موقع توثيق الدين بين مقاصد الشريعة:
٤ – لقد ثبت بالاستقراء والتتبع للأحكام الشرعية وغاياتها أن المولى قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية على وجه لا يختل لها به نظام، لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينات (١) .
وقد ذكر الإمام الشاطبي في " الموافقات " أن توثيق الدين يعد من قبيل التكملة والتتمة لمصلحة ضرورية أو حاجية، وذلك حسب اعتبار المعاملة المنشئة للدين المراد توثيقه وما تقتضيه.. فإن كانت داخلة تحت الضروريات لتوقف المحافظة على إحدى المصالح الضرورية – وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال – عليها، فإن توثيق الدين في هذه الحالة يعد من قبيل مكملات الضروريات.
أما إذا كانت تلك المعاملة المنشئة للدين معتبرة من قبيل الحاجيات، لكون المقصود بها دفع الحرج والعنت والمشقة عن المكلف وحسب، فإن توثيق الدين في هذه الحالة يعد من مكملات الحاجيات.
هذا، وحيث إن المجتهد قد يتردد في إلحاق بعض المعاملات بالمصالح الضرورية أو الحاجية، على حسب الأحوال والاعتبارات، فإنه تبعًا لذلك قد يتردد في اعتبار توثيق الدين مكملًا لمصلحة ضرورية أو مكملًا لمصلحة حاجية (٢) .
طرق توثيق الدين:
٥ – يحتاج الدائن في أكثر الظروف والأحوال إلى أن يستوثق لدينه، وذلك خوفًا من ضياعه أو جحوده أو نسيانه أو العجز عن استيفائه، وطرق توثيق الدين عند الفقهاء أربعة: البينة الخطية (الكتابة) ، والبينة الشخصية (الشهادة) ، والكفالة،والرهن (٣) ، وسنتناول بالبيان كل واحد منها في فصل مستقل.
стр. 10327
الفصل الأول
البينة الخطية (الكتابة)
وسنتكلم فيه عن مشروعيتها وحجتها وصور توثيق الدين بها، وحكمها.
(أ) مشروعيتها:
٦ – قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ (١) .
فقد دلت الآية الكريمة على مشروعية توثيق الدين بالكتابة المبينة له، المُعْرِبَةُ عنه، المعرفة للحكم بما يحكم عند الترافع إليه، وذلك في صك موضح للدين بجميع صفاته (٢) ، وحكمة ذلك كما قال العلامة ابن العربي " ليستذكر به عند أجله، لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل، فالنسيان موكل بالإنسان، والشيطان ربما حمل على الإنكار، والعوارض من موت وغيره تطرأ، فيشرع الكتاب والإشهاد " (٣) .
(ب) حجيتها:
٧ – لقد اختلف الفقهاء في حجية الكتابة في توثيق الديون على قولين:
* فذهب الشافعي ومالك وأحمد في رواية عنه وجماعة من الفقهاء إلى أنه لا يعتمد على الخط المجرد إذا لم يُشْهَدْ عليه، لأن الخطوط تشتبه والتزوير فيها ممكن، وقد تكتب للتجربة أو اللهو.. ومع قيام هذه الاحتمالات والشبهات لا يبقى للخط المجرد حجة ولا يصلح للاعتماد عليه، أما إذا أشهد عليه، فيعتبر وثيقة وحجة، لأن الشهادة ترفع الشك وتزيل الاحتمال (٤) .
* وذهب جماهير الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى صحة توثيق الدين بالكتابة، وأنها بينة معتبرة في الإثبات إذا كانت صحيحة النسبة إلى كاتبها (٥) .
قال الجصاص في " شرح أدب القاضي ": " الأصل في هذا الباب أن الكتاب يقوم مقام عبارة المكتوب من جهته وخطابه " (٦) .
стр. 10328
وقال ابن تيمية: " والعمل بالخط مذهب قوي، بل هو قول جمهور السلف " (١) .
وقال ابن فرحون في " تبصرة الحكام ": " وإن قال لفلان عندي أو قلبي كذا وكذا بخط يده قضي عليه به؛ لأنه خرج مخرج الإقرار بالحقوق " (٢) .
وجاء في " كشاف القناع " للبهوتي: " قال في الاختيارات " وتنفذ الوصية بالخط المعروف، وكذا الإقرار إذا وجد في دفتره، وهو مذهب الإمام أحمد " (٣) .
وقال صديق حسن خان: " قد ثبت العمل بالخط بالأدلة المتكاثرة من الكتاب والسنة والإجماع.. ومن الحاكين لإجماع الصحابة على العمل بالخط الرازي في المحصول: وأما من يعد الصحابة فيدل عليه إجماعهم الفعلي على الاحتجاج بذلك والعمل به في معاملاتهم وفي المصنفات " (٤) .
وعلى هذا جرت مجلة الأحكام العدلية، فاعتبرت كتابة الدين حجة في توثيقه وبينة لإثباته، لأن المرء مؤاخذ بإقراره الواقع بالكتابة كما هو مؤاخذ على إقراره الواقع بلسانه سواء حصل الإقرار من الناطق أو الأخرس، وسواء كان بطلب الدائن أو من غير طلبه (٥) .. وجاء في م (١٦٠٦) : منها: " الإقرار بالكتابة كالإقرار باللسان ".
стр. 10329
٨ – وهذا الرأى هو الأرجح والأولى بالاعتبار ... والدليل على ذلك: (أولًا) ما روى البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده ومالك في الموطأ وغيرهم عن ابن عمر ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه قال: ((ما حق امرء مسلم يبيت ليلتين، وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه)) (١)
فقد اعتمد ﵊ الكتابة من غير زيادة عليها، فدل على الاكتفاء بها وحجية الخط المجرد، إذ لو لم يكن كذلك، لما كان لكتابة وصيته فائدة (٢) .
