ولا يتوهم أنه يرجع إلى ضم ذمة إلى ذمة فإن هذا يعني كون الشخصيتين المدين والضامن مسؤولين عن المبلغ وكلتا المسؤولتين منصبتان على المبلغ المحدد، ولكن في ضمان الأداء ذمة المدين هي المسؤولة والضامن مسؤول عن الأداء وخروج المدين من عهدة مسؤوليته فليس للدائن أن يرجع ابتداء إلى الضامن وإنما يرجع إليه عند امتناع المدين ولما كان الأداء بنفسه ذا قيمة مالية تلفت على الدائن فيصبح مضمونًا على من كان متعهدًا به ونستغل ذمة الضامن حينئذ بقيمة الأداء وهي قيمة الدين وهذا المعنى للضمان صحيح شرعًا بحكم الارتكاز العقلاني أولًا.
وبالتمسك بعموم ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ثانيًا بشرط أن نثبت عقيدته عند العقلاء أي كون إيجاده متوقعًا على التزام الطرفين وتتم معرفة ذلك بملاحظة أنه هل جعلت تحت سلطان شخص واحد أو شخصين.
وهنا قد يدعى الضمان بهذا المعنى ليس عقدًا باعتبار أنه لا يحتاج في قباله إلى التزام أكثر من التزام الضامن وليس فيه تصرفًا في شؤون المضمون له.
ولكن يجاب بأن ملاك العقيدة لا ينحصر بكونه تصرفًا في ذينك الشخصين بل قد يكون تصرفًا في إحداهما ولكنه يبقى تحت سلطان الشخصين كما في الهبة.
ولا يمكن الاستدلال بالروايات التي تبطل الضمان بمعنى نقل الدين من ذمة إلى ذمة ضد هذا الضمان لأنه هنا ضمان أداء.
فلنرجع إذن إلى خطاب الضمان النهائى. وهو يشبه ضمان الدين غاية الأمر التعهد هنا بالقيام بالشرط.
стр. 1052
أما كيف يقتضى استحقاق المطالبة من البنك؟ فهذا يبين بوجهين:
الأول: أن هذا التعهد يجعل أداء الشرط في عهدة البنك على حد كون العين المغصوبة في عهدة الغاصب وإن كان وقوعها في عهدته قهرية ووقوع التعهد في عهدة البنك بسبب العقد وإذا فقدت العين المغصوبة اشتغلت الذمة بالقيمة فإذا تلف أداء الشرط تحولت العهدة الجعلية إلى اشتغال الذمة بقيمة فعل الشرط وهي لازم ذلك.
الثانى: أن يقال أن العهدة الجعلية (المعنى الثالث للضمان) هي عبارة عن تحمل تدارك الشيء بقيمته إذا تلف.
وحينئذ يكون اشتغال الذمة بالقيمة عند التلف هو مدلول هذا التعهد ابتداء.
والفرق أنه على هذا الوجه ليس للمستفيد مطالبة البنك بإقناع المقاول بالأداء وإنما له تغريم البنك وأما على الوجه الأول فله ذلك.
وقد حاول بعض الأعلام إرجاع هذه الخطابات للكفالة ولكنها لا تؤدى إلى رفع القيمة.
ونحن لا داعي لنا في ذلك بعد أن أثبتنا هذا الضمان بالمعنى الثالث وهو بالدقة نظير ضمان الأعيان المغصوبة وهو ما قاله بصحته كثير من الفقهاء (١) فإنها ليست نظير النقل من ذمة إلى ذمة فلا تشتغل الذمة ما دامت العين موجودة وإنما هو تعهد بالأداء وتشتغل الذمة عند التلف.
الإمام يقول في مسألة الكمبيالة: مسالة ٣ ص ٧٤٤ من تحرير الوسيلة بعد ما كان المتعارف في عمل البنوك ونحوها الرجوع إلى بائع الكمبيالة وإلى كل من كان توقيعه عليها لدى عدم أداء دافعها لأجل القوانين الجارية عرفًا وكان هذا أمرًا معهودًا عند جميعهم كان ذلك التزامًا ضمنيًا منهم بعهدة الأداء عند المطالبة وهذا أيضا شرط من ضمن القرار وهو لازم المراعاة نعم مع عدم العلم بذلك وعدم معهوديته لم يكن قرارًا ولم يلزم بشيء.
стр. 1053
ويقول أيضا عن خطاب الضمان ص ٧٤٤: من أعمال البنوك ونحوها الكفالة بأن يتعهد شخص لآخر بالقيام بعمل كبناء قنطرة مثلًا، ويتعهد البنك وغيره للمتعهد له بكفالة الطرف، أي المتعهد، وضمانه بأن يدفع عنه مبلغًا لو فرض عدم قيامه بما تعهد للمتعهد له، ويتقاضى الكفيل ممن يكفله عمولة بإزاء كفالته والظاهر صحة هذه الكفالة الراجعة إلى عهدة الأداء عند عدم قيام المتعهد بما تعهد وجواز أخذ العمولة بإزاء كفالته أو بإزاء أعمال أخرى من تسجيل الكفالة ونحوها إذا كانت الكفالة بإذن المتعهد جاز له الرجوع والسيد الخوئى يدخله في عقد الكفالة:
ويصح عقد الكفالة هذا والبنك يدفع وبما تعهد البنك وضمانه كأن يطلب من المتعهد والمقاول فهو ضامن لما يخسره البنك وللبنك أن يأخذ عمولة على ذلك بنحو الجعالة وكذلك يمكن الإجارة.
стр. 1054
وَثائق مقدمَة للمَجمَع
خطاب الضمان
فضيلة الدكتور رفيق المصري
١- المعلوم فقهيًا أن الأجر (المشروط) على الضمان لا يجوز. غير أن بعض الفقهاء (الحنفية. الحنابلة. الزيدية) أجازوا الربح بالضمان. إذا أجازوا شركة الوجوه ويتخرج على مذهبهم أن وجيها لو أشترك مع آخر (خامل) على الضمان والربح مناصفة، ولم يشتر ولم يبع، جاز لمجرد الضمان.
وهذا مثل المال لا يجوز إقراضه بأجر، لكن يجوز إقراضه بربح. غير أن الذين أجازوا ربح المال هذا هم كل الفقهاء. بخلاف ربح الضمان، فقد أجازه بعضهم فقط كما قدمنا.
أما العمل فيجوز فيه الأجر أو الربح بلا خلاف بين أحد من الفقهاء.
٢- وهذا الأجر المحرم على الضمان لا ريب فيه إذا كان الضمان لا يكلف الضامن أية متاعب أو مشقة أو مالًا أو جهدا أو وقتا، إنما هو فقط ضمان لا يقترن بأية سمة أخرى. حتى أن الفقهاء أجازوا في هذه الحالة للضامن أن يسترد ما أنفق أو أن يأخذ أجر مثله.
стр. 1055
٣- لكن المشاهد أن الضامن لو بقي يقدم طوعا وتبرعا بدون أجر ولا التزام لتعسر على كثير من الناس في أيامنا هذه الحصول عليه، وإن أمكنهم فقد لا يتم لهم ذلك في الوقت المطلوب. أو بالحجم المطلوب. كما أن الناس يتفاوتون في إقدامهم على طلب الضمان، فهناك الفقير، وهناك الغني، وهناك التاجر الذي يحتاج إلى عدد غير قليل من الكفالات لتسهيل أعماله في الوقت المطلوب. وبالحجم المنشود، دون عناء، ولا طلب إحسان أو معروف.
٤- فيا ترى لو قامت خدمة منظمة لهذا الضمان، قام أناس متفرغون لها، فتكبدوا الجهود والأموال والأوقات في سبيل إدارتها وتنظيمها، ولم تكن لهم موارد اخرى للعيش، فهل يمكنهم أن يأخذوا من الأجور ما يسمح لهم باسترداد ما أنفقوه. وزيادة ربح يليق بعملهم وعمل أمثالهم؟
علمًا بأن هذا الأجر ليس أجرا على الضمان، لأن ذلك حرام شرعًا. إنما هو أجر يتقاضاه الضامن من المستفيد، لقاء أعمال تنظيم هذا الضمان وإدارته بما يليق بمستوى العصر، ,بما يلبى حاجات الناس والتجار المتزايدة إليه، وربما يكفل لصاحبه الاستمرار في حرفته، في ظل المنافسات الداخلية والخارجية، القائمة على استخدام أحدث الأساليب الفنية والتنظيمية، وأحدث الأدوات والآلات لتوفير متطلبات الدقة والسرعة المطلوبتين في عالمنا المتطور بسرعة مذهلة.
٥- وقد سبق لفقائهنا أن أجازوا مثل ذلك الأجر للإمام والخطيب والمؤذن والشاهد والمعلم إذا احترفوا ذلك، ولم تكن لهم موارد أخرى يعيشون منها، ولم يقم بها أحد تبرعا وتطوعا، فإذا ما أخذوا عليها أجرا أو رزقا توجب عليهم القيام بها، فصارت واجبا ووظيفة، بعد أن كانت ندبا واستحبابا، وصارت فرض عين بعد أن كانت فرض كفاية.
٦- وبعبارة أخرى، ترى هل من فرق في الحكم الشرعى على القربات بينما إذا كانت موضع اكتساب مدنى عارض، أو موضع احتراف تجاري منظم؟
لو اتفقت مع حمال أن يحمل لك متاعك إلى السيارة بمبلغ معين، فأمر هذا الحمال حمالا آخر. صبيا مثلا، أن يقوم بهذه المهمة بنصف المبلغ، واقتطع النصف الآخر لنفسه، ألا ترى أنك تجد في نفسك، حيث لا ترى أن هذا "المعلم" قدم مالا ولا عملا حتى يستحق هذا الربح ويطيب له؟
لكن لو أتخذ هذا المعلم دكانًا. واستأجر عقارًا، وجمع عنده الأجراء، أو أسس شركة صنائع، أو اشترى العدد والآلات للقيام بعمله، فزادت بذلك مخاطرته، ووضح نشاطه الأداري والتنظيمي والإشرافي، ألا تشعر بأنك تسخو له بهذا الفرق وأكثر منه؟ بل إنك لا تعود تحس بهذا الفرق أبدًا، لأنه لا يأخذ منك ليعطي آخر بهذه الصورة البدائية التي يكسب فيها على الفور وعلى المضمون وبلا مخاطر معتبرة ولا عمل محترم ولا مال مقدم.
