← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 10221–10260 · переход к 10226.

стр. 10221

بالنسبة للرأي الراجح الذي نرى رجحانه: أولًا: أن مجلس الإدارة والمدير المسؤول لا يجوز لهم قطعًا مزاولة أي نشاط محرم. ثانيًا: أما مشاركة المسلمين في هذه الشركات السابقة وشراء أسهمها والتصرف فيها فجائزة ما دام غالب أموالها وتصرفاتها حلالًا وإن كان الأحوط الابتعاد عنها. ولكن هناك بعض الضوابط لا بد أن يكون الشخص الذي يشتري مثل هذه الأسهم أن يقصد بشراء أسهم هذه الشركات تغييرها نحو الحلال المحض من خلال صوته في الجمعية العمومية وأن يبذل جهده وماله لتوفير المال الحلال وأن صاحب هذه الأسهم عليه أن يراعى نسبة الفائدة التي أخذتها الشركة ثم يتخلص منها للجهات الخيرية العامة. وكذلك لا يجوز للمسلم أن يؤسس شركة تنص في نظامها الأساسي على أنها تتعامل بالربا إقراضًا واقتراضًا، إذن هذه أيضًا بالنسبة للشركات التي يمتلكها غير المسلمين، أيضًا نفس الخلاف موجود وإن كان بعض من أجازوا شراء أسهم قد تتعامل هذه الشركة أو شركاتها بالمحرم هنا لم يبيحوا ذلك لغير الشركات الإسلامية، أما الشركات خارج البلاد الإسلامية فلم يجيزوا ذلك وأنا حقيقة رأيت أن القضية ما دامت ليست قضية المسلمين وقضية غير المسلمين وإنما قضية هل يجوز لنا أن نتصرف وأن نتداول أسهم هذه الشركات أم لا؟ فإذا أبيح لنا بهذه الضوابط التي ذكرناها لا أعتقد أن هناك فروقًا جوهرية بين شركات في بلاد إسلامية وشركات في بلاد غير إسلامية. أردت أن أعرض هذه الفكرة بصورة موجزة أيها الإخوة الأجلاء وأحب أن أنوه أيضًا كما أن هذه في الحقيقة ليس فتوى مني وإنما هو عرض لوجهة نظر إذا وافق المجمع على ذلك وحضراتكم وافقتم على ذلك فربما حينئذ نأخذ به ولذلك أحب أن أذكر لحضراتكم أن مثل هذه الأمور نوقشت مرة أخرى في البحرين ووصلت الندوة الثانية إلى مجموعة من القرارات الطيبة، إذا سمح السيد الرئيس لقراءتها أقرأها على حضراتهم لمجرد التذكير وإلَّا فالموضوع عندهم. هل تسمح لي يا سيادة الرئيس؟

стр. 10222

الرئيس: هي موزعة على المشايخ. الدكتور علي محيي الدين القره داغي: جيد، إذن حقيقة هذه ما دام وزعت فهذه هي الصورة التي تضع أمامنا مسؤولية كبيرة، نحن اليوم أمام آلاف بل مئات الآلاف من الشركات الإسلامية فأخاف من أننا إذا أصدرنا أمرًا لعدم تداول مثل هذه الأسهم، حينئذ يصبح المسلمون دون أن يكون لهم أي نوع وحينئذ يتبنى غير المسلمين أو هؤلاء الذين ليس لهم دين قويم أن يشتروا مثل هذه الأسهم وبالتالي تصبح شركات أو الشركات الموجودة في البلاد الإسلامية تصبح بأيدي غير المسلمين وهذا بالتأكيد فيما لو منعنا ذلك بينما لو شجعنا المسلمين على الدخول في مثل هذه الشركات بمثل هذه الضوابط وطلبنا منهم أن يغيروا فالأمل كبير أن تبقى هذه الشركات بأيدي المسلمين المخلصين – إن شاء الله – وبالتالي يكون فيها نفع كبير وفوائد كبيرة وفعلًا نحن في قطر عندنا بعض الشركات بفضل الله بفضل جهود الدعاة تحولت إلى شركات إسلامية منها جمعية الريّان حيث وصل إليها الشباب المتدينون وحولوها تمامًا من شركة كانت تتعامل بالربا إلى شركة لا تتعامل إلَّا بالحلال بل إنهم دائما يستيشرونني وكذلك يستشيرون أخانا الكريم الأستاذ على السالوس. كذلك شركة المنتزه، أنا مضى عليَّ حوالي ثلاثة أو أربعة أشهر لا يمر أسبوع إلَّا ونحن نلتقي بهم وصل إلى جمعية الإدارة مجموعة من الشباب المتدينين وبدأوا يحولون ويغيرون من مبالغ رهيبة جدًّا في البنوك الربوية ويحولونها إلى البنوك الإسلامية وبدأ العالم هكذا يسير. فهذا هو العرض الذي أعرضه على حضراتكم بصورة موجزة وأشكركم على حسن الاستماع ونستفيد من توجيهاتكم وآرائكم ومناقشاتكم. شكرًا والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 10223

الرئيس: كان بودي يا شيخ محيي الدين في الجزئية الأخيرة فيما إذا كان الربا غير مشروط وإنما يعرف المساهم أن هذه المؤسسة تتعامل بالربا. أنتم ذكرتم وجهة نظركم لكن كان بودي بصفتكم عارضًا للبحث أنكم ذكرتم وجهة نظر المانعين والتي وصلت إليها الندوة التي عقدها مجمع الفقه الإسلامي هنا بجدة والتي إذا كانت ما ذكرتموه مؤيد بالقاعدة (أنه يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا) فإنه يواجه القاعدة الأخرى (المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا) . لكن البحث موجود أمام المشايخ وكان بودي أنك لخصته حتى لا تكون المسألة جزمًا ولكن يثار فيها الخلاف. الدكتور علي محيي الدين القره داغي: السبب في ذلك هو أنني الآن قادم من المطار إلى المجمع في الحقيقة، ولي تكملة إن شاء الله تعالى. الشيخ خليل الميس: بسم الله الرحمن الرحيم. لا أدري هل السرعة أم التسرع من الدكتور القره داغي – حفظه الله – عندما قاس قضية الحدود في دار الحرب وقال – طبعًا – بحجة أن ليس كل أحكام الإسلام تنفذ عندنا، هذا قياس مع الفارق لأننا نعرف أن الحدود في دار الحرب انعقدت غير موجبة فلا تنقلب موجبة، هذا شيء معروف. فإذن قياس هذه القضية أن (ليس كل أحكام الإسلام تطبق) ونحن في دار الإسلام وتلك قضية حصلت في دار حرب فقياس مع الفارق. وشكرًا.

стр. 10224

الشيخ صالح: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد، فقد استمعنا إلى العرض الذي بينه سعادة الأستاذ القره داغي حول موضوع أسهم الشركات أو الاشتراك في شركات تقترض بفوائد ربوية أو تودع أموالها وتأخذ عليها فوائد ربوية وإن كان أصل موضوع هذه الشركة حلال ولم يتعرض نظامها أو ينص نظامها على التعامل بالفوائد الربوية لكنها تودع في البنوك الربوية وتحصل مقابل هذه الودائع على فوائد أو تقترض عند الحاجة كذا. الواقع أن هذا القول فيما أرى يصادم النصوص الشرعية وقد قرر العلماء أن اعتناء الشرع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات، ولذا قال الرسول ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فاتقوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه)) . فالمنهيات تجتنب على الإطلاق أما المأمورات فيأتي الإنسان منها بقدر الاستطاعة ولذا لم يسامح في الإقدام على المنهيات وخصوصًا الكبائر، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] . والحصول على بعض الفوائد مقابل الإيداع أو الاقتراض عند الحاجة فيه ربا والربا لا نختلف جميعًا أنه حرام ولا يجوز التعذر بأي وسيلة من الوسائل. ثم إن التوجيه الاقتصادي الإسلامي والبنوك الإسلامية هي لانتشال الأمة الإسلامية وإيجاد الحلول لا أن نتأثر بالواقع وأن نستسلم لما هو موجود ولكن يجب علينا أن نصحح أما الاحتجاج بقاعدة (يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا) فهذا غير مسلم لأن القاعدة وردت في شيء نص على حله في حال ونص على حرمته في حال، أما الربا فلم يستثن شيء منه بل هو محرم على الإطلاق. فالذي أو التأكيد عليه أن هذا القول – في نظري – غير سليم وأنه يجب تطهير الشركات الإسلامية والبنوك الإسلامية من أي فوائد ربوية قليلة أو كثيرة ولا يمكن التسامح في شيء منها لأنه كما جاء في الحديث الشريف ((درهم ربا يأكله الرجل المسلم وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية)) . فالربا حرام كله قليله وكثيره لا يمكن أن يتسامح في شيء منه، ولهذا فقاعدة (يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا) لا يمكن تطبيقها وهي قياس مع الفارق، فلهذا أود أن أؤكد ما أقوله. والحمد لله رب العالمين وصلَّى الله على نبينا محمد. الدكتور درويش جستنية: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 10225

موضوع شراء الأسهم في الشركات التي تتطلب أعمالها بطبيعة الحال أن تقترض من البنوك وليس من الضروري أن تنص أنظمتها على هذا الاقتراض والحقيقة أن العالم الإسلامي يعاني كثيرًا من هذه المشكلة لأن الشركات الكبرى في العالم الإسلامي كلها بيد غير إسلامية في معظم البلاد الإسلامية – شركات كبيرة – وأما في البلاد ... مثل بلادنا والبلاد المحيطة بنا فالشركات بطبيعة الحال معظمها يملكها المسلمون والحمد لله. ولكن – أيضًا – قد تضطر إلى التعامل بالربا، ولقد كتبت في إحدى الندوات – وهي الندوة التي أقامها البنك الإسلامي للتنمية – ورقة في هذا المعنى وكنت أذهب في تلك الورقة إلى أنه مهما كان الأمر فلا نأخذ بالاحتجاج بأننا نصلح هذه الشركات لأنها أكبر وأكثر من أن نصلحها وليس من المفروض فينا أن نحاول بطريقة واحدة وإنما نحاول بعدة طرق. إن فكرة إنشاء البنوك الإسلامية قامت أساسًا من أجل محاربة الربا ووضع قواعد أساسية جديدة في الاقتصاد الإسلامي للبلاد الإسلامية، وما دام أن الموضوع انطلق من هذه القاعدة وهي قاعدة ستكبر إن شاء الله – قاعدة البنوك الإسلامية – فلدينا من الحلول ما يمكن أن نتجاوز به مثل هذه الأزمة، ولدي اقتراح قد يكون عمليًا بالنسبة للشركات القائمة سواء كانت تملكها بنوك إسلامية أو لا تملكها بنوك إسلامية أو ليست متعلقة بالبنوك الإسلامية وهي عن طريق الزيادات في رأس المال. يعني لو افترضنا أن شركة ما رأس مالها مائة فيمكن أن نسمح لها بزيادة رأس المال في حدود الخمسة في المائة. بمعنى أن هذه الخمسة في المائة بدلًا من أن تقترض من البنوك لأنها لا تحتاج إلى أكثر من هذه النسبة فتصدر أسهمًا جديدة تباع للمواطنين وتحصل على هذه المبالغ التي تريدها وعندما تتوفر لها المقدرة المالية تعود فتشتري هذه الأسهم، طبعًا أسهم مطلقة عامة فلا تشتري أسهمًا بعينها وإنما تشتري بقيمة ٥ % التي أصدرتها الأسهم وبالتالي تمتص السيولة من السوق وتدفع بالسيولة إلى السوق، فعندما تكون في حاجة إلى أموال تصدره هذه السندات، إذا وجدت أن من مصلحتها الاستمرار في بيع هذه السندات فتصبح الأموال التي لديها جزءًا من رأس مال الشركة وبذلك لا تتضرر وتستطيع أن تجمع الجمعية العمومية وتزيد رأس مال بهذه الكمية التي أصدرت وهذا شيء معروف في كل الشركات أنها تزيد رأس المال كما تريد في أي وقت تريد في حدود المبلغ المسموح به - رأس المال المسموح به – لأن هناك رأس مال مسموح به يكون ألفًا مثلًا ورأس مال مكتتب فيه يكون مائة فالفرق بين المائة والألف هو هذه الكميات التي يمكن أن تزاد على رأس المال. إذا رأت الشركة أن من مصلحتها البقاء على رأس المال المكتتب فيه فتستطيع أن تتخلص من هذه الأسهم وتبيعها، وهذه عملية إجرائية تحتاج فقط إلى موافقة من الجمعية العمومية لأي شركة وهي عملية بسيطة، بذلك نضمن أن الشركات لا تضطر أصلًا من الاقتراض من البنوك أو من غيرها ولكن الذي يجعلها تضطر لهذا هو فقط مدة الإجراء التي تأخذها من أجل إصدارها الجديد فقد تأخذ شهرًا أو شهرين فهذه يمكن أن تجعل بعض الشركات تتردد ولكن إذا أردنا الوصول إلى الحلال فهناك طرق كثيرة نستطيع أن نستعملها بحيث نصل إلى الحلال من أقرب طريق. وأرجو الله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 10226