(ثانيًا) إجماع أهل الحديث على صحة اعتماد الراوي على الخط المحفوظ عندهم وجواز التحديث به، ولو لم يعتمد على ذلك لضاعت أكثر الأحاديث النبوية وغالب الأحكام الفقهية؛ لأن وسيلة حفظها وتناقلها بين أهل العلم النسخ المكتوبة (٣)
(ثالثًا) أن النبي ﷺ كان يبعث كتبه إلى الملوك وغيرهم، وتقوم بها حجته، ولم يكن يشافه رسوله بمضمون كتابه، بل كان يدفعه معه مختومًا ويأمره بدفعه إلى المكتوب إليه، وهذا معلوم من الدين بالضرورة، ثم إن الخلفاء والقضاة والأمراء والعمال درجوا على اعتماد كتب بعضهم إلى بعض دون أن يشهدوا حاملها على ما فيها أو يقرؤوه عليه، وعلى ذلك عمل الناس من زمن نبيهم إلى يومنا هذا (٤) .
(رابعًا) إن الكتابة تدل على المقصود وتنبئ عنه، والخط كاللفظ في تبيين المراد والتعبير عن الإرادة، وقديمًا قالت العرب: " الخط أحد اللسانين، وحسنه إحدى الفصاحتين"، بل إن الكتابة قد تمتاز على اللفظ بالثبات والضبط، ولله در القائل: " الخط رسول الضمير، ودليل الإدارة، والمعبر عما في النفوس، والمخبر عن الخواطر، وله فضيلة بارعة ليست للَّفظ، فهو ينوب عنه في الإفصاح في المشهد، ويفضله في المغيب، إذ الخط يقرأ في الأماكن المتباينة والبلدان المتفرقة، ويُدرس في كل عصر وزمان " (٥) .
فمن أجل ذلك اعتبرت الكتابة وثيقة وحجة على صاحبها بما يحتويه مضمونها (٦) .
стр. 10330
(خامسًا) إن حاجة الناس إلى توثيق ديونهم بالكتابة قائمة لرفع الحرج والمشقة منهم، خصوصًا في هذا العصر حيث كثرت المعاملات المالية بين الناس وتشعبت صورها وحالاتها وتجاوزت حدود الدولة الواحدة إلى البلدان المختلفة والقارات المتباعدة، وانتشر التزام الدين فيها ... فلو لم يتكن الكتابة معتمدة في توثيق الديون لتعطلت مصالح الناس، وضاع الكثير من حقوقهم وأموالهم لعدم توفر الشهود دائمًا عند كل تعامل بالدين، وحتى لو وجدوا عند المعاملة، فقد يغيبون عند التنازع والخصومة أمام القضاء أو ينسون أو يموتون قبل ذلك (١) . ولا ريب أن رفع الحرب والمشقة عن العباد من المقاصد الحاجية التي جاءت الشريعة لإيجادها وتثبيت أركانها وصونها عن كل ما يؤدي إلى الإخلال بها أو تضييعها.
ثم إن حاجة المتعاملين بالدين إلى اعتماد الكتابة في توثيق الديون تعتبر من قبيل الحاجة الخاصة التي تنزل منزلة الضرورة، حيث جاء في القواعد الفقهية الكلية "الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة " (٢) .
(سادسًا) إن ما استدل به المانعون من الاعتماد على الكتابة – من أن الخطوط تتشابه، وقد يدخلها التزوير والمحاكاة، وقد تكتب للتجربة أو اللهو، فلذلك لا تفيد الطمأنينة على حقيقة ما تضمنته – غير مسلم؛ إذ يرد عليه أمران:
(أ) أن الاعتماد على الكتابة لا يجري مع قيام تلك الشبهات والاحتمالات أصلًا، يقول ابن القيم: " فإن القصد حصول العلم بنسبة الخط إلى كاتبه. فإذا عرف ذلك وتيقن، كان كالعلم بنسبة اللفظ إليه، فإن الخط دال على اللفظ، واللفظ دال على القصد والإرادة، وغاية ما يقدر اشتباه الخطوط، وذلك كما يقرض من اشتباه الصور والأصوات، وقد جعل الله سبحانه في خط كل كاتب ما يتميز به عن خط غيره كتميز صورته وصوته " (٣) .
стр. 10331
وذكر العلامة على حيدر في " درر الحكام " أن مسألة الاحتجاج بالكتابة في توثيق الدين تدور بين أصلين.
الأصل الأول: أنه لا يعتمد على الخط الذي فيه شائبة تزوير، ولا يتخذ ذلك الخط مدارًا للحكم عند المنازعة، لأنه يمكن تصنيع وتزوير الخط.
والأصل الثاني: أنه يعمل ويحتج بالخط البريء من شائبة التزوير والتصنيع، لأن أكثر معاملات الناس تحصل بلا شهود، فإن لم يعمل بالخط فإن ذلك يستلزم ضياع أموال الناس (١) .
وجاء في م (١٧٣٦) من " مجلة الأحكام العدلية ": " لا يعمل بالخط والخاتم فقط، أما إذا كان سالمًا من شبهة التزوير والتصنيع، فيكون معمولًا به، أي يكون مدارًا للحكم، ولا يحتاج للإثبات بوجه آخر ".
(ب) إنهم لم يعتبروا الخط المجرد بَيّنة إذا لم يشهد عليه، مع أن التزوير قد يكون في الشهادة كما يكون في الكتابة، وربما كان في الشهادة أكثر وقوعًا.. إذ الكشف عن المحاكاة والتزوير في الخط أيسر وأسهل من الكشف عنه في شهادة الزور، وطرق مضاهاة الخطوط التي عرفها الخبراء وأتقنوها ووسائل كشف تزوير الوثائق التي أصبحت علمًا مستقلًّا وفنًّا متقدمًا يمكنها أن تنفي احتمال التزوير عن الوثائق الصادقة وتفضح الخطوط المزورة.. والمطلوب للقاضي هو ظهور الحق ولو بغلبة الظن، فمتى وجد ذلك بطريق ما وجب عليه الحكم به، وكان حكمه نافذًا مقبولًا يقول ابن القيم: " قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له " (٢) .
