٣- ضمان نقص المكيل أو الموزون أو المذروع:
وهذا الضمان أيضا يتصل بالنشاط التجاري، حيث تنص المادة ١٠٩١ من المجلة السابقة على مايأتي:
"يصح ضمان نقص الصنجة أو المكيال أو الذراع، مثلا:
لو اشترى موزونا فشك في نقص الصنجة، أو مكيلا فشك في نقص المكيال، أو مذروعا فشك في نقص الذراع، فضمن شخص النقص، مع ضمانه، فيرجع المشتري بما نقص، والقول له بيمينه ".
هذه نماذج لكفالات تجارية لا تختلف كثيرا في جوهرها عن الكفالات المصرفية، والمصارف تأخذ لنفسها من الضمانات ما يجعل المخاطرة أقل مما كان يتعرض له الكفلاء سابقا، وما أباح عالم أخذ أجر أو جعل مقابل أي من تلك الكفالات التجارية، فكيف أصبحت المخاطرة في الكفالة لها ثمنها في عصرنا؟!.
وربما تبادر إلى الأذهان هنا ما دار من نقاش في عصرنا حول القروض الاستهلاكية والقروض الإنتاجية، ومحاولة التفرقة بين الاثنين من حيث الحرمة والحل لفوائدها، وما انتهى إليه الفتوى من أن فوائد النوعين كليهما من الربا المحرم.
ثامنا: العمل عنصر من عناصر عقد الإجارة وعقد الجعالة، فكل أجر أو جعل يقابله عمل ما، غير أن العمل في الجعالة يختلف عن الإجارة.
ويحدث ابن تيمية عن العمل الذي يقصد به المال فيقول:
" العمل الذي يقصد به المال ثلاثة أنواع:
أحدهما: أن يكون العمل مقصودا معلوما، مقدورا على تسليمه، فهذه الإجارة اللازمة.
الثاني: أن يكون العمل مقصودا لكنه مجهول أو غرر، فهذه الجعالة وهى عقد جائز ليس بلازم، فإذا قال: من رد عبدي الآبق فله مائة، فقد يقدر على رده وقد لا يقدر، وقد يرده من مكان قريب وقد يرده من مكان بعيد، فلهذا لم تكن لازمة، لكن هي جائزة. فان عمل هذا العميل استحق الجعل وإلا فلا.
ويجوز أن يكون جعل فيها إذا جعل بالعمل جزءا شائعا ومجهولا جهالة لا تمنع التسليم، مثل أن يقول أمير الغزو من دل على حصن فله ثلث ما فيه، ويقول للسرية التي يسريها: لك خمس ما تغنمين أو ربعه.
ومن هذا الباب إذا جعل للطبيب جعلا على شفاء المريض جاز، كما أخذ أصحاب النبي ﵊ الذين جعل لهم قطيع على شفاء سيد الحي، فرقاه بعضهم حتى برأ، فأخذوا القطيع. فإن الجعل كان على الشفاء لا على القراءة، ولو استأجر طبيبا إجارة لازمة على الشفاء لم يجز لأن الشفاء غير مقدور له، فقد يشفيه الله وقد لا يشفيه، فهذا أو نحوه مما تجوز فيه الجعالة دون الإجارة اللازمة.
стр. 1017
وأما النوع الثالث فهو مالا يقصد فيه العمل بل المقصود المال، وهو المضاربة، فإن رب المال ليس له قصد في نفس عمل العامل كما للجاعل والمستأجر.. الخ (١)
ويذكر ابن رشد الجد أن العمل الذي لا يصح فيه الجعل ولا الإجارة نوعان:
أحدهما: مالا يجوز للمجعول له فعله.
والثاني: ما يلزمه فعله (٢)
فما دام العمل الذي يقوم به المصرف ليس من هذين النوعين صحت العمولة مقابل العمل، وقد تكون جعلا لا أجرا إذا روعيت شروط الجعالة.
بل من الأعمال الواجبة ما أجاز الفقهاء أخذ الأجرة عليه:
قال الإمام السيوطي:
"قاعدة: لا يجوز أخذ الأجرة على الواجب، إلا في صور:
منها: الإرضاع.
ومنها: بذل الطعام للمضطر
ومنها: تعليم القران.
ومنها: الرزق على القضاء وهو محتاج حيث تعين.
ومنها: الحرف حيث تعينت.
ومنها: من دعي إلى تحمل شهادة تعينت عليه، بخلاف ما إذا جاءه المتحمل، وبخلاف الأداء، فإنه فرض توجه عليه، وهو أيضا كلام يسير لا أجرة لمثله. نعم له أخذ الأجرة على الركوب، ويجوز أخذها على فروض الكفاية، إلا الجهاد وصلاة الجنازة " (٣)
تاسعا: أفتى الإمام النووي فيمن حبس ظلما فبذل ما لا لمن يتكلم. في خلاصه بجاهه وغيره بأنها جعالة مباحة، وأخذ عوضها حلال، ونقله عن جماعة، تم قال: وفى ذلك كلفة تقابل بأجره عرفا (٤) .
стр. 1018
وفى تحفة المحتاج ذكر ابن حجر الهيثمي بعض ما يباح فيه الجعل، ومما قاله: وكقول من حبس ظلما لمن يقدر على خلاصه وإن تعين عليه على المعتمد: أن خلصتنى فلك كذا، بشرط أن يكون في ذلك كلفة تقابل بأجرة عرفا، وأركانها: عمل، وجعل وصيغة، وعاقد.
وفى حاشية الشروانى على تحفة المحتاج (٣٦٥/٦) جاء ما يلي:
(قوله على المعتمد) عبارة النهاية: أفتى المصنف بأنها جعالة مباحة، وأخذ عوضها حلال، ونقله عن جماعة. وذكر صاحب مطالب أولى النهى في شرح غاية المنتهى جواز أن يجعل أحد جعلا لمن يقرضه من غير بجاهه، وقال: لأن الجعالة في مقابلة ما بذله من جاهه من غير تعليق له بالقرض (١)
هذه الأعمال وغيرها من أعمال البر، قد لا يوجد من يتبرع للقيام بها، مع وجود الحاجة إليها، ولذا جاز الجعل شريطة ارتباطه بالعمل.
وإصدار خطاب الضمان يتطلب القيام بأعمال مختلفة، والمصرف منشأة تجارية، فمن حقه أن يأخذ عمولة مقابل عمله وجهده، ولكن لا ترتبط هذه العمولة بكفالة الدين ذاتها، وإلا لكانت سحتا أو ربا.
ومما هو قريب من موضوعنا ما ثار من جدل في عصرنا حول جواز أخذ المصرف أجرا من المقترض يقابل الأعباء الإدارية الناشئة المتعلقة بالقرض، والذين أجازوه اشترطوا أن يتم ربط الأجر بوجود خدمة فعلية، أو منفعة مقصودة ومتقومة في النظر الشرعي، وألا يؤخذ نظير المنفعة غير المعتبرة في نظر الشرع في مجال الاقتراض أو الوعد به، ولذا قالوا: ينبغي أن يكون على أساس مبلغ مقطوع وليس على أساس شئ من قيمة القرض، لأن الجهد الذي يبذله المصرف في إعداد عقد القرض لا يختلف باختلاف قيمة القرض. فمفرق الطريق في اعتبار هذه المبالغ أجرا وليست ربا هو وجود الخدمة التي تقابل هذه المبالغ، وكون مقدار المبلغ محددا بما يبذله من جهد، أو يؤدى من خدمة، دون ربط ذلك بمقدار الدين أو مدته (٢)
стр. 1019
الفصل الثالث
استثمار الغطاء النقدي
عندما يكون خطاب الضمان مغطى كليا أو جزئيا فإن المصرف يضم الغطاء النقدي إلى ما لديه من ودائع غير مخصصة، وحسابات جارية، وأموال نقدية لحساب المساهمين، فالودائع المخصصة لاستثمارات معينة توجه لتلك الاستثمارات، أما غيرها فيضم بعضه إلى بعض، ويؤخذ منه لاستثمارات المصرف. ولا يستطيع المصرف أن يعين صاحب أي مبلغ محدد موجه لمشروع معين، حيث تختلط النقود المودعة. ويتعذر التمييز. غير أنه كمضارب غير ضامن لما لديه من ودائع استثمارية، وضامن للحسابات الجارية كمقترض لها، فمتى استثمرت فالربح له، والخسارة عليه. وينظر المصرف إلى حجم المشروعات الاستثمارية، ومدة بقاء الأموال المستثمرة خارج حيازته، في ضوء النقود المودعة لديه، وأنواع الإيداعات، والنظر إلى الظروف الخاصة التي يقدرها المصرف. وتحسب الأرباح والخسائر، ويتم التوزيع بنسب يحسبها المختصون، ويقرها هيئات الرقابة الشرعية.
