السلوكية التي لا تؤدي إلى إشباع حاجاته البيولوجية. وقوام هذه العملية هو تناسق حسي حركي يتحدد بعلاقة الطفل بالبيئة المحيطة وسلوكه فيها، فتصبح معالم بيئته بمثابة علامات أو إشارات لسلوك معين يأتيه الطفل تحت ظروف معينة، ولكن الكبار يكونون قد حددوا سلفا أغلب المعاني بالعادة أو بالعرف أو بالتقليد. فثدي الأم مثلا يعني للطفل الرضاعة، ومد الأم يدها إلى الطفل معناه أنه سوف يرضع أو يحمل وهكذا. ب- المرحلة المطلقة: ويكتسب الطفل في هذه المرحلة القدرة على الانتقال من مكان إلى آخر مستقلا نسبيا عن الكبار، ونموه الحركي يمكنه من التعامل مع الأشياء بفعالية أكبر وحرية أكثر بعيدا عن مراقبة الكبار، وإن كان كثيرا من عادات الطفل وأفعاله في

стр. 42

هذه المرحلة تجد مقاومة من الكبار، فهم يتدخلون لمنعه من بعض التصرفات مما يترتب عليه حدوث الصراع بين الطفل والكبير، وقد يتحول هذا إلى صراع في شخصية الطفل نتيجة للتناقض الذي يحدث في معاني الأشياء أي حول العلامات التي كان يستجيب لها في الماضي والمعاني الجديدة التي أصبح الكبار يفرضونها. وتتعدل بالتالي معاني الأشياء بتغير توقعاته، وتتمايز الأشياء والعلامات التي تحدد استجابات الطفل مما يؤدي إلى تعديل سلوكه بحسب قيم الكبار وعاداتهم. ويكتسب الطفل في هذه المرحلة ما يجب وما لا يجب، أي أنه في طريقه لتكوين الأنا الأعلى "الرقيب أو الضمير". وفي هذه المرحلة يقوم الطفل بممارسة الأدوار الأخرى للأفراد الآخرين في بيئته، فالولد يلعب دور رجال البوليس ودور البائع ... والبنت تلعب دور الأم ودور المدرسة ... وغيرها. جـ- المرحلة المشتركة للتعامل بين الطفل وبين غيره من الأفراد: وفيها يكتسب الطفل اتجاهات الكبار نحو المواقف الهامة في حياته، وفيها ينتقل الطفل من فهمه وتوقعه الثابت لسلوك الأفراد إلى معرفة اتجاهات الأفراد السلوكية في المواقف المختلفة، لقد أصبح الطفل الآن يذكر أسرار أسرته في حالة عدم وجود الغرباء بينما لا يحق له ذلك إذا كان بين غرباء. ويستدعي الطفل في سلوكه وأثناء اللعب العلاقات أو الرموز التي تعبر عن اتجاهات الآخرين، ويستجيب لتلك العلاقات، وبهذا يتعدل سلوكه إلى شكل يساعده على التوافق في تعاملاته مع الغير ... ويترتب على ذلك: ١- أن صبح الطفل أكثر وعيا بذاته. ٢- التنبه إلى اتجاهات الغير نحوه. ٣- تكوين بعض الاستجابات المنظمة حينما تصدر اتجاهات من الغير نحوه. ٤- يوحد الجوانب الأساسية لاتجاهات أعضاء أسرته في كل متكامل نحو بعض الأمور ويعدل من سلوكه في ضوء هذا الإطار العام. ٥- الابتعاد نسبيا فيما يتوقعه الغير منهن إلى أن يتوقع من نفسه السلوك المناسب للموقف. ٦- تحديد معنى الموقف الجديد في ضوء الخبرة الماضية قبل إصدار سلوك بشأنه.

стр. 43

٢- مراحل التنشئة كعملية مستمرة لا نهائية: تمر عملية التنشئة الاجتماعية للفرد في ضوء هذه الوجهة بأربع مراحل، وتقسم المرحلة الأولى منها إلى أربع فترات داخلية. أ- المرحلة الأولى: من الميلاد حتى دخوله الروضة. وتتم داخل الأسرة ولها أربع فترات: الفترة الأولى: الطفل في هذه الفترة لا تمارس عليه أية ضغوط اجتماعية، ويعيش في هدوء وسكون. فمنذ مولد الطفل تتحمل الأم مسئولية رعايته، ويرتبط بها الطفل ويعتمد عليها. ويمنح الطفل من الأسرة والأم كل العطف والعناية، ولا يتوقع إطلاقا منه مشاركات إيجابية. والأم رغم حبها وحنانها على الطفل وتحقيق احتياجاته، لا تهمل واجباتها الأسرية الأخرى. الفترة الثانية: الطفل في هذه الفترة تبدأ الأسرة معه السيطرة والضبط، وتنوب الأم عن الأسرة لأداء هذا الدور، وتحاول إعلاء سلوكه إلى سلوك اجتماعي، نظرا لتعلمه بعض الأداءات واكتسابه بعض الكلمات التي تسهل له الاتصال وإبلاغ بعض الرغبات. ويبدأ الطفل في التوتر نتجة الممارسات التي تفرضها الأم، والحرمان النسبي من تلبية كل الرغبات، وهنا يكون سلوك الأم قد بدأ يتغيير، ولكن هذا التغير لا يتبعه أن يتحمل الطفل مسئولية أفعاله. وتسمح الأم للطفل بممارسة بعض السلوكيات إنها فترة سماح، Permissive، لكنها ليست على نفس النحو في الفترة الأولى، وبالرغم من ذلك فهو يحب الأم.

стр. 44

الفترة الثالثة: تبدأ إمكانات الطفل تنضج لتعميم الحب إلى أبعد من الأم، ويبدأ الطفل إدراك نفسه كفرد بين من يكونون الأسرة، ويعرف الأب. وتبدأ مرحلة توحده مع أفراد الأسرة. وتتخلى الأم في هذه الفترة عن مسئولياتها تجاه الطفل نسبيا إلى الأب. ويعيش الطفل في هذه الفترة زمنا تنكر فيه أغلب رغباته الفطرية، وتلاحقه مجموعة من الأوامر والنواهي والتعليمات التي تقيد حركاته وتضبط سلوكه، التي يعجز عن فهمها رغم إدراكه لها. ويساعد ما يحصله الطفل من خبرات ومهارات في هذه الفترة على اكتساب مركز جديد في الأسرة. الفترة الرابعة: يتوحد الطفل في هذه الفترة مع الأب كموضوع جديد. ويبدأ دور الأم في التغيير ويصبح دورا والديا، ويبدأ نشوء الضمير ويصبح الأب والإخوة موضوعات عند الطفل يتبادل معهم التفاعلات. ويؤدي الأب في هذه الفترة دورا هاما كموضوع للإشباع العاطفي للطفل، وإن كانت الأم أكثر إيجابية نحو الطفل إلا أنها أقل مساعدة له. وتؤيد الأسرة تحولها إلى ممارسة الثواب والعقاب. إنها فترة توافق مع المراكز الجديدة في الأسرة والتي يكبت فيها رغباته السابقة. ب- المرحلة الثانية: ويطلق عليها Parsons الطور الثانوي للتنشئة، وتكون خلال مراحل الدراسة من الابتدائية حتى نهاية التعليم أو الحصول على المؤهل. والمدرسة أول نسق اجتماعي يدرك فيه الطفل التباين الاجتماعي ليس على أسس بيولوجية، بل على أساس التحصيل والقدرات، يقابل الطفل رفاقا جددا، ويواجه الطفل لأول مرة فترة توضع فيها قيم أسرته وأفكارها في الميزان. ويتخذ الطفل نماذج غير الأب والأم كموضوع، ويتحرر أكثر من الارتباط بهما مع وجود معلم أو معلمة. ويعدل المنهج الدراسي من بعض الأفكار ويتكيف التلميذ مع النظام الاجتماعي الجديد. حتى يصل الطالب إلى الجامعة، ويبدأ الإحساس بالفروق في التخصصات تبعا للقدرات. ويدرك الفروق في التخصصات المهنية.

стр. 45

جـ- المرحلة الثالثة: وتبدأ من الخروج من التعليم إلى العمل. ويبدأ تكيف المرء من جديد مع الأنساق الجديدة التي يرتبط بها وازدياد عدد الأدوار وتغير توجيهات القيم، وربما أدى ذلك إلى بعض التوتر، نتيجة خبرات حياة عملية جديدة. د- المرحلة الرابعة: تبدأ بتكوين الفرد أسرة جديدة. وهي فترة تتداخل مع الفترة الثالثة، وربما تسبقها في بعض الأحيان لدى بعض الأفراد.

