Полный текст (22 276 стр.). Показаны 10116–10155 · переход к 10121.
стр. 10116
أردت بهذه الكلمة توضيح الوضع حتى تكون المناقشات تدور حول الواقع في سوق الاختيارات وليس كما نريدها نحن، فهذه السوق ليست من السهولة بمكان. أما ما جاء في كلمة صديقنا فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الوهاب أبو سليمان، فأعتقد أن هناك أمرين، هناك السوق وكون الإنسان يصبح سمسارًا، فهذا لا دخل له في الاختيارات فالسمسار هو يعمل في الاختيارات وفي غير الاختيارات وهذا مجلس في السوق يدفع ثمنه إيجارًا لمدة محددة حتى يدخل السوق وهو ليس مشتريًا وليس بائعًا، فمشتري الخيارات أو بائع الخيارات هو شخص آخر أجنبي عن السوق يأتي للسمسار الذي انتصب في السوق ليعلن عنده أنه يريد شراء خيار أو يريد بيع خيار. فلا بد من التفرقة بينهما. وشكرًا.
الشيخ أحمد علي طه ريان:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المسلمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
الواقع أن عقد الاختيار أو لعل أن عقد الاختيار ليس له صورة واحدة في كل المجتمعات التي تتعامل به بل له صورة في القاهرة وهناك صورة أخرى في لندن أو في باريس أو في المجتمعات الأخرى التي تتعامل به، لأنه حينما جاءتني هذه الأسئلة ونموذج الأسئلة التي أرسلت إِلَيَّ مِنَ المجمع أتيت بعض المتخصصين في الاقتصاد، فصور عقد الاختيار بأنه عبارة عن شخص أو هيئة أو شركة تدفع مبلغ مقدمًا حتى يكون لها الحق في التعامل داخل السوق المالي، ثم فيما بعد يقوم وكيل أو سمسار بالتعامل لصاحب هذا التعامل، ولذلك كيفته على أنه عقد إجارة كما قاله أخونا الدكتور عبد الوهاب. إذ قلت: عقد الاختيار في مبدئه صورة من صور عقد الإجارة على منفعة بعوض والأجرة التي تدفع مقدمًا لكي تخول للدافع من خلال هذا العقد حق التعامل مع الأسواق المالية بحيث يحق له أن يشتري أو يبيع ما يعرض داخل السوق بواسطة السماسرة الذين يقومون بدور الوكيل أو الفضول. ثم فيما بعد ما يقوم به السمسار سواء كان وكيلًا أو فضوليًّا من بيع أو شراء هو عقد مستقل آخر غير عقد الاختيار، هو عقد بيع أو شراء بطريق النيابة إذ هذا الوسيط سيتولى الإيجاب والقبول عن الطرفين إذ يجمع الرغبات وينسق بينها من داخل السوق يمكن أن يكون وكيلًا لوكالة عامة أو لوكالة خاصة عن طرف أو وكالة عامة عن طرفين.
стр. 10117
أما بعض الأسئلة التي وردت والاستفسار عنها يكون بالنسبة لعقد الاختيار – كما قلت – صورة من صور عقد الإجارة على منفعة تخول للعاقد التمتع بميزة التعامل مع ما يجري داخل السوق أما من حيث علاقته فهو له علاقة بعقد الإجارة إذ هو صورة منها، أما الصفقة التي يتم التعاقد عليها داخل السوق فهي بيع على الصفة إن كانت البضاعة ستسلم عقب التعاقد وإِلَّا فهي من باب عقد السلم إلَّا أنه في هذه الحالة لا بد من دفع الثمن عند التعاقد أو خلال ثلاثة أيام من بعد العقد كما يرى المالكية. المهم في هذا من الصعب أن نقول لعقد يجري التعامل به بالأسواق أنه حرام ثم نقطع الصلة به لأن هذه الأسواق فرضت نفسها على المجتمعات الدولية والمسلمون في كل مجتمعاتهم لهم تعامل مع هذه الأسواق، فينبغي أن نجيز منها الجائز وَأَمَّا ما لا يجوز فيمكن أن يجري عليه التعديل الذي يجعله ملائمًا للتعامل معنا. والله أعلم.
القاضي محمد تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم.
عندي تعقيب وجيز على ما تفضل به فضيلة أخينا الشيخ محمد علي التسخيري – حفظه الله – وأشكره على أنه قد حدد نقطة البحث في هذا الموضوع وأنه قد حاول أن يكيف عقد الاختيار على أساس أنه بيع لحق مجرد وأشار إلى أن هناك أنواعًا من الحقوق التي أجيز بيعها والاعتياض عنها وقد مثل لذلك بحق الاختصاص فأشار إلى أنه إذا كان من الجائز أن يبيع الإنسان حق الاختصاص أو حق الابتكار أو حق التأليف والنشر فلماذا لا يجوز أن يبيع حق البيع والشراء؟ وأريد التعقيب على ما تفضل به بأن الحقوق المجردة كما هو واضح لدى جميع الفقهاء هي محل بحث واختلاف بين الفقهاء منذ القدم، وهناك حقوق لم يقل بجواز بيعها وشرائها أحد وهناك حقوق ذهب إلى جواز بيعها بعض الفقهاء كحق الاختصاص وحق التأليف والنشر، ولكن الحقوق التي ذهب إلى جواز بيعها بعض الفقهاء كلها حقوق ثابتة قبل الدخول في بيعها، حقوق ثابتة لصاحبها قبل أن ينشأ هذا العقد - عقد بيع الحقوق - مثلًا حق الاختصاص ثابت لمن ثبت له حق الاختصاص فبعدما يثبت له حق الاختصاص يريد أن يبيع هذا الحق. حق التأليف ثابت مستقر قبل الدخول في هذا العقد فيجوز له أن يبيع هذا الحق الثابت له أما هنا فليس هناك صاحب حق ليس هناك حق موجود قبل الدخول في هذا البيع وكما تفضل به فضيلة الشيخ المختار السلامي – حفظه الله تعالى – أن هذا الحق لا يتولّد إلَّا بهذا العقد – عقد الاختيارات – لم يكن هناك حق بيع أو حق شراء قبل إنشاء هذا العقد – عقد الاختيارات – فهناك فارق كبير بين بيع الحقوق المجردة التي أجيز بيعها وبين عقد الاختيار الذي نبحث عنه. فقياس عقد الخيار على بيع الحقوق المجردة التي أجيز بيعها قياس مع الفارق ولا يستقيم أن نقيس عقد الاختيارات على تلك الحقوق التي أجيز بيعها. والله سبحانه أعلم.
стр. 10118
الشيخ عبد الله بن بيه:
بسم الله الرحمن الرحيم.
يبدو لي إذا راجعنا هذا العقد أن كثيرًا من الآيات والأحاديث يمكن أن تنطبق عليه، فالله يقول: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ .
إذن توجد منفعة ولكن الإثم أكبر من النفع. والله يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ .
وفي الحديث الصحيح: ((نهى النبي ﷺ عن بيع الغرر)) ، ((ونهى النبي ﷺ عن بيع المضامين والمداخيل)) .
هذه عقود كانت قائمة، الناس لهم فيها منافع ويتعاملون بها ومع ذلك رأى الشارع الحكيم أن جانب الغرر والخطر والمقامرة غالب فيها فلأجل ذلك نهى عنها وأوقف التعامل فيها. بهذه الاعتبارات العامة التي دائمًا يجب أن تكون نصب أعيننا ونحن نتعامل مع هذه العقود يمكن أن نعتبر أنها عقد مخالف لسنن العقود التي يجيزها الشرع الحكيم. أجمع العلماء على أن الغرر الكثير حرام، حرمة الغرر الكثير هي إجماعية لا خلاف فيها، وأجازوا الغرر اليسير بشروط أن يكون يسيرًا وأن يكون للحاجة وأن لا يكون مقصودًا. واغتفر غرر يسير للحاجة كما يقول خليل، لم يقصد بالحاجة، إذن هذا البيع وهذا العقد هو عقد جديد، سمعت الشيخ محمد المختار السلامي – حفظه الله – يقول: في سنة ١٩٧٢م، إذن هو عقد جديد حديث في بيئته التي ولد فيها لم يثبت بعد، أعتقد أنه لم يثبت بعد وأن النتائج السلبية لهذا العقد قد تدفع بالمشرع في هذه البلاد في يوم من الأيام أن يدخل عليه بعض التعديلات وأن يوقف هذا العقد، لأجل هذا أنا أرى أن هذا العقد في دينيته وبنيته حاضرتين لا يمكن أن يكون جائزًا ولكني مع ذلك أود لو قدمت البدائل التي أشار إليها الدكتور عبد الوهاب أن تقدم البدائل، أن نبحث البدائل لنرشد السوق الدولية لنقدم ترشيدًا من طرفنا، لا نقول فقط هذه مصالح غير معتبرة شرعًا لا شك في ذلك، ولأجل ذلك هو عقد باطل، ولكن مع ذلك يمكن أن نبحث وأن نحدد حتى نقدم البدائل التي يرضى عنها الشرع والتي يمكن أن تكون مقبولة شرعًا، وهناك بعض الحقوق التي تباع ولكنها حقوق بالتبع. وشكرًا.
стр. 10119
الدكتور الصديق الضرير:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أريد أن أعلق على نقطتين وردتا في كلام الشيخ التسخيري.
النقطة الأولى: بدأ الشيخ التسخيري حديثه ببيان الهدف من بيع الاختيار وقال إنه هو إيجاد وتنسيق بين العرض والطلب، وفي رأيي أنه ليس هو الهدف من بيع الاختيار، إنما هذا هو الهدف من قيام الأسواق المالية ونحن لم نمنع قيام الأسواق المالية وإنما منعنا بعض ما يجري فيها مما يخالف الشريعة الإسلامية ومن هذه المعاملات التي تخالف الشريعة الإسلامية بيع الاختيار فلا يمكن ولم أستطع أن أفهم أن الهدف من بيع الاختيار هو هذا التنسيق بين العرض والطلب.
النقطة الثانية: هي أنه أراد أن ينفي المقامرة عن بيع الاختيار والواقع أن بيع الاختيار ليس قمارًا لكنه شبيه بالقمار، وإطلاق المقامرة على بيع الاختيار ليس من عندنا نحن الفقهاء وإنما أهله أنفسهم، قرأت في بعض البحوث التي قدمت لنا أن بعض الصحف المتخصصة في أمريكا أطلقت على المجتمع الأمريكي مجتمع صالة القمار؛ لأنه يتعامل بالاختيار وخاصة اختيار المؤشرات الذي لا يقوم على سلعة مطلقًا، لا على أسهم ولا على سلع ولا أي شيء، فكيف لا يكون هذا شبيهًا بالقمار إن لم يكن أخًا للقمار؟
نقطة أخرى أريد أن أعلق بها على كلام الأخوين الأستاذين اللذين قالا إن عقد الاختيار من قبيل الإجارة. الواقع أنني لم أستطع أن أفهم هذا فهمًا كاملًا لأنه إذا كان هذا هو التكييف الذي توصلا إليه هو صورة من صور عقد الإجارة على منفعة بعوض هي الأجرة التي تدفع مقدمًا لكي تخول للدافع من خلال هذا العقد حق التعامل مع الأسواق المالية بحيث يحق له أن يشتري أو يبيع ما يعرض داخل السوق، إذا كان هذا هو المقصود من حق الاختيار أن من يدفع هذا الثمن أو هذا المبلغ يجوز له أن يتعامل في هذه الأسواق إذا كان هذا هو التكييف لا أظن أننا سنختلف في هذا. أناس أقاموا أسواقًا وقالوا من أراد أن يدخل في أسواقنا هذه ويستفيد من الخدمات التي تقدمها عليه أن يدفع لنا مبلغ كذا (أجرة) ، لا أظنه سيكون خلاف في جواز هذه العملية لكن الواقع أن هذا ليس هو، إن بيع الاختيار مرتبط بالتزام من طرف آخر إما أن يكون التزامًا مباشرًا من البائع أو التزامًا عن طريق الهيئة التي تدير هذه العملية فكيف نقول إن هذا أجرة على الدخول في السوق؟ لم أستطع أن أفهم هذا بتاتًا. وشكرًا.
الشيخ محمد مؤمن:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
ما ذكر إلى حد الآن من أدلة على البطلان أو الصحة لم يكن كافيًا لهذا الحكم على العقد المطروح، وذلك لقد ذكر أن هذا العقد ليس له مماثل في العقود الفقهية المألوفة، فهو عقد جديد وهذا لوحده لا يسوغ لنا رد هذا العقد الذي نتكلم في صحته أو بطلانه لأن العقود ليست توقيفية كالعبادات وهذا أمر واضح.