стр. 1020
وتفصيل هذا يحتاج إلى شرح يطول ذكره، ولكن الذي يعنينا هنا هو أن الغطاءات النقدية لخطابات الضمان تودع في حساب خاص، وتختلط بباقي النقود، وبذلك لا يمكن تمييزها عند قيام المصرف بعمليات الاستثمار، أي أن هذه الغطاءات يكون لها أثر في الاستثمار.
أفمن حق المصرف الاستفادة من هذه النقود؟
يمكن أن يقال: أن المصرف ضامن لهذا المال، فله حق الاستثمار: والربح له والخسارة عليه ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة عن السيدة عائشة -رضي الله تعالى عنها، أن الرسول ﷺ قال: ((الخراج بالضمان)) ويمكن -أيضا- أن يقال: ليس للمصرف حرمان صاحب المال من الاستفادة من ماله مدة سريان خطاب الضمان، فلطالب الإصدار أن يكون لنقوده ما للودائع الاستثمارية من الحقوق، ولاضمان على المصرف حينئذ.
ولعل الأولى أن يخبر المصرف طالب الإصدار، مادام كل من الأمرين يؤدى الغاية من الغطاء النقدي.
وإذا كانت المصارف الربوية تستفيد من الغطاء بطريقة غير مشروعة، فإن مثل هذا التخيير يؤدي إلى تأصيل الفوارق بينها وبين المصارف الإسلامية. وقد تحدث الفقهاء عن ضمان الكفيل لمال الكفالة إذا قبضه:
ففي أقرب المسالك "وضمانه أن اقتضاه لا أرسله به ".
стр. 1021
وشرح الدردير العبارة السابقة بقوله:
وضمنه الضامن أن اقتضاه من الغريم ليوصله لربه، سواء طلبه منه أو دفعه له الغريم بلا طلب، لكن على وجه البراءة منه، ولو تلف منه بغير تفريط أو قامت على هلاكه بينة.. لا أن أرسله المدين به إلى رب الدين فضاع منه، فلا ضمان حيث لم يفرط، لأنه صار أمينا بالإرسال، ومثل الإرسال لو دفعه على وجه التوكيل عنه في توصيله لربه، أو هو إرسال حكما، فلا ضمان على الضامن (١)
أما الحنفية فلم يكتفوا بالحديث عن هذا الضمان، وإنما فصلوا القول في بيان حق الكفيل في استثمار مال الكفالة، وفرقوا بين النقود وغيرها.
فأجمعوا على أن مال الكفالة متى كان نقودا، وقبضها الكفيل على وجه الاقتضاء لا الإرسال، واستثمرها وربح، فالربح حلال.
أما غير النقود فالروايات عن الإمام مختلفة، والمهم هنا بيان ما يتصل باستثمار النقود، فهو موضوع البحث. وإذا قبض الكفيل المال على وجه الإرسال، فهو أمين غير ضامن، وليس له أن يستثمر المال، فإذا استثمره خالف ما يجب فيما يعد أمانة، وأصبح كالغاصب، فإن ربح فلا يطيب له هذا الربح عند أبي حنيفة ومحمد، لأنه استفاده من أصل خبيث، وخالفهما أبو يوسف مستدلا بحديث ((الخراج بالضمان))
ولنثبت هنا بعض ما جاء في كتب الحنفية.
стр. 1022
قال صاحب الهداية (٦/٣١٩-٣٢١) :
" من كفل عن رجل بألف عليه بأمره فقضاه الألف قبل أن يعطيه صاحب المال فليس له أن يرجع فيها، لأنه تعلق به حق القابض على احتمال قضائه الدين، فلا تجوز المطالبة ما بقي هذا الاحتمال، كمن عجل زكاته ودفعها إلى الساعي، ولأنه ملكه بالقبض على ما نذكر بخلاف ما إذا كان الدفع على وجه الرسالة، لأنه تمحض أمانة في يده.
وإن ربح الكفيل فيه فهو له لا يتصدق به، لأنه ملكه حين قبضه: أما إذا قضى الدين فظاهر، وكذا إذا قضى المطلوب بنفسه، وثبت له حق الاسترداد، لأنه وجب له على المكفول عنه مثل ما وجب للطالب عليه، إلا أنه أخرت المطالبة إلى وقت الأداء، فنزل منزلة الدين المؤجل، ولهذا لو أبرأ الكفيل المطلوب قبل أدائه يصح، فكذا إذا قبضه يملكه إلا أن فيه نوع خبث (١) نبينه فليعمل مع الملك فيما لا يتعين "
. وقال ابن الهمام في شرح ما سبق:
(من كفل عن رجل بألف عليه بأمره فقضاه) أي قضى الرجل المكفول عنه الكفيل (الألف) التي كفل بها (قبل أن يعطيه) أي قبل أن يعطي الكفيل الألف (صاحب المال) وذكر ضمير (يعطيه) على تأويل المال أو المكفول به اللازم من قوله: كفل عن رجل، و (صاحب المال) مفعول أول (ليعطي) ، والمفعول الثاني هو ضمير المال المقدم في يعطيه (فليس له) أي ليس للرجل المكفول عنه (أن يرجع فيها) وهو للشافعي وجه آخر، وله أن يرجع، وهو قول مالك وأحمد بناء على أنه أمانة عنده ما لم يقض الأصيل، ونحن نبين أنه يملكه، وأن الأمانة ما إذا كان دفعه إلى الكفيل على وجه الرسالة إلى الطالب. (٢)
стр. 1023
وإذا ملكه كان الربح له (إلا) أي لكن استثناء منقطع (فيه نوع خبث) على قول أبي حنيفة (نبينه) عن قريب (فلا يعمل مع الملك فيما يتعين) وهو الألف التي قضاه إياها لأن الدراهم لا تتعين (١)
وقال البابرتى في شرح العناية على الهداية:
"إذا قبضه على وجه الرسالة فالربح لا يطيب له في قولي أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله، لأنه ربح من أصل خبيث، وفى قول أبي يوسف: يطيب لأن الخراج بالضمان (٢) .
وقال صاحب الدر المختار:
" وإن ربح الكفيل به طاب له لأنه نماء ملكه حيث قبضه على وجه الاقتضاء، فلو على وجه الرسالة فلا، لتمحضه أمانة، خلافا للثاني، وندب رده على الأصيل " (٣)
وقال ابن عابدين:
(قوله: خلافا للثاني) : أي أبي يوسف، فعنده يطيب له، كمن غصب من إنسان وربح فيه، يتصدق بالربح عندهما لأنه استفاده من أصل خبيث، ويطيب له عنده مستدلا بحديث ((الخراج بالضمان)) .
(وقوله: وندب رده) : مرتبط بقوله بعده فيما يتعين بالتعيين، أي أن قوله: طاب له - أي الربح - إنما هو فيما لو كان المؤدى للكفيل شيئا لا يتعين بالتعيين كالدراهم والدنانير (٤)
стр. 1024
فإن الخبث لا يظهر فيها، فخلاف ما يتعين كالحنطة ونحوها، بأن كفل عنه حنطة، وأداها الأصيل إلى الكفيل: وربح الكفيل فيها، فإنه يندب رد الربح إلى الأصيل. قال في النهر: وهذا هو أحد الروايات عن الإمام، وهو الأصح، وعنه أنه لا يرده، بل يطيب له، وهو قولهما، لأنه نماء ملكه، وعنه أنه يتصدق به (١) .
من هذا نرى أن الربح يطيب للكفيل إذا كان مال الكفالة نقودا، والمصرف غطاء الضمان عنده من النقود، ولكن يجب ألا يغيب عن الأذهان أن الكفيل ليس له مطالبة الأصيل قبل الأداء، على حين نجد المصرف لا يصدر خطاب الضمان إلا بعد قيام العميل -وهو المكفول عنه - بإيداع الغطاء النقدي المتفق عليه. وطبيعة المعاملات في عصرنا قد تستلزم وجود مثل هذا الغطاء، فالمصرف يدفع المبلغ المكفول كله عند أول مطالبة خلال سريان خطاب الضمان، دون التفات لما قد يبديه العميل من المعارضة. وإذا تأخر العمل في إعطاء المصرف ما أداه عنه، فإن المصرف الإسلامي لا يستطيع أن يسلك طريق الربا، ويتوقف استثمار هذه الأموال. فإذا كان من اللازم وجود مثل هذا الغطاء، فمن اللازم أيضا عدم حرمان العميل من استثمار أمواله بغير رضاه، ومن هنا جاء ترجيح القول بتخيير العميل: فأما أن يختار الاستثمار، أو إبقاء الغطاء في ضمان المصرف كما يلجأ أصحاب الحسابات الجارية.