الدكتور عبد السلام داود العبادي: بسم الله الرحمن الرحيم. في ظني في هذا الموضوع أنه من غير المناسب أن نطلق العبارة بأن هنالك شركات تتعامل بالحرام وخاصة في مجال الربا، وأنه لا بد من التفصيل في هذه المسألة حتى نميز بين حالتين: حالة الشركات التي تودع أموالها بفائدة ربوية وتتحصل لديها هذه الفوائد كدخل للشركة. هذه العملية كما هو معلوم في هذا المجال تكتنفها تفصيلات كثيرة، يعني هل هذه الشركة لديها مجال للإيداع في بنك إسلامي؟ هل لديها في منطقتها ما يمكنها من إيداع أموالها في بنك إسلامي لتتعامل معه؟ قد تكون مضطرة لإيداع أموالها في هذا البنك، وبالتالي قضية أخذها الفوائد ليس إشكالًا على أن يتحرى المسلم ألَّا يدخل هذه الفوائد إلى حوزته وملكه إنما لا بد كما نص كثير من فقهائنا أن يصرفها في جهة خير أو في مصلحة عامة. الإشكال في الواقع ليس في هذا النوع من الشركات، القضية واضحة، وفي ظني عملية الحسبة – أيضًا – واضحة، معرفة ماذا دخل من مال عن طريق محرم في أرباح الشركة عملية سهلة للغاية ويمكن الاطلاع عليها في الميزانية ومعرفتها. المشكلة – في الواقع – في الشركات التي تأخذ تسهيلات ربوية وقروض ربوية، ومن المعلوم في هذا المجال أن بعض الشركات تكون تسهيلاتها الربوية أضعاف رأس مالها، ولذلك كيف يمكن أن نطلب من المسلم في هذه الشركات أن يحسب ما جاء عن طريق محرم وما لم يأت من طريق غير محرم؟ هذه عملية – في الواقع – في غاية الصعوبة ولا تظهر أيضًا في حسابات الشركة. لذلك نحن قد نميل إلى الرأي الذي يقول: بأنه إذا كانت العملية محدودة والأغلب هو الحلال لكن هذا الباب لا نستطيع أن نفتحه بسعته لا بد من قيود أخرى عليه. أعرف بعض الشركات هنالك عليها قروض ربوية ثلاثة أضعاف رأس مالها وما زالت تعمل وقد لا توزع أرباحًا، فكيف نقول للمساهم أنه إذا جاء ربح افعل كذا وكذا؟ يعني لا بد من الدخول في هذه القضية من الناحية العملية ومعالجتها بشمول ووضوح.

стр. 10227

ثم شيء آخر، نحن هنا نريد أن نتحدث عن الحكم الشرعي يجوز البقاء في هذه الشركات أو لا يجوز؟ يعني لا نريد أن نتحدث عن البدائل، واضح أن من أهم البدائل نشر البنوك الإسلامية والتوسع في وسائل الائتمان الإسلامية إلى آخره، لكن ليس هنا الحديث. هذا المسلم الذي يسألنا أيظل في هذه الشركة مساهمًا، أو يساهم في هذا النوع من الشركات أم لا؟ هذا الذي نريد أن نجيبه افعل أو لا تفعل. وشكرًا. الشيخ علي الشيباني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. أما بعد، فإنني أشكر الباحثين على البحوث القيمة التي قدموها لأننا ما كان لدينا إلمام بهذه البحوث، لماذا؟ لأنها لا تمت للشرع الإسلامي بأي صلة وهذا ما جعلنا نجهلها تمامًا وعلينا أن نعمل بما قال حذيفة بن اليمان: كانوا يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه. فمعرفة هذه المسائل لها أهمية لكي نتجنب ما هو حرام فنبتعد عنه. يلاحظ أن هذا الموضوع كسابقه لا يبيحهما الشرع الإسلامي لأن عملية البطاقة السابق ذكرها إذا كان مشروطًا أنه إذا لم يسدد المبلغ المطالب به في وقت محدد تضاف إليه فائدة وكلما تأخر التسديد تضاف أخرى وهذا هو ربا الجاهلية بعينه (أما أن تقضي أو تربي) . وعملية الأسهم – أيضًا – تتضمن فوائد ربوية تحددها الشركات في قروضها وغيرها، ولا يمكن أن نقول: إن صاحبها يتمادى فيها وعليه بعد ذلك أن يميز بين ما يحل من هذه العملية وما هو الحرام. هذه المسألة لا تقبل بأي حال فالذي كان يتعاطى هذه المسائل إذا كان يريد أن يتوب عنها له ما قال الله : ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩] .

стр. 10228

ليس علينا أو ليس من حقنا أن نلتمس الوسائل لحلية عمليات وضعت على غير أساس شرعي بل إن الذين وضعوها لا يهمهم حلية المعاملات أو حرمتها. فمعلوم أن العقود منها ما هو واضح الحلية ومنها ما هو واضح الحرمة وفيها ما فيه التباس على الباحثين والعلماء، فعلينا أن الذي وضحت حليته أو حرمته أن نحكم بذلك، والذي التبس علينا هو الذي نؤجل الحكم فيه حتى يتبين الحق ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة فعندما هاجر إلى المدينة – صلوات الله وسلامه عليه – وجد التجارة يسيطر عليها اليهود فاتخذ المسلمون سوقًا ونعلم أن هذه السوق تخرج منها الخليفة عثمان بن عفان أصبحت له أموال طائلة وكذلك عبد الرحمن بن عوف، هذه الأموال اكتسبوها من مال حلال ومن بيع، الفرق بين البيع والربا كل منهما فيه ربح إلَّا أن هذا حلال وهذا حرام كما قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الشيخ مصطفى الزرقاء: بسم الله الرحمن الرحيم. إخواني الأساتذة الكرام. موضوع أسهم شركات المساهمة موضوع معقد ويكثر السؤال عنه في كل مجال وهو في الحقيقة يمثل مشكلة أمام كثير من الذين لهم وفر محدود ويريدون ألا يجمدوه بل أن يستثمروه.

стр. 10229

موضوع الشركات مشكلته ليست فقط بالنسبة للشركات التجارية التي تؤسس شركات مساهمة لمشاريع تجارية، مثلًا هناك شركات تؤسس للتجارة في السلع بيعًا وشراء وتفتح مخازن لها فروع كثيرة، شركات مساهمة لكن هدفها تجاري مثل شركات البنوك، جميع البنوك تقوم على أساس شركات مساهمة. المشكلة أن هناك شركات وهي كثيرة جدًّا موضوع عملها أداء خدمات، يعين هناك لدينا شركات الكهرباء وشركات المياه وشركات النقل إلى آخر ما هنالك حتى الشركات التي تستثمر بعض الثروات الطبيعية في الدولة، فهذه الشركات مهمتها أداء خدمة للمجتمع وهذه الشركات تمثل ضرورة قائمة لا نكران فيها ذلك أن الشركات التجارية يمكن أن يقال إن لم تؤسس لا يتضرر المجتمع ويبقى عمل التجارة ماشيًا بوجودها وبدونها، ولكن شركات الخدمات هذه التي أصبحت اليوم تمثل قطاعًا من الخدمات ضروريًّا جدًّا في المجتمع كالكهرباء مثلًا والنقل والمياه - كما قلنا - تمثل قطاعًا ضروريًّا جدًّا وهذا المشروع الذي هو موضوعها في الحقيقة تكاد تكون تكاليفه عظيمة جدًّا تنوء بالدولة، واليوم معظم الخدمات العامة في بلادنا – بلاد العالم الثالث - كلها تقوم على أساس شركات تطرح موضوعاتها الدولة وتقوم هي بالتزام هذه الخدمات التي ذكرنا أمثلتها وإذا لم تؤسس هذه الشركات لا يمكن أن تحقق تلك الخدمات من الكهرباء والماء والنقل وسواها لا يمكن أن تحقق لعظم تكاليفها. ولكن نحن في عالمنا الثالث هذه المشاريع من الخدمات كلها لا تستطيع أن تقوم بها الدولة وفي الوقت نفسه لا تريد الدول في تلك البلاد التي تسمى بلاد العالم الثالث أو البلاد المتخلفة اقتصاديًّا أو النامية إلى آخره، هذه لا تريد أن تتخلى إلى شركة خاصة إلى شركة تجارية تنشئ المشروع وتطرح أسهمًا فيه إلى آخره لا تريد بل تريد الدول اليوم في هذا العالم الثالث تريد أن تبقى يدها قائمة على المشروع وأن تستفيد منه ومن الهامش التجاري الذي يكون فيه، هذه شركات كثيرة وضرورية جدًّا ولا سبيل إلى الاستغناء عنها وإلَّا بقي البلد متخلفًا في أهم المرافق الحيوية التي انتشرت في العالم، هذه الشركات لا سيطرة لأفراد معينين عليها وإنما هذه ترخص وتعطي امتيازًا وتقوم لأجل أداء هذه الخدمات لكن من أجل الربح – تربح – ولكن ربحها ناشيء من أداء خدمات، هذه الشركات لا يوجد – فيما أعلم – شركة في بلد ما من هذا النوع لا تتعامل أخذًا وعطاء مع البنوك بالفوائد، قد تستغني عن الاقتراض بما لديها من رأس مال من مجموع أسهمها ولكن لا توجد واحدة تمتنع عن التعامل مع المصارف الربوية ولا سيما إيداع أموالها كما أشار إليه الدكتور عبد السلام فإنها تودع أموالها لدى المصارف إذ لا تستطيع أن تحتفظ بسيولتها في صندوقها بل هذا كله يجري إيداعات في حسابات المصارف وهكذا. الاقتراض من الممكن أن يقال: إنها إذا كانت قادرة ماليًّا عندها السيولة الكافية لا تقترض ولكن الإيداع لا يوجد شركة تستغني عنه أبدًا ولا يوجد للشعب سلطة يمنعها من ذلك ولكن هدفها هو هدف – كما قلنا – خدمات وليس تجارة.. هذه الشركات تشكل قطاعًا كبيرًا بالنسبة لذوي الدخل المحدود، هناك الأيتام وهناك الأرامل وهناك أشخاص لديهم شيء من الوفر لا يصلح أن يشتري به عقار ليستثمر ولا يستطيعون هم أن يتاجروا به ويفتحوا مشروعًا تجاريًّا لا يستطيعون أن يستثمروه بأنفسهم فليس أمامهم لقاء وفرهم هذا إلَّا أن يودعوه في البنوك ونقول عندئذ: بوجود البنوك الإسلامية يستطيعون أن يودعوه فيها وتمنع عليهم إيداعه في البنوك الربوية ولكن هؤلاء إذا حرموا من شراء الأسهم – الأسهم تشكل أيضًا موردًا استثماريًّا لهؤلاء ذوي الوفر المحدود وإذا منعوا من تداول هذه الأسهم وشرائها لأجل عوائدها فإن ذلك يسد بابًا كبيرًا جدًّا عليهم ويضيق. فلذلك الرأي فيما أرى أنه يميز بالنسبة لشركات المساهمة بين الأنواع التالية:

стр. 10230

الشركات التي يكون موضوع نشاطها محرمًا، قد تكون شركة خمور – مثلًا – كما في البلاد الأجنبية هناك شركات لإنتاج الخمور فقط، أو تكون شركة بنوك ربوية إلى آخره، فهذا النوع من الشركات لا شك يجب أن يكون تداول أسهمه شراء وبيعًا واستثمارًا لأجل عوائده أن يكون هذا غير جائز شرعًا بلا شك ولا ريب، ولكن هناك شركات أخرى والتي هدفها تجاري كشركات الفروق التجارية الكبرى التي لها فروع في مختلف بلاد العالم منها شركات الفنادق إلى آخر ما هنالك، فهذه إذا كانت معظم معاملاتها – وقد تقترض بالربا وما إلى ذلك هذه أيضًا يمكن منعها – أي منع تداول أسهمها – على المستثمرين الصغار ويقال لهم: خذوا من شركات أخرى أو من بنوك إسلامية اشتروا أسهمًا، وأما شركات ذات الخدمات العامة التي يقوم مشروعها على خدمات ضرورية للمجتمع هذه ليس هدفها ربويًّا وإنما هي تؤدي خدمة تعجز عنها الدولة بنفسها، وطريقة الأسهم هي التي تجمع الشيء الكثير كما يقول المثل (القليل من الكثير كثير) ، تجتمع رؤوس أموال ضخمة تنشئ هذه المشاريع التي أصبحت ذات تكاليف عظيمة تعجز عنها الدولة فمثل هذه الشركات لا يملك أبناء المجتمع منعها بالمرّة من التعامل مع البنوك ولا سيما الإيداعات فالذي يبدو أن مثل هذه الشركات لا يحجر على الناس أن يتداولوا أسهمها ويمتلكوها سواء لبيع الأسهم وشرائها تجارة أو لأجل أخذ عائد السهم من الربح ولكن ينبغي هنا – نقطة الإشكال – إذا كانت هذه تودع أموالها وتأخذ عليها فوائد وقلنا الإيداع لأنه لا توجد شركة تخلو منه أبدًا فسد الباب يكون مشكلًا وإنما نحن نستطيع على أساس التنقية – تنقية المال – فيمكن أن يقال لمن يقتنون هذه الأسهم لأجل أرباحها كعائد لوفرهم القليل أن يستطيعوا – وهذا ممكن – بطريقة حسابية تقريبية ولا يشترط التدقيق التام بالفلس هذا لا يشترط وإنما الشيء التقريبي مقبول أن يفرزوا ما يقدر من عوائد دخلت على الشركة ومن فوائد ربوية وأن يوجهوه إلى الفقراء أو إلى المشاريع الإسلامية وبذلك نكون لم نسدد طرق إنشاء هذه الشركات وتداول أسهمها على ذوي الحاجة وبالقدر الممكن نقي الطريق من الشوائب. والله أعلم. القاضي محمد تقي العثماني: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: في الواقع إن موضوع الأسهم وجزئيته التي طرحت مساء اليوم من أخطر وأهم الموضوعات التي ناقشناها حتى الآن في هذه الدورة ولها أبعاد عميقة ينبغي ألا نسرع في الفتوى حتى نستكمل النظر في جميع هذه الأبعاد.

стр. 10231

الواقع أن هذا المجمع لو خرج بفتوى منع المستقبليات ومنع الخيارات فإنه لا يكون لهذه الفتوى أثر عملي بليغ في النشاط الاقتصادي في العالم الإسلامي أما إذا خرج المجمع بقرار أن شراء هذه الأسهم ولو كانت أسهم الشركات المساهمة التي معظم نشاطها حلال فإن هذه الفتوى ستؤثر على النشاط الاقتصادي في العالم الإسلامي كله أثرا بالغًا لا ينبغي أن نغض النظر عنه، ومما يجب أن نتنبه له أننا نتكلم الآن في تلك الشركات المساهمة فحسب التي معظم نشاطها حلال وأعمالها الجوهرية حلال شرعًا ولكنها قد تضطر أو قد تختار إيداع أموالها في البنوك الربوية، وقد تقترض بعض الأموال على أساس الفائدة ويقال: بما أنه دخل هذه الشركات الربا فلذلك لا يجوز لرجل عامي أن يشتري سهم مثل هذه الشركة المساهمة ولي في هذه الوجهة وقفة طويلة من الناحية الشرعية والفقهية. الدليل الذي يستدل به في منع شراء الأسهم في مثل هذه الشركات هو أن حامل السهم موكل والشركة المساهمة وكيل لحامل السهم في جميع نشاطاتها فإذا كانت تقترض على أساس الفائدة أو تودع أموالها في البنوك الربوية فإن هذه المعاملة الربوية ستنسب إلى حامل السهم فلا يجوز لحامل السهم أن يدخل في هذه المعاملة الربوية. الواقع أن هذا الدليل ينبني على أن الشركة المساهمة قد اعتبرت شركة عنان كما ذكره فقهاؤنا, والذي ينبغي أن نتنبه له هو أن الشركة المساهمة اليوم لا تدخل في إحدى الأقسام الأربعة من الشركة التي ذكرها الفقهاء في كتبهم، لا هي شركة مفاوضة ولا هي شركة عنان ولا هي شركة وجوه ولا ثنايا لا تدخل في أحد من هذه الأقسام إنما هي قسم جديد، فلا تطبق عليه جميع الأحكام التي ذكرها الفقهاء في كتبهم حول هذه الأقسام الأربعة. هذا قسم مستحدث لا ينبغي أن نطبق عليه جميع الأحكام التي ذكرها الفقهاء في الأقسام الأربعة، صحيح أن الشريك يكون وكيلًا لشريكه ولكن الوكالة لها درجات، هل هي وكالة عامة، أو وكالة في شيء مخصوص؟ فإن اشتريت سهمًا في إحدى شركات المساهمة وصرحت في الجمعية العمومية بأنني لا أقبل معاملة ربوية ولا أرضى بها فكيف يقال أني موكل لتلك الشركة المساهمة ووكلتها للدخول في معاملة ربوية؟ فما دمت صرحت في الجمعية العمومية بأني غير راض على أية معاملة ربوية فإن الشركة المساهمة لو دخلت في معاملة ربوية فإنها لا يجوز أن تنسب إليَّ. فمن هذه الناحية لا نستطيع أن نقول: إن شراء السهم حرام من حيث إنه يكون توكيلًا للشركة في معاملات ربوية.

стр. 10232

والنقطة الأخرى التي يجب أن ننتبه لها هي أن – كما ذكر فضيلة الدكتور عبد السلام العبادي – حفظه الله أن كمية المال التي تقترضها هذه الشركات المساهمة على أساس الفائدة ربما تتضاعف عن رأس مالها ولكن ينبغي أن نفرق بين حالتين: الاقتراض على أساس الفائدة حرام لا شك فيه ولكن من اقترض أموالًا على أساس الفائدة ثم استربح فيها وشغلها في التجارة وحصل منها على عوائد هل تحرّم تلك العوائد؟ هل تحرّم تلك الأرباح؟ نعم إنه ارتكب حرامًا صريحًا ويعاقب عليه في الآخرة ولكن إذا شغل هذه الأموال بطريق مباح وحصل من طريق ذلك على أرباح فإن تلك الأرباح تكون حلالًا، تكون جائزة استعمالها وإلَّا صارت جميع ما نستعمله في حياتنا اليومية حرام. الشركات المساهمة قد دخلت في حياتنا في المطاعم التي نأكلها، في الملابس التي نلبسها، في المراكب التي نركبها، وفي المساكن التي نسكنها، فلو قلنا: إن من اقترض مالًا على أساس الفائدة ثم شغله في التجارة فتكون الأرباح كلها حرامًا فتصير هذه الأشياء كلها حرامًا. فالقاعدة الفقهية المعروفة أنه من اقترض على أساس الربا فإنه ارتكب حرامًا ولكن بعد الاقتراض ملك ذلك المال وما ربح من ذلك المال فإنه لا يقال فيه إنه حرام، فلذلك لا نستطيع أن نقول: إن معظم أموال الشركة المساهمة حصلت عن طريق حرام، نعم هنالك أموال توجد هذه الشركات المساهمة في البنوك الربوية وتحصل منها على فائدة ويمكن التخلص منها بأن من اشترى هذا السهم يتصدق بنسبة الأرباح التي حصلت الشركة المساهمة عن هذا الطريق الحرام يتصدق بهذه النسبة.

стр. 10233

بناء على هذا الذي أميل إليه وأراه وأدين الله تعالى عليه هو أن شراء هذه الأسهم يجوز بشروط ثلاثة: الأول: أن تكون الشركة المساهمة نشاطها الجوهري حلال. الثاني: يجب على مشتري السهم أن يدفع صوته في الجمعية العمومية ضد المعاملات الربوية. الثالث: ما حصل من الربح عن طريق هذا السهم فإنه يتصدق بالنسبة التي حصلت عليها الشركة عن معاملات ربوية. وبهذه الشروط الثلاثة أميل إلى جواز شراء السهم وقد نوقش هذا الموضوع في عدة ندوات والذي أريد أن أقترحه على رئاسة المجمع أنه لو اتخذ قرار في هذا الموضوع في هذه الدورة فإني أرجو أن يكون بعد التصويت على هذا الموضوع لأنه موضوع مهم جدًّا ويؤثر على حياتنا الاقتصادية ونشاطنا الاقتصادي فينبغي أن تطرح الصورة بصورة واضحة ويطرح للتصويت ثم يتخذ القرار. والله سبحانه أعلم. الشيخ صالح: بسم الله الرحمن الرحيم. قال الله : ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] .

