← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 8354

تنشئة الطفل وسبل الوالدين في معاملته ومواجهة مشكلاته

زكريا الشربينى

Полный текст (367 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ز- التدريب على العدوان: على الرغم من أن كثيرا من الآباء والمعلمين في أغلب الثقافات يذمون السلوك العدواني إلا أن هذا السلوك شائع عند الأطفال في الثقافات المختلفة وبدرجات وأساليب متفاوتة. ومن الأمور الشائعة في مجال العدوان كسلوك، أنه يسبق بإحباط غالبا، وقد عرض Dallard وزملاؤه في كتابهم الشهير Frustration and Aggression العلاقة بين العدوان والإحباط. وبالرغم من ذلك فإن العلاقة رغم وجودها في أحوال كثيرة إلا أنها غير مؤكدة من حالات أخرى كما سبق أن ذكرنا. إن هناك آباء في ثقافات معينة يحاولون عمدا تعليم أطفالهم الذكور وخاصة ممارسة العدوان من قبيل الدفاع عن النفس، وربما لتصورهم كي يصبحوا رجالا أشداء في المستقبل. كما أن سلوك الوالدين المتبع في وقف المنازعات الشائع بين الأطفال ربما أسهم بطرق مباشرة أو غير مباشرة في تنمية العدوان. فالوالدان اللذان يستخدمان العقاب البدني بأسلوب متطرف يميل أطفالهم إلى أن يكونوا عدوانيين. وتعد دراسة Patterson ذات أهمية خاصة في هذا المجال، فقد تبين اختلاف بيئات أو ثقافات أسر الأطفال العدوانيين عن الأطفال العاديين. إن الطفل الأمريكي مثلا حينما يكون قد اقترب من المراهقة يكون قد شاهد ما يقرب من ١٣٠٠٠ حالة قتل خلال برامج تلفزيونية، وهو أمر لا يصل إليه الطفل العربي، وإن كانت الدلائل تشير إلى إمكانية انتقال تأثير مثل هذه النماذج العدوانية بعد انتشار الأطباق الفضائية المعروفة بـ Dish. إن الثقافة تنقل هذا السلوك بين الأجيال، وربما حدث نوع من الاطراد فيه.

стр. 72

٢- النظم الثانوية: وتتمثل في النظم الاجتماعية التي تشكلها جملة الأفعال والأفكار التي يجدها الأفراد أمامهم جاهزة ومفروضة عليهم، وقد يتجاوز عليها بعض الثوار أو المفكرين والمصلحين ويغيرونها ويجددونها، فإذا حدث التغيير في هذه النظم وأثبت فعاليته يصبح الجديد مفروضا على هؤلاء المجددين وبقية أفراد المجتمع والأجيال المتعاقبة إلى أن يأتي ثوار جدد. وفيما يلي سوف نعرض لأهم النظم الاجتماعية: أ- نظام الاقتصاد: تتميز الحياة الاقتصادية لكل بيئة اجتماعية بنوعية خاصة، بناء على طبيعة ما تنتجه وما تستهلكه في ضوء كونها زراعية أو صناعية. والطفل الذي يربى في ظل حياة اقتصادية زراعية أو صناعية مثلا يتأثر بها، بناء على الوضع الذي هي عليه من حيث الكم والكيف ومن حيث القوانين المنظمة والمبادئ بها مثل: ١- مبدأ توزيع الثروة: وأول ما يحدده هذا المبدأ درجة الغنى والفقر التي تكون عليه أسرة الطفل في ضوء كسب قوة حياة الأسرة بالجهد الشاق أو الجهد المعتدل في ضوء الآفاق السهلة أو المعقدة العسيرة للغنى. وهذا يؤثر فيما يمكن أن يوفر من غذاء وملبس وتعليم ومستوى ذلك الذي توفره. ولا تؤثر درجة الغنى والفقر فيما ذكرناه، بل في درجة حرمانه من عواطف الأم. ففي الظروف الصعبة ربما اضطرت الأمهات إلى ترك أطفالهن لساعات أو طوال اليوم للعمل خارج المنزل من أجل توفير ما يسد رمق الأسرة أو أكثر بقليل. وتحت هذا الوضع وعند إحساس الطفل، تتكون بذور الكراهية والنفور من بعض فئات المجتمع المحظوظة، وتنمو بذور احتقار النفس والشعور بالنقص. وربما قال البعض إن أمامنا بعض الحالات التي كانت على شكل أطفال محرومين تمكنوا بجهودهم أن ينجحوا ويحصلوا على الثروة، ولكن ذلك لا يستتبعه بالضرورة سلامة البناء النفسي لأغلبهم، فضلا عن شخصيته البخيلة الشرسة. إن من المعروف أن أبناء الفقراء يدركون وحدة النقود في مجتمعهم أكبر من حجمها بالنسبة لغيرهم من الأطفال الأغنياء.

стр. 73

٢- مبدأ السياسة الاقتصادية: إننا أمام ثلاثة منطلقات لهذه السياسة، إما سياسة ليبرالية مفتوحة أو سياسة موجهة أو سياسة معتدلة بينهما. والنظام المعمول به يجعل الأفراد منذ أن كانوا أطفالا يشعرون بمستوى المسئولة الاجتماعية أو الفردية التي يتحملونها أو التي يجب أن تكون على عاتقهم. ٣- دور الطفل كمنتج: ينتهي مبدأ توزيع الثروة ومبدأ السياسة الاقتصادية بتحديد دور كل فرد في الإنتاج. وهذا الدور يجعل الفرد يشعر بذاته وأهميتها وفعاليتها إزاء نفسه وإزاء الآخرين من أبناء مجتمعه، وحتى وإن كان الفرد صغيرا، فهناك من الأطفال من يشعرون بانعدام أهميتهم نتيجة وجودهم حتى فترة المراهقة غير مؤهلين لشيء. إن ذلك نتيجة المبادئ التي اعتنقتها مدارس الصغار القائمة على أن مرحلة الطفولة كلها فترة إعداد وليست فترة إنتاج ولو بسيطا. إننا نلاحظ أطفال الريف أو البدو يمارسون أعمال الزراعة أو الرعي منذ سن ٦ سنوات أو أقل أو أكثر بقليل، ويشعر هؤلاء الأطفال بمسئولياتهم كاملة، في الوقت الذي نجد نظائرهم من الأطفال في المدينة يبقون غير مدركين لأمور الحياة حتى فترة المراهقة. والنظام الاقتصادي في المجتمع الذي يقوم على جهود أحد الجنسين يجعل الجنس الآخر يعاني من الاغتراب Alienation، إن العامل الاقتصادي المبني على دور كل من الذكر والأنثى في الإنتاج هو الذي يؤدي إلى تطوير بنية الأسرة من سيادة المرأة إلى سيادة الرجل، أو إلى التعاون بينهما، كما نشاهد اليوم في أغلب الأسر في الدول المتقدمة أو بعض طبقات المجتمع المصري. ب- نظام السياسة: من المعروف أن البيئة الاجتماعية العامة ترتبط بقيام السلطة، ومع تطور وتعقد الحياة الاجتماعية تنعقد نظم قيام السلطة. والنظام السياسي يطبع الحياة العامة للأفراد بطابع مميز في المنزل والشارع والمدرسة. ونتيجة لوجود الطفل في هذه الأماكن لأوقات ليست بالقصيرة، يمارس أهل الطفل والطفل نفسه بعض الحقوق السياسية التي ينشأ فيها ويتنشأ عليها.

стр. 74

فالنظام السياسي الاستبدادي يقلل من وجود المصانع المشتركة بين أفراد المجتمع عن طريق ما يلقيه في نفوسهم من خوف ورعب، والطفل الذي يترعرع في ظل نظام من هذا النوع يهيأ لأن يكون انطوائيا وأنانيا. والطفل الذي يترعرع في مجتمع ديمقراطي، يجد أمامه العلاقات اليومية التي تنعكس عليه آثارها المتمثلة في الاعتزاز بالنفس وبالمجتمع وأفراده. فالطفل الذي يشاهد مراسم اختيار رئيس دولته وما يسبقها من حرية في اختيار الزعيم، ويعيش ظروف الكشف عن قضية مثل قضية وترجيت أو تطرفات سابقة للرئيس الأمريكي كلينتون ... وكيف تتخذ فيها الإجراءات القانونية ... يرى كيف أن منصب الرئاسة لا يحمي صاحبه من الاتهامات له أو لكبار المساعدين ... وينمو هذا الطفل واثقا من نفسه معتزا برأيه وغير خائف من قول ما يرى ورؤية آثار ما يقول ... يرى حق الانتقاد ... في الوقت الذي نرى فيه غيره من الأطفال الذين نموا في ظل أنظمة نازية ... تطبق المثل القاتل "من له ظهر لا يضرب على بطنه". إن المجتمعات المتقدمة تختلف أيضا في مستويات سياستها ونظمها، ومثال ذلك ما نلاحظه من تفتح أمريكي مقابل تحفظ إنجليزي عندما يعرض Allport مثاله عن سفينة الركاب الأمريكية التي تسمح للأطفال والكلاب بالتجوال فيها بحرية بينما لا يسمح في الباخرة الإنجليزية للأطفال بدخول الصالونات وبعض المرافق. جـ- نظام القضاء والدين: هذا النظام يتمم نظام السياسة، ويتوقف عليه حقوق الأفراد، فالنظام القضائي والدين يدعم نظام السياسة ومن المعروف أن "العدل أساس الملك". وهذا العدل هو تساوي الأفراد أمام القانون وتجرد القاضي عن الأغراض وكل سلطة يمكن أن تتدخل في أحكامه إلا القانون والدين. فالطفل الذي ينشأ في مجتمع عادل في قوانينه وشرائعه عند اتخاذ القواعد أو التطبيق والتنفيذ لها يهيأ لحب العدالة واحترام الغير، والطفل يتشرب كل ذلك في علاقته بأفراد الأسرة والرفاق في المدرسة. إلا أن ما يعتبر عدلا في بعض الأمور في مجتمع ما ربما كان ظلما في مجتمع آخر، فهناك مجتمعات قائمة على التمييز العنصري أو على التمييز بين

стр. 75

الذكور والإناث. فأنظمتها في ضوء قوانينها وتعاليمها عادلة، وفي عرف ثقافات أخرى تعد ظلما فادحا. وهذا لا يجعلنا ننسى المبادئ العامة التي لا يمكن أن تقوم عدالة بدونها مثل احترام الإنسان وعدم استغلاله، أو التقليل من كرامته. فمثلا في الدين الإسلامي لا تعد تربية الأطفال تربية صحيحة واجبا وطنيا وإنسانيا فحسب، بل إنها فريضة روحية مقدسة، وواجب شرعي لا يمكن الإفلات منه. لقد وجدنا في هذا الحديث أن الإمام زين العابدين ﵇ يصرح بمسئولية الأبوين في تربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجبا دينيا يستوجب أجرا وثوابا من الله تعالى، وإن التقصير في ذلك يعرض الآباء إلى العقاب. يقول الإمام الصادق ﵇: "وتجب للولد على والده ثلاث خصال: اختياره لوالدته، وتحسين اسمه، والمبالغة في تأديبه". ويذكر علي عبد الواحد وافي أن Lintion درس ثقافتين تتميزان أساسا بنظم دينية مختلفة في درجة التسامح والتشدد إحداهما بجزر المركيز والثانية بجزر تانالاس بمدغشقر. فالأولى تتميز بديانة متسامحة لا تثير الخوف والرعب في الأطفال، والثانية تتميز بالشدة والصرامة في الأمور الدينية. وقد وجد اختلاف بين نمطي الشخصيات للأطفال في الديانتين. وفي الديانة الطوطمية يتضح كيف أن عواطف الطفل في مجتمعاتها تتجه إلى الحيوان والبنات لتتبلور حوله فتحبه وتقدسه، مما يدل على قوة العاطفة الدينية وأثرها على تنشئة الأطفال. فالأفكار الدينية يتأثر بها الطفل لأنها تزرع في نفسه الحب والإيمان، وربما الرعب والخوف وربما من هذا الجنس "رجل" أو ذاك "امرأة" فيتهيأ الطفل إلى إقامة علاقات مع أفراد وينفتح على موضوعات وينغلق على أخرى من خلال سلوك عملي، فتنمى روح التضحية بما لا يضحى به في الظروف العادية، وتطبعه بالتسامح أو التشدد وتهيئه على النحو الذي يجب أن يترجم عليه حوادث العالم المحيط به. د- نظام العائلة: ويتمثل في القواعد التي تخضع لها الأسرة عند تكوينها ووظائفها وعلاقة أفرادها بعضهم ببعض، من زواج، وطلاق، وحضانة، ونفقة، وواجبات،