والله أعلم بالصواب.
стр. 1025
الخاتمة
بعد هذا البحث يتبين أن الكفالة عقد تبرع كما ثبت بالنص والإجماع والواقع العملي للمسلمين مدة أربعة عشر قرنا من الزمان، ومعاملاتنا المعاصرة في حاجة إلى مجهود أكبر، وتفرغ أكثر من فقهاء العصر حتى يسهموا في حل مشكلاتها حلا يتلاءم مع طبيعة هذه المعاملات، دون خروج على نص ثابت، أو إجماع معتبر، أو تعارض مع مقاصد التشريع الإسلامي.
والاجتهاد الجماعى كان سنة الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا بأن نعض عليها بالنواجذ، فقد كانوا يجمعون رءوس الناس وخيارهم فيستشيروهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضوا به. بل روى الدارمي في سننه بسنده عن أبي سلمة، أن النبي ﷺ سئل عن الأمر يحدث ليس في كتاب ولا سنة فقال: " ينظر في العابدون من المؤمنين ". ويمكن لأبحاث الأفراد، وآراء الجماعات الصغيرة، أن تمهد الطريق أمام الاجتهاد الجماعي، ولعل هذا البحث يقوم بهذا الدور الممهد.
وأحب أن أشير هنا إلى اجتماع لم يضم أكثر من بضعة أفراد، كان من فقهاء الشريعة فضيلة الدكتور حسين حامد حسان، وفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي، وكان من المسئولين عن أعمال مصرفية إسلامية السيد الأستاذ أحمد أمين فؤاد رئيس مجلس إدارة المصرف الإسلامي الدولي للاستثمار بالقاهرة، والسيد الأستاذ قاسم محمد قاسم مدير مصرف قطر الإسلامي، وغيرهما، وكان بأيدينا هذا البحث، ودار حوار حول الكفالة، بدأناه ونحن مختلفون في الرأي، واستمر الخلاف فترة ثم انتهى بحمد الله تعالى، وخرجنا بحل ارتضيناه فقها وعملا، وبيانه كما يأتي:
نظرنا في الغطاء النقدي، ورأينا أن المصارف الربوية تهدف إلى الانتفاع به عن طريق الحصول على الفوائد الربوية، أما المصارف الإسلامية فتريد الاطمئنان إلى أن ما يطلب منها للمكفول له تستطيع أداءه من الغطاء نفسه لا من أموال المودعين المستثمرين، فيقع الضرر من توقف استثمار هذه الأموال، فقلنا: " إذا كان لعميل حساب جار، أو ودائع استثمارية، فإن المصرف الإسلامي يقبل جعلها غطاء نقديا للكفالة، على أن ينص على ذلك في التعاقد، مع استمرار اشتراك ودائع العميل الاستثمارية في الأرباح ".
стр. 1026
وهذا كما يعطي الاطمئنان للمصرف فإنه يسمح لطالب الكفالة - إذا شاء - باستثمار أمواله دون تعطيل لها، وبالتالي يؤدى إلى قلة الكفالات غير المغطاة.
وأذكر أن قانون الكفالة في الإمارات العربية المتحدة، الذي حاول واضعوه استمداده من الفقه الإسلامي، نصت المادة " ١٠٧٩ " على ما يأتي: " يجوز أن تكون الكفالة مقيدة بأداء الدين من مال المدين المودع تحت يد الكفيل، وذلك بشرط موافقة المدين ".
ودار الحديث عن الكفالة المجردة، والضمان إذا كان ضمن عقد آخر:
فمن المعلوم أن الشركات في الإسلام تقوم على المال والعمل والضمان، ومعنى ذلك أن الضمان له ما يقابله، وشركة الوجوه تنبنى أساسا علي الضمان، ويؤكد هذا المعنى الحديث الشريف ((الخراج بالضمان)) فن المتفق عليه أن الضمان غير المجرد، أي الذي يكون في عقد آخر غير عقد الكفالة، يمكن أن يكون له ما يقابله من الغنم، وقد يؤدى إلى الغر م كذلك.
стр. 1027
أما الضمان المجرد، وهو عقد تبرع، فلا يجوز أن يكون له أجر أو جعل، وهذا الحكم مستمد من النص، وأجمعت عليه الأمة مدة أربعة عشر قرنا من الزمان، فليس لنا أن نترك النص، ونخرج على هذا الاجماع المستقر. وهنا أثيرت نقطة لتأييد جواز الجعل مقابل المخاطرة في الكفالة، وهذا يعنى أن القول بالاجماع غير صحيح!
قال القائل: لننظر إلى ضمان السوق عند الحنابلة: فيجوز أن يجعل لشخص ما أجر مقابل تعهده بحماية ما في السوق، وضمانه له.
فكان الرد بالإشارة إلى ضمان السوق الذي سبق الحديث عنه، وهو تبرع خالص لا أجر له. أما ما ذكر هنا فهو عقد إجارة أو جعالة وليس كفالة. فالأجر أو الجعل مقابل حراسته للسوق، فهو أجير عام وليس كفيلا. فالضمان إذن جاء في عقد آخر، وهو ما تناولناه في بداية الحوار، فالإجماع إذن صحيح لم ينقض. وذكر أن المصارف الإسلامية يمكن أن تستفيد من هذا، كأن تجعل كفالتها مع اشتراكها بنسبة يتفق عليها مع العميل، ويكون الاشتراك في الغنم والغرم:
مثال هذا: أن يأتي عميل لفتح اعتماد مستندي، والغطاء جزئي، لاستيراد سلعة معينة، فيشاركه المصرف بنسبة ٢ % مثلا، ويشترك معه في الكسب أو الخسارة بهذه النسبة، بدلا من أن يأخذ أجرا أو جعلا مقابل الجزء غير المغطى. فالضمان هنا ليس كفالة مجردة، وإنما أصبح داخلا في عقد شركة.
стр. 1028
وفى خطاب الضمان كذلك يمكن أن ينظر إلى المشروع الذي طلب له الخطاب، ويشترك المصرف بنسبة ضئيلة.
وبعد الحوار اجتمع رأينا على ما يأتي:
أولا: الكفالة المجردة لا أجر عليها، وإنما الأجر على العمل المصاحب لها. ويجوز أن يكون للضمان ما يقابله إذا دخل في عقد آخر.
ثانيا: بالنسبة للغطاء النقدى: إذا كان للعميل حساب جار، أو ودائع استثمارية، فإن المصرف الإسلامي يقبل جعلها غطاء نقديا للكفالة، على أن ينص على ذلك في التعاقد، مع استمرار اشتراك ودائع العميل الاستثماربة في الأرباح.
هذا ما انتهينا إليه، والله أعلم بالصواب. ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ . ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
стр. 1029
خطاب الضمان
فضيلة الدكتور زكريا البري
الافتتاحية:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبي الإسلام، المبعوث رحمة للعالمين، والذي اتاه الله الحكمة وفصل الخطاب.
والمدعو له بالرضا الالهي هم الصحابة والتابعون وتابعوهم باحسان إلى يوم الدين.
التابعون الذين تابعوا الصحابة في فهم النصوص الشرعية، وفى فقه معانيها وأحكامها وعللها وحكمها ومقاصدها، وفى معرفة أدواء الأمة الإسلامية وشعوبها، وفى وضع الدواء الدائم أو المؤقت لعلاج هذه الادواء.
وقد يكون هذا العلاج في تشريع حكم المصلحة الدائمة أو الوقتية أو في ارتكاب محظور جزئي استحسانا واستثناء من القواعد الأصلية والكلية، استنادا إلى القاعدة الشرعية الضرورات تبيح المحظورات التي تستمد شرعيتها، من قوله -جلت حكمته -: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾
كما قد يكون هذا العلاج بدواء وقتي واستثنائي، قصدا إلى رفع الحرج والعنت والمشقة، استنادا إلى قاعدة شرعية، ذكرها الفقهاء وهي الحاجات تنزل منزلة الضرورات المأخوذة من قوله - وسعت رحمته -:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ . ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ .
стр. 1030
وبذلك جميعه يحققون لعباد الله المصالح الضرورية، التي لا تتحقق الحياة إلا بها، والمصالح الحاجية التي ترفع عن الناس الحرج والضيق والعنت، والتي نوه القرآن الكريم بها، حيث أمتن على عباده بذلك، في قوله -سبحانه -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾
يحققون جميع المصالح الاجتماعية والفردية، المصالح العامة والمصالح الخاصة، مع تقديم الأولى لأهميتها على الأخرى عند التعارض.
