← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 10291–10330 · переход к 10296.

стр. 10291

١-٧- الآثار الواردة في التشديد في الدين وتعظيم أمره: وردت أحاديث وآثار فيمن يموت وعليه دين، لا يدخل الجنة حتى يوفى عنه دينه. فهذا التخويف من أمر الدين انتهاء أدى إلى التخويف منه ابتداء. فإني أخاف من عقد الدين خوفي من عدم وفائه. قال رسول الله ﷺ : ((والذي نفسي بيده، لو أن رجلًا قُتل ثم أحيي، ثم قتل ثم أحيي، ثم قتل وعليه دين، ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه)) [سنن النسائي: ٧/٣١٥] . وكان رسول الله ﷺ يدعو في الصلاة: ((اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم)) ، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ يا رسول الله من المغرم! قال: ((إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف)) [صحيح البخاري: ٣/١٥٤] . وكان يدعو: ((اللهم ( ... ) اقض عنا الدين)) [صحيح مسلم: ٥/٥٦٤] ، ((اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن وضلع (= ثقل) الدين، وغلبة الرجال)) [صحيح البخاري: ٨/٩٧ و ٩٨] . وكان النبي ﷺ يمتنع عن الصلاة على ميت مات وعليه دين، ما لم يوفَّ عنه، حتى فتح الله على رسوله الفتوح، فقال: ((من ترك دينًا فعليَّ، ومن ترك مالًا فلورثته)) [سنن النسائي: ٤/٦٦، وانظر: صحيح البخاري: ٣/١٥٥] . وقال رسول الله ﷺ : ((يغفر للشهيد كل ذنب إلَّا الدين)) [صحيح مسلم ٤/٥٤٩] . وهذا لا يعني أن الدين ممنوع، بل يعني أن على المسلم ألا يستدين إلا عندما يكون محتاجًا إلى الدين، راغبًا في الوفاء، مهتمًّا به، ناويًا له، متوقعًا قدرته عليه في الأجل. كما يعني أن على الجماعة المسلمة (الأفراد والدولة) مساعدة المدين المعسر على وفاء دينه، قبل وفاته، وبعدها.

стр. 10292

الفصل الثاني خصم الأوراق التجارية ٢-١- توثيق الدين: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ولْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ولا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ ولْيُمْلِلِ الَذِي عَلَيْهِ الحَقُّ ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا أو ضَعِيفًا أو لا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالْعَدْلِ واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الأُخْرَى ولا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إذَا مَا دُعُوا ولا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أو كبِيرًا إلى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُوا إلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ألاَّ تَكْتُبُوهَا وأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ ولا يُضَارَّ كَاتِبٌ ولا شَهِيدٌ وإن تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ واتَّقُوا اللَّهَ ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢ – ٢٨٣] . هذه الآية المعروفة بآية المداينة، اشتملت على ثلاثة أنواع من توثيق الدين: التوثيق بالكتابة، التوثيق بالشهادة، التوثيق بالرهن. فهذه الأنواع كلها تفيد في إثبات الدين والاطمئنان إلى تحصيله. يضاف إليها التوثيق بالكفالة، والتوثيق بالحوالة (على مليء) .

стр. 10293

٢-٢ – توثيق الدين بالأوراق التجارية: الأوراق التجارية، عند رجال القانون، صكوك مكتوبة قابلة للتداول تمثل حقًّا نقديًا، وتستحق الدفع بمجرد الاطلاع أو في أجل قصير. وهي أداة وفاء وأداة ائتمان. وتضم: السفتجة (= الكمبيالة) ، والسند الإذني (= السند لأمر) ، والشيك. تعرف السفتجة بأنها صك يصحبه شخص على آخر، لدفع مبلغ محدد من النقود، في تاريخ محدد. ويعرف السند الإذني بأنه صك يتعهد به شخص لآخر بدفع مبلغ محدد من النقود، في تاريخ محدد. ويعرف الشيك بأنه صك يسحبه شخص على آخر (مصرف) لدفع مبلغ محدد من النقود بمجرد الإطلاع. فالأوراق التجارية من جملة وظائفها أنها ضرب من ضروب توثيق الدين بالكتابة، وضرب من توثيق الدين بالضمان. فجميع الموقعين على الورقة (ساحب الورقة وقابلها ومظهرها وضامنها الاحتياطي) مسؤولون جميعًا، وبالتضامن، أمام حاملها الذي يمكنه مطالبتهم منفردين أو مجتمعين، دون مراعاة أي ترتيب [أنظر: نظام الأوراق التجارية السعودي، على سبيل المثال، أو الكتب القانونية التي عالجت التجارية، أو أفردتها بالبحث، وهي كثيرة] .

стр. 10294

٢-٣ – خصائص الأوراق التجارية: ١- قابلة للتداول، بالتظهير إذا كانت إذنيه، وبالتسليم إذا كانت لحاملها (تستخدم أداة لتسوية الديون) . ٢- تمثل حقًّا نقديًا، أي تتضمن دفع مبلغ محدد من النقود. ٣- يمكن استخدامها أداة لنقل النقود، نقلًا غير حسي، بل بواسطة الذمم، من مكان لآخر، بدون تكلفة ولا خطر، وذلك عندما تكون مستحقَّة الوفاء في مكان آخر، وهذا هو معنى السفتجة في الفقه الإسلامي. ٤- تستحق الدفع بمجرد الاطلاع كالشيك، أو في أجل قصير ١ – ٦ شهور، كالسفتجة والسند (أداة ائتمان) . وبهذه الخصيصة تخرج الأوراق المالية، الأسهم والسندات لأنها صكوك طويلة الأجل، تصدر لمدة حياة الشركة، كالأسهم، أو لمدة طويلة ١٠- ٣٠ سنة، كالسندات المالية. ٥- يجري العرف على قبولها أداة وفاء، بخلاف قسائم (= كوبونات) الأسهم، فإنها وإن كانت قابلة للتداول، وتمثل مبلغًا نقديًّا، هو مقدار ربح السهم، وتستحق الدفع بمجرد تقديمها إلى الشركة المصدرة، إلَّا أن العرف لم يعتبرها أداة للوفاء. ٦- الموقعون على الورقة التجارية متضامنون، سواء كانوا تجارًا أو غير تجار. ولكن لا يحق لحامل الورقة الرجوع على الضامنين غلا بعد تقديمها للمسحوب عليه لوفائها، وبعد عمل احتجاج (= بروتستو) عدم الوفاء، إذا توقف المسحوب عليه عن الوفاء. ٧- قابلة للخصم لدى المصارف ولإعادة الخصم لدى المصرف المركزي أو مصرف آخر، مما يزيد من درجة سيولة الأوراق (تستخدم أداة للحصول على النقد) . فهي دين لطرف على طرف آخر، ولكنه قابل للتنضيض (= للتحويل إلى نقد) بالنسبة للدائن بواسطة طرف ثالث، قبل الاستحقاق.

стр. 10295

٢-٤- هل عرف الفقه الإسلامي الأوراق التجارية؟ إذا نظرنا في تعريف كلٍ من الكمبيالة والسند لأمر والشيك وجدنا أن هذه الأدوات ليست غريبة على الفقه الإسلامي، فهي عبارة عن صكوك بدفع مبلغ معين في تاريخ معين. هذا وإن بعض القوانين الحديثة، كالسوري واللبناني، سمَّت الكمبيالة سفتجة، والسفتجة معروفة في الفقه الإسلامي، بحثها الفقهاء إما في باب الحوالة، وإما في باب القرض، وهي عبارة عن قرض يسدد في بلد آخر [انظر: كتابي ربا القروض، الفصل الثالث، السفتجة: ص٢٥ – ٤٢] . غير أن وراء كل تعريف من تعاريف الأوراق التجارية نظامًا متكاملًا حددته القوانين الوضعية، مما قد يجعل نظام السفتجة وغيره مختلفًا في تفصيلاته عن نظامها في الإسلام. وهذا ما يستدعي دراسة فقهية مفصلة لوظائف الأوراق التجارية وإضافاتها وأحكامها، على غرار الدراسات الفقهية المتعلقة بأحكام الشركات الحديثة، وقد بدأ فعلًا بعض الباحثين بمثل هذه الدراسات [انظر: أحكام الأوراق النقدية والتجارية، لستر بن ثواب الجعيد؛ والأوراق التجارية في الشريعة الإسلامية، للدكتور محمد أحمد سراج] .

стр. 10296

٢-٥- خصم الأوراق التجارية: الخصم لفظ جرى به العرف التجاري والمصرفي، ويراد به الحطيطة أو الوضيعة، وهو قيام أحد عملاء مصرف بتظهير ورقة تجارية له، لم يحن أجلها، تظهيرًا ناقلًا للملكية (التظهير ثلاثة أنواع: تظهير ناقل للملكية، وتظهير توكيلي بغرض التحصيل، وتظهير تأميني) ليحصل منه على قيمتها الحالية، وهي القيمة الاسمية مطروحًا منها ثلاثة عناصر تسمى "آجيو": ١- الفائدة (عن المدة الواقعة بين تاريخ الخصم وتاريخ الاستحقاق) . ٢- الأجرة (أو العمولة، لتغطية النفقات العامة للمصرف) . ٣- المصاريف (مصاريف التحصيل) . ٢-٦- التكييف القانوني للخصم: هناك ثلاث نظريات: الأولى: أن الخصم قرض بضمان الورقة التجارية. الثانية: أن الخصم بيع حق، أو حوالة حق. الثالثة: أن الخصم عملية ذات طبيعة خاصة (Sui Generis) . ويهمُّنا في بحثنا هذا أنه أيا ما كان التكييف القانوني للخصم، فإن فيه قرضًا بفائدة تحسب عن المدة الواقعة بين تاريخ الخصم وتاريخ الاستحقاق. ٢-٧- الخصم فيه ربا نسيئة: في الخصم يقرض المصرف، في الحال مبلغًا من المال، يساوي القيمة الحالية للورقة التجارية، على أن يسترد في الأجل، مبلغًا أعلى منه، يساوي القيمة الاسمية للورقة، وهذا هو ربا النسيئة المحرم. ٢-٨- النظر في الخصم من طريق الحوالة: إذا نظرنا إلى الخصم على أنه حوالة حق، حيث يحيل مظهر الورقة حقه فيها إلى المصرف، في مقابل ما أقرضه المصرف، نجد أن هناك أيضًا معاوضة بين مبلغين من النقود، أحدهما حال بمبلغ معين، والآخر مؤجل بمبلغ أعلى، وهذا ربا نسيئة محرم.