стр. 10234

وإذا كان الفقهاء – ﵏ – في شأن مشاركة الكتابي – اليهودي والنصراني – قال الشافعية: تكره مشاركة اليهودي والنصراني لأنهم يستحلون الربا والربا لا يحل. وقال المالكية – ونحو قولهم قال أحمد -: لا تجوز مشاركته إلَّا أن يلي المسلم التصرف أو ألَّا ينفرد الكتابي بالمال، خشية أن يقع في الربا. فإذا كان الفقهاء قد حذروا ومنعوا من مشاركة غير المسلم للمسلم ولم يأذنوا له بإطلاق التصرف في الإدارة خشية من الوقوع في الربا، فكيف نجيز أن تودع الشركات بفوائد ربوية أو تأخذ تسهيلات ربوية؟ وإذا كان الفقهاء – أيضًا – قالوا في السبب الباعث على العقد: إنه يحرم العقد ويبطل إذا كان السبب الباعث عليه محرمًا كبيع العنب لمن يتخذه خمرًا – لمن يعصره خمرًا – مع أنه قد لا يعصره خمرًا, وكبيع السلاح في أيام الفتنة ولقطاع الطرق. إذا كانوا حرموا العقد وأبطلوه وأصله جائز، فبيع العنب أو التمر جائز ومع هذا منعوه فكيف نجيز صورة واضحة فيها الربا؟ أما مسألة إخراج نصيبه من الحرام وتقديره فهذا قال به الفقهاء لكن هذا يتوب لمن أراد أن يتوب وأن يخلص أمواله من الربا. شخص وقع في أمر محرم أو في ربا واختلط ماله بالحرام يميز قدر هذا من قدر هذا، لكن لا يكون هذا في إنسان يعلم أن الشركة تتعامل بالفوائد الربوية ويشتري أسهمها أو يشارك في أسهمها. هذا الذي قاله الفقهاء هو في إنسان وقع خطأ أو جهلًا بأمر من الأمور فتبين له مستقبلًا أنه حرام كيف يطهر ماله؟ يتخلص بإخراج الحرام ثم إن هذا لا يجيز له أن يعيد الكرّة تلو الكرّة وإنما هي توبة وإخراج لهذا الجزء، أما أن يخرج كل مرة وكل سنة فهذا لم يقل به الفقهاء. أما ما قاله البعض من الإخوة الأفاضل من إمكانية تجويز هذا للحاجة ولأن كثيرًا من الناس لا يستطيعون أن ينموا أموالهم إلَّا بطريق توظيفها في هذه الشركات، لماذا لا تكون شركات سليمة من الربا؟ وهل كل الشركات القائمة حاليًّا تتعامل بالفوائد الربوية؟ ثم إنه ماذا تريد البنوك الربوية أكثر من أن يصدر لها فتوى بجواز مثل هذا؟! إذا وافق أو رأى بعض المشائخ جواز استثمار الأسهم في الشركات التي تودع أموالها بفوائد ربوية أو تقترض بفوائد ربوية ماذا بقي بعد هذا؟ وماذا تريد البنوك الربوية أكثر من هذا؟ هذا ما أحببت أن أضيفه وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 10235

الرئيس: في الواقع أن الشيخ صالح أشار إلى نقطة مهمة وهي التي تقضي أن تنزل نصوص الفقهاء منازلها، وهو أن كلام الفقهاء في مثل هذه فيما إذا وقع إنسان وأراد أن يتوب أو أن يرجع إلى الله، أما أن يستقبل في حياته معاملة يعرف سلفًا أنها تتعامل بما حرّم الله فكلامهم لا ينسحب على مثل هذه الصورة وإنما ينسحب على من وقع، كيف ينتشل مما وقع فيه؟ الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة: بسم الله الرحمن الرحيم. حضرات أصحاب الفضيلة المشائخ من أعضاء وخبراء لن أتدخل في هذا الموضوع لاعتقادي أنه قد أخذ حظه وأن النقاش قد طال فيه وأن وجهات النظر واضحة وأن لجنة الصياغة – بإذن الله – ستتولى جمع واستحضار كل ما قيل وكل ما قدّم في ندوة البحرين أولًا ثم ما عرض هنا وما استفدناه من الدراسات التي قدمت، فبعد الصياغة كما تفضل الشيخ تقي العثماني – جزاه الله خيرًا – تقع مناقشة هذه الصياغة لإعطائها الشكل المناسب والوجهة التي يراها المجمع ولو أدى الأمر إلى التصويت، هذه ناحية. الناحية الثانية التي أردت أن أشير إليها ليست متعلقة بهذا الموضوع ولكنها تتعلق بكل الموضوعات واسمحوا لي بهذا التدخل الذي يخرجنا عن ما نحن فيه الآن. هذا الموضوع هو أن الدراسات التي تقدم، أكثرها لا يعود أصحابها إلى قراءتها فتأتي فيها أخطاء مطبعية أو سهو ويأتي فيها عدم التوثيق وتأتي فيها أشياء كثيرة حتى في بعض الأحيان تغيير الآيات وتحريف للكلام عن موضعه وكذلك الأحاديث التي يستشهد بها يؤخذ منها كلمة ولا ينبه على الأصل الذي أخذ منه ذلك الحديث، إلى آخره. فنحن – وأنتم أحرص الناس على هذا – في مجمع والدراسات التي تصدر عنا حتى اليوم نحاول أن تكون في المستوى المجمعي ولذلك فإننا نحرص ونرجو من حضراتكم أن تقدموا لنا أعمالًا قيمة – بإذن الله – نستطيع أن نعدّها للنشر أو أن نقدّمها للنشر في غاية السهولة لأني بالنسبة للعدد الأخير وهو السادس صدقوني قضينا أكثر من سنة كاملة نراجع النصوص ونصححها ونكلمها ونوثقها ثم يأتي العذاب الثاني وهو الأشد وهو عذاب المطبعة، فأرجوكم أن تعودوا ما قدمتموه من دراسات في هذه الدورة وتتعقبوه بالمراجعة حتى تكون النصوص بين أيدينا نهائية، هذا واحد. الأمر الثاني: كثير من الإخوة خارج البلاد العربية سواء من المسلمين أو من غير المسلمين يطالبون أو يريدون التطلع والتعرف على نشاط المجمع وعلى ما يقدم فيه من بحوث ودراسات، نحن لا نستطيع وليس في إمكاننا ماديًّا أن ننفق على الترجمة للغات الأجنبية بالنسبة لكل ما يقدم إلينا من نصوص فأنا أقترح على حضراتكم شيئًا واحدًا هو أن كل واحد قدّم بحثًا في هذه الدورة لينشر في العدد السابق ينبغي أن يكون مصحوبًا بملخص، ذلك الملخص ينقل إلى اللغة الفرنسية والإنجليزية وبذلك تكون اللغات الثلاث لغات منظمة المؤتمر الإسلامي موجودة وننقله كما يعلم فضيلة الشيخ تقي الدين – جزاه الله خيرًا – وقد أعاننا إعانة كبيرة نقلنا القرارات إلى الأردية وسننقلها إلى الفارسية وإلى غيرها من اللغات بإعانتكم. وشكرًا لكم على هذا الاهتمام.

стр. 10236

الدكتور على أحمد السالوس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله. أولًا بالنسبة للشركات بعض الشركات المساهمة لا تدخل في هذه الشركات هي شركة عنان بكل ما فيها، المال للشركاء جميعًا والعمل يقوم به الموظفون ويأخذون أجورهم من أصحاب المال ومجلس الإدارة يأخذ مكافأته من أصحاب المال والضمان على أصحاب المال. إذن هي شركة عنان بجميع جوانبها لا ينقصها شيء إطلاقًا. شركات المساهمة شركات عنان ولكن غاية ما هناك أنهم لا يقومون بالعمل بأنفسهم وإنما يستأجرون من يقوم بهذا العمل فكأنهم هم الذي يقومون بهذا العمل. الأمر الآخر وهو مسألة أن الحرام يقع على مجلس الإدارة وعلى المدير وعلى الهيئة هذه نعم ولكن ليس عليهم وحدهم لأنهم أجراء، يعملون بأجر لدى المساهمين ولذلك المساهمون هم الذين يقولون لهم افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا، هم الذين يعينونهم وهم الذين يفصلونهم. إذن المساهمون هم الذين يقع عليهم الحرام أصلًا وهؤلاء يقع عليهم تبعًا إذا قلنا الأصل والتبع فالأصل على المساهمين ومجلس الإدارة غير هؤلاء لأن المساهمين يستطيعون أن يعزلوا هؤلاء جميعًا. هذا أمر. الأمر الآخر، رفع المشقة والحرج وكذا، كل هذه الأمور هذا يبيح لنا أن نتعامل بالربا؟ رفعًا للحرج. هل أهمية الشركات في حياة المسلمين تدفعنا أن يقول المجمع: يجوز التعامل في شركات فيها ربا أي أننا نبيح الربا؟ الأمر لا بد أن ننظر إلى هذا الأشياء وأثرها في العالم الإسلامي. كذلك مسألة أن نحول شركة ربوية إلى شركة إسلامية هذا أمر آخر، يعني لو أن أحدًا استطاع أن يشتري أسهم شركة واشترى أكثر من خمسين في المائة من أسهم الشركة فحولها إلى شركة إسلامية هذا أمر آخر ولكن الذين يستثمرون أموالهم في شركات تتعامل بالربا هؤلاء شركاء في كل ما يصدر عن هذه الشركة من أعمال سواء أكان بالإيداع أو بالاقتراض بالربا، هم الذين يقومون بهذا والمدير وغير المدير إنما هو ينفذ ما يأمره من عينه وهم هؤلاء المساهمون. الأمر الآخر، القليل والكثير إنما قليل من الربا حرام لا يستطيع أحد أن يقول القليل من الربا حلال. نتخلص من هذا الربا كما أشار الإخوة، نص قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] . فلا بد أن نبدأ أولًا بالتوبة أما الاستمرار في أخذ الربا والتخلص من الربا والاستمرار والأخذ والتصرف، هذا يعارض نص كتاب الله تعالى. الشركات ذات الأهمية البالغة لو قلنا بأن هذه نبيحها في المجتمعات الإسلامية وأن تقوم وفيها التعامل بالربا. إذن كيف يتحول المجتمع المسلم إلى إنشاء شركات إسلامية؟ لو قال هنا من البداية: إن شركات البنوك الربوية ضرورة ولا بد أن نبقيها ولا اقتصاد بغير بنوك ولا بنوك بغير فوائد لو قلنا هذا وسكتنا إذن ما كانت البنوك الإسلامية لتقوم، وكذلك بالنسبة للشركات لو قلنا: يجوز للمسلم أن يتعامل مع هذه الشركات مع وجود الربا وإنما يحسب الربا، ويخرج الربا, إذن لا تقوم شركات إسلامية ولا بد إذن أن نكون في هذا الوعي. المسألة إذا أحللنا هذا معناه أننا سنحل حرامًا بينًا وهو الربا.

стр. 10237

الحرام لذاته والحرام لغير ذاته. هنا مسألة الاضطرار ليست حرامًا في ذاتها ولكن جاء من طريق حرام، هل هذا يعني أن الاضطرار إذا جاء من طريق حرام وهو في ذاته ليس حرامًا أنه يحل لمسلم أن يأخذه أو أن يتعامل به؟ ما الفرق إذن بين خنزير ودينار جاء من الربا؟ هذا حرام وهذا حرام في نظر الشرع سواء أكان هذا في ذاته أو ليس في ذاته. الدينار من الربا حرام في ذاته وإن كان الدينار نفسه ليس نجسًا إنما في ذاته لأنه جاء من طريق ربوي، هو حرام في ذاته. الشروط التي وضعها فضيلة الشيخ الأخ الكريم الشيخ تقي، أن يكون نشاطها الجوهري حلالًا، والجزء الحرام ورفع الصوت بأنه لا يوافق على المعاملات الربوية، ولكن هي المعاملات قائمة وعندما دخل عرف أن المعاملات الربوية قائمة وقبل هذا، ونريد أن نصدر فتوى بأن نقول له: أقدم ولا تخف هذا حلال. إذن هنا رفع الصوت وحده لا يكفي لأنه يعلم أن هذا حرام وإذا رفع صوته ولم يستطع أن يغيّر فكيف نقول له هذا حلال وادخل هنا وهذا حلال؟ التصدق بالأموال الربوية كما أشار الأخ، إذن أيها الإخوة أرجو ونحن نبحث هذه الموضوعات ألا يضغط علينا الواقع المعاصر المؤلم الذي لم نضعه نحن وإنما وضعه غيرنا ألَّا يضغط علينا لنصدر فتوى تحل حرامًا بينًا مهما قل لأن درهم ربا كما أشار فضيلة الأخ الكريم درهم ربا واحد أشر من كذا زنية، إذن هنا أرجو أن نراعي هذا. والله هو الأعلم بالصواب.