ويمنعون من قبل ذلك جميع المفاسد من الحياة، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فإن لم يتيسر ذلك، أفتوا بارتكاب مفسدة جزئية صغرى، دفعا لمفسدة كلية كبرى أو مفاسد اجتماعية أكبر.
ولذلك يضعون دين الله وشريعته أمام الناس وإماما لهم، ويحرسون دين الله، ويسوسون به دنياهم.
ويضعون المسئولية الدينية والدنيوية في عنق أولى الأمر من الحكام ومعاونيهم، ويطالبونهم بسن التشريعات اللازمة، بتنفيذ ما ينتهي إليه الرأي عند الفقهاء، وهم أولو الأمر، وأهل الذكر، وأصحاب الاختصاص، في فهم الأحكام والحكم من النصوص الإلهية، ثم يطالبون الأمة بامتثال هذه الأحكام، استجابة وخضوعا لأمر الله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ .
стр. 1031
هؤلاء الفقهاء الذين يقومون بذلك الواجب الديني، من غير افتيات على النصوص بالتحربف وسوء التأويل، ومن غير افراط ولا تفريط، ولا تضييع للمصالح الدنيوية، ودون التزام بما لا يلزم من أقوال الأئمة وفقهاء السلف الصالح العظيم، وآراء المذاهب الإسلامية، التي تحمل تراثا عظيما، هو محل فخرنا واعتزازنا، ومحل اعتزاز المنصفين من غير المسلمين في داخل البلاد العربية والإسلامية وخارجها، والتي تجمع الأمة - مع ذلك - على أنها ليست دينا ملزما للأمة ولفقهائها، إلا بمقدار دليلها وصحته ومدى حجيته. ثم المرجو لحاضر الأمة ولمستقبلها هم الفقهاء المتخصصون الذين أنعم الله عليهم بفقه النفس، وسلامة الحس وأمانة الضمير الديني، في كل مصر، وفى كل عصر.
أولئك الذين يستطيعون بالشرع وما فيه من نور الهي، وحكمة نبوية، ويفهمونه بعقل سليم واع، جامعين بين صريح المنقول، وصحيح المعقول بين النوريين (نور علي نور) .
أولئك الذين لا يقلدون غربا ولا شرقا، وإنما يتجهون إلى الحكمة، وهى ضالة المؤمن " وهو أحق بها أن وجدها.
هؤلاء الذين يستفيدون بالعرف السليم الصالح والمصلح، هذا العرف الذي قد يتغير بتغير الزمان أو المكان، والذين يقاومون الأعراف الفاسدة، والمفسدة مهما كثر أتباعها عن جهل أو تقليد.
ومن جهل زمانه وأحواله فقد جهل، ثم قاموا بذلك خلفا بعد سلف، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
стр. 1032
التمهيد:
أما قبل، فاني أقدم وأمهد لرأيي بهذه المقدمة الأصولية والفقهية، المشتملة على القواعد التالية: أولا - الأصل في الأشياء - ومنها العقود والشروط والتصرفات - هو الإباحة والجواز والصحة، ولا يحرم منها إلا ما يقوم الدليل الخاص على تحريمه (١)
هذه القاعدة وهذا الأصل الذي ذهب إليه بعض الأصوليين والفقهاء المحققين، والذي انطلق منه الإمام العظيم، والفقية الحنبلي المجتهد: ابن تيمية، إلى حرية التعاقد والاشتراط، مستندا في دعم رأيه، الذي رفع به الحرج عن المسلمين، وبصفة خاصة في العصر الحاضر، الذي استحدثت فيه الحياة عقودا وشروطا غير مسبوقة: إلى ما يأتي:
(أ) ما جاء في القرآن الكربم من الأمر بالوفاء بالعقود بصفة عامة، ومن ذلك قوله -جل ثناؤه -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ . وقوله -جلت حكتمه -: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ . وقول - سبحانه -: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾
فكل عقد أو شرط في عقد، ورد به نص أو لم يرد، هو التزام وعهد من العاقدين يجب الوفاء به.
стр. 1033
والقول بعدم جوازه وعدم صحته من غير دليل مخالفة لهذه الآيات القرآنية العامة.
(ب) ما جاء في السنة النبوية الصحيحة، من الأمر بالوفاء بالوعد وبالعهد، والتحذير من العذر، مثل قوله ﵊: "أربع خلال من كن فيه كان منافقا خالصا، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها".
ولو كان الأصل في العقود والشروط الحظر والمنع، إلا إذا قام الدليل الخاص على الحل، لم يذم الرسول إخلاف الوعد بهذا الإطلاق، ولم يذم الغدر بنقض العهد بصفة عامة، كما جاء في الحديث.
(ج) أن التعاقد والاشتراط فيه مباح بحسب الأصل، والمباح إذا أوجبه الشخص على نفسه لغيره، صار واجبا عليه، لتعلق حق الغير به.
(د) أن العقود والشروط من الأفعال والمعاملات العادية، وليست من العبادات التي لا تجوز ولا تصح إلا بالتلقي عن الله ﷻ .
والله يقول: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا التفصيل يعم الأفعال والتصرفات، فإذا لم يكن العقد أو الشرط حراما بتحريم الشارع، فإنه لا يكون باطلا، لأن البطلان إنما يترتب على التحريم.
стр. 1034
(هـ) أن الأصل في العقود والشروط قيامها على التراض بين العاقدين، وتترتب آثارها عليها تبعا لهذا التراضي.
وفى ذلك يقول الله - تعالى -: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ، ويقول في المهر: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ .
فقد أحلت الآيتان الأموال فيهما بناء على الرضا في الآية الأولى، وطيب النفس في الآية الثانية، ما لم يكن هناك دليل خاص لتحريم عقد خاص أو شرط خاص.
(و) أن العقود والشروط التي تتم بين الناس أمور مقصورة لهم، يرون فيها مصلحتهم التي لا تلحق الضرر بغيرهم، ولولا حاجتهم إليها ما عقدوها ولا اشترطوها. (١) .
فيجب رفع الحرج والضيق والعنت عن الناس بتجويزها وتصحيحها وترتيب الآثار عليها ومنع عقد أو شروط من غير دليل شرعي- مع هذه المصلحة وتلك الحاجة للمتعاقدين- يؤدي إلى الحرج والضيق والعنت، الذي رفعه الشارع الإسلامي، في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي ما جعل وما شرع ما يحرج عباده كما جاء في الآية الأولى، يريد أن يجعل فيشرع باسمه سبحانه ما يحرج عباده وهو العليم الحكيم، الرؤف الرحيم. (ز) أن العقود والشروط المقترنة والمرتبطة بها لا يخلو حكمها من أحد أحكام ثلاثة:
- ألا تحل إلا بدليل خاص من كتاب أو سنة أو دليل يستند إليهما، فإذا حلت بهذه الصورة وجب الوفاء بها.
стр. 1035
- أو لا تحل إلا بدليل عام.
- أو أن تحل من غير دليل عام ولا خاص، مادام لم يوجد دليل على التحريم
والفرض الأول غير صحيح، لإ جماع المسلمين في العصر الأول على وجوب الوفاء بالعقود التي عقدت في الجاهلية، مادامت لا تشتمل على أمر منهي عنه، فإذا اشتملت على أمر منهي عنه، صح منها ما لم يرد نهي عنه.
والفرض الأول غير صحيح، لا جماع المسلمين في العصر الأول على وجوب الوفاء بالعقود التي عقدت في الجاهلية، مادامت لا تشتمل على أمر منهي عنه، فإذا اشتملت على أمر منهي عنه، صح منها ما لم يرد نهي عنه.
فقد أوجب النبي ﷺ المال الثابت في العقود الربوية، وأبطل شرط الربا في هذه العقود، وقال: ((ربا الجاهلية موضوع)) أي أسقطه وألغاه المشرع الإسلامي.
أما الغرض الثاني فإنه يشهد للحل، ويترتب عليه الوفاء بكل عقد أو شرط غير منهي عنه بدليل خاص، للأمر العام بالوفاء بالعقود.
وكذلك الغرض الثالث يشهد للحل.,هذا ما نراه
стр. 1036
ثم أما بعد.
فإنه لا يوجد في أخذ الأجر على هذا الضمان المصرفي لتنفيذ أعمال مشروعة، نص محرم من كتاب أو سنة، ولا دليل محرم.
فلا يوجد له نظير يقاس عليه في التحريم، لاشتراكهما في علته.
ثم لا يوجد عرف صحيح يحرمه ويمنعه، ولا توجد فيه مفسدة، كما لا توجد مصلحة في تحريمه، بل أن المصلحة في إباحته وحله وصحيته، وفي إلزام المضمون به (١) .