стр. 10332
(ج) صور التوثيق بالكتابة:
لقد ذكر الفقهاء صورًا شتى لتوثيق الدين بالكتابة، وتلك الصور وإن كانت أمثلة على الأصل المعتبر والمبدأ المعتمد، وهو حجية الخط المجرد في توثيق الديون وإثباتها، إلا أنها تعتبر قواعد للتوثيق بالكتابة وضوابط تبين متى يكون الخط وثيقة صحيحة بالدين، ومتى لا يكون كذلك.. وبيانها فيما يلي:
الصور الأولي:
٩ – إذا أَمَرَ شخص آخر بأن يكتب إقراره، فيكون ذلك الأمر إقرارًا حكمًا ولا يخفى أن الأمر إنشاء، والإقرار إخبار، وليسا بمتحدين حقيقة، فمن أجل ذلك لم يسم أمره إقرارًا حقيقة، ولكنه لما كان الإقرار حاصلًا في أمره بكتابته سمي الأمر إقرارًا حكمًا (١) .
جاء في " الدر المختار " للحصكفي: " الأمر بكتابة الإقرار، إقرار، حكمًا، فإنه كما يكون باللسان يكون بالبنان، فلو قال للصكاك: اكتب خط إقراري بألف عَلَيَّ، أو اكتب بيع داري أو طلاق امرأتي صَحَّ " (٢) .
وبذلك أخذت " مجلة الأحكام العدلية " حيث جاء في م (١٦٠٧) منها: " أمر أحد بأن يكتب إقراره هو إقرار حكمًا، بناءً عليه: لو أَمَرَ أحد كاتبًا بقوله: اكتب لي سندًا يحتوي أني مدين لفلان بكذا دراهم، ووقع عليه بإمضائه أو ختمه يكون من قبيل الإقرار بالكتابة، كالسند الذي كتبه بخط يده ".
الصورة الثانية:
١٠ – إن قيود التجار – كالصراف والبياع والسمسار – التي تكون في دفاترهم المعتد بها، وتبين ما عليهم من ديون، تعتبر حجة عليهم ولو لم تكن في شكل صك أو سند رسمي، وذلك لأن العادة جرت أن التجار يكتب دينه ومطلوبه في دفتره صيانة له من النسيان، ولا يكتبه للهو واللعب، أما ما يكتب فيها من ديون لهم على الناس، فلا يعتبر وثيقة وحجة، ويحتاج في إثباتها إلى بيِّنة أخرى (٣) .
وبذلك أخذت " مجلة الأحكام العدلية " حيث جاء في م (١٦٠٨) منها: " القيود التي هي في دفاتر التجار المعتد بها هي من قبيل الإقرار بالكتابة أيضًا، مثلًا، لو قَيَّدَ أحد التجار في دفتره أنه مدين لفلان بمقدار كذا يكون قد أَقَرَّ بدين مقدار ذلك، ويكون معتبرًا ومرعيًّا كإقراره الشفاهي عند الحاجة ".
стр. 10333
وجاء في " خزانة الأكمل ": " صرَّاف كتب على نفسه بمال معلوم، وخطة معلوم بين التجار وأهل البلد، ثم مات فجاء غريم يطلب المال من الورثة، وعرض خط الميت بحيث عرف الناس خطه، يحكم بذلك في تركته إن ثبت أنه خطه. وقد جرت العادة بين الناس بمثله حجة " (١)
ثم عَلَّقَ ابن عابدين على ذلك فقال: " اعلم أن هذا كله فيما يكتبه على نفسه – كما قيده بعض المتأخرين، وهو ظاهر – بخلاف ما يكتبه لنفسه، فإنه لو ادَّعاه بلسانه صريحًا لا يؤخذ خصمه به، فكيف إذا كتبه!! ولذلك قيده في " الخزانة " بقوله: كَتَبَ على نفسه " (٢) .
وجاء في " قرة عيون الأخيار ": " وكذلك ما يكتب الناس فيما بينهم على أنفسهم في دفاترهم المحفوظة عندهم بخطهم المعلوم بين التجار وأهل البلد، فهو حجة عليهم ولو بعد موتهم " (٣) .
ويلاحظ في هذه المسألة: أن الفقهاء قيَّدوا ذلك الحكم بأن ترد الكتابة في دفاتر التجار المعتد بها. أما الدفاتر التي لا يعتدون بها، فلا تعتبر قيودها حجة على أصحابها، لاحتمال ورود التزوير فيها. وأن تكون الكتابة بخط التاجر في دفتره المحفوظ عنده، لنفي شبهة التلاعب فيها.
قال ابن عابدين في " رد المحتار " ويجب تقييده أيضًا بما إذا كان دفتره محفوظًا عنده. فلو كانت كتابته فيما عليه في دفتر خصمه، فالظاهرة أنه لا يعمل به، لأن الخط مما يزور، وكذا لو كان له كاتب، والدفتر عند الكاتب، لاحتمال كون الكاتب كتب ذلك عليه بلا علمه، فلا يكون حجة عليه إذا أنكره، أو أظهر ذلك بعد موته وأنكرته الورثة (٤) .