стр. 76

وميراث ... ويرتبط ذلك بدرجة أو بأخرى بالدين والقانون باختلاف المجتمعات. فالطفل يتأثر في تكوينه بالعلاقة بين الوالدين، ويتأثر بمن يتصل بالأسرة من أقارب ومدى أهميتهم طبقا لطبيعة المجتمع، فبعض المجتمعات يأخذ فيها العم أو الخال الأهمية الكبرى لدرجة أن عقدة أوديب تتجه إلى العم أو الخال لما لهم من سلطة حقيقية في الأسرة خولها نظام العائلة المعمول به في ذلك المجتمع. وهناك نظم عائلية تبيح الطلاق في الوقت الذي تحرمه نظم أخرى أو تمنعه، ولذلك آثاره على الأطفال في ضوء الرابطة بين الوالدين وإيجابياتها وسلبياتها. وتتضمن النظم العائلة حضانة الأطفال ومن يقوم بها، فالعرب قديما في مكة المكرمة كانوا يوكلون أبناءهم إلى مرضعات، وكو ن الطفل يحمل اسم أبيه، ولا يحمل اسم أمه، وتفاوت نصيب كل من الذكر والأنثى في الميراث ... كل ذلك يهيئ تنشئة مختلفة عموما باختلاف الثقافة وأيضا باختلاف الجنسين. وكذا تعدد الزوجات أو الأزوج والمحارم وغيرها، تعد نظما عائلية تختلف باختلاف المجتمعات وباختلاف الديانات المعتنقة، وتبلور عواطف الأطفال الناشئين في اتجاهات معينة، فتحدد له موضوعات حبه وكيفية التعبير عن هذه العاطفة ... كما تحدد له أعداءه الذين يمكن أن يكونوا موضوع كراهية باعتبارهم يخرجون عن النظام العائلي المعروف له. هـ- نظام الأخلاق: الأخلاق عبارة عن جملة من القواعد التي يلتزم بها الفرد مع غيره، وتحدد المبادئ التي يقيمون على أساسها علاقاتهم والمعايير التي يستندون عليها في اتخاذ القرارات من حيث هي خير أو شر، فضيلة أو رذيلة كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وهذه القواعد ثمرة تفاعل نظام القضاء والدين والعائلة وحتى النظام السياسي ... بالإضافة إلى التقاليد والأعراف، وبطبيعة الحال تختلف من بيئة إلى أخرى. وعن طريق مفهوم "العيب" و"الحشمة" و"الالتزام" تتسرب الأخلاق إلى الطفل عبر أسرته ومدرسته وقبلها روضته. ومن هنا يتكون الضمير أو الأنا الأعلى

стр. 77

بلغة فرويد، وتتكون منظومة القيم الأخلاقية مصاحبة مشاعر الاستحسان والإقبال نحو موضوعات، ومشاعر النفور والاستهجان نحو موضوعات أخرى. وبالنسبة للأطفال الصغار في مرحلتهم المبكرة تتركز المسألة الأخلاقية حول مناطق الإخراج بصفة خاصة، وتجد كلمة "عيب" صداها إذا تعرى جزء من جسم الطفل ثم إذا تحدث بكلمة جارحة أو إذا استخدم أو لمس أشياء معينة، ثم تتسع المسألة إلى أن يصل الطفل إلى مرحلة يستطيع فيها أن يقيس ما لم يمنع على ما منع ... إلى أن يصل الكبير في الدين الإسلامي إلى أن البر حسن الخلق. ويبدو تأثير النظام الأخلاقي على الصغير في مرحلة مبكرة من عمره مع بدايات تدريبه على الإخراج والأكل والكلام ... وهذا ما يجعل أثرها أقوى وأطول في المدى. و النظام الفني الجمالي: إن عناصر الفن والجمال في المجتمعات تتمثل في الطبيعة والموسيقى والتصوير والرسم والغناء والرقص ... وتتضافر الأنظمة الأخلاقية والفنية والجمالية أثناء تنشئة الطفل، ففي الجانب الخلقي نجد المنع والردع والحب والتفصيل، وفي الفن والجمال نجد ذلك أيضا مع التفتح والابتكار لإظهار كل فن وكل جميل. إن معايير نقد الفن والجمال في بيئة الطفل تكون جزءا من شخصيته وتؤهله ليكون متذوقا. والبيئة الاجتماعية بنظامها الفني الجمالي تمنحه ما يؤهله للكشف عن قدرة الخالق وجمال الطبيعة وإمكانات البشر، بالإضافة غلى عدم تجاوز الحدود في بعض الأمور مثل النحت أو التشكيل كما نرى في ثقافتنا الإسلامية. أما بقية الأمور الجمالية فهي تهيئ نائشا يمكنه التنفيس عن نفسه في مواقفه الصعبة أو المكدرة التي لا بد أن يمر بها كل إنسان، فيشعر بأنه يعيش حياة ممتلئة امتلاء ليس حالة من "النزفانا" كما يقول Rogers بل انفتاحا وثقة متزايدة. ويشير مصطفى سويف أن ما أظهرته البحوث في الإبداع أن كاتب القصيدة يرمي من إبداعها ترميما للصدع الذي يشعر به أو الذي يعانيه بين الأنا والنحن.

стр. 78

ز- نظام اللغة: ويتمثل ذلك فيما تتخذه البيئة الاجتماعية من وسائل للتخاطب والتفاهم والاحترام، وما يستعمل من إشارات أو أصوات في التعبير. واكتساب الطفل لهذه الأمور هو جزء من الاندماج الحقيقي في البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها. ويعد استخدام الكلمات والألفاظ والإشارات وحركات العين أو اللسان أو الفم أو الوجه أو الأطراف مؤشرا لوصول الطفل إلى مستوى مناسب من الذكاء يمكنه من ذلك. وهذا ما يجعل إتقان نظام اللغة مرتبطا بالذكاء، وهذا ما يدفعنا بين وقت وآخر إلى إعداد اختبارات للذكاء مشبعة بالعامل اللغوي، وجعل Piage يهتم بمجال اللغة والفكر عند الأطفال. ح- النظام الديموجرافي Demographic والمورفولوجي Morphologie: ويتمثل ذلك في مناطق السكن وتعداد السكان ونسبة والمعمرين وعمليات الهجرة من القرى إلى المدن. ولهذا النظام ومكوناته آثاره على نمط الشخصية، فنجد سكان المناطق الساحلية لهم خصائصهم التي تنعكس على تنشئة الأبناء، وكذا سكان الصحاري والجبال. فنحن لا نجد رجل الريف متقززا عندما تشاركه حيواناته مكان نومه، بينما نجد أن رجل المدينة ربما يطلب إخراج قطة صغيرة هادئة من غرفة نومه. ويستعرض مبارك ربيع أن سكان سوس في جنوب المغرب معروفون بالهجرة إلى المناطق النائية داخل المغرب وخارجه، سعيا وراء الرزق والكسب. وهم في هذا معروفون بأنهم تجار يتميزون بالأمانة، إلا أنهم معروفون كذلك بأنهم يفارقون أبناءهم وزوجاتهم سنوات طوالا، يعودون خلالها مرة على الأكثر كل عام لرؤيتهم، وهذا يدل على أن عاطفة الحب عند الأبناء والزوجات تخالف في قوتها ما هو موجود عند غيرهم من سكان المناطق الأخرى وخاصة سكان السواحل.

стр. 79

ك- التصورات عن الأطفال: ويشبه ذلك بعملة ذات وجهين: أحدهما ما يحمله الطفل من تصورات عن نفسه، والوجه الآخر ما يحمله الكبار من تصورات عن الطفل. وليس هناك خلاف حول التصورات التي يحملها الطفل عن نفسه في أنها انعكاس لما يحمله الكبار من تصورات عنه. وبقدر ما تنظر البيئة المحيطة بالطفل إليه على أنه وديع، أو شرير وطبيعته شريرة، وتحتاج إلى القمع، تتكون فكرة الأطفال عن ذواتهم ويميلون إلى الثقة بالنفس أو الشعور بالنقص. وتحت هذا النطاق نجد بعض المجتمعات ما زالت تنظر إلى الذكور على أنهم أفضل من الإناث، وينعكس ذلك على الذكر والأنثى على حد سواء، فالتصورات التي يحملها الطفل عن نفسه والتي تتسرب إليه من خلال ما تثقفه به بيئته، تؤثر على الدور الذي سيتقمصه الطفل ودرجة قبوله لهذا الدور. وهناك من الأطفال من يكون لهم خصائص لها أهميتها عند تنشئتهم مثل الطفل البكر والطفل الأكبر والطفل الأخير والطفل الوحيد. ويجب أن يأخذ في الاعتبار أن التشابه في مستوى الحضارة لا يعني بالضرورة تشابها في التصورات المتعلقة بالأطفال. لقد أظهرت بحوث Mead عن عشائر الأرابش بغينيا الجديدة، وهم سكان الجبال أنهم يختلفون في تصوراتهم عن الطفولة مقارنة بجيرانهم المندوكومور سكان الوادي. ففي الوقت الذي يبدو فيه سكان الجبال أكثر تعلقا بأطفالهم وأشد عطفا عليهم، نجد سكان الوادي لديهم لا مبالاة في معاملة الأطفال. وهذا ما أظهر أطفال أرابشيين واثقين من أنفسهم مقابل أطفال مندوكوموريين يحفهم القلق والاضطراب.