стр. 46

تاسعا: حدود التنشئة الاجتماعية مدخل ... تاسعا: حدود التنشئة الاجتماعية تبدأ التنشئة منذ اللحظة الأولى في حياة الأفراد مرورا بالعديد من الأمور حتى اختيار الوالدين للون الذي يلائم الإناث والألوان التي تناسب الذكور. فهي عملية معقدة متشابكة تتأثر بعوامل خارجية وداخلية. والجماعات والمؤسسات الموجودة في المجتمع تلعب الدور الأساسي في هذه العملية مثل الوالدين والإخوة وجماعة الرفاق. وجميع هؤلاء يبذلون جهدا كبيرا ويقضون جزءا من أوقاتهم في العمل على إيصال القيم وتشكيل وتعديل سلوك الأطفال. وتختلف كل من القيم والمعايير والأهداف والوسائل التي تنطوي عليها عملية التنشئة الاجتماعية عبر المجتمعات، بل إنها تختلف داخل المجتمع الواحد من جماعة إلى أخرى، بل وفي المجتمع الواحد عبر الأزمنة والعصور. وتعتبر التنشئة الاجتماعية للأفراد في مراحل الطفولة ليست كافية تماما لمواجهة مطالب الحياة اللاحقة، فهم ينتقلون عبر سلسلة من المراكز تكون مصاحبة لمراحل الحياة. وعلى الرغم من أن بعض توقعات المجتمع شبه ثابتة، إلا أن هناك توقعات تتغير من عمر إلى آخر، في الوقت الذي ينتظر من الفرد الاستجابة لهذه التوقعات المتغيرة بأسلوب مناسب عندما يصبح في حياته أشخاص جدد في العائلة أو العمل أو الدراسة. وبطبيعة الحال فإن فعالية التنشئة الاجتماعية في الطفولة يكون لها التأثير الأعظم في المجتمعات عديمة التغير أو ضئيلة التغير، ولكن لا يتوقع لها الثبات. وربما يأتي الاستقرار في مثل هذه المجتمعات الهادئة من الاستمرار مدة زمنية مع الآخرين المهمين أنفسهم، والذين ينغمر معهم الفرد، مثل الأبوين أو الأقارب الذين يعش معهم الطفل حتى منتصف العمر وأحيانا الأصدقاء الذين يستمرون خلال معظم حياة الإنسان. إلا أنه حتى في بعض المجتمعات عديمة التغير نسبيا لا تمكن تنشئة الطفل في الطفولة نجاحه في التعامل مع كل الأدوار التي يتم مقابلتها في المستقبل، كما أن الأفراد لا يمكن تنشئهم في الطفولة على أدوار سوف

стр. 47

تقابلهم في المستقبل، ومثال ذلك دور الزوج عند الزواج والمدني عندما يجند. ويساهم كل من التنقل الجغرافي والانتقال الاجتماعي المتميز به في مجتمع الطبقات المفتوحة في إظهار عدم كفاية التنشئة في مرحلة الطفولة لمواجهة المواقف التي يتعرض لها الأفراد حينما يصبحون مراهقين أو شبابا. إن تنوع الحضارات الفرعية في المجتمعات الحديثة المعقدة، يضاعف تأثير الانتقال عن طريق متطلبات الأدوار الجديدة وغير المنتظرة التي توضع على الفرد. كما أن التغيرات الاجتماعية السريعة التي تحدث خلال مراحل العمر تظهر عدم كفاية كثير مما وجهنا به في مرحلة الطفولة. وأما هذه التحديات فإن المجتمعات تحاول وضع اللبنات الأساسية لتعلم ضروري في الفترة التالية من العمر عن طريق تزويد الأفراد بما يساعدهم على المبادرة والإبداع والمرونة والقدرة على مواجهة الجديد والبعد عن التلقين وغير ذلك من الصفات التي تفيد في مواجهة متطلبات الحياة الاجتماعية المتغيرة. ويضيف ذلك على المجتمعات الحديثة أعباء تجديد التنشئة الاجتماعية للأفراد الذين لم يتم إعدادهم لمثل هذه التحديات، وعلى المؤسسات التي تعني بتنشئة الأجيال أن تتطور، ولا بد من توفير برامج تكرس فيها جهودها لهذا الأمر وتأخذ على عاتقها تربية الآباء مع اختلاف الأجيال. ويجب أن نعترف أولا بالصفات المستمرة للتعلم والتنشئة في مرحلة الطفولة والصعوبة النسبية في تغيير أغلب ما تم تعلمه، وبخاصة إذا كان هناك العديد من الآراء تحبذ الرأي الشائع بأن أغلب الجانب غير الواعي من الشخصية "اللاشعوري" يتجمع خلال التنشئة الاجتماعية المبكرة. وإذا افترضنا وجود صفات دائمة للتعلم في مراحل الطفولة، فإن تأثير مثل هذا التعلم على تنشئة الفرد في المراهقة أو الرشد يكون أكثر تعقيدا مما قد يبدو فليس التعلم المبكر وحده المتدخل والمحدد للتعلم المتأخر، وإنما هو واحد من مجموعة تأثيرات. والأصح أن علاقة التعلم المبكر أو عدمه بالنسبة للتعلم المتأخر تقرر هل ستحدد أو ستسهل التنشئة الاجتماعية للأفراد الأكبر سنا. وإن كانت هناك فائدة من إحلال التعلم المتأخر بالتعلم المبكر بخصوص التنشئة والقديم بالجديد، إلا أن هناك حالات يمكن أن يسهل التعلم في مرحلة

стр. 48

الطفولة التعلم في الرشد، وبالتالي تكون تنشئة الكبار مرارا ناتجة من خلق توفيقات Combinations من عناصر استجابات قديمة، ويكون غياب تعلم معين في مرحلة الطفولة هو نقطة سالبة في تنشئة متأخرة لأن إتيان الفرد إلى دور اجتماعي في حياته المتأخرة بدون معلومات ولو بسيطة من التنشئة الاجتماعية في الطفولة يعرقل أو يعوق التعلم في السنوات المتأخرة. إن هناك أشياء يجب أن تعرف في مراحل عمرية معينة، وتعلمها في الوقت المناسب "مرحلة حرجة" يجعل التعليم اللاحق ممكنا. ورغم كل ذلك فإن الجدل ما زال دائرا حول تأثير التنشئة المبكرة أو غيابها على التنشئة المتأخرة، ولكن الواضح أن المحتوى الأساسي للتنشئة الاجتماعية يختلف بطرق هامة في المراحل المختلفة لحياة الأفراد وباختلاف المؤسسات الاجتماعية الأساسية. ويتعلم الأفراد أشياء مختلفة في أوقات مختلفة من حياتهم بل وفي أماكن مختلفة أيضا، ومع ذلك فإن معظم المجتمعات تعيد وضع قيمها الاجتماعية جيلا بعد جيل، وأسباب نجاحهم في ذلك معقدة. فقد تعمد المجتمعات إلى إدامة هذه التشابهات عن طريق التلقين الواعي أو تدريب الصغار، أو بفرض ضغوط اجتماعية على كل أعضائها من المهد إلى اللحد، أو عن طريق عدم إتاحة بدائل تكون أكثر قبولا. وربما أضافت الأمثلة التالية مزيدا من الإيضاح وبعضا من عدم التفاؤل:

стр. 49

١- أطفال الكيبوتز Kibbuts: هناك تجربة إسرائيلية في تنشئة الأطفال، تمت على أطفال نسبتهم صغيرة يعيشون في مجتمعات زراعية، تعطي الأطفال فوائد ومزايا العيش في جماعة "تربية جماعية" وذلك خلال جزء من اليوم، وتترك رعاية الوالدين باقي اليوم، وأطلق على نظامهم هذا "الكيبوتز" الذي ساعد في حل بعض صعوبات تواجهها الأمهات العاملات، وكذا عاون هذا النظام في القضاء على بعض مشكلات المراهقين من نظير الاستقلال عن الأسرة. إن الأطفال في هذا النظام يعيشون في جماعات مختلفة من حيث الحجم، وينتمون إلى مجموعات كل حسب عمره، بحيث تكون كل مجموعة تحت رعاية مربية أو مدرسة. وعلى الرغم من كون أولياء الأمور مسئولين أساسيين عن أطفال الكيبوتر إلا أن هؤلاء الأطفال يقضون وقتا كبيرا مع أقرانهم ولهم علاقات وطيدة بهم ويقضون وقتا قليلا جدا بمفردهم، ويتعود الأطفال في هذا النظام الانفصال عن والديهم لمدة يوم أو أكثر في سن مبكرة. مما يشجعهم ويدعم لديهم الاستقلالية من الصغر مقارنة بالأطفال في غير هذا النظام. ولأطفال الكيبوتز شلة كبيرة من الأصدقاء مقارنة بالأطفال العاديين. وإذا كانت المربية أو المدرسة في نظام الكيبوتر تتولى رعاية الطفل وتعلمه الانضباط والنظام وحسن التعامل مع غيره، كما أنها في غالبية الأحيان مصدر للحب والعطف، فإن الوالدين يصبح لديهم الوقت الكافي بمنح الدفء والحنان وتوفير المأكل لأطفالهم. على الرغم من أن الأطفال لا يعتمدون كليا واقتصاديا على والديهم كما يشير Fong and Resnick، فكل الأطفال يحصلون على قوتهم من المجتمع الذي ينشئون فيه ويعملون فيه مما يدعم الاعتماد على النفس. ونتيجة لهذا النظام ينشأ مراهقون في جماعات ليس لديهم نفس الخلافات أو مستواها مع الوالدين من أجل الاستقلال والشعور بالحرية، فهي تمنح وتشبع من خلال هذا النظام.