стр. 1037
وإذا قيل: أن البعض كتب المذاهب الفقهية قد صرحت بتحريمه، فإنى أقول: أن الدليل الذي استندوا إليه هو أن الضمان لم يشرع إلا على سبيل التبرع، وهو صورة من صور المصادرة، لأن نفس الدعوى هي نفس الدليل، كأنهم يقولون: أن أخذ الأجر غير مشروع، لأنه غير مشروع. (١)
وإذا قيل: أن الإمام ابن تيمية الذي ذهب إلى أن الأصل في العقود والشروط هو الإباحة والحل، قد ذهب إلى عدم جواز أخذ الأجر على الضمان، قلت: إني مع قاعدته العظيمة، لقيام الأدلة عليها، ولست معه في عدم جواز أخذ الأجر على الضمان، إذا كان رأيه بالمنع يشمل الضمان المصرفي التجاري، للأسباب التي بينتها وأبينها.
والظاهر أن هذه الفتوى المروية عنه لا تشمل الكفالات بهذه الصورة التجارية الجديدة التي تعاملت بها المصارف العامة، وتتعامل بها بعض المصارف الإسلامية.
стр. 1038
فقد كانت الكفالة في العصور الماضية تتم ضمانا لمحتاج يستدين، وقد لا يجد من يسلفه إلا بضمان من ملىء، لضعف ذمة المستدين المالية، ونحو ذلك فيضمنه الغني، تفريجا لكربه، ورجاء لثواب الآخرة.
وفي مثل هذا يقول الرسول الرحيم: ((من فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة)) ،أما الآن فإن هذه الضمانات تتم لشركات مالية كبرى، ولتجار أغنياء، ولابد في قبول العطاءات من هذه الشركات وهؤلاء الأغنياء من تقديم الضمان المصرفي.
وهذه العطاءات التي تقدمها الشركات والتجار للالتزام بأعمال معينة، يتوقف قبولها-كما قلنا- على هذه الضمانات، وهذه الأعمال تتوقف عليها تنمية المجتمع تنمية اقتصادية واجتماعية وعسكرية، بل أن البنية الأساسية للمجتمع من طرقات مواصلات ومرافق مياه وصرف صحي وكهربة تتصدر هذه الأعمال.
وامتناع المصارف الإسلامية عن القيام بهذه الضمانات، لأنها لا تستفيد منها ماليًا وتجاريًا، يؤدي إلى لجوء المحتاجين إليها إلى البنوك الربوية في الحصول على هذه الضمانات، وفي ذلك دعم كبير لها، يجر المحتاجين إليها إلى التعامل معها في هذه الضمانات ثم في غيرها.
فإذا سادت المصارف الإسلامية –وهذا هدف أساسي- استحال على هذه المصارف القيام بهذه الضمانات، مادام أخذ الأجر غير مشروع، لأنها إما أن تقوم بها مجانًا، وفي ذلك تعريض أموال المؤسسين والمسهمين فيها للضياع، من غير فائدة تعود عليهم وإما أن تقوم بها بأجر، ولا يرى الفقهاء جواز ذلك.
стр. 1039
ويتعين –بناء على ذلك- القيام بهذه الضمانات، وأخذ المناسب عليها، من غير وكس ولا شطط ومغالاة، وفي ذلك كشف لمغالاة البنوك الربوية، يدعو إلى الإحجام عن التعامل معها في هذه الضمانات ثم في غيرها، وفيه من المصلحة ما فيه.
ولقد أفتى المتقدمون من فقهاء بعض المذاهب بعدم جواز أخذ الأجر على تحفيظ القرآن الكريم، وإمامة الصلاة، بناء على أنهما يدخلان في العبادات والطاعات، التي لا يجوز أخذ الأجر المادي عليها في الدنيا، والتي يستحق فاعلها الجزاء والثواب الأوفى في الآخرة، والآخرة خير وأبقى.
وقد جرى المجتمع الإسلامي على ذلك حينا من الدهر، ثم اقتضت التطورات الاجتماعية تخصيص مسلم مؤهل للقيام بهذه الأعمال، بحيث يتفرغ التفرغ اللازم والمناسب لها.
стр. 1040
ووجد المتأخرون زمانًا من فقهاء هذه المذاهب، أن القول بعدم جواز أخذ الأجر في ذلك وفي أمثاله، يؤدي إلى ضياع حفظ القرآن حفظًا سليمًا، وإلى ترك إمامة الصلاة لمن لا يحسنها، نظرًا لعدم التفرغ لهذه الأعمال الدينية، اشتغالًا بكسب العيش، وأفتوا بأخذ الأجر.
وعلى ذلك جرى ويجري العمل الآن في جميع البلاد الإسلامية.
- وإذا كان مقتضى هذا الضمان المصرفي إلزام المصرف بالمغارم التي تترتب على هذا الضمان، تنفيذًا لالتزامه، فلم لا يكون له غنم من المضمون، يؤديه للمصرف الضامن، نتيجة الاتفاق والرضا به.
ومن القواعد الفقهية العادلة أن الغرم بالغنم، جرى عليها التعليل الفقهي في مثل وجوب نفقة الفقير العاجز على قريبه الغني الموسر، مغرما في حالة فقر القريب، مقابلة للمغتنم بميراثه في حالة يساره.
- وإذا كان الأصل منع الأجر عند بعض الفقهاء، فلم لا يجوز أخذه استحسانًا واستثناء من القواعد الأصلية، استنادًا إلى المصلحة العامة والخاصة.
وإذا قيل: أن في إمكان الضامن "المصرف "والمضمون أن يشتركا في نفس العمل الذي يضمنه المصرف، قلت: أن هذا ممكن إذا رأي الطرفان مصلحتهما فيه.
стр. 1041
ولكن قد يريان أو يرى أحدهما أن المصلحة في انفراد المصرف بالضمان واستحقاق الأجر عليه، وانفراد المضمون بنتيجة العمل ربحًا أو خسرًا.
- كما أن المجتمع الإسلامي كان يجرى على أن الوكالة عن الغير في عمل من الأعمال تكون مجانًا، وخدمة اجتماعية، ثم تطورت الأحوال تطورًا حضاريًا، ووجد المتخصصون الذين لا يقبلون الوكالة إلا بالأجر، كما في توكيل المحامي، وتوكيل السمسار، وكل منهما يتفرغ لهذا العمل، ويكسب قوته من هذا الأجر.
وأختم كلمتي بأن الأساتذة الأجلاء أعضاء المجمع الرائد يعلمون أنه يستوي في الأثم تحريم الحلال، وتحليل الحرام من غير دليل. والله يقول ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ .
وأقول: هذا رأيى الذي أعرضه على حضراتكم، فإن يكن صوابًا فمن الله، وبتوفيقه، وأن يكن خطأ، فمنى، ومن الشيطان، وأستغفر الله، وأتوب إليه، وأول درجات التوبة رجوعي عنه. والمجتهد يخطئ ويصيب.
ولعل الرأي الذي ينتهي إليه المجمع بالإجماع أو بالأكثرية يصلني مع أدلته ومناقشاته، والله ولي التوفيق.
стр. 1042
خطاب الضمَان
فضيلة الدكتور عَبد الستار أبو غدة
خطاب الضمان من أهم أساليب التعامل المصرفي بالرغم من أنه وسيلة ائتمان وليس نشاطًا استثماريًا مباشرًا، لأنه من الدعائم الأساسية للاستثمار، وإذا كان أحد الخدمات المصرفية فإن العنصر الغالب في ماهيته الائتمان، وليس أداء المنفعة.
والائتمان الذي في خطاب الضمان هو بالقوة (الاستعداد) دائمًا، وبالفعل (التنفيذ) مآلًا في بعض الحالات.
ولا داعي للإطالة في تعاريفه وتصويراته المختلفة فإنه مما اشتهر أمره بالتعامل فيه بين المصارف والمتعاملين معها، وبين الجهات الحكومية والمسهمين في مشاريعها، وقد أصبح أحد النماذج التي لا يخلو عنها أي مصرف أو جهة حكومية للإنشاءات أو المشاريع. وتلك النماذج المعدة كلها ينطبق عليها المفهوم العام لخطاب الضمان فنيًا، وهو: أنه صك يتعهد بمقتضى البنك المصدر له بأن يدفع مبلغًا معينًا لحساب طرف ثالث لفرد معين ولا يخفي أن اشتمال هذا التعريف على كلمة (صك) سببه وجود كلمة (خطاب) في المعرف ولولا ذلك لما كان سائرًا في الاصطلاح الشرعي لما هو معروف في القواعد المقررة في الفقه من أن العقود تتم بالإيجاب والقبول مشافهة، ليست الكتابة إلا وسيلة أخرى للتعبير عن اتفاق الارداتين، فضلًا عن دورها المتميز عن العبارة في التوثيق وتوفير المستند.