стр. 10120
ذكروا أن هذا العقد المطروح هو شبيه بالقمار ونحن نقول المحرّم هو القمار لا الشبيه بالقمار كما أن المحرّم هو الربا لا البيع الشبيه بالربا في أخذ الربح على أن القمار هو أخذ من دون إعطاء وهنا أخذ المال وإعطاء حق الاختيار كما قرر ذلك للبيع أو الشراء فأي دليل على أن يكون الأخذ في مقابل الإعطاء هو شبيهًا بالقمار فيحرّم؟ وقد ذكروا أن المقصود من العقد هو الربح لا شيئًا آخر وهو العين أو الاختيار مع أن المقصود إذا كان من العقد هو الربح بشرط أن يكون العقد على العين أو الاختيار طريقًا للربح فأي مانع من ذلك؟ وأكثر العقود التي يقصد منها الربح هي العقود على الأعيان أو غيرها كالمنافع وهو ما يسمى بالإيجار. ثم ذكروا أنه عقد فيه مخاطرة، والمخاطرة بنسبة محدودة موجودة في بعض البيوعات والإيجارات فهل يحكم ببطلانها؟ المخاطرة موجود في أي بيع قد يخسر فيه هذا الإنسان وقد يربح فيه وفي أي شراء فهل المخاطرة بنسبة محدودة تمنع من صحة البيع أو صحة الإجارة؟ وإذا قبلنا أن الحق يجوز بيعه بثمن كحق الشفعة أو غيره فلا بد أن ننظر إلى مميزات الحق وفرقه عن غيره لنرى أن هنا حقًّا معينًا يقدمه البائع للمشتري أو لا يوجد ذلك الحق.
فيجب أن ينصب البحث على هذه النقطة إن ثبت هنا وجود حق يقدمه البائع للمشتري إذن فلنقل بجواز بيع هذا الحق بشرط أن يكون من الحقوق التي تنقل، وأما إن ثبت أن هناك حكمًا شرعيًّا لاحقًا، يجوز للإنسان أن يجعل الاختيار لغيره في البيع ويجوز له أن يجعل الاختيار لغيره في الشراء وهو حكم شرعي، إذا كان هذا حكمًا شرعيًّا فلا يجوز نقله ولا يجوز بيعه ولا يجوز إسقاطه أما إذا كان هذا حقًّا فالحق يجوز بيعه كما يجوز إسقاطه في مقابل ثمن، فهل هذا هو حق أو حكم شرعي؟ هذا هو مركز البحث ونقطة الخلاف. فما هي الأمور التي تفرق الحق عن غيره من الأحكام الشرعية؟ ما هو الفرق بين الحق والحكم؟ إذا كان هذا حق وتنطبق عليه مميزات الحق إذن الحق إسقاطه بثمن وبيعه ونقله يجوز وأما إذا كان حكمًا شرعيًّا الحكم الشرعي لا يجوز إسقاطه كما لا يجوز بيعه في مقابل ثمن. والحمد لله.
стр. 10121
الدكتور عجيل جاسم النشمي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين.
أنا شخصيًّا متحرج من إبداء الرأي في هذا الموضوع، في هذا العقد ومتحرج أن ينسب إلى المجمع حكم فيه لأنه – كما يبدو لي – حتى الآن صورة العقد غير واضحة من الناحية العملية، ربما تكون فيها بعض الوضوح – في تقديري – وليس كله لدى الأخوة الذين كتبوا البحوث.
المجمع عودنا أن يوجد بيننا أكثر من مختص في هذا الجانب الاقتصادي على الأقل ومن المختصين الممارسين عمليًّا لهذا السوق لأنه كما علمنا من البحوث التي بين أيدينا أن هذا العقد لم يدخل أسواقنا العربية والإسلامية. في الحقيقة لا بد من أن يوجد بيننا من المختصين الاقتصاديين الممارسين كي يجيبوا على استفساراتنا، توجد بعض الاستفسارات وبعض الاستيضاحات حول هذا العقد، لا نجد لو وجهناها من يجيب عنها من المختصين. فأنا في تقديري أن هذا الموضوع يحتاج إلى مزيد بيان ويحتاج إلى وجود مختصين في هذا الشأن والله أعلم.
الشيخ أحمد الشيباني:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى.
سيدي الرئيس، أخواني أعضاء المؤتمر، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
стр. 10122
أشكر الباحثين على بحوثهم القيمة التي أفادتنا كثيرًا عن هذا الموضوع – موضوع الاختيارات – ويلاحظ أن جمهور الباحثين سدوا الطريق أمام هذه المعاملة المستوردة التي لا أساس لها في الشرع الإسلامي الحنيف، أما من رأى أنه يمكن الإبقاء عليها مع التعديل فقال: إنها مكونة من عقدين أحدهما عقد إجارة أي عقد على تمليك منفعة معينة وفسر هذه المنفعة بأنها عبارة عن التسهيلات التي تقدمها الهيئة المعنية لدخول السوق. أما الجانب الآخر فإنه بيع شيء أو شراؤه بثمن معين. أقول وبالله تعالى التوفيق إن الجانبين – في نظري – لا يقرهما الشرع الإسلامي؛ لأننا لو افترضنا أن الاختيار عبارة عن عقدين أحدهما إجارة والآخر عقد بيع، فإن الإجارة قرر الفقهاء أنها كالبيع لا بد من معرفة الثمن والمثمن معرفة حقيقية والفرق بين الإجارة والبيع أن البيع عقد معاوضة على تمليك ذات وأن الإجارة عقد معاوضة على تمليك منفعة، فالمنفعة إذن لا بد أن تكون محققة ومعلومة، ودخول السوق في حد ذاته لا يعتبر منفعة؛ لأن الخاسر في هذه السوق أكثر من الرابح في الغالب، وإذا خسر ذهب ماله بدون تعويض وهذا هو الغرر بعينه، الغرر الذي نهى عنه رسول الله ﷺ في الحديث الشريف الذي أخرجه الإمام مالك ومسلم ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر)) . والغرر عرّفه الفقهاء بأنه (ما شك في أحد عوضيه) هذا تعريف ابن عرفة المالكي، وهناك تعريفات أخرى لجميع الأئمة منها ما تكلم عنها الكاساني ومنها ما تكلم عنها الشيرازي ومنها ما تكلم عنه ابن قدامة في المغني وكلها تصب في هذا القالب (إنه ما جهلت عاقبته) ، فالذي يدخل هذه السوق لا يدري أيحظى بالبيع أو الشراء أو لا يحظى بشيء؟ وهذا هو الغرر بعينه وجزى الله الجميع بخير. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 10123
الدكتور سامي حسن حمود:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أود أن أتكلم في موضوع الخيار.
أولًا: في تصوير العملية كشاهد عدل، ثم في التعليق على النقاط الشرعية كطالب فقه، ثم تعقيب أخير في الموضوع كله كأُمنية.
بالنسبة لتصوير العملية أتحدث عنها كدارس لها في الكتب وكزائر لها في الأسواق المالية في لندن وفي شيكاغو. هي عبارة عن اتفاق بين الراغب في الشراء أو البيع – لأن الخيار قد يكون في الحالين – مع الوسيط أو السمسار أن يبيع أو أن يشتري أسهمًا – مثلًا – وقد تكون في سلعة أخرى ولكنها في الغالب في خيارات الأسهم أسهمًا يرغب في شرائها أو في بيعها بسعر معين، هو يقدر لنفسه – مثلًا – لو كان سعر أسهم شركة " الفوكس فول Fox Full " تسعين جنيهًا استرلينيًّا فيتوقع أنها ستصعد إلى خمسة وتسعين جنيهًا ولكنه غير متأكد من هذا الصعود فيشتري حق الخيار بجنيهين استرلينين فيدفع جنيهين لأنه يرى أنها إذا صعدت إلى خمسة وتسعين جنيهًا فسيربح ثلاثة جنيهات مقابل الجنيهين فيضحى بهما على أمل توقعاته وحساباته فإذا جاءت الريح كما ينبغي وارتفع سعر السهم فإنه يشتري ما كان قد دفع فيه جنيهين فوق التسعين فوق سعر الأساس يشتريه باثنين وتسعين مستعملًا حق الخيار في الشراء ويسمونها الخيار على الصعود، فيشتري ما يساوي خمسة وتسعين جنيهًا في سعر السوق في ذلك الوقت بدفعه فقط اثنين وتسعين جنيهًا فيكسب بذلك ثلاثة جنيهات تبعًا لتوقعاته وحساباته ويمكن العكس كذلك بأن يدفع على النزول ويسميها خيار الهبوط إذا كان راغبًا في أن يبيع أسهمه بسعر معين. هذا هو واقع قضية الخيار في الأسهم. ومنذ عشر سنوات في هذا الموضوع عندما سئلت في شركتنا الخاصة: أن بيع المال بالمال نقدًا هو من الربا وهو لا يجوز، لأن الراغب قد يكون حاسبًا حسابات أكثر هو لا يبيع برأس المال قد يبيع المائتي جنيه التي دفعها خيارًا لحق الخيار بثلاثمائة وقد يبيعها بمائة لأنه رأى الريح تجري عكس ما تشتهي سفنه في التوقعات والتحسبات. فالقضية إذن أنه يبيع المائتين بأكثر أو أقل وهذا يدخلنا في الربا الذي يباع فيه المال بالمال بالزيادة أو بالنقصان.
стр. 10124
أما القول بأن العقد يشبه القمار فهو ليس قمارًا بالنسبة للخبير؛ لأنني مثلًا كإنسان عادي لا أعرف الجواهر أو الذهب ولكن خبراء الجوهر بينهم لا يسمى هذا قمارًا لأنهم خبراء، والذين يتعاملون في عقود الخيار ليسوا بأناس عاديين فأسواقنا في البلاد الإسلامية كلها إن وجدت هناك أسواق لا تعرف هذه العقود حتى البلاد المتقدمة في أمريكا كما ذكر الشيخ السلامي بدأت في عام ١٩٧٢م وإنجلترا لحقتهم بعد ذلك بعشر سنوات وهي شيء جديد بالنسبة لسويسرا وشيء حديث جدًّا بالنسبة لأسواق اليابان، فهؤلاء الخبراء عندما يدخلون السوق يكونون قد حسبوا الميزانية للشركة حسابًا دقيقًا ويعرفون الصفقات المقبلة وماذا سيحدث من بيوع أو تواجهها من مشاكل فيدخلون السوق وهم يعلمون تمامًا ما هي الحسابات التوقعية ليس هجسًا ولا رجمًا بالغيب وإنما عن دراسة علمية مدروسة، فبالنسبة لهم الذين يتعاملون في هذا السوق ليس هناك قمار أو غرر ولكنهم خبراء السوق وأهله الذين يتصرفون به.
نقطة القول (بالإجارة) المعروف أنها عقد على منفعة شيء، وهذا العقد ليس حق دخول السوق لأن يبيع ويشتري وإنما هو يشتري أسهمًا محددة، سلعة معينة ويدفع فيها ثمنًا وهذا الشراء هو جزء أو عربون ساقط، فلذلك ليس له في نظري علاقة بمفهوم الإجارة.
فإذن الخلاصة قسمان:
القسم الأول: هو ربط عملية يدفع في مقابلها ثمنًا إذا أجازه فهي جزء، وإن نكل فهي خسارة فقضيتها كالعربون تعامل هكذا.
стр. 10125
القسم الثاني: أن يبيع الخيار قبل أن ينشئ العقد ليس له إلَّا نقدًا فيبيع النقد بالنقد فحكمه الربا إلَّا إذا كان مثلًا بمثل ويدًا بيد فإذا تجاوز الأمر وأنشأ العقد فلا يعود له هناك حق للخيار ليستعمل ...