стр. 50

٢- استحالة الجتمعة للطفل: وهناك فكرة تقول أن أناسا معينين لا يصبحون اجتماعيين أبدا. ولنتأمل المثال التالي الذي عرضه Lambert عن Dollard. Davis: لقد أطلق معارف التلميذة جوليا عليها اسم المشاغبة أو المشاكسة ذات المتاعب. إن لجوليا صديقة وحيدة، فهي لا تكوِّن جماعة رفاق مقربة أو تشترك فيها. ويرى المدرسون والتلاميذ الذين يعرفونها أنها تحب جذب الانتباه وحب الظهور، وتفخر جوليا بأن من يعرفها داخل المدرسة يعتقد أنها مجنونة ويمكنها أن تتصرف أو تفعل أي شيء من سب وشجار للرفاق أو المدرسين، ولأنها في بيئة. غير عربية فلا تتردد في أن تقبل زميلا لها في فناء المدرسة ... ولا يستثنى من شجارها حتى والدها أو والدتها، وتعلم جوليا أن أمها لا تحبها ولم تحبها ولن تحبها نهائيا، ورغم أنها رقيقة الجسم إلا أنها فتاة مسترجلة تتشاجر بكلتا يديها بدلا من الأدوات الحادة كالسكين، ولا تهدأ إلا بعد أن تنتقص من فتيان المدرسة وتصفعهم على وجوههم خلال الشجار العنيف. وعندما نعلم أن جوليا كانت فتاة زنجية من أسرة تقع في أدنى مراتب الطبقة المنخفضة لا يعود هناك شك في نمط تكيفها الاجتماعي، ربما أمكننا القول أن هذه الفتاة أعدت إعدادا حسنا لنوعية الحياة الضحلة البائسة التي كان من المتوقع أن تعيشها، وليس في مدرستها أو بيئتها الحالية.

стр. 51

٣- محو آثار التنشئة: وهناك مثل آخر شهير اتبعه الشيوعيون الصينيون لنزع الطابع الاجتماعي ومحور آثار التنشئة الاجتماعية السابقة من بعض الأسرى الأمريكيين خلال الحرب الكورية. لقد أجريت مقابلات مع العديد من الأسرى عقب إطلاق سراحهم، فعرف منهم أن الصينيين لم يكتفوا بمحاولة محو آثار التنشئة الاجتماعية للأسير الأمريكي فحسب، بل حاولوا أيضا أن يعيدوا تشكيلهم اجتماعيا، بجعلهم يؤمنون بالمعتقدات والقيم الشيوعية الصينية. وعلى الرغم من أن الصينيين قد نجحوا في أمور هامشية قبلت التغيير لدى الأسير الأمريكي، إلا أنهم فشلوا في هدفهم الرئيسي، مما يوضح قوة التأثير للتنشئة الاجتماعية التي مر بها الجندي الأمريكي قبل الأسر. ويشير Lambert and Lambert إلى أن نزع الطابع الاجتماعي عن إنسان إلى الدرجة التي يتغير بها تغييرا جذريا يتطلب التعامل بذكاء مع البنية Structure النفسية الاجتماعية التي تتحكم في شعوره بذاته. والجيش الأمريكي مثل باقي الجيوش، منظم بحيث يحول الفرد المجند إلى رجل عسكري باسل، وهو أمر يتطلب عملية تنشئة اجتماعية قوية. ونظرا لعلم الصينيين الشيوعيين بذلك فقد كان هدفهم الرئيسي تدمير الثقة بين الأسرى الأمريكي، وتم إبعاد الضباط عن

стр. 52

الجنود، وإبعاد الأصدقاء عن بعضهم البعض، ومنع أشكال التعارف لكي لا يجد الأسير الطمأنينة في الصحبة، وأغري الأسرى الضعفاء بالمعاملة الخاصة كي يبلغوا عن رفاقهم، وأظهرت هذه المعاملة للأسرى غير الضعفاء حتى تنخفض الروح المعنوية وتنهدم، ومع ذلك فقد بقي كل أسير في حالة من الحيرة حول ما إذا كان هناك عملاء سريون بين الأسرى. وحينما أصبح الأسرى شبه معزولين وحيدين على هذا النحو أجبروا على الاستماع إلى أفكار دعائية مستمرة تلقن الجوانب السالبة في حياتهم السابقة والجوانب الإيجابية في حياتهم المستقبلة إذا اتبعوا الأوامر الصينية، وقد أرغم الأسرى على المشاركة بفعالية ونشاط في عملية إعادة تصوراتهم عن قياداتهم الأمريكية عن طريق الاعتراف بالأخطاء التافهة التي تحدث في جيشهم الأمريكي، هذه الاعترافات التي كانت تدعم بالمكافآت بالإضافة إلى التهديدات لغير الراغبين في الإدلاء باعترافات. لقد شعر الأسرى بالوحدة والخوف وعدم الثقة بين بعضهم البعض، وملأت عقولهم الدعاية، والشعور بالتقبل والمعاملة الحسنة إذا تغيرت معتقداتهم، والثقة في ظهور الرعب إذا بدت منهم أدنى مقاومة. ورغم انهيار بعض الأسرى بسبب أوجه النقص في تنشئتهم الاجتماعية المبكرة، وانحنى بعض الأسرى قليلا ثم استعادوا قواهم، وتمرد كثرة منهم ضد عملية غسيل المخ Brain washing المتبعة معهم، فمات بعضهم، وعموما فشل الصينيون في مهمتهم، ورغم أنه من غير المعروف على وجه التحديد لماذا فشلوا، ولكن يأتي مع فشلهم ما ظهر من فعالية وقوة عمليات التنشئة التي جعلت هؤلاء الأسرى الأمريكيين على هذا الصمود، لدرجة أن أحد الأسرى أخذ يقرأ بصوت مرتفع فقرة من كتاب كارل ماركس بلهجة فكاهية مما أدهش الصينيين عدم الخوف والإصرار الذي يظهر على من هم مثل الأسير.

стр. 53

عاشرا: أهداف ومحتوى التنشئة الاجتماعية للأطفال هناك أهداف حددها Parsons, Selznick and Broom للتنشئة الاجتماعية وقد تمثلت في: أ- إعلاء رابطة الحب بين الطفل والأم، وإقامة التزامات حول إمكانيات الانجذاب نحو الغير. ب- التنشئة الاجتماعية ترتبط بما تقوم به من عمليات تعليم، وبما يحتاج أن يعرفه الشخص حتى يتوافق مع مجتمعه، وحتى يتمكن من تنمية لقدراته وإشباع لحاجاته. جـ- تلقين الأطفال نظم المجتمع الذي يعيشون فيه، منتقلين من التدريب على العادات الخاصة بهذا المجتمع إلى الامتثال لثقافة هذا المجتمع. د- تلقين الأطفال مستوى الطموح اللازم للعيش وسط هذه الثقافة. هـ- تعليم الأطفال الأدوار الاجتماعية. و إكساب الأطفال المهارات المطلوبة للتوافق مع أفراد المجتمع، وحصولهم على الأدوات التي تساعدهم على الاندماج مع الجماعات مثل اللغة. ز- غرس القيم وأهداف الجماعة التي ينتمي إليها الطفل والتي تشكل ثقافة المجتمع الذي يعيش فيه، لتحقيق توقعات الأدوار التي سوف يواجهها يوما ما مثل إعداد الطفل لأداء دور الأخ والابن والزميل والأب. ح- إكساء المرء نسقا من المعايير الأخلاقية التي تنظم العلاقات بين الفرد وأعضاء الجماعة، وتمثل هذه المعايير السلطة الخارجية على الفرد. وعموما لا توجد أهداف دون توافر أدنى محتوى يتطلب عددا من الاحتياطات الجوهرية. لقد وهب الله الإنسان القدرة على إدراك الزمن والمكان، وهو القادر على جعله يتمكن من استحضار الماضي ومعايشة الحاضر وتصور المستقبل، مما جعل الإنسانية تتوارث ثروة حضارية تتمثل في القيم والعادات والتقاليد والاتجاهات التي يعبر عنها في ضوء أنماط من السلوك. وتضيف الإنسانية لهذه الثروة يوما بعد يوم نتيجة للتغير والتطور. وتستثمر الإنسانية التراث بنقله للأجيال، بحيث يصبح للفرد في هذه الأجيال وعي وإمكانية للاستجابة إلى المؤثرات الاجتماعية، وما تشتمل عليه هذه المؤثرات من ضغوط وما تفرضه من واجبات كي يعيش مع غيره ويسلك

стр. 54

مع الآخرين مسلكهم في الحياة، ويتعلم الأنماط السلوكية التي تميز ثقافة مجتمعه عن الثقافات الأخرى. ومن هنا يحتوي ذهن الفرد على أفكار وممارسات ومعايير وقيم المجتمع الذي يعيش في إطاره، ولا يصبح مجرد راوية أو مقلد، وهذا ما يعلنه Lindgren, Watson. ولكن محتوى التنشئة يتطلب عددا من الاحتياطات تجعلنا نقترب بأطفالنا من السوية والتوافق الاجتماعي، وهذه الاحتياطات هي: - البعد عن القيم والاتجاهات التي تجعل الأطفال يستسلمون للخرافات [الشيخ لحاف وأمنا الغولة ... ] . - البعد عن العادات التي تزرع في نفوس النشء الاستسلام أو اللامبالاة أو التواكل أو الأنانية. - البعد بالنشء عن النماذج التي تنجح دون رادع عند استخدامها لأساليب المغافلة والتضليل والخداع والغش والكذاب الشخصية الفهلوية ... - عدم تعريض الأطفال لأنماط متناقضة من التنشئة مثل الانقياد لأوامر الوالدن بالمنزل دون مناقشة في الوقت الذي نطلب منهم فيهم إيجابة التفاعل والمبادأة وحرية الرأي أمام الزملاء والمدرسين بالمدرسة. - عدم التناقض أثناء التنشئة للأطفال بين القول "عدم الكذب مثلا" والفعل "إنكار وجود الأم عند اتصال صديقة لها بالتليفون". - البعد بمضمون التنشئة عن الانفتاح الثقافي المنحرف بعدم الانغمار في نقل ثقافة بعض المجتمعات الأخرى غير المناسبة لمجتمعاتنا إلى أطفالنا [الأفلام الإباحية، قصص العنف، نماذج العدوانية] .