стр. 80

الفصل الثالث: وكالات التنشئة الاجتماعية مدخل ... الفصل الثالث: وكالات التنشئة الاجتماعية Socialzing Agencies ليس للمجتمع أن يترك مهمة التنشئة الاجتماعية، وهي من أهم عوامل بقائه واستمراريته دون تنظيم أو تحديد لمن يقومون بها. والوكالات هي تنظيمات أو مؤسسات أو هيئات اجتماعية أو جماعات أو وسائط، نضع لها مصطلحا لكل منها وهو "وكالة"، لأن المجتمع يوكل إليها أمر التنشئة الاجتماعية. وتعد وكالات التنشئة مسئولة أمام المجتمع صراحة أو ضمنا في أمر التطبيع الاجتماعي لأبناء ذلك المجتمع، بهدف استمرار الوجود الاجتماعي للجماعة بالإضافة للوجود المادي. وهذا ما يجعل وكالات التنشئة الاجتماعية خاضعة للمراقبة، ومعرضة دائما للتقويم، فيوجه لها من الإثابة ومن النقد بدرجات متفاوتة. وهناك العديد من الوكالات والوسائط منها: الأسرة، والحضانة، والروضة، والمدرسة وجماعة الرفاق، ووسائل الإعلام، ودور العبادة ... وغيرها. وقد أشارت البحوث إلى أنه عندما توجد تباينات تولد صراعات بين الأفكار، والمثل والمهارات التي تنتقل عن طريق الأسرة، والتي تنتقل بواسطة رفاق اللعب، أو بين تلك التي تنقلها الأسرة في مقابل ما ينتقل عن طريق الروضة أو المدرسة، فإن تنشئة الطفل تميل إلى أن تصبح بطيئة وغير مؤكدة، ومن ناحية أخرى فإنه عندما تكون جميع وكالات التنشئة Socialzing Agencies متفقة ومتوافقة، فإن ذلك يقلل من الصراع والخلط عند الأطفال، ولا نحسب أن ذلك يتحقق في جو أسرى تقوم فيه مربية أجنبية مثلا غريبة عن المجتمع وثقافته، دخيلة بثقافتها المغايرة تماما لغة وعادات وربما دينا بعمل المنشئ الاجتماعي للطفل

стр. 81

منفردة أو حتى مساهمة مع الوالدين، إذ إن مساهمتها يصعب جدا أن تأتي مطابقة لاتجاهاتها، وبالتالي فهي تضيف عنصرا آخر أو عاملا دخيلا من شأنه أن يعمل على زيادة اختلاط الأمور أمام ذلك الصغير "الطفل" في مراحل تحتم على القائمين على شئونه بتجلية الأمور وشفافيتها، حتى يمكن للطفل أن يلتقط ويستوعب على نفس النسق في يسر وسهولة. وينبغي على أي وكالة من وكالات التنشئة الاجتماعية أن تعتمد على الأقل على أربعة أركان هي: المكافآت والتسامح والقبول والعقاب. ففي هذه الأركان الأربع يكون الطفل اللياقة الاجتماعية والاتجاه نحو احترام وطاعة القاعدة أو القانون. إن التنشئة لا تعلم الطفل الخوف من الأشياء المحسوسة كي يقول الطفل لنفسه: لا بد أن تكون ذا سلوك حسن حتى تبتعد عن العقاب أو لا ينكشف أمرك. ويكون الضبط هنا من خلال الشعور بالعار. ولكن التنشئة تعلم الطفل أن يضبط نفسه من خلال الشعور بالذنب عند اقتراف الأخطاء، بحيث لا يكون الشعور بالذنب قاسيا ومبالغا فيه. إن الشعور بالعار نراه في انتظار الطفل للرقيب أو المدرس أو حتى رجل الشرطة لمعاقبته على أخطائه أو تأنيبه الحاد.

стр. 82

أولا: الأسرة على الرغم من أن وكالات التطبيع والعوامل الاجتماعية والجماعات تؤثر في تنشئة الأطفال، إلا أن الأسرة من أهم الوكالات التي تقوم بهذه العملية. والأسرة نظام اجتماعي معقد يتضمن وظائف متداخلة بين أعضائها، وهذه الوظائف يمكن أن يحدث بها من التغيير في الشكل أو في سلوك واحد من أفرادها نتيجة متغيرات مثل وجود أحد الوالدين فقط Single Parent أو عمل الأمهات Working Mothers. والأسرة هي الخلية الأولى التي يحتك الطفل بها، وهي المكان الأول الذي تبدأ فيه معالم التنشئة الاجتماعية للطفل ابتداء من عامه الثاني. وتتكون معظم الأسرة في مجتمعاتنا الحديثة من الأب والأم والإخوة والأخوات، فلقد تعرضت الأسرة في تطورها إلى التقلص في حجمها من حيث

стр. 83

عدد الأفراد الذين تضمهم ففي أشكالها البدائية كانت تضم بالإضافة إلى هؤلاء الأجداد والأحفاد والحلفاء والأنصار. وإذا كانت مجتمعاتنا العربية ما تزال تضم نماذج من أسر ممتدة، كما هو شائع في الأسر القروية والأسرة البدوية، وبعض الأسر الكبيرة في المدن، إلا أن الشائع الآن هو الأسرة النواة التي تشمل الأبوين والأولاد. ومن الطبيعي أن ينعكس ذلك على وظيفتها في إعداد أفرادها لحياة المستقبل، ومن المهم هنا أن نلاحظ فيما يخص الوظيفة التربوية للأسرة أن تقلصها من حيث الامتداد لا يعني بالضرورة تناقصها في التأثير من حيث العمق. وفي أغلب الدراسات التي تناولت الأسرة يحاول الباحثون إيجاد العلاقة بين خصائص الوالدين واتجاهاتهم وأساليبهم في معاملة الأبناء، وبين شخصية هؤلاء الأبناء أو النمو العقلي أو الاجتماعي لهم. ولقد كانت هذه الدراسات تضع في حسبانها أن أسلوب الوالدين يقرر سلوك الأبناء متعاملة مع الأمر بمعالجات ارتباطية لا تعلن عن سبب ونتيجة. فنتائج الدراسات التي انتهت إلى وجود علاقة بين العقاب الجسدي وجنوح الأبناء الذكور لا تعنى أن اتباع الآباء لهذا الأسلوب أدى إلى زيادة سلوكهم المنحرف، فربما شارك مع العقاب الجسدي من الوالد سرعة غضب الطفل وكثر إلحاحه في الطلبات مما جعل الوالد يقبل على أساليب قاسية وشديدة للسيطرة، يمكن أن تكون قد بدأت بالمعقولية وتوضيح المبررات وتفسير الأمور دون جدوى، مما جعله يتبع أساليب أشد من سابقتها مثل الحرمان من الرحلات أو منع الخروج مع الأصدقاء أو حتى مشاهدة التلفزيون، وجاءت أساليبه الجديدة غير مجدية. وربما أصاب الوالد الإحباط وخيبة الأمل، فأسرف في العقاب القاسي للتغلب على تمرد الطفل. وهكذا يدفع الأطفال والديهم أحيانا للإقبال على أساليب للمعاملة لم تكن في الحسبان، بل نبعت من خصائص وسلوكيات الأطفال أنفسهم أو خصائصهم كما اتضح في نموذج الوالدية المقترح في هذا الكتاب، وكما سوف يتضح في الفصل السادس. وليس من الإنصاف أن نقول إن مثل هذا النوع من الأطفال

стр. 84

مسئولون عن أنفسهم وما يحدث لهم، فإن الظروف الاجتماعية والاقتصادية وسلسلة من المتغيرات الأخرى ربما تشارك فيما يصدر. إن التفاعل الاجتماعي داخل الأسرة لا يحدث بين الطفل ووالديه، بل يحدث بين كل أفراد الأسرة بالإضافة إلى الظروف والمتغيرات المحيطة. والأمر هنا ليس بين طرفين، بل يمكن تشبيهه بميدان مع طرق متقاطعة. وترجع أهمية الأسرة في تنشئة الأبناء إلى ما يلي: - إن الأسرة وما تشتمل عليه من أفراد هي المكان الأول الذي يتم فيه باكورة الاتصال الاجتماعي الذي يمارسه الطفل مع بداية سنوات حياته الذي ينعكس على نموه الاجتماعي الذي يمارسه الطفل مع بداية سنوات حياته الذي ينعكس على نموه الاجتماعي فيما بعد. - إن القيم والتقاليد والاتجاهات والعادات تمر بعملية تنقية من خلال الآباء متخذة طريقها إلى الأبناء بصورة مصفاة وأكثر خصوصية. فهناك عوامل كثيرة تتدخل في إكساب الأبناء القيم والتقاليد منه: شخصية الوالدين، والمستوى الاجتماعي والاقتصادي للأسرة، وجنس الابن، وهذا ما تعرضنا له في النموذج المقترح في الفصل الخامس. فالمعايير والقيم المرغوب تشكيلها في فتاة من طبقة اجتماعية منخفضة ووالد متسلط سوف تختلف بالتأكيد عن المعايير والقيم المرغوب تشكيلها في فتاة من طبقة اجتماعية راقية ووالد متسامح. ويعتبر الآباء بمثابة مصفاة Filter تصفي أو تنقي القيم قبل عبورها إلى الطفل، كما أنهم نماذج Models أمام الأطفال يقلدونها. - الأسرة هي المكان الوحيد في مرحلة المهد وما بعدها بقليل للتربية المقصودة ولا تستطيع أي وكالة أخرى تقريبا أن تقوم بهذا الدور، فهي تعلم الطفل اللغة وتكسبه بدايات مهارات التعبير. - الأسرة هي المكان الذي يزود الأطفال ببذور العواطف والاتجاهات اللازمة للحياة في المجتمع. الأسرة أول موصل لثقافة المجتمع إلى الطفل. - الأسرة أكثر دوما وأثقل وزنا من باقي الوكالات المؤثرة على الطفل وبخاصة في مرحلة الطفولة، وأكثر أهمية في تأثيرها من تأثير الجيران والأقارب والأقران وحتى المعلمين.

стр. 85

- إن التفاعل بين الأسرة والطفل يكون مكثفا وأطول زمنيا من الجهات الأخرى المتفاعلة مع الطفل. - الأسرة هي الجماعة المرجعية التي يعتمد عليها الطفل عند تقييمه لسلوكه. والوالدان لديهم أفكار وآمال عن الخصائص الشخصية والاجتماعية التي يرغبان تحقيقها في أطفالهم، ورغم ذلك فلا توجد معادلة سحرية لتحديد التنشئة الفعالة السوية، ورغم ذلك أيضا يعرف الآباء أن هناك أساليب لها آثار سلبية على الأطفال وأساليب لها آثار إيجابية عليهم. وفي كثير من الأحيان نجد حالات متشابهة في المعاملة الوالدية ومستوى الأسر الاجتماعي أو الاقتصادي، وتتشابه بعض المتغيرات الأخرى، ولكن تأتي سلوكيات أطفال هذه الأسر المختلفة في صور متباينة. وكما أن على الأسرة أن تربي طفلا يلتزم بقيم ومعايير مجتمعه عليها ألا تنسى أن لكل طفل فرديته. فمعرفة الوالدين للحالة المزاجية للطفل تجعلهم في موقف أحسن من حيث توجيه عملية النمو الخاصة به فمثلا إذا كان الطفل من النوع البطيء التقبل للأمور كان على الأهل ألا يتعجلوه في تقبل المواقف الجديدة، فقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع خوفه وربما ميله إلى الانسحاب والسلبية. وكذلك إذا كان لدينا طفل من الصعب تهدئته نجد أن التسامح لا يتناسب معه وربما يشجعه على التمادي في الصياح حتى يحصل على ما يريد، ولكن إذا أحيط بجو حازم عطوف كانت النتائج أفضل. وللطفل أثر مباشر على علاقة الوالدين ببعضهما البعض، فالطفل إذا كان مريضا أو عصبيا أو معوقا زاد من عبء المسئولية، وينعكس ذلك على مقدار التحمل للوالدين وعلى فترة الاهتمام والرعاية بالإخوة أو نوعية هذا الاهتمام، وربما انعكس الأثر على دور الوالدين برمته في الحالات السيئة للأطفال. وعلى الرغم من أن عملية التنشئة الاجتماعية يمكن القول أنها تبدأ من السنة الأولى من حياة الإنسان إلا أنها تصبح بطريقة واعية ومنظمة مع بداية التحرك ونشاط الأطفال وبدء اللغة، ولم يعد التدليل على نفس النحو السابق أو نفس المستوى، لقد بدا له ضوابط وحدود وبدا الآن مصطلح لا تفعل كذا واردا

стр. 86

على نحو أكثر مما سبق. لقد بدأ التدريب على الإخراج وبدأ المرح والتشجيع على السلوكيات المقبولة، والعقاب على السلوكيات غير المقبولة ... هنا بدأت عملية التطبيع الاجتماعي إن الآباء الآن يقومون بتعليم آبنائهم القواعد والقوانين الاجتماعية. والأطفال دائما يميلون إلى تقليد الآخرين وفي مقدمتهم الآباء كنماذج ... وعملية التقليد هذه توجد كثيرا من التشابهات بين هؤلاء الأطفال وآبائهم. ويطلق المتخصصون في علم النفس على ذلك التطابق والتوحد Identification كما سبق أن أشرنا، ويطلق عليها علماء الاجتماع مصطلح المحاكاة Immitation التي تبدأ في فترة مبكرة من عملية التنشئة داخل الأسرة. وتتم عملية التنشئة بسهولة وفي أحسن صورة إذا أحيط الأطفال ببيئة مملوءة بمعايير وقيم مجتمعهم. أما إذا وجدوا في بيئة آباء منحرفين أو حتى متقلبين عاطفيا فالاحتمال الأكبر أن ينمو بسلوك وقيم منحرفة. إن الأطفال الذين يأتون في أسر تتصف بالأمانة والجد والعمل غالبا ما يتصفون بالخلق والإحساس بالغير ودافع الإنجاز Achievement Motivation ومن أشهر أنواع السلوك القابلة للتقليد والمحاكاة القدرة على ضبط النفس والسلوكيات الأخلاقية والسلوكيات المناسبة لكل جنس. وعلى الرغم من أن الوالدين يعدان النموذج الاول للمحاكاة، فهناك أيضا الإخوة والأصدقاء. وبالتدريج تؤدي عملية التقليد إلى مفاهيم ... نحن، هم ... وهناك ثلاث خصائص والدية تسهل أو تساعد على تقليد الأطفال للوالدين هي: الحنان والعطف، القوة، العقاب وتؤثر كل منها في عملية التقليد. ويختلف تأثيرها باختلاف الجنس "ذكور، إناث". فالإناث يملن إلى تقليد النموذج الذي يتصف بالحنان والعطف، ويميل الذكور إلى تقليد النموذج الذي يتصف بالقوة والهيمنة أو السيطرة. كما أن العطف والحنان يسهل تقلد الحركات والأخلاق والتعليقات، والقوة تسهل تقليد اتخاذ القرار وإيجاد الحلول. ولقد شاع منذ وقع ليس ببعيد تأثير عمل الأم على تنشئة الأطفال. ويرى Etaugh أن أطفال الأمهات الراضيات سواء يعملن أم لا، لهم درجات غير مختلفة.