النقطة الثالثة التي قلت عنها من باب الأمنيات، أقول أن الخيارات من باب الترف المالي في الأسواق المالية العالمية هي كالفواكه الزائدة في طعامنا الأساسي، نحن لا نجد الخبز فنبحث ماذا نأكل من الكنافة أو من البقلاوة؟ الأساس أن نعود بمفهوم الأسواق المالية إلى حاجتنا نحن في البلاد الإسلامية، الأسهم بحثت بحثًا جيدًا، نعم، ولكن هناك السندات أو الصكوك التي تملك توجيه سوق رأس المال في البلاد الإسلامية حيث تعودنا أن نعتمد على الحكومة في كل شيء أن تدعم لنا الخبز والزبدة والحليب. أن هذه الصكوك التي تتعامل بها الحكومات في معظم البلاد الإسلامية صكوك تعتمد على الفوائد؛ لأنه ليس هناك قياس إسلامي عام المعرفة لكي تكون الصكوك مبنية على حصص مشاركة في المشروعات التي تديرها الحكومات بنجاح والتي تستطيع أن توجه سوق رأس المال في البلاد الإسلامية. أتمنى أن يركز المجمع وأن يركز الإخوة الباحثون وأن يكلفوا كذلك بالبحث والاستزادة والاستفاضة لإبراز دور الصكوك أو السندات الحكومية المشاركة في صناعة التنمية في المجتمعات الإسلامية والتي ليس لنا عنها غِنًى في بلادنا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 10126
الدكتور منذر قحف:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحقيقة أريد أن أشرح بشيء قليل من الكلمات بعض القضايا التي تتعلق بتعريف هذه المعاملة وكيف تتم وأريد أن أنطلق من كلام فضيلة الشيخ التسخيري أنه ينبغي علينا أن نحرر المسألة فندع المسائل والقضايا الجانبية حولها. فهنالك نقاط كثيرة ذكرت هي في الحقيقة جانبية، أنها تتم عبر وسيط عبر سوق منظم، هذه مسألة جانبية، أصل العقد هو عقد على الحق بالشراء وليس عقدًا على الشراء نفسه. عقد الشراء سينعقد بعد ذلك في وقت لاحق إذا مارس الطرف الذي له حق ذلك الاختيار. هذه النقطة الأولى، إذن هو ليس عقد على البيع ولا هو بإجارة لا علاقة له بالإجارة مطلقًا، ليس فيه منفعة تؤجر وليس فيه أصلًا ثابتًا يؤجر ومنفعة تشترى لذلك الأصل الثابت، فهو عقد على حق بالاختيار إذا مارسه من له الحق، أحد الطرفين ملتزم فهو الذي يقبض الثمن، الطرف الملتزم يقبض الثمن. أنا التزمت بأن أبيع مثلًا مائة سهم لشركة معينة بسعر معين لقاء هذا الالتزام آخذ – مثلًا – دولارين عن كل سهم فآخذ مائتي دولار هذا الثمن هو الثمن لهذا العقد لهذا الحق ثمن للاختيار الذي يتمتع به الطرف الآخر، الطرف الآخر له الحق خلال مدة معينة أو تاريخ معين حسب فروق ثانوية له الحق أن يمارس هذا الاختيار بأن يقول خلال مدة العقد: أريد أن أشتري فأعطني هذه المائة سهم، عند ذلك أعطيها له بالثمن الذي اتفقنا عليه ويسمى سعر الممارسة وليكن مثلًا في عقدنا الأول عقد الاختيار اتفقنا على ثمن مائة دولار لكل سهم فأنا أبيعه عند ذلك هذه الأسهم بمائة دولار للسهم ويكون ثمنها عشرة آلاف دولار، لا علاقة مطلقًا للمبلغ الذي سبق أن أخذته بهذا الثمن فهو ليس جزءًا منه أبدًا. في الحقيقة أرجو أن يكون الأمر واضحًا، هذا أنا في حسابي في ذهني في العملية الذهنية التي أقوم بها، أقول ذلك: إنني أبيع الاختيار بدولارين – مثلًا – عن كل سهم فأبيع هذا الاختيار لمائة سهم بمائتين وأكسب دولارين الآن، مجموع ما أكسبه هو فرق السعر عند الممارسة الذي أتوقعه مع العقد الذي هو عقد الممارسة (سعر الممارسة) ، اتفقت أن أبيعه بمائة دولار للسهم لو كان توقعي أن سعر السهم خلال هذه الأشهر الثلاثة سينخفض فعند ذلك مما أبيع هذا وآخذ هذين الدولارين وهما كسب كامل لي الآن، عند الممارسة لو كان السعر أقل من المائة التي هي سعر الممارسة فسيكون كسبي الدولارين اللذين أخذتهما مضافًا إليه الفرق ما بين سعر السوق في ذلك الوقت وسعر الممارسة المكتوب في عقد الاختيار ولو لم تحصل توقعاتي وحصلت توقعات الطرف المقابل التي هي في الواقع عكس توقعاتي وإلَّا لما اشترى ذلك الاختيار ودفع ثمنه فلو ارتفع السعر بدلًا من أن ينخفض فأنا أخسر الفارق ما بين سعر الممارسة الذي هو مائة وارتفاع السعر ناقصًا ما كنت قد قبضته (الدولارين) ، فلو ارتفع السعر إلى مائة وخمسة دولارات كم تكون خسارتي؟ خسارتي تكون ثلاثة دولارات؛ لأنني سأعطيه بسعر مائة وكنت أخذت دولارين منه فكأنها مائة واثنين دولار (كأنها) وليست هي مائة واثنين عقد البيع عندما يجري - مثلًا - بعد ثلاثة أشهر سيجري فقط بسعر مائة فالاثنان ليسا جزءًا منه وإنما هما جزء من العملية الحسابية التي أقوم بها في ذهني لتحديد كسبي وخسارتي.
стр. 10127
النقطة الثانية التي أريد أن تكون واضحة أيضًا هي أن هناك عقدين مختلفين تمامًا عقد الاختيار ثم يليه عقد ممارسة ذلك الاختيار. الآن عقد الاختيار، أبيع اختيارًا أو أشتري اختيارًا وإن كنت مشتريا للاختيار أن لي حق الاختيار فأنا الذي أدفع الثمن، هذا العقد يجري الآن وهذا العقد يحدد ما هي السلعة وما هو الشيء الذي يقع عليه الاختيار سعره والأجل الذي يمكن أن يمارس الاختيار من خلاله ونوع السلعة محددة بدقة واضحة متناهية، وقد تكون هذه السلعة شيئًا مباحًا مما ألف أن يتعامل به الناس كالأسهم أو كالسلع – السلع المتعددة – وقد يكون شيئًا وهميًّا مطلقًا وهو المؤشر، المؤشر حقيقته شيء وهمي لأنه رقم حسابي فقط يدل على حركة مجموعة من الأسعار أو الكميات خلال فترة زمنية فهو شيء وهمي فقط محسوبًا حسابيًّا وليس شيئا حقيقيًّا فيكمن أن يقع الاختيار على أي من هذه الأشياء إلَّا أنه سيتم بعد ذلك عقد آخر لو تمت ممارسة ذلك الاختيار، وهذا العقد الآخر منفصل تمامًا عن العقد الأول من حيث إنه عقد، يعني سيكون هناك عقد بيع بطرفيه والسعر المحدد مسبقًا والكمية محددة مسبقًا فينجز ذلك العقد بمجرد ممارسة ذلك الحق. من حيث الواقع كيف ينتهي عقد الاختيار؟ الحقيقة كما سنجد أيضًا نفس الشيء في عقود السلع (عقود المستقبليات كلها) عقد الاختيار هو نوع من عقود المستقبليات وما نشأ إلَّا بعد نشوء المستقبليات تاريخيًّا فنهايته في الواقع يمكن أن ينتهي بأحد شيئين الأغلب والشائع جدًّا أنه ينتهي بأن يشتري عقدًا مقابلًا له فيتساقطا معًا، كان عندي التزام بالبيع فأشتري اختيارًا بالبيع فيسقطان معًا، كان عندي التزام بالشراء أشتري اختيارًا بالشراء فيتساقطان معًا، وهذا هو الأغلب ومعظم العقود تنتهي بهذا وآخذ الفرق بين السعر بمعنى لو ارتفع سعر السهم من المائة إلى المائة وخمسة فخسارتي ثلاثة، سيكون هناك اختيار في السوق يباع بسعر ثلاثة في ذلك الوقت هو حقيقة فارق السعر، اختيار بالشراء، أشتري اختيارًا بالشراء وأغطي نفسي بما كنت بعت من اختيار شراء أصبحت مشتريًا وبائعًا أخرج من السوق لأنني مشتر وبائع لنفس الكمية بخسارة هذه الثلاثة التي دفعتها.
стр. 10128
الحالة الثانية وهي حالة قليلة الحصول، تحصل في واقع الحال إلَّا أنها قليلة، هو أن ينتهي هذا العقد بالممارسة الفعلية للاختيار بحيث أشترى من السوق مائة سهم , وأسلمها لمن اختار ذلك الاختيار. هذا هو الشكل العام. الاختيار الذي يمارس في الأسواق المنظمة ومعظم الاختيارات تمارس في الأسواق المنظمة وبشكل كبير جدًّا، هناك اختيارات خارج الأسواق قليلة تمارس إلَّا أن الاختيارات داخل الأسواق، يضاف إليها عنصر مهم جدًّا وهو أن إدارة السوق تضمن إنجاز جميع العقود التي يتعاقد عليها في تلك السوق فهذه العقود إذن إدارة السوق تضمن إنجازها وبالتالي تأخذ من الأطراف الذين يدخلون بهذه العقود ضمانات كافية بنظرها تسمى الهوامش، هذه الهوامش تأخذها إدارة السوق، وتضعها عندها فهذا يقتضي إذن نوعًا آخر أو إضافة عنصر آخر هو أن هذه العقود مضمونة التنفيذ ولا مجال فيها أبدًا لأن يتقاعس أو يتلاعب أو يقوم بأي إجراء آخر أي طرف من الأطراف لأن الإدارة تضمنها، أيضًا السوق المنظم اقتضى عنصرًا آخر وهو أنه بسبب أن مكان السوق محصور والمعرفة بشروط التعاقدية تحتاج إلى خبرة كبيرة فاشترطوا ألا تتم هذه العقود في الأسواق المنظمة مباشرة إنما عن طريق السماسرة، فهناك سماسرة رخص لهم وأدو امتحانًا ودفعوا رسم اشتراك سنوي في العادة هؤلاء السماسرة هم الذين يسمح لهم بالتعامل وكل تعامل لأي شخص، وأي شخص سيستطيع أن يدخل السوق، يعني أنا لا أدفع رسمًا لأن أشتري اختيارًا أو سلعة أو سهمًا أو أي شيء في السوق المنظمة كمشتر وكبائع لا أدفع رسمًا لذلك، لي الحق بدخول السوق وبالتالي لا علاقة للإجارة بهذا إنما هذا الحق أمارسه من خلال ذلك السمسار وأدفع له أجرته وهذه الأجرة في العادة تنافسية، منهم من يأخذ القليل ومنهم من يأخذ أكثر وأنا أختار حسب ما أراه من صالحي. والحمد لله رب العالمين.
стр. 10129
الشيخ أحمد بزيع الياسين:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد:
في الحقيقة هذه الممارسة تصدر في ظل نظام مصرفي ربوي آيل إلى السقوط – بإذن الله تعالى – وليس بالضرورة أن يكون عرف غير المسلمين عرفًا للمسلمين، وأنا – في الحقيقة – أنصح نفسي وأنصح الأخوة القائمين على إدارة الأموال أن ينجوا بأموالهم من المخاطر التي تحوط بهذا النظام بأن ينصرفوا إلى استثمارات أو على الأقل إلى تبادلات تجارية بين دول الأمة الإسلامية وفي هذا متسع كبير لهم.
الجزئية التي نتكلم عنها في هذه السوق هي تسمى (الخيارات) الحقيقة هناك لا توجد بضاعة البضاعة سراب، وليس هناك ثمنًا فالثمن سراب، إذن العقد كله وهمي مبني على الوهم، وإنما هناك مراهنة – في الحقيقة – مثل ما قال الأستاذ رفيق إذا كان في وقت تنفيذ الخيار ينظر هل هو كاسب أو رابح، فإذا هو كاسب يأخذ المكسب وإذا كان هو خاسر يسلم الفرق، إذن هي نوع من أنواع القمار بدل أن تمارس بالورقة (الكتشينة) تمارس بعقود في البورصات. الصورة لهذا العقد الوهمي هو ما صوره الشيخ الصديق الضرير في بحثه – جزاه الله خيرًا – ودلت الإحصاءات الدولية على أن هذه الممارسات الوهمية تمثل ٩٧ % من مجمل العمليات – مثل ما قال أخونا إنها في الحقيقة أكثرها وهمية – و ٣ % فقط هي عقود حقيقية.
فلذلك سادتي العلماء أرى أن هذه السوق المالية مبنية على كثير من المخالفات الشرعية، فأولًا إذا كان التبايع في الأسهم فالأسهم عندنا فيها توصية بأن لا ندخل فيها، وإذا كانت غير الأسهم بل السلع فلا وجود للسلعة، أين السلعة؟ ليس هناك سلعة إنما هناك مراهنات يدفع الخاسر أو يقبض الرابح نتيجة لهذه المراهنة. وشكرًا.
стр. 10130
الشيخ محمد سالم عبد الودود:
بسم الله الرحم الرحيم.