стр. 10297

٢-٩ – النظر في الخصم من طريق بيع الدين: يفرق الفقهاء، في بيع الدين، بين بيع الدين بمن هو عليه، وبيع الدين لغير من هو عليه. ويمكن النظر إلى خصم الأوراق التجارية على أنه من باب بيع الدين (المؤجل) لثالث أي لغير من هو عليه هذا الدين. غير أن الفقهاء الذين أجازوا هذا البيع (المالكية) اشترطوا شروطًا لصحته، منها أن يباع الدين بغير جنسه، أو بجنسه إذا كان مساويًا له [الخرشي على خليل: ٥/٧٧؛ والزرقاني على خليل: ٥/٨٣؛ وشرح منح الجليل: ٢/٥٦٤؛ والبهجة شرح التحفة: ٢/٤٧] . وفي الخصم يباع الدين بجنسه مع التفاضل: نقود بنقود أكثر منها، فهو إذن سلف ربوي، أي تجارة بالديون، والمصرف الربوي تاجر ديون. أما الفقهاء المانعون (الحنفية، والشافعي في أحد القولين، وأحمد في إحدى الروايتين) من بيع الدين لغير من هو عليه. فقد احتجوا بأن الدين المبيع غير مقدور التسليم. فقد يجحده المدين أو يتخلف عن دفعه، فهو إذن من بيع الغرر. [انظر في الفقه الحنفي: تبيين الحقائق: ٤/٨٣؛ والأشباه والنظائر لابن نجيم: ص٣٥٨. وفيه الفقه الشافعي: نهاية الحتاج: ٤/٨٩؛ والمجموع: ٩/٢٧٥؛ وفتح العزيز بهامش المجموع: ٨/٤٣٨. وفي الفقه الحنبلي: شرح منتهى الإرادات: ٢/٢٢٢؛ والمبدع في شرح المقنع: ٤/١٩٩؛ وكشاف القناع: ٣/٣٠٧؛ والمغني مع الشرح الكبير ٤/٣٤٢؛ والمحرر في الفقه ١/٣٣٨. وانظر: التصرف في الدين، للدكتور نزيه حماد: ص٤٦. لكن ربما يخفف من هذا الغرر الضمانات الموجودة في نظام الأوراق التجارية، وقد أشرنا إليها لدى الكلام عن توثيق الدين (٢ – ٢) ، وعن خصائص الأوراق التجارية (٢ –٣) . وليس يعني هذا أن الخصم يصبح جائزًا، إذ يمنع من جوازه ما ذكرناه لدى بيان رأي الفقهاء المجيزين لبيع الدين.

стр. 10298

٢-١٠- رأي الموسوعة الفقهية الكويتية في الخصم: (هذه المعاملة باطلة من وجهة النظر الإسلامي: * فهي لا تصح حوالة (من المظهر للمصرف الخاصم على المسحوب عليه، ولو كان مدينًا) لفوات شريطة التساوي بين الدين المحال به والدين المحال عليه، لأن الدين المحال به هو المبلغ الذي يدفعه المصرف الخاصم إلى من قام بتظهير الورقة إليه، والدين المحال عليه هو الذي تثبته الورقة، وقد علمنا فرق ما بينهما [انظر أيضًا ص١١١ من الموسوعة] . * وكذا لا تصح قرضًا من المصرف الخاصم، وتوكيلًا من المظهر في استيفاء بدل القرض من المسحوب عليه لأنه حينئذ قرض جر نفعًا، لمكان عدم التساوي، كما أسلفنا. * ولا تصح أيضًا على بيع الدين لغير من هو عليه، عند من يصححه، لأن العوضين هنا من النقود، ولا يجوز بيع النقود بجنسها مع التفاضل، وعند اختلاف الجنس يجب التقابض (١) . فهذه العملية (الخصم) تضاف إلى عمليات التسليف بالفائدة التي تقوم بها المصارف، ويشملها كلها نظر شرعي واحد " [الموسوعة الفقهية الكويتية: ص٢٤٢ – ٢٤٣] .

стр. 10299

الفصل الثالث ضع وتعجل (الوضع أو الحطيطة للتعجيل) ٣-١- إسقاط الدائن بعض دينه: إذا كان لأحد الدائنين دين على آخر، نتيجة قرض أو بيع، أو غيره، فأسقطه بعضه أو كله، على سبيل التبرع، عند الاستحقاق أو قبله، بدون شرط ولا اتفاق ولا مراوضة، فهذا جائز لا شيء فيه من ربا أو غيره. بل قد يكون مستحبًّا، ولاسيما إذا كانت حالة المدين تستدعي الإرفاق. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٠] . فهذا يناظر ما لو زاد المدين، من تلقاء نفسه، في المبلغ المسدد، عند وفاء الدين. فإذا كان هذا يعد من باب حسن القضاء، فإن ذلك يعد من باب حسن الاقتضاء (والسماحة فيه) . قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله عبدًا ... سمحًا إذا قضى، سمحًا إذا اقتضى)) [فيض القدير: ٤/٢٦، ورمز له بعلامة الصحة] . ٣-٢- الاتفاق على إسقاط بعض الدين في مقابل تعجيله (ضع وتعجل) : تختلف هذه الحالة عن سابقتها بأنها من باب الاتفاق أو الشرط، في حين أن السابقة من باب التبرع بدون اتفاق ولا شرط. وحكم المعاوضات في الفقه هو غير حكم التبرعات، فالزيادة لقاء التأجيل مشروعة بلا شرط، وممنوعة بالشرط. كذلك النقصان لقاء التعجيل مشروع بلا شرط، ممنوع بالشرط (عند الجمهور) .

стр. 10300

ولا فرق في الحكم بين ما إذا كان الطالب لهذا النقصان هو المدين أو الدائن، لأن هذا يدخل في الشرط والاتفاق. فالمدين يطلب الإسقاط في مقابل التعجيل، والدائن يطلب التعجيل في مقابل الإسقاط. ومع ذلك، فإني أرى أن إسقاط بعض الدين في مقابل التعجيل جائز، ولو بالشرط أو الاتفاق، لاسيما إذا كان قد زيد في الدين في مقابل التأجيل، كما في البيوع المؤجلة. ولست أعني بهذا أن الدين إذا لم يزد فيه للتأجيل لم يسقط منه للتعجيل، فالإسقاط للتعجيل جائز سواء كان زيد فيه للتأجيل أو لا، ذلك بأن عدم الزيادة للتأجيل، كما في البيوع المؤجلة (دون القروض) ، يعتبر تنازلًا من الدائن عن حقه. عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما أمر بإخراج بني النضير، جاءه ناس منهم، فقالوا: يا نبي الله، إنك أمرت بإخراجنا، ولنا على الناس ديون لم تحل. فقال رسول الله ﷺ : ((ضعوا وتعجلوا)) . [رواه الطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك ٢/٥٢، وقال: صحيح الإسناد. وانظر: سنن الدارقطني: ٣/٢٤٦؛ ومجمع الزوائد للهيثمي: ٤/١٣٠؛ والمطالب العالية لابن حجر: ١/٤١١؛ وإغاثة اللهفان لابن القيم: ٣/١٢] . والحطيطة (= الوضعية) للتعجيل منعها جمهور العلماء، وأجازها بعضهم كابن عباس، وزيد بن ثابت من الصحابة، ونفر من فقهاء الأمصار، وإبراهيم النخعي، وطاوس، والزهري، وأبو ثور. وعن الإمام أحمد فيها روايتان، اختار رواية الجواز شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم. كما أجازها ابن عابدين الفقيه الحنفي، وفيه قول عن الإمام الشافعي. [انظر: مصنف ابن أبي شيبة: ٧/٢٨ – ٢٩؛ وأحكام القرآن للجصاص: ١/٤٦٧؛ والمبسوط للسرخسي: ١٣/١٢٦؛ وبداية المجتهد: ٢/١٠٨؛ والاختيارات الفقهية لابن تيمية: ص١٣٤؛ وإغاثة اللهفان لابن القيم: ٢/١١، وإعلام الموقعين له أيضًا: ٣/٣٧١؛ وحاشية ابن عابدين: ١/٢٧٨ و ٥/١٦٠ و ٧/٧٥٧؛ والعقود الدرية له: ١٢/٢٧٨] .

стр. 10301

٣-٣- تعليل ابن عباس لجواز الحطيطة للتعجيل: قال ابن عباس ﵄: (إنما الربا أَخِّرْ لي وأنا أزيدك، وليس عَجِّلْ لي وأنا أضع عنك) [مصنف ابن أبي شيبة: ٧/٢٨؛ وكنز العمال: ٢/٢٣٥] . يريد ابن عباس بالربا هنا: (الربا الحرام) ، ذكرنا ذلك لأنه من أوائل القائلين بأن الربا ربوان: ربا حلال، وربا حرام. نقل مثله أيضًا عن عكرمة والضحاك في تفسير آية الروم ٣٩. [انظر على سبيل المثال: تفسير الطبري: ٢١/٤٧؛ والقرطبي: ١٤/٣٦؛ والدر المنثور للسيوطي: ٥/١٥٦؛ والماوردي: ١/٢٨٩ و ٣/٢٦٨؛ وفتح القدير للوشكاني: ٤/٢٢٧؛ والآلوسي: ٣/٥٠] . إن " أخِّر لي وأنا أزيدك " لا يجوز في القرض، عند العقد ولا عند الاستحقاق. أما في البيع فلا يجوز عند الاستحقاق (ربا حرام) ، ولكن يجوز عند العقد، حيث يزاد في الثمن لأجل التأجيل، ولا يدخل هذا في الربا الحرام. أما " عجل لي وأنا أضع عنك " فنختار فيه الرأي القائل بجوازه، في البيع، قبل الاستحقاق، فيوضع للتعجيل ما كان قد زيد للتأجيل. كذلك في القرض، سواء كان حالًّا، أو مؤجلًا عند من يرى جواز تأجيله، ما الذي يمنع من الوضيعة مع التعجيل، وفيه زيادة إرفاق بالمقترض؟ نعم اقترنت منفعة المقترض (الوضيعة) بمنفعة المقرض (التعجيل، وهذا جائز كما بينا في بحث السفتجة، فالسفتجة اخترنا جوازها ما دام ليس فيها مؤنة (= كلفة) على المقترض، وهذا يعني أنها جائزة من باب أولى إذا كان فيها منفعة للمقترض، ولو جرت معها منفعة للمقرض [انظر: كتابي ربا القروض، فصل السفتجة: ص٢٨ و ٢٩] .