стр. 10238

القاضي محمد تقي العثماني: بسم الله الرحمن الرحيم. أريد أن أذكر، ذكر أحد الإخوة أن الفقهاء قالوا: مشاركة اليهودي والنصراني لا تجوز، ومما أريد أن أذكره هنا أن فقهاء الحنفية ومنهم السرخسي ذكر في مبسوطه أنه تجوز المشاركة مع اليهودي والنصراني، وذكر أنه يكره تنزيهًا. فما دام هناك قول من أحد الفقهاء وييسر على الناس في مثل هذه المسألة التي دخلت في حياتنا فنستطيع أن نأخذ بهذا القول وموجود في مبسوط السرخسي أنه ذكر أنه يكره تنزيهًا. وشكرًا. الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم. بهذا تنتهي المداولات حول الأسهم وتعلمون أنه في ندوة البحرين وفي الندوة التي عقدها مجمع الفقه هنا اتفقت جميعها على جميع مفردات المسائل في الأسهم ما عدا المسألة الأخيرة التي طرحت للنقاش اليوم وأخذت حظًّا كبيرًا منه فإنه في ندوة البحرين توقفوا فيها حتى مزيدًا من البحث، وأما في الندوة التي عقدت في المجمع هنا فإنهم أبدوا رأيا باتًّا بها ومحضر الندوتين موجودان – إن شاء الله – وستكون بين يدي اللجنة للأسواق المالية ويضاف إليها الشيخ علي السالوس. وصلَّى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 10239

القَرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم: ٦٥/١/٧ بشأن الأسواق المالية إن مجلس الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذي القعدة ١٤١٢هـ الموافق ٩-١٤ مايو ١٩٩٢م. بعد إطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: " الأسواق المالية " الأسهم، الاختيارات، السلع، بطاقة الائتمان. وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله. قرر: أولًا – الأسهم: ١- الإسهام في الشركات: (أ) بما أن الأصل في المعاملات الحل فإن تأسيس شركة مساهمة ذات أغراض وأنشطة مشروعة أمر جائز. (ب) لا خلاف في حرمة الإسهام في شركات غرضها الأساسي محرم، كالتعامل بالربا أو إنتاج المحرمات أو المتاجرة بها. (ج) الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانًا بالمحرمات، كالربا ونحوه، بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة.

стр. 10240

٢- ضمان الإصدار (UNDER WRITING) : ضمان الإصدار: هو الاتفاق عند تأسيس شركة مع من يلتزم بضمان جميع الإصدار من الأسهم، أو جزء من ذلك الإصدار، وهو تعهد من الملتزم بالاكتتاب في كل ما تبقى مما لم يكتتب فيه غيره وهذا لا مانع منه شرعًا إذا كان تعهد الملتزم بالاكتتاب بالقيمة الاسمية بدون مقابل لقاء التعهد، ويجوز أن يحصل الملتزم على مقابل عن عمل يؤديه – غير الضمان – مثل إعداد الدراسات أو تسويق الأسهم. ٣- تقسيط سداد قيمة السهم عند الاكتتاب: لا مانع شرعًا من أداء قسط من قيمة السهم المكتتب فيه وتأجيل سداد بقية الأقساط، لأن ذلك يعتبر من الاشتراك بما عجل دفعه، والتواعد على زيادة رأس المال، ولا يترتب على ذلك محذور لأن هذا يشمل جميع الأسهم، وتظل مسؤولية الشركة بكامل رأس مالها المعلن بالنسبة للغير، لأنه هو القدر الذي حصل العلم والرضا به من المتعاملين مع الشركة. ٤- السهم لحامله: بما أن المبيع (السهم لحامله) هو حصة شائعة في موجودات الشركة وأن شهادة السهم هي وثيقة لإثبات هذا الاستحقاق في الحصة فلا مانع شرعًا من إصدار أسهم في الشركة بهذه الطريقة وتداولها.

стр. 10241

٥- محل العقد في بيع السهم: إن المحل المتعاقد عليه في بيع السهم هو الحصة الشائعة من أصول الشركة، وشهادة السهم عبارة عن وثيقة للحق في تلك الحصة. ٦- الأسهم الممتازة: لا يجوز إصدار أسهم ممتازة لها خصائص مالية تؤدي إلى ضمان رأس المال أو ضمان قدر من الربح أوتقديمها عند التصفية، أو عند توزيع الأرباح. ويجوز إعطاء بعض الأسهم خصائص تتعلق بالأمور الإجرائية أو الإدارية. ٧- التعامل في الأسهم بطرق ربوية: (أ) لا يجوز شراء السهم بقرض ربوي يقدمه السمسار أو غيره للمشتري لقاء رهن السهم، لما في ذلك من المراباة وثوثيقها بالرهن وهما من الأعمال المحرمة بالنص على لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. (ب) لا يجوز أيضًا بيع سهم لا يملكه البائع وإنما يتلقى وعدًا من السمسار بإقراضه السهم في موعد التسليم، لأنه من بيع ما لا يملكه البائع، ويقوي المنع إذا اشترط إقباض الثمن للسمسار لينتفع به بإيداعه بفائدة للحصول على مقابل الإقراض.

стр. 10242

٨- بيع السهم أو رهنه: يجوز بيع السهم أو رهنه مع مراعاة ما يقتضي به نظام الشركة، كما لو تضمن النظام تسويغ البيع مطلقًا أو مشروطًا بمراعاة أولوية المساهمين القدامى في الشراء، وكذلك يعتبر النص في النظام على إمكان الرهن من الشركاء برهن الحصة المشاعة. ٩- إصدار أسهم مع رسوم إصدار: إن إضافة نسبة معينة مع قيمة السهم، لتغطية مصاريف الإصدار، لا مانع منها شرعًا ما دامت هذه النسبة مقدرة تقديرًا مناسبًا. ١٠- إصدار أسهم بعلاوة إصدار أو حسم (خصم) إصدار: يجوز إصدار أسهم جديدة لزيادة رأس مال الشركة إذا أصدرت بالقيمة الحقيقية للأسهم القديمة (حسب تقويم الخبراء لأصول الشركة) أو بالقيمة السوقية. ١١- ضمان الشركة شراء الأسهم: يرى المجلس تأجيل إصدار قرار في هذا الموضوع لدورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة. ١٢- تحديد مسؤولية الشركة المساهمة المحدودة: لا مانع شرعًا من إنشاء شركة مساهمة ذات مسؤولية محدودة برأس مالها، لأن ذلك معلوم للمتعاملين مع الشركة وبحصول العلم ينتفي الغرر عمن يتعامل مع الشركة. كما لا مانع شرعًا من أن تكون مسؤولية بعض المساهمين غير محدودة بالنسبة للدائنين بدون مقابل لقاء هذا الالتزام. وهي الشركات التي فيها شركاء متضامنون وشركاء محدودو المسؤولية.

стр. 10243

١٣- حصر تداول الأسهم بسماسرة مرخصين، واشتراط رسوم للتعامل في أسواقها: يجوز للجهات الرسمية المختصة أن تنظم تداول بعض الأسهم بأن لا يتم إلَّا بواسطة سماسرة مخصوصين ومرخصين بذلك العمل لأن هذا من التصرفات الرسمية المحققة لمصالح مشروعة. وكذلك يجوز اشتراط رسوم لعضوية المتعامل في الأسواق المالية لأن هذا من الأمور التنظيمية المنوطة بتحقيق المصالح المشروعة. ١٤- حق الأولوية: يرى المجلس تأجيل البت في هذا الموضوع إلى دورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة. ١٥- شهادة حق التملك: يرى المجلس تأجيل البت في هذا الموضوع إلى دورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة. ثانيًا – بيع الاختيارات صورة العقد: إن المقصود بعقود الاختيارات الاعتياض عن الالتزام ببيع شيء محدد موصوف أو شرائه بسعر محدد خلال فترة زمنية معينة أو في وقت معين إما مباشرة أو من خلال هيئة ضامنة لحقوق الطرفين.

стр. 10244

حكمه الشرعي: إن عقود الاختيارات – كما تجري اليوم في الأسواق المالية العالمية – هي عقود مستحدثة لا تنضوي تحت أي عقد من العقود الشرعية المسماة. وبما أن المعقود عليه ليس مالًا ولا منفعة ولا حقًّا ماليًّا يجوز الاعتياض عنه فإنه عقد غير جائز شرعًا. وبما أن هذه العقود لا تجوز ابتداءً فلا يجوز تداولها. ثالثاً- التعامل بالسلع والعملات والمؤشرات في الأسواق المنظمة: ١- السلع: يتم التعامل بالسلع في الأسواق المنظمة بإحدى أربع طرق هي التالية: الطريقة الأولى: أن يتضمن العقد حق تسليم المبيع وتسلم الثمن في الحال مع وجود السلع أو إيصالات ممثلة لها في ملك البائع وقبضه. وهذا العقد جائز شرعًا بشروط البيع المعروفة. الطريقة الثانية: أن يتضمن العقد حق تسلم المبيع وتسلم الثمن في الحال مع إمكانهما بضمان هيئة السوق. وهذا العقد جائز شرعًا بشروط البيع المعروفة.

стр. 10245

الطريقة الثالثة: أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل ودفع الثمن عند التسليم وأن يتضمن شرطًا يقتضي أن ينتهي فعلًا بالتسليم والتسلم. وهذا العقد غير جائز لتأجيل البدلين. ويمكن أن يعدل ليستوفي شروط السلم المعروفة. فإذا استوفى في شروط السلم جاز. وكذلك لا يجوز بيع السلعة المشتراة سلمًا قبل قبضها. الطريقة الرابعة: أن يكون العقد على تسليم سلعة موصوفة في الذمة في موعد آجل ودفع الثمن عند التسليم دون أن يتضمن العقد شرط أن ينتهي بالتسليم والتسلم الفعليين بل يمكن تصفيته بعقد معاكس. وهذا هو النوع الأكثر شيوعًا في أسواق السلع، وهذا العقد غير جائز أصلًا. ٢- التعامل بالعملات: يتم التعامل بالعملات في الأسواق المنظمة بإحدى الطرق الأربع المذكورة في التعامل بالسلع. ولا يجوز شراء العملات وبيعها بالطريقتين الثالثة والرابعة. أما الطريقتان الأولى والثانية فيجوز فيهما شراء العملات وبيعها بشرط استيفاء شروط الصرف المعروفة.