لا أريد أن أطيل لأن الموضوع تكلم فيه وربما يكون كافيًا، لكن ينبغي أن نتصفح الواقع فإذا رأينا عقدًا جديدًا لم نحكم بتحريمه من أجل جدّته لأن العقود الشرعية كما قال بعض الإخوان ليست عقودًا مسماة أو شكلية إنما كانت هناك ضوابط أقرها الشرع للتعامل فإذا توفرت قضينا بالإباحة وإذا اختلت قضينا بالتحريم. في هذه العقود نجد بيع العربون ولغويًّا هو معروف العربون والعربان, والعربون بالعين وبالهمز في الألفاظ الثلاثة، قد ذكر الثعلبي في فصيحه منها اثنين العربون والعربان ونظم كلامه مالك بن المرحل بقوله:
والعربون يا فتى والعربان
وذاك ما عجلته من أثمان
نرى أنه توجد حالات من حالات العربون وتوجد حالات من حالات الضمان بجعل وتوجد حالات من حالات الشراء شراء مؤجل أو سلم وقد يكون في هذا السلم سلم بخيار وسلم بخيار يجوز إذا توفرت شروط السلم ولم يزد أجل الخيار على القدر الذي يجوز أن يؤجل إليه أخذ رأس مال السلم لأن السلم بخيار لا يجوز النقد فيه للتردد بين السلفية والثمنية، فلذلك يشترط في السلم بخيار ألا يزيد أجله على الأجل الذي يجوز تأخير رأس مال السلم إليه.
стр. 10131
ونرى أن من هذه الحالات ما يشبه قولهم وجاز سؤال البعض ليكف عن الزيادة، وأن يقول السائم لمن يستام معه السلعة: كف عن الزيادة ولك درهم، فإذا كف وجب له ذلك الدرهم سواء تم الشراء أو لم يتم. هذه أمور معروفة في المذهب المالكي الذي أتكلم عنه كمدرسة لا كمذهب ولا تعصبًا له وإنما هو المدرسة التي نشأت بين أحضانها فيها نزول عن الحقوق مقابل أعواض ولا يسمونه بيعًا ولكن يسمونه (نزولًا) فهو عندهم من العقود غير المسماة، فإذا توفرت في هذه الصفقات الشروط التي تجيز عقد (السلم) أو (البيع لأجل) أو (بيع الخيار) أو (نزول عن الحقوق مقابل الأعواض) قلنا تجوز وإذا لم تتوفر واشتملت على بعض ما يفسد العقود قلنا هي عقود فاسدة، أما أن نقول: هي عقود فاسدة لأنها لاعهد بها، أو نقول: هي عقود صحيحة لأنها تحقق المصالح والمكاسب هذا لا يمكن أن يكون معيارًا للتحليل أو للتحريم. ننظر إليها نظرة موضوعية نعتمد فيها ما يقوله الخبراء فإذا شخصوا لنا هذه العقود وعرفنا الأحكام التي تنطبق عليها مما هو موجود عندنا في كلام الفقهاء – رحمهم الله تعالى – تكلمنا على بصيرة في التحليل والتحريم. وعندي أمنية – أيضًا – هي أنه كان الناس في الأول يروون كتب الفقه، الآن تركوا الرواية واعتمدوا على الكتب ومن هذه الكتب ما لا توجد منه إلَّا طبعة واحدة قد تكون مطبوعة على مخطوطة واحدة تكون في هذه الطبعة كثير من الأخطاء فيعتمد عليها الباحثون والمفتون وأخص بالحديث لذلك (طبعة الحطاب) فهو كتاب معتمد في الفقه المالكي ولكن الطبعة الموجودة منه تشتمل على كثير من الأخطاء والإسقاط والتحريفات، فأهيب بالمجمع المعظم إلى أن يبحث عن نسخ قلمية عتيقة لهذا الكنز الثمين ويجعله تحت أيدي الباحثين إلى أن تتاح فرصة لطبعة من جديد وتحقيقه حتى لا نعتمد على نسخة فيها السقط والتحريف ونصدر أحكامًا انطلاقًا منها قد تكون بعيدة من رأي المؤلف ومن المذهب الذي ينقل كلام أصحابه. والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.
стр. 10132
الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان:
بسم الله الرحم الرحيم.
الواقع مجرد تعليق على كلام فضيلة الأستاذ السلامي وهو أني اعتبرت المشتري أقول المشتري غير السمسار، هذا واضح جدًّا في بحثي فأنا لا أعلم، عرضت فقرة خاصة بالسمسار ولم أقصد به المشتري، فالمشتري لم يكن في بحثي سمسارًا أبدًا. الأستاذ الصديق الضرير الواقع أعتبر أن كل ما قلته في بحثي أن هذا العقد عقد إجارة والأمر ليس كذلك، إنما قلت اشتمل على إجارة وعلى عقدين، جوهر هذا العقد إنما هو البيع وأنا أسحب كلامي في ضوء شرح الدكتور منذر قحف والدكتور سامي حمود أسحب كلمة أن هذا العقد يتضمن عقد إجارة فهو عقد بيع في لبّه وجوهره وما دفع فهو عربون والعربون هذا جائز أخذه في المذهب الحنبلي، فهو ليس عقد إجارة بالكامل ولم يكن كلامي يتضمن هذه الفحوى وشكرًا.
الأستاذ عبد اللطيف جناحي:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
من الأوراق المقدمة ومن عرض الشيخ المختار السلامي وعرض الأستاذ الدكتور منذر قحف أرى بأنه لا توجد زيادة لمستزيد في عرض الموضوع بأمانة علمية وصادقة ولكن سألقي الضوء على نقاط أخرى لنرى ما يترتب على هذا السوق من أضرار اقتصادية.
стр. 10133
سوق الاختيار في الحقيقة خلق كسوق منشق من السوق الثانوية والمعول فيه والأساس لتكوينه هو استقطاب المضاربين فمعظم هؤلاء الذين يدخلون السوق لا يرغبون في شراء السلعة بذاتها، هنا محل نظر يجب أن نركز عليه الضوء. فسوق الاختيار يقع الأمر على إرادة، وهذه الإرادة هي ممارسة الحق إما أن تمارس وإما أن لا تمارس. وهو في نظري من المعاملات المضيعة للمال أو المحققة للثروة من معاملات لا صلة لها بالتنمية وتخرج النقود – بالنتيجة – من إحدى الوظائف الرئيسية وهو تحريك عجلة التنمية، من جانب آخر لهذا السوق تأثيره السيء إذ يصرف توجه المال عن المعاملات الحقيقية وبالتالي هذا يؤثر سلبًا على التنمية ويزيد أيضًا بأسلوب غير مباشر من عرض النقد مما يؤدي إلى زيادة التضخم، وليس متيقنًا أن حجم العقود التي تتم تعادل في قيمتها أثمان ما تقع عليه من أسهم البضائع، فحقيقة أن السيطرة على مثل هذا السوق سيطرة غير ممكنة والأمر يفلت من أيادي المسيطرين عليها خاصة إذا نشطت سوق الاختيارات لأنها طبعًا من المضاربات والمضاربات نحن نعرف مضارها وآثارها الاقتصادية. أيضًا هذا النوع من التعامل الوهمي إن صح التعبير يزيد الطلب على النقود الائتمانية وهو ذو صلة بالربا وهو عامل مساعد للتضخم. كون أن الذين يدخلون متمرسون في العملية ويعرفون المشاكل، نعم هم متمرسون في العملية ويعرفون المشاكل ولكن هم أيضًا يخلقون المشاكل ليحققوا غاياتهم في الأخير. وبالنتيجة إن كان هذا التعامل كما قال به بعض الفقهاء لا يجوز شرعًا فأنا أقول أيضًا هو حرام من الناحية الاقتصادية البحتة لما له من آثار سلبية على الاقتصاد. وشكرًا.
стр. 10134
الشيخ رجب بيوض التميمي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أود أن أشير في هذه النقطة إلى أن هذا العقد وهو عقد الاختيار ليس عقدًا ولا أصل له في الفقه الإسلامي، ولا أصل له في العقود الشرعية، هو عقد مستورد عقد وهمي عقد ليس على مال متقوم وإنما عقد على حق في الشراء في زمن معين في شيء معين فهو أولًا يفضي إلى الجهالة والجهالة تفضي إلى النزاع وكما هو معلوم من القواعد الشرعية أن الجهالة التي تؤدي إلى النزاع هذه عقدها عقد فاسد ولا يجوز أن يعول عليه. فإذن عقد الاختيار ليس عقدًا وهو شيء وهمي وصوري يؤدي إلى النزاع، يؤدي إلى أشياء كثيرة محظورة، يؤدي أولًا إلى الربا ويؤدي إلى النصب والاحتيال، ويؤدي إلى القمار لأنه عقد ليس مالًا متقومًا وإنما حق أي حق، شيء مجهول، أي حق يشتري شيئًا معينًا في زمن معين نظير مال أي مال، لذلك فإنني ألخص كلمتي بأن هذا ليس عقدًا وإنما هو شيء وهمي يؤدي إلى النزاع وفيه جهالة فاحشة ويؤدي إلى الدخول في متاهات تخرج عن الأصول والقواعد الشرعية وهو عقد محرم يجب أن نبتعد عن البحث فيه لأنه لا يمكن أن يؤدي إلى نتيجة صحيحة أو عقد معتبر ولذلك فإنني أختصر كلمتي بأن كل عقد فيه جهالة يؤدي إلى النزاع عقد فاسد لا يعول عليه وفيه من الأشياء المحظورة الشيء الكثير. والله أعلم بالصواب والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 10135
الدكتور عبد السلام داود العبادي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أرجو أن أذكر بعض الملاحظات في هذا النقاش العلمي المفيد. في ظني أن الأمر يحتاج إلى مزيد من البيان، لا أقصد ما تمّ في هذه الجلسة، في الواقع أقصد في مرحلة إعداد البحوث لأن كثيرًا من القضايا قد تم توضيحها في هذا اللقاء فيما يتعلق بطبيعة ما يجري بخصوص هذا العقد. لذلك في ظني أن تأجيل إصدار حكم في هذه القضية أمر يجب أن نتجه إليه، يجب أن نميز في معرض الحديث عن الحكم الشرعي بين قضية التوجهات العامة وما ينصح به وبين تحرير محل النزاع ومن ثم التوجه إلى بيان الحكم فيه من مرحلته الأولية ثم فيما يلحق بهذه الجزئية من أمور تابعة قد تحكم بعدم صحتها وحدها أو بصحة بعضها وعدم صحة شيء آخر منها. واضح ما يجري في الأسواق المالية في العالم حتى في بلاد العرب والمسلمين كثير منه من قبيل المضاربات البحتة مما يفسد حتى العملية التنموية فضلًا عن أنه يؤثر في ثرائها والأصل أن يتوجه اقتصاديونا وباحثونا إلى كثير من الضمانات والقيود والقواعد الضابطة لسلوك المتعاملين مع هذه الأسواق بما يصون هذه الأسواق من أن تنقلب إلى ساحات للمضاربة والمراهنة وعمل نوع من الانطباع بأن هنالك تقدمًا اقتصاديًّا لكن العملية لا تخلو من مضاربات يثري فيها البعض على حساب الآخرين، لكن هذا أمر في الواقع غير عملية التصدي لقضية محددة والقول بأنها بهذه الصورة جائزة أو غير جائزة، أنا مع الإخوة الذين طالبوا بأن نتوجه نحن في مجمعنا ليس للحاق واللهاث وراء صيغ من التعامل استحدثتها الحضارة المعاصرة لسبب أو لآخر إنما يجب أن نتجه لاستحداث صيغ من التعامل المعاصر تلبي حاجاتنا على هدي من شريعتنا ووفق قواعد ديننا الحنيف، وهذا التحدي طرح البدائل الجيدة التي تحق التنمية الحقيقية في مجتمعنا وبالتالي نتميز في الواقع عن الحضارات المعاصرة وما تقدم في هذا المجال. ولذلك أنا مع الأخ الدكتور سامي في اقتراحه بأن نتوجه لصياغة أدوات تمويل وعقود جديدة تضبط أسواقنا المالية، لكن فيما يتعلق بالخيارات أريد أن أبسط المسألة إلى أبعد حدود التبسيط ومن ثم يمكن أن ننظر في صورتها المبسطة هذه، أهي جائزة أو ليست جائزة؟ ثم بعد ذلك يمكن إذا أردنا أن نستمر في هذا البحث أن ننطلق جزئية بعد جزئية لمكونات هذه الصورة في الواقع المعاصر لننتهي بعد ذلك إلى حكم شامل فيما يتعلق بهذه المسألة.