стр. 10302

٣-٤ – تعليل ابن القيم لجواز الحطيطة للتعجيل: ذكر ابن القيم في إعلام الموقعين ٣/٣٧١، وإغاثة اللفهان ٢/١١، أن الحطيطة عكس الربا. وهذا صحيح في اللغة وفي الحكم. فأما في اللغة فواضح أن الحطيطة نقصان والربا زيادة، فالحطيطة إذن هي عكس الربا. وأما في الحكم فقد بينا، لدى كلامنا عن تعليل ابن عباس في المبحث السابق، أن الحطيطة للتعجيل جائزة في كل من البيع والقرض، في حين أن الزيادة للتأجيل جائزة في البيع دون القرض. وعلى هذا يستقيم كلام ابن القيم، إذا افترضنا وصفًا محذوفًا للربا هو " الحرام "، فتصبح العبارة: الحطيطة عكس الربا "الحرام"، في الحكم. ومع أنني لم أعثر فيما قرأت لابن القيم على قول صريح بأن الربا ربوان، حلال وحرام، إلا أنني افترضه، حملًا لقوله على قول ابن عباس (والقولان متقاربان) ، ولقوله في بعض كتبه: (إذا تساوى النقد والنسيئة، فالنقد خير) [الجواب الكافي: ص٣٨، وانظر: كتابي عن بيع التقسيط: ص٦٨] . فالحطيطة نقصان للتعجيل، والربا زيادة للتأجيل، فكلاهما تغير مناسب في المبلغ لأجل الزمن. وفي حين أن الأول جائز في كل من البيع والقرض، فإن الآخر جائز في البيع دون القرض. فكأن الأول جائز دائمًا (بافتراض العلاقة ثنائية، لا ثلاثية كما في الحطيطة المصرفية) ، والآخر حرام في حال، حلال في حال. فصار المعنى: الحطيطة جائزة، فهي إذن عكس الربا "الحرام" [قارن كتابي بيع التقسيط: ص٤٧ – ٤٨] . ٣-٥- الحطيطة للتعجيل بين الخصم المصرفي وخصم تعجيل الدفع: ظاهر مما تقدم (٣-٢ و ٣–٣ و ٣-٤) أننا فرقنا في الحكم بين الخصم المصرفي وخصم تعجيل الدفع، حيث منعنا الأول وأجزنا الآخر. تعليل ذلك أن خصم تعجيل الدفع علاقة بين متبايعين، لا وسيط بينهما، مثله في ذلك مثل الزيادة للتأجيل في البيوع المؤجلة، اخترنا جوازها مع الجمهور، كما اخترنا جواز الحطيطة مع البعض. أما الخصم المصرفي (أو خصم الأوراق التجارية) فهو علاقة بين متبايعين، دخلها ثالث وسيط (هو المصرف) ، يقرض مبلغًا ليسترد أعلى منه، فهذا ربا نسيئة محرم.

стр. 10303

الفصل الرابع حلول الدين بالموت والإفلاس والمماطلة ٤-١- مقدمة: لا يحل أجل الدين عند أحد من الفقهاء: * بالإغماء (إغماء الدائن أو المدين) ؛ * ولا بالجنون (جنون الدائن أو المدين) ؛ * ولا بموت الدائن؛ * ولا بإفلاس الدائن. أما موت المدين أو إفلاسه ففيهما خلاف. سنعرض في هذا الفصل لحلول الدين بالموت ثم بالإفلاس، ثم بالمماطلة. ٤-٢- حلول الدين بالموت: ١- موت الدائن يسقط أجل الدين عند الظاهرية، ولا يسقطه عند الجمهور، لأن ذمة المدين باقية لم تتأثر بوفاة الدائن. ٢- موت المدين فيه ثلاثة آراء: (١) عدم سقوط الأجل، وهو قول الحسن والزهري. (٢) عدم سقوط الأجل، إذا تم توثيقه برهن أو كفيل مليء، وهو قول ابن سيرين، وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد. (٣) سقوط الأجل، وهو قول الجمهور (الحنفية، والشافعية، والظاهرية، والرواية الأخرى عن الحنابلة، وهو مذهب المالكية ما لم يشترط المدين عدم حلول دينه بموته: (المؤمنون عند شروطهم) ، وما لم يقتل الدائن مدينه عمدًا: (من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه) .

стр. 10304

واستدل الجمهور، لما ذهبوا إليه من سقوط الأجل بموت المدين بحديث: ((نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه)) [رواه الترمذي: ٣/٣٨٠ وقال: هذا حديث حسن، والإمام أحمد: ٢/٥٠٨؛ وابن ماجه: ٢/٨١٣؛ والحاكم: ٢/٢٦ وقال: صحيح على شرط الشيخين] . فبقاء الدين إلى أجله يضر إذن بالميت، لأن ذمته مرتهنة به، كما يضر بالورثة إذ يمنعهم من التصرف بالتركة، ويضر بالدائن لأن حقه قد يضيع بالتأخير واستغراق التركة بالديون الحالة. وبما أن الدائن أحق بمال مدينه في حياته منه، فهو كذلك أحق بمال مدينه بعد وفاته من ورثته. [انظر في الفقه الحنفي: الأشباه والنظائر لابن نجيم: ص٣٥٧؛ وحاشية ابن عابدين: ٥/١٦٠ و ٦/١٥٢؛ وفي الفقه المالكي: المدونة: ٤/١٢١،؛ ومواهب الجليل: ٥/٣٩؛ وحاشية الدسوقي: ٣/٢٦٦؛ وفي الفقه الشافعي: الأم: ٣/٢١٦؛ والمهذب: ١/٤٣١؛ وفتح العزيز بهامش تكملة المجموع: ١٠/٢٠١؛ وقليوبي وعميرة: ٢/٢٨٥؛ وحاشية الشرقاوي: ٢/١٦٨. وفي الفقه الحنبلي: المغني مع الشرح الكبير: ٤/٤٨٥؛ وكشاف القناع: ٣/٤٣٧؛ والروض المربع: ٢/٢٢٤] . ومن المراجع الحديثة: الموسوعة الفقهية الكويتية: ٥/٣٠١ – ٣٠٩؛ والإفلاس في الشريعة الإسلامية للدكتور عبد الغفار إبراهيم صالح: ص١٩٢ – ٢٠٢؛ والديون المالية في الفقه الإسلامي للدكتور سليمان العيسى: ص٤٩٥.

стр. 10305

حلول الدين بالإفلاس: " إذا أحاط الدين بمال المدين، وطلب الغرماء (= الدائنون) الحجر عليه، وجب على الحاكم تفليسه، عند المالكية والشافعية والحنابلة، وصاحبي أبي حنيفة، وهو المفتى به عند الحنفية. واشترط المالكية لوجوب ذلك ألا يمكن للغرماء الوصول إلى حقهم إلا به. أما إذا أمكن الوصول إلى حقهم بغير ذلك، كبيع بعض ماله، فإنه لا يصار إلى التفليس. وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يفلس، لأنه كامل الأهلية، وفي الحجر عليه إهدار آدميته " [الموسوعة الفقهية الكويتية: ٥/٣٠١] . فإذا حكم القاضي بتفليس شخص والحجر عليه، هل يحل الدين المؤجل؟ ١- إفلاس الدائن لا يحل ديونه المؤجلة على الغير [المهذب: ١/٤٣١؛ وحاشية الدسوقي: ٣/٢٦٧] . ٢- إفلاس المدين هل يحل الديون التي عليه؟ فيه قولان: (١) قول بأنها لا تحل، بل تبقى مؤجلة إلى أجلها، وهو قول الحنفية، والشافعي وهو الأظهر عند أصحابه، ورواية عن أحمد. واحتج هؤلاء بأن الأجل حق للمفلس، فلا يسقط بتفليسه، وكما أن التفليس لا يوجب حلول الديون التي للمفلس، فكذلك لا يوجب حلول الديون التي على المفلس. وليس الفلس كالموت، فالموت تخرب به الذمة، بخلاف الفلس، ولأن القصد من الأجل هو التخفيف والتنفيس، ليكتسب المدين، في مدة الأجل، ما يقضي به دينه. (٢) قول بأنها تحل، وهو قول المالكية المشهور عندهم، وقول للشافعي هو خلاف الأظهر عند أصحابه، ورواية عن أحمد. واحتج هؤلاء بأن الدين يتعلق بالمال، والتفليس كالموت يسقط أجل الدين. انظر المراجع المشار إليها في مبحث " حلول الدين بالموت "

стр. 10306

٤-٤- ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار: الإعسار لغة هو قلة ذات اليد، واصطلاحًا هو العجز عن الإنفاق أو عن سداد الدين. أو هو زيادة ديونه والتزاماته على ثروته ودخله. ويختلف الإعسار عن الإفلاس في أن الإعسار يكون عن دين أو فقر، في حين أن الإفلاس يكون عن دين فقط، أو دين وفقر معًا. فالدين يلازم الإفلاس، بينما لا يلازم الإعسار ضرورة. والتفليس هو حكم القاضي على المدين بالإفلاس، بمنعه من التصرف في ماله (الحجر عليه) ، وذلك بناء على طلب الدائنين. وضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار أن لا يكون له مال فائض عن حوائجه الأصلية يفي به دينه. فلا يعد معسرًا من كانت أمواله النقدية قاصرة عن وفاء ديونه، وله أموال أخرى غير نقدية يستطيع بيعها لوفاء دينه. ٤-٥- حلول الدين بالمماطلة: هل يجوز للدائن اشتراط حلول بقية الأقساط، إذا لم يسدد المدين قسطًا في أجله؟ أي هل يجوز الاتفاق بين الدائن والمدين على حلول الدين كله عند عدم سداد بعضه؟ ١- إذا كان المدين معسرًا: لم يجز. ٢- إذا كان مماطلًا: جاز، فليس هناك ما يمنع من جوازه، بل أن المماطلة في سداد أحد الأقساط دالة على المماطلة في سداد الأقساط المتبقية، فالمماطلة طبع وعادة. ولهذا من المفيد للدائن ألا يتعب نفسه مع مثل هذا المدين. وقد يكون في اشتراط حلول الأقساط الأخرى ضغط أدبي على المدين، لكي لا يماطل في سداد أي قسط. وهذا الشرط جرت به اليوم أعراف المصارف مع المقترضين منها، لكنها ربما لا تفرق بين معسر ومماطل. والخلاصة أنه لا نرى مانعًا من اشتراط حلول بقية الأقساط، إذا ماطل المدين في سداد قسط. فالمؤمنون على شروطهم، إلا شرطًا أحل حرامًا، أو حرَّم حلالًا، ولا نرى أن هذا الشرط يحل حرامًا، أو يحرم حلالًا، والله أعلم.