وضابط المسألة ما حرَّرَهُ ابن عابدين في رسالته " نشر العرف في بناء بعض الأحكام على " العُرف " حيث قال: " فالحاصل أن المدار على انتفاء الشبهة ظاهر. وعليه؛ فما يوجد في دفاتر التجار في زماننا إذا مات أحدهم، وقد كتب بخطه ما عليه في دفتره – الذي يقرب من اليقين أنه لا يكتب فيه على سبيل التجربة والهزل – يعمل به، والعرف جار بينهم بذلك. فلو لم يعمل به، يلزم ضياع أموال الناس، إذ غالب بياعاتهم بلا شهود، خصوصًا ما يرسلونه إلى شركائهم وأمنائهم في البلاد، لتعذر الإشهاد في مثله، فيكتفون بالمكتوب في كتاب أو دفتر، ويجعلونه فيما بينهم حجة عند تحقق الخط أو الختم " (٥) .
стр. 10334
الصورة الثالثة:
١١- السندات والوصولات الرسمية تعتبر حججًا معتمدة في توثيق الدين وإثباته (١) .
جاء في " فتاوى قارئ الهداية ": " إذا كتب على وجه الصكوك؛ يلزمه المال. وهو أن يكتب: يقول فلان الفلاني إن في ذمتي لفلان الفلاني كذا وكذا، فهو إقرار ملزم " (٢) .
وبذلك أخذت " مجلة الأحكام العدلية " حيث جاء في م (١٦٠٩) منها: " إذا كتب أحدٌ سندًا أو استكتبه من كاتب، وأعطاه لآخر موقعًا بإمضائه أو مختومًا، فإذا كان مرسومًا– أي حرر موافقًا للرسم والعادة – فيكون إقرارًا بالكتابة، ويكون معتبرًا ومرعيًّا كتقريره الشفاهي. والوصلات المعتاد إعطاؤها هي من هذا القبيل ".
وقال العلامة علي حيدر في شرح هذه المادة: أي إن السند المحرر به اسم الدائن، وشهرته، ومقدار الدين، والتاريخ، والحاوي لإمضاء المدين أو ختمه في ذيله، يعتبر في زماننا موافقًا للرسم والعادة (٣) .
ثم ذكر أن لسند الدين أربع صور:
الأولى: أن يكون متن سند الدين بخط المدين، وتوقيعه بخطه أيضًا.
الثانية: أن يكون متن السند بخط غير المدين، وأن يكون التوقيع بخط المدين.
الثالثة: أن يكون متن السند بخط المدين، وأن يكون السند مختومًا بختم المدين بدون توقيعه.
ففي هذه الصور الثلاث يعمل بمضمون السند إذ لا يوجد شائبة تزوير.
الرابعة: أن يكون متن السند بخط غير المدين، وأن يكون محل التوقيع مختومًا بختم المدين فقط.
وفي هذه الصورة لا يحتج بهذا السند، لخلوه بالكلية من خط المدين وكتابته، ووجود شائبة التزوير فيه.. لأن من الممكن تصنيع الختم وتزويره، كما أن من المحتمل استعمال الغير للختم بدون علم صاحبه، لأن صاحب الختم لا يبقي ختمه دائمًا في صحبته، بل يتركه في بيته أو في مقر عمله أو يسلمه لأمينه ومعتمده.. كما أن من المحتمل أن يختم صانع الختم بضع سندات به قبل أن يسلمه لصاحبه.. ومع قيام تلك الاحتمالات بهذا السند يرتفع به الاحتجاج والاستدلال (٤) .
стр. 10335
الصورة الرابعة:
١٢ – إذا أنكر من كتب أو استكتب سندًا رسميًّا ممضيًّا بإمضائه أو ختومًا بختمه الدين الذي يحتويه ذلك السند، مع اعترافه بخطه وختمه، فلا يعتبر إنكاره، ويلزمه أداء ذلك الدين دون حاجة إلى إثبات بوجه آخر (١) .
جاء في " فتاوى قارئ الهداية ": " سئل إذا كتب شخص ورقة بخطه أن في ذمته لشخص كذا، ثم ادعي عليه، فجحد المبلغ، واعترف بخطه، ولم يشهد عليه؟ أجاب: إذا كتب على رسم الصكوك يلزم المال، وهو أن يكتب: يقول فلان بن فلان الفلاني أن في ذمته لفلان بن فلان الفلاني كذا وكذا، فهو إقرار يلزم به. وإن لم يكتب على هذا الرسم، فالقول قوله مع يمينه " (٢) .
وقد أخذت بذلك " مجلة الأحكام العديلة " حيث جاء في م (١٦١٠) منها: " إذا أنكر من كتب أو استكتب سندًا مرسومًا على الوجه المحرر أعلاه، وأعطاه لآخر ممضيًّا أو مختومًا الدين الذي يحتويه ذلك السند مع اعترافه بكون السند له، فلا يعتبر إنكاره ويلزمه أداء ذلك الدين ".
أما إذا أنكر خط السند الذي أعطاه مرسومًا أيضًا، وقال: إنه ليس خطي، فينظر: فإن كان خطه مشهورًا ومتعارفًا بين التجار وأهل البلد، وثبت أنه خطه، فلا يعتبر إنكاره، ويعمل بذلك السند بدون حاجة لإثبات مضمونه ومندرجاته بوجه آخر.
جاء في " رد المحتار ": " فإذا كتب وصولًا أو صكًّا بدين عليه وختمه بخاتمه المعروف، فإنه في العادة يكون حجة عليه، بحيث لا يمكنه إنكاره، ولو أنكره يعد بين الناس مكابرًا. فإذا اعترف بكونه خطه وختمه، وكان مصدرًا معنونًا، فينبغي القول بأنه يلزمه، وإن لم يعترف به أو وجد بعد موته فمقتضى ما في " المجتبى " أنه يلزمه أيضًا، عملًا بالعرف " (٣) .