стр. 1043
وللقانون في هذا منحى آخر من حيث الإثبات عند التنازع دائمًا ومن حيث مقومات إنشاء الالتزام أحيانًا، وخطابات الضمان قد تشكل معاملة مصرفية مستقلة، وقد تأتي ضمن عمليات أخرى ذات بال، فيسهل على المصرف النظر إليه على أنه خدمة مصرفية ذات أجر محدد يقابل الجهد التالي: (النفقات الإدارية) وأحيانًا لا يقابله شيء من العوض لأن النشاط الأصلي المقصود من التعامل يستحوذ على الاهتمام ويجر ربحًا وفيرًا، فيكون (كل الصيد في جوف الفراء) .. وليس هذا النوع محل إشكال –لأنه يقع كفالة على بابها وضمانًا على جادته المعروفة من حيث الخلو عن عوض لقاء شغل ذمة الضمان بطلب المدين لصالح الدائن.. وهو عماد الكفالة أو الضمان.
وقد سلكت هذا السبيل معظم المصارف الإسلامية في عمليات الاعتماد المستندي فرتبت الأجر على الأسلوب من حيث هو، واكتفت بذلك عن إفراد الضمان بالذكر لكن الذي يحتاج إلى الدراسة والبحث هو خطاب الضمان المستقل، وقد كان من المحتمل أن يصار إلى الأسلوب نفسه في خطاب الضمان بالتركيز على الجوانب الأخرى غير الكفالة لولا أننى استعرضت معظم النماذج المستعملة في المصارف فإذا بها تخلو من أي عمل محدد ينتفع به طالب خطاب الضمان لكي يكون محلًا للمعاوضة عليه بل أن الأعمال التي تستتبع أو تسبق إصدار خطاب الضمان هي في الغالب لصالح الضامن، وإذا تسامحنا وقلنا إنها – من حيث المآل- لمصلحة الطرفين، فينبغي أن تحدد بدقة ويدفع قيمتها المنتفع بها دون أن يعود ذلك بنفع زائد للضامن لقاء الضمان.
стр. 1044
تكييف خطاب الضمان:
إن خطاب الضمان هو (كفالة محضة) ، وذلك في الصورة العامة له سواء أكان بأمر المكفول أو بدون أمره، على أنه إذا كان هناك غطاء للضمان مقدم من طالب الضمان، فإنه تنشأ علاقة أخرى بين الطالب للضمان وبين مصدره فقط، وهي علاقة (وكالة) بالدفع عند وجود ما يقتضيه وهو المطالبة بالالتزام. وليس بمستغرب تباين العلاقة والتكييف من وجهات مختلفة، فكثير من العقود تأخذ طبيعة من حيث اللزوم أو عدمه، أو تأخذ عدة اعتبارات من حيث نوع التكييف، تبعًا لطرف دون آخر.
ففي الكفالة المدفوع إلى الكفيل بدلها يجوز تخصيص أجر له من طالب الضمان (الكفول) انطلاقًا من تكييف علاقتهما بالوكالة –للاستغناء هنا عن الرجوع بما أدى الكفالة – فلم يبق إلا نهوض قابض المبلغ بأدائه عند الحاجة وهو عمل يصح أن يكون محلًا للتوكيل، والوكالة مشروعة بأجر وبدونه. أما العلاقة بين الكفيل (مصدر خطاب الضمان) وبين المكفول له (المستفيد) فهي كفالة. انسجامًا من شغل الذمة لصالح ذلك المستفيد.
أما في هذه الصورة الخاصة فالكفالة هي حقيقة خطاب الضمان سواء كانت بطلب الأمر بالكفالة أم بغير طلب. ولابد هنا من مناقشة الدعوى بأن الكفالة بالأمر هي وكالة، بحجة أن الكفيل ينفذ ما أمر به من الأداء (ولو لم يكن قد قبض مقابله..) فهو يؤدى عملًا.. وهي دعوى غريبة عن منطق الفقه، لأنها تعمد إلى تفريغ الكفالة من جميع تطبيقاتها أو معظمها، لأن معظم الكفالات تتم بالأمر، بالاحتفاظ بحق الرجوع عند من يشترط وجود الأمر لوجود حق الرجوع. وفات أصحاب هذه الدعوى أن الكفالة لها حقيقة شرعية تميزها عن الوكالة، وهي شغل الذمة، والوكالة بالأمر فيها شغل واضح للذمة أما الوكالة بالأداء فهي التزام بين المدين ووكيله وليس شغلًا للذمة تجاه الدائن إلا إذا وجد التصريح بالكفالة أو الضمان، حيث يصبح للدائن محلأن لدينه هما ذمة المكفول (المدين) وذمة الكفيل.
وقد جاء في كلام بعض الفقهاء من الذين يرون أن الأصل في الكفالة الرجوع بما أداه الكفيل – (كابن قدامة المغنى) تشبيه الكفالة بالوكالة لأن الكفالة تتضمن إقرارًا بالأداء فتستتبع حق الرجوع، وهذا ما تعلق به بعض الكتاب لتأييد هذه الدعوى الغريبة التي تجعل الكفالة خالية من المضمون بإدراج معظم تطبيقاتها في الوكالة (بالنسبة لجميع الأطراف) مع أن الغرض من هذا التشبيه (والتشبيه غير الحقيقة) هو اشتمال طلب الكفالة على طلب الأداء ومن ثم على الاستعداد للأداء للكفيل.
стр. 1045
ولو فتحنا الباب لهاذ التعلق الضعيف لأدنى ملابسة لأضعنا التميز القائم بين العقود المسماة، فنطلق على البيع أنه إجارة لأن فيه بيعًا للمنفعة باعتبار أنه بيع للذات (وهي العين والمنفعة معًا) وهكذا..
فخطاب الضمان كفالة، والكفالة بنوعيها: التي فيها أمر بالأداء أو ليس فيه، هي غير الوكالة، فلابد إذا من النظر في المسألة مباشرة: الأجر على الكفالة وقد تواردت مذاهب الفقهاء وعبارات المؤلفين على أن الكفالة والضمان من التبرعات التي لا يجوز الأجر عليها. ولا يخفي أن هذا الحكم منسجم مع (قواعد الشريعة العامة) التي يرسيها الفقهاء من استقراء النصوص وملاحظة ما ورد عن الشرع من أحكام وما قيس على نصوصه من تطبيقات. وليست هذه المسألة هي الوحيدة التي تتلقى عن الفقهاء بالقبول لإطباقهم عليها ويقال: أين الدليل الخاص المباشر عليها، ومع هذا فقد نوه بعض الفقهاء بمستندهم في منع الأجر على الضمان – كابن قدامة - وابن عابدين –حيث بينا أن الكفالة تؤول إلى الإقراض، وإذا كان الإقراض الفعلي غير مأذون من الشرع بالأجر عليه، فالاستعداد للإقراض (وقد لا يحصل الإقراض أن أدى المكفول نفسه) أولى وأجدر بمنع جواز الأجر عليه، لأن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات.
أما ما قيل بأن الكفالة كانت عملًا نادرًا وليس لها من يتفرغ لمزاولتها والحال تغير حيث أصبحت وجهًا من وجوه الكسب الذي يتوقف عليه التعامل، فهذا من قبيل إدارة الحكم الشرعي على التصرف الواقعي، مع أن الواجب دوران التصرف طبقًا للحكم، إذ يصبح الموزون ميزانًا، وهو من قلب الحقائق.
стр. 1046
وما قيل من تجويز الأجر على الكفالة قياسًا على ما انتهي إليه الأمر في كثير من الواجبات التي كانت تطوعية ثم صارت مأجورة، فالجواب أن تلك الأمور واجبة، والكفالات ليست إلا من قبيل المباحات، فالقياس ليس على وجهة ثم أن تلك الأعمال هي في الأصل من فرائض الكفاية، والأصل فيها التطوع تحصيلًا من القائم بها للأجر، ورفعًا للوزر عن غيره من المسلمين.. وقد صرح كثير من الفقهاء بأن ما يعطى عن هذه الأعمال الواجبة للقائمين بها إنما هو عطاء ورزق لهم من بيت المال وأنهم يعطون الكفاية شأن العطاء من بيت المال لمن يعمل عملًا يعود نفعه على جميع المسلمين فهو ليس أجرًا وإنما شبه بالأجر لما بينه وبين العمل من التقابل واضطراد الوجود والعدم.