стр. 1056
كذلك لو أعطاه فأسا للإحتطاب، أو شبكة للإصطياد، لقلنا: أن الحطب للمحتطب، والصيد للصائد، ولصاحب الفأس أو الشبكة أجر أداته، لكن لو قامت مؤسسة منظمة لهذا العمل، لها رأس مالها ومديروها وعمالها وآلاتها، هل يمكن أن نستمر فنقول: أن الصيد للصائد (المباشر) . وإن الحطب للحاطب. وأن النفط للعامل؟ أم هو لرب العمل، وللعامل أجره؟
كذلك الأمر في عقد الاستصناع الذي أجاز فيه الحنفية، بالمقارنة مع السلم، عدم تحديد أجل المبيع، وعدم تعجيل الثمن (انظر على سبيل المثال المادة ٣٨٩ و ٣٩١ من مجلة الأحكام العدلية) ، بل عدم تحديد الثمن (انظر شرح المجلة لعلى حيدر ١/٣٩٥) .
ألا ترى أنهم لم يجيزوه إلا فيما جرى عليه العرف والتعامل، نعم إنهم لم يجيزواالاستصناع إلا بعد عموم الحاجة إليه واحترافه في بعض البلدان، في بعض السلع المصنوعة.
هذا والمجلة تعتبر تقنينا، أخرج الفقه من حيز النظرية والالتزام الفردى إلى حيز التطبيق والالتزام العام، إذ ليس كل فقه نظرى يكون قابلًا للعمل به.
هل يعنى هذا أن الاحتراف المنظم قد يغير الحكم أحيانًا عما لو بقى الأمر في حدود الاكتساب البدائي، لأن أهله قد انتقلوا إلى أهل الخبرة والبصيرة بتقديم خدمات تجارية منتجة ومفيدة، لمجتمع تطلبها وتعارف عليها؟
٧- لعل هذا التخريج للضمان يكون أفضل مما ذهب إليه البعض من تجويز أجر الضمان المصرفي من طريق الوكالة التي يضمنها هذا الضمان، أو من طريق القول بجواز ثمن الجاه أو أجره.
٨- وهذا لا يعفي طبعا من قيام الأفراد من تلقاء أنفسهم ببذل خدمات الكفالة لمن يحتاج إليها من أقربائهم أو جيرانهم أو أصدقائهم أو إخوانهم، في حدود الطاقة، كما لا يمنع من قيام تنظيمات خيرية أو تعاونية (بلا أرباح) أو حكومية (ضمن قطاع المرافق العامة) تنافس تلك التنظيمات التجارية، وتؤدى خدماتها لمن يلجأ إليها (مع ملاحظة اختلاف درجة الكفاءة بين التجاري والحكومي والتعاوني والخيري) ، حتى إذا ما أثبتت كفاءتها وجدراتها وقدرتها على إشباع حاجات الناس، أمكن لها أن تحل بالتدريج محل الأولى، في تلبية هذه الحاجات والمصالح. والله أعلم بالصواب.
стр. 1057
خطاب الضمَان
فضيلة الدكتور سَامى حَمّود
١- الوضع القانونى بشكل عام:
يعرف القانون المدنى الكفالة بأنها: "عقد بمقتضاه يكفل شخص تنفيذ التزام، بأن يتعهد الدائن بأن يفى بهذا الالتزام إذا لم يف به المدين " (مادة ٧٧٢ من القانون المدنى المصرى) . أما خطاب الضمان فهو: "تعهد نهائى يصدر من البنك بناء على طلب عميله بدفع مبلغ نقدى معين، أو قابل للتعيين بمجرد أن يطلب المستفيد ذلك من البنك خلال مدة محددة".
ويتبين من المقارنة بين كل من الكفالة وخطاب الضمان المصرفي أن الغاية في الحالين –بالنسبة لكل منهما- هي غاية تأمينية هدفها مساعدة العميل في تقوية مركزه الأتمانى تجاه المكفول له أو الشخص المستفيد في خطاب الضمان.
وخطاب الضمان المصرفي –في حقيقته العملية- صورة من صور الكفالة بوجه عام. ولكنها صورة متحررة من أسر التعريف القانونى، خاصة فيما يتعلق بالتزام المصرف الذي أصدر خطاب الضمان تجاه المستفيد منه. باعتبار أن العلاقة بين المصرف والمستفيد علاقة محكومة بخطاب الضمان وحده من ناحية. كما أن هذه العلاقة تعتبر مستقلة تماما عن العلاقة القائمة بين الآمر (طالب إصدار خطاب الضمان) والمستفيد.
стр. 1058
وهذا هو أهم ما يبعد خطاب الضمان المصرفي عن "الكفالة التي ينظمها القانون المدني والتي يعتبر فيها التزام الكفيل تابعا لالتزام المدين المكفول من حيث صحته وبطلانه، لأن البنك يلتزم دائمًا بالخطاب أن يدفع أيا كان مركز المضمون وأيا كان مصير العقد بين البنك وعميلة ومصير العلاقة بين العميل والمستفيد من الخطاب.
والواقع أن خطاب الضمان المصرفي هو البديل المقبول في العمل للتأمين النقدى فبدلًا من قيام المتعاقد أو الملتزم مع الجهة الحكومية مثلا بدفع المبلغ نقدًا كتأمين للوفاء بالتزامه، فإنه يقدم خطاب ضمان مصرفي بالقيمة المطلوبة، فيكسب بذلك عدم تجميد مبلغ التأمين من ناحيته، ويطمئن الجهة ذات العلاقة إلى أنها قادرة على الحصول على المبلغ المطلوب في أي وقت تشاء خلال مدة سريان الخطاب الصادر لها من المصرف.
ولخطاب الضمان المصرفي استعمالًا ومجالات متعددة منها: حالة تقديم الخطاب كتأمين لدخول المناقصات أو المزايدات الحكومية وما يتشابه معها، وكذلك تقديمه كتأمين لحسن تنفيذ العطاء بعد الإحالة النهائية، كما يمكن تقديم الخطاب للدوائر الجمركية والضرائبية تأمينًا لما هو مستحق أو ما قد يتحقق في بعض الحالات من رسوم أو ضرائب. ويستعمل الخطاب أيضا لتقديمه كوثيقة يمكن بموجبها استلام البضائع المشحونة في ميناء الوصول مما قد تكون السفينة الشاحنة قد بلغته قبل ورود المستندات الممثلة لتلك البضائع.
стр. 1059
وأما العلاقة التي توجد في خطاب الضمان المصرفي فإنها تتمثل في ثلاث علاقات متجاورة جنبا إلى جنب هي: " علاقة العميل الآمر بالمستفيد،.. وعلاقة العميل الآمر بالبنك ... وعلاقة البنك بالمستفيد ..."
ويحكم علاقة الآمر بالمستفيد، العقد أو الالتزام القائم بينهما والتي من أجلها قدم خطاب الضمان. أما علاقة المستفيد بالمصرف، فيحكمها التعهد غير المعلق على أي شرط من جانب الأخير إلا في حدود ما هو مبين في الخطاب من حيث الغاية التي قدم من أجلها. وأما علاقة الآمر بالمصرف فيحكمها العقد أو الطلب الذي يقدمه العميل الآمر إلى المصرف لإصدار الخطاب على أساسه.
وإن ما يهمنا من هذه العلاقات الثلاث هي العلاقة الخاصة بالعميل الآمر والمصرف لأنها هي التي يدور عليها الكلام بالنسبة لما نبحث فيه.
وهذه العلاقة تبدأ من الآمر بالطلب الذي يتقدم فيه إلى المصرف المعين لإصدار خطاب ضمان بالشروط التي يحددها بحسب الغاية المعينة وعلى أن يكون ذلك –بطبيعة الحال- غير قابل للنقص من جهة الآمر. وإذا كان الأمر كذلك، فإن أقرب تكييف قانوني يمكن أن ينطبق عليه هذا الوضع هو علاقة الوكيل بموكله. وإن منع الموكل (الذي هو الآمر) من الرجوع فما وكل به، إنما يبنى على أساس تعلق حق الغير (الذي هو المستفيد) بما ورد في الخطاب ويؤيد ذلك أمران:
الأول- هو أن الأمر إذا عدل عن طلب الخطاب قبل إصداره، أو بعد إصداره ولكن قبل تسليمه للمستفيد منه. فإنه يجاب إلى طلبه طالما لم يتعلق حق المستفيد بالخطاب.
стр. 1060
الثانى- أن قيام المصرف بدفع المعين في خطاب الضمان لا يعتبر أكثر من مجرد دفع مبلغ من المال- بناء على طلب الآمر ولحسابه- وهذا المبلغ المدفوع قابل للمحاسبة عليه بين الآمر والمستفيد وديا أو قضائيا، إذا لم يكن للمستفيد حق فيه- كله أو بعضه.
هذا هو الوضع الحقيقى للخطاب من ناحية كونه قد أخذه المستفيد بدلا من التأمين النقدى الذي كان بوسعه أن يصر على الاحتفاظ به ليخصم منه ما قد يترتب له تجاه الآمر (في خطاب الضمان) من حقوق بحكم العلاقة بين الطرفين.
وتكييف العلاقة بين الآمر والمصرف مصدر الخطاب على أساس الوكالة، لا يتنافي مع حق الأخير في الرجوع على الآمر بما دفع، وذلك لأن الوكيل يرجع على موكله بما دفع عنه طبقا للقواعد العامة، باعتبار الموكل ملزما بأن يرد للوكيل ما أنفقه في تنفيذ الوكالة التنفيذ المعتاد (المواد ٧١٠- ٧١١ مدنى) .
فما هو موقف الفقه الإسلامي من هذه المعاملة الجديدة في ضوء ذلك التكييف؟
٢- تكييف المسألة في ضوء الفقه الإسلامي
بحث الفقهاء الكفالة، وفرقوا بين أنواعها حسب الموضوع الذي تتعلق به، من كفالة بالمال وكفالة بالنفس. وميزوا في الكفالة بالمال بين الكفالة التي يكون موضوعها الالتزام بأداء دين أو الالتزام بتسليم عين أو ضمان خلوص المال المباع من كل حق فيه للغير، وهي ما تعرف بكفالة الدرك (بفتح الدال والراء) .