стр. 10136
واضح أن الذي دفع إلى التفكير في عقود الخيارات هو عملية المضاربات التي تجري في الأسواق المالية، يعني لو كانت الأسعار مستقرة ولا تتفاوت بين يوم وآخر وشهر وآخر لما كان هنالك حاجة لهذا لكن لخشيتي أنا من صعود الأسعار أو من هبوط الأسعار أسارع لنوع من الممارسات من أجل تحقيق الأرباح، فلو كانت طبيعة السوق وهذا أمنيتنا أن يكون هناك سوق إسلامي ليس في وجوده في بلاد المسلمين إنما في قواعده وفي تعامله وفي منطلقاته وفي محركاته وفي كل ما يجري فيه لكن كون أننا أخذنا هذه التجربة عن الحضارة المعاصرة بما فيها فلذلك نحن نعالج معالجة أشبه ما تكون بمعالجات الترقيع لنقول هذا في جزئية جائز أو في جزئية غير جائز. أعود إلى قضية التبسيط لو جاء شخص معين وقال: أنا ألتزم ببيع سلعة أملكها – دعونا حتى من قضية الأسواق المالية – ألتزم ببيع سلعة معينة بسعر معين ومقابل هذا الالتزام – وسلعتي هذه يتفاوت سعرها على ضوء العرض والطلب في المجتمع – ومقابل هذا الالتزام أريد مبلغًا من المال لأنه لو بسطنا المسألة هذه هي الحقيقة بيع التزام بالبيع من حيث الذي سيقبض المال وبالنسبة للآخر هو شراء التزام بالبيع بسعر معين في فترة معينة ومن ثم ندخل بعد ذلك في كل التفاصيل والأمور اللاحقة في هذه الصورة من التعامل. هذه العملية هل يمكن أن تخرج على قاعدة بيع العربون؟ نعم هي ليست تمامًا كالعربون لكنها في النهاية كما شرح الدكتور سامي تؤول بشكل أو بآخر إلى هذه الحالة وإن كانت في العقد اللاحق عندما تتم العملية فعلًا عندما يتم البيع فعلًا ليس هنالك ربط بالمبلغ الذي قبض أولًا لكن العبرة فيما يجري فعلًا وحقيقة وليس من الأسماء والصور التي تمارس بقدر ما هي من حيث مضامينها الحقيقية. هذه القضية هي في ظني إذا بحثناها وانتهينا فيها إلى الإجازة أو التحريم تحسم هذه المسألة وأما ما يلحق بعد ذلك من مسائل كما تفضل الدكتور منذر معظم الخيارات تنتهي بعمليات مقابل، بمعنى آخر هنالك بيع للعربونات يعني هنالك مضاربات تلحق بمضاربات، لكن هذا قد نقوله بالنسبة لجزء في كل في السوق المالي كما يجري لكن مع التنبيه إلى أننا قد حددنا بالضبط الحكم المتعلق بأصل المسألة. وشكرًا.
стр. 10137
الدكتور طه جابر العلواني:
بسم الله الرحمن الرحيم.
أود أن أنبه إلى بعض الملاحظات التي قد لا تضيف كثيرًا إلى ما تفضل به من سبقوني لكنها قد توضح بعض الجوانب.
الملاحظة الأولى: أن المعاملة التي جرى نقاشها هي معاملة حادثة باتفاق من تكلم فيها من خبراء ومن فقهاء أبرزها اقتصاد حر جعل كل شيء سلعة، الإنسان ذاته، في نظر هذا الاقتصاد هو وحدة إنتاجية واستهلاكية لا ينظر إليه إلَّا من هذه الزاوية، الحق، المنفعة، اللذة، المصلحة، الحرمة والقداسة مرتفعة عن كل شيء، وكل شيء في هذا الاقتصاد عروض للبيع والشراء والتداول والمعاوضة. جسد الإنسان امرأة أو رجلًا معروض للبيع ومعروض للتأجير ومعروض للانتفاع به بكل الوسائل حيث إن هذا الاقتصاد بني على تصور ينفي الحرمة والقداسة وإدخال أي عنصر غيبي في هذه المعاملات، فلا شيء اسمه دين ولا شيء اسمه فقه أو شريعة أو خلق أو قيم في هذا المجال وإنما هي أمور كلها قابلة للتداول والتبادل والبيع والشراء والمعاوضة. هذه واحدة.
الأمر الثاني: أن فقهنا الموروث لم يشتمل على شيء مباشر في هذه العقود الحادثة وفقهاء سلفنا حتمًا لم يواجهوا مثل هذه المعضلات، فهم قد عاشوا في مجتمعات يغلب عليها أنها مجتمعات زراعية ومجتمعات تجارية ذات طبيعة تراحمية تعاونية بسيطة تحددها وتسودها وتضبطها قيم شرعية وأخلاقية.
الأمر الثالث: هذه المعاملات بعضها إذا أخذ بشكله الجزئي وعرض منفصلًا عن الرّحم الذي ينتمي إليه- رحم الاقتصاد الحر- ربما يستطيع الفقيه أن يقول: هذه المعاملة جائزة أو هذه مقبولة بشكلها الجزئي وفي إطارها الجزئي ولكن ما الذي سننتهي إليه بعد الوصول إلى هذه الجزئيات؟ ربما سيقودنا هذا إلى قبول الإطار الفلسفي بعد ذلك الذي سمح بإفراز مثل هذه المعضلات.
الأمر الرابع: الفقيه المعاصر الذي يواجه هذه القضايا هو ينتمي إلى أمة لا يزال هذا الاقتصاد العالمي السائد يصنفها في إطار عالم ثالث أو عالم نامي أي باعتراف أهل هذا الاقتصاد أن هذه البلدان لا تواجه مثل هذه المشكلات وحين تواجهها فإنما تواجهها في شكل جزئي وفي إطار سيادة وسيطرة هذا النظام الاقتصادي العالمي وبمقدار ما يسقط عليها من مشكلات، وبالتالي فالفقيه المعاصر إما أن يقيس وهنا عملية القياس إن لم تكن متعذرة فهي شديدة الصعوبة لأن فقهاءنا لم يواجهوا مثل هذا، وإما أن يذهب إلى الأخذ بفقه الضرورات لمن يصابون بمثل هذه النوازل بشكل جزئي وقد يكون هذا أسلم المنطلقات أو أخف المنطلقات ضررًا بالنسبة لمثل هذه الواقعات.
الذي نود أن نتنبه إليه هو أن نتصور الاقتصاد الذي تنتمي إليه بلداننا شكله، كيفيته، مشكلاته، كيف يمكن للفقيه المعاصر أن يسهم في معالجة قضاياه؟ أما قضايا اقتصاد آخر لا تصادفنا إلَّا بشكل جزئي ومن خلال هذه المنطلقات فإنها سوف تضع أمامنا كمًّا هائلًا من المشكلات قد يضيع علينا فقه أولوياتنا. أقول قولي هذا وشكرًا لكم.
стр. 10138
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلَّي الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
من خلال هذه المداولات يتبين أن هناك ثلاثة توجهات.
الأول: وعليه عامة فقهاء هذا المجمع وعدد من الاقتصاديين وهو أن الاختيارات بيعًا وشراء ليس له مقابل صحيح في عقود المعاوضات وغيرها من العقود الشرعية ولذلك فحكمه التحريم.
الثاني: فيه تفصيل بتحليل جزئيات بعض الصور التي طرحت وتعديل لها ... وقد ترون مناسبًا أن يتألف لجنة لإعداد مشروع قرار في هذا الموضوع من خلال المداولات الجارية وهم المشايخ: وهبة الزحيلي، الصديق الضرير، عبد الوهاب أبو سليمان، سامي حسن حمود، عبد اللطيف الجناحي، محمد تقي العثماني. موافقون؟
الأعضاء:
نعم.
الرئيس:
وبهذا ترفع الجلسة وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ثَانيًا: السّلع
الرئيس:
الحمد لله رب العالمين وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
في هذه الجلسة سوف يكون موضوعها – بإذن الله تعالى – (السلع) والعارض هو فضيلة القاضي الشيخ محمد تقي العثماني والمقرر هو فضيلة الشيخ صالح المرزوقي.
القاضي محمد تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن موضوع الدراسة لهذه الجلسة كما عرفتم هو التعامل في السلع وليس المقصود بهذا العنوان بيع السلع بعمومها وإنما المقصود التعامل في السلع بمختلف صيغها الجارية في الأسواق المالية والبورصات العالمية اليوم. وإن السلع التي يتعامل بها في هذه الأسواق بكميات كبيرة تشمل الأطعمة والمنتجات الزراعية والمواد المعدنية من الذهب والفضة وغيرهما في غالب الأحوال والمنتجات الصناعية في بعض الأحيان. وإن التعامل في هذه السلع ينقسم إلى أقسام ثلاثة:
стр. 10139
الأول: التعامل في السلع الحاضرة وما يسمى باللغة الانجليزية (SPOT TRANSACTION) وهو أن تكون السلع موجودة عند الباعة فيبيعونها إما بثمن الحال أو بثمن مؤجل وإن هذا النوع من البيع لاخفاء في حكمه الشرعي فإنه ينطبق عليه جميع أحكام البيوع المبسوطة في كتب الفقه، وبالتالي فإن هذا النوع من البيع يعز وُجوده في الأسواق المالية والبورصات وإنما يتعامل به في الأسواق العادية غالبًا. فإني لم أتعرض في بحثي لهذا النوع من البيع.
النوع الثاني: من التعامل في السلع هو البيوع المقدمة وهي البيوع التي تسمى باللغة الإنجليزية (FORWARD SALES) وهي البيوع التي يبيع فيها البائع سلعًا يلتزم بتسليمها إلى المشتري في وقت لاحق وإن حكم هذا النوع من البيع أنه إنما يجوز إذا توفرت فيه شرائط السلم أما إذا لم توجد فيه شرائط السلم فإنه لا يجوز أصلًا إما لأنه بيع لما لا يملكه الإنسان أو لأنه بيع معدوم أو لأنه بيع مضاف إلى ثمن مستقبل. وكل ذلك لا يجوز كما هو معروف في الفقه الإسلامي.
النوع الثالث: من التعامل في السلع هو ما يسمى (المستقبليات) وإن هذه الكلمة في الأصل مترجمة من اللغة الإنجليزية والكلمة الإنجليزية المستعملة في هذا الموضوع هي (FUTURES) وهو النوع الذي يهمنا أكثر في دراستنا اليوم لكونه نوعًا جديدًا من التعامل في السلع أصبح من أبرز أنواع المعاملات الجارية في الأسواق المالية العالمية، وتكونت له بورصات مستقلة يتعامل فيها بالملايين في كل يوم. ويبدو من كلمة (المستقبليات) وتعريفها المذكور في كتب الاقتصاد أنه اسم للبيوع المقدمة التي ذكرناها كالنوع الثاني من التعامل في السلع، فإنه يتعامل بها في السلع بشرط تسليمها بتاريخ مستقبل، ولكن هناك فرقًا جوهريًّا بين البيوع المقدمة وبين المستقبليات وهو أن البيوع المقدمة إنما تعقد للحصول على السلع في تاريخ مستقبل، والبائع يقصد تسليم المبيع، والمشتري يريد تسلمه في ذلك التاريخ، ويقع التسليم والتسلم فعلًا عند حلول ذلك التاريخ. أما المستقبليات، فإن السلع إنما تستخدم فيها كأساس للتعامل، ولكنه لا يقصد بها في معظم حالات التسليم والتسلم، بل يقصد بها إما المخاطرة في الأرباح، أو التأمين ضد الخسارة في إحدى البيوع المقدمة المتوازية، فلا يقع فيها تسليم السلع وتسلمها إلَّا في حالات نادرة جدًّا، وبما أن الحكم الشرعي لشيء ما إنما يبتني على تصوره الصحيح فإني أريد أن أشرح كيفية هذا التعامل في المستقبليات بشيء من التفصيل، فليعذرني المستمعون الأكارم إذا كان فيه شيء من الإطالة فإنه لا بد من هذا للوصول إلى الحكم الشرعي لهذا التعامل.
стр. 10140
إن المستقبليات إنما تعقد في سوق منظمة أنشئت لهذا الغرض، وتسمى " سوق تبادل السلع " (COMMODITY EXCHANGE) التي تجري على أساس العضوية فيها، فمن يحب أن يتعامل في المستقبليات يجب أن يكون عضوًا لهذه السوق. وإن العضوية تتكون من منتجي عدة سلع وتاجريها، ومن مؤسسات السماسرة. ومن أراد أن يتعامل في هذه السوق دون أن يكون عضوًا فيها، فإنما يستطيع ذلك عن طريق السماسرة الأعضاء. ويجب للتعامل في المستقبليات أن يفتح المتعامل حسابًا عند إدارة السوق يتضمن مبلغًا معينًا يبقى عند إدارة السوق كضمان لتصفية التعامل حسب قواعد السوق. ولا يزيد هذا المبلغ عادة على ١٠ % من قيمة العقد عند التوقيع، و ٧ % في اليوم اللاحق، والمقصود بهذا المبلغ تغطية الخسارة المحتملة في حال تخلف أحد الفريقين عن الوفاء بما التزمه. وبعد فتح الحساب يجوز للعضو أن يبيع أو يشتري كمية معينة من السلع لتاريخ مستقبل وإن كميات السلع المتعامل بها مقسمة على وحدات تجارية كل وحدة منها تنبئ عن كمية معروفة من تلك السلعة المخصوصة. فالوحدة المعتبرة في القمح مثلًا، هي خمسة آلاف كيس، فلا يقع التعامل بكمية أدنى من هذه الكمية، وللمتعامل أن يتعامل في وحدة واحدة من القمح، أو في وحدتين، أو في ثلاث وهكذا. وكذلك أنواع السلعة محددة بدقة من حيث جودتها ورداءتها، ويشار إلى هذه الأنواع بأرقام الدرجات، فهناك قمح الدرجة الأولى، وقمح الدرجة الثانية، وقمح الدرجة الثالثة، وهكذا. وإن مواصفات كل من هذه الدرجات معروفة لدى جميع المتعاملين.