стр. 10307

٤-٦- الحلول والحطيطة: إذا حل الدين لأي سبب من الأسباب المذكورة: موت المدين، أو إفلاسه، أو مماطلته، أو غير ذلك، وكان هذا هو المذهب المختار في القانون أو في العقد، فماذا يجب على المدين عند ذلك، هل تجب القيمة الاسمية للدين؟ أم تجب القيمة الحالية؟ ١- إذا كان الدين قرضًا مؤجلًا (عند من يجيز تأجيله) ، لم يزد فيه للأجل، فالواجب هو القيمة الاسمية، والإحسان هو القيمة الحالية، أي ليس هناك ما يمنع المقرض من استعجال قرضه، والحط عن المقترض، فهذا مندوب. ٢- إذا كان الدين بيعًا مؤجلًا، زيد فيه للأجل، فالواجب فيما نرى هو القيمة الحالية التي نحصل عليها بأن نطرح من القيمة الاسمية (المؤجلة) بنسبة الأجل المتبقي. فإذا زيد عشرون لأربعة أشهر، ثم تم السداد بعد شهرين، طرحنا من القيمة الاسمية ما مقداره عشرة. في حاشية ابن عابدين: ٥/١٦٠: (اشترى شيء بعشرة نقدًا، وباعه لآخر بعشرين إلى أجل، هو عشرة أشهر. فإذا قضاه بعد تمام خمسة (أشهر) ، أو مات بعدها، يأخذ خمسة ويترك خمسة) . والكلام هنا عن المرابحة، حيث الثمن النقدي (= الحال) هو عشرة ريالات، والثمن المؤجل لعشرة أشهر هو عشرون ريالًا، وهذا معناها أن الزيادة لأجل عشرة أشهر هي عشرة ريالات. فإذا حل الثمن المؤجل (= الدين) قبل الاستحقاق بخمسة أشهر، وجب أن يحط منه خمسة: ١٠×٥ ٥٠ ــ = ــ = ٥ ١٠ ١٠ فنسبة الزيادة للأجل هي ريال لكل شهر: ١٠ ــ = ١ ١٠ فإذا تم التعجيل خمسة أشهر، كان مقدار الحطيطة هو: ١ × ٥ = ٥ ريالات. وفي المثال المذكور في نص ابن عابدين افتراض للتبسيط، مفاده أن الربح كله للأجل، وإلا فلو اشترى شيئًا بعشرة نقدًا جاز له أن يبيعه بأحد عشر نقدًا، وههنا المرابحة حالة لا مؤجلة. وعليه ففي مثال ابن عابدين لو كان الربح للأجل هو تسعة ريالات فقط، لكانت الحطيطية: ٤.٥ بدلًا من ٥.

стр. 10308

الخاتمة ١- القرض في الإسلام، لمن هو محتاج إليه في غرض مشروع، يعد مشروعًا، بل مستحبًّا، وربما يصير واجبًا، إذا كان طالب القرض مضطرًّا، والمطلوب منه غنيًّا قادرًا على مواساته وتفريج كربته. ويجب أن يكون القرض خاليًا من الربا. ٢- البيع المؤجل، نسيئة أو سلمًا، جائز، ولو بالزيادة فيه للأجل، فهذه الزيادة ليست من باب الربا المحرم. ٣- بعد ترتب الدين في الذمة، لا تجوز الزيادة على المدين لأجل تأخيره، سواء كان موسرًا أو معسرًا. فالموسر لا يعاقب بالربا، والمعسر يجب إنظاره ومساعدته. ٤- عند عقد الدين، يجب أن ينوي المدين الوفاء، وإلا كان آثمًا. كما يجب أن يتوقع قدرته على الوفاء، وألا يتوسع في الديون بما يتجاوز هذه القدرة، ويمكن للدائن أن يتحرى هذه القدرة، وأن يتوثق منها بضمان أو كفالة. ٥- خصم الأوراق التجارية في المصارف وغيرها لا يجوز، حتى لو ضمن الورقة صاحبها، (وهذا الضمان من لوازم نظام الأوراق التجارية نفسه) ، لأنه يدخل في ربا النسيئة المحرم شرعًا، بالقرآن والسنة والإجماع، ولأن الضمان وإن كان يمنع الغرر إلا أنه لا يمنع الربا. ٦- الحطيطة من الدين لأجل تعجيله، سواء كانت بطلب الدائن أو المدين، جائزة لا تدخل في الربا الحرام، مادامت العلاقة بين المقرض والمقترض، أو بين البائع والمشتري. فإذا دخل بينهما ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذ حكم خصم الأوراق التجارية، وتدخل في الربا الحرام. ٧- الحطيطة من الدين، عند اقتضاء الدين في الأجل أو قبله، تبرعًا من الدائن، بدون شرط ولا اتفاق ولا مراوضة، تعد جائزة (من باب أولى) بلا خلاف عند أحد من العلماء. ٨- يجوز الاتفاق على حلول الدين، بخراب ذمة المدين خرابًا حسيًّا أو معنويًّا، مثل موته أو إفلاسه أو مماطلته. ويجوز في جميع هذه الحالات الحط منه للتعجيل، بمقدار ما يسقط من أجله. ويجب هذا الحط من الدين لتعجيله، إذا كان قد زيد فيه لتأجيله. ٩- إعسار المدين يوجب إنظاره، إذا لم يكن له مال نقدي أو غيره، فائض عن حوائجه الأصلية، يفي به دينه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. الدكتور رفيق يونس المصري

стр. 10309

المصادر والمراجع ١- أحكام الأوراق النقدية والتجارية، لستر بن ثواب الجعيد، رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الشريعة، جامعة أم القرى، ١٤٠٥ – ١٤٠٦هـ (غير منشورة) . ٢- أحكام القرآن، للجصاص (٣٧٠هـ) دار الفكر، بيروت، د. ت. ٣- الإحكام في أصول الأحكام، لابن حزم (٤٥٦هـ) ، بتحقيق أحمد محمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط ١، ١٤٠٠ هـ = ١٩٨٠م. ٤- الاختيارات الفقهية، لابن تيمية (٧٢٨هـ) ، جمع البعلي الدمشقي (٨٠٣هـ) ، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، د. ت. ٥- الأشباه والنظائر، لابن نجيم (٩٧٠هـ) ، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٠هـ = ١٩٨٠م. ٦- إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم (٧٥١هـ) ، بتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت، ط ٢، ١٣٩٧هـ = ١٩٧٧م. ٧- إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم (٧٥١هـ) ، بتحقيق محمد حامد الفقي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٥٧هـ – ١٩٣٩م. ٨- الإفلاس في الشريعة الإسلامية، للدكتور عبد الغفار إبراهيم صالح، د. ن، القاهرة, ١٤٠٠هـ = ١٩٨٠م. ٩- الأم، للإمام الشافعي (٢٠٤هـ) ، طبعة الشعب، القاهرة، د. ت. ١٠- الأوراق التجارية في الشريعة الإسلامية، للدكتور محمد أحمد سراج، دار الثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٨٨م.

стр. 10310

١١- بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد (٥٩٥هـ) ، دار الفكر، بيروت، د. ت. ١٢- البهجة شرح التحفة، للتسولي (١٢٥٨هـ) ،مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ط ٢، ١٣٧٠هـ = ١٩٥١م. ١٣- بيع التقسيط تحليل فقهي واقتصادي، لكاتب هذا البحث، دار القلم، دمشق، الدار الشامية، بيروت، ط ١، ١٤١٠هـ = ١٩٩٠م. ١٤- تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، للزيلعي (٧٤٣هـ) ، دار المعرفة، بيروت، ط ٢، د. ت. ١٥ – التصرف في الدين، للدكتور نزيه حماد، بحث في مجلة كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة أم القرى، مكة المكرمة، السنة ٦، العدد ٦، لعام ١٤٠٢هـ – ١٤٠٣هـ. ١٦- تفسر الآلوسي (١٢٧٠هـ) : روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت. ١٧- تفسير السيوطي (٩١١هـ) : الدر المنثور في التفسير بالمأثور، دار المعرفة، بيروت، د. ت. ١٨- تفسير الشوكاني (١٢٥٠هـ) : فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، دار الفكر، بيروت، ١٤٠١هـ = ١٩٨١م. ١٩- تفسير الطبري (٣١٠هـ) : جامع البيان عن تأويل آي القرآن، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ط٣، ١٣٨٨هـ = ١٩٦٨م.

стр. 10311

٢٠- تفسير القرطبي (٦٧١هـ) : الجامع لأحكام القرآن، دار القلم، بيروت، ١٣٨٦هـ = ١٩٦٦م. ٢١- تفسير الماوردي (٤٥٠هـ) : النكت والعيون، بتحقيق خضر محمد خضر، ومراجعة عبد الستار أبو غدة، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، ط ١، ١٤٠٢هـ = ١٩٨٢م. ٢٢- تكملة المجموع للمطيعي، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، د. ت. ٢٣- حاشية ابن عابدين (١٢٥٢هـ) ، دار المعرفة، بيروت، ط ٢، د. ت. ٢٤- حاشية الخرشي (١١٠١هـ) على خليل (٧٧٦ هـ) دار صادر، بيروت، د. ت. ٢٥- حاشية الدسوقي (١٢٣٠هـ) على الشرح الكبير، للدردير (١٢٠١هـ) ، دار الفكر، بيروت، د. ت. ٢٦- حاشية الشرقاوي (١٢٢٦هـ) ، دار المعرفة، بيروت، د. ت. ٢٧- حاشيتا قليوبي (١٠٦٩هـ) وعميرة (٩٥٧هـ) على منهاج الطالبين للنووي (٦٧٦هـ) ، دار الفكر بيروت، د. ت. ٢٨- الديون المالية في الفقه الإسلامي، للدكتور سليمان العيسى، رسالة دكتوراه مقدمة إلى المعهد العالي للقضاء، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م (غير منشورة) . ٢٩- ربا القروض وأدلة تحريمه، للكاتب، مركز النشر العلمي، جامعة الملك عبد العزيز، جدة، ط ١، ١٤١٠هـ = ١٩٩٠م.