ويبدو للنظرة الأولى، أن معظم الحالات التي يتسعمل فيها خطاب الضمان المصرفي تعتبر في الغالب من نوع كفالة الدين، وذلك باستثناء الخطاب الذي يقدم للشاحنين أو وكلائهم –بالنسبة لحالة تأخر وصول المستندات الممثلة للبضاعة- حيث يكون موضوع خطاب الضمان في هذه الحالة هو من نوع الالتزام بتسليم عين (هي بوالص الشحن) أو من نوع ضمان الدرك من حيث إنه يتضمن أيضا مسؤولية ما قد ينتج عن تسليم البضاعة إذا تبين أن الحق فيها يعود لشخص أخر غير المتسلم.
стр. 1061
والكفالة في نظر الفقه الإسلامي هي: " ضم ذمة إلى ذمة"، إلا أن هناك خلافا في اعتبار هذا الضم من حيث كونه يقتصر على المطالبة فقط أم أن الضم يشمل الدين أيضًا.
فقد قال صاحب الهداية في ذلك: (.... قيل هي ضم الذمة إلى الذمة في المطالبة، وقيل في الدين والأول أصح....) . وجاء في شرح فتح القدير كتعقيب على ما قاله صاحب الهداية: (... فلا يثبت الدين في ذمة الكفيل، خلافا للشافعي ومالك وأحمد في رواية ...) ثم قال بعد استعراض الآراء مقررا (... ولكن المختار ما ذكرنا أنه في مجرد المطالبة لا الدين، لأن اعتباره في الذمتين –وإن أمكن شرعًا- لا يجب الحكم بوقوع كل ممكن إلا بموجب ولا موجب، لأن التوثيق يحصل بالمطالبة..".
وبمقارنة هذه النقطة بالنسبة لاعتبار الكفالة (ضم ذمة إلى ذمة في المطالبة لأجل حصول التوثيق بذلك) بما هو الحال عليه في الغاية المقصودة من خطاب الضمان، فإنه يبدو جليا أن ما أوضحه صاحب فتح القدير هو الأقرب لمقصود خطاب الضمان وحقيقته.
стр. 1062
وهناك نقطة أخرى يتوافق فيها الرأي الفقهي مع الوضع القائم بالنسبة لعلاقة المصرف مصدر الخطاب بالمستفيد من حيث اعتبار التزام المصرف قائمًا بالإيجاب وحده من جانب الأخير ودون حصول القبول من جانب المستفيد. ويتمثل ذلك فيما نقله الشلبي في حاشية تبيين الحقائق بقوله:
(.... ولم يجعل أبو يوسف في قوله الأخير القبول ركنا، فجعل الكفالة تتم بالكفيل وحده في الكفالة بالنفس والمال، وهو قول مالك وأحمد وقول للشافعي، واختلفوا على قول أبي يوسف، فقيل أن الكفالة تصح من الواحد وحده موقوفا على إجازة الطالب أو تصح نافذا وللطالب حق الرد ....) .
أما مسألة رجوع الكفيل على المكفول عنه فإنه من المقرر أن الكفالة إذا كانت بأمر الأخير، فإن للكفيل الحق بالرجوع عليه، حتى أن بعض الآراء قررت هذا الحق في الرجوع بدلالة العادة والمعاملة الجارية بين الطرفين.
قال السرخسى في المبسوط (... وإذا قال رجل لآخر: اضمن لفلان ألف درهم التي له علىَّ، أو قال أحلت لفلان عليك ألف درهم له علىَّ، أو قال: اضمن لفلان ألف درهم على أنها لك علىّ، أو قال: على أنى ضامن لها، أو قال على أنى كفيل بها، أو قال: على أن أؤديها إليك، أو قال على أن أؤديها عنه، فضمن، فهو جائز ويرجع به الكفيل على الأمر إذا أداه، لأن في كلام الآمر تصريحا بوجوب المال عليه للطالب، فيكون هذا أمرا منه للمأمور في ذمته مما يؤديه من ماله أو التزاما له ضمان ما يؤديه إلى الطالب، وذلك يثبت حق الرجوع له عليه إذا أدى..) .
стр. 1063
وأورد صاحب البحر الزخار –بالنسبة للرجوع بدلالة العادة –ما نصه:
(.. أن قال: اضمن عنى، أو ادفع عنى رجع، وإلا فلا. إلا حيث يكون بينهما معاملة متكررة أو قرابة فيرجع استحسانا لا قياسا ...) .
أما بالنسبة لتوقيت الكفالة فقد قال السمرقندي في تحفة الفقهاء: (... ولا خلاف في جواز الكفالة إلى أجل معلوم من الشهر والسنة ونحوها..)
كما أشار ابن جزى لمسألة الضمان قبل وجوب الحق أو بعد وجوبه فقال: (.. ويجوز الضمان بعد وجوب الحق اتفاقا وقبل وجوبه، خلافا لشريح القاضى وسحنون والشافعي) .
ويتبين من هذه الباقة من الآراء المختارة –اختصارا- من مذاهب الفقه الإسلامي المختلفة، أن خطاب الضمان المصرفي بعلاقاته المتعددة وغاياته المختلفة يستطيع أن يجد له مكانا في إطار الفقه الإسلامي الخصيب.
وإن تكييف خطاب الضمان المصرفي على أنه وكالة لا يبدو متباينا مع نظرة الفقه الإسلامي للموضع في نطاق الكفالة بالأمر التي يرجع فيها الكفيل بما يدفع على من أمره بذلك تمام كما يرجع الوكيل، لأن الكفالة بالأمر ما هي إلا وكالة بالأداء.
وهذا التكييف على أساس الوكالة هو الذي يمكن أن يفتح المجال للقول باستحقاق المصرف الأجر على قيامه بما وكل به، حيث أن الوكالة يمكن أن تكون بأجر فتأخذ أحكام الإجارة، وذلك على عكس ما لو بقيت كفالة بمعنى الضمان، حيث لا توجد آراء فقهية تؤيد حق الضامن بأخذ الأجر، إلا ما قال به الإمامية من جواز أخذ الأجر فيها على أساس الجعالة.
стр. 1064
ثانيًا: القبول المصرفي:
١- الوصف والتعريف:
يعتبر القبول المصرفي صورة أخرى من صور اقراض الثقة التي تقوم بها المصارف –في معرض التوسط – بين العميل وطرف آخر.
وكان منشأ هذا النوع من العمل المصرفي في انجلترا، وبقي على صيغته الإقليمية، حيث وجدت بيوت مالية متخصصة للقيام بهذا النوع من العمليات تسمى بيوت القبول. وقد أخذت هذه العملية إطارها التنظيمي في عهد سيطرة انجلترا على التجارة العالمية وما رافق ذلك من ذيوع شهرة التجار الإنجليز الكبار. فكان من نتيجة ذلك أن أخذ صغار التجار يلجأون لذوي الأسماء الشهيرة لكى يستفيد الأولون من وجود الاسم المعروف على السند المحرر منهم لصالح المصدر الخارجي. وهكذا أصبح هؤلاء التجار من ذوي الأسماء اللامعة يقومون بأعمال القبول هذه لقاء عمولة معينة، ثم تطور عملهم إلى مهنة مخصصة لمنح ما يعرف باعتمادات القبول.
стр. 1065
وتقوم بهذا النوع من العمل في انجلترا –بصفة رئيسية- المصارف المعروفة باسم مصارف التجار (MERCHANT BANKS) . والتي يقوم عملها الأساسي على تمويل التجارة الخارجية عن طريق قبول السحوبات التجارية لصالح عملائها.
فالقبول المصرفي – اذن – هو عبارة عن قيام البنك بدور المسحوب عليه، (فيقبل بهذه الصفة الكمبيالة التي يسحبها عليه عميلة أو الطرف الآخر الذي يتعامل مع العميل) .
والغاية من هذا التوقيع بالقبول هي إعطاء الكمبيالة المقبولة من المصرف قوة ائتمانية تجعل من السهل تداولها أو خصمها لدى بنك آخر. ومتى قام المصرف القابل بدفع قيمة الكمبيالة المقبولة منه فإنه يقيد قيمتها في الجانب المدين من حساب العميل لديه حيث يرجع عليه بما أدى عنه من قيمة الاعتماد.
٢- تكييف العلاقة:
ويتبين من هذا أن دور المصرف في القبول هو القيام بدور الوسيط، وهو ينفذ هذا الدور بناء على طلب المعتمد له (عميل المصرف القابل) ولصالح هذا العميل وعلى مسؤوليته. ولذا فإن أقرب تكييف ممكن التطبيق على هذه العملية هو أنها توكيل مأمور به لقبول الكمبيالة المسحوبة نيابة عن العميل ذي العلاقة وعلى مسؤليته وبذلك يكون القبول المصرفي متشابها مع حالة خطاب الضمان بالنسبة لعلاقة العميل بالمصرف.
стр. 1066
ثالثًا: الاعتماد المستندي:
١- دوره وتعريفه:
يمثل الاعتماد المستند الوسيلة الحديثة للتعامل التجاري الدولي التي يمكن عن طريقها حفظ مصلحة كل من المستورد والمصدر، على حد سواء. وقد ساعدت المصارف – بحكم علاقاتها الدولية وفروعها المنتشرة في مختلف البلاد – على ترسيخ قواعد التعامل العالمي بهذا الأسلوب الذي بات ميسرا وشبه مستقر من الناحية العرفية على الأقل، حيث لا يوجد للاعتماد المستندي تنظيم تشريعي إلا القواعد التي وضعتها غرفة التجارة الدولية، والتي يجري التعامل على أساسها بالنص عليها في كتب فتح الاعتمادات المستندية المتبادلة بين المصارف.