واخيرًا، فإن ما قيل من تخريج أجر خطاب الضمان على أنه جعالة على عمل، أو عقد وجاهة، أو نحو ذلك من الصيغ التي يراد بها إخراجه في صورة (معارضة) بين الأجر وبين عمل آخر غير الكفالة، وهذا دليل على اعتراف من يلجأ لذلك بأن الكفالة ليست محلًا للاعتياض عنها بمال.. وهذا مسلم، أما الادعاء بأن خطاب الضمان هو جعالة أو وجاهة فهو مردود، لأنه يخليه من مضمونه وهو الكفالة (شغل ذمتين بالالتزام) فالوجاهة ليس فيها شغل ذمة وكذلك الجعالة بل هي من قبيل الالتزامات التي تنحل إلى عمل له مقابل.
стр. 1047
وقد عرف بهذا جواب الإيرادات القائمة على إدعاء خلو الموضوع من نص فإن فيه روح النص والمناط الذي لأجله حرم الله وحرم رسوله تقاضي الأجر على القرض بالفعل، فإن من مقتضاه تحريم تقاضي الأجر بالقوة (مجرد الاستعداد..) وأما القول بأنه لا مفسدة في أخذ الأجر على الكفالة أو الضمان فلا يسلم لقائله، فإن فيه من المفاسد ما هو شبيه بمفاسد التكسب بالأجر على القرض (الربا) ، وهو أيضا يعطل معنى الثقة والتكافل بين المسلمين وتقوية الروابط بينهم في التعامل المالي وما يستتبع ذلك الحرص على التعارف والتآلف والبذل وتشجيع حرص الناس على التحلي بالمروءة وحسن السمعة ليبادر الناس إلى كفالتهم، وبالمقابل التحلي (أيضًا) بالشهامة للمبادرة إلى القيام بالكفالة.
والخلاصة أن هناك ثلاثة أساليب هي غريبة عن الشريعة ومجافية للنظام الاقتصادي الإسلامي، وإن كانت تتفاوت في وضوح بعدها ونبوها عن منطق الفقه الإسلامي، وفي آثارها الخطرة على مجتمع المسلمين وهي:
- الفوائد الربوية، باعتبارها أجرًا (الفعلى) .
- أجور خطابات الضمان، باعتبارها أجرًا للاستعداد للقرض (عند المطالبة بحق الكفالة) .
- أقساط التأمين التجاري التبادلي، باعتبارها أجرًا على ضمان وكفالة من نوع خاص وهي كفالة تبرعية بدون رجوع لما يقع مع التزامات في المستقبل (ضمان الدرك) .
وجدير بالتعامل المشروع الواجب بين المسلمين، أفرادًا ومصارف تطهير أموالهم من هذا الثالوث، وتنقية مجتمعه من مفاسده الظاهرة والخفية.
стр. 1048
آراء حَول خطاب الضمَان
فضيلة الشيخ محمد على التسخيرى
ما كتبه الشهيد الصدر حول خطابات الضمان
هو تعهد من البنك بقبول دفع مبلغ معين لدى الطلب إلى المستفيد من ذلك الخطاب نيابة عن طالب الضمان عند عدم قيام الطالب بالتزامات معينة قبل المستفيد. وهي ابتدائية ونهائية.
وأما الابتدائية: فهي تعهدات توجه للمستفيد من هيئة حكومية أو غيرها لضمان دفع مبلغ من قيمة العملية التي يتنافس فيها طالب الضمان ويستحق الدفع عند قيام الطالب باتخاذ ما يلزم عند رسو العملية عليه.
وأما النهائية: فهي تعهدات لضمان دفع مبلغ يعادل نسبة أكثر من قيمة العملية المستقرة على عهدة العمل، ويستحق الدفع عند تخلف العميل عن الوفاء بما عليه في العقد النهائى بين العميل والمستفيد.
وهي تستعمل لطمأنة المستفيد.
وتتم الطمأنة تارة بدفع مبلغ من النقود لتصبح من حق المستفيد أن لم يلتزم الشخص بما رست عليه العملية.
وأخرى بخطاب الضمان.
أما خطابات الضمان الابتدائية: يكون هناك عقد بين المستفيد والعميل مشروط بتملك المستفيد نسبة معينة من قيمة العملية عند تخلف العميل وهو شرط ملزم عندما يقع في عقد صحيح كالإيجار ويعتبر خطاب الضمان تعهدًا بوفاء المقاول بالشرط تمامًا كتعهد الدين من قبل ثالث وحينئذ يرجع المستفيد على البنك إذا لم ينفذ الشرط ويضمن المقاول المبلغ الذي خسره البنك لذلك فله مطالبته، وللبنك أخذ عمولة على هذا التعهد وهو عمل محترم يمكن فرض جعالة أو عمولة عليه من قبل الشخص.
стр. 1049
حكم الخطاب الابتدائي:
هذا الخطاب يجوز للبنك إصداره إلا أنه غير ملزم لعدم وجود عقد يشترط فيه شيء ليمكن ضمانه فالشروط الابتدائية غير ملزمة عند الكثيرين وهناك من ألزم بها.
تعميق البحث في خطابات الضمان النهائية:
العقد بين المستفيد والمقاول مع شرط دفع مقدار عند التخلف صحيح إذا لم يؤد التخلف إلى بطلان أصل العقد.
ويتصور الشرط بأحد أنحاء: -
١- أن يكون بنحو شرط النتيجة فتشترط الجهة أن تكون مالكة للمبلغ في ذمته عند التخلف.
٢- أن يكون بنحو شرط الفعل فتشترط الجهة أن تملك المبلغ.
٣- أن يكون بنحو شرط الفعل فتشترط الجهة أن يملكها ذلك.
والثمرة بين الثاني والثالث تظهر في أي مكان قيام شخص آخر دون أمر أو توكيل بذلك. والشرط في الثاني مقدور لأنه يعنى الجامع بين فعله وفعل غيره.
стр. 1050
أما الصورة الأولى فلا تصح لأن اشتغال ذمة المقاول بذلك ليس في نفسه من المضامين المعاملية المشروعة.
فإذا قيل نثبت مشروعيته بدليل (المؤمنون عند شروطهم) .
يقال: إنه لا يشرع أصل المضمون في الشرط وإنما هو يتكفل صلاحية لأن تتشابه المضامين التي هي مشروعة في نفسها.
وأما النحوان الآخران فهما معقولان:
وحينئذ فما حكم خطابات الضمان؟
هذه الخطابات يمكن تخريجها على أساس الضمان- كما يقول السيد الصدر. ولا يقصد هنا الضمان بالمعنى المشهور في الفقه الامامي لأنه ينتج نقل ذمة إلى ذمة لا ضم ذمة إلى جانب أخرى والبنك لا يقصد نقل الدين إلى ذمته عند قبوله للكمبيالة أو في حالتنا هذه ولا نقصد ضم ذمة إلى ذمة ليكون باطلًا وإنما نقصد التعهد بأن الدين سيؤدي فهو ضمان الداء.
стр. 1051
ولا يتوهم أنه يرجع إلى ضم ذمة إلى ذمة فإن هذا يعني كون الشخصيتين المدين والضامن مسؤولين عن المبلغ وكلتا المسؤولتين منصبتان على المبلغ المحدد، ولكن في ضمان الأداء ذمة المدين هي المسؤولة والضامن مسؤول عن الأداء وخروج المدين من عهدة مسؤوليته فليس للدائن أن يرجع ابتداء إلى الضامن وإنما يرجع إليه عند امتناع المدين ولما كان الأداء بنفسه ذا قيمة مالية تلفت على الدائن فيصبح مضمونًا على من كان متعهدًا به ونستغل ذمة الضامن حينئذ بقيمة الأداء وهي قيمة الدين وهذا المعنى للضمان صحيح شرعًا بحكم الارتكاز العقلاني أولًا.
وبالتمسك بعموم ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ثانيًا بشرط أن نثبت عقيدته عند العقلاء أي كون إيجاده متوقعًا على التزام الطرفين وتتم معرفة ذلك بملاحظة أنه هل جعلت تحت سلطان شخص واحد أو شخصين.
وهنا قد يدعى الضمان بهذا المعنى ليس عقدًا باعتبار أنه لا يحتاج في قباله إلى التزام أكثر من التزام الضامن وليس فيه تصرفًا في شؤون المضمون له.
ولكن يجاب بأن ملاك العقيدة لا ينحصر بكونه تصرفًا في ذينك الشخصين بل قد يكون تصرفًا في إحداهما ولكنه يبقى تحت سلطان الشخصين كما في الهبة.
ولا يمكن الاستدلال بالروايات التي تبطل الضمان بمعنى نقل الدين من ذمة إلى ذمة ضد هذا الضمان لأنه هنا ضمان أداء.