стр. 10141
فمن أراد بيع وحدة من قمح الدرجة الأولى مثلًا في شهر يناير لتسليم شهر أكتوبر، فإنه يعرض على السوق ما ينبئ عن رغبته لبيع وحدة من قمح الدرجة الأولى، لشهر أكتوبر بثمن يتوقع أن يكون رابحًا عند التسليم، فمن رغب في شراء هذه الوحدة بهذه الشروط قبل ذلك العرض، ولا يحتاج أي منهما إلى الالتقاء بالآخر في أسواق البورصة. ولكن إدارة السوق ضامنة لوفاء التزامات الفريقين. فالبائع يقدم عرضه إلى السوق بواسطة الإدارة، والمشتري يقبل هذا العرض عن طريق الإدارة والإدارة تتكفل له بتسليم السلعة من قبل البائع، وبتسليم السلع من قبل المشتري عند حلول تاريخ التسليم.
وليس الأمر حقيقة بهذا البساطة التي تبدو مما ذكرته حتى الآن لأنه لا يقع أبدًا أن ينتظر المشتري تاريخ التسليم ويتسلم السلعة المبيعة عند حلول ذلك التاريخ، وإنما يظل هذا العقد فيما بين شهر يناير وشهر أكتوبر محل بيع وشراء في كل يوم، وربما يقع على العقد الواحد بيع عشرات البياعات يوميًّا، إلى أن يأتي الأجل، فلو باع زيد مثلًا إلى عمرو وحدة من القمح لتسليم شهر أكتوبر، فإن عمرًا يبيعه بعد ذلك إلى خالد وخالد إلى حامد وحامد إلى حسان كل واحد منهم بثمن ربما يختلف عن الثمن الأول. والفارق بين سعري البيع والشراء هو الربح الذي يخاطر فيه المتعاملون في أثناء هذه المدة. وكل من اشترى عقدًا بسعر أقل وباعه بسعر أكثر، فإنه يستحق أن يطالب بفرق السعرين كربح له، دون أن يدفع الثمن كمشترٍ، أو يسلم المبيع كبائع. ففي المثال المذكور لو اشترى عمرو من زيد وحدة من القمح لتسليم شهر أكتوبر بعشرة آلاف دولار مثلًا، وباعه من خالد بأحد عشر ألف دولار، فإنه لا يدفع الثمن إلى زيد، ولا يسلم المبيع إلى خالد، وإنما يستحق ألف دولار كالربح الحاصل على تعامله فإنه هو الفارق بين السعرين ولإنجاز هذه العمليات تكون إدارة السوق غرفة تسمى " غرفة المقاصة " وإن جميع هذه العمليات في غرفة المقاصة، وهي التي تتولى تصفية جميع الالتزامات في آخر النهار كل يوم. فإن عمرًا في المثال المذكور يأخذ ربحه، وهو ألف دولار، ويتسلمه من غرفة المقاصة ويخرج من العملية بتاتًا.
стр. 10142
وهكذا يستمر التعامل في هذا العقد الواحد إلى أن يأتي شهر التسليم وهو شهر أكتوبر في المثال المذكور وفي هذا الشهر يصدر من قبل إدارة السوق إخطار للمشتري الأخير – المشتري الذي اشترى في آخر هؤلاء – يصدر هناك إشعار لذلك المشتري بحلول تاريخ التسليم، وباستفساره: هل يرغب في تسلم المبيع في التاريخ المتفق عليه؟ أو يريد بيع هذا العقد؟ فإن رغب في تسلم المبيع. فإن البائع يسلم السلعة المبيعة إلى مستودعات معينة. ويسلم وثيقة الإدخال إلى المستودع، ويحصل مقابلها على الثمن. وإن لم يرغب المشتري الأخير في تسلم السلعة، ورغب في بيع العقد مرة أخرى، فإنه يبيعه من البائع الأول – البائع الأول الذي باع هذا العقد في بداية هذه العملية يبيع هذه السلعة إلى نفس ذلك البائع الأول – مرة أخرى وحينئذ فإن المعاملة تصفّي على أساس دفع فوارق السعر كما يقع في العمليات التي تم إنجازها قبل حلول التاريخ – مثلًا – البائع كان قد باع بألف دولار وصار السعر الآن ألف ومائة دولار فإنه يشتري بألف ومائة ويدفع فرق مائة إلى هذا المشتري الأخير.
وأن ما يقع فعلًا في أسواق السلع في معظم المعاملات هو هذا الشق الثاني، ولا يقع التسليم والتسلم إلَّا في أحوال نادرة، لعلها لا تبلغ نسبتها إلَّا إلى الواحد في المائة.
والذين يتعاملون في المستقبليات هم نوعان، لكل واحد منهما غرض مستقل عن غرض الآخر للدخول في سوق المستقبليات.
стр. 10143
أما النوع الأول، فهم المخاطرون الذين لا يقصدون شراء السلع وبيعها للحصول على المبيع أو على الثمن، وإنما يقصدون الحصول على الأرباح التي تتكون من فروق أسعار البيع والشراء، كما تقدم ذكر ذلك. وإنهم على ثقة من خبرتهم بتقلبات الأسعار، يشترون المستقبليات على أمل أنهم سوف يبيعونها بسعر أكثر، ويتخلص لهم ربح من وراء هذه العملية، بدون أن يخوضوا في تسلم المبيع وتسليمه. فربما تنجح آمالهم في عقد، وتفشل في أخرى.
والنوع الثاني، من المتعاملين بهذه العملية هم الذين يقصدون التأمين ضد الخسارة على بيوع حقيقية عقدوها في الأسواق الحالة. وإن هذه العملية تسمى في اللغة الإنجليزية التحصين ويمكن لنا أن نترجمه إلى العربية بالتأمين ضد الخسارة.
ومن المناسب أن نشرح هذه العملية بمثال إن زيدًا اشترى من السوق الحالة عشرة آلاف كيس من القمح، - من السوق الحالة وليس من سوق المستقبليات – بسعر خمس دولارات لكل كيس مثلًا. وأن البيع حقيقي يقع فيه التسليم ولكن نظرًا إلى ظروف السوق يريد زيد أن يبيع هذه الكمية بعد ثلاثة أشهر مثلًا، ولكنه يخاف أنه إن انخفض سعر القمح بعد ثلاثة أشهر فإنه سوف يخسر خسارة كبيرة. هب أن السعر انخفض بعد ثلاثة أشهر بمقدار نصف دولار لكل كيس، فإنه يخسر خمسة آلاف دولار في هذه العملية الواحدة.
وللتجنب عن هذه الخسارة، يدخل زيد في سوق المستقبليات لأنه دخل في السوق الحالة واشترى كمية من القمح ثم يدخل في سوق المستقبليات ويبيع مثل هذه الكمية لتسليم ثلاثة أشهر بالسعر الموجود في السوق الحالة يوم العقد – يعني بالسعر الذي اشترى عليه – فتكون له عملية شراء في السوق الحالة، وعملية بيع في سوق المستقبليات بكميتين متوازيتين من القمح. وإن الربح في إحداهما يجبر الخسران في الأخرى. فلو انخفض سعر القمح بعد ثلاثة أشهر بمقدار نصف دولار للكيس الواحد مثلًا فإنه سوف يخسر في صفقته الحالة بمقدار خمسة آلاف دولار، ولكنه في الوقت نفسه يربح في سوق المستقبليات بما يقارب هذا المقدار، لأن سعر المستقبليات سوف ينخفض أيضًا بما يقارب نصف دولار للكيس الواحد، فما باعه بسعر أعلى قبل ثلاثة أشهر في سوق المستقبليات يشتريه الآن بسعر أدنى، ويستحق الفرق بين السعرين، وهو خمسة آلاف دولار. وإن هذا الربح الذي حصل له في المستقبليات يجبر ما أصابه من الخسران في الصفقة الحالة. وإن النتيجة الصافية لهذه العملية أنه لم يخسر ولم يربح يعني أنه تجنب الخسارة المتوقعة بهذا الشكل.
стр. 10144
هذه خلاصة وجيزة لكيفية التعامل في المستقبليات. وإن هذه العقود قد أصبحت اليوم معقدة للغاية، وقد تجاوزت دائرتها من السلع إلى النقود وإلى الخيارات يعني تكون هناك مستقبليات في الخيارات التي بحثناها فتعقد المستقبليات على الخيارات أيضًا. ولكني لخصت من العملية ما يمكن به فهم حقيقتها وتفاصيلها التي لا بد من معرفتها لبيان حكمها الشرعي، وأما حكمها الشرعي، فكل من له إلمام بقواعد الشريعة ومصالحها، لا يشك بعد النظر في تفاصيل هذه العملية أنها عملية محرمة شرعًا ومصادمة لعدة أحكام في الشريعة الغراء.
أما أولًا فلأنه بيع لما لا يملكه الإنسان، إن البيع في المستقبليات يقع على بضاعة وعلى سلعة لا يملكها البائع عند عقد البيع. وكذلك البيوع التي تتم خلال مدة التسليم فإنها بيوع تتم قبل قبض السلعة المبيعة. والمعروف لدى جميع العلماء أن البيع لما لا يملكه الإنسان لا يجوز قد حرمه رسول الله ﷺ بنصوص صريحة وكذلك البيع قبل القبض لا يجوز عند جمهور من الفقهاء.
وقد حاول بعض الناس تخريج جواز هذه العملية على أساس بيع السلم، ولكن ذلك لا يصح إطلاقًا وذلك لأسباب:
١- إنه يجب في السلم شرعًا أن يعجل الثمن بكامله، وهو الذي يسمى (رأس مال السلم) ، وهذا معروف لدى جميع الفقهاء وقد نقلت بعض النصوص في بحثي في هذا الصدد. ولكن في المستقبليات، فإن تأخير قبض الثمن مشروط في العقد، لا يدفع الثمن عند العقد فلا يصح سلمًا عند أحد من الأئمة الأربعة. وقد يقال: إن حصة من الثمن مدفوعة إلى البائع عند العقد يعني حصة من الثمن وهي التي تكون كالهامش يوضع عند الإدارة، ولكن ذلك لا يجدي نفعًا في تصحيح هذا التعامل، أولًا: فلأن دفع بعض الثمن لا يكفي لصحة السلم، بل يجب دفع الثمن بكامله كما هو معروف في الفقه الإسلامي. وثانيًا: إن ما يوضع لدى إدارة السوق ليس جزءًا من الثمن ولا يدفع إلى البائع وإنما هو مبلغ مودع لدى طرف ثالث ليكون ضمانًا على الوفاء بالتزام المشتري، فليس له علاقة بالثمن الذي يستحقه البائع.
стр. 10145
٢- وبما أن الثمن لا يدفع إلى البائع عند العقد، فالثمن دين على المشتري كما أن البيع دين على البائع، فصار هذا بيع الكالئ بالكالئ، وهو منهي عنه بنص الحديث. وقد يقال: إن إدارة السوق تضمن أداء الثمن, فبفضل هذا الضمان أصبح الثمن كأنه مدفوع إلى البائع. ولكن هذا التوجيه ليس بصحيح – في نظري – لأن ما يشترط لصحة السلم هو أن يقع دفع الثمن فعلًا. لا أن يكون مضمونًا أو موثقًا من قبل إحدى الجهات، لأن ضمان الطرف الثالث لا يخرج الثمن من كونه دينًا، فلا يكون هذا البيع إلَّا بيع دين بدين، وهو لا يجوز.