стр. 55

حادي عشر: شروط تحقق التنشئة الاجتماعية الملائمة هناك بعض الشروط الأساسية في ضوئها تتحقق التنشئة الاجتماعية الصحيحة، وقد عرفت هذه الشروط لدى Elkin and Hardel. وفي مقدمتها أن الطفل حديث الولادة، يأتي إلى مجتمع موجود بالفعل Existing Society له معاييره وقيمه وقوانيه، واتجاهاته، وبه بناءات اجتماعية منمطة ومنتظمة، ومع ذلك تتعرض للتغير. ولا يكون للطفل المولود غير المهيأ اجتماعيا أي دراية بتلك البناءات أو التغيرات الممكنة، وتصبح مهمة الشعور والتفكير والتفاعل من جانب هذا الصغير محددة للوسائل والطرق التي يجب أن يمر بها كقادم جديد New Comer إلى التنشئة في مجتمع ما. كما أن مدخل التفاعل الرمزي يشير إلى أن طبيعة الإنسان تتضمن المقدرة على القيام بعمل الآخرين في الوقت المناسب، وكذلك الشعور مثلهم. أو بصفة عامة القدرة على التعامل برموزهم Symbols، ولا يخفى أن هذا التعامل يختلف باختلاف الرموز الاجتماعية مثل الأصوات Sound and Voice والإيماءات Gestic and Gesticulation والإشارات Hints and Insinuation وما إلى ذلك. وهذا الاختلاف يذكيه وجود الطفل بين والدين ومربية وروضة أو مدرسة ومعلمة ... إلخ، وربما كان كل من هؤلاء على طرف، مما يوقع الطفل في كثير من اللبس، وربما التعقيد أو التناقض في الوقت الذي تحتل هذه الجهات أهميتها لدى الأطفال. وهنا يكون الاتساق هاما جدا. وكذلك فإن تفسير تصرفات الطفل ومظاهر تنشئته يجب أن تدور في نطاق بيئته التي نشأ فيها والتي يمكن تقسيمها إلى: أ- تنشئة اجتماعية أولية Primary Socialization داخل الأسرة فيما قبل الست سنوات من العمر، أو يطلق عليها مرحلة مغطاة Covert وهي أعمق أثرا في تكوين شخصية الفرد. ب- تنشئة اجتماعية ثانوية Secondary Socialization يتعرض لها الطفل خارج أسرته في الحضانة والروضة والمدرسة والمسجد والنادي ووسط الرفاق ... ، ويطلق عليها مرحلة مكشوفة Overt وتستمر مع الإنسان أثناء حياته، وقد يتعرض خلالها لإعادة تنشئته Resocialization نظرا لتردده على مجتمع مغاير أو أكثر عن الأسرة. جـ- تنشئة اجتماعية موازية Parallel Socialization وتعتبر موازية لأي من الصورتين السابقتين وهي عبر وسائل الإعلام "تلفزيون، راديو، قصص، مسرح ... ".

стр. 56

ثاني عشر: نتائج التنشئة الاجتماعية على الأطفال علمنا فيما سبق أن طريقة تنشئة الأطفال في مجتمع ما تعكس طبيعة ذلك المجتمع، بحيث تقترب بالشخصية المتشكلة من نمط أو طريقة الحياة في هذا المجتمع. فالمجتمعات المحبة للحروب تدرب أطفالها على السلوك العدواني، والمجتمعات التسلطية تدرب أطفالها على احترام السلطة ... أما الأطفال الذين لا ينشئون بهذه الأساليب في تلك المجتمعات فإنهم يميلون فيما بعد إلى عدم التوافق وربما الانحراف ويأتي التباين بين أنماط المجتمعات الإنسانية إلى أنماط التنشئة الاجتماعية التي اتبعت مع شعوبها والتي شجعتها تلك المجتمعات في ذلك الوقت ... ومع كل ذلك فإن التنشئة الاجتماعية تصل بالأطفال إلى: ١- التعلم الاجتماعي للطفل: من خلال التنشئة الاجتماعية يكتسب الطفل عادات وقيم وتقاليد مجتمعة، حتى يصبح فهمه وإدراكه للعالم المحيط مصبوغا بطبيعة المجتمع، وحتى يأتي تفسيره للأمور في نطاق ذلك الفهم. ويعد هذا الاكتساب تعلما اجتماعيا. ويصل تأثير هذا التعلم الاجتماعي إلى أقصى درجاته في الطفولة. ويحقق التعلم الاجتماعي عددا من الحاجات مثل: العطف والحب والاستقلال وتأكيد المكانة الاجتماعية. كما أن تقمص الطفل لدور الكبار في سلوكهم الاجتماعي له أهميته في هذا التعلم الاجتماعي للطفل. ويسهل التعليم الاجتماعي الذي حصل عليه الطفل لتعلم اجتماعي في مراحل تالية من عمره. ٢- تكوين الأنا والأنا الأعلى عند الطفل: تعتبر عملية تكوين الأنا من أهم نتائج التنشئة الاجتماعية، ويشتق الطفل الأنا الأعلى سماعيا من أوامر الأب ونواهيه. ٣- التحكم في العدوان عند الطفل: لا تعني التنشئة الاجتماعية للأطفال القضاء على السلوك العدواني لديهم ولكن يجب أن توجه التنشئة الاجتماعية النشء كي يثوروا للحفاظ على كرامتهم

стр. 57

وعلى أنفسهم وعلى ممتلكاتهم، وما هي المواقف التي يجب ألا يبدأ هو فيها بالعدوان. ولذلك فالتنشئة الصحيحة تراعي تجنيب الأطفال مواجهة المثيرات التي تؤدي إلى العدوان وتجبر المخارج لتفريغ الشحنات العدوانية أو البدائل التنفيسية. ٤- تعلم الأطفال للأدوار الاجتماعية: تنتهي التنشئة الاجتماعية للأطفال بأن تعلمهم كيف يسلكون بما يتفق مع أدوار اجتماعية معينة "دور الابن، دور التلميذ، دور الأخ ... ". ٥- تعلم الطفل ضبط السلوك: تصل التنشئة الاجتماعية بإيجاد ضوابط تأتي من داخل الطفل توجهه إلى السلوك المتقبل في بيئته مثل: - ضبط التبول. - ضبط التبرز - ضبط البكاء والصراخ. - اكتساب الآداب العامة ومبادئ هذه الآداب. -..... ....... ....... ٦- تعلم الطفل التعلق: إن الفرد خلال مراحل نموه من طفولته إلى رشده، يسعى لأن يكون على مقربة من بعض الأفراد، وينفصل أيضا عن آخرين أو يبتعد عنهم، وبذلك تتخذ تنشئته وجهتها السوية. ومن مظاهر التعلق عند الطيور سير الفراخ وراء الأم، ولدى الحيوانات التصاق صغار القردة بالأم. ومن مظاهر التعلق عند صغار الأطفال.. كف الطفل عن الصراخ عندما تحمله أمه، والمناغاة والابتسام للأم أسرع من الآخرين عندما يداعبونه.. واستجابات الترحيب عندما يجد الأم مقبلة مثل تحريك الأرجل أو رفع الأذرع.

стр. 58

وكذا الزحف خلف الأم عندما تمشي أمامه والالتصاق بها عندما تحمله أو الهروب إليها طلبا للنجدة حينما توجد أشياء تخيفه. ٧- التوافق الاجتماعي للطفل: خلال عملية التنشئة يتغير سلوك الطفل ليتسق ويقترب من سياق الجماعة التي يعيش معها أو وسطها، ويخضع أكثر بمرور الوقت للالتزامات الاجتماعية، ويتم ذلك طبقا لمرحلة النمو التي يمر بها الطفل، وفي ذلك محاولات للتوافق مع الآخرين والبيئة المحيطة ... ويصل الأمر قرب الطفولة المتأخرة إلى توافق اجتماعي إذا ما كانت التنشئة قد اتخذت وجهتها الصحيحة. ٨- نقل ثقافة الأجيال: تعمل التنشئة السوية على إكساب الفرد ثقافة من سبقه. فنجده مثلا يرتدي نفس نوعية الثياب أو الزي ويفضله على غيره من أنواع الزي، ويطالب بالاحتفال بالمناسبات التي علمته إياها أسرته أو وسطه الاجتماعي. واختفاء مثل هذه النواحي وغيرها لدى الأطفال من جيل إلى آخر يعني فشلا في جزء من أجزاء التنشئة، وإذا كثرت نقاط الفشل في أجزاء وأجزاء فإن التنشئة لا تكون قد حققت وظيفتها الثقافية، وربما أدى ذلك إلى انتهاء مجتمع قائم أو تحوله إلى مجتمع آخر. ٩- السمو بحاجات الطفل: تصل التنشئة الاجتماعية بالأطفال إلى عدم غلبة بعض الحاجات البيولوجية مثل الطعام على اتباع أو الإتيان بسلوك حميد، ويشبع فقط الحاجات البيولوجية التي يرضى عنها المجتمع في ضوء الضوابط المعمول بها مثل الحاجة إلى الجنس، ويرجئ بعض الحاجات في الأوقات غير المناسبة. ١٠- تعلم الطفل عدم الاتكالبة: إن السلوك الاتكالي يرتبط لدى الأمهات من الإفراط في حماية أطفالهن، وهو ما لا تؤكد عليه التنشئة السوية، ويبدو هذا الإفراط في اتباع الأنظمة الصارمة للتغذية والرضاعة والتشدد في فطام الطفل، لأن ذلك يؤدي إلى إحباط الطفل الذي ينعكس بدوره على الميل إلى الاتكال على الغير.