ويعرف الاعتماد المستندى –بحسب ما اختاره الأستاذ الدكتور على جمال الدين كما هو وارد في المادة (١) من المشروع الفرنسى –بأنه: (الاعتماد الذي يفتحه البنك بناء على طلب شخص يسمى الآمر، أيا كانت طريقة تنفيذه –أي سواء كان بقبول الكمبيالة أو بالوفاء- لصالح عميل لهذا الآمر، ومضمون بحيازة المستندات الممثلة لبضاعة في الطريق أو معدة للإرسال) .
وقيل في تعريف الاعتماد المستندى أيضا بأنه: (تعهد يلتزم فيه المصرف بالوفاء (أو بالقبول) بالنسبة للسحوبات التي يقدمها المستفيد في الاعتماد المستندي طبقا للشروط الواردة فيه) .
وإن ما يكشف عنه هذان التعريفان أو ما يشابههما من هذه الناحية، هو أن الاعتماد المستندى يمثل حلقة وصل مثلثة العلاقات، يقوم فيها المصرف بدور الوسيط الموثوق منفذا تعليمات عميله، وملتزما – عن طريق المصرف المراسل- تجاه المستفيد الذي يكون أيضا له علاقة بفاتح الاعتماد من البداية، وإن كانت علاقتهما خارجة عن نطاق دور المصرف في الاعتماد المفتوح بواسطته.
وما يهمنا بحثه من هذه العلاقات الثلاث هو التكييف القانوني لعلاقة فاتح الاعتماد بمصرفه على نحو ما سرنا عليه فيما سبق من أعمال من هذا القبيل في هذا النوع.
стр. 1067
٢- تكييف العلاقة:
طرح القانونيون – وهم بصدد البحث عن طبيعة عقد الاعتماد المستندي – عدة نظريات حاولوا تطبيقها على الاعتماد المستندي، فكانت النتيجة ظهور عجز كل نظرية عن الإحاطة بمفردها بجوانب العلاقات المتشعبة في هذا التعاقد الفريد.
فقيل بأن العقد يقوم على نظرية الوكالة، وقيل بل الاشتراط لمصلحة الغير. وذهبت بعض القرارات القضائية إلى تفسير الاعتماد المستندي بنظرية الكفالة. كما اقترح أيضا تفسير العملية وفقا لفكرة الإنابة أو تقابل الإرادات بطريق التوسط أو فكرة الإرادة المنفردة.
ويلاحظ أن سبب القصور في كل نظرية أو فكرة من الأفكار المطروحة إنما يكمن في محاولة جعل هذه النظرية أو تلك صالحة للتوفيق بين العلاقات المختلفة التي تتلاقى في العلاقات مختلفة الهوية والألوان والغايات.
فالاعتماد المستندي يأخذ من كل نظرية بطرف، فهو –كما يقول الأستاذ الدكتور رزق الله أنطاكي – في بيان ذلك:
(أ) يأخذ من الوكالة مبدأ التزام الموكل –طلب الاعتماد – بتسديد ما دفعه الوكيل، المصرف، بناء على طلبه، مع العمولة المتفق عليها.
стр. 1068
(ب) ويأخذ من الاشتراط لمصلحة الغير، نشوء الحق المباشر لصالح المستفيد من تاريخ الاتفاق الجاري بين طالب الاعتماد والمصرف.
(ج) ويأخذ من الإنابة عدم الاحتجاج بالدفوع التي كان يتمتع بها المناب لديه تجاه المنيب.
(د) وهو يأخذ أخيرًا من نظرية الالتزام المجرد استقلال التزام المصرف عن عقد البيع الذي كان سببا له.
وإن ما يهمنا من ذلك كله هو الجانب الذي يصلح لتكييف علاقة فاتح الاعتماد مع مصرفه –باعتبار أن هذه العلاقة هي مدار الكلام المتعلق بالبحث – ومن الواضح أن أقرب النظريات والأفكار المطروحة لحكم هذه العلاقة هي نظرية الوكالة.
فالمصرف بالنسبة لفاتح الاعتماد هو كالوكيل بالنسبة لموكله –فيما يقوم به ويرجع فيه، وإن كانت هذه الوكالة –نظرا لتعلقها بحق الغير (وهو المستفيد) تصبح غير قابلة للنقض إلا بموافقة المستفيد.
وهكذا يتبين أن نظرية الوكالة تصلح –في حدود علاقة العميل بالمصرف- أن تكون حاكمة للعلاقة القائمة بين الطرفين، سواء في خطاب الضمان أو القبول أو الاعتماد المستندي، وأن المصرف – بتقاضيه الأجر على ما يقوم به – إنما هو في حكم الأجير.
ولكن ما سنبينه عند الكلام عن الربا في عوائد الإقراض المصرفي العرضى في المطلب التالى.
стр. 1069
جواز أخذ الأجر أو العمولة
في مقابل خطاب الضمان
لفضيلة الشيخ / أحمد على عبد الله
أيا كان تكييف خطاب الضمان فلا اختلاف بين المعاصرين في جواز أخذ العمولة على إصدار خطابات الضمان باعتبارها خدمة من الخدمات المصرفية التي يؤديها البنك – كما يؤدى غيرها – ويأخذ في مقابلها أجرا مسمى. وليس في هذه المسألة خلاف، بل هي من البداهة بحيث لا تحتاج إلى بحث.
الأجر على الضمان نفسه:
أما جواز أخذ قدر زائد من الأجر على مصروفات الضمان الأصلية أي أجر في مقابل تقديم الضمان كخدمة من قبل الضامن – فهو محل الخلاف الكبير بين الفقهاء المعاصرين. وسنوجز في الأسطر التالية النظرية السائدة حتى الآن ثم نتبعها بنتائج هذا البحث.
لقد أصبح من المعلوم الآن أن خطاب الضمان ما هو إلا نوع من أنواع الضمان أو الكفالة بالمال. وهو يقضي بتحمل الضامن للالتزام المضمون به أو أي جزء منه في حالة عجز المضمون عن سداده في وقته وبناء على شروطه.
وجمهور الفقهاء-بل هناك من يقول بالإجماع – ينصون على أن الضمان يجب أن يكو محض معروف. وبما أنه تبرع فلا يجوز أن يأخذ الضامن عليه أجرًا.
حكى الحطاب: عن الأبهري قال: لا يجوز ضمان بجعل لأن الضمان معروف وفعل خيركما لا يجوز على صوم ولا صلاة لأن طريقها ليس لكسب الدنيا.
وقال مالك: لا خير في الحمالة بجعل (١) والحمالة هي الكفالة والضمان.
حكى ابن عرفة عن اللخمى: الضمان بجعل لا يجوز – ابن القطان عن صاحب الاسناد (٢) .
وقال الدردير: (وأما صريح ضمان يجعل فلا خلاف في منعه لأن الشارع جعل الضمان والجاه والقرض لا تفعل إلا لله تعالى فأخذ العوض عليها سحت (٣) .
стр. 1070
وحكى الطبري: (ولو كفل رجل على رجل بمال عليه لرجل على جعل جعله له المكفول عليه فالضمان على ذلك باطل. ولا يلزم الضامن للمضمون له شيء أن كان ضمن له ما ضمن على شرط جعل الذي عليه المال أو على المضمون له ...) (وهكذا قول أبي حنفية وأصحابه) (١) .
والنصوص ناطقة بعدم جواز أخذ الأجر على الضمان. وبما أن خطابات الضمان نوع من الضمان والكفالة، فينطبق عليها الحكم وبالتالى لا يجوز أخذ اجر على الضمان باعتباره ضمانا.
خطابات الضمان بغطاء كلى أو جزئى:
إن خطاب الضمان قد يكون بغطاء أو بغير غطاء وأن الذي بغطاء قد يكون غطاؤه كليا أو جزئيا. وعليه فقد كيّف الفقهاء المعاصرون خطابات الضمان ذات الغطاء الكلي أو الجزئي بأن فيها جمعا بين الكفالة والوكالة. فهي كفالة باعتبار أصلها، وهي وكالة لأن المضمون قد دفع قيمة الضمان كليا أو جزئيا. فأصبح الضامن وكيلًا عنه في العلاقة التي تحكم المضمون بالمضمون له. إذ من خلاله سيفي المضمون بالتزاماته. وبما أن هذه العلاقة تضمّنت الوكالة والكفالة في أن واحد ومعلوم أن الكفالة لا يصح أن يؤخذ عليها أجر. اما الوكالة فيجوز أخذ الأجر عليها. وعليه يجوز أخذ الأجر على خطابات الضمان بغطاء.
يقول ابن قدامه: ويجوز التوكيل بجعل وغير جعل فإن النبي ﷺ وكّل أنيسا في إقامة الحد وعروة في شراء شاة وعمرا وابا رافع في قبول النكاح بغير جعل. وكان يبعث عماله لقبض الصدقات ويجعل لهم عمالة (٢) .
ويقول ابن جزى: تجوز الوكالة بأجرة وبغير أجرة، فإن كانت باجرة فحكمها حكم الإجارات، وإن كانت بغير أجر فهو معروف من الوكيل (٣) .
وبما أنه يجوز من الناحية الشرعية أخذ الأجر على الوكالة فكذلك يجوز أخذ الأجر على الضمان إذا كان بغطاء جزئى أو كلى.
стр. 1071
وأعنى بالأجر هنا الأجر الزائد على مجرد المصروفات البنكية كما أوضحت سابقا. ولذلك نصّت فتوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك فيصل الإسلامي على الآتى: -
(لا يجوز للبنك أن يأخذ أجرًا في الحالة التي يكون فيها خطاب الضمان بغير غطاء إذا كان هذا الأجر نظير خطاب الضمان لأنه يكون قد أخذ أجرًا على الكفالة وهو ممنوع لأن الكفالة من عقود التبرعات. قال الحطاب: ولا خلاف في منع ضمان بجعل لأن الشرع جعل الضمان والقرض والجاه لا يفعل إلا لله بغير عوض فأخذ العوض عليه سحت وعلّل ابن عابدين بأن الكفيل مقرض في حق المطلوب وإذا شرط له الجعل مع ضمان المثل فقد شرط له الزيادة على ما أقرضه فهو باطل لأنه ربا) (١) .
وجاء في الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية: وبالنظر إلى هذا النوع من التعامل المصرفي – أي خطابات الضمان- وغحالته للعقود الشرعية الواردة في كتب الفقه فإنه يمكن رده إلى نوعين من العقود التي طرقها الفقهاء هما الكفالة والوكالة. وأخذ الأجرة على الوكالة جائز في الشريعة الإسلامية. (٢) .