أما إذا لم يكن خطه مشهورًا ومتعارفًا فيستكتب، ويعرض خطه على الخبراء، فإذا أفادوا أن الخطين لشخص واحد، فيؤمر ذلك الشخص بأداء الدين المذكور، وإلا فلا (٤)
جاء في " معين الحكام ": " ذكر أبو الليث في نوازله: لو ادعى على آخر مالًا، وأخرج بذلك خطًّا بخط يده على إقراره بذلك المال، فأنكر المدعى عليه أنه خطه، فاستكتب فكتب، فكان بين الخطين مشابهة ظاهرة دالة على أنهما خط كاتب واحد، قال أئمة بخارى، إنه حجة يقضي بها " (٥) .
стр. 10336
وقال ابن فرحون: " إذا ادعى رجل على رجل بمال فجحده، فأخرج المدعي صحيفة مكتوبًا فيها خط المدعى عليه وإقراره بما ادعى عليه، وزعم المدعي أنها بخط المدعى عليه، فأنكر المدعي عليه ذلك، وليس بينهما بينة، فطلب المدعي أن يجبر المدعى عليه على أن يكتب بحضرة العدول، ويقابل ما كتبه بما أظهره المدعي. فأفتى أبو الحسن اللخمي بأنه يجبر على ذلك، وعلى أن يطول فيما يكتب تطويلًا لا يمكن معه أن يستعمل خطًّا غير خطه. وأفتى عبد الحميد الصائغ بأن ذلك لا يلزمه، إذا لا يلزمه إحضار بينة تشهد عليه، وفرَّق اللخمي بينهما بأن المدعى عليه يقطع بتكذيب البينة التي تشهد عليه فلا يلزمه أن يسعى في أمر يقطع ببطلانه. وأما خطه، فإنه صادر عنه بإقراره، والعدول يقابلون ما يكتبه الآن بما أحضره المدعي، ويشهدون بموافقته له أو مخالفته. وَرَجَّحَ أكثر الشيوخ ما أَفْتَى به اللخمي " (١) .
وبذلك أخذت " مجلة الأحكام العدلية " حيث جاء في م (١٦١٠) منها: " وأما إذا أنكر كون السند له، فلا يعتبر إنكاره إذا كان خطه وختمه مشهورًا ومتعارفًا ويعمل بذلك السند. أما إذا كان خطه وختمه غير مشهور ومتعارف، يستكتب ويعرض خطه على أهل الخبرة، فإن أخبروا بأنهما كتابة شخص واحد يؤمر ذلك الشخص بإعطاء الدين المذكور ".
ولا يخفى أن سائر هذه الأحوال التي يعتمد فيها على السند ويحكم بموجب ما جاء فيه يشترط فيها سلامة السند من شبهة التزوير، وعلى هذا نَصَّت المجلة في م (١٦١٠) بعد ذكر هذه الأحوال وبيانها: " والحاصل: يعمل بالسند إذا كان بريئًا من شائبة التزوير وشبهة التصنيع ". أما إذا كان في السند شبهة تزوير – بأن كان بغير خط المدين، وعليه ختمه دون توقيعه مثلًا – وأنكر المدين أن السند سنده، كما أنكر أصل الدين، فلا يكون السند مدارًا للحكم (٢) .
وبذلك أخذت " مجلة الأحكام العدلية " حيث جاء في آخر م (١٦١٠) منها: " أما إذا لم يكن السند بريئًا من الشبهة، وأنكر المدين كون السند له، وأنكر أصل الدين أيضًا، فيحلَّف بطلب المدعي على كونه ليس مدينًا للمدعي، وعلى أن السند ليس له ".
стр. 10337
الصورة الخامسة:
١٣ – إذا أعطى شخص لآخر سندًا رسميًّا يفيد أنه مدين له بمبلغ من المال، ثم تُوِفِّيَ، فيلزم ورثته بإيفائه من التركة إذا اعترفوا بكون السند للمتوفَّى، ولو أنكروا الدين. أما إذا أنكروا السند، فينظر: إن كان خط المتوفى وختمه مشهورًا ومتعارفًا، وثبت أن الخط خطه والختم ختمه، فيجب عليهم أداء الدين من التركة، ولا عبرة لإنكارهم (١) . وإن كان خلاف ذلك، فلا يُعمل بالسند، لوجود شبهة التزوير فيه.
وبذلك أخذت " مجلة الأحكام العدلية " حيث جاء في م (١٦١١) منها:
" إذا أعطى أحد سند دين حال كونه مرسومًا على الوجه المبين أعلاه، ثم توفي، يُلزم ورثته بإيفائه من التركة إذا كانوا معترفين بكون السند للمتوفَّى. وأما إذا كانوا منكرين بأن ذلك السند للمتوفى، فيُعمل بذلك السند إذا كان خط وختم المتوفى مشهورًا ومتعارفًا ".
الصورة السادسة:
١٤ – إذا وجد الوارث خطًّا لمورثه، يفيد أن عليه دينًا قدره كذا وكذا لفلان، فيجب على الوارث العمل بخط مورثه ودفع الدين إلى من هو مكتوب باسمه من التركة (٢) .
جاء في " الإفصاح " لابن هبيرة: إذا وُجِدَ للرجل بعد موته في دفتر حسابه بخطه أن لفلان بن فلان عندي وديعة أو عَلَيَّ كذا وكذا.. فقال أحمد وبعض المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة: يجب دفع ذلك، كما لو أقرَّ به في حياته " (٣) .
وقال في " كشاف القناع ": " وإن وجد وارث خطه، أي خط مورثه بدين عليه لمعين، عمل الوارث به وجوبًا، ودفع الدين إلى من هو مكتوب باسمه " (٤)
ومثل ذلك ما لو وُجِدَ في تركة متوفى صندوق أو كتاب أو كيس فيه نقود كتب عليه بخط المتوفَّى أنه وديعة لفلان أو هذا لفلان، فيجب على الوارث العمل بخط مورثة، ولا يحتاج إلى إثبات بوجه آخر (٥) .
قال البهوتي في " شرح منتهى الإرادات ": " ويعمل وارث وجوبًا بخط مورثه على كيس ونحوه كصندوق أو كتاب: هذا وديعة، أو هذا لفلان نصًّا " (٦) .