стр. 10246

٣- التعامل بالمؤشر: المؤشر هو رقم حسابي يحسب بطريقة إحصائية خاصة يقصد منه معرفة حجم التغير في سوق معينة. وتجري عليه مبايعات في بعض الأسواق العالمية. ولا يجوز بيع وشراء المؤشر لأنه مقامرة بحتة وهو بيع شيء خيالي لا يمكن وجوده. ٤- البديل الشرعي للمعاملات المحرمة في السلع والعملات: ينبغي تنظيم سوق إسلامية للسلع والعملات على أساس المعاملات الشرعية وبخاصة بيع السلم والصرف والوعد بالبيع في وقت آجل والاستصناع وغيرها. ويرى المجمع ضرورة القيام بدراسة وافية لشروط هذه البدائل وطرائق تطبيقها في سوق إسلامية منظمة. رابعًا – بطاقة الائتمان: تعريفها: بطاقة الائتمان هي مستند يعطيه مصدره لشخص طبيعي أو اعتباري – بناء على عقد بينهما – يمكنه من شراء السلع أو الخدمات ممن يعتمد المستند دون دفع الثمن حالًا لتضمنه التزام المصدر بالدفع. ومن أنواع هذا المستند ما يمكن من سحب نقود من المصارف. ولبطاقات الائتمان صور:

стр. 10247

- منها ما يكون السحب أو الدفع بموجبها من حساب حاملها في المصرف وليس من حساب المصدر فتكون بذلك مغطاة. ومنها ما يكون الدفع من حساب المصدر ثم يعود على حاملها في مواعيد دورية. - ومنها ما يفرض فوائد ربوية على مجموع الرصيد غير المدفوع خلال فترة محددة من تاريخ المطالبة. ومنها ما لا يفرض فوائد. - وأكثرها يفرض رسمًا سنويًّا على حاملها ومنها ما لا يفرض فيه المصدر رسمًا سنويًّا. وبعد التداول قرر المجلس تأجيل البت في التكييف الشرعي لهذه البطاقة وحكمها إلى دورة قادمة لمزيد من البحث والدراسة. والله أعلم

стр. 10248

البيع بالتقسيط المحور الأول: (المداينة ونظرة الإسلام إليها) . المحور الثاني: (بين صلح الحطيطة وحسم الكمبيالة) . المحور الثالث: (ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار) . إعداد الدكتور نزيه كمال حماد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المحور الأول (المداينة ونظرة الإسلام إليها) حكمها التكليفي: ١ – للمداينة في النظر الفقهي صور شتي، أهمها البيع الآجل والسلم والقرض. ولا يختلف الحكم التكليفي للبيع الآجل عن السَّلَم؛ لأن كلًّا منهما عبارة عن بيع جعل فيه أحد العوضين موجلًا، فأما البيع الآجل؛ فقد تأخر فيه الثمن، وأما السلم فالمتأخر فيه المثمن. والأصل في حكمهما الحل والإباحة، لحاجة الناس للتداين بهما في الجملة، ما لم يكن فيهما استغلال من الدائن لحاجة المدين إلى هذه المعاقدة، بحيث ينطوى البدل المؤخر في حق الطرف الغابن المستغل، قياسًا على بيع المضطر بزيادة على بذل المثل استغلالًا لحاجته. جاء في الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي: قال أبو طالب: قيل لأحمد: إن ربح الرجل في العشرة خمسة، أيكره ذلك؟ قال: إذا كان أجله إلى سنة أو أقل بقدر الربح فلا بأس به. وقال جعفر بن محمد: سمعت أبا عبد الله يقول: بيع النسيئة إذا كان مقاربًا فلا بأس به. ثم علق شيخ الإسلام ابن تيمية على ذلك بقوله: وهذا يقتضي كراهة الربح الكثير الذي يزيد على قدر الأجل، لأنه يشبه بيع المضطر، وهذا يعم بيع المرابحة والمساومة (١) .

стр. 10249

٢ – أما القرض، فلا خلاف بين العلماء في أن الأصل فيه – أي في حق المقرض – أنه قربة من القرب، لما فيه من إيصال النفع للمقترض وقضاء حاجته وتفريج كربته وإعانته على كسب قربة غالبًا، وأن حكمة من حيث ذاته الندب، لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: ((من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا، كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه)) (١) . لكن قد يعرض له الوجوب أو الكراهية أو الحرمة أو الإباحة، بحسب ما يلازمه أو يفضي إليه، لأن الوسائل تأخذ حكم المقاصد. وبناء على ذلك نص الفقهاء على أن المقترض إذا كان مضطرًّا إلى المال، كان إقراضه واجبًا، وإن علم المقرض أو غلب على ظنِّه أن المقترض ينفقه في معصية أو مكروه، كان حرامًا أو مكروهًا على حسب الحال. ولو اقترض تاجر لا لحاجة، بل ليزيد في تجارته طمعًا في الربح الذي يحصل له من ذلك، كان إقراضه مباحًا. ومثل ذلك ما لو أقرض غنيًّا لغرض الدافع ومصلحته، كحفظ ماله بإحرازه في ذمة المقترض الموسر، فإنه يكون مباحًا أيضًا، حيث إنه لم يشتمل على تنفيس كربة لمحتاج، ليكون مطلوبًا شرعيًّا (٢) . ٣ – أمَّا في حق المقترض، فالأصل في حكمه الإباحة، وذلك لمن علم من نفسه الوفاء، بأن كان له مال مرتجى، وعزم على الوفاء منه، وإلَّا لم يجز، وكان آثمًا في التدليس لإخفاء حاله على مقترضه، ما لم يكن مضطرًّا – فإن كان كذلك وجب في حقِّه لدفع الضرر عن نفسه – أو كان المقترض عالمًا بعدم قدرته على الوفاء وأعطاه مع ذلك، فلا يحرم عليه حينئذ الاقتراض، لأن المنع إنما كان لحق المقترض، وقد أسقط حقه مع علمه بحاله (٣) . قال ابن حجر الهيتمي في " الإنافة ": فعلم أنه لا يحلُّ لفقير إظهار الغني عند الاقتراض، لأن فيه تغريرًا لمقرض " (٤) وقال في " تحفة المحتاج ": " ومن ثم لو علم المقترض أنه إنما يقرضه لنحو صلاحه، وهو باطنًا بخلاف ذلك، حرُم عليه الاقتراض أيضًا، كما هو ظاهر " (٥) . بل إنه عدَّ في كتابه "الزواجر" الاستدانة مع نيَّة عدم الوفاء أو مع عدم رجائه، بأن لم يضطر، ولا كان له جهة ظاهرة يفي منها، والدائن جاهل بحاله: من الكبائر (٦) . لما روى البخاري عن النبي ﷺ قال: ((من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله)) . والطبراني عنه ﷺ قال: ((من ادَّان دينًا، وهو ينوي أن يُؤدِّيَه فمات، أدَّاهُ اللهُ عنه يوم القيامةِ, ومن استدان دينًا وهو ينوي ألَّا يُؤدِّيَه فمات, قال الله له يومَ القيامةِ: ظننتَ أنِّي لا آخذ لعبدي بحقِّهِ؟ فيؤخذُ من حسناته فتجعل في حسنات الآخر، فإن لم يكن له حسنات، أخذ من سيئات الآخر، فتجعل عليه)) . هذا، وقد اختلف الفقهاء فيمن يرغب في النكاح ولا مالَ له: هل يستحب له أن يقترض ويتزوج؟ فقال بعضهم: يستحب له ذلك، لكونه وسيلة لتحقيق مطلوب شرعي، وهو النكاح وقال. وقال غيرهم: لا يستحب له ذلك (٧) ، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٣] .

стр. 10250

الاقتراض على بيت المال: ٤ – لا خلاف بين الفقهاء في أنه يجوز للإمام الاستقراض على بيت المال وقت الأزمات وعند الملمات والنوائب لداعي الحاجة الماسَّة أو المصلحةِ الراجحة. قال إمام الحرمين الجويني: (وما ذكره الأولون من استسلاف رسول الله ﷺ عند مسيس الحاجات، واستعجاله الزكوات، فلست أنكر جواز ذلك، ولكني أجوز الاستقراض عند اقتضاء الحال وانقطاع الأموال ومصير إلى منتهى يغلب على الظن فيه استيعاب الحوادث لما يتجدد في الاستقبال " (١) . غير أن الفقهاء قيدوا ذلك بثلاثة شروط: (أحدها) أن يكون هناك إيراد مرتجى لبيت المال ليوفى منه القرض. قال الشاطبي: " والاستقراض في الأزمات إنما يكون حيث يرتجى لبيت المال دخل ينتظر أو يرتجى " (٢) . وقال الغزالي: " ولسنا ننكر جواز الاستقراض ووجوب الاقتصار عليه (٣) إذا دعت المصلحة إليه، ولكن إذا كان الإمام لا يرتجي انصباب مال إلى بيت المال يزيد على مؤن العسكر ونفقات المرتزقة في الاستقبال، فعلى ماذا الاتكال في الاستقراض مع خلو اليد في الحال وانقطاع الأمل في المآل؟! " (٤) .

стр. 10251

(والثاني) أن يكون الاستقراض من أجل الوفاء بالتزام ثابت على بيت المال، وهو ما يصير بتأخيره دينًا لازمًا عليه. وما ليس كذلك لا يستقرض له. قال القاضي أبو يعلى: "لو اجتمع على بيت المال حقَّان ضاق عنهما واتسع لأحدهما، صرف فيما يصير منهما دينًا فيه. ولو ضاق عن كل واحد منهما، كان لوليِّ الأمر إذا خاف الضرر والفساد أن يقترض على بيت المال ما يصرفه في الديون (١) دون الإرفاق (٢) ، وكان من حدث بعده من الولاة مأخوذًا بقضائه إذا اتسع له بيت المال " (٣) . (والثالث) أن يعيد الإمام إلى بيت المال كل ما اقتطعه منه لنفسه وعياله وذويه بغير حقٍّ وما وضعوه في حرام، وتبقى الحاجة إلى الاستقراض قائمة. قال التاج السبكي: لما عزم السلطان قطز على المسير من مصر لمحاربة التتار، وقد دهموا البلاد، جمع العساكر، فضاقت يده عن نفقاتهم، فاستفتى الإمام العز بن عبد السلام في أن يقترض من أموال التجار. فقال له العزُّ: إذا أحضرت ما عندك وعند حريمك، وأحضر الأمر ما عندهم من الحلي الحرام اتخاذه، وضربته سكة ونقدًا، وفرقته في الجيش ولم يقم بكفايتهم ذلك الوقت اطلب القرض، وأما قبل ذلك فلا (٤) . ٥ – هذا ما يتعلق باستقراض الإمام على بيت المال للمصلحة العامة. أما استقراضه عليه لغير ذلك من مصالح بعض الأفراد الذين تجب مؤنتهم على بيت المال عند عدم وفائه بذلك، فقد نصَّ الحنابلة والشافعية في باب اللقيط على وجب النفقة عليه من بيت المال إذا لم يوجد له مال، فإن تعذر أخذ نفقته من بيت المال – بأن لم يكن في بيت المال شيء أو كان ما هو أهم منه – اقترض الحاكم على بيت المال مقدار نفقته (٥) .

стр. 10252

الاقتراض على الوقف: ٦- أما الاستقراض على الوقف، فهو جائز أيضًا لداعي المصلحة. قال البهوتي الحنبلي: " والظاهر أن الدين في هذه المسائل يتعلق بذمة المقترض وبهذه الجهات، كتعلق أرش الجناية برقبة العبد الجاني، فلا يلزم المقترض الوفاء من ماله، بل من ريع الوقف وما يحدث لبيت المال. أو يقال: لا يتعلق بذمته رأسًا " (١) . أي بذمة المقترض. ٧ – غير أن الفقهاء اختلفوا في شروط الاستدانة على الوقف على+++ ثلاثة أقوال: (أحدها) للشافعية: وهو أنه يجوز لناظر الوقف الاقتراض على الوقف عند الحاجة إن شرطه له الواقف أو أذن له فيه الحاكم. قالوا: فلو اقترض من غير إذن القاضي ولا شرط من الواقف لم يجز، ولا يرجع على الوقف بما صرفه لتعديه فيه (٢) . (والثاني) للمالكية والحنابلة: وهو أنه يجوز للناظر الاقتراض على الوقف بلا إذن حاكم لمصلحة – كما إذا قامت حاجة لتعميره، ولا يوجد غلة للوقف يمكن الصرف منها على عمارته – لأن الناظر مؤتمن مطلق التصرف، فالإذن والائتمان ثابتان له (٣) . والثالث للحنفية: وهو أنه لا تجوز الاستدانة على الوقف إن لم تكن بأمر الواقف إلَّا إذا احتيج إليها لمصلحة الوقف – كتعمير وشراء بذر وليس للواقف غلة قائمة بيد المتولي، فتجوز عند ذلك بشرطين: الأول: إذن القاضي إن لم يكن بعيدًا عنه، لأن ولايته أعم في مصالح المسلمين، فإن كان بعيدًا عنه فيستدين الناظر بنفسه. والثاني: أن لا تتيسر إجارة العين والصرف من أجرتها (٤) .