وهذا يعنى أن الضمان إذا كان بغطاء كلى أو جزئى يجوز أخذ الأجر عليه أما إذا كان بغير غطاء فلا يجوز عند هؤلاء.
стр. 1072
المذهب الثانى:
هناك من يرىجواز أخذ الأجر على الضمان نفسه سواء كان بغطاء أو بغير غطاء.
وينقسم هؤلاء إلى فريقين: -
(أ) فريق يرى أخذ الأجر على الكفالة بناء على أن بعض الفقهاء أجاز أخذ الأجر في مقابل الضمان الذي يترتب عليه استخدام الضامن جهدا ولو قل. تبنّت هذا الرأي ودافعت عته الموسوعة العلمية والعملية للبنوك الإسلامية حيث جاء فيها: -
(أما إذا قلنا بجواز أخذ الأجرة على الكفالة فإن هناك من العلماء من يجيز أخذ الأجر مقابل الضمان ما دام الضمان يترتب عليه استخدام جهد ولو كان ذلك الجهد مجرد مشى أو حركة. والضمان شقيق الجاه فإن تطور الحياة الاقتصادية أدى إلى اجتهاد بعض الفقهاء في جواز أخذ الأجر مقابل الضمان. فقد ذكر الهيثمى أن المحبوس ظلما إذا قال لمن يقدر على خلاصه: أن خلصتني فلك كذا، بشرط أن يكون في ذلك كلفة تقابل بأجرة عرفا) .
وفي حاشية الشرواني: أفتى المصنف بأنها جعالة مباحة وأخذ عوضها حلال.
стр. 1073
ونقل النووي قول القفّال في الفتاوى: فيمن أراد استئجاره للخروج إلى بلد السلطان والتظلم للمستأجر وعرض حاله في المظالم. فقال: يستأجره من كذا ليخرج إلى موضوع كذا ويذكر حاله في المظالم ويسعى في أمره عند من يحتاج إليه فتصح الإجارة لأن المدة معلومة وإن كان في العمل جهالة.
وقد روي عن الشافعي أنه قال: ليس من الرشوة بذل مال لمن يتكلم مع السلطان مثلا في جائز فإن هذا جعالة جائزة.
وفي حاشية الدسوقى: قال أبو على المسناوي: محل منع الأخذ على الجاه إذا كان الإنسان يمنع غيره بجاهه من غير مشي ولا حركة وأن قول المصنف (وذي الجاه) مقيد بذلك أي من حيث جاهه فقط كما إذا احترم زيد مثلًا بذي جاه ومنع من أجل احترامه، فهذا لا يحل له الأخذ من زيد. ولذا قال ابن عرفة: يجوز دفع الصنيعة لذي جاه في حالة الضرورة أن كان يحمي بسلاحه فإن كان يحمي بجاهه فلا، لأنها ثمن الجاه وبيانه أن ثمن الجاه إنما حرم لأنه من باب الأخذ على الواجب ولا يجوز على الإنسان أن يذهب مع كل واحد.
وفي المعيار: سئل أبو عبد الله القوري عن ثمن الجاه فأجاب بما نصه: اختلف علماؤنا في حكم ثمن الجاه. فمن قائل بالتحريم باطلاق، ومن قائل بالكراهة باطلاق، ومن مفصل فيه. وأنه إن كان ذو الجاه يحتاج إلى نفقة أو مشقة أو مسعى فأخذ أجر مثله فذلك جائز، وإلا حرم.
стр. 1074
ومثل ذلك عن ابن عبد الله العبدوسي عمن يحرس الناس في المواضع المخيفة ويأخذ منهم على ذلك فأجاب: ذلك جائز بشرط أن يكون له جاه قوي.
وقد صح الحديث عن أخذ الجعل على رقية من القرآن. قال ابن تيمية: ولا بأس بجواز أخذ الأجر، على الرقية، نص عليه أحمد. فإذا كان يصح أخذ الجعل على الرقية من كتاب الله. وصاحب الرقية لا يبذل جهدًا كبيرًا. فلماذا لا يجوز أخذ الأجر في عملية خطاب الضمان الذي يترتب عليه جهد وعمل ... (١) .
وبالرجوع لهذه النصوص والنقول اتضح أنها صحيحة. أما أنها تدل على جواز أخذ الأجر على الضمان كما أراد لها مؤلفو الموسوعة أم لا فذلك ما سنأتى له بعد قليل.
(ب) والفريق الثاني يرى جواز أخذ الأجر على الضمان باعتبار أن التعهد الذي يشتمل عليه خطاب الضمان يعزز قيمة التزامات العميل المضمون وبذلك يكون خطاب الضمان عملا محترما يصح أخذ أجر أو عمولة أو جعل عليه.
تبنى هذا الرأي محمد باقر الصدر ويبسطه كالآتى: -
(ولما كان تعهد البنك وضمانه للشرط يطلب من الشخص المقاول فيكون الشخص المقاول ضامنا لما يخسره البنك نتيجة لتعهده. فيحق للبنك أن يطالبه بقيمة ما دفعه إلى الجهة التي وجه خطاب الضمان لفائدتها، ويصبح للبنك الحق في أن يأخذ عمولة على خطاب الضمان هذا، لأن التعهد الذي يشتمل عليه هذا الخطاب يعزز قيمة التزامات الشخص المقاول. وبذلك يكون عملا محترما يمكن فرض جعالة عليه أو عمولة من قبل ذلك الشخص) (٢) .
هذا ملخص ما جاء في جواز أو عدم جواز أخذ أجر على الضمان عمومًا وخطابات الضمان على وجه الخصوص.
стр. 1075
مناقشة حجج المانعين للعوض
دعوى أن الضمان محض معروف:
أسست فكرة عدم أخذ الأجر على الضمان أو الكفالة على أن الضمان أو الكفالة محض تبرع ومعروف، ولذلك لا يجوز أخذ الأجر عليه. وهذه الدعوى أصبحت من المسلمات الفقهية، ويبدو لى أنها في واقع الأمر ليست كذلك. وأنها حجة ليست بقاطعة في موضوعها ولا قوية في مضمونها.
(أ) فمثلا قاس البهري الكفالة على الصلاة والصوم في عدم أخذ الأجر على كل. وصحيح أن الصلاة والصوم واجبان على العهد. المكلف يؤديهما لله . وهو واجب يثاب العبد على أدائه ويعاقب في الدنيا والآخرة على تقصيره كما هو معلوم. فالصلاة والصوم واجبان على كل مكلف، فلا أدري ما هو وجه الشبه وما هي العلة أو الحكمة المشتركة حتى نعطيهما حكما واحدا. بل الظاهر أن بينهما قياسا عكسيا لا طرديا وعليه فإذا منع الأجر في الصلاة والصوم لأنهما واجب فينبغى أن يجوز في الضمان لأنه غير واجب على الإنسان. فقد يحتاج المضمون إلى هذا الجعل (الضمان) ولا يجد من يتبرع له فيستأجر عليه لئلا تفوت منفعته ومصلحته. وفي عبارة الدسوقى في الموسوعة ما يفيد أن الجاه وبالتالى الضمان واجب وبذلك يمكن قياسه هنا على الصلاة والصوم. ولكنه سرعان ما نفي ذلك بقوله:
(وبيانه أن ثمن الجاه إنما حرم لأنه من باب الأخذ على الواجب ولا يجب على الإنسان أن يذهب مع كل أحد) .
стр. 1076
هذا، ومع التسليم بان الأصل في الصلاة والصوم أن تؤدى كواجب إلا أنه يجوز تشجيع الإنسان على الصلاة والصوم بالنفع المادي فذلك غير محرم بل قد يكون مندوبا إليه، ولكن من حيث الأصل لا يجوز أخذ العوض المادي لها.
(ب) ومن ناحية أخرى يقول الدردير: إن الشارع جعل الضمان والجاه والقرض لا تفعل إلا لله تعالى، فأخذ العوض عليها سحت. ومعلوم أن الشارع قد جعل القرض تبرعا لا يفعل إلا لله، وأنه منع أخذ الجر عليه وجعل ذلك ربا. وكان كل قرض جرّ منفعة فهو ربا. فالعبارة صحيحة بالنسبة لكل من جوز ولكن الفقيه أعلم ما لم يرد نص شرعى يحرم العوض في الضمان أو الجاه. بل أن جمهور الفقهاء يجوزون أخذ العوض المادي وغيره في كثير من أوجه التبرع وحتى في أخصها كالهبة.
الهبة:
الهبة هي أساس عقود التبرعات. ولكن أجاز الجمهور فيها العوض وهو ما يعرف بهبة الثواب.
يقول ابن رشد: وأما هبة الثواب فاختلفوا فيها أجازها مالك وأبو حنيفة ومنعها الشافعي.. (١)
ويقول ابن جزي في أنواع الهبة: والثالث هبة الثواب على أن يكافئه الموهوب له وهي جائزة خلافا للشافعي. (٢)
قال الحصكفي: الهبة شرعا (تمليك العين مجانا) أو بلا عوض لأن عدم العوض شرط فيه. قال ابن عابدين: هي كائن بلا شرط عوض على أن معنى العوض فيها غير شرط بخلاف البيع والإجارة (٣) .
стр. 1077
فالأصل في الهبة أن تكون تبرعا ومعروفا ومجانا ولكن يجوز فيها فوق ذلك عند الجمهور أن تكون بعوض مادي. فإذا صح ذلك في الهبة وهي أصل تصرفات التبرع ففيما سواها ينبغى أن يكون أجوز.
الوكالة:
إن التصرف الواحد قد يكون من عقود المفاوضات وعقود التبرعات في آن واحد. والوكالة أوضح مثال لهذه الازدواجية. قال ابن جزي: تجوز الوكالة بأجرة وبغير أجرة فإن كانت بأجرة فحكمها حكم الاجارات. وإن كانت بغير أجرة فهو معروف من الوكيل (١) . ولقد سبقت عبارة ابن قدامة في هذا المعنى حيث بينت أن الوكالة تجوز بأجر وبغير أجر.