وبذلك أخذت " مجلة الأحكام العدلية " حيث جاء في م (١٦١٢) منها:
" إذا ظهر كيس مملوء بالنقود في تركة متوفٍ، ملصق عليه بطاقة، محرر فيها بخط المتوفى أن هذا الكيس مال فلان، وهو عندي أمانة، يأخذه ذلك الرجل من التركة، ولا يحتاج إلى إثبات بوجه آخر ".
стр. 10338
(د) حكم التوثيق بالكتابة:
١٥ – لقد اختلف الفقهاء في حكم توثيق الدين بالكتابة على قولين:
(أحدهما) لابن جرير الطبري والظاهرية وبعض السلف، وهو أن كتابة الدين واجبة لقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ إذ الأصل في الأمر إفادة الوجوب. ومما يؤيد دلالة هذا الأمر على الوجوب اهتمام الآية ببيان من له حق الإملاء، وصفة الكاتب، وحثه على الاستجابة إذا طلب منه ذلك، والحث على كتابة القليل والكثير، ثم التعبير عن عدم وجوب الكتابة في المبادلات الناجزة بنفي الجناح ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا﴾ حيث إنه يشعر بلوم من ترك الكتابة عند تعامله بالدين (١)
(والثاني) لجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، وهو أن كتابة الدين ليست بواجبة، إذ الأمر في الآية على سبيل الإرشاد لمن يخشى ضياع دينه بالنسيان أو الإنكار، حيث لا يكون المدين موضع ثقة كاملة من دائنة. يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾
وهو يفيد أن الكتابة غير مطلوبة إذا توافرت الأمانة والثقة بين المتعاملين.
قال الإمام الشافعي: " فلما أَمَرَ إذا لم يجدوا كاتبًا بالرهن، ثم أباح ترك الرهن، وقال، ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ .
فدل على أن الأمر الأول دلالة على الخط، لا فرض فيه، يَعْصِي من تركه " (٢) .
ويؤيد هذا أن صاحب الدين يستطيع أن يتنزل عنه ويسقطه عن المدين، فله بالأولى أن يترك توثيقه بالكتابة. وقد دَرَجَ الناس من عهد الصحابة رضوان الله عليهم إلى يومنا هذا على عدم كتابة الديون ما دامت الثقة قائمة بين المتداينين، ولم ينقل عن فقهائهم نكير عليهم مع اشتهار ذلك (٣) .
стр. 10339
الفصل الثاني
البينة الشخصية (الشهادة)
وسنتكلم عن مشروعيتها وحكمها ونصابها.
(أ) مشروعيتها:
١٦ – قال الله تعالى في آية الدين: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) .
فقد دَلَّتْ الآية على مشروعية توثيق الدين بالشهادة. وأنها وثيقة واحتياط للدائن، لأن استشهاد الشهود أنفى للريب وأبقى للحق وأدعى إلى رفع التنازع والاختلاف، وفي ذلك صلاح الدين والدنيا معًا.
وإنما قيَّد الله سبحانه الاستشهاد بـ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ .
وقصر الشهادة على من يرتضى لها خاصة من أهل العدالة والفطنة، لأنها ولاية عظيمة تقتضي تنفيذ القول على الغير بدون رضاه ... ولهذا وجب أن يكون لصاحبها شمائل ينفرد بها، وفضائل يتحلَّى بها، حتى يكون له على غيره مزية توجب له رتبة الاختصاص بقبول قوله على غيره، والحكم بشغل ذمة المطلوب بالدين بشهادته عليه، وتغليب قول الطالب على قول المطلوب بتصديقه له في دعواه (٢) .
стр. 10340
(ب) حكمها:
١٧ – اختلف الفقهاء في حم توثيق الدين بالشهادة علن قولين:
(أحدهما) للظاهرية وبعض السلف، وهو أن الإشهاد على الدين واجب لقوله تعالى في آية الدين: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية (١) .
(والثاني) لجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، وهو أن الإشهاد على الدين ليس بواجب إذا الأمر به إرشاد إلى الأوثق والأحوط، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ .
قال العلامة ابن العربي: معناه أنه أسقط الكتاب والإشهاد والرهن، وعوَّل على أمانة المعامل.. ولو كان الإشهاد واجبًا لما جاز إسقاطه.. وجملة الأمر أن الإشهاد حزم والائتمان وثيقة بالله من المدين ومروءة من المداين (٢) .
وقال أبو بكر الرازي الجصاص: " ولا خلاف بين فقهاء الأمصار أن الأمر بالكتابة والإشهاد والرهن المذكور جمعيه في هذه الآية ندب وإرشاد إلى ما لنا فيه الحظ والصلاح والاحتياط للدين والدنيا، وأن شيئًا من غير واجب. وقد نقلت الأمة خلفًا عن سلف عقود المدينات والأشرية والبياعات في أمصارهم من غير إشهاد، مع علم فقهائهم بذلك من غير نكير منهم عليهم، ولو كان الإشهاد واجبًا لما تركوا النكير على تاركه مع علمهم به. وفي ذلك دليل على أنهم رأوه ندبًا، وذلك منقول من عصر النبي ﷺ إلى يومنا هذا " (٣) .
وقال إلكيا الهراسي في " أحكام القرآن ": " إن الأمر بالإشهاد ندب لا واجب، والذي يزيده وضوحًا أنه قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ . ومعلوم أن الأمن لا يقع إلا بحسب الظن والتوهم لا على وجه الحقيقة وذلك يدل على أن الشهادة إنما أمر بها لطمأنينة قلبه لا لحق الشرع فإنها لو كانت لحق الشرع لما قال: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ . فلا ثقة بأمن العباد، إنما الاعتماد على ما يراه الشرع مصلحة، فالشهادة متى شرعت في النكاح لم تسقط بتراضيهما وأمن بعضهم بعضًا، فدل ذلك أن الشهادة شرعت للطمأنينة. ولأن الله تعالى جعل لتوثيق الديون طرقًا؛ منها الكتابة ومنها الرهن ومنها الإشهاد، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد " (٤) .