стр. 10312

٣٠- الروض المربع شرح زاد المستنقع للبهوتي (١٠٥١هـ) ، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض، ١٣٩٠هـ = ١٩٧٠م. ٣١- سنن ابن ماجه (٢٧٥هـ) ، بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، د. ت. ٣٢- سنن الترمذي (٢٧٩هـ) : الجامع الصحيح، بتحقيق أحمد محمد شاكر، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ط ٢، ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م. ٣٣ – سنن الدارقطني (٣٨٥ هـ) ، نشر عبد الله هاشم يماني المدني، المدينة المنورة، د. ت. ٣٤- سنن النسائي (٣٠٣هـ) ، بعناية عبد الفتاح أبو غدة، بيروت، ط ٢ مصورة، ١٤٠٦هـ = ١٩٨٦م. ٣٥ – شرح الزرقاني (١٠٩٩هـ) على خليل (٧٧٦هـ) ، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م. ٣٦ – شرح السنة للبغوي (٥١٦هـ) ، بتحقيق زهير الشاويش وشعيب الأرناؤوط، المكتبة الإسلامية، بيروت، ط ١، ١٣٩٠ هـ = ١٩٧١م. ٣٧- شرح منتهى الإرادات، للبهوتي (١٠٥١هـ) ، دار الفكر، بيروت، د. ت. ٣٨ – شرح منح الجليل على مختصر خليل (٧٧٦هـ) ، لمحمد عليش (١٢٩٩هـ) ، د. ن، د. ت. ٣٩- صحيح البخاري (٢٥٦هـ) ، دار الحديث، القاهرة، د. ت. ٤٠- صحيح مسلم (٢٦١هـ) بشرح النووي (٦٧٦هـ) ، طبعةالشعب، القاهرة، د. ت. ٤١- العقود الدرية، لابن عابدين (١٢٥٢هـ) ، دار المعرفة، بيروت، ط ٢، د. ت. ٤٢- فتح الباري بشرح صحيح البخاري (٢٥٦هـ) ، لابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ) ، دار المعرفة، بيروت، د. ت. ٤٣- فتح العزيز شرح الوجيز، للرافعي (٦٢٣هـ) بهامش المجموع للنووي (٦٧٦هـ) ، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، د. ت. ٤٤ – فيض القدير شرح الجامع الصغير، للمناوي (١٠٣١هـ) ، دار المعرفة، بيروت، د. ت. ٤٥ – كتاب الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي، لابن القيم (٧٥١هـ) ، دار الندوة الجديدة، بيروت، ط ٣، ١٤٠٠هـ. ٤٦- كشاف القناع عن متن الإقناع، للبهوتي (١٠٥١هـ) ، بتحقيق هلال مصيلحي، مكتبة النصر الحديثة، الرياض، د. ت.

стр. 10313

٤٧- كنز العمال، للهندي (٩٧٥هـ) ، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ٥، ١٤٠٥هـ = ١٩٨٥م. ٤٨- المبدع في شرح المقنع، لابن مفلح (٨٨٤هـ) ، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، ١٩٨٠م. ٤٩- المبسوط، للسرخسي (٤٩٠هـ) ، دار المعرفة، بيروت، ط ٣، ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م. ٥٠- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي (٨٠٧هـ) ، مكتبة القدسي، القاهرة، د. ت. ٥١- مجموع فتاوى ابن تيمية (٧٢٨هـ) ، طبعة السعودية، ط ١، ١٣٩٨هـ. ٥٢ – المجموع، للنووي (٦٧٦هـ) ، المكتبة السلفية، المدينة المنورة، د. ت. ٥٣ – المحرر في الفقه على مذهب الإمام أحمد، لمجد الدين أبي البركات (٦٥٢هـ) ، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، ١٣٦٩هـ = ١٩٥٠م. ٥٤- المدونة الكبرى، للإمام مالك (١٧٩هـ) ، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م. ٥٥ – المستدرك على الصحيحين في الحديث للحاكم النيسابوري (٤٠٥هـ) ، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م. ٥٦ – مسند الإمام أحمد (٢٤١هـ) ، دار الفكر، بيروت، ط ٢، ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م. ٥٧- مصنف ابن أبي شيبة (٢٣٥هـ) ، بتحقيق عبد الخالق الأفغاني، الدار السلفية، بومابي، ط ٢، ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م. ٥٨- مصنف عبد الرزاق (٢١١هـ) ، بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ٢، ١٤٠٣هـ = ١٩٨٣م. ٥٩- المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر العسقلاني (٨٥٢هـ) ، بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، د. ن، د. ت. ٦٠- المغني مع الشرح الكبير، لابن قدامة (٦٢٠هـ) ، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٩٢هـ = ١٩٧٢م. ٦١ – المهذب في فقه الإمام الشافعي، للشيرازي (٤٧٦هـ) ، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ط ٣، ١٣٩٦هـ = ١٩٧٦م. ٦٢ – مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، للحطاب (٩٥٤هـ) ، دار الفكر، بيروت، ط ٢، ١٣٩٨هـ = ١٩٧٨م. ٦٣ – الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف، الكويت، التاريخ مختلف باختلاف الجزء. ٦٤ – نهاية المحتار إلى شرح المنهاج، للرملي (١٠٠٤هـ) ، مكتبة البابي الحلبي، القاهرة، ١٣٥٧هـ – ١٩٣٨م.

стр. 10314

توثيق الدين والمعاملات المالية الأخرى إعداد الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد عضو مجمع الفقه الإسلامي بجده بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال صاحب لسان العرب في شرحه لما تفيده كلمة توثيق: وثق به: ائتمنه، والوثيقة في الأمر: أحكامه، واستوثقت من فلان: أخذت منه الوثيقة. وعلى العموم يفهم من كلمة توثيق: كل ما تتوثق به المعاملة ويجعلها محكمة بأن تكون صحيحة مشتملة على الوثيقة التي تصونها من التلاعب وتكفل إنجازها على الوجه المشروع المتفق عليه، وشواهد القرآن الكريم تقرر أن التوثيق معناه كذلك، وأنه شرع لذاك. قال الله تعالي: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ (١) . أي العهد الذي أخذه عليكم وثيقة منكم على الوفاء. والقرآن الكريم يحكي عن يعقوب ﵇ قوله لبنيه: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ﴾ (٢) . ويقول: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٣) ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (٤) . وهكذا جرى سنن القرآن الكريم على الأمر بالوفاء عند ذكر العهد والميثاق وعلى التنديد بالذين لا يوفون بالعهد والميثاق سواء كان بين الإنسان وربه أو بين الإنسان والإنسان.

стр. 10315

وتوثيق المعاملات وتنظيم هذا التوثيق قد سبقتنا إليه – على أي وجه من الوجوه – شرائع قديمة، ولكن الإسلام أقرّه وتوسع فيه ولعله أضاف إلي وسائله الأولى وسائل لم تكن من قبل. وهذه الوسائل – بالنسبة لنا – مستمدّة من القرآن والسنة وإن اختلف ذكر بعضها عن البعض طولًا وقصرًا أو تفصيلًا وإجمالًا وتأكيدًا وغير تأكيد. وهذه آية الدين وما فيها من الأمر بالكتابة والاستشهاد على الدين أو الرهن به، والإشهاد على البيع، وآيات أخرى وأحاديث مستفيضة في كتب السُنة، جاءت كلها بما ورد في آية الدين على ما سيأتي تفصيله: وقد ذكر القرطبي في تفسيره مما خرجه الترمذي ورواه أبو داود الطيالسي في سننه من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في قول الله : ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) . أن أول من جحد آدم ﵇ إن الله أراه ذريته فرأى رجلًا أزهر ساطعًا نوره فقال: يا رب من هذا؟ قال: هذا ابنك داود، قال يا رب فما عمره؟ قال: ستون سنة. قال: يا رب زده في عمره، فقال: لا، إلَّا أن تزيده من عمرك قال: ما عمري؟ قال: ألف سنة، قال آدم: فقد وهبت له أربعين سنة، قال: فكتب الله عليه كتابًا وأشهد عليه ملائكته، فلما حضرته الوفاة جاءته الملائكة قال: إنه بقي من عمري أربعون سنة، قالوا: إنك قد وهبتها لابنك داود، قال: ما وهبت لأحد شيئًا، قال: فأخرج الله تعالي الكتاب وشهد عليه ملائكته وفي رواية: وأتم لداود مائة سنة ولآدم عمره ألف سنة (٢) . وقد كان التوثيق ديدن النبي ﷺ في كل معاملة ذات خطر، وقد ذكرت كتب السير فيما يدل على عناية الرسول ﷺ بالتوثيق: أن الحصين بن نمير، والمغيرة بن شعبة كانا يقومان للنبي ﷺ بكتابة المداينات والمعاملات. ومن أمثلة مكاتبة النبي ﷺ على سبيل التوثيق ما كتبه لتميم الداري وأصحابه حيث جاء في نسخته:

стр. 10316

(بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه: إني أعطيتكم عينون، وجيرون، والرطوية، وبيت إبراهيم برمته وجميع ما فيه، عطية بتٍّ، وسلَّمت ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد الآبد فمن أذاهم فيها آذاه الله. يشهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان وكتبه) . ومثال آخر مما كتبه النبي ﷺ وثيقة عتقه لمولاه أبي رافع ونصها: (بسم الله الرحمن الرحيم. كتاب من محمد رسول الله لفتاه أسلم – وهو أبو رافع – إني أعتقك لله عتقًا مقبولًا، الله أعتقك وله المنُّ عليَّ وعليك، فأنت حر لا سبيل لأحد عليك إلا سبيل الإسلام وعصمة الإيمان، شهد بذلك أبو بكر، وشهد عثمان، وشهد علي، وكتب معاوية بن أبي سفيان) . وكما وثق ﷺ بالكتابة وثق بالرهن وذلك عندما اشترى من يهودي طعامًا – عشرين صاعًا – بثمن مؤجل، ثم رهن عند اليهود درعه على ذلك الثمن وتوفي ﷺ ودرعه مرهونة. فهذا توثيق بالرهن كما كان التوثيق بالكتابة. وكذلك روى ابن ماجه أنه ﵇ ضمن غيره في معاملات مالية، وحكى ما رواه عن ابن عباس ﵄: (أن رجلًا لزم غريمًا له بعشرة دنانير على عهد رسول الله عليه وسلم فقال الغريم: ما عندي شيء أعطيكه، فقال: والله لا أفارقك حتى تفضيني أو تأتيني بحميل ضامن – فجرَّه إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : كم ستنتظره؟ قال: شهرًا، قال رسول الله ﷺ : أنا أحمل- أي أضمن) . وكذلك ما حكاه النعمان بن بشير من قصة أمه مع أبيه إذ رغبت أمه إلى أبيه بشير أن يخص ولدها النعمان بشيء من عقاره، فلما استجاب لرغبتها طلبت إليه توثيقها بإشهاد الرسول على هذا التخصيص، غير أن الرسول ﷺ سأل بشيرًا: هل كل ولدك أعطيت؟ فقال بشير: لا، فامتنع النبيُّ ﷺ من الشهادة على ذلك لما فيه من الحيف على بقية أولاد بشير. ولم يكن الاستيثاق في ذاته موضع اعتراض من الرسول ﷺ . تلك أنواع من التوثيق سقناها، ويبقى التوثيق بالحلف والتوثيق بالبينة وبالإقرار وبالقرائن. وفي التوثيق طمأنينة المتعاملين من الجحود والمماطلة ونزعات الشر أو حادثة النسيان وعندما تكون المعاملة المالية عارية عن الوثيقة تكون محفوفة بالخوف والقلق، وقد تنتهي إلى لقمة سائغة يستلذها الآخذ ويغص بالحسرة عليها المعطي، وهذه هي الحكمة في مشروعية التوثيق والحث عليه.

стр. 10317

المعاملات التي شرع لها التوثيق: لم يكن التوثيق في اعتبار الشارع مطلوبًا ولا سائغًا في كل ما يسمى عند الناس معاملة، وإنما هو في المعاملة التي اعترفت بها الشريعة، وسوقتها وسيلة لتبادل الأموال والمنافع، حتى يكون التوثيق مبنيًا على أصل صحيح، ومن القواعد المشهورة: أن المبني على الفاسد فاسد، أو أن الفاسد لا ينبني عليه صحيح. وعلى ضوء ذلك تكون المعاملات الباطلة بمعزل عن رعايتها بطلب التوثيق فيها، بل الشارع يزجر عنها، ويدعو إلى التنصل منها، فلو أن مسلمًا باع خمرًا أو خنزيرًا لمسلم آخر فقد تعاملا في غير مال محترم وذلك غير مشروع بأصله، ومهما بلغ الثمن حالًّا أو مؤجلًا فلا موضع هنا للتوثيق، لأنها معاملة محظورة لا تكسب حقًّا، وقس على ذلك كل معاملة في محظور. أما حينما تصح المعاملات باستيفائها للشروط الفقهية، وتكون سبيلًا إلى تملك العين وثمنها في المبيعات وسيرًا إلى استحقاق الأجرة والمنفعة في الإجارات تصبح محلًّا للتوثيق وتنبني عليه آثاره. وسائل التوثيق: وبالنظر في الوسائل المؤدية للغاية المنشودة من التوثيق، - نرى بعد الاستيعاب الممكن – أن وسائل التوثيق التي عرض لها القرآن الكريم أو ورد ذكرها في السنة، ودارت على ألسنة الفقهاء، نجد أن بعض هذه الوسائل تؤدي غايتها باعتبارها متينة للحق: كالكتابة والبينة، والإقرار، واليمين والقرائن، ونجد بعضها يؤدي غايته باعتباره تأمينًا للحق الثابت بإحدى تلك الوسائل: كالرهن والضمان والكفالة،ونجد بعضًا ثالثًا يؤدي غايته باعتباره تنفيذًا لاستيفاء الحق: كالحجر، والحبس والملازمة والغرض العام منها جميعها: هو ضبط المعاملات وصيانة الحقوق المالية من الضياع.

стр. 10318

الوثيق الكتابي: قال الله تعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (١) الآية. تعتبر هذه الآية الكريمة من أهم النصوص في شأن التوثيق، وقد عرضت للدين وتوثيقه من نواحٍ عده، فذكرت كتابة الدين، وعدالة الكاتب وعدالة المملي، وذكرت الاستشهاد على الدين وعدالة الشهود وما يتصل بذلك من الإشهاد على البيع. وما يستثنى توثيقه ... إلخ ولنعرض جهد العلماء فيما يستفاد من هذه الآية الكريمة. قال القرطبي في شرح هذه الآية: (ذهب بعض الناس إلى أن كتب الديون واجب على أربابها، فرض بهذه الآية، بيعًا كان أو قرضًا، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود، وهو اختيار الطبري، وقال ابن جريج: من أدان فليكتب ومن باع فليشهد. وقال الشعبي: كانوا يرون أن قوله: (فإن أمن ...) ناسخ لأمره بالكتب. وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري، وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله تعالي بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ . قال الجمهور: الأمر بالكتب ندب إلى حفظ الأموال وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيًّا فما يضره الكتاب، وإن كان غير ذلك فالكتاب ثقاف في دينه وحاجة صاحب الحق. قال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة، قال ابن عطية: وهذا هو القول الصحيح. ولا يترتب نسخ في هذا لأن الله تعالى ندب إلى الكتاب فيما للمرء أن يهبه ويتركه بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس) (٢) . ذكر الجصاص أن الأمر بالكتابة لم يرد إلا مقرونًا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ إلخ. وانتهى إلى نتيجة حتمية في اعتباره وهي أن الأمر بالكتابة والإشهاد ندب غير واجب. وقد حذا حذو القرطبي والجصاص كثير من المفسرين كابن كثير، والآلوسي وكذلك جمهور الفقهاء من علماء المذاهب وأدلتهم تختلف وتتلخص فيما يأتي:

стр. 10319

أولًا: ما تقدم نقله عن القرطبي والجصاص وموافقيهما من قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (١) . فإن معناه عندهم إن توفرت الطمأنينة بينكم وائتمن بعضكم بعضًا من غير توثيق، فعلى المؤتمن أن يؤدي أمانته التي في عهدته، وإلَّا يتحتم التوثيق الكتابي أو غيره، فإن فرضنا أن الآية نزلت مفرقة كما هو أحد الاحتمالين، فالوجوب المستفاد من أولها منسوخ بآخرها، فلا تفيد حينئذ أكثر. من الندب. ويؤيد هذا الفهم عندهم ما روي عن أبي سعيد الخدري ووافقه عليه آخرون أنه قال: " صار الأمر إلى الأمانة " ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية. وإن فرضنا أن الآية نزلت دفعة واحدة فقد بين آخرها أولها من أول الأمر بأنه للندب (٢) . ثانيًا: أن النبي ﷺ اشترى من أعرابي فرسًا فجحده الأعرابي حتى شهد له خزيمة ابن ثابت، وروي أنه ﷺ اشترى من رجل سراويل. ولم ينقل أنه أشهد في شيء من ذلك. ثالثًا: أن الصحابة كانوا يتبايعون في الأسواق، فلم يأمرهم النبي ﷺ بالإشهاد، وأن التعامل بالدين مما يكثر، فلو كان الكتاب والإشهاد واجبًا لكان فيه أولًا حرج، والحرب منفي شرعًا بنص القرآن الكريم، يضاف إلى ذلك ما نقل إلينا من اتفاق كثير من السلف وفقهاء الأمصار أن ما أمرنا به في آية الدين من الكتاب والإشهاد والرهن، من قبيل الإرشاد إلى ما فيه الحظ والصلاح للدين والدنيا (٣) . وذهب آخرون إلى القول بالوجوب ومنهم ابن جرير الطبري في تفسيره، والظاهرية، ومن الفقهاء المعاصرين الشيخ محمد عبده، واستدلوا بأربعة أدلة:

стр. 10320

الأول: أن الأمر ورد صريحًا بكتابة الدين والإشهاد عليه، والأصل في الأمر الوجوب ما لم يصرفه صارف إلى الندب، وحيث لم يرد صارف له هنا فالوجوب مقطوع به عندهم. الثاني: أن السنة وردت بذلك، وذكر ابن حزم في المحلى حديثًا عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل أعطى ماله سفيهًا وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ، ورجل له على رجل دين لم يشهد عليه) (١) . ووجه الدلالة في هذا أن الحرمان من قبول الدعاء نقمة، والنقمة لا تكون إلا على معصية. الثالث: ما روي من الآثار من أن ابن عمر – ﵄ – كان إذا باع بنقد أشهد، وإذا باع بنسيئة كتب وأشهد (٢) . الرابع: أنكر ابن عباس – ﵄ – النسخ وأكد أن الآية محكمة وعلى هذا عطاء وجابر والنخعي والشعبي وأبو جرير من كبار المفسرين والأصل عدم النسخ والنسق القرآني يأتلف مع عدم النسخ أكثر مما يأتلف مع وجوده. والذي نميل إليه أن طهر النفوس وظهور التقوى والورع بين الناس في زمن السلف مال بهم إلى الاجتهاد بعدم التزام التوثيق ولكن الواقع في عهدنا هذا من خراب ذمم الناس وبعدهم عن التقوى – إلَّا من هدى الله – لا يقضي القياس استحسانًا عند أولي العلم بوجوب التوثيق ولكن الواقع في عهدنا هذا من خراب ذمم الناس وبعدهم عن التقوى – إلا من الهدي الله – لا يقتضي القياس استحسانًا عند أولي العلم بوجوب التوثيق خاصة في الديون ويكون ذلك تطبيقًا حقًّا للنظم الإسلامية التي شرعت لمسايرة الحياة في أزمانها وأطوارها ولأولي الأمر الحق كاملًا في إصدار ما يرونه من تشريع ملزم للناس بالكتابة في العقود ذات الخطر والتي تؤثر على حياة الناس أو يكثر فيها النزاع والتجاحد ... ويكون في هذا مصلحة واحتياط للدين والدنيا خاصة وأن سهولة أدوات الكتابة من أقلام وورق وآلات حاسبة يرفع الحرج الذي حال بالأوائل إلى القول بعدم وجوب الوثيق ... وقد رخص الله لنا بمنه وكرمه في ترك كتابة التجارة الحاضرة.