واحسب أن الضمان يمكن أن يكون من هذا القبيل هو الأصل فيها أن تكون تبرعا.. ولكنها ليست بواجب على أحد. فإذا اشترى مؤديها عوضا لها جاز له ذلك دون تأثير على أنها في الأصل تبرع كالهبة. وبذلك يتضح لنا جليا أن الحكم على عدم جواز الأجر على الضمان باعتباره عقدا من عقود التبرعات حكم لا يسنده دليل. إذ اتضح أن كون العقد أو التصرف من قبيل التبرع لا ينفي عنه العوض. كل ما هناك أن العوض فيه ليس بشرط. كما يقول ابن عابدين. ولكن إذا شرط العوض فيه جاز.
وينبغى أن ننبه إلى أن معظم التصرفات السائدة في مجتمعنا اليوم باعتباره من قبيل التبرعات وتعتبر من وجوه التكافل في المجتمع المسلم كالمساعدات في الأفراح بأنواعها والأتراح بأنواعها إنما هي مبنية على معنى هبة الثواب – أي تبرعات بعوض وصحيح أن العوض ليس مشروطا فيها ولكنه معروف عرفا مستقرا. ونحن نعلم أن المعروف عرفا كالمشروط شرطا.
стр. 1078
فأرجو أن أكون قد وفقت إلى تبيان أن كون الضمان من عقود التبرعات لا ينافي – استنادا إلى أي نص تشريعي أو معنى فقهي – أخذ العوض أو الأجر عليه.
أخذ الأجر: سلف جر منفعة:
علل ابن عابدين – في عبارته السابقة ضمن فتوى بنك فيصل – عدم جواز الأجر على الضمان بأن الضامن مقرض للمضمون. فإذا شرط له الجعل مع ضمان المثل فقد شرط له زيادة على ما أقرضه وهو ربا.
ونقول ردا على ذلك أن الضمان ليس بقرض. ولا أحسب أن أحدا عدّ الضمان وجها من وجوه القرض. والضمان كما هو معروف عن المالكية- وهو المعنى المتمشى مع مفهوم خطابات الضمان والمتمشى أيضا مع القانون السوداني – وهو التزام بالوفاء بما في ذمّة المضمون: -
١- عند حلول أجل الالتزام أو ما في حكمه.
٢- وعند عجز المضمون عن الأداء.
والقرض بالمقابل لا ينعقد مضافا إلى زمن ولا معلقا على شرط كما هو الشأن في الضمان. صحيح أنه إذا حلّ الأجل وعجز المضمون عن الأداء كان للمضمون الحق في أن يطالبه بالأداء. فإذا طالبه وأدى، فإنما يؤدى ما عليه من التزام مباشر تجاه المضمون له دون وساطة المضمون. ويجب عليه أن يفي بهذا الالتزام حتى وإن تحقق عسر المضمون أو موته. فإذا قلنا إنه قرض فهو غير مختار في إقراضه وقت الأداء، وإذا قلنا إنه قرض فهو غير مقرض للمضمون الذي توفي وليس في تركته وفاء. وكل هذه المعانى تنافي معنى القرض ابتداء وانتهاء.
стр. 1079
ومع ذلك فللضامن –إذا أدى الالتزام بناء على عقد الضمان – الرجوع على المضمون إذا كان ذلك ممكنا. ولكنه رجوع نشأ عن تنفيذ الالتزام السابق ولم ينشأ عن قرض بين الضامن والمضمون.
وفي الختام نقول أن عقد الضمان عقد اسيثاق وليس عقد قرض. فإنه وإن شابه القرض في وجه فقد خالفه في وجوه كثيرة. ثم أن الأصل في عقود الاستيثاق توقع وفاء المضمون وأن الاستثناء هو تنفيذ الالتزام على عقد الاستيثاق. والحكم يبنى على الغالب لا على الاستثناء. وعليه، فإن أخذ الأجر على الضمان لا يدخل تحت محظورات كل قرض جر منفعة فهو ربا لأن الضمان ليس بقرض. ومع ذلك فقد يصح هذا القياس وتثار الشبهة لو طلب الضامن العوض أو الأجر عند وفائه بالتزام الضمان. أما اشتراط العوض ابتداء فليس من القرض في شيء كما قدمنا.
هذه ثلاث حجج اعتمد عليها الفقهاء في حكمهم بعدم جواز أخذ الأجر على الكفالة. واتضح لنا أن هذه الحجج لا تقوى دليلا على ذلكم الحكم. فما الذي دفع الفقهاء إلى الانقياد والتسلم بذلك.
في تقديري أن الذي قادهم لذلك ودفعهم إلى التسليم به هو العرف العملي. فالمعاملات كانت بسيطة وتتم في أسواق محصورة وبين الناس يعرف بعضهم بعضا، ولم تتسع المعاملات وتتعقد بالصورة التي عليها اليوم من حيث حجم العمل ومن حيث المدى الجغرافي بحيث يضطر الإنسان إلى أن يتعامل مع أشخاص ومؤسسات في الداخل والخارج وهو لا يعرفهم. بل يتم التعامل عن طريق المراسلات في كثير من الأحيان.
وحتى الوكالة فيبدو أن العرف فيها كان يجرى على اعتبارها عقد تبرع ثم لما تطورت أعراف الناس تجاريا بدأت تدخل الوكالة بأجر شيئا فشيئا حتى أضحت اليوم أمرًا عاديًا وأن الوكالة بأجر صارت هي الأصل.
стр. 1080
وهو نفس العرف الذي لم يكن الناس يسوّقون به أخذ الأجر على تعليم القرآن وعلوم الشريعة فلما انقطع الناس لذلك وأصبحت لهم مهنة أجازوه دون أدنى حرج. وهو نفس العرف الذي دفع الحنفية إلى عدم اعتبار المنفعة مالا وخالفهم في ذلك الجمهور.
وما الضمان إلا واحد من هذه التصرفات التي مشى فيها الفقه بناء على العرف. وحيث أن العرف قد تبدّل اليوم كثيرًا فلا مناص من النظر في امر الضمان لاستنباط الحكم الذي يلائم حاجة ومصلحة الجماعة المسلمة.
ومما يدل على أن الحكم بعدم جواز أخذ الأجر على الضمان لم يكن صحيحا على إطلاق ما ثبت من بعض الفقهاء جوّزوا صورا من أخذ الأجر على الضمان تمشيامع تبريرات التعامل التي واجهتهم من ذلك مثلا:
في الخطاب:
١- وفي التوضيح إذا كان رب الدين أعطى المديان شيئا على أن يعطى جميلًا فأجازه مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهم. وعن اشهب في العتبية أنه لا يصح وعنه أيضا أنه كرَهه. وقال اللخمى وغير الجواز بين (١) .
٢- وقال ابن غازى أن الجعل لو كان من رب الدين للمديان لصح فأحرى إذا كان من غيره (٢) .
٣- ولابن القاسم في العتبية لا بأس أن نقول: خذ هذه العشرة دنانير وأعطنى بما عليك حميلا ورهنا وعلى أحد أقوال مالك لا يجوز (٣) .
٤- ولمحمد عن أشهب: من له على رجل عشرة دنانير لأجل فاسقط عنه قبل الأجل دينارين على أن يعطيه بالباقى رهنا أو حميلا فلا بأس به. وقال ابن القاسم لا يجوزه اللخمي لأن أخذه الحميل خوف عسر الغريم عند الأجل فيجب تأخيره فأخذه الحميل بما ضع مثل: ضع وتعجل (٤) .
هذه النصوص تفيد بصورة أو أخرى أنه يجوز للغريم أي المدين أن يأخذ عوضا أو أجرا من الدائن على أن يقوم هذا الغريم بتقديم كفيل أو ضامن بالدين الذي عليه، طبعا على اختلاف بينهم على هذا الجواز وعدمه، وعلى اختلاف بين المجيزين في درجة جوازه. فلم جوّزوا العوض للغريم والضمان في تقديرهم ما زال من عقود التبرع. ولم جوزوه للغريم ولم يجّوزوه في حق الضامن الذي يتولى المسؤولية؟ أحسب أنهم أحسوا بالحاجة للضامن. ولم يروا أن يصادموا الحكم العام بعدم جواز الأجر على الضمان، فجعلوا العوض للمدين مع أن الدائن يستفيد من ضمان الضامن لا من المدين. فهو عندما دفع يريد أن يستوثق لحقه ويحصل على هذا الاستيثاق بتحرير الضمان لصالحه، فما يسعى له ويشتريه هو الضمان وهو المقابل لما دفعه من أجر. وليس هو شيئا عند المدين، لأنه لو رضي بالمدين فلا حاجة له بدفع العوض لأن الحق متعلق بذمته ابتداء.
стр. 1081
وأظن أن إدخال عملية الوكالة هنا – وعلى فرض وجودها – مجرد حيلة لتجويز الأجر على الضمان. فإذا رأي الفقهاء أن هناك مقتضى لأخذ الأجر على الضمان فالأصلح أن يقرره مباشرة لا أن يتحيّلوا عليه بفرض ألا يطرد في حين أن الحاجة إلى العوض قد تطرد وبفرض الا يكون جزءا من الضمان.
٥- ولمحمد عن مالك وابن القاسم وأشهب وغيرهم: من قال لرجل ضع من دينك عند فلان وأتحمل لك بباقيه لأجل آخر، لا باس به لأن له اخذه بحقه حالًا. وروى أشهب عنه جوازه وكراهته. وقال مالك في العتبية: لا يصح كمن قال: أعطني عشرة دراهم وأتحمل لك، فالحمالة على هذا حرام والأول أبين (١) .