وقال القاضي ابن العربي: " والظاهر الصحيح أن الإشهاد ليس واجبًا، وإنما الأمر به أمر إرشاد للتوثُّق والمصلحة، وهو في النسيئة محتاج إليه لكون العلاقة بين المتعاقدين باقية، توثقًا لما عسى أن يطرأ من اختلاف الأحوال وتغير القلوب " (٥) .
стр. 10341
١٨ – هذا، وقد نَصَّ جماهير الأصوليين على أن الأمر في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ، لا يراد به الوجوب، وإنما هو للإرشاد (١) .
قال الفخر الرازي: " فإنه لا ينقص الثواب بترك الإشهاد في المداينات، ولا يزيد بفعله " (٢) . وقال الآمدي: " وهو قريب من الندب لاشتراكهما في طلب تحصيل المصلحة غير أن الندب لمصلحة أُخْرويَّة، والإرشاد لمصلحة دنيوية " (٣) .
وقد أورد التاج السبكي في المسألة تفصيلًا حسنًا وأَتَى فيها بتحقيق فريد حيث قال: "والفرق بين الندب والإرشاد: أن المندوب مطلوب لثواب الآخرة، والإرشاد لمنافع الدنيا، ولا يتعلق به ثواب البتة، لأنه فعل متعلق بغرض الفاعل ومصلحة نفسه. وقد يقال: إنه يُثاب عليه لكونه ممتثلًا، ولكن يكون ثوابه أنقص ثواب الندب لأن امتثاله مشوب بحظ نفسه. ويكون الفارق إذًا بين الندب والإرشاد إنما هو مجرد أنَّ أحدهما مطلوب لثواب الآخرة، والآخر لمنافع الدنيا.
والتحقيق: أن الذي فعل ما أمر به إرشادًا؛ إن أتى به لمجرد غرضه فلا ثواب له، وإن أتى به لمجرد الامتثال غير ناظر إلى مصلحته ولا قاصد سوى مجرد الانقياد لأمر ربه فيثاب، إن قصد الأمرين أثيب على أحدهما دون الآخر، ولكن ثوابًا أنقص من ثواب من لم يقصد غير مجرد الامتثال " (٤) .
стр. 10342
(ج) نصابها:
١٩ – لقد بينت آية الدين أن نصاب الشهادة على الدين هو: إما رجلان، أو رجل وامرأتان ممن يرتضى من العدول الثقات، فإذا تحقق ذلك كان وثيقة معتبرة وحجة شرعية في إثبات الدين، وبينة قوية يعتمد عليها القاضي في الحكم به لطالبه.
ولا يخفى أن شهادة الرجلين بينة كاملة، يقع بها الإثبات في جميع الحقوق والديون والجنايات سوى حد الزنا عند سائر الفقهاء. قال الإمام القرافي: (ما علمت عندنا ولا عند غيرنا خلافًا في قبول شهادة شاهدين مسلمين عدلين في الدماء والديون) (١) .
أما شهادة الرجل مع المرأتين، فقد اتفق الفقهاء على أنه يثبت الدين بها أمام القضاء، وأنها وثيقة معتبرة لحفظه بنص الآية (٢) ، وإنما شرطت كون الرجل معهن، لئلا يكونه لهن رتبة الاستقلال (٣) .
قال إلكيا الهراسي: (اعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن تكون شهادة النساء شهادة ضرورة معدولًا بها عن أصل الشهادة، فإنه قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ﴾ ، فاقتضى الظاهر عدم القدرة على الرجلين، إلا أنه جُوِّزَ على خلاف الظاهرة للإجماع " (٤) .
وقال القاضي ابن العربي: (قال علماؤنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ من ألفاظ الأبدال، فكان ظاهره يقتضي ألا تجوز شهادة النساء إلا عند عدم شهادة الرجال كحكم سائر أبدال الشريعة مع مبدلاتها، وهذا ليس كما زعمه. ولو أراد ربنا ذلك لقال: (فإن لم يوجد رجلان فرجل) فأما وقد قال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا﴾ فهذا قول يتناول حالة الوجود والعدم) . (٥) .
أى إنه يكون على سبيل التخيير.
وقد أشارت الآية إلى أن الحكمة في جعل المرأتين بمنزلة الرجل الواحد في الشهادة، هي أن المرأة يغلب عليه النسيان والخطاء، وأن حفظها وضبطها – بحسب فطرتها وما جُبِلَت عليه – دون حفظ الرجال وضبطهم، فقال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ . فَدَلت الآية على أن استشهاد امرأتين مكان رجل إنما هو لتنبيه أحدهما الآخرى إذا غفلت وإذكارها إذا نَسِيَتْ (٦) .
قال ابن العربي: (فإن قيل: فهلَّا كان امرأة واحدة مع رجل، فيذكرها الرجل الذي معها إذا نسيت، فما الحكمة فيه؟!
فالجواب فيه: أن الله سبحانه شرع ما أراد، وهو أعلم بالحكمة وأوفى بالمصلحة، وليس يلزم أن يعلم الخلق وجوه الحكمة وأنواع المصالح في الأحكام. وقد أشار علماؤنا أنه لوذَكَّرَهَا إذا نسيت لكانت شهادة واحدة، فإذا كانت امراتين وذكرت إحدها الأخرى، كانت امرأتين وذكرت إحداهما الأخرى، كانت شهادتهما شهادة رجل واحد كالرجل يستذكر في نفسه فيتذكر) (٧) .