стр. 87

في التوافق النفسي والاجتماعي ويبدو أن الإشراف الكافي من قبل العاملات هو الذي يسد الثغرة الشائعة عن تأثير غيابها. إن المهم هنا هو استقرار بيئة الطفل وموقف الأم تجاه عملها ووظيفتها كأم، فمشكلات الأطفال إلى حد بعيد لا صلة لها بعمل الأم أو وجودها المستمر في المنزل. إن الاستقرار الأسري والوفاق بين الوالدين خلف التنشئة المناسبة للأطفال. ولقد أشارت بعض الدراسات أن الأمهات العاملات يواجهن صراعا في الأدوار نتيجة تحملهن لأعباء متنوعة، مما ينعكس على العلاقة بين الأم والأبناء ولكن هذا يتصاءل حينما يكون هناك نوع من التعاون والدعم من قبل الزوج لزوجته في إنجاز بعض المهام أو المشاركة فيها، وإن كانت من اختصاصات الأمهات فقط. حتى وجود الزوج أثناء الولادة يعمل على تخفيف حدة الآلام، كما أن لعب الآباء مع الاطفال ومناغاتهم وحملهم وهدهدتهم يخفف الكثير على الأمهات ويجعل الحياة الأسرية أكثر متعة ويجعل الأب يدخل عالم طفله كما سوف يتضح بالتفصيل فيما بعد. إن الفاحص لعلاقة الطفل بأمه كموضوع أوله لحبه، وكأول شخص يتعرف من خلاله على العالم يجد أن الأب يدخل متأخرا عالم الطفل. إن ذلك راجع إلى كونه لا يلبي رغبات حيوية بالنسبة للطفل. ومن المعروف في مجتمعاتنا العربية أن الآباء غالبا لا يولون الأطفال عناية في الأسابيع الأولى، وحتى الشهور الأولى من باب أنه ربما لا يليق بالرجل. وهذا لا يمنع من مداعبة الطفل. والملاحظ أن الأم كثيرا ما تحاول توجيه انتباه طفلها إلى وجود أبيه بمجرد إحساسها أن الطفل أصبح الآن بإمكانه تحويل نظره مما يشير هنا إلى أن الأب يكون خارج عالم الطفل لفترة معينة. ولكن هذا التأخير لا يعني أن دخول الأب سوف يكون ثانويا، بل يمكن أن نقول عنه أنه يدخل عالم الطفل بقوة، وتبعا لشدة هذه القوة يكون الأثر على علاقة الطفل بالأب، بل وبالأم أيضا والإخوة. وهذا الدخول القوي من قبل الأب في عالم الطفل من مدخل التأديب، حيث يكون الأمر والنهي للأب، وحيث يجد الطفل اندماجه الحقيقي في الأسرة وفي المجتمع متوقفا على استيعاب عالم الأبوة وتمثله Assimilation بما فيه من سلطة وقيم، ويجعل تقمص شخصية الأب ضرورة تتطلبها عملية النمو ذاتها، بفعل

стр. 88

موقف الاندهاش Astonishment من مدى قدرة الأب على التأثير في الأسرة ومن فيها، وفيما تعانيه من ابتئاس وما تشعر به من ابتهاج، فهو مفتاح عوالم أسرته. ومن هنا تتولد حالة نفسية للطفل نحو الأب نسميها عاطفة الإعجاب. تلك العاطفة التي تبدو في موقف ثابت نسبيا ومستمر للطفل تجاه الأب، تتسرب في أعماق الطفل، وبذلك يتسرب عالم الأبوة بما فيه من قيم داخل الطفل، ويكون العامل الأساسي في تكوين الطفل من الزاوية الاجتماعية وفي تنشئته. إن دراسة علاقة الطفل بالأب من منظور إعجابي، يخالف الرؤية الفرويدية التي تركز في هذه العلاقة على الكراهية والعداء. حقا إن في تحليل عقدة أوديب لدى فرويد ما بين اختلاط هذه الكراهية بعنصر الإعجاب. ولكن محور النشاط النفسي في نظريته يظل حول الكراهية والعداء. وتفاصيل عقدة أوديب تعطي الأب إمكانية تجعله قادرا على أن يتجنب هذا النوع من العلاقة، أو ألا تجعل علاقته مصطبغة بهذه الصبغة وحدها، أي أن الموقف التربوي من قبل الأب في علاقته بابنه هو القادر على الحيلولة دون تعقد الموقف بعناصر الكراهية والعداء. ولكن ذلك لا يمنع مطلقا أن يكون إعجاب الطفل ممزوجا بعواطف أخرى ملائمة ومنافية. على أن تعرض الطفل للإحباطات وضروب من المنع والردع من قبل الأب "النموذج" ظاهرة طبيعية في مراحل نموه، وهي الكفيلة بتقوية الجانب الإرادي في الطفل. ولكنها من دون شك تثمر حزازت ومشاحنات في نفس الطفل تجاه أبيه، وتكون بالتالي ذلك التناقص الذي لا يخلو من عاطفة من العواطف، وهو احتواؤها على عناصر وجدانية واتجاهات متناقضة. وعلى ذلك ليس من المغامرة في شيء أن نذهب إلى أن عناصر كراهية وغيره تجاه الأب تتولد في نفس الطفل مصاحبة للإعجاب به. فإذا كانت الدهشة باعث الإعجاب بالأب كنموذج، فإن الرهبة والخوف حتى في أقل مستوياتهما من سلطة هذا النموذج وقوته المادية والمعنوية ومكانته، وعلو صوته ورأيه وقدرته على التوجيه والتأثير في حياة الأسرة، هذه الرهبة وهذا الخوف كفيلان بأن يولدا في الطفل مشاعر كراهية وغيره من الأب. وإن من

стр. 89

المشاهد أن بعض الأطفال ابتداء من عمر الثالثة يبدءون في إظهار مثل هذه المشاعر المتناقضة في الظاهر لعاطفة الإعجاب بالأب عندما يقول بعضهم مخاطبا الأب: لماذا تفعله أنت؟ أو يخاطب الأم قائلا: لماذا يفعله أبي ولا أفعله أنا؟. إن عاطفة الإعجاب بالأب تنشأ في جوها السليم عندما يشعر الطفل بأنه مرغوب فيه ومحبوب. فانعدام النضج الانفعالي لدى بعض الآباء كانعدام الرغبة في الأطفال تؤدي إلى أسوأ الآثار العاطفية على الأطفال ومن المعروف في مثل هذه الأحوال عن الآباء أنهم يتخذون لموقفهم من الأبناء تبريرات مصطنعة، كأن يعلل بعضهم ذلك بأسباب اقتصادية أو اجتماعية، بينما يكشف التحليل عن عوامل نفسية لا شعورية لمواقفهم تلك. ويؤكد ذلك ما هو معروف في آباء آخرين من تقبل لأطفالهم وحسن معاملتهم وعلاقتهم بهم مع سوء حالتهم الاقتصادية. وعلى ذلك يمكننا القول أنه بالإمكان أن تنشأ عاطفة الإعجاب بالأب تيسر إدماج عالم الأبوة في عالم الطفل، وتسهل بالتالي عملية التمثيل والاقتداء، ومن ثم التنشئة الأسرية المنشودة. وإن انخفاص مستوى النضج الانفعالي للأب سواء تجلى في مظهر الرفض اللاشعوري للطفل، أو في مظهر العلاقة الاستحواذية به، ذات الحب التملكي، لا يؤدي إلى انحراف عاطفة الإعجاب بالأب لدى الطفل فحسب، بل يؤدي إلى آثار نفسية تنعكس على الأب نفسه ويكون لها ردود أفعال على ذلك الصغير الذي يجب أن يكون في حالة انفتاح لعالم الأبوة، فلا يجد ما يحاكي من نماذج سوى مظاهر مرضية.

стр. 90

حقا إن ثَمَّ عمليات نفسية إعلائية أو تحويلية يمكن بواسطتها تحريف هذه التأثيرات عن مجراها المتوقع، ولكن تلك العمليات ربما تبوء بالفشل. ولعل ما عاناه "هتلر" في طفولته من طريقة وأسلوب أبيه نحوه من قسوة وما علق في اللاشعور لديه من ارتباط هذه القسوة بمستوى اجتماعي منخفض لموظف بسيط أنشأ عنده رغبة في تحدي الواقع، هذه الرغبة الكامن خلفها اندفاع ضد شخصية أبيه، وبالتالي نحو مستوى اقتصادي واجتماعي فوق ذلك الأب. إن هذا كله كان دافعا لا شعوريا "لهتلر" فيما قام به من أعمال. وعموما فكلما اتجه موقف الأب مع طفله إلى الصداقة والتفاهم وتجنب السلطة والعنف أثمر ذلك عاطفة إعجاب الطفل وسهل اندماج عالم الأبوة وقيمه ومعاييره، ومن ثم جزءا كبيرا من قيم ومعايير المجتمع الذي ينتمي إليه ذلك الأب العادي. وأصبح الصغير في سبيله إلى تنشئة اجتماعية راضية مرضية، وانعكست آثار ذلك على علاقة الأم بالطفل الصغير وعلاقة الصغير بإخوته، أي على التفاعل الاجتماعي في الأسرة كلها، وإن كانت هناك عوامل تؤثر على ذلك التفاعل الاجتماعي في الأسرة وعلى نوع ودرجة تأثر الطفل به في أثناء تنشئته الاجتماعية يمكن إجمالها في: - الطبقة التي تنتمي إليها الأسرة: إن الأسر تختلف في تفاعلها مع الأطفال باختلاف المستوى الاقتصادي والمستوى الاجتماعي والمستوى الثقافي الذي يميزها. فقد تبين أن أمهات الطبقة المتوسطة أكثر واقعية في التعامل مع أطفالهن، على حين أن أمهات الطبقة العالية الأفضل تعليما يملن إلى معاملة أطفالهن بطريقة أكثر دفئا وأكثر تفهما وقبولا، كما أنهن أقل تدخلا في شئون الصغار. أما أمهات الطبقة الدنيا فلديهن ميل إلى معاملة أطفالهن بالعنف والعقاب الشديد، وخاصة في التدريب على استخدام المرحاض. وفي أسر الطبقة المتوسطة كان نفوذ وسيطرة الأب تدعو إلى الاطمئنان والأمان نسبيا مهما كانت أعمار الأبناء. على حين نجد أن الأب في الأسر ذات الطبقة الدنيا يميل إلى فقد سلطته على ابنه المراهق. وتبدو الاختلافات في الأسر حسب طبقتها في نواح متصلة بالتنشئة الاجتماعية مثل: نوع وكمية المسئوليات التي تلقيها على الطفل، المرح والتشجيع ودفء المعاملة وتجنب العقاب، مستوى ضبط عدوانية الأطفال، مستوى الشدة