فلنرجع إذن إلى خطاب الضمان النهائى. وهو يشبه ضمان الدين غاية الأمر التعهد هنا بالقيام بالشرط.
стр. 1052
أما كيف يقتضى استحقاق المطالبة من البنك؟ فهذا يبين بوجهين:
الأول: أن هذا التعهد يجعل أداء الشرط في عهدة البنك على حد كون العين المغصوبة في عهدة الغاصب وإن كان وقوعها في عهدته قهرية ووقوع التعهد في عهدة البنك بسبب العقد وإذا فقدت العين المغصوبة اشتغلت الذمة بالقيمة فإذا تلف أداء الشرط تحولت العهدة الجعلية إلى اشتغال الذمة بقيمة فعل الشرط وهي لازم ذلك.
الثانى: أن يقال أن العهدة الجعلية (المعنى الثالث للضمان) هي عبارة عن تحمل تدارك الشيء بقيمته إذا تلف.
وحينئذ يكون اشتغال الذمة بالقيمة عند التلف هو مدلول هذا التعهد ابتداء.
والفرق أنه على هذا الوجه ليس للمستفيد مطالبة البنك بإقناع المقاول بالأداء وإنما له تغريم البنك وأما على الوجه الأول فله ذلك.
وقد حاول بعض الأعلام إرجاع هذه الخطابات للكفالة ولكنها لا تؤدى إلى رفع القيمة.
ونحن لا داعي لنا في ذلك بعد أن أثبتنا هذا الضمان بالمعنى الثالث وهو بالدقة نظير ضمان الأعيان المغصوبة وهو ما قاله بصحته كثير من الفقهاء (١) فإنها ليست نظير النقل من ذمة إلى ذمة فلا تشتغل الذمة ما دامت العين موجودة وإنما هو تعهد بالأداء وتشتغل الذمة عند التلف.
الإمام يقول في مسألة الكمبيالة: مسالة ٣ ص ٧٤٤ من تحرير الوسيلة بعد ما كان المتعارف في عمل البنوك ونحوها الرجوع إلى بائع الكمبيالة وإلى كل من كان توقيعه عليها لدى عدم أداء دافعها لأجل القوانين الجارية عرفًا وكان هذا أمرًا معهودًا عند جميعهم كان ذلك التزامًا ضمنيًا منهم بعهدة الأداء عند المطالبة وهذا أيضا شرط من ضمن القرار وهو لازم المراعاة نعم مع عدم العلم بذلك وعدم معهوديته لم يكن قرارًا ولم يلزم بشيء.
стр. 1053
ويقول أيضا عن خطاب الضمان ص ٧٤٤: من أعمال البنوك ونحوها الكفالة بأن يتعهد شخص لآخر بالقيام بعمل كبناء قنطرة مثلًا، ويتعهد البنك وغيره للمتعهد له بكفالة الطرف، أي المتعهد، وضمانه بأن يدفع عنه مبلغًا لو فرض عدم قيامه بما تعهد للمتعهد له، ويتقاضى الكفيل ممن يكفله عمولة بإزاء كفالته والظاهر صحة هذه الكفالة الراجعة إلى عهدة الأداء عند عدم قيام المتعهد بما تعهد وجواز أخذ العمولة بإزاء كفالته أو بإزاء أعمال أخرى من تسجيل الكفالة ونحوها إذا كانت الكفالة بإذن المتعهد جاز له الرجوع والسيد الخوئى يدخله في عقد الكفالة:
ويصح عقد الكفالة هذا والبنك يدفع وبما تعهد البنك وضمانه كأن يطلب من المتعهد والمقاول فهو ضامن لما يخسره البنك وللبنك أن يأخذ عمولة على ذلك بنحو الجعالة وكذلك يمكن الإجارة.
стр. 1054
وَثائق مقدمَة للمَجمَع
خطاب الضمان
فضيلة الدكتور رفيق المصري
١- المعلوم فقهيًا أن الأجر (المشروط) على الضمان لا يجوز. غير أن بعض الفقهاء (الحنفية. الحنابلة. الزيدية) أجازوا الربح بالضمان. إذا أجازوا شركة الوجوه ويتخرج على مذهبهم أن وجيها لو أشترك مع آخر (خامل) على الضمان والربح مناصفة، ولم يشتر ولم يبع، جاز لمجرد الضمان.
وهذا مثل المال لا يجوز إقراضه بأجر، لكن يجوز إقراضه بربح. غير أن الذين أجازوا ربح المال هذا هم كل الفقهاء. بخلاف ربح الضمان، فقد أجازه بعضهم فقط كما قدمنا.
أما العمل فيجوز فيه الأجر أو الربح بلا خلاف بين أحد من الفقهاء.
٢- وهذا الأجر المحرم على الضمان لا ريب فيه إذا كان الضمان لا يكلف الضامن أية متاعب أو مشقة أو مالًا أو جهدا أو وقتا، إنما هو فقط ضمان لا يقترن بأية سمة أخرى. حتى أن الفقهاء أجازوا في هذه الحالة للضامن أن يسترد ما أنفق أو أن يأخذ أجر مثله.
стр. 1055
٣- لكن المشاهد أن الضامن لو بقي يقدم طوعا وتبرعا بدون أجر ولا التزام لتعسر على كثير من الناس في أيامنا هذه الحصول عليه، وإن أمكنهم فقد لا يتم لهم ذلك في الوقت المطلوب. أو بالحجم المطلوب. كما أن الناس يتفاوتون في إقدامهم على طلب الضمان، فهناك الفقير، وهناك الغني، وهناك التاجر الذي يحتاج إلى عدد غير قليل من الكفالات لتسهيل أعماله في الوقت المطلوب. وبالحجم المنشود، دون عناء، ولا طلب إحسان أو معروف.
٤- فيا ترى لو قامت خدمة منظمة لهذا الضمان، قام أناس متفرغون لها، فتكبدوا الجهود والأموال والأوقات في سبيل إدارتها وتنظيمها، ولم تكن لهم موارد اخرى للعيش، فهل يمكنهم أن يأخذوا من الأجور ما يسمح لهم باسترداد ما أنفقوه. وزيادة ربح يليق بعملهم وعمل أمثالهم؟
علمًا بأن هذا الأجر ليس أجرا على الضمان، لأن ذلك حرام شرعًا. إنما هو أجر يتقاضاه الضامن من المستفيد، لقاء أعمال تنظيم هذا الضمان وإدارته بما يليق بمستوى العصر، ,بما يلبى حاجات الناس والتجار المتزايدة إليه، وربما يكفل لصاحبه الاستمرار في حرفته، في ظل المنافسات الداخلية والخارجية، القائمة على استخدام أحدث الأساليب الفنية والتنظيمية، وأحدث الأدوات والآلات لتوفير متطلبات الدقة والسرعة المطلوبتين في عالمنا المتطور بسرعة مذهلة.
٥- وقد سبق لفقائهنا أن أجازوا مثل ذلك الأجر للإمام والخطيب والمؤذن والشاهد والمعلم إذا احترفوا ذلك، ولم تكن لهم موارد أخرى يعيشون منها، ولم يقم بها أحد تبرعا وتطوعا، فإذا ما أخذوا عليها أجرا أو رزقا توجب عليهم القيام بها، فصارت واجبا ووظيفة، بعد أن كانت ندبا واستحبابا، وصارت فرض عين بعد أن كانت فرض كفاية.
٦- وبعبارة أخرى، ترى هل من فرق في الحكم الشرعى على القربات بينما إذا كانت موضع اكتساب مدنى عارض، أو موضع احتراف تجاري منظم؟
لو اتفقت مع حمال أن يحمل لك متاعك إلى السيارة بمبلغ معين، فأمر هذا الحمال حمالا آخر. صبيا مثلا، أن يقوم بهذه المهمة بنصف المبلغ، واقتطع النصف الآخر لنفسه، ألا ترى أنك تجد في نفسك، حيث لا ترى أن هذا "المعلم" قدم مالا ولا عملا حتى يستحق هذا الربح ويطيب له؟
لكن لو أتخذ هذا المعلم دكانًا. واستأجر عقارًا، وجمع عنده الأجراء، أو أسس شركة صنائع، أو اشترى العدد والآلات للقيام بعمله، فزادت بذلك مخاطرته، ووضح نشاطه الأداري والتنظيمي والإشرافي، ألا تشعر بأنك تسخو له بهذا الفرق وأكثر منه؟ بل إنك لا تعود تحس بهذا الفرق أبدًا، لأنه لا يأخذ منك ليعطي آخر بهذه الصورة البدائية التي يكسب فيها على الفور وعلى المضمون وبلا مخاطر معتبرة ولا عمل محترم ولا مال مقدم.