стр. 10253

المحور الثاني (بين صلح الحطيطة وحسم الكمبيالة) ٧ – لقد اختلف الفقهاء فيما إذا كان للرجل دين مؤجل على آخر، فأراد أن يضع عن المدين بعضه على أن يعجل له الباقي، فهل يجوز لهما الاتفاق على ذلك؟ وتسمى هذه المسألة عندهم بـ " ضع وتعجل "، وتصنف تحت عنوان " صلح الإسقاط " أو " صلح الإبراء " أو " صلح الحطيطة "، ولهم فيها ثلاثة أقوال: (أحدها) للشافعية والمالكية، وهو أن ذلك لا يجوز (١) . واستدلوا على ذلك بما روى البيهقي عن المقداد بن الأسود قال: " أسلفت رجلًا مائة دينار، ثم خرج سهمي في بعث بعثه رسول الله ﷺ . فقلت له: عجل تسعين دينارًا، وأحطُّ عشرة دنانير. فقال: نعم. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: أكلت ربا يا مقداد، وأطعمته " (٢) . وبما صح عن ابن عمر ﵄ أنه سئل عن الرجل يكون له الدين على رجل إلى أجل، فيضع عنه صاحبه، ويعجل له الآخر. فكره ذلك ابن عمر، ونهى عنه. ومثل ذلك روي عن عمر وزيد بن ثابت ﵄ (٣) . وعلل الشافعية عدم الصحة " بأنه ترك بعض المقدار ليحصل الحلول في الباقي والصفة بانفرادها لا تقابل بعوض، ولأن صفة الحلول لا يصح إلحاقها بالمؤجل، وإذا لم يحصل ما ترك من القدر لأجله، لم يصح الترك " (٤) . ووجه المنع عند المالكية: " أن من عجل ما أجل يعد مسلفًا، فقد أسلف الآن خمسمائة ليقتضي عند الأجل ألفًا من نفسه " (٥) . وبيان ذلك: أنه إذا تعجل البعض وأسقط الباقي، فقد باع الأجل بالقدر الذي أسقطه، وذلك عين الربا، كما لو باع الأجل بالقدر الذي يزيده إذا حل عليه الدين، فقال: زدني في الدين وأزيدك في المدة، فأي فرق بين أن تقول: حط من الأجل، وأحط من الدين، أو تقول: زد في الأجل وأزيد في الدين؟ قالوا: فنقص الأجل في مقابلة نقص العوض، كزيادته في مقابلة زيادته، فكما أن هذا ربا، فكذلك الآخر (٦) .

стр. 10254

و (الثاني) للحنابلة على الصحيح في المذهب والحنفية، وهو عدم جواز الصلح عن دين مؤجل ببعضه معجلًا – لأن المحطوط عوض عن التعجيل، فأشبه ما لو أعطاه عشرة حالَّة بعشرين مؤجلة – إلَّا في دين الكتابة, لأن الربا لا يجري بينهما في ذلك. (١) وقد جاء في م (١٦٢١) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد "لا يصح الصلح عن دين مؤجل ببعضه حالًّا إلَّا في دين الكتابة" وقد علل الحنفية المنع في غير دين الكتابة: " بأن صاحب الدين المؤجل لا يستحق المعجل، فلا يمكن أن يجعل استيفاءً، فصار عوضًا، وبيع خمسمائة بألف لا يجوز " (٢) . وبيان ذلك: أن المعجل لم يكن مستحقًّا بالعقد حتى يكون استيفاؤه استيفاء لبعض حقه، والتعجيل خير من النسيئة لا محالة، فيكون خمسمائة بمقابلة خمسمائة مثله من الدين، والتعجيل في مقابلة الباقي، وذلك اعتياض عن الأجل، وهو باطل. ألا ترى أن الشرع حرم ربا النسيئة، وليس فيه إلا مقابلة المال بالأجل شبهة، فلأن تكون مقابلة المال بالأجل حقيقة حرامًا أولى " (٣) . قالوا: " أما إذا صالح المولى مكاتبه عن ألف مؤجلة على خمسمائة حالة فإنه يجوز، لأن معنى الإرفاق فيما بينهما أظهر من معنى المعاوضة، فلا يكون هذا من مقابلة الأجل ببعض المال، ولكنه إرفاق من الموالي بحط بعض البدل، وهو مندوب في الشرع، ومساهلة من المكاتب فيما بقي قبل حلول الأجل، ليتوصل به إلى شرف الحرية، وهو أيضًا مندوب إليه في الشرع " (٤) .

стр. 10255

(والثالث) رواية عن الإمام أحمد، حكاها ابن أبي موسى وغيره، وهو جواز ذلك (١) . وهو قول ابن عباس وإبراهيم النخعي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية (٢) . واحتج هؤلاء بما روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ لما أمر بإخراج بني النضير من المدينة، جاءه ناس منهم فقالوا: يا رسول الله، إنك أمرت بإخراجهم، ولهم على الناس ديون لم تحل، فقال النبي ﷺ : ((ضعوا وتعجلوا)) . قال الحاكم: صحيح الإسناد (٣) . قالوا: وهذا ضد الربا، فإن ذلك يتضمن الزيادة في الأجل والدين، وذلك إضرار محض بالغريم، ومسألتنا تتضمن براءة ذمة الغريم من الدين، وانتفاع صاحبه بما يتعجله، فكلاهما حصل له الانتفاع من غير ضرر، بخلاف الربا المجمع عليه، فإن ضرره لا حق بالمدين، ونفعه مختص برب الدين، فهذا ضد الربا صورة ومعنى (٤) . وفي " إعلام الموقعين " لابن القيم: " لأن هذا عكس الربا، فإن الربا يضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل، فانتفع به كل واحد منهما، ولم يكن هنا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفًا، فإن الربا الزيادة، وهي منتفية ههنا، والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله: " إما أن تربي وإما أن تقضي " وبين قوله: " عجل لي وأهب لك مائة " فأين أحدهما من الآخر، فلا نص في تحريم ذلك ولا إجماع ولا قياس صحيح " (٥) .

стр. 10256

٨ – هذا، وقد اتجه بعض الباحثين إلى القول بمشروعية خصم الكمبيالات (حسم الإسناد) تخريجًا على قول الفقهاء المبيحين لحط بعض الدين المؤجل عن المدين نظير تعجيله وقياسًا على قوله ﷺ : ((ضعوا وتعجلوا)) . غير أن هذا الاتجاه غير مقبول شرعًا في نظري لأربعة وجوه: (أحدها) أننا لو أخذنا عملية خصم الكمبيالات على ظاهرها بحسب الشكل الذي أفرغت فيه لوجدناها من قبيل بيع الدين لغير من عليه الدين، حيث يبيع صاحب الكمبيالة (الدائن) دينه المؤجل المسطور فيها لغير المدين بثمن معجل من جنسه، وبيع الدين لغير من عليه الدين جائز شرعًا إذا انتفى فيه الغرر والربا، غير أن الربا ليس بمنتف ههنا، بل هو متحقق، لأن العوضين من النقود، وقد باع الدائن نقدًا آجلًا بنقد عاجل أقل منه، فانطوى بيعه هذا على ربا الفضل وربا النساء (١) . (والثاني) أننا لو نظرنا إلى عملية خصم الكمبيالات بحسب المقصود والغاية منها، لوجدناها أحد أمرين: (أ) إما إقراض مبلغ وأخذ المقرض حوالة من المقترض بمبلغ أكثر منه يستوفى بعد مدة معينة. وهو ربا صريح لا مجال للتأويل فيه؛ لأن الحوالة يشترط فيها تساوي الدينين: المحال به والمحال عليه. وهنا تحقق بين مبلغ القرض والمبلغ المستوفى فيما بعد زيادة في مقابل الأجل، وهو من ربا النسيئة (٢) . (ب) أو قرض مضمون بالورقة التجارية المظهرة لأمر المصرف تظهيرًا تامًا، إذ المصرف لم يقصد أن يكون مشتريًا للحق الثابت في الورقة، ولا أن يكون محالًا به، وإنما قصد الإقراض، فقبل انتقال ملكية الورقة المخصومة إليه على سبيل الضمان، فإذا حل وقت استحقاقها ولم يدفع أي من الملتزمين قيمتها، فإن المصرف يعود على الخاصم بالقيمة، دون أن يرغب أو يكلف نفسه بعبء ملاحقة الملتزمين حتى نهاية المطاف، كما هو الحاصل عمليًا (٣) . (والثالث) أن حديث ((ضعوا وتعجلوا)) تضمن مشروعية حط الدائن لمدينه بعض الدين المؤجل نظير تعجيله على أساس أنه نوع من الصلح في الديون بين الدائن والمدين فحسب، ولذلك صنف الفقهاء مسألة ضع وتعجل تحت عنوان " صلح الإسقاط " أو " صلح الإبراء " أو " صلح الحطيطة " باعتبار أن القصد منه إسقاط الدين عن المدين وإبراء ذمته، خلافًا لربا النسيئة الذي يتضمن إنشاء الدين وشغل الذمة، والفرق بينهما كما ذكر ابن القيم (أن مقابلة الأجل بالزيادة في الربا ذريعة إلى أعظم الضرر، وهو أن يصير الدرهم الواحد ألوفًا مؤلفة، فتشتغل الذمة بغير فائدة، وفي الوضع والتعجيل تتخلص ذمة هذا من الدين، وينتفع ذاك بالتعجيل له، والشارع له تطلع إلى براءة الذمم من الديون، وسمَّى الغريم المدين أسيرًا، ففي براءة ذمته تخليص له من الأسر، وهذا ضد شغلها بالزيادة مع الصبر) (٤) . (والرابع) إن حديث الوضع والتعجل تضمن مشروعية الصورة التي ورد فيها على أساس أن تكون العلاقة في هذه العملية ثنائية بين الدائن والمدين، إذ لا يتصور صلح الحطيطة أو صلح الإسقاط في علاقة ثلاثية – كما هو الحال في خصم الكمبيالات – حيث يدخل طرف ثالث ممول يقدم قرضًا بزيادة مقابل الأجل بشكل صريح أو ضمني.