стр. 91

المتبع في ضبط عملية الإخراج أسلوب التغذية اتجاه الأسرة نحو الأمور الجنسية التي يبديها الأطفال وتصرفاتهم نحوها. ولا يغيب عن الأذان أن تأثر الأسرة بثقافة الطبقة أو المجتمع الذي تعيش فيه، لا يعني إلغاء الخصائص الشخصية للوالدين وطريقة تعبيرهم عن مشاعرهم وأساليب توجييهم لأطفالهم كما سبق أن ذكرنا في الفصل الخامس. كما أن نتائج أطفال الطبقة الفقيرة يمكن أن تكون إيجابية على الرغم من حرمانهم من الامتيازات الاجتماعية والاقتصادية. فنجد ارتباطهم الشخصي والعائلي للأصحاب والجيران الذي يدعم المشاركة والدعم المتبادل. وعلى الرغم من سخريتهم من الأقدار والتشاؤم من الحياة إلا أنهم أكثر واقعية في نظرتهم إلى المحيط من حولهم. كما أن إحساسهم بأنهم عرضة للأزمات وأنهم مهددون، ينمي عندهم الإحساس والوعي والقدرة على مواجهة الضغوط والصراعات. بعكس أطفال الطبقة الوسطى الذين يواجهون معاناة في مواجهة المواقف الصعبة. وعلى الرغم من الاختلافات الواضحة في طرق حياة وخصائص كل طبقة إلا أنه لا توجد اختلافات في القيم والأهداف من تربية الأطفال. والاختلاف يكون واضحا في بعد القوة والتوجيه الذاتي للطبقة المتوسطة مقابل الخنوع والطاعة في الطبقة الفقيرة. فالآباء في الطبقة الوسطى يفرضون الاحترام والطاعة للسلطة بينما يفرض آباء الطبقة الاجتماعية الوسطى حب الاستطلاع والتحكم والسيطرة على النفس والقدرة على تأجيل إشباع الرغبات والعمل من أجل تحقيق الأهداف طويلة الأمد. وفي الطبقة الوسطى يكون الآباء أقل عنفا وشدة مع الأطفال حديثي السن من الميلاد حتى سن خمس سنوات، ويكونون أشد نصحا وتقويما وتوجيها لأبنائهم في مرحلة المراهقة ويتوقعون من أطفالهم النضج المبكر في تحمل المسئولية، ويخططون لأطفالهم أهدافا وإنجازات عالية يجب تحقيقها. أما في الطبقة الفقيرة فالآباء يكونون أشد عنفا مع الأطفال حديثي السن من الميلاد حتى خمس سنوات، ويقل هذا العنف تدريجيا ويتحول إلى نوع من التهاون والتسامح الشديد مع الأطفال الأكبر سنا. وربما عاد ذلك إلى توقعات الآباء المنتظرة

стр. 92

من الأبناء للاعتماد على أنفسهم والاستقلال الاقتصادي. بعكس توقعات الآباء في الطبقة المتوسطة لهذا الاستقلال الاقتصادي عند الانتهاء من التعليم الثانوي أو الجامعي لأبنائهم. - حجم الأسرة تتأثر شبكة العلاقات والتفاعلات داخل الأسرة من ناحيتي اتساعها وتعقدها بحجم الأسرة ومن ثم التطبيع الاجتماعي للأطفال. إن البحوث تشير إلى أن أكثر من ٨٠% من الأسر تشتمل على أكثر من طفل أي بها ثلاثة أفراد فأكثر، وكلما زاد حجم الأسرة قلت الفرصة أمام الآباء للاحتكاك والتقارب بين كل فرد على حدة، وكذا قلت مساحة هذا الاحتكاك، ولكن تتسع الفرصة للتفاعل بين الإخوة. وكلما زاد عدد الأبناء في الأسرة حددت الأدوار في العائلة وطبقت الأنظمة بشكل صارم، وتفرض القوانين فرضا على أفرادها، ولا يستطيع الآباء تدليل هذا العدد الكبير وإلا انقلب الأمر إلى شبه فوضى. إن الأسرة ذات الطفل الواحد مثلا، تظهر فيها ثلاث علاقات ثنائية هي العلاقة بين الطفل والأم، وبين الطفل والأب، وبين الأب والأم. ويزداد هذا العدد من العلاقات حينما يكون حجم الأسرة خمسة "أب وأم، وثلاثة أبناء" وعندما نأخذ في الاعتبار العلاقات بين شخصين والعلاقات بين الشخص وأكثر من شخص يصل عدد هذه التفاعلات الممكنة إلى ٦٥ علاقة. هذا الكم الضخم من العلاقات يؤثر من غير شك على طبيعة العلاقات وعمقها العاطفي، وعلى أنماط السلطة ونوعها، كما يؤثر على الأنشطة الممارسة والمشكلات التي يخبرها الطفل وإخوته سواء كان الطفل طرفا أومشاهدا لها. ووسط هذا الحجم قل الوقت للشرح والتفسير ويزداد ميل الآباء إلى بعض القسوة للضبط والتحكم. وإذا زاد العدد يكون دور الفتيات واضحا في المساعدة على تربية الأطفال الأصغر. والتفاعل الأقل مساحة من الأباء وسط هذا العدد يظهر الاعتماد على النفس بدرجة أكبر أو يكون الانخفاض نسبيا في مستوى التحصيل الدراسي للأبناء وتشير البحوث في نتائجها إلى انخفاض في مستوى الذكاء عموما، وتعد دراسات يسرية صادق من الدراسات الرائدة في هذا المجال على عينات عربية.

стр. 93

ويعد من عيوب صغر حجم الأسر على التنشئة الاجتماعية للأبناء، ذلك التركز والعمق في العلاقات العاطفية بين أفراد الأسرة الواحدة مما يترتب عليه الحماية الزائدة للأطفال بالإضافة إلى ضيق مجال تحركه وتعامله وخبرته وربما ظهور الغيرة بين الأطفال. - الترتيب الميلادي للطفل: سوف يظل الطفل الأول متربعا على عرش الحب والرعاية والاهتمام لدى الوالدين إلى أن يصل طفلهما الثاني وبعده الأطفال الآخرون، عندئذ تختلف طريقة التعامل اختلافا واضحا، لقد أصبح هناك أطفال آخرون يشاركون الأول هذا الاهتمام وربما يسرقون منه تلك الرعاية. وعلى الرغم من أن الطفل تظهر عليه علامات الغيرة لإحساسه بفقد جزء من الاهتمام، لكن تبقى الحقيقة بأن تفاعل الوالدين مع الطفل الأول كانت أعلى من مستوى التفاعل مع الطفل الثاني أو الأطفال الآخرين، لدرجة أنه ربما يقتصر احتكاك الآباء بأطفالهم بعد الأول على الاستجابة لحاجاتهم وتلبية مهامهم الأساسية. لقد جاءت الدراسات معلنة أن التعليقات والمحادثات تكون موجهة غالبا للطفل الأول على الرغم من قدوم إخوة آخرين له، مما يرفع معه الحصيلة اللغوية مقارنة بإخوته. كما يلاحظ ما يلي: بخصوص الطفل الأول: تكون توقعات الوالدين للطفل الأول أكثر والآمال أعلى، ويكون دفع الوالدين للطفل الأول على أن ينجز بطريقة أعمق، بالإضافة إلى تحميله المسئولية وإقحامه في بعض الأمور أكثر من إخوته. ويقع الطفل الأول أكثر من إخوته في العقاب وربما العقاب الجسدي. بخصوص أواسط المواليد: يكون الوالدان الآن بعد خبرتهم مع الطفل الأول أكثر مرونة وارتخاء في معاملاتهم، وربما عاد ذلك إلى تمرسهم مع الطفل الأول الذي يعتبر طفل التدريب وكبش الفداء، ويقول البعض إنه يأخذ حد السكين. وهذا ما يجعل للطفل الأول خصائص أكثر وضوحا مثل القدرة على ضبط الذات والقلق مع انخفاض مستوى العدوانية، والجدية والتفوق الأكاديمي فيما بعد، وكذا التفوق المهني ربما للمعايير العالية التي يضعها الوالدن له. ويميل هؤلاء

стр. 94

الأطفال إلى عدم الثقة بالنفس والشعور بالخوف من الفشل، كما أنهم أكثر إدراكا للخطر وأقل إقبالا على المغامرة. ونتيجة لهذه الحساسية لدى أوائل المواليد فإنهم يكونون أكثر عرضة للوقوع في اضطرابات ومشكلات نفسية مثل اضطرابات النوم والتبول اللإرادي، أما أواسط المواليد فهم يقعون بين طرفين إخوة أكبر وآباء لديهم بعض التهاون عن ذي قبل. ويكون مستوى الإنجاز الأكاديمي لهؤلاء الأطفال أقل من أوائل المواليد وأحيانا ضعيفا، وقوة تركيزهم ضعيفة ومداها قصير، ونجدهم دائمي البحث عن رفاق، ومرحين وباحثين عن المتعة وأكثر جرأة ومخاطرة. بخصوص الطفل الأخير: هذا الطفل غالبا مدلل، إنه "آخر العنقود" كما يقال. يتوافر لديه كثير من النماذج -إخوة ووالدين- يشعر غالبا بالآمان. ومثابر ومتفائل وأكثر ثقة بالنفس مقارنة بالطفل الأول، وله شعبية عنه. ١- الأساليب المقصودة وغير المقصودة للتنشئة الاجتماعية في الأسرة: يطلق عليها البعض ميكانيات التطبيع الاجتماعي، وهي أساليب نفسية واجتماعية، مقصودة وغير مقصودة واضحة أو ضمنية تتخذها الأسرة لإكساب الطفل سلوكا أو تعديل سلوك موجود لديه. ومن أهم هذه الأساليب: أ- الاستجابة لأفعال الطفل: إن مجرد استجابة الوالدين أو الإخوة لأفعال الطفل، يؤدي إلى تأثير على هذه الأفعال وعلى المشاعر المتصلة بها. وحتى هذا لصغار الأطفال، فالطفل الذي يصدر صوتا ما ويستجب له عضو من أفراد الأسرة "مجرد استجابة" فإن الطفل يميل إلى تكراره، وكأنه يعلن لنا أن نكرر معه الاستجابة لما يفعل، وهذا ما يحدث حتى مع الأطفال الأكبر سنا وبطبيعة الحال يبدو أن استجابتنا هنا للطفل استجابة إثابة أو مكافأة. ب- الثواب والعقاب للطفل: إلا أن الاستجابة للطفل كما يمكن أن تكون نوعا من المكافأة قد تكون نوعا من المعارضة أو التثبيط أو العقاب. وهذا شيء شائع بلا استثناء في جميع الأسر.