стр. 59

ثالث عشر: الإخفاق في تنشئة الأطفال إن عملية التنشئة الاجتماعية هي أكبر الإنجازات، يؤدي الفشل فيها إلى أن يعيش الأفراد حياة تعسة فيها شقاء مستمر، إنهم يفتقدون القدرة على التكيف ويعانون سوء التوافق Maladjustment، ويضعون عراقيل في طريق غيرهم، وربما نتج الدمار في بعض الأحيان مثلما يحدث لبعض المجتمعات. بل إن الحروب كما يشير عبد الرحمن عيسوى ما هي إلا نتيجة الفشل الذريع في عملية التنشئة الاجتماعية في المجتمعات. وبسبب الإخفاق في تنشئة بعض الأفراد نجدهم أكثر عرضة لأن يصابون بالذهان Psychosis أو يدمنوا الكحول Alcohol Addiction أو إدمان المخدرات، وربما سقطوا في الجنوح Delinquency أو الجنسية المثلية Homosexuality أو اندرجوا تحت وطأة المرض النفسي Neurosis. وهناك مجتمعات رغم تقدمها العلمي والتكنولوجي إلا أن انتشار الأمور السابقة بين أبنائها نسبة عالية، مثل المجتمع الأمريكي. وأهم مرحلة في التنشئة هي مرحلة الطفولة، فإذا أهمل الطفل في بدء حياته، خرج في الأغلب عن السائد والمعروف في الجماعة، فاسد الأخلاق مرتكبا للأفعال الذميمة منحرفا وجانحا عن السواء.

стр. 60

الفصل الثاني: دور الثقافة في تنشئة الأطفال أولا- للثقافة معنى: الثقافة هي مجموع ما يتعلم وينقل من نشاط حركي وعادات وأفكار وقيم وتقاليد ومعتقدات واتجاهات وفكرة الصواب والخطأ وما ينشأ عن ذلك من سلوك ومشاعر وأنماط للعلاقات يشترك فيه أفراد المجتمع، كما أنها مجموعة طرق ووسائل صنع الأشياء والتكنولوجيا المستخدمة في ضوء القوانين والقواعد المنظمة والديانات المعتنقة. ويتعلم الفرد عناصر الثقافة أثناء نموه الاجتماعي، أي منذ نعومة أظافره من خلال تفاعله في المواقف الاجتماعية. وتؤثر الثقافة في تشكيل شخصية الصغير، ولذلك فهي تحدد سلوك الطفل الاجتماعي وحتى الكبير عن طريق عملية التطبيع الاجتماعي أو التنشئة الاجتماعية. فهي تبلور الأطفال وتشكلهم خلال مراحلهم المبكرة عن طريق نظم أولية Primary Institutions أو أعراف أولية مثل المتعلقة برضاعة الأطفال وفطامهم وتعليمهم ضبط عمليات الإخراج ... ونظم ثانوية Secondary Institutions. فالثقافة نتاج إنساني للتفاعل الاجتماعي والقبول الاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد، وتوافر أنماط اجتماعية عامة مرضية يستجيب الأفراد في ضوئها لحاجاتهم البيولوجية والاجتماعية، وهي تنتقل من جيل إلى آخر، وهي ليست فطرية، وتعتمد في وجودها واستمرارها على استمرار المجتمع، وإن كان هذا الوجود والاستمرار لا يتوقفان على وجود فرد بعينه أو جماعة بعينها على الرغم من أنها وسيلة للتماسك بين الأفراد في مجتمع واحد. إن الاستعدادات الممكنة التي تأتي مع الطفل لا تصبح واقعة إلا بعد تشربه الجزئي للثقافة التي ولد فيها، فهي توفر للطفل ما يؤمل أن يكون عليه. فالطفل في بداية حياته يتقبل الثقافة التي ينشأ فيها مثل تقبله للهواء والماء.

стр. 61

والثقافة توفر للفرد وسائل إشباع حاجاته البيولوجية، فليس على الطفل أن يتعلم في بداية حياته كيف يجلب لنفسه الدفء أو ينقذ نفسه من الجوع أو العطش، أو يوفر لنفسه الأمن. إذ إن الأنماط التي توفر هذه الأمور الأولية وتوجهها توجد في الثقافة ويتفاعل معها الفرد منذ طفولته. كما أنها توفر للطفل منذ مولده حتى يصبح كهلا المعاني والمعايير التي توضح الأحداث هل هي طبيعية أم غير طبيعية؟ هل هي منطقية أم غير منطقية؟ هل هي جميلة أم قبيحة؟ هل هي هامة أم تافهة؟ وتعتبر الأسرة الوعاء الثقافي الأول الذي ينشأ فيه الأطفال، فهي وسيط الثقافة الأولى لما يلي: ١- ترعى الطفل أوليا في الغذاء والنظافة والملبس ... إلخ. ٢- توجه الطفل للتعامل مع غيره من خلال مبادئ وأساسيات التعامل خذ، هات، أعط، اشكر ... وهكذا. ٣- تنقل التراث الثقافي للطفل بتعريفه وتعليمه وتلقينه العادات والتقاليد التي يجب أن تراعى وأوقاتها ومناسباتها. ٤- تساعد الطفل في تعلم المبادئ الأولية التي تساعد على التوافق الاجتماعي في ضوء رغبات الآخرين وإمكاناتهم. ولما كانت الأسرة هي الخلية الأولى في المجتمع، لذا فإن النمط الشائع بين أسر المجتمع الواحد يعكس ثقافة ذلك المجتمع. وتصبح الثقافة السائدة في المجتمع لها دورها في تشكيل شخصة الإنسان الذي نشأ فيه، وينعكس ذلك من خلال عملية التنشئة الاجتماعية التي ترسم الإطار العام لسلوكيات الأفراد، وهذا ما جعل Mead تضفي أهمية دراسة المجتمعات البدائية وغير البدائية لإعطاء صورة عن تأثيرات الثقافة السائدة على سلوك الاطفال، وهو الأمر الذي لم يغفله المؤلفان الحاليان. ويشير ماهر عمر إلى أن دور التفاعل بين الأطفال الصغار وبين الثقافة المحيطة بهم تفسره النظريات التطورية للمعرفة Cognitive- Development Theories على أنه يسهم إلى حد كبير في تنشئتهم الاجتماعية المتعلقة بتحديد

стр. 62

أدوار الجنس Sex- Role التي يمارسونها بما يجعلها تتصف بالذكورة أو الأنوثة ومن ثم يستنبط الطفل من هذه الثقافة نمطه السلوكي الذي يجده معمما على أفراد جنسه من الذكور إذا كان ذكرا أو معمما على أفراد جنسه من الإناث إذا كانت أنثى. وإذا كانت النظريات التطورية للمعرفة تركز بصورة أساسية على دور التفاعل الإيجابي بين الأطفال والثقافة السائدة في دعم التنشئة الاجتماعية التي تحدد الأنماط السلوكية لأدوار الذكور منهم ولأدوار الإناث، فإن نظريات التقمص Identification Theories تربط التنشئة الاجتماعية لصغار الذكور بما يكتسبونه من سلوكيات نمطية لأدوار الرجال التي يقلدونها من النماذج الذكرية التي يلتقون بها أو يشاهدونها أو يقرءون عنها في كل مرحلة من مراحلهم العمرية، ولا سيما مرحلتي الطفولة المبكرة والطفولة المتأخرة مثل الآباء والأقرباء والأصدقاء والزعماء والقادة والفرسان ... وغيرهم. كما تربط هذه النظريات "التقمص" التنشئة الاجتماعية لصغار الإناث بما يكتسبونه من سلوكيات نمطية لأدوار النساء التي يقلدنها

стр. 63

من النماذج الأنثوية في مراحلهم العمرية المختلفة مثل الأمهات، والخالات والعمات والمدرسات ... وغيرهن. أما نظريات التعلم الاجتماعي Social Learnign theories فتربط التنشئة الاجتماعية للأطفال بما يكتسبونه من سلوكيات نمطية لأدوار الرجال أو أدوار النساء، بناء على ما يتعلمونه من المحيطين بهم من وسائل الإعلام المنتشرة حولهم مستخدمين مبدأ التعزيز أو الدعم Reinforcement للسلوك النمطي الصحيح للدور الملائم لجنس الطفل ومبدأ الإطفاء للسلوك النمطي غير السليم للدور المخالف لجنس الأطفال. وسوف نعرف فيما يلي بعض النظم التي تختلف باختلاف الثقافات والمجتمعات، وربما باختلاف الطبقات داخل نفس المجتمع. وسوف نقسمها إلى نظم أولية ونظم ثانوية:

стр. 64

ثانيا: نظم تشكيل الأطفال تبعا للثقافة النظم الأولية ... ثانيا: نظم تشكيل الأطفال تبعا للثقافة ١- النظم الأولية: أ- نظام الرضاعة: إن الأم بتنظيمها عملية الرضاعة للطفل تمهد لإعداده لنظام التغذية المتبع في الثقافة التي تعيش فيها، إن هناك معايير اجتماعية تتصل بتغذية الطفل تختلف باختلاف الثقافات من حيث درجة تشدد الجماعة في إلزام الطفل الناشئ بها عند التطبيع مثلا إن الطفل يعتمد على ثدي الأم لمدة أطول من الغذاء الصناعي أو العكس، أو إن الطفل يعتمد على ثدي الأم لفترة قليلة جدا خشية التأثير على رشاقتها وجسدها. وربما يختلف الأمر داخل الثقافة الواحدة باختلاف الطبقة الاجتماعية والحضارية، فبينما نجد الأم في الريف المصري تحافظ على رعاية عملية غذاء الطفل عن طريق الثدي نجد الأم في المدينة تتعجل عادة تقديم الرضاعة الصناعية. ولا تقتصر أهمية الرضاعة على مجرد إطعام الطفل، بل يحس الطفل أثناء الرضاعة بالحب والعطف والطمأنينة والتمتع بعملية المص في فترة مبكرة والتي تنعكس أثارها على إقبال الأطفال على مص أصابعهم في حالة عدم إتاحة فرص