وها هنا يقول الضامن لصاحب الدين: ضع من دينك عن فلان وسأتحمل لك بباقيه إلى أجل آخر. فذلك لا باس به. ولكنه كالأمثلة الأولى فالمنفعة فيه وإن كانت مشروطة من قبل الضامن إلا أنها تذهب لصالح المضمون. وكل هذه الأمثال فيها أجر على الضمان ولكنه بدلا من أن يتحرك من المضمون للضامن من تحرك العوض من المضمون له إلى المضمون. وفيها شراء من قبل رب الدين للضامن بعوض فإذا جاز ذلك هنا وفيها ضيعة من الدين في مقابل الضمان فلم لا تجوز هناك يا ترى؟
стр. 1082
أخذ الأجر مع الغطاء ومنعه مع عدم الغطاء:
ذهب بعض المجتهدين – كما رأينا في الموسوعة وفتوى بنك فيصل السوداني –إلى جواز أخذ الأجر على الضمان إذا كان خطاب الضمان مغطى بغطاء كليث أو جزئي. ومنعوا أن يؤخذ على خطاب الضمان أجر إذا لم يكن ثمّة غطاء. وبنوا ذلك - كما قدمنا – على أساس أن خطاب الضمان إذا بغطاء فإنه يشتمل على ضمان ووكالة، ويجوز الأجر على الوكالة ولذلك يجوز الأجر على خطاب الضمان في الجملة.
هذا الحكم يفيد أن العميل الذي يطلب خطاب ضمان من بنك التضامن مثلا لالتزامه تجاه بيت التمويل الكويتى في حدود مليون دولار لمدة ستة أشهر – يفيد أن هذا العميل يمكن أن يدفع أجرًا على خطب الضمان إذا كان الخطاب بغطاء كامل أو كان بغطاء جزئي. بمعنى أنه عندما يدفع للبنك كل قيمة الضمان أو جزءا منها – فتبقى عند البنك ويستفيد منها حتى يحل من أجلها – عند ذلك يجوز لهذا البنك أن يأخذ أجرا والحال أنه ليس ثمّة خطرعليه في حالة الغطاء الكامل، وقل خطره في حالة دفع الجزء. وعندما لا يدفع شيئًا فيزداد خطره يحرم من أخذ الأجر. فلماذا هذه التفرقة غير المنطقية؟ قيل لأنه عندما يدفع قيمة الضمان أو جزءا منها يكون وكيلًا ويجوز الأجر على الوكالة. ومهما يكن من أمر فإن الوكالة ليست شرطا في عملية الضمان. فإذا وردت تبعا ومصاحبة للضامن فيصح أخذ الأجر عليها باعتبارها وكالة منفصلة عن الضمان. ولا يعد أجرها أجرًا للضمان. ولكن سيظل وكيلًا في بعض حالات عقد الضمان، وخاصة في خطابات الضمان، لأن دفع الأقساط كثيرًا ما يتم عن طريق الجهة الضامنة وهي تقوم بذلك عن طريق الوكالة عندما يدفع لها المضمون قسطًا كما هو الحال عند دفع القسط مقدما. فليس ثمّة تفرقة بين الحالين. ففي كليهما يكون البنك – الضامن – وسيطا يتم من خلاله تنفيذ الالتزام. فإذا جاز الأجر في الأول كان جائزًا في الثاني، وعليه فلا أرى ثمة تفرقة حقيقية بين الصورتين حتى يجوز الأجر في الأولى ولا يجوز في الثانية. بل عن جوازه في الأولى ينافي كل منطق.
بذلك تنتفي – في تقديرى – كل الحجج التي اعتمد عليها المانعون لأخذ الأجر على خطابات الضمان. فماذا عن حجج المجوّزين؟
стр. 1083
الذين بنوا جواز أخذ الأجر بناء على جوازه في الجاه:
النصوص العامة في الفقه الإسلامي تفيد أنه لا يجوز أخذ الأجر على الجاه والضمان. ولكن فريقا من الفقهاء المعاصرين قالوا بجواز أخذ الأجر على الجاه بناء على أقوال لبعض الفقهاء المتقدمين كما قدمنا. غير أن أقوال المتقدمين تتحدث عن جواز الأجر على الجاه بشروط. فهل أولًا الضمان كالجاه – كما قالوا: أن الضمان شقيق الجاه؟ وأحسب أن القياس صحيح. فالضمان والجاه يتمخضان عن معنى واحد. فالشخص الذي يتحلى بسمعة طيبة مبنية على درجة وفائه بإلتزاماته هو الذي يقبل ضامنًا. وبذلك يكون له وجه مقدّر عند الآخرين فيقبلون كلمته. فالجاه والضمان إذن بمعنى واحد.
ولكن معظم النصوص التي أوردها أصحاب هذا الرأي لا تسند حجتهم فكلها تتحدث عن عمل مادي، إما عمل معلوم فيكون إجارة أو عمل مجهول فتكون جعالة بل فيها نفي للأجر على الوجاهة إلا إذا ارتبط به عمل. فيكون الأجر إذن للعمل لا للوجاهة. وعليه فإن النصوص المستدل بها لا توصل إلى جواز أخذ الأجر على الوجاهة ومن ثّم على الضمان. ونأخذ هنا المثل العام على ما قررنا: جاء في حاشية الدسوقي: وفي المعيار سئل أبو عبد الله القوري عن ثمة الجاه فأجاب بما نصه اختلف علماؤنا في حكم ثمن الجاه فمن قائل بالتحريم بإطلاق ومن قائل بالكراهة بإطلاق ومن مفصّل فيه وأنه أن كان ذو الجاه يحتاج إلى نفقة وتعب وسفر فأخذ أجر مثله فذلك جائز وإلا حرم. (١)
стр. 1084
والفريق الثاني يرى في عملية الضمان أنها خدمة محترمة يقدّمها الضامن فيعزز بها قيمة التزامات المضمون. وبما أنها خدمة محترمة ومقوّمة شرعا فيجوز أخذ الأجر عليها. وهذا تخريج وجيه في تقديرى يعززه:
١- أن الحنفية والحنابلة والزيدية قد اجازوا شركة الوجوه. وهي شركة لا تعتمد على مال ولا على عمل وإنما تعتمد على وجاهة الشركاء وثقة الناس في درجة إلتزامهم. وبهذه الثقة فقط يستحقون الربح. ولذلك يحتج المانعون لعدم جواز شركة الوجاهة بان الربح لا يستحق إلا بالمال أو العمل وها هنا لا مال ولا عمل. وأجاز اولئك أن تكون الوجاهة والالتزام المترتب عليها سببًا للربح (١) فلم لا يكون سببًا للأجر في خطابات الضمان؟
يقول ابن رشد: وشركة الوجوه عند مالك والشافعي باطلة. وقال أبو حنيفة جائزة. وهذه الشركة هي الشركة على الذمم من غير صنعة ولا مال. وعمدة مالك والشافعي أن الشركة إنما تتعلّق على المال أو على العمل، وكلاهما معدومان في هذه المسألة والالتزام المترتب عليها سبب للربح فلم يكون سببًا في خطابات الضمان؟ وقال ابن رشد: وشركة الوجوه عند مالك والشافعي باطلة.
وقال أبو حنيفة جائزة. وهذه الشركة هي الشركة على الذمم من غير صنعة ولا مال. وعد مالك والشافعي أن الشركة إنما تتعلق على المال أو على العمل، وكلاهما معدومان في هذه المسألة مع ما في ذلك من الضرر، لأن كل واحد منهما عاوض صاحبه بكسب غير محدود بصناعة ولا عمل مخصوص، وأبو حنيفة يعتمد أنه عمل من الأعمال فجاز أن تنعقد عليه الشركة (٢)
ويقول ابن جزي: وأما شركة الوجوه فهي أن يشتركا على غير مال ولا عمل وهي الشركة على الذمم بحيث إذا اشتريا شيئًا كان في ذمتهما وإذا باعا اقتسما ربحه، وهي غير جائزة خلافا لأبي حنيفة (٣) .
стр. 1085
٢- ويعززه كذلك أن الشرع الإسلامي جعل الضمان واحدا من شروط استحقاق الربح، فإن الجمهور – وبناء على أحاديث اشتراط قبض المبيع قبل بيعه – قالوا لا يجوز بيع السلعة المشتراه قبل قبضها. وعلّلوا ذلك بأنه يقبض السلعة فإنها تدخل في ضمان البائع وتهلك عليه فيستحق إذن الربح في البيع مقابل خطر الضمان هذا. فهنا لم يكتف الشارع بمجرد ملكية السلعة وإنما اشترط فوق ذلك أن تدخل في ضمانه حتى يجوز له أن يبيعها ويستحق عليها الربح. فكان هذا مؤشرًا آخر على جواز أخذ الأجر بناء على الضمان كما جاز استحلال الربح هناك بناء على الضمان ومع الخلاف بين الضمانين إلا أن جوهرهما واحد.
٣- ثم هل الوجاهة عمل أم أنها ليست بعمل. معلوم أن الوجاهة والثقة في الشخص الطبيعى أو الاعتباري لا تأتي إلا بجهد عمل كبير ومضطرد وممتاز، بحيث يستقر ويتأكد بموجب هذا الفصل أن هذا الشخص أهل للثقة ويمكن الأعتماد عليه. ثم أن مسئوليته تجاه هذه الثقة والوجاهة ستزداد بعد أن يصبح أهلًا ومحلًا لثقة الآخرين. ولا يستطيع المحافظة عليها إلا بمزيد من العمل الممتاز المتمثل في الوفاء بالأمانة رغم كل الظروف الصعبة.
فالوجاهة وإن لم تكن عملا في ذاتها فهي نتاج عمل مسئول وممتاز. ولا يتصور خلق سمعة في وسط من الأوساط ولا يتصور المحافظة على هذه السمعة إلا بالعمل. فالعمل هو الأساس والثقة هي النتاج والمظهر. ولذلك عبّر أبو حنيفة – كما جاء في عبارة ابن رشد - عن هذه الوجاهة بأنها عمل من الأعمال.