стр. 95

إن الوالدين أثناء تعاملهما مع الطفل يستعملان الثواب أو المكافأة والتأييد عندما يصدر من الطفل سلوك برغباته أو يحبذانه أو عندما يظهر من المشاعر ما يتناسب مع الموقف. وكذلك يوقع الوالدان العقاب في عكس ذلك. وتتدرج الإثابات من مجرد نظرة رضى أو إيماءة موافقة إلى هدية أو تقبيله، ويتدرج العقاب من إشارة ناهية باليد أو إغماضة لها معنى بالعين أو تقطيب للجبين أو ضغط على الشفتين إلى الحرمان من متعة أو العقاب البدني. وبطبيعة الحال يختلف الثواب والعقاب في الدرج والنوع باختلاف طبقة الأسر، فبعض أنماط السلوك لا يعاقب عليها مستوى طبقي وربما شجع عليها في الوقت الذي يرفضها مستوى طبقي آخر. مثال ذلك السلوك العدواني الذي يشجع عليه لدى أطفال المستوى الاقتصادي والثقافي المنخفض، بينما يعقاب عليه الطفل في المستوى الاقتصادي الثقافي المتوسط، وإذا كانت الأسر في المستويات المنخفضة تميل إلى استعمال العقاب الجسدي، نجد الأسر في المستويات المتوسطة تميل إلى استعمال الحرمان أو العزل قليلا لبعض الأطقال. جـ- إشراك الطفل في بعض المواقف الاجتماعية: ربما دعا الوالدان أو أحدهما الطفل بقصد الذهاب معهما في موقف عزاء أو موقف عرس بقصد إكساب الطفل السلوكيات المناسبة في مثل هذا المواقف، وربما جاءت الدعوة لهذه المواقف وغيرها عن غير قصد ... وهنا يتعلم الطفل ليس فقط كيفية السلوك المناسب بل والمشاعر المناسبة في مثل هذا المواقف.. وهنا يكون التعلم بالتقليد وربما بالتقمص. د- التوجيه الصريح لسلوك الطفل: قد يلجأ الوالدان إلى توجيه سلوك الطفل بطريقة مباشرة وصريحة، فتعلمه ما يجب وما لا يجب أو تدربه على السلوك المناسب وربا هيأت له من المواقف الحية لدعم خبراته وسلوكياته. وإذا كانت الأساليب السابقة يغلب عليها إمكانية الحدوث للأطفال، فإن تغيرا جوهريا يحدث لديهم عندما يبدأ مفهوم الذات Self Concept في البزوغ أي

стр. 96

عندما ينظر الطفل إلى سلوكه باعتباره موضوعا، فيصبح هذا السلوك خاضعا منه للتأمل، والحكم والتقدير بل والتقويم، وعندما يضع في اعتباره اتجاه المهمين في حياته مثل الوالدين، وعندما يدرك إمكاناته ومكانة الآخرين وما يرتبط بها من التزامات وتوقعات للسلوك وحقوق للآخرين واجبة عليه، في ذلك الوقت تزداد الفعالية والإيجابية للطفل، وتتدفق قدرته على العطاء دون الاكتفاء بالأخذ، ويتحرك مع كل ذلك قوى التنشئة الاجتماعية لتصبح داخلية بعد أن كانت كلها خارجية، وبالتالي تتسع الخطى في طريق التطبيع الاجتماعي. ٢- معالجة آثار الإحباط على الأطفال أثناء تنشئتهم اجتماعيا داخل الأسرة. إن أساليب التنشئة الاجتماعية التي تتبعها الأسرة لا تخلو من تعطيل أو كف لبعض رغبات أو نزعات الطفل. وأحيانا يكون العقاب مسيطرا على الأمر نتيجة إقبال الطفل على سلوكيات غير مقبولة. ويكون نتيجة ذلك تراكم لشعور الطفل بالإحباط ومن ثم كراهية أو مشاعر سالبة نحو الوالدين أو الإخوة الأكبر. وتظهر مؤشرات الإحباط في عناد الطفل أو عدوانه على إخوته أو الإنطواء وغير ذلك من المؤشرات.. وكلها ردود فعل طبيعية.. ومن الضروري على الوالدين الاعتماد على أساليب تتجنب معها تعقيد الأمور أو زيادة عمقها وحدتها. ومن أساليب مواجهة هذا الطفل المحبط. أ- تعادلية القائم على التنشئة: ويظهر في موازنة الأب مثلا بين ما منع الطفل منه وما يمكن أن يسمح له به كبديل. فإذا حرم الأب طفله من عمل سلوك يستغرقه باعتباره غير مناسب فإنه غالبا يجب أن يسمح له بممارسة سلوك آخر يحقق له إشباعا. وكذا الأم التي تعاقب ابنتها ثم يعقب الأمر نوع من الملاطفة مع هذه الصغيرة "تضرب وتلاقي" وذلك بعد مدة كما سوف نرى فيما بعد. ب- تعادلية الطرفين: ويطلق عليه البعض التعادل المشترك، أي التصرفات التي يقوم بها مثلا الوالدان ليعادل كل منهما آثر الآخر "واحد يشد والآخر يرخي" وليس المقصود هنا التسلطية والتهاون بل الحزم والدفء الداعم للوالد الآخر. ومثال ذلك الأب الذي مارس نوعا من العقاب على طفله، فإن الأم تتولى تخفيف

стр. 97

الآثار الناتجة عن العقاب بحيث لا يؤدي تخفيف الأثر إلى إلغاء التأثير أو التمرد على الأب أو تكوين اتجاهات سالبة ضده. جـ- تفريغ شحنة الطفل: وهو أسلوب يعمد إلى امتصاص الصدمة وخفض التوتر الناتج عن الإحباط بسبب العقاب أو غيره، فتتيح الأم مثلا أو الأب للطفل مجالا للتعبير اللغوي أو الرمزي عن انفعالاته بطريقة مناسبة، وإذا لم يتح هذا التفريغ القائم على التنشئة يمكن أن يقوم بها شخص داخل الأسرة مثل الأخ الأكبر أو الجد أو العم ومن الممكن ضيف أو صديق للأسرة. ٣- معالجة ما يصيب الوالدين من إحباط أثناء قيامهم بالتنشئة: من نتائج قيام الوالدين أو أحدهما بتنشئة الأبناء أن يصابا بالتوتر والضيق والإحباط، مما يترتب عليه اتجاهات سالبة نحو الأطفال، وربما عبر بعض الآباء عن ذلك ليس فقط أمام الكبار مثلهم، بل أمام أطفالهم، فيقول الأب مثلا أو الأم: "أنا زهقت منكم.." أو تعبيرات من هذا القبيل. والأساليب السابقة التي تخفف الإحباط تعمل بوجهها الآخر على تخفيف العناء من القيام بدور المنشئ. وكذلك فالأحاديث الصريحة بين أعضاء الأسرة تساعد على تخفيف آثار الإحباط. وتعد الآثار الإيجابية لما يقوم به الوالدان من دور في عملية التنشئة وظهور هذه الآثار على سلوكيات أطفالهم، نوعا من الإشباع يجعل الوالدين يتحملان عناء رحلة التنشئة الاجتماعية لأطفالهما.

стр. 98

ثانيا: دار الحضانة Nursery School: بعض الأسر تدفع بأطفالها بين الثانية والرابعة من العمر إلى دار الحضانة، وهذا التوجه المبكر لوضع الطفل في مؤسسات مفترض أنها تربوية يمكن أن يكون بالنسبة إلى العديد من الأطفال خبرة ثمينة جدا. وأوضح قيمة للطفل في إرساله إلى الحضانة هي أنها تهيئ له الفرصة للعب مع أطفال من نفس عمره تقريبا، في جو تنظم فيه الألعاب والأدوات، وكذلك تنظيم الفعاليات والأدوار للأطفال بما يتناسب وعمرهم ودون قيود. والطفل الذي يذهب للحضانة، ولا يصبح المنزل هو اهتمامه الوحيد، ولا غرفته هي مكانه المفضل، ولا أبواه وإخوته إن وجدوا هم أصدقاؤه فقط. لقد أصبح له غرفة أخرى يقوم بالمشاركة في ترتيب أو تزيين بعض أدواتها، وأصحاب جدد يسعد برؤيتهم كل يوم في أغلب الأحوال، لقد أصبح له شيء آخر يثير اهتمامه. إنه يقابل مربية تهتم به وبألعابه بطريقة تختلف عما تفعله الأم وعن جو المنزل الذي تعود عليه. فإذا كانت دار الحضانة مكانا جيدا، وكان تكيف الطفل معها مناسبا، فإن الطفل لن يقضي في الحضانة وقتا ممتعا فحسب، بل إن الذهاب لها يكون بالنسبة له خبرة تزيد من تكيفه مع حياته المنزلية واكتشافه لعالم جديد. وثمة أطفال آخرون يبدون غير متقبلين للمكان الجديد، ويبدو ذلك من عدم استمتاعهم الظاهر عند الذهاب، وأحيانا تزايد ثورتهم أو تعبهم أو ربما مرضهم. وغير ذلك من الإشارات التي تدل على أنهم يلقون عنتا في الذهاب إلى الحضانة. ١- بنية الحضانة وأثرها في التنشئة الاجتماعية للأطفال: في هذا النطاق يتطلب الأمر التحدث عن جانبين هما حجم سكن الحضانة والتفاوت العمري والجنسي لمجتمع الحضانة. أ- حجم سكان الحضانة: إن عدد سكان الحضانة لا شك أكثر من عدد أفراد الأسرة التي أتى منها الطفل، لقد أصبح الآن بين عدد أكثر من الأطفال، ويرى داخل غرفة النشاط مشرفة تشبه الأم، وهناك عاملات يترددن بين وقت وآخر للحفاظ على النظافة، ويصاب الطفل في البداية بنوع من الدهشة مع هذا العدد الكبير، وربما يبكي مثل أطفال معه، ولكنه أصبح يصمت أو يهدأ مثلما حدث لأطفال آخرين، إنه مقلد جيد حتى لسلوك البكاء أو الهدوء والطاعة الذي يظهر من قبل أطفال آخرين معه، إنه يذهب مثل بقية الأطفال إلى حوض الرمل حينما تطلب المشرفة منهم ذلك، ويعودون إلى غرفة النشاط حينما تطلب منهم ذلك ... إننا الآن في سبيل للمسايرة وسط الجماعة. ب- التفاوت العمري والجنسي لمجتمع الحضانة: إن أفراد الروضة من الأطفال لا يختلفون عمريا، ولكن الطفل يلاحظ نساء في عمر أمه يطلبن منه

стр. 99

أحيانا تنفيذ بعض الألعاب أو الذهاب إلى الحمام أو إحضار علب الألوان، ويجد الطفل أن الذين معه من الأطفال ليسوا من جنسه فقط بل من الجنس الآخر. ٢- الأساليب المقصودة وغير المقصودة للتنشئة الاجتماعية بالحضانة: ويطلق عليها ميكانيات التطبيع الاجتماعي، ومنها: أ- برنامج الحضانة: هناك برامج لبعض دور الحضانة، ودليل للمشرفة، وعبر المناشط المدرجة بالبرنامج التي يشارك فيها الأطفال يكون هناك بث لبعض المعايير عن قصد مثل الاشتراك مع الجماعة والتعاون مع الأطفال والنظام وترتيب أدوات اللعب على الأرفف المنخفضة ... وغيرها. ب- المناشط الحرة: إتاحة الفرصة للطفل كي يلعب حرا هدف جوهري من أهداف الحضانة، وهو في ذلك إما يستقل يلعبه أو يشارك فردا أو أكثر: ويكون نتيجة ذلك إنجاز بعض الأعمال مثل أكوام الرمل أو نقل الماء بالأواني أو ... وأحيانا العراك والشجار الذي لا يلبث أن ينتهي باللعب ثانية دون تدخل المشرفة، وكلها خبرات مناسبة للأطفال في تنشئتهم، عند تفضيل لعبة على أخرى أو صديق على آخر أو الدخول في شجار. ٣- المشرفة وعملية التنشئة الاجتماعية للطفل بالحضانة: من المفروض أن تضم الحضانة مشرفات يعرفن كيفية مساعدة الأطفال الذين هم من جنسين مختلفين على اللعب المفيد والمرح ... بعيدا عن التزمت والصرامة أو الضيق والقلق من الأطفال. والمفروض على المشرفة في هذا المجال أن تكون ذات بال طويل وقادرة على توجيه سلوكيات الأطفال المفاجئة واستغلالها في النشاط الذي تقدمه لبقية الأطفال. إن المشرفة لا يتوقف دورها على العمل وسط الأطفال أو رعايتهم عموما وقت الحاجة، ولكن أن تتحدث مع الأمهات حول أمور أطفالهن ومشكلاتهم. وهنا نكون مع مربيات عطوفات موجهات لسلوك الأطفال ولسن متسلطات عليهم. وعبر هذا الدور الذي تقوم به المشرفة فإنه يمكن عرض صوره فيما يلي:

стр. 100

أ- المشرفة كمنفذة للبرنامج: وفقا لما هو وارد في دليل المشرفة يجب أن يتم السير في غرس أوليات السلوك الحسن كالمشاركة والمرح وحب النظام. ب- المشرفة كنموذج سلوك: المشرفة بالإضافة إلى أهمية كونها موجها لسلوك الأطفال دون تزمت أو تسلط يجب أن تكون الشكل الذي يحتذي به. لأن الأطفال مقلدون جيدون حتى لأبسط السلوكيات التي تصدر من الكبار. فتكون منظمة وصبورا ولا تنفعل بسهولة مع المواقف المحبطة. إن الأطفال يقلدون المشرفة في مواجهة مثل هذه المواقف، فالمشرفة التي اندفع الماء بقوة في وجهها من الصنبور وصرخت تكون قد فشلت أمام الأطفال في مواجهة المواقف المحبطة مقارنة بالمشرفة التي ابتسمت. ٤- رؤية الآباء لدور الحضانة في تنشئة الأطفال: إن من المدهش أن نسمع بعض الآباء يقولون إن مشكلات أطفالهم مثل العناد أو قلة الأكل أو العلاقات السيئة مع الإخوة قد قلت أو اختفت مع مواصلة الطفل الذهاب للحضانة. وتقول بعض الأمهات إن الطفل أصبح أكثر استماعا وطواعية. وإن كان هناك من الأمهات من يقلن إن الطفل تعلم المزيد من التمرد والعصيان وأصبح لا يسمع الكلام، أو يقلن إن الطفل يبكي باستمرار عندما يعرف أنه في طريقه إلى الحضانة. وهكذا فليس هناك إصرار على وجوب ذهاب جميع الأطفال إلى دار الحضانة، وتبعا لحالة الطفل فإنه يجب أن ينظر بجدية في تأجيل ذهاب الطفل للحضانة وليكن سنة مثلا، ولكن من الرأي أن غالبية الأطفال تستطيع أن تتكيف مع ظروف الحضانة وتفيد منها ويساهم ذلك على تنشئتهم الاجتماعية.

стр. 101

ثالثا: رياض الأطفال Kindergarten من المناسب للغاية أن يتجه المعنيون بتنشئة الأطفال للأخذ بفكرة جعل روضة الأطفال جزءا معترفا به من كل مدرسة ابتدائية رسمية، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية. ونسبة من الأطفال ليست قليلة بين الرابعة والسادسة يوجهون إلى الروضة سواء كانوا قد ذهبوا من قبل إلى الحضانة أم لم يذهبوا. ولما كانت الفترة العمرية بين الرابعة والسادسة فترة تكيف سهل لدى الأطفال، ورياض الأطفال تسير على نفس النهج الذي تسير عليه دور الحضانة، ولا تطالب الطفل إلا بفعاليات حركية أو عقلية استكشافية أو فعاليات لعب فردية لهذا العمر. فإننا لا نبالغ إذا طالبنا المدارس الابتدائية بتقديم ودعم هذه الفعاليات بجدية في غرفة الدراسة حينما ينتقل إليها الأطفال. وإن كانت العوامل التي أدت إلى انتشار رياض الأطفال والحضانات تكاد تكون واحدة، ومن هذه العوامل خروج المرأة للعمل، وظهور الأسرة قليلة الحجم أو الأسرة النواة. بالإضافة إلى أن البيئة خارج المنازل أصبحت خطرة وصاخبة ولا تشبع حاجات الأطفال للانطلاق. ولقد كان لإصدار الأمم المتحدة عام ١٩٥٨ من إعلان حقوق الطفل، واعتبار عام ١٩٧٩ عاما دوليا للطفل، أكثر الأثر في توجيه الأذهان إلى أهمية إعطاء الأطفال فرصا أكثر مناسبة تعوضهم ما ينقصهم في بيئاتهم. وهذا لا يقلل من شأن فروبل وغيره من الذين أسدوا إلى الطفولة عموما وفكرة رياض الأطفال بافتتاحه أول روضة للأطفال في عام ١٨٣٧. لقد أطلق Froebel مسمى "المدرسة القائمة على غرائز الأطفال الفعالة" على روضته، ثم سماها "مدرسة التربية النفسية" وبعد ذلك أطلق عليها اسم "حديقة الأطفال" ومنه ظهرت التسمية التي شاعت في جميع أنحاء العالم وهي "روضة الأطفال" ولذلك يعد فروبل المؤسس الحقيقي لرياض الأطفال. وأعطى فروبل قيمة كبيرة للعب والموسيقى والتشكيل والرسم والتلوين، وأكد على أهمية الأنشطة اليدوية ودراسة الطفل للطبيعة. والروضة تقدم الأفكار والمناشط في جو مرح وفي هواء طلق كلما أمكن ذلك. كما أن الاهتمام بمبادئ الصحة مثل غسل الأيدي ومبادئ الدين مثل حمد الله وشكره والمبادئ الوطنية عن طريق الممارسة الأخلاقية جزء جوهري من مهمتها. وتأتي Montessori في عام ١٩٠٧م معلنة أن الأطفال ينبغي أن ينالوا قدرا كبيرا من الحرية في عملهم تحت رعاية مشرفة، وأن المقاعد رمز للاستبداد والأهم من ذلك أن يكون لكل طفل أدواته التي يختارها بنفسه ويعمل بها ثم

стр. 102

ينادي المشرفة لترى ما يفعل، وتطلب من الأطفال الصمت لحظات أو ثواني ثم يتصورون ويتخيلون ويفكرون فيما يحبون أن يعملوا ويصنعوا، وتستطيع الحرية على هذا النحو تكوين نظام، فليس النظام شيئا مجردا قائما على الرهبة، ويصبح المشي في الحقول أو وسط الحديقة والمشاركة في زراعة بعض النباتات وملاحظة نموها من المناشط الهادفة: فللروضة أهداف منها: تنمية الشعور بالثقة لدى الطفل وفي الآخرين، في جو غير قهري، وتنمية الاستقلالية في القبول والرفض والذهاب والعودة مع تعويده وجود وقت لا يستطيع أن يفعل فيه كل ما يريد. مع تجنب إحراجه أو إشعاره بالخجل. والروضة تهدف إلى تنمية رغبة الطفل في العمل مع غيره، ويتعلم أن يكون له دور وللآخرين دور. كما أن الاعتماد على النفس من خلال خلع الأطفال للمعاطف وغسلهم للأيدي مثلا يمكن أن ينمو. وهذا بالطبع لا يتنافى مع دور الروضة في تهيئة الأطفال لحياة المدرسة وممارسة مناشطه لمبادئ القراة والكتابة والرياضيات مبتعدين عن طريق التلقين وعبر برامج أو أركان أعدت لهذا الغرض. إن دور الروضة ينحصر فيما يبدو في كونه دور تهيئة أو استعداد لدخول المدرسة وليس بديلا عنها، أو عوضا لها، فمهمة الروضة تكمن في اكتشاف قدرات الطفل ومواهبه النامية والسماح لبراعمها بالظهور عن طريق النشاط الحر الموجه، مع تزويده بمهارات اجتماعية مثل التحية والاستئذان والعفو والسماح.. في جو طليق خال من الضغوط أو الإرهاق للطفل، وهذا ما يجعل الطفل يشعر بأن الروضة مكان آمن يشعر فيه بالرضا، ويزيل من نفسه ما يعتريها من رهبة أو خوف، حين يترك المنزل ليجد نفسه في محيط جديد، وتقوى عنده سمة الجرأة ليصبح أكثر انضباطا وأقرب إلى النظام وأكثر تقبلا له، فينتظم في المدرسة فيما بعد دون جو مضطرب. ١- بنية الروضة وأثرها في التنشئة الاجتماعية للأطفال: في هذا النطاق يتطلب الأمر التحدث عن جانبين هما: حجم سكان الروضة والتفاوت العمري والجنسي لمجتمعها، ولن يختلف الحديث عما عرضناه

стр. 103

عند تحدثنا عن دار الحضانة من قبل. إن الفارق ليس كبيرا بين الجو في دار الحضانة ورياض الأطفال كبنية، ولكن الاختلاف فيما يدرك الطفل، وفيما يرى ويسمع. في الروضة ينتقل الطفل إلى بيئة جديدة عليه تماما إن لم يكن قد التحق بالحضانة حيث يتساوى في المعاملة مع أطفال مثله، وهنا تمتد عملية التنشئة الاجتماعية تدريجيا، إذ إن الأمر يتطلب تعلمه كيف يتقبل ذلك ويسلك معهم السلوك المناسب سلوك نحو الآخرين وهنا يبدو مفهومه عن نفسه وعلاقاته بالغرباء من سنة، فتنمو اتجاهاته الخلقية والأساليب التي تجعله يتعامل بنجاح مع الآخرين. والطفل هنا لا يعلم ماذا يحدث ولكنه يحدث. ٢- الأساليب المقصودة وغير المقصودة للتنشئة الاجتماعية في الروضة: وفي هذا نتعرض لنظام برنامج العمل بالروضة والمناشط الحرة: أ- نظام برنامج الطفل في الروضة: من غير المقبول أن روضة أطفال تكون بدون برنامج، وهناك برامج متعددة ربما تختلف باختلاف المدن داخل نفس الدولة، وقد أخذت برامج رياض الأطفال أنماطا متنوعة متآلفة تارة ومختلفة تارة أخرى، ولقد اقترح Doreen قضبيات ثنائية تتراوح بينها هذه البرامج. برامج محددة البنية مقابل برامج غير محددة البنية. برامج تؤكد على المهارات المعرفية مقابل برامج تؤكد على المهارات الوجدانية. برامج تعتمد على التعليم مقابل برامج تعتمد على الاستكشاف.. وغير ذلك. كما أن هناك ما يطلق عليه نظام الوحدات التعليمية Teaching Units. وقد وضعت Eliason مؤشرات لجملة من الوحدات التعليمية تدور حول الألوان والأعداد والأحجام ووسائل النقل والأصوات والحيوانات ... إلخ، وغير ذلك من البرامج والأنظمة.

стр. 104

وإن اختلفت المداخل للنظام المعمول به نجد أنها تنطوي على أهداف لها أهميتها في التنشئة الاجتماعية للأطفال، مثل الاستقلال الذاتي والجرأة والدعابة والضحك وتعلم أدوار الجنس والإصغاء والتقيد بالتعليمات بالإضافة للعادات المناسبة للمواقف وغيرها. ب- المناشط الحرة المنضبطة: مما يلاحظ أن البرنامج المحددة البنية لا يعني أنه محدد بصورة مطلقة، أو بصورة لا تترك أي مجال لمبادرة المعلمة، أو لاقتراحات الأطفال المفاجئة أو الآنية. كما أن البرنامج غير محدد البنية لا يعني العشوائية التي لا يحكمها ضابط، كما أن الدافعية الخارجية لا تعني التجاهل أو الإهمال لكل الدوافع الذاتية من لدن الطفل. ويبدو من ذلك أن الطفل أمام عمل جاد مشوق. ودور يستوعب ميول الأطفال الطارئة ضمن المناشط اليومية، وهذا ما يمكن الطفل من تطوير مفهومه عن إمكاناته وذاته وضبط النفس وإدراك المسئولية والتعاون وكلها من قبيل النمو الاجتماعي. ٣- المشرفة وعملية التنشئة للطفل في الروضة: تبدو الحاجة إلى مشرفات يحبهن الأطفال، في الغالب يبدأ حبهن للأطفال ويأتي في المقابل حب الأطفال لهن. مشرفة تحترم إمكانات الطفل ورغباته ولا تحكم عليه بمقاييس الكبار، لديها القدرة على أن تجعله يعبر عن أحاسيسه.