стр. 10257

المحور الثالث (ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار) ٩ – لا خلاف بين الفقهاء في أن المدين المعسر الذي لا يقدر على وفاء دينه يمهل حتى يوسر، ويترك يطلب الرزق لنفسه وعياله ودائنيه، ولا تحل مطالبته ولا ملازمته ولا مضايقته، لأن المولى سبحانه أوجب إنظاره إلى وقت الميسرة فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [الآية ٢٨٠ من البقرة] . قال القاضي أبو الوليد بن رشد: " لأن المطالبة بالدين إنما تجب مع القدرة على الأداء، فإذا ثبت الإعسار، فلا سبيل إلى المطالبة، ولا إلى الحبس بالدين، لأن الخطاب مرتفع عنه إلى أن يوسر " (١) . وعلى ذلك نص جماهير الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة (٢) . وقال القاضي ابن العربي: " إذا لم يكن المديان غنيًّا، فمطله عدل، وينقلب الحال على الغريم، فتكون مطالبته ظلمًا، لأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ " (٣) ١٠ – أما بيان ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار، فإنه لا يخفى أن الإعسار في اللغة يعني الانتقال من الميسرة إلى العسرة. يقال: أعسر الرجل؛ إذا صار من ميسرة إلى عسرة. والعسرة في اللغة هي الضيق وقلة ذات اليد. قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: " العين والسين والراء أصل صحيح واحد يدل على صعوبة وشدة. فالعسر نقيض اليسر، والإقلال أيضًا عسرة، لأن الأمر ضيق عليه شديد " (٤) . أما العسرة في الاصطلاح الفقهي فتعني عدم قدرة المرء على أداء ما عليه من مال (٥) . وقد ذكر القاضي أبو الوليد بن رشد أن للمدين المعسر حالتين، إما أن يكون معدمًا، وإما ألا يكون، إذ ليس كل معسر معدمًا، وإن كان كل معدم معسرًا. (أولًا) فإن كان المدين معدمًا، أي قد نفذ ماله كله، فلم يبق عنده ما ينفقه على نفسه وعياله فضلًا عن وفاء دينه، فهذا يجب على الدائن إنظاره لا محالة، لأنه في حالة عجز مطلق عن أداء ما عليه من دين، ولا سبيل إلى تكليفه شرعًا بما لا يطيق. جاء في "المقدمات الممهدات ": " وأما المعسر المعدم، فتأخيره إلى أن يوسر واجب، والحكم بذلك لازم، لقول الله : ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ " (٦) . (ثانيًا) وأما إذا لم يكن المدين المعسر معدمًا، أي إنه يملك بعض المال، ولكنه قليل لا يكاد يكفيه للإنقاق على نفسه وعياله بالمعروف وقضاء دينه إلا بمشقة وضيق وضرر. فقد قال ابن رشد فيه: " وأما المعسر الذي ليس بمعدم – وهو الذي يحرجه تعجيل القضاء ويضر به – فتأخيره إلى أن يوسر ويمكنه القضاء من غير مضرة تلحقه مرغب فيه ومندوب إليه. قال رسول الله ﷺ : " من أنظر معسرًا أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" (٧) . والآثار في ذلك كثيرة، والمطل بالأداء وهو جاهد فيه غير مقصر ولا متوان غير محظور عليه إن شاء الله وكان الشيوخ بقرطبة ﵏ يفتون بتأخيره بالاجتهاد على قدر المال وقلته، ولا يوكلون عليه في بيع عروضه وعقاره في الحال، وعلى ذلك تدل الروايات، خلاف ما كان يفتي به سائر فقهاء الأندلس من التوكيل عليه بيع ماله وتعجيل إنصافه " (٨) .

стр. 10258

١١ – وهذا التقسيم الاجتهادي وجيه، ويصلح ضابطًا معتبرًا للإعسار الذي يوجب الإنظار والذي لا يوجبه. وقد أشار العلامة محمد الطاهر بن عاشور في" التحرير والتنوير " إلى تعليل هذا النظر الفقهي ومستنده، فذكر أن النظرة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ . صيغة طلب، وهي محتملة للوجوب والندب. فإن أريد بالعسرة العدم، أي نفاذ ماله كله، فالطلب للوجوب، والمقصود به إبطال حكم بيع المعسر واسترقاقه في الدين إذا لم يكن له وفاء الذي كان في الجاهلية وعند قدماء المصريين وفي شريعة الرومان. وإن أريد بالعسرة ضيق الحال وإضرار المدين بتعجيل القضاء، فالطلب يحتمل الوجوب – وقد قال به بعض الفقهاء – ويحتمل الندب، وهو قول مالك والجمهور. فمن لم يشأ لم ينظره ولو يبيع جميع ماله، لأن هذا حق يمكن استيفاؤه، والإنظار معروف، والمعروف لا يجب. غير أن المتأخرين بقرطبة كانوا لا يقضون عليه بتعجيل الدفع، ويؤجلونه بالاجتهاد لئلا يدخل عليه مضرة بتعجيل بيع ما به الخلاص (١) . ١٢ – بعد هذا تجدر الإشارة إلى أن الفقهاء اختلفوا في المدين المعسر إذا كان معدمًا، هل يجبر على إجارة نفسه لوفاء دين الغرماء من أجرته أم لا؟ على قولين: (أحدهما) للزهري والليث بن سعد، وهو أن الحر المعسر يؤاجر، ويستوفى الدين من أجرته (٢) . ووافقهم على ذلك ابن حزم الأندلسي حيث نص على إجباره على التكسب لقضاء دينه، ولو بتأجيره نفسه لغرمائه إذا كان قادرًا على العمل، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [الآية ١٣٥ من النساء] حيث إن إلزامه بذلك لإنصاف دائنيه وإعطائهم حقهم دون تأخير من القوامة بالقسط (٣) . ثم قال: " فإن قيل: إن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ يمنع من استئجاره!! قلنا: بل يوجب استئجاره؛ لأن الميسرة لا تكون إلا بأحد وجهين: إما بسعي، وإما بلا سعي. وقد قال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الآية ١٠ من الجمعة] ، فنحن نجبره على ابتغاء فضل الله تعالى الذي أمره بابتغائه فنأمره ونلزمه بالتكسب لينصف غرماءه، ويقوم بعياله ونفسه، ولا ندعه يضيع نفسه وعياله والحق اللازم له " (٤) . (والثاني) للمالكية والحنفية وجماهير أهل العلم، وهو أن من كان عليه دينٌ, ولم يكن له مال يؤديه منه، فهو في نظرة الله تعالى إلى أن يوسر، ولا يحبس ولا يؤاجر ولا يستخدم ولا يستعمل، لأن الدين تعلق بذمته، لا بمنافع بدنه، فلا دين يؤاجر فيه، ولأن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ عام في كل من أعسر بدين، كائنًا ذلك المدين ما كان (٥) . فالمولى سبحانه قال: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ ولم يقل فليؤاجر بما عليه. ثم إن الآثار المروية عن النبي ﷺ في المعسر ليس في شيء منها إجارته، وإنما فيها تركه، وحديث أبي سعيد الخدري " ليس لكم إلا ذلك " (٦) حين لم يجدوا له غير ما أخذوا صريح في الدلالة على المطلوب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. الدكتور نزيه كمال حماد

стр. 10259

أحكام البيع بالتقسيط وسائله المعاصرة في ضوء الفقه الإسلامي إعداد فضيلة القاضي محمد تقي العثماني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فإن البيع بالتقسيط من البيوع التي قد شاع تداولها في عصرنا الحاضر في جميع البلدان الإسلامية، وهو البيع الذي يلجأ إليه كثير من الناس لشراء حاجاتهم، وتأثيث منازلهم، والتمتع بالآلات الحديثة الغالية التي لا يمكن لهم شراؤها بثمن حال. فمسَّت الحاجة إلى بيان الحكم الشرعي لهذا البيع، وما يتفرع عليه من مسائل مختلفة. وإن هذا البحث الموجز يهدف إلى إنجاز هذه الحاجة، والله أسأل أن يوفقني فيه للسداد والصواب، ويشرح صدري لما فيه رضاه . حقيقة البيع بالتقسيط: البيع بالتقسيط بيع بثمن مؤجل يدفع إلى البائع في أقساط متفق عليها، فيدفع البائع البضاعة المبيعة إلى المشتري حالة، ويدفع المشتري الثمن في أقساط مؤجلة، وإن اسم " البيع بالتقسيط " يشمل كل بيع بهذه الصفة سواء كان الثمن المتفق عليه مساويًا لسعر السوق، أو أكثر منه، أو أقل، ولكن المعمول به في الغالب أن الثمن في " البيع بالتقسيط " يكون أكثر من سعر تلك البضاعة في السوق، فلو أراد رجل أن يشتريها نقدًا، أمكن له أن يجدها في السوق بسعر أقل ولكنه حينما يشتريها بثمن مؤجل بالتقسيط، فإن البائع لا يرضى بذلك إلا أن يكون ثمنه أكثر من ثمن النقد، فلا ينعقد البيع بالتقسيط عادة إلا بأكثر من سعر السوق في بيع الحال.

стр. 10260

زيادة الثمن من أجل التأجيل: ومن هنا ينشأ السؤال: هل يجوز أن يكون الثمن المؤجل أكثر من الثمن الحال؟ وقد تكلم الفقهاء في هذه المسألة قديمًا وحديثًا، فذهب بعض العلماء إلى عدم جوازه، لكون الزيادة عوضًا من الأجل، وهو الربا، أو فيه مشابهة للربا، وهذا مذهب مرويٌّ عن زين العابدين عليِّ بن الحسين، والناصر والمنصور بالله، والهادوية، كما نقل عنهم الشوكاني ﵀ (١) أما الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء والمحدثون، فقد أجازوا البيع المؤجل بأكثر من سعر النقد، بشرط أن يبت العاقدان بأنه بيع مؤجل بأجل معلوم، وبثمن متفق عيه عند العقد، فأما إذا قال البائع: أبيعك نقدًا بكذا ونسيئةً بكذا، وافتراقا على ذلك، دون أن يتفقا على تحديد واحد من السعرين، فإن مثل هذا البيع لا يجوز، ولكن إذا عين العاقدان أحد الشقين في مجلس العقد، فالبيع جائز. يقول الإمام الترمذي ﵀ في جامعه: تحت حديث أبي هريرة ﵁: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة، وقد فسر بعض أهل العلم قالوا: بيعتين في بيعة أن يقول: " أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، وبنسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين، فإن فارقه على أحدهما، فلا بأس، إذا كانت العقدة على أحد منهما " (٢) . وحاصل قول الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: أن علة النهي عن هذا البيع إنما هو تردد الثمن بين الحالتين، دون أن تتعين إحداهما عند العقد، وهذا يوجب الجهالة في الثمن، وليس سبب النهي زيادة الثمن من أجل التأجيل، فلو زالت مفسدة الجهالة بتعيين إحدى الحالتين فلا بأس بهذا البيع شرعًا. وإن ما ذكره الإمام الترمذي ﵀، هو مذهب الأئمة الأربعة وجمهور الفقهاء (٣) ، وهو الراجح بالدليل، لأنه ليس في القرآن والسنة ما يمنع جواز مثل هذا البيع، وإن تعريف الربا لا ينطبق على هذه الزيادة في الثمن، لأنه ليس قرضًا، ولا بيعًا للأموال الربوية بمثلها، وإنما هو بيع محض، وللبائع أن يبيع بضاعته بما شاء من ثمن، ولا يجب عليه أن يبيعها بسعر السوق دائما، وللتجار ملاحظ مختلفة في تعيين الأثمان وتقديرها فربما تختلف أثمان البضاعة الواحدة باختلاف الأحوال، ولا يمنع الشرع من أن يبيع المرء سلعته بثمن في حالة، وبثمن آخر في حالة أخرى. وبالتالي: فإن من يبيع البضاعة بثمانية نقدًا، وبعشرة نسيئة، يجوز له الإجماع أن يبيعها بعشرة نقدًا، ما لم يكن فيه غش أو خداع، فلم لا يجوز له أم يبيعها بالعشرة نسيئة؟ وبما أن هذه المسألة متفق عليها فيما بين المذاهب الأربعة المتداولة، وبين أكثر الفقهاء والمحدثين، فلا نريد الإطالة في بيان دلائلها من الكتاب والسنة، بل نريد أن ننطلق في هذا البحث على أساس جواز هذا البيع، ونذكر بعض التفاصيل والمسائل المتفرعة على هذا الجواز.
следующие страницы →