٣- ثم إن من الشرائط التي اتفق عليها جميع الفقهاء لصحة السلم أن تكون السلعة المسلم فيها موصوفة بصفات دقيقة، فلو كانت المواصفات مجهولة أو مترددة مفضية إلى النزاع، فإنه لا يصح السلم عند أحد من الفقهاء. وإن عقود المستقبليات، وإن كانت مشتملة على المواصفات الدقيقة ببيان الدرجات، ولكن الذي يقع فعلا, أن البائع ربما يبين درجات مختلفة في العقد الواحد, ويكون الخيار بيد البائع في تسليم ما شاء من هذه الدرجات وهذا مصرح في الكتب التي تتحدث عن عمليات المستقبليات. ثم هناك وجه رابع لحرمة هذه العمليات وهو:
٤- إن المقرر في عقود المستقبليات أن تسليم السلعة إلى المشتري لا يقع عمومًا، بل يكون الخيار بيد المشتري الأخير إن شاء طالب بتسليم السلعة، وإن شاء باعها على البائع مرة أخرى، ويقبل التصفية على أساس دفع الفرق بين سعري البيع والشراء وإن هذا الأمر مشروط في العقد منذ أول الأمر، ولا شك أن مثل هذا الشرط مفسد لعقد السلم، بل بيع المسلم فيه إلى البائع لا يجوز. ولو لم يكن مشروطًا في عقد السلم كما هو معروف في الكتب الفقهية وبيع السلم فيه من بائعه أو من غيره قبل قبضة فاسد.
стр. 10146
٥- ولو فرضنا أن العقد الأول قد انعقد سلمًا بعد استيفاء شروطه، فإنه لا يجوز لرب السلم، وهو المشتري، أن يبيع المسلم فيه إلى غيره قبل أن يقبضه.
فهذه وجوه خمسة، كل واحد منها يمنع من تخريج جواز هذه العقود بجعلها سلمًا. وإذا لم يمكن جعل هذا العقد سلمًا، فإنه بيع يضاف إلى تاريخ مستقبل، وقد أجمع الفقهاء على أن البيع لا يقبل التعليق أو الإضافة إلى تاريخ مستقبل. فلا يصح البيع الأول، فكيف بالبيوع التي تتابعت على أساس هذا البيع الأول؟ وهناك احتمال آخر في التكييف الفقهي لهذه العملية وهو أن هذا العقد ليس بيعًا، وإنما هو وعد لبيع سلعة مخصوصة في تاريخ معين بسعر معين، والموعود له قد استحق شراء تلك السلعة بسعر متفق عليه في الوعد، ثم إنه يبيع هذا الحق إلى رجل ثالث، وثالث إلى رابع إلى أن يأتي يوم التسليم. ولكن هذا التكييف أيضًا لا يصلح أن يكون مبررًا لهذه العملية فيما أرى. وذلك لوجوه:
أولًا، فلأن الواقع لا يوافق هذا التكييف، فإن المتعاملين في سوق المستقبليات لا يدخلون في هذه العقود كوعد محض، وإنما يدخلون فيها لإبرام عقد البيع بنفسه، فلا يصح أن يسمى وعدًا.
ثانيًا، فلأن الوعد المحض ليس ملزمًا في القضاء عند جمهور الفقهاء، ومن جعله ملزمًا في القضاء في بعض العقود، فإنه فعل ذلك لضرورة ملحة، ولا ضرورة ههنا.
ثالثًا، فلأن هذا الحق الذي حصل للموعود له ليس مما يجوز بيعه أو الاعتياض عنه، لأنه ليس حقًّا واجبًا في القضاء وأنه حق مجرد، وبيع الحق المجرد مما ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم جوازه إلَّا بشروط، وهي منتفية في هذا العقد.
стр. 10147
وقد يقال: إذا كانت العقود المستقبليات لا تجوز شرعًا، فهل هناك من بديل لهذه المعاملة يتفق وأحكام الشريعة الإسلامية؟
وجوابي عن هذا السؤال، أن البديل إنما يبحث فيما إذا كان الغرض المنشود صحيحًا. فيبحث عن البديل للحصول على ذلك الغرض بطريق مشروع.
أما عقود المستقبليات، فلم يظهر لها غرض مشروع يحتاج إلى طريق شرعي لإنجازه. والواقع أن ما يقع في سوق المستقبليات لا يقصد به تجارة حقيقية، وإنما المقصود هو المخاطرة في الأرباح التي هي بالقمار أشبه منها بالبيع.
وقد ذكرنا أن المتعاملين في سوق المستقبليات نوعان:
الأول: هم المخاطرون.
الثاني: هم الذين يريدون تأمين أنفسهم ضد الخسارة على ما اشتروه في السوق الحقيقية، فيدخلون في سعر المستقبليات تجنبًا عن الخسائر المحتملة بتقلبات الأسعار، كما وصفنا من قبل، ولكنهم إنما يلجأون إلى دخول المستقبليات حينما يريدون احتكار السلع إلى مدة ليزيد ربحهم، ولكنهم في الوقت نفسه يخافون من التقلب المعاكس للأسعار، فيريدون أن يعقدوا المستقبليات للوقاية عن الخسائر المحتملة بسبب هذا التقلب المعاكس.
فظهر بهذا أن عقود المستقبليات إنما يحتاج إليها التجار لإمساك المنتجات عندهم لمدة يعتد بها، وذلك إنما يكون في غالب الأحيان لغرض الاحتكار، وهذا غرض غير مشروع. فلما لم يكن للدخول في المستقبليات غرض مشروع يعتد به، فلا حاجة بنا إلى البحث عن البدائل المشروعة للمستقبليات، ولئن قامت هناك حقيقية للدخول في عقد يتأخر فيه تسليم المبيع، فالطريق المشرع له هو السلم، ويمكن أن يعقد بشروطه المعروفة في كتب الفقه الإسلامي والمشروحة في نصوص الحديث. والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين.
стр. 10148
الدكتور منذر قحف:
بسم الله الرحمن الرحيم.
هناك عدد من النقاط أرغب أن أبينها تكملة لما ذكره فضيلة الشيخ تقي العثماني- جزاه الله خيرًا -.
أولًا: طبيعة هذه العقود لا تتم إلَّا من خلال سوق منظمة فلا تتم خارج السوق المنظمة، فنحن نتكلم إذن عن سوق منظمة لها إدارة وهذه الإدارة لها دور في إجراء هذه العقود. هذه نقطة أولى.
النقطة الثانية: هذه العقود نوعان وليست ثلاثة،
النوع الأول: ما يسمى باللغة الأجنبية الإنجليزية (SPOT) والتي يمكن أن تترجم بمعنى (العقود الآنية) ، هذه العقود الآنية في حقيقتها ليست آنية لذلك ينبغي أن نرى ما هو تعريف كلمة (SPOT) في طريقة التعامل في الأسواق المنظمة، كلمة (SPOT) معناها حتى نهاية الشهر الحالي بمعنى أنه يمكنك أن تنفذ هذا العقد في أي وقت ما بين يوم الشراء إلى نهاية الشهر الشمسي الذي أنت فيه فإذا جاء آخر يوم من الشهر قبيل آخر يوم من الأيام الثلاثة الأخيرة من الشهر وهي أيام تصفية ينبغي أن تصفي فيها جميع العقود التي تخص ذلك الشهر. عندما نقترب من شهر آخر، العقود التي كانت مستقبلية للشهر التالي تصبح عقود (SPOT) لأنه مجرد أن نبدأ بيوم أول الشهر، مثلًا واحد فبراير العقود التي تخص شهر فبراير أصبحت الآن (SPOT) كانت قبل بدء فبراير مستقبلية والآن أصبحت (SPOT) ، وهذه العقود ينبغي أن تصفى حتى نهاية الشهر والتصفية تتم في العادة في الأيام الثلاثة الأخيرة.
стр. 10149
النقطة الثالثة: لا يوجد شرط أو إلزام في أي نوع من العقود المستقبلية سواء أسميناها (FUTURES) أو (FORWARD) ، لا يوجد في أي منها شرط بأن يلتزم المتعاقد بالتسليم أو بالتسلم، لا يوجد مثل هذا الشرط، وبالتالي لا يوجد فرق بين الكلمتين والكلمتان مستعملتان من قبل الكتاب بنفس المعنى وكل كاتب يستعمل كلمة تختلف عن الأخرى، وكذلك تختلف بالبلدان فمثلًا في أمريكا يستعملون أكثر كلمة المستقبليات.
النقطة الرابعة: وهي نقطة مهمة وقد يصعب عَلَيَّ شرحها. الحقيقة لا يوجد تتالي أبدًا في هذه العقود، يعني كثير من الإخوان الفقهاء ظنوا في جلسات ماضية وكما قال أيضًا فضيلة الشيخ تقي العثماني الآن أن هناك تتالي فأنت تتداول ذلك العقد. أحمد يشتري خمسة آلاف كيس من القمح ثم يبيع هذه قبل أن يقبضها وقبل أن يدفع الثمن وهي مستقبلية يبيعها إلى حامد، وحامد إلى حسان وآخر إلى كريم لا يحصل هذا مطلقًا لا يوجد تتالي في هذه العقود، هذه العقود كل منها عقد مستقل عن الآخر فكما أنني أستطيع أن أدخل السوق بائعًا أستطيع كذلك أن أدخلها مشتريا وقد يحصل أن يبدأ دخولي للسوق بائعا أو قد يحصل أن يبدأ دخولي للسوق مشتريًا ففي كل مرة أبيع أو أشتري ذلك عقد لا علاقة له بأي عقد ماض وليست تلك السلعة نفسها، وليس ذلك العقد ولا علاقة له مطلقًا، الذي يحصل هو ما يلي:
لو دخلت السوق بائعًا لخمسة آلاف كيلو من القمح أو خمسة آلاف كيس من القمح وأردت أن أصفي علاقتي بالسوق يمكن أن أدخل ذلك السوق بعقد معاكس لذلك العقد، هو عقد آخر لا علاقة له بالماضي ليس تداولًا للماضي، عقد معاكس لذلك العقد، فإذا تساوت الكميتان سقط العقدان لأنني ملزم بأن أعطي وأن أسلم خمسة آلاف كيس وهنا ملزم بأن أتسلم بالعقد الآخر خمسة آلاف كيس وإدارة السوق تسقط هذين العقدين مع بعضهما لتساوي الكمية وأخرج منها بفارق السعر عند ذلك. إذن ليست هي نفس الكمية أو نفس العقد يتكرر التعاقد عليه وإنما هي كمية أخرى.
стр. 10150
الخيارات بطبيعتها مستقبلية لأن الاختيار لا يمارس إلَّا في المستقبل فهو بطبيعته مستقبلي ولا يوجد تعامل في المستقبليات على الخيار. يعني الاختيار بتعريف عملية مستقبلية. بالنسبة للمواصفات أيضًا، المواصفات محددة بدقة متناهية بحيث لا تكون مجالًا لنزاع أو خلاف إلَّا أن طريقة تحديد المواصفات طريقتان:
الطريقة الأولى: أن نقول مثلًا قطن طول التيلة ٤مم، هذه طريقة.
الطريقة الثانية: أن نقول هي قطن طول التيلة إما ٤مم أو ٥ مم أو ٦مم.
فيمكن أن يكون العقد هكذا وإذا كان هكذا، فإنه يبيح أن يكون طويل التيلة أيًّا من هذه أو أن يكون ثابتًا محددًا، فكأننا نقول: المواصفة الدقيقة عقد أو قطن طول التيلة ما بين ٤ إلى ٦مم فهي محددة بدقة ولم يحصل في تاريخ أسواق المستقبليات (أسواق السلع) أن وقع خلاف على المواصفات بحال من الأحوال أبدًا، وإدارة السوق ضامنة لهذه الأمور بصورة مستمرة.
أيضًا لا يحصل أبدًا – لأن العقود مستقلة عن بعضها – أن أبيع السلعة التي كنت اشتريتها إلى بائعها الأول، هذا لا يحصل أبدًا في السوق، هناك أمر آخر مهم هنا وهو أنني لا أعرف أصلًا من هو بائعها الأول والعقود هنا وهي نقطة مهمة في تعريفها لذلك فالأوراق التي عرفتها اللجنة أرادت أن تشير إلى ذلك، العقود أنا أعبر عن رغبتي بأن أكون مشتريًا أو أن أكون بائعًا إلى إدارة السوق من خلال سمسار فإدارة السوق تأخذ هذه الإرادة – إرادة بيع أو إرادة شراء – فإن وجدت إرادة متقابلة لها نفس السعر لنفس الكمية ولنفس الشهر تعقد إدارة السوق أو تعتذر إدارة السوق أن هنالك بيعًا وشراء ... أنا بائع وآخر مشتر لنفس المواصفات والكمية ونفس الشهر ونفس السعر إذن يتم عقد، العقد الثاني سيتم مثله أيضًا بين أي أشخاص آخرين، لو كان أحد المتعاقدين الأول في عقد آخر أنا أردت أن أخرج من السوق وكنت مشتريًا فأردت أن أبيع بالسوق حتى أخرج، أنا عندي عقد فيه أنا مشتر لخمسة آلاف كيس من القمح – مثلًا – تسليم شهر يوليه فآتي وأدخل السوق لأبيع خمسة آلاف كيس من القمح تسليم شهر يوليه وعندما ينعقد هذا العقد ينعقد مع طرف لا أعرفه أنا أصلًا، إدارة السوق هي التي تعرف ذلك الطرف وإذا انعقد ذلك العقد فأنا خرجت من السوق أصبحت مدينًا ودائنًا، إذن طالما إدارة السوق لا تعتبر أن عقدًا قد تم إلَّا إذا وجدت له إرادتان ووجد له طرفان سيكون عند إدارة السوق بصورة مستمرة طرفان طرف مدين بكمية من السلعة وطرف دائن بها فهذان الطرفان لو أرادا التسليم فهناك السلعة التي تسلم.