стр. 105

ومشاعره، ومتمكنة أن تكون مستودعا لأسراره البسيطة النامية، والإفضاء بمشاكله مع غيره. إن دور المشرفة يجب أن يتضمن دور الملاحظ والموجه لأعمال الطفل تاركة له بعض من حرية التصرف، ليشعر بأنه يقوم بعمله بوحي من ذاته ووفق رغبته وإرادته، ولا يعنى ذلك أن تترك للطفل في الروضة الحبل على الغارب، بل تراقبه عن كثب وتكون له القدوة. إن المشرفة تؤدي دورها متجنبة الإساءة إلى الطفل، لا توبخه أو تحرمه من المشاركة في النشاط، وعليها أن تبتعد عن كل ما هو من شأنه أن يسوء علاقتها معه، كم تزيل من نفسه ما قد يعتريها من رهبة. فعلاقة الطفل بالمشرفة التي يراها الآن والأطفال الذين وجدوا معه سوف تحدد ما له وما عليه ... معنى الحق ومعنى الواجب.. دون أي نوع من أنواع التلقين، إنها طبيعة وجوده في ذلك المجتمع. إن ذلك أول بدايات الإحساس بالانتماء للمجتمع الذي أصبح عضوا فيه. والطفل حتى الآن لن يسمع ولن يفهم معنى كلمة انتماء في هذه السن المبكرة، ولكن بذرتها قد وضعت في أعماقه. أما الأخلاق والاتجاهات الاجتماعية فلن تنمو تلقائيا لمجرد وجود الطفل وسط ذلك المجتمع الجديد "الروضة". إنما للمشرفة في الروضة دور هام في إعداده اجتماعيا حيث يكون الطفل ما زال متمركزا حول ذاته وأحيانا ممارسا للعدوان، وهو يرى المشرفة في توجيه تصرفه وفعل سلوكيات أخرى، يحس أنها جميلة لأنها من المشرفة التي أصبح يحبها، مشرفة أصبحت تشركه معها ومع غيره من الأطفال فيتحل تمركزه حول ذاته إلى نوع من المشاركة والتعاون. وعبر هذه الأدوار التي تقوم بها مشرفة الطفل في الروضة يمكن عرض صورها فيما يلي: أ- المشرفة كمنفذة للبرنامج: وفقا لما هو وارد في البرنامج المعمول به تسير المشرفة في دعم أوليات السلوك المناسب للمواقف، متيحة له فرص الإفضاء بما يخالجه والتعبير عما يشعر به. ب- المشرفة كنموذج سلوك: المشرفة يجب أن تكون مرحة ضاحكة، مرنة الحركة مستبشرة، لا تستخدم الصراخ في توجيه دفة الأمور، تحب الأطفال، وتظهر حبها لأدائهم.

стр. 106

ج- المشرفة كمنفذة للمكافأة ولتعزيز السلوك الإيجابي: المشرفة تكافئ الأطفال على أعمالهم عن طريق السماح لهم بالقيام بأعمال جديدة، ولا تستخدم معهم أساليب الحرمان. ٤ - رؤية الآباء لدور الروضة في تنشئة الأطفال: إن دور الوالدين لا ينتهي بمجرد دخول طفلهم الروضة، وإنما هو امتداد لدور المنزل. وإن من الواجب أن ينظر الوالدان تبعا لظروف ابنهما غير الراغب في تقليل فترة دوامه بالروضة. ويقول آباء كثيرون أن الروضة بالإضافة إلى أنها أراحتهم من أطفالهم، تعلمهم أشياء مفيدة، وسلوكيات هامة للغاية، إلا أن هؤلاء الآباء يطلبون المزيد من جهود الروضة في تعليم الأطفال الكتابة والحساب واللغة، ونسوا أو تناسوا أن الهدف الأول والأهم للروضة هو العمل على إسعاد الطفل، وإكسابه العادات المقبولة في سنه وبيئته. وهي أمور أهم من التنشئة الاجتماعية.

стр. 107

رابعا: المدرسة مدخل ... رابعا: المدرسة المجال المدرسي هو المجال التربوي المقصود الذي تحدث فيه الظواهر التربوية التعليمية، وهو بالتالي مجال نفسي واجتماعي في نفس الوقت، ويقصد به جميع الظواهر التي تحدث في وقت معين بالنسبة لفرد أو مجموعة ما في جو المدرسة. فالمجال المدرسي مجال نفسي واجتماعي، لا يمكن فيه فصل الظواهر النفسة في الأفراد عن الظواهر الاجتماعية الخاصة بالمجموعات التي تلتقي فيه وتتفاعل في إحداث الظواهر التربوية فالمتغيرات السيكولوجية الخاصة بالأفراد من حاجات وأهداف ومدركات ... تلتقي بالمتغيرات الاجتماعية من منظومات القيم الثقافية، وهذا ما يجعل المجال المدرسي مجالا عاطفيا لسببين: الأول: أنه مجال معرفة ولا يمكن أن توجد آلية معرفية بدون عناصر وجدانية، كما لا توجد الأخيرة بدون الأولى داخل المدرسة. الثاني: أنه من حيث هو مجال نفسي واجتماعي هو مجال علاقات إنسانية، وحينما تكون علاقات إنسانية تكون هناك عواطف.

стр. 108

إن مرحلة المدرسة تبدأ في حياة الطفل منذ السادسة فأكثر، إنها توافق مرحلة الهدوء بالنسبة لنموه النفسي والاجتماعي، لأنه يكون قد تجاوز مرحلة المعارضة والعناد أو في سبيله للخروج منها. فهو بذلك قد خطا في مراحل الاندماج الاجتماعي. كما أن حياته العاطفية قد اغتنت واكتسبت خبرات لا بأس بها، في مواقفه من ذاته أو من الآخرين ومن الموضوعات المحيطة به. وبعد دخول الطفل المدرسة، يصبح خاضعا لها في نسبة كبيرة من وقته، فالمدرسة تؤثر فيه بما تعطيه من واجبات منزلية Home Assignments واستذكار وواجبات اجتماعية من خلال روابط تربط الطفل بالزملاء، وجمعيات وجماعات مدرسية. إن البيئة الأسرية والوسط الاجتماعي بصفة عامة، يكون قد مارس تأثيرات على الطفل فيما يخص إعداده للحياة المدرسية: فالأسرة في مواقفها من الطفل ومعاملتها له طوال ما مر من عمره قبل هذه المرحلة وكذا الحضانة أو الروضة قد جعلته يحمل تصورات خاصة عن جو المدرسة، وعن شخصية المعلم وجزء من دوره، وطبيعة العمل المدرسي، وهذه كافية لجعله مكونا بعض العواطف الإيجابة أو السلبية تجاهها. لقد ترددت على مسامع الطفل مقارنات كثيرة بينه حيث لم يدخل المدرسة بعد وبين أخيه الأكبر الذي دخلها، أو غيره من أبناء الجيران المنخرطين في حياة المدرسة. كما أنه قد تأهب لكثير من المواقف التي تجعله ينظر إلى دخول المدرسة كمرحلة ضرورية لا بد منها، وكذلك لإحراز قيمة إضافية لذاته وتوسيع دائرة ممتلكاته وتصرفاته. فدخول المدرسة يعني امتلاكه لأدوات مدرسية وزي خاص، وعناية خاصة عند الخروج وفي فترات الامتحانات. إن هذا التهيؤ لحياة المدرسة الذي تمارسه البيئة عن الطفل، والتهيؤ الذي يقوم به الطفل ذاته قد ينطوي على مظاهر سلبية أو إيجابية. فقد بلغت على هذا التهيؤ عامل القمع، بحيث تكون حياة المدرسة وعيدا وتهديدا لانطلاق الطفل وحيويته، وهذا ما يجعلنا نسمع صراخ الأطفال حفاوة في الفسحة أو في حصص الألعاب أو مع آخر اليوم الدراسي أو مع آخر يوم في الدراسة وبعده تبدأ الأجازات.

стр. 109

كل هذه أمور تعلن أن الطفل يشعر بأن المدرسة أقيمت للحد من رغباته ولقمع حريته أيضا. لكن الطفل يصبح مقتنعا بضرورة المرور بهذه المؤسسة أو الوكالة ليحظى بالمكانة أو الاعتراف، فهو عن طواعية يشارك في قمع ذاته وممارسة الضغط على نفسه. ويعني ذلك أن الطفل رغم ما سمعه ويسمعه عن الدراسة ويعايشه فيها يقبل عليها، وقد اتخذ موقفا منها وتكون في أعماقه ما يشير إلى إمكانية تقبله لها أو نفوره منها. ولا شك أن باستطاعة المدرسة أن تصلح كثيرا من الموقف السالب الذي أصبح لدى الطفل ولكنه يبقى دائما موقفا مبدئيا له دوره وتأثيره في كثير من المجتمعات. وللمدرسة وظيفة اجتماعية هامة، هي استمرار المجتمع الذي هي فيه، وذلك بأن تيسر لأطفال المجتمع، تمثل قيم هذا المجتمع ومعاييره، وتدربهم على السلوك الذي يرتضيه عموما في المواقف والمناسبات وهي بذلك وكالة من وكالات التنشئة الاجتماعية ذات الأهمية. وقد تكون المدرسة أول مجتمع يواجه الطفل بمفرده بعد خروجه من المنزل إذا لم تسنح له ظروف الالتحاق بالروضة. ويختلف هذا المجتمع الجديد عن أسرته التي قضى فيها فترته السابقة. إن أسرة الطفل كجماعة أولية كانت العلاقات تتميز فيها بالمواجهة والعمق والدفء، وإن الطفل فيها تقدر قيمته لذاته، أما الآن وقد دخل المدرسة فهي جماعة ثانوية، ليس فيها دائما علاقات المواجهة لا بين المدرسين والأطفال ولا بين الأطفال بعضهم والبعض فالعلاقات ليست على نفس الدرجة من العمق والحرارة. فأعداد الأطفال داخل المدرسة كبيرة مقارنة بالأسرة، وتبدل المدرسين من عام إلى آخر، بل ومن مادة إلى أخرى يجعل تكوين مثل هذه العلاقات ونموها أمرا صعبا جدا، كما أن المدرسة كتنظيم اجتماعي له وظيفة محددة، لا ترحب بنشأة هذه العلاقات، لأن تقويم التلاميذ وتقديرهم جزء أساسي من وظيفتها، وإن نشأة علاقات حميمة عميقة بين المدرسين والتلاميذ أمر يؤثر في سلامة أداء المدرسة لدورها التقويمي.

стр. 110

إن العلاقات في المدرسة أهم ما يميزها أنها رسمية يغلب عليها الخضوع لقواعد محددة ومعايير متفق عليها يخضع لها الجميع، أو على الأقل مطالبون بالخضوع لها. ويعد تقدير قيمة الطفل في المدرسة قائما على أساس مختلف عما كان في الأسرة، ففي الأسرة كان مصدر قيمته ذاته وأنه أحد أبناء الأسرة، أما في المدرسة فقيمة التلميذ تنبع من ثلاثة جوانب. الجانب الأولى مقدار ما يستطيع أن يتعلمه، أي تحصيله المدرسي، والثاني مدى مسايرته لأنظمة المدرسة وقواعد السلوك المطلوبة، أما الجانب الثالث فهو مشاركته في الأنشطة اللاصفية ومدى ما يهتم به في ألوان النشاط. والاختلاف بين الأسرة والمدرسة في طبيعة العلاقات والتفاعلات، لا يعني فقدان أو انقطاع الصلة بين الوكالتين، فالمدرسة تدفع الإمكانيات العقلية والمهارات الاجتماعية التي بدأتها الأسرة أو الروضة وتبني عليها ما يتناسب مع طبيعة المجتمع.
следующие страницы →