стр. 65

كافية لهم للامتصاص من ثدي الأم، وعلى أي حال فإن الأطفال الذين تقل فرصتهم في الرضاعة الطبيعية أو الصناعية غالبا يزداد ميلهم فيما بعد لمص الأصابع بالإضافة إلى مشكلات أخرى. ب- نظام الفطام: تختلف الثقافات فيما بينها في توقيت عملية الفطام، وكذا الطريقة التي تتم بها هذه العملية، فبينما تتم بقسوة في بعض المجتمعات نجدها في مجتمعات أخرى يبدو فيها اللين، وإن كانت الثقافات كلها تمهد للأمر بإطعام الطفل بمواد لينة وإعطائه السوائل والعصائر. فهناك ثقافات تهجر فيها الأم طفلها بضعة أيام حتى يتعود فراق ثدي الأم بينما نجد ثقافات تتخذ من الصبار أو المر دهانا لثدي الأم لتنفير الطفل في حين نجد ثقافات تستخدم الشطة أو الفلفل. وعلى أي حال فالقسوة في عملية الفطام لها آثار سلبية على البناء النفسي للطفل، وليس غريبا أن يعاني الطفل عقب تلك القسوة من قلق دائم. كما أن الحرمان المبكر للأطفال من ثدي الأم يجعلهم يقتربون مستقبلا من الاتصاف بالبخل والحنين الدائم للأم أو بديل لها، بينما الحرمان المتأخر يجعلهم يقتربون مستقبلا من الاتصاف بالشجاعة والكرم والميول الاجتماعية. جـ- نظام الإخراج: تختلف الثقافات في السن التي تبدأ في عملية تعويد الطفل ضبط الإخراج، فبينما نجد بعض الثقافات تهتم بهذه العملية وبحرص شديد في عمر مبكر، نجد ثقافات أخرى تتدرج في هذا الحرص وربما لا تعتني بالأمر. إن الخبرات الصدمية المبكرة المتبعة في ضبط الطفل لإخراج الفضلات تؤدي إلى ما عرف بتشكيل الخلق الشرجي الذي يتبدى في مظاهر الميل إلى البخل والمبالغة في النظام والنظافة والدقة، كما أن القسوة في التدريب على الإخراج تؤدي إلى النزعة العدوانية والميل إلى المبالغة Exaggeration. وتشير البحوث إلى أن التدريب على الإخراج يمكن أن يتم بيسر، ودون ردود فعل سيئة إذا كان الطفل متقدما في السن بصورة تسمح له بفهم التعليمات المناسبة، ولا يمكن أن يتم ذلك بسهولة قبل عمر السنة والنصف.

стр. 66

د- تعديل العادات الجنسية: تختلف الثقافات في بعض النواحي المتعلقة بالجنس، وتختلف في مقدار التسامح في هذا الأمر عند تنشئة الأطفال ففي ثقافتنا العربية نعود الأطفال على ستر العودة في سنة مبكرة وخاصة في الطبقة المتوسطة والعليا، كما نلزم الطفل بأداء التخلص من فضلاته في أماكن محددة أو بشروط محددة. وفي الوقت الذي نجد فيه ثقافتنا تحيط الجنس بنحو شبه غامض أمام الأطفال نجد ثقافات أخرى ربما تنبه له وربما تقدم مقررات وبرامج تربوية للأطفال الأكبر سنا وإن كان أغلب علماء الشعوب يعترفون بضرورة تعديل الميول والغرائز وخاصة الجنسية لضمان النظام الاجتماعي. وفي الوقت الذي نجد فيه المجتمعات الإسلامية تفرق بين البنين والبنات في المجتمع وفي المضاجع في سنة محددة نجد مجتمعات أخرى لا تعير الأمر أي اهتمام، وهذا ما سوف يبدو لنا بوضوح عند استعراض نماذج من طرح المجتمعات في التنشئة للأطفال. هـ- اللعب والثقافة: الألعاب جزء من ثقافة الناس وأسلوب حياتهم العام، وتمدنا الدراسة الدقيقة للألعاب ببعض الاستبصارات عن نوع الثقافة. وللألعاب وظيفتان بجانب أنها تخلص الإنسان من الملل فهي تمثل طريقة لتعليم الأطفال وحتى الكبار بعض الطرق للقيام بالأشياء المهمة، وهي تقدم كذلك نوعا من العلاج، حيث إنها تسمح للشخص الواقع في نوع ما من الصراع الثقافي أن يعيش فترة في عالم خيالي أسهل تتجنب النماذج التعبيرية فيه ذلك العالم الحقيقي الذي يزعجه. ويذكر Lambert john Roberts وميل له أن: - ابتداع ألعاب إستراتيجية مثل البوكر أو المونوبلي أو الشطرنج التي تمنح فرصة تجربة اتجاه الأمل في النجاح من خلال اتخاذ قرارات ذكية يتصل بالضغط العامل على إيجاد الطاعة في عملية التنشئة الاجتماعية.

стр. 67

- ألعاب الحاظ مثل الروليت أو البنجو أو السلم والثعبان ترتبط بالتدريب على المسئولية. - ألعاب المهارة الجسدية مثل المطاردة والتسابق بالأقدام أو السباحة تنشأ أو تفضل حينما تكون الضغوط نحو الإنجاز عالية. ومما هو جدير بالملاحظة أيضا من وجهة نظر عبر ثقافية أنه حيثما توجد أنواع عديدة من الألعاب في المجتمع يوجد قلق بشأن الأداء الإنجازي. وباختصار فإن ثقافة الألعاب في المجتمع تمنح الأفراد فرصا للتخفيف من القلق بشأن سلوكهم الإنجازي "لأن الربح أو الخسارة في اللعبة ليس له أي ناتج غير تخفيض القلق". بينما تعمل في نفس الوقت على تدريب اللاعبين على عمليات التنافس نفسها. وتتخذ الألعاب أشكالا معقدة لدرجة تصبح في الظاهر على الأقل مخالفة لفعاليتها الأصلية مثل البهجة والسرور وغيرها، كما نلاحظ ذلك في ألعاب القمار، وهو ما توافق على ممارسته بعض المجتمعات والبيئات وتحرمه بيئات أخرى. والطفل إذا كان يريد أن يلعب فلأنه يريد أن يلهو ويمرح، ولكن هذا لا يمنع من تحقيق بعض الأغراض الجدية عن طريق اللعب، كما لا يمنع من أن تكون متعة اللهو غير ظاهرة مباشرة على الطفل ذاته لأنه يمارس اللعب بكامل الجدية. وإننا نحدث خلطا في الوقت الذي نحاول فيه أن نقطع على الطفل لعبة لشأن من الشئون، حيث يظهر تذمره الشديد، وقلما فهمنا سبب ذلك، إنه جدية الطفل في لعبة فوق كل الأسباب. وإذا نظرنا إلى ما يمارسه الطفل من الألعاب داخل الأسرة وما يرتبط بها من إعداد وتمرين للقدرات والمهارات أو تنفيس عن الصراعات أو القلق، فهو أيضا له دوره في تكوين حب النظام المتمثل في وضع الأشياء وضعا معينا في الزمان أو المكان بناء على قواعد، وإتمام هذا النظام يصحبه شعور بالانسجام وإدارك له وميل الطفل إلى النظام عملية تثقيفية اجتماعية تسربت بوادرها من هندسة المباني والأثاث والملابس، وهذا ما يجعل النظام لا يبتعد عن المعنى المطلق وإنما هو نظام البيئة الاجتماعية الكبيرة التي يحيا فيها الطفل، فالطفل هنا يحاكي نظام البيئة من أبنية "يبني كوم أو هرم من الرمل" ومناسبات "تطلق الطفلة مجتهدة الزغاريد للعبتها الصغيرة في لعبة عروسة وعريس" ومواقف "تمسك الطفلة عصا وطباشير حينما تلعب مع الأطفال دور المدرسة".