نقطة تالية أيضًا، أنا قلت وأؤكد ذلك لا أبيع ذلك الحق لو اعتبرناه وعدًا فليس الوعد الذي أبيعه شيئًا آخر عندما أدخل مرة ثانية في السوق، الحقيقة هنالك غرض حقيقي وغرض أساسي لسوق السلع ومهم جدًّا، المتعاملون فيه ليسوا نوعين أو يمكن أن نسميهما نوعين ولكن ليسا بالتعريف الذي عرّفه فضيلة الشيخ العثماني، نوعان من المتعاملين:
стр. 10151
النوع الأول: المضاربون فهؤلاء يدخلون بكل أنواع المضاربة سواء مشترون أو بائعون أو مشترون وبائعون معًا بطريقة ما أسمي بـ (التأمين) أو التحصين ضد تقلبات الأسعار، فأدخل مشتريًا وبائعًا معًا، هؤلاء مضاربون أيضًا هنالك أناس حقيقيون يرغبون حقيقة بالتسليم والتسلم يدخلون السوق، كل المعاملات الكبيرة لا تتم إلَّا من خلال هذه الأسواق، فالسوق له دور مهم وكبير لأن المعاملات الحقيقية تجري من خلاله.
ثانيًا: السعر لا يعرف إلَّا من خلال هذه السوق لأن السوق هذه منظمة بشكل تتيح فيها فرصة المعلومات إلى أبعد الحدود فهناك لوحة كبيرة تتغير بالكمبيوتر دائمًا وتظهر عليها – كالشاشات التي نراها في المطارات – الأسعار في كل لحظة وبصورة مستمرة، فالسوق لها فائدة كبيرة وهي كشف السعر بيان السعر من خلال التقاء العرض والطلب فلهذه السوق دور كبير جدًّا ومهم بل إنه دور أساسي في العالم المعاصر وليس دورًا جانبيًّا وبالتالي أنا أعتقد أنه ينبغي أن يكون – لو حكمنا بتحريم هذه العملات – هنالك بديل شرعي لأن فيها مصلحة حقيقية وحقيقية جدًّا.
أكتفى بهذا والحمد لله رب العالمين.
стр. 10152
الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
في الحقيقية لا يسعني إلَّا أن أشكر فضيلة الشيخ تقي العثماني على هذا الإيضاح لهذا الموضوع الذي تبلور أكثر مما تصورناه بالأمس حول بيوع الاختيارات أو عقود الاختيارات، واتضح لي أن هذه المهمة ما يسمى بـ (المستقبليات) – كما أوضح – هناك طعون ثلاثة تؤدي إلى عدم تجويز هذه العقود منها الطعن الأول أنه بيع ما لايملك، والسبب الثاني أنه بيع شيء لا يتم فيه تسليم كامل رأس مال السلم فيما لو اعتبرناه سلمًا في مجلس العقد أو في مدة الثلاثة أيام كما يجيز فقهاء المالكية، وهناك أيضًا إذا كان توسطًا بين رأي الدكتور منذر قحف والشيخ العثماني إذا لم يكن سواء قلنا بتتالي العقود على صفقة واحدة أو مبيع واحد أو لم يكن هناك تتابع لهذه العقود فإن العقد من أصله نحن لا نجيزه شرعًا، فالمشكلة ليست مشكلة تتابع العقود، إنما المشكلة أن هذا العقد لا يمكن أن يتصور إلَّا على أساس عقد السلم، كذلك يمكن أن أضيف شيئًا آخر لا تنحصر المستقبليات في بيوع عقد السلم وإنما أيضًا يجيز أغلبية الفقهاء بيع العين غير المرئية أو بيع الشيء الغائب على أساس أن يكون هناك خيار رؤيا حينما يرى المبيع، فهذا جانب أيضًا يمكن أن نستخدمه في مثل هذه الأمور فيما إذا أريد أن نجد بديلًا لهذه القضايا ضمن ضوابط وقواعد الفقه الإسلامي. كذلك يمكن أن تصحح هذه العقود في تقديري فيما لو ضم كل واحد من المتعاملين شيكًا يدفع فيه كامل رأس مال الثمن على حسابه في بنك من البنوك يعتبر دفع أو تقديم الشيك مع كل صفقة إذا أريد تصحيح الأمور على أسس شرعية أن يدفع الثمن عن طريق هذه الشيكات فحينئذ يمكن أن ننقذ مثل هذه العقود ويكون لها قابلية شرعية ومحتملة.
стр. 10153
الطعن الثالث في هذه العقود – أيضًا – لمسناه من كلام الدكتور منذر وهو أنه لا يوجد التزام لا بالتسليم ولا بالتسلم، لا تسليم المبيع ولا تسلم المبيع، فإذن العقد في أساسه في الفقه الإسلامي يقوم على هذا الأساس، يعني حق من حقوق العقد ينشىء العقد حقوقًا متبادلة أهمها الالتزام بالتسليم والتسلم فإذا فقد العقد هذا العنصر الأساسي فكيف نعتبر هذا العقد قائمًا؟ نحن فرّغنا العقد في هذه الحالة من جوهره وهو الالتزام بالتسليم والتسلم فهذا في اعتقادي يمكن أن يعد سببًا ثالثًا للقول بعدم تجويز هذه العقود.
الملاحظة الأخيرة: نحن لسنا ضد ما يسمى بتنظيم الإدارة إدارة البيع والشراء- فيما يسمى بالأسواق المالية يمكن نحن أن نعتبر هذه الأسواق – كما أشار الدكتور منذر – أنه لها أهمية في العقود الكبرى في العالم ولها دور مهم، هذا أيضًا يمكن أن نجد له مسوغًا في الفقه الإسلامي أن نعتبر إدارة السوق من قبيل الوكلاء عمّن يقدم نفسه ويقول أنا بائع أو مشتر وإدارة السوق بمثابة السماسرة، والسمسار يمكن أن يكون وكيلًا عن طرف بالبيع ووكيلًا عن طرف آخر بالشراء وحينئذٍ يمكن أن تتم الصفقة بتحقيق هذا التوازي والتقابل بين إرادتين، بين إرادة بائع ومشتر ونحن لا نرفض وجود مثل هذه التنظيمات إنما نرفض افتقادها للأصول والأسس المقررة في شريعتنا وشكرًا.
стр. 10154
الدكتور على أحمد السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة، والسلام على سيدنا رسول الله.
لا شك بأن هناك فرقًا بين الحكم الشرعي على ما هو قائم وإيجاد البديل الشرعي، فقبل النظر في البديل يجب أن ننظر إلى الواقع العملي. ومسألة المستقبليات أنه يدخل كبائع أو كمشتر، أحب أن أضيف أيضًا أنه قد يدخل في الوقت نفسه كبائع أو مشتر يأخذ الحقين معًا، بمعنى أن يعرض رغبة في أن يبيع بخمسة وتسعين أو أن يشتري بمائة إذا كان يرى عدم استقرار السوق فإذا وجد من يرى أن السوق مستقر يمكن أن يدخل في هذا فإذا جاء وقت التصفية وكانت السلعة أقل من خمسة وتسعين باع وإذا كانت أكثر من مائة اشترى وإذا كانت بين الخمسة والتسعين والمائة فإنه خاسر سواء باع أم اشترى ويكسب الآخر. وكما بين الإخوة الأفاضل بأنه لايوجد التزام ولا إلزام بالتسليم أو التسلم, ومسألة أن هناك أناسًا يريدون الشراء والبيع فعلًا كما قال الأخ الدكتور منذر ولا يختلف عما قاله فضيلة الشيخ تقي العثماني, على سبيل المثال ما يسمى بـ (COURNER) بمعنى أن يتعاقد على شراء شيء معين وقبل التصفية يكون اشترى أكثر ما هو مطروح في الأسواق بحيث يعز على البائع أن يجد هذا المبيع فيرتفع الثمن وبذلك يكسب الآخر الذي احتكر هذه السلعة.
إذن في سوق المستقبليات لسنا أمام بائع يريد بيعًا ولا أمام مشتر يريد شراء وإنما نحن أمام مضاربين يضاربون في هذه السوق ثم في النهاية في حالات ٩٩ % لا يتم تسليم ولا تسلم، فهل الحكم الشرعي الذي نريد أن نصدره على ٩٩ % أم على ١ % الواحد في المائة هذه العقود الشرعية موجودة الأخرى، كون أن السوق منظمة، نعم منظمة، وملزمة نعم ملزمة، ولكن ملزمة لمن؟ البائع يدفع كما يدفع المشتري يعني من قدم العربون ليس المشتري هو الذي يدفع وحده البائع أيضًا يدفع جزءًا من الثمن، لم؟ ليكون الإلزام بحيث إذا خسر يحسب والسماسرة يحسبون والمسألة تقيد، هذا ربح مائة ألف وهذا خسر مائة ألف هذا يكتب في حساب هذا وحساب هذا ولا يتم تسليم ولا تسلم إذن إذا نظرنا إلى سوق المستقبليات يجب أن ننظر إلى الواقع العملي، لسنا أمام بائعين ولا مشترين، إنما نحن أمام سوق للقمار كل يضارب بما يرى أن السعر سيرتفع أو سينخفض والأسعار تستقر أم لا تستقر، ولذلك أرى أن المجمع الموقر عندما يصدر قرارًا في هذا ينظر إلى الواقع العملي وأن الإسلام عندما يبيح البيع والشراء إنما لأهداف معينة ليس منها أهداف هذه السوق.
والله أعلم، وشكرًا.
стр. 10155
الدكتور رفيق يونس المصري:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحقيقة أود أن أشير إلى بعض النقاط بسرعة كبيرة.
النقطة الأولى: أن الأصل في هذه المعاملات التي ذكر لنا بالأمس وفي هذا الصباح كما أرى – والله أعلم – الأصل فيها أنها بعبارة فقهية دقيقة مراهنة على الأسعار صعودًا وهبوطًا ولا أقول مضاربة كما هو التعبير الشائع في الكتابات الوضعية، هذا التعبير (Speculation) أو (SPECULATION) بالفرنسية يترجمونه غالبًا في الكتابات بالمضاربة فكي لا يلتبس علينا الأمر الحقيقة التكييف الصحيح أنها مراهنة، مراهنة على الأسعار صعودها وهبوطها. ليس معنى ذلك أن كل الصور نتعجل بالحكم عليها أنها حرام لكن أقول من أراد أن يستخلص بعض الصور من هذا المبدأ العام في الحرمة الأصل العام في حرمة هذا النوع من البيوع عليه أن يثبت أن الصورة المحددة هي ليست من قبيل المراهنة. هذه ناحية.
النقطة الثانية: مع تقديري الكبير والمحاولة الكبيرة في الترجمة للمصطلحات الإنجليزية المستحدثة مثل كلمة (Futures) التي ترجمت عندنا في الأبحاث المقدمة بكلمة (مستقبليات) أنا أريد أن أقترح على السادة العلماء عبارة غير هذه العبارة لعلها تكون أقرب إلى تصوير الحقيقة وأقرب إلى تأصيل المصطلح، العبارة المقترحة هي (الآجال) بدل (المستقبليات) ، (عقود الآجال) ، ولعل السادة فقهاء المالكية يقدرون هذا المصطلح أكثر من سواهم، وعندنا نحن نوعان من البيوع المؤجلة، عندنا بيوع مؤجلة يتأجل فيها أحد البدلين إما بيع بالنسيئة أو بيع سلم أو سلف هذا جائز عندنا شرعًا لا شك في جوازه وعندنا أنواع أخرى ذكرها السادة فقهاء المالكية تحت عنوان (بيوع الآجال) وهذه، الأصل فيها أنها فاسدة. فأنا أقترح أن تدرج هذه الصور من البيوع المستحدثة تحت هذا الباب (باب بيوع الآجال) أو (عقود الآجال) ، أما كلمة المستقبليات فإني أراها أعم والآجال أخص وعندئذٍ نكون أقرب إلى تأصيل المصطلحات المستحدثة على مصطلحاتنا القديمة.
следующие страницы →