стр. 10321

القدر الذي يتعلق به الوثيق: ذهب فريق منهم ابن قدامة حيث يقول: (ويختص ذلك – أي التوثيق – بما له خطر، فأما الأشياء القليلة الخطر كحوائج البقال والعطار وشبهها فلا يستحبُّ فيها لأن العقود فيها تكثر فيشق الإشهاد عليه، وتقبح إقامة البينة عليها والترافع إلى الحاكم بخلاف الكثير) . ووجاهة هذا الرأي واضحة ظاهرة جدًّا في زماننا هذا من حيث ضيق وقت الناس وعدم تعارفهم وكثرة المشتريات والمبيعات ولأن التجارة مبنية على سرعة الإنجاز والانشغال بالتوثيق في كل شيء قد لا يسمح بإدارتها على الوجه الأكمل والمطلوب ولذلك خفف الله تعالى عن الناس باستثنائه التجارة الحاضرة. وذهب فريق إلى وجوب الإشهاد في كل شيء. قال ابن جريج: سئل عطاء: أيشهد الرجل على أن بايع بنصف درهم؟ قال: نعم، هو تأويله قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ . وذهب فريق إلى الندب في القليل والكثير وهو رأي الجمهور الذي بيناه سابقًا والواقع أن للعرف بين الناس حسبما تقتضي عوائدهم وأحوالهم أثرًا كبيرًا في تحديد القدر الذي يتعلق به التوثيق الواجب والمندوب والمباح ومما نراه أن خمسة وعشرة ريالات قد تعتبر دينًا تافهًا عند الناس وبعضهم يراه خطيرا بحسب أحوالهم ونفسياتهم وماديتهم ... وقد احتكمنا إلى العرف من قبل في تقدير المهر والنفقات وقيم المتلفات وبه نهتدي في تقدير ما يجب وما يباح وما يندب إليه في التوثيق وقد أقرت الشريعة العمل بالعرف الصحيح كأصل من أصولها تيسيرا على الناس وإفساحا لهم في مجال الحياة، فرجوعنا إليه وتحكيمه يعتبر عملًا بأصل مشروع. ومع هذا فإني أرى أن الورع والتقوى وتعظيم قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ يقتضي كتابة كل دين صغيرًا أو كبيرًا ... ولعل تقديم ذكر "صغيرًا " في الآية يؤكد هذا الذي ذهبنا إليه.

стр. 10322

خاتمة البحث توثيق الدين والمعاملات المالية الأخرى تناول البحث المراد بالتوثيق وأصوله في الشريعة الإسلامية والحكمة من تشريعه والوسائل التي يتحقق بها التوثيق، وقدمنا أمثلة من توثيقات النبي ﷺ من كتابة ورهن وإشهاد، وأنه كان يحرص على التوثيق في كل أمر هام. والمعاملات التي شرع لها التوثيق هي المعاملات التي اعترفت بها الشريعة الإسلامية وسوقتها وسيلة لتبادل الأموال والمنافع حتى يكون التوثيق مبنيًّا على أصل صحيح، ولم يكن التوثيق في اعتبار الشارع مطلوبًا ولا سائغًا في كل ما يسمَّى عند الناس معاملة، ومن القواعد المشهورة: الفاسد لا ينبني عليه صحيح وأن المبني على الفاسد فاسد. ومن أهم وسائل التوثيق الكتابة التي وردت في آية الدين، وقد ذهب العلماء مذاهب شتى فيما إذا كانت الكتابة واجبة أم مندوبة أم مباحة ... فمنهم من ذهب إلى أنها مندوبة وذكرنا أدلتهم، ومنهم من قال إنها واجبة وذكرنا أدلتهم، ومنهم من قال إنها مباحة ... وكذلك تناول الفقهاء القدر الذي يتعلق به التوثيق، فذهب فريق إلى وجوب كتابة الدين الكثير دون القليل، وذهب بعضهم إلى وجوب كتابته صغيرًا أو كبيرًا، كما ذهب فريق ثالث إلى وجوب الإشهاد في كل شيء، وقال آخرون بالندب في القليل والكثير. والذي نميل إليه أن طهر النفوس وظهور التقوى والورع بين الناس في زمن السلف مال بهم إلى الاجتهاد بعدم التزام التوثيق، ولكن الواقع في عهدنا هذا من خراب ذمم الناس، وبعدهم عن التقوى – إلَّا من هدى الله – يقتضي التزام التوثيق خاصة في الديون صغيرها وكبيرها، وفي ذلك تعظيم وتوقير لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ . أما في المعاملات المالية الأخرى فإن للعرف بين الناس حسبما تقتضي عوائدهم وأحوالهم أثرًا كبيرًا في تحديد التوثيق الواجب والمندوب والمباح. الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد

стр. 10323

البيع بالتقسيط المحور الثاني توثيق الدين في الفقه الإسلامي إعداد الدكتور نزيه كمال حماد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: لا يخفى أن الالتزام بالدين يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعقود والمعاملات المالية التي يبرمها الأفراد والهيئات ويتفقون عليها، ويترتب على كثير منها، وينشأ عنها ... ومن هنا كانت دراسة " توثيق الدين " في الفقه الإسلامي من أهم الأمور المتعلقة بمداينات الناس وعقودهم التي تتضمن ثبوت الدين في ذمة أحد العاقدين أو تُسَبِّبُهُ.. لأن غرض التوثيق ومقصده أن يحفظ لصاحب الدين حقه، وأن يمكنه من بلوغه والحصول عليه، وأن يدفع عنه مفسدة تواهه وضياعه، أو جحوده، وإنكاره، أو العجز عن إثباته واستيفائه.. وسنتناول في هذه الدارسة طرق توثيق الدين الشرعية في أربعة فصول، يسبقها تمهيد في معنى توثيق الدين وحقيقته. والله المسؤول أن يجعله لوجهه خالصًا، وينفع به مؤلفه وقارئه في الدنيا والآخرة، إنه سميع الدعاء، وأهل الرجاء، منه سبحانه الاستمداد، وعليه وحده التوكل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

стр. 10324

تمهيد معنى توثيق الدين: (أ) في اللغة: ١ – التوثيق في اللغة: معناه الإحكام، من وَثَّقْتُ الشيءَ توثيقًا فهو مُوَثَّقٌ: أي أحكمته (١) ، قال ابن فارس: في " معجم مقاييس اللغة ": " الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام " (٢) ، ومن هنا سمي العهد ميثاقًا وموثقًا لما فيه الإحكام والثبوت، وقال ابن القطاع: وثقت بالشيء، أي اعتمدت عليه (٣) . والأمر الوثيق: هو الثابت المحكم، ووثقت به أثق ثقة ووثوقًا: ائتمنته (٤) والوثيقة في الأمر: إحكامه والأخذ بالثقة. والجمع الوثائق (٥) . (ب) في الاصطلاح الفقهي: ٢ – ذكر الإمام إلكيا الهراسي في كتابه " أحكام القرآن " أن معنى الوثيقة في الديون " ما يزداد بها الدين وكادة " (٦) .. ثم إننا بعد تتبع استعمال الفقهاء لمصطلح " توثيق الدين " وجدنا أنهم يطلقونه على أمرين: (أحدهما) تقوية وتأكيد حق الدائن فيما يكون له في ذمة المدين من مال بشيء يعتمد عليه – كالكتابة أو الشهادة – لمنع المدين من الإنكار وتذكيره عند النسيان، وللحيلولة دون ادعائه أقل من الدين أو ادعاء الدائن أكثر منه أو حلوله أو انقضاء الأجل ونحو ذلك، بحيث إذا حصل نزاع أو خلاف بين المتعاملين، فيعتبر هذا التوثيق وسيلة قوية يحتج بها لإثبات الدين المتنازع فيه أمام القضاء (٧) .

стр. 10325

بين التوثيق والإثبات: ٣ – ويلاحظ من مفهوم " توثيق الدين " هذا وجود علاقة بينه وبين " إثبات الدين " وذلك لأن فائدة التوثيق الأساسية هي إثبات الحق المتنازع فيه أمام القضاء، ولأن التوثيق ليس إلا إعدادًا مقدمًا للإثبات، ولأن التوثيق والإثبات كلاهما يهدف إلى غاية واحدة ويرمي إلى مقصد واحد، وهو حماية الحقوق، ومنع التلاعب بها، والقضاء بها لأصحابها، وقطع دابر المنازعة والخصومة بين الناس.. غير أن بينهما فرقين مهمين: أحدهما: أن التوثيق يعتبر مقدمة للإثبات حيث إنه يوجد عند إنشاء التصرف المقتضي ثبوت الدين في الذمة ولهذا فهو يسبق الإثبات بينما يكون الإثبات لاحقًا به، وقائمًا عليه، ومرتكزًا على أساسه، ومترتبًا على وجوده. والثاني: أن توثيق الدين بالطرق التي تقوِّيه وتؤكده وتحكمه يمثل بعض وسائل إثبات الدين لا كلها، حيث إن للإثبات، طرقًا أخرى تعتبر حججًا معتبرة يحكم بموجبها في القضاء. وعلى هذا فيعتبر " توثيق الدين " حادثًا سببًا مولدًا للإثبات المعتمد عليه فحسب، وبينه وبين الإثبات الحاصل به ما بين المؤثر والأثر من العلاقة واختلاف المفهوم. (والأمر الثاني) تثبيت حق الدائن فيما يكون له في ذمة المدين من مال وإحكامه بحيث يتمكن عند امتناع المدين عن الوفاء – لأي سبب من الأسباب – من استيفاء دينه من شخص ثالث يكفل المدين بماله أو من عين مالية يتعلق بها حق الدائن وتكون رهينة بدينه. ويلاحظ من مفهوم التوثيق هذا أن تقوية وتأكيد حق الدائن في دينه لا يرجع إلى اعتماده على وسيلة إثبات يحتج بها أمام القضاء للوصول إلى حقه كما هو الشأن في الإطلاق الأول، ولكنه يرجع إلى اعتماده على وثيقة تضمن حق الدائن ويستطيع استيفاءه منها، وهي الكفيل أو الرهن.