стр. 68

وتظهر هذه العوامل الاجتماعية المؤثرة في حب الطفل للنظام من خلال الألعاب المناسبة للزمان والمكان فهي تختلف باختلاف البيئات الاجتماعية بل تختلف باختلاف الطبقات داخل المجتمع الواحد. حقا إن هناك ألعابا تتشابه بين الأطفال في جميع أنحاء العالم، ولكننا لا نرى في هذا ما يعارض هذه النسبية ولا ما يدعو إلى افتراض أنها تبعا لذلك ألعاب بالفطرة فنحن نرى فيها مجرد تشابه من جهة، ومن جهة أخرى فإن تشابه البشر في القدرات والإمكانات العقلية لمكونات مع اتصالية الحضارات كفيل بتوضيحه. والملاحظ أن الطفل يصاحبه الخجل عندما يخرج عن قانون اللعب أو لا يحقق النجاح المناسب فيها وربما يعيره غيره من الأطفال، وإنه يتقبل الجزاء وهذا ما يدعو إلى التساؤل عن هذه الطاعة لقانون اللعب وعن الداعي إليها. إن اللعب لا يحظى لدى كثيرا من البيئات العربية عموما، وأغلب العائلات المصرية خصوصا بالاهتمام اللازم وذلك نتيجة تصور ضمني يحمله كثير من الآباء المصريين للعب على أنه نشاط ثانوي على الأقل، وأن الطفل الجدي البعيد عن اللعب هو المثالي، فعن طريق تصرف الآباء والأمهات بوحي من هذا التصور في علاقتهم بالطفل، يتكون لديه تناقض وجداني بين ميوله الطبيعية إلى اللعب وبين إرضاء رغبة الكبار في أن يروه مقلعا عن اللعب أو مقلا منه بقدر الإمكان، منصرفا إلى الأمور الجدية، بالإضافة إلى رغبته في أن يكون مثل هؤلاء الكبار، مندمجا في منظومة علاقاتهم. وإنا لنشاهد بين وقت وآخر كثيرا من الأسر العربية تقارب بين الأطفال بقولهم: "ذاك الطفل هاديء مجد أما أخوه فعقله في اللعب والجري". إن الإيحاء هنا قوى التأثير في جعل أحد الطفلين يمعن في هدوئه وانصرافه عن اللعب للحصول على مثل هذا الإطراء، وجعل الطفل الآخر يكون صورة غير صالحة عن نفسه وعن اللهو واللعب. وكلتا الحالتين تساهم في تكوين مفهوم لذات الطفل غير سوية. إن الاعتراف بمشروعية اللعب للطفل، لا ينفصل عن الاعتراف باستقلالية شخصيته، وحقه وحريته. إن هذه الظاهرة المتمثلة في عدم الاعتراف بحق الطفل في اللعب تظهر في التسلطية التي يقطع بها الآباء على أطفالهم ممارسة ألعابهم لقضاء أمر من الأمور التي يرونها جدية، وما يبديه الآباء في نهي الطفل، وربما يفاجئه أحد الآباء وكأنه متلبس.

стр. 69

حقا إننا ربما نلاحظ مع ذلك في بعض العائلات ذات المستويات الثقافية منحهم حق الطفل ببعض حرية اللعب وبخاصة مع طفولته المبكرة، ولكن كلما أصبح الطفل أكبر عمرا، قل نصيبه في الحصول على هذا الحق. كما أن معظم الأسر المصرية فقيرة من اللعب، وما يمارسه الأطفال من الألعاب إنما هو من قبيل تركه لشأنه يفعل ما يشاء، عندما تصبح الظروف مناسبة من وجهة نظر الآباء، أي عنندما لا يكون هناك خطر من تكسير أو إحداث ضجة أو صياح أو نزاع، وبالتالي عندما يكون لعب الأطفال جميلا كتحرك السلحفاة أو تنقل العصافير داخل قفص صغير من السلك هادئا يمثل سلوك الكسالى لا حركات الشياطين. وسواء لعب الأطفال لعب الملائكة أو لعب العفاريت فليس في معظم البيوت المصرية وسائل أو أدوات للعب، لأن أهم دور في الأسرة هو توفير المأكل والمشرب والملبس وتأديب الأبناء وعقابهم إذا لزم الأمر لا إتاحة جو للعب أو المرح كما هو موجود في مجتمعات أخرى. وحتى إن توافر اللعب فإن مبدأ عدم الاعتراف بحرية الطفل وحقه في اللعب بها مرفوض إلى حد ما والأجدى من وجهة نظر الآباء النظر إلى هذه اللعب وهي مرتبة أو مرصوصة في جوانب من صالات الاستقبال أو في مكان بحيث لا يتمكن الطفل من الوصول إليها خوفا عليها من الكسر وليس خشية على الطفل من الشعور بالإحباط. إن تنشئة الأطفال مرتبطة في جزء كبير منها بما يمارس من ألعاب في المنزل، وبمقدار ما يشارك به الآباء أطفالهم في العب وهم صغار وما يعطونه من وقت معهم ليصبحوا أعضاء في اللعبة ولا تكتمل التنشئة السوية في حرمان الطفل من هذا الجانب أو ممارسة اللعب خفية وتسترا. و التدريب على الاستقلالية: وتختلف الثقافات فيما بينها في مدى الشدة واللين المستخدم لتعويد الأطفال على ممارسة أمورهم وألعابهم والمشاركة في بعض الأمور. وقد اتضح أن سلوك الاعتمادية والاتكال عند الأطفال يرتبط بالتشدد في فطام الطفل واتباع نظام محدد في تغذيته كما أن الإحباط الذي يعانيه الأطفال مثلما يحدث أثناء اختيار الأشياء أو اللعب يؤدي إلى ميل متزايد من الاتكالية على الغير.

стр. 70

كما أن من عوارض الإفراط في حب الطفل وتدليله أن ينشأ طفيليا، عالة على غيره. في الشعوب الإسلامية والتى تتخذ من الدين قانونا مستمرا، ينهى الدين عن الاعتماد على الغير ويظهر المسئولية الفردية، ويحذر من هذه الصفة الذميمة. وفي هذا الصدد يقول الإمام علي بن الحسين ﵇: "رأيت الخير كله قد اجتمع في قطع الطمع عما في أيدي الناس"، كما أن انتظار ما في أيدي الناس أساس الحرمان المادي، ويسبب الذل والهوان عند الله وفي أنظار الناس، وفي ذلك يقول أبو عبد الله ﵇: "اليأس مما في أيدي الناس عز للمؤمن". ويقول الله تعالى في كتابه الحكيم في سورة الطور آية ٢١ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ . ولقد وجدت علاقة ضعيفة بين سلوك الاعتمادية لدى الأفراد وهم أطفال في عمر ثلاث سنوات ودرجاتهم في سلوك الاعتمادية حينما أصبحوا راشدين كما أن الأطفال المعتمدين في عمر ٦ سنوات أميل لأن يكونوا سلبيين ومعتمدين في الرشد. والبنات أكثر استقرارا في سلوك الاعتمادية مقارنة بالذكور، بينما الذكور أكثر استقرارا في سلوك تأكيد الاستقلال. وتؤكد على ذلك Maccoby مشيرة إلى أن هناك اتساقا في سلوك الاعتمادية على الغير عند الإناث خلال المراحل العمرية المختلفة مقارنة بالذكور. كما تختلف درجة الاعتمادية عند الأطفال الأكبر وفقا لاختلاف التعزيز والعقاب الذي يتبعه الوالدان والمحيطون بالطفل. وقد دلت البحوث على أن السلوك الاتكالي عند الأطفال يرتبط إيجابيا بما لدى بعض الأمهات من ميل إلى الإفراط في الحماية لأطفالهم، وهذا يختلف باختلاف المجتمعات وثقافتها. والثقافة تنقل هذا السلوك من جيل إلى جيل مثله مثل أنواع أخرى من السلوك.

стр. 71

ز- التدريب على العدوان: على الرغم من أن كثيرا من الآباء والمعلمين في أغلب الثقافات يذمون السلوك العدواني إلا أن هذا السلوك شائع عند الأطفال في الثقافات المختلفة وبدرجات وأساليب متفاوتة. ومن الأمور الشائعة في مجال العدوان كسلوك، أنه يسبق بإحباط غالبا، وقد عرض Dallard وزملاؤه في كتابهم الشهير Frustration and Aggression العلاقة بين العدوان والإحباط. وبالرغم من ذلك فإن العلاقة رغم وجودها في أحوال كثيرة إلا أنها غير مؤكدة من حالات أخرى كما سبق أن ذكرنا. إن هناك آباء في ثقافات معينة يحاولون عمدا تعليم أطفالهم الذكور وخاصة ممارسة العدوان من قبيل الدفاع عن النفس، وربما لتصورهم كي يصبحوا رجالا أشداء في المستقبل. كما أن سلوك الوالدين المتبع في وقف المنازعات الشائع بين الأطفال ربما أسهم بطرق مباشرة أو غير مباشرة في تنمية العدوان. فالوالدان اللذان يستخدمان العقاب البدني بأسلوب متطرف يميل أطفالهم إلى أن يكونوا عدوانيين. وتعد دراسة Patterson ذات أهمية خاصة في هذا المجال، فقد تبين اختلاف بيئات أو ثقافات أسر الأطفال العدوانيين عن الأطفال العاديين. إن الطفل الأمريكي مثلا حينما يكون قد اقترب من المراهقة يكون قد شاهد ما يقرب من ١٣٠٠٠ حالة قتل خلال برامج تلفزيونية، وهو أمر لا يصل إليه الطفل العربي، وإن كانت الدلائل تشير إلى إمكانية انتقال تأثير مثل هذه النماذج العدوانية بعد انتشار الأطباق الفضائية المعروفة بـ Dish. إن الثقافة تنقل هذا السلوك بين الأجيال، وربما حدث نوع من الاطراد فيه.