стр. 10343
الفصل الثالث
الرهن
٢٠– وهو (المال الذي يجعل وثيقة بالدين ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو عليه) (١) .وبهذه الوثيقة يصير المرتهن أحق بالرهن من سائر الغرماء، فإذا كان على الراهن ديون أخرى لا تفي بها أمواله، وبيع الرهن لسداد ما عليه، كان للمرتهن أن يستوفي دينه من ثمنه أولًا، فإذا بقي شيء فهو لسائر الغرماء (٢) .
جاء في " كشف الأسرار " للبخاري (لا خلاف أن الرهن عقد وثيقة لجانب الاستيفاء، حتى لا يصح رهن ما لا يصح للاستيفاء كالخمر وأم الولد) (٣) . ثم نقل عن " الوسيط " أن حقيقة الرهن توثيق الدين بتعليقه بالعين، ليسلم المرتهن به عن مزاحمة الغرماء عند الإفلاس، ويتم ذلك بالقبض ليحفظ محل حقه ليوم حاجته، ويثبت للمرتهن في الحال استحقاق اليد على المرهون، وفي ثاني الحال استحقاق البيع في قضاء حقه إذا لم يوفه الراهن من مال آخر (٤) . ثم قال: (فإن قيل: ما معنى الوثيقة في هذه اليد، ومن أي وجه جعلت وثيقة؟ قلنا معنى الوثيقة في إثبات شيء زائد هو من الجنس الأصل، مع بقاء الأول على ما مكان، فإذا احتبس عنده حقيقة، يصير هذا الاحتباس وسيلة إلى النقد من محل آخر، وهذا هو المتعاهد فيما بين الناس أن ملك الإنسان متى صار محبوسًا عنه بدين يتسارع إلى فكاكه بإيفاء الدين) (٥) .
وسنتكلم في هذا الفصل عن مشروعية الرهن وحكمه وما يشترط لصحة التوثيق به.
стр. 10344
(أ) مشروعيته:
٢١ – لقد ثبتت مشروعية توثيق الدين بالرهن بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
أما الكتاب: فقوله تعالى في آية الدين: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (١) .
وقد فهم مجاهد من الآية أن الرهن لا يجوز إلا في السفر (٢) . وليس بسديد لأن ذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب، حيث إن فقد الكاتب والشاهدين والموثوق بهما يكون فيه غالبًا، ومذهب جماهير العلماء عدم صحة العمل بمفهوم المخالفة فيما يخرج مخرج الغالب من الألفاظ (٣) . ولأنه صح عن النبي ﷺ (أنه أشترى من يهودي طعام ورهنه درعه وكانا بالمدينة، فثبت جواز الرهن في الحضر بفعله صلى الله عيه وسلم، ولأن الرهن وثيقة بالدين، فإذا جازت في السفر جازت في الحضر كالضمان، من أجل ذلك ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز الرهن في السفر والحضر، مع وجود الكاتب وعدمه (٤) .
وأما السنة: فما روى البخاري ومسلم وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: "اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا إلى أجل ورهنه درعه " (٥) .وما روى البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((الظهر يركب إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يُشربُ بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)) (٦) .
стр. 10345
وأما الإجماع:فقد أجمع سائر أهل العلم على جواز توثيق الدين بالرهن (١) .
وأما المعقول: فلأن الرهن وثيقة في جانب الاستيفاء، فيجوز كأن تجوز الوثيقة في جانب الوجوب. وبيان ذلك أن الدين له طرفان: طرف الوجوب، وطرف الاستيفاء، لأنه يجب أولًا في الذمة، ثم يستوفى المال بعد ذلك والوثيقة بطرف الوجوب الذي يختص بالذمة- وهي الكفالة – جائزة، فكانت الوثيقة التي بطرف الاستيفاء الذي يختص بالمال جائزة أيضًا، اعتبارًا بالطرف الأول، لأن الاستيفاء مقصودٌ، والوجوب وسيلة لهذا المقصود، فلما شرعت الوثيقة في حق الوسيلة، فلأن تشرع في حق المقصود أولى.. ولأن الحاجة إلى الوثيقة ماسة من الجانبين، فالدائن يأمن بالرهن على ماله من التوى بالجحود أو الإفلاس، والمستدين قد لا يجد من يدينه بلا رهن، فكان فيه نفع لهما – كما في الكفالة والحوالة – فشرع (٢) .
(ب) حكمه:
٢٢ – ذهب جماهير الفقهاء إلى أن توثيق الدين بالرهن غير واجب وأن الأمر به في الآية على سبيل الإرشاد (٣) .
قال ابن قدامة: (والرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفًا، لأنه وثيقة بالدين، فلم يجب، كالضمان والكتابة. وقول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ إرشاد لنا لا إيجاب علينا، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذا بدلها) (٤) .
стр. 10346
(ج) ما يشترط لصحة التوثيق به:
٢٣ – لقد دل قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ على اشترط القبض لصحة التوثيق في الرهن، لأن معنى الوثيقة لا يحصل إلا به. قال الإمام الشافعي (فلما كان معقولًا أن الرهن غير مملوك للمرتهن ملك البيع ولا مملوك المنفعة له ملك الإجارة لم يجز أن يكون رهنًا إلَّا بما أجازة الله به أن يكون مقبوضًا) (١) . من أجل ذلك ذهب سائر الفقهاء إلى اشتراط قبض المرهون، غير أنهم اختلفوا في نوع هذا الشرط على ثلاثة أقوال:
١ – فذهب الظاهرية (٢) . والجصاص من الحنفية إلى أنه يشترط لصحة الرهن قبض العين المرهونة. قال الجصاص: " وقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، يدل على أن الرهن لا يصح إلا مقبوضًا من وجهين:
أحدهما: أنه عطف على ما تقدم من قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ ، فلما كان استيفاء العدد المذكور والصفة المشروطة للشهود واجبًا، وجب أن