стр. 1086
٤- وعليه فإن المؤسسات المالية تبدأ مشوار بناء الوجاهة هذه بمشوار صعب تخضع فيه لكل أنواع الابتلاء من قبل الأفراد والمؤسسات. ويكلفها ذلك الكثير من المال والجهد والخسارة. ولكنها تتحمل ذلك من أجل بناء اسم في المحيط المحلي والخارجي، لأنه متى ما بنيت هذه السمعة وحافظت عليها فستجد كثيرًا من التسهيلات، فمثلًا بدأ بنك التضامن في علاقته بالمراسلين الأجانب وفي تجارة الاستيراد بخصم قيمة كل الاعتماد المطلوب من حساب أو على الأقل حجزه في حساب مقابل تعزيز هذا الاعتماد للجهة المصدرة. في حين أن المؤسسات الأخرى التي سبقت وبنت سمعة تستطيع أن تجد تسهيلات بما يعادل ١٠ % فقط من قيمة الاعتماد وهكذا. ليس ذلك فحسب بل أن البنك كان يخصم من حسابه كل قيمة الاعتماد حتى ولو اشترى التاجر البضاعة موضوع الاعتماد بتسهيلات صغر أو كبر مداها. ولقد جمّد بنك التضامن في هذه الفترة الأولى كثيرًا من أمواله التي كان يمكن أن يستغلها لصالح البنك. ولكن الوجاهة لا تأتى بلا ثمن وهذا ثمن هذه السمعة. حتى إذا ما اجتاز البنك هذه المرحلة بنجاح والحمد لله فإنه الآن محل ثقة كثير من المراسلين والكثير منهم يخطب التعامل معه بناء على الشروط السهلة التي تناسب الورقة. فهذا مثال واحد نوضح به أن البنوك التي تقدم ضمانا لطلابها لم تصل لهذه الدرجة بدون عمل وجهد وإنفاق. وأن المحافظة على السمعة التي وجدتها تحتاج إلى جهد لا يقل عن الجهد الذي حصلت به على هذه الوجاهة. فإذا قيّمت ذلك العمل المحترم بمال وأخذت عليه أجرا فإنما تأخذ على عمل مقوّم ومحترم ومشروع.
стр. 1087
وهي في نفس الوقت الذي تقدم فيه خطاب الضمان المزين الذي يطلبه، إنما تقدم له خدمة مقدرة ومحترمة ويستطيع من خلال استخدامه لضمان البنك أن يتجاوز ذلك بجهده الخاص حتى يبني هو سمعته ويكون محل ثقة الجهات التي يتعامل معها، ولا يحتاج بعد ذلك إلى ضمان الآخرين. وهكذا تمضي الدورة. فكما بنى البنك هذه الثقة لبنة لبنة وكما دفع فيها ما غلا من الثمن مالا وزمنا كذلك يستطيع الفرد أن ينهج نفس النهج فيبني جاهه ولذلك ثمنه. ويكون الأجر الذي يدفعه للبنك الضامن جزءا من ذلك الثمن ويكون الوفاء بإلتزاماته في وقتها وبشروطها هو جزء آخر.
ومع قولنا أن الضمان يكون نتاج عمل مقوم ومحترم إلا أنه في ذاته يحتاج إلى عمل مادي من قبل الجهة المعطية للضمان كدراسة أحوال العميل ومعرفة مركزه المالي ودرجة التزامه ودراسة المشروع موضوع التمويل ومدى جدواه الإقتصادية والإجتماعية، ولكنا لا نقول كما قال المتقدمون: أن له أجر المثل في هذه الدراسات فحسب، وإنما له أخذ الأجر على عطية الضمان ككل ما كان منها عملا ماديًا وما كان منها جاها.
٥- ومما يدل على مالية الجاه اشتراط كثير من الفقهاء في الضامن أن يكون مليًا. إذن فالمقصود من الضمان ليس هو جاه أو مجرد ذمة الضامن وإنما جاهه المبني على سمعته المالية وذمته القادرة على الوفاء. وما دام المقصود هو ملاءته وما الجاه والثقة إلا مظهر من مظاهرها فلا معنى لأن يقول البعض إنه يجوز الأجر على الجاه إذا كان ثمة عمل كسعي ونفقة وغيره. أما إذا لم يكن شيء من ذلك فلا أجر على الجاه علمًا بأن الجاه لا يكون إلا منفعة من منافع العمل. ولعل الذي صرف الفقهاء عن اعتباره هو أن الخدمة المؤداة عن طريق الضمان وإن كانت خدمة جليلة ومحترمة تفوق في جلالها وقيمتها كثيرًا من القيم الأخرى المادية إلا أنها تبدو وكأنها خدمة ناتجة عن عمل غير مادي بل ناتجة عن منفعة عمل مادي. ولأنها منفعة فقد دقت على الفقهاء فيما مضى. غير أن المنافع والحقوق قد أصبحت اليوم من الوضوح والشخوص بحيث لا ينكرها أحد ولا تدق على فقيه كما كانت من قبل. ولقد مضى الزمن الذي لم تكن فيه المنافع مالا أو شيئا يقوم بالمال.
стр. 1088
الخلاصة:
نخلص من كل ذلك:
١- إلى أن دعوى أن التبرع والمعروف لا يجوز عليه العوض دعوى غير صحيحة. وأن ما ترتب عليها من أن الضمان تبرع ولذلك لا يجوز أخذ الأجر عليه نتيجة غير صحيحة هي الأخرى. فرغم أن الأصل في التبرع أن يكون مجانا وبلا عوض مادي إلا أنه إن شرط فيه العوض صح.
٢- وإلى أن الضمان ليس بقرض. ولذلك فلا يدخل تحت محظور المأثور: ((كل قرض جر منفعة فهو ربا)) . لما بينّا من أن الضمان استيثاق وأن الضامن غارم وأن قياس الضمان على القرض قياس مع الفارق. إذ ليس هناك منافاة بين الأجر والضمان ولا بين الأجر والغرم فقد يأخذ الأجير أجره والمضارب ربح عمله مع أنه قد يغرم ويضمن في بعض الحالات نتيجة تقصيره مثلًا. فإذا قصّر الأجير وترتّب على ذلك اعتداء طرف ثالث على أدوات عمله فهو غارم للمؤجر وضامن لقيمة هذه الأدوات وله في نفس الوقت الرجوع على المعتدى بالقيمة. ولا يؤثر ذلك في استحقاقه لأجرته ولا يحرمها.
٣- إذا انتفت الأسباب والعلل التي بنى عليها الفقهاء تحريم أخذ العوض في الضمان فالنتيجة الطبيعية أن يكون العوض في الضمان جائزًا إذا ما اشترط، إلا إذا أدى ذلك إلى محظور آخر. وفي تقديرنا أنه لا يوجد محظور. فالضمان عمل محترم يكلف الضامن مسئولية ويلقى عليه عبئا ويفيد المضمون فائدة كبيرة تفوق فائدته من دراسة جدوى المشروع من نواحيه الإقتصادية والفنية. ولذلك ينبغي أن يكون عملًا يمكن تقويمه بالمال ويمكن أخذ الأجر عليه بحسب اتفاق الأطراف المتعاقدة.
٤- وقولنا بجواز أخذ العوض على الضمان ليس قولا بإخراج الضمان من عقود التبرعات. بل نفضل أن يكون الضمان تبرعًا في عمومه وأن يجري بين الناس كواحد من عوامل التكافل الذي يقدم فيه الإنسان ضمانًا لأخيه الإنسان لوجه الله. وذلك مما يزيد من عرى الإخوة، بحيث يكون من ضمن عوض الإنسان هو أن هذا الآخر أو غيره سيضمنه إذا ما احتاج إليه. ولكن هذا لا يمنع من أن تؤدي المؤسسات المالية مثل هذه الخدمة تبرعًا وبعوض أن اختارت ذلك وقبل الطرف المتعامل معها: والله ولى التوفيق
стр. 1089
من تقرير حول ندوة "البركة"
الثانية التي انعقدت بتونس
من ١١-١٤ صفر ١٤٠٥هـ
١- مداولات الجلسة العامة:
دار النقاش أولًا حول توصيف خطاب الضمان هل هو كفالة أولًا. رأي البعض أن خطاب الضمان غير الكفالة لأن الكفيل يحل محل المكفول في الوفاء بالتزاماته بينما البنك الذي يقدم خطاب الضمان إلى مقاول مثلا لا يطلب منه أن يقوم بالأعمال المطلوبة من المقاول.
ورد آخرون بأن الكفالة يمكن أن تكون محدودة ولا يشترط أن يحل الضامن محل المكفول في كل أعماله.
ثم نوقشت مسألة استحقاق البنك مقدم خطاب الضمان لأجر. فأكد البعض ما سبق أن قيل (٤-ب) من أن الضمان أخذ في عصرنا هذا صورا تختلف عما عرفه الفقهاء حينما وصفوه بأنه عقد تبرع. لذلك لا يرى هؤلاء مانعًا من أخذ البنك الإسلامي أجرًا عند تقديم خطاب الضمان.
وقال آخرون بأن خطاب الضمان كفالة وهي تبرع وكون العميل هو الذي لا يخرجها عن طبيعتها تلك. وقالوا إنه يجوز للبنك أخذ أجر شريطة أن لا يزيد عن التكلفة الحقيقية للخدمات المقدمة. أما مسألة الغطاء في خطاب الضمان فقد قيل أن البنك الذي يصدر خطاب ضمان غير مغطى يعتبر كفيلًا. أما إذا كان خطاب الضمان مغطى بالكامل فإن البنك له صفتان: هو وكيل بالنسبة للعميل طالب الضمان، وهو كفيل في علاقته مع الطرف الثالث المستفيد من خطاب الضمان. ويصح أخذ أجره في حالة التغطية لكون البنك وكيلًا.
стр. 1090
٢- السؤالان المقدمان إلى لجنة العلماء.
السؤال الثامن:
هل يجوز للبنك الإسلامي أخذ عوض مقابل عمله المتمثل في إصدار خطاب الضمان المصرفي إما على أساس الأجر باعتبار أن هذا العمل توكيل مطلق لدفع مبلغ معين أو على أساس الوجاهة نظرًا لما يتمتع به البنك من ملاءة.
الفتوى:
تبين بعد المداولة في السؤال أن موضوع خطاب الضمان المصرفي يحتاج إلى مزيد من البحث ودراسة الواقع الذي يجري عليه العمل في البنوك الإسلامية.
السؤال الثاني عشر:
هل يجوز للبنك الإسلامي الذي دفع له مبلغ نقدي لخطاب الضمان أن يستثمره بموافقة المودع مضاربة بنفس الشروط التي يستثمر بها للمودعين.
الفتوى:
يجوز للبنك الإسلامي أن يستثمر بالمضاربة المبلغ المودع لديه غطاء لخطاب الضمان الذي يصدره بنفس الشروط التي يستثمر بها للمودعين.