стр. 72

٢- النظم الثانوية: وتتمثل في النظم الاجتماعية التي تشكلها جملة الأفعال والأفكار التي يجدها الأفراد أمامهم جاهزة ومفروضة عليهم، وقد يتجاوز عليها بعض الثوار أو المفكرين والمصلحين ويغيرونها ويجددونها، فإذا حدث التغيير في هذه النظم وأثبت فعاليته يصبح الجديد مفروضا على هؤلاء المجددين وبقية أفراد المجتمع والأجيال المتعاقبة إلى أن يأتي ثوار جدد. وفيما يلي سوف نعرض لأهم النظم الاجتماعية: أ- نظام الاقتصاد: تتميز الحياة الاقتصادية لكل بيئة اجتماعية بنوعية خاصة، بناء على طبيعة ما تنتجه وما تستهلكه في ضوء كونها زراعية أو صناعية. والطفل الذي يربى في ظل حياة اقتصادية زراعية أو صناعية مثلا يتأثر بها، بناء على الوضع الذي هي عليه من حيث الكم والكيف ومن حيث القوانين المنظمة والمبادئ بها مثل: ١- مبدأ توزيع الثروة: وأول ما يحدده هذا المبدأ درجة الغنى والفقر التي تكون عليه أسرة الطفل في ضوء كسب قوة حياة الأسرة بالجهد الشاق أو الجهد المعتدل في ضوء الآفاق السهلة أو المعقدة العسيرة للغنى. وهذا يؤثر فيما يمكن أن يوفر من غذاء وملبس وتعليم ومستوى ذلك الذي توفره. ولا تؤثر درجة الغنى والفقر فيما ذكرناه، بل في درجة حرمانه من عواطف الأم. ففي الظروف الصعبة ربما اضطرت الأمهات إلى ترك أطفالهن لساعات أو طوال اليوم للعمل خارج المنزل من أجل توفير ما يسد رمق الأسرة أو أكثر بقليل. وتحت هذا الوضع وعند إحساس الطفل، تتكون بذور الكراهية والنفور من بعض فئات المجتمع المحظوظة، وتنمو بذور احتقار النفس والشعور بالنقص. وربما قال البعض إن أمامنا بعض الحالات التي كانت على شكل أطفال محرومين تمكنوا بجهودهم أن ينجحوا ويحصلوا على الثروة، ولكن ذلك لا يستتبعه بالضرورة سلامة البناء النفسي لأغلبهم، فضلا عن شخصيته البخيلة الشرسة. إن من المعروف أن أبناء الفقراء يدركون وحدة النقود في مجتمعهم أكبر من حجمها بالنسبة لغيرهم من الأطفال الأغنياء.

стр. 73

٢- مبدأ السياسة الاقتصادية: إننا أمام ثلاثة منطلقات لهذه السياسة، إما سياسة ليبرالية مفتوحة أو سياسة موجهة أو سياسة معتدلة بينهما. والنظام المعمول به يجعل الأفراد منذ أن كانوا أطفالا يشعرون بمستوى المسئولة الاجتماعية أو الفردية التي يتحملونها أو التي يجب أن تكون على عاتقهم. ٣- دور الطفل كمنتج: ينتهي مبدأ توزيع الثروة ومبدأ السياسة الاقتصادية بتحديد دور كل فرد في الإنتاج. وهذا الدور يجعل الفرد يشعر بذاته وأهميتها وفعاليتها إزاء نفسه وإزاء الآخرين من أبناء مجتمعه، وحتى وإن كان الفرد صغيرا، فهناك من الأطفال من يشعرون بانعدام أهميتهم نتيجة وجودهم حتى فترة المراهقة غير مؤهلين لشيء. إن ذلك نتيجة المبادئ التي اعتنقتها مدارس الصغار القائمة على أن مرحلة الطفولة كلها فترة إعداد وليست فترة إنتاج ولو بسيطا. إننا نلاحظ أطفال الريف أو البدو يمارسون أعمال الزراعة أو الرعي منذ سن ٦ سنوات أو أقل أو أكثر بقليل، ويشعر هؤلاء الأطفال بمسئولياتهم كاملة، في الوقت الذي نجد نظائرهم من الأطفال في المدينة يبقون غير مدركين لأمور الحياة حتى فترة المراهقة. والنظام الاقتصادي في المجتمع الذي يقوم على جهود أحد الجنسين يجعل الجنس الآخر يعاني من الاغتراب Alienation، إن العامل الاقتصادي المبني على دور كل من الذكر والأنثى في الإنتاج هو الذي يؤدي إلى تطوير بنية الأسرة من سيادة المرأة إلى سيادة الرجل، أو إلى التعاون بينهما، كما نشاهد اليوم في أغلب الأسر في الدول المتقدمة أو بعض طبقات المجتمع المصري. ب- نظام السياسة: من المعروف أن البيئة الاجتماعية العامة ترتبط بقيام السلطة، ومع تطور وتعقد الحياة الاجتماعية تنعقد نظم قيام السلطة. والنظام السياسي يطبع الحياة العامة للأفراد بطابع مميز في المنزل والشارع والمدرسة. ونتيجة لوجود الطفل في هذه الأماكن لأوقات ليست بالقصيرة، يمارس أهل الطفل والطفل نفسه بعض الحقوق السياسية التي ينشأ فيها ويتنشأ عليها.

стр. 74

فالنظام السياسي الاستبدادي يقلل من وجود المصانع المشتركة بين أفراد المجتمع عن طريق ما يلقيه في نفوسهم من خوف ورعب، والطفل الذي يترعرع في ظل نظام من هذا النوع يهيأ لأن يكون انطوائيا وأنانيا. والطفل الذي يترعرع في مجتمع ديمقراطي، يجد أمامه العلاقات اليومية التي تنعكس عليه آثارها المتمثلة في الاعتزاز بالنفس وبالمجتمع وأفراده. فالطفل الذي يشاهد مراسم اختيار رئيس دولته وما يسبقها من حرية في اختيار الزعيم، ويعيش ظروف الكشف عن قضية مثل قضية وترجيت أو تطرفات سابقة للرئيس الأمريكي كلينتون ... وكيف تتخذ فيها الإجراءات القانونية ... يرى كيف أن منصب الرئاسة لا يحمي صاحبه من الاتهامات له أو لكبار المساعدين ... وينمو هذا الطفل واثقا من نفسه معتزا برأيه وغير خائف من قول ما يرى ورؤية آثار ما يقول ... يرى حق الانتقاد ... في الوقت الذي نرى فيه غيره من الأطفال الذين نموا في ظل أنظمة نازية ... تطبق المثل القاتل "من له ظهر لا يضرب على بطنه". إن المجتمعات المتقدمة تختلف أيضا في مستويات سياستها ونظمها، ومثال ذلك ما نلاحظه من تفتح أمريكي مقابل تحفظ إنجليزي عندما يعرض Allport مثاله عن سفينة الركاب الأمريكية التي تسمح للأطفال والكلاب بالتجوال فيها بحرية بينما لا يسمح في الباخرة الإنجليزية للأطفال بدخول الصالونات وبعض المرافق. جـ- نظام القضاء والدين: هذا النظام يتمم نظام السياسة، ويتوقف عليه حقوق الأفراد، فالنظام القضائي والدين يدعم نظام السياسة ومن المعروف أن "العدل أساس الملك". وهذا العدل هو تساوي الأفراد أمام القانون وتجرد القاضي عن الأغراض وكل سلطة يمكن أن تتدخل في أحكامه إلا القانون والدين. فالطفل الذي ينشأ في مجتمع عادل في قوانينه وشرائعه عند اتخاذ القواعد أو التطبيق والتنفيذ لها يهيأ لحب العدالة واحترام الغير، والطفل يتشرب كل ذلك في علاقته بأفراد الأسرة والرفاق في المدرسة. إلا أن ما يعتبر عدلا في بعض الأمور في مجتمع ما ربما كان ظلما في مجتمع آخر، فهناك مجتمعات قائمة على التمييز العنصري أو على التمييز بين

стр. 75

الذكور والإناث. فأنظمتها في ضوء قوانينها وتعاليمها عادلة، وفي عرف ثقافات أخرى تعد ظلما فادحا. وهذا لا يجعلنا ننسى المبادئ العامة التي لا يمكن أن تقوم عدالة بدونها مثل احترام الإنسان وعدم استغلاله، أو التقليل من كرامته. فمثلا في الدين الإسلامي لا تعد تربية الأطفال تربية صحيحة واجبا وطنيا وإنسانيا فحسب، بل إنها فريضة روحية مقدسة، وواجب شرعي لا يمكن الإفلات منه. لقد وجدنا في هذا الحديث أن الإمام زين العابدين ﵇ يصرح بمسئولية الأبوين في تربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجبا دينيا يستوجب أجرا وثوابا من الله تعالى، وإن التقصير في ذلك يعرض الآباء إلى العقاب. يقول الإمام الصادق ﵇: "وتجب للولد على والده ثلاث خصال: اختياره لوالدته، وتحسين اسمه، والمبالغة في تأديبه". ويذكر علي عبد الواحد وافي أن Lintion درس ثقافتين تتميزان أساسا بنظم دينية مختلفة في درجة التسامح والتشدد إحداهما بجزر المركيز والثانية بجزر تانالاس بمدغشقر. فالأولى تتميز بديانة متسامحة لا تثير الخوف والرعب في الأطفال، والثانية تتميز بالشدة والصرامة في الأمور الدينية. وقد وجد اختلاف بين نمطي الشخصيات للأطفال في الديانتين. وفي الديانة الطوطمية يتضح كيف أن عواطف الطفل في مجتمعاتها تتجه إلى الحيوان والبنات لتتبلور حوله فتحبه وتقدسه، مما يدل على قوة العاطفة الدينية وأثرها على تنشئة الأطفال. فالأفكار الدينية يتأثر بها الطفل لأنها تزرع في نفسه الحب والإيمان، وربما الرعب والخوف وربما من هذا الجنس "رجل" أو ذاك "امرأة" فيتهيأ الطفل إلى إقامة علاقات مع أفراد وينفتح على موضوعات وينغلق على أخرى من خلال سلوك عملي، فتنمى روح التضحية بما لا يضحى به في الظروف العادية، وتطبعه بالتسامح أو التشدد وتهيئه على النحو الذي يجب أن يترجم عليه حوادث العالم المحيط به. د- نظام العائلة: ويتمثل في القواعد التي تخضع لها الأسرة عند تكوينها ووظائفها وعلاقة أفرادها بعضهم ببعض، من زواج، وطلاق، وحضانة، ونفقة، وواجبات،
следующие страницы →