стр. 10326

موقع توثيق الدين بين مقاصد الشريعة: ٤ – لقد ثبت بالاستقراء والتتبع للأحكام الشرعية وغاياتها أن المولى قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية على وجه لا يختل لها به نظام، لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات (١) . وقد ذكر الإمام الشاطبي في " الموافقات " أن توثيق الدين يعد من قبيل التكملة والتتمة لمصلحة ضرورية أو حاجية، وذلك حسب اعتبار المعاملة المنشئة للدين المراد توثيقه وما تقتضيه.. فإن كانت داخلة تحت الضروريات لتوقف المحافظة على إحدى المصالح الضرورية – وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال – عليها، فإن توثيق الدين في هذه الحالة يعد من قبيل مكملات الضروريات. أما إذا كانت تلك المعاملة المنشئة للدين معتبرة من قبيل الحاجيات، لكون المقصود بها دفع الحرج والعنت والمشقة عن المكلف وحسب، فإن توثيق الدين في هذه الحالة يعد من مكملات الحاجيات. هذا، وحيث إن المجتهد قد يتردد في إلحاق بعض المعاملات بالمصالح الضرورية أو الحاجية، على حسب الأحوال والاعتبارات، فإنه تبعًا لذلك قد يتردد في اعتبار توثيق الدين مكملًا لمصلحة ضرورية أو مكملًا لمصلحة حاجية (٢) . طرق توثيق الدين: ٥ – يحتاج الدائن في أكثر الظروف والأحوال إلى أن يستوثق لدينه، وذلك خوفًا من ضياعه أو جحوده أو نسيانه أو العجز عن استيفائه، وطرق توثيق الدين عند الفقهاء أربعة: البينة الخطية (الكتابة) ، والبينة الشخصية (الشهادة) ، والكفالة،والرهن (٣) ، وسنتناول بالبيان كل واحد منها في فصل مستقل.

стр. 10327

الفصل الأول البينة الخطية (الكتابة) وسنتكلم فيه عن مشروعيتها وحجتها وصور توثيق الدين بها، وحكمها. (أ) مشروعيتها: ٦ – قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ (١) . فقد دلت الآية الكريمة على مشروعية توثيق الدين بالكتابة المبينة له، المُعْرِبَةُ عنه، المعرفة للحكم بما يحكم عند الترافع إليه، وذلك في صك موضح للدين بجميع صفاته (٢) ، وحكمة ذلك كما قال العلامة ابن العربي " ليستذكر به عند أجله، لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل، فالنسيان موكل بالإنسان، والشيطان ربما حمل على الإنكار، والعوارض من موت وغيره تطرأ، فيشرع الكتاب والإشهاد " (٣) . (ب) حجيتها: ٧ – لقد اختلف الفقهاء في حجية الكتابة في توثيق الديون على قولين: * فذهب الشافعي ومالك وأحمد في رواية عنه وجماعة من الفقهاء إلى أنه لا يعتمد على الخط المجرد إذا لم يُشْهَدْ عليه، لأن الخطوط تشتبه والتزوير فيها ممكن، وقد تكتب للتجربة أو اللهو.. ومع قيام هذه الاحتمالات والشبهات لا يبقى للخط المجرد حجة ولا يصلح للاعتماد عليه، أما إذا أشهد عليه، فيعتبر وثيقة وحجة، لأن الشهادة ترفع الشك وتزيل الاحتمال (٤) . * وذهب جماهير الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى صحة توثيق الدين بالكتابة، وأنها بينة معتبرة في الإثبات إذا كانت صحيحة النسبة إلى كاتبها (٥) . قال الجصاص في " شرح أدب القاضي ": " الأصل في هذا الباب أن الكتاب يقوم مقام عبارة المكتوب من جهته وخطابه " (٦) .

стр. 10328

وقال ابن تيمية: " والعمل بالخط مذهب قوي، بل هو قول جمهور السلف " (١) . وقال ابن فرحون في " تبصرة الحكام ": " وإن قال لفلان عندي أو قلبي كذا وكذا بخط يده قضي عليه به؛ لأنه خرج مخرج الإقرار بالحقوق " (٢) . وجاء في " كشاف القناع " للبهوتي: " قال في الاختيارات " وتنفذ الوصية بالخط المعروف، وكذا الإقرار إذا وجد في دفتره، وهو مذهب الإمام أحمد " (٣) . وقال صديق حسن خان: " قد ثبت العمل بالخط بالأدلة المتكاثرة من الكتاب والسنة والإجماع.. ومن الحاكين لإجماع الصحابة على العمل بالخط الرازي في المحصول: وأما من يعد الصحابة فيدل عليه إجماعهم الفعلي على الاحتجاج بذلك والعمل به في معاملاتهم وفي المصنفات " (٤) . وعلى هذا جرت مجلة الأحكام العدلية، فاعتبرت كتابة الدين حجة في توثيقه وبينة لإثباته، لأن المرء مؤاخذ بإقراره الواقع بالكتابة كما هو مؤاخذ على إقراره الواقع بلسانه سواء حصل الإقرار من الناطق أو الأخرس، وسواء كان بطلب الدائن أو من غير طلبه (٥) .. وجاء في م (١٦٠٦) : منها: " الإقرار بالكتابة كالإقرار باللسان ".

стр. 10329

٨ – وهذا الرأى هو الأرجح والأولى بالاعتبار ... والدليل على ذلك: (أولًا) ما روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده ومالك في الموطأ وغيرهم عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه قال: ((ما حق امرء مسلم يبيت ليلتين، وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه)) (١) فقد اعتمد ﵊ الكتابة من غير زيادة عليها، فدل على الاكتفاء بها وحجية الخط المجرد، إذ لو لم يكن كذلك، لما كان لكتابة وصيته فائدة (٢) . (ثانيًا) إجماع أهل الحديث على صحة اعتماد الراوي على الخط المحفوظ عندهم وجواز التحديث به، ولو لم يعتمد على ذلك لضاعت أكثر الأحاديث النبوية وغالب الأحكام الفقهية؛ لأن وسيلة حفظها وتناقلها بين أهل العلم النسخ المكتوبة (٣) (ثالثًا) أن النبي ﷺ كان يبعث كتبه إلى الملوك وغيرهم، وتقوم بها حجته، ولم يكن يشافه رسوله بمضمون كتابه، بل كان يدفعه معه مختومًا ويأمره بدفعه إلى المكتوب إليه، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، ثم إن الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال درجوا على اعتماد كتب بعضهم إلى بعض دون أن يشهدوا حاملها على ما فيها أو يقرؤوه عليه، وعلى ذلك عمل الناس من زمن نبيهم إلى يومنا هذا (٤) . (رابعًا) إن الكتابة تدل على المقصود وتنبئ عنه، والخط كاللفظ في تبيين المراد والتعبير عن الإرادة، وقديمًا قالت العرب: " الخط أحد اللسانين، وحسنه إحدى الفصاحتين"، بل إن الكتابة قد تمتاز على اللفظ بالثبات والضبط، ولله در القائل: " الخط رسول الضمير، ودليل الإدارة، والمعبر عما في النفوس، والمخبر عن الخواطر، وله فضيلة بارعة ليست للَّفظ، فهو ينوب عنه في الإفصاح في المشهد، ويفضله في المغيب، إذ الخط يقرأ في الأماكن المتباينة والبلدان المتفرقة، ويُدرس في كل عصر وزمان " (٥) . فمن أجل ذلك اعتبرت الكتابة وثيقة وحجة على صاحبها بما يحتويه مضمونها (٦) .

стр. 10330

(خامسًا) إن حاجة الناس إلى توثيق ديونهم بالكتابة قائمة لرفع الحرج والمشقة منهم، خصوصًا في هذا العصر حيث كثرت المعاملات المالية بين الناس وتشعبت صورها وحالاتها وتجاوزت حدود الدولة الواحدة إلى البلدان المختلفة والقارات المتباعدة، وانتشر التزام الدين فيها ... فلو لم يتكن الكتابة معتمدة في توثيق الديون لتعطلت مصالح الناس، وضاع الكثير من حقوقهم وأموالهم لعدم توفر الشهود دائمًا عند كل تعامل بالدين، وحتى لو وجدوا عند المعاملة، فقد يغيبون عند التنازع والخصومة أمام القضاء أو ينسون أو يموتون قبل ذلك (١) . ولا ريب أن رفع الحرب والمشقة عن العباد من المقاصد الحاجية التي جاءت الشريعة لإيجادها وتثبيت أركانها وصونها عن كل ما يؤدي إلى الإخلال بها أو تضييعها. ثم إن حاجة المتعاملين بالدين إلى اعتماد الكتابة في توثيق الديون تعتبر من قبيل الحاجة الخاصة التي تنزل منزلة الضرورة، حيث جاء في القواعد الفقهية الكلية "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة " (٢) . (سادسًا) إن ما استدل به المانعون من الاعتماد على الكتابة – من أن الخطوط تتشابه، وقد يدخلها التزوير والمحاكاة، وقد تكتب للتجربة أو اللهو، فلذلك لا تفيد الطمأنينة على حقيقة ما تضمنته – غير مسلم؛ إذ يرد عليه أمران: (أ) أن الاعتماد على الكتابة لا يجري مع قيام تلك الشبهات والاحتمالات أصلًا، يقول ابن القيم: " فإن القصد حصول العلم بنسبة الخط إلى كاتبه. فإذا عرف ذلك وتيقن، كان كالعلم بنسبة اللفظ إليه، فإن الخط دال على اللفظ، واللفظ دال على القصد والإرادة، وغاية ما يقدر اشتباه الخطوط، وذلك كما يقرض من اشتباه الصور والأصوات، وقد جعل الله سبحانه في خط كل كاتب ما يتميز به عن خط غيره كتميز صورته وصوته " (٣) .
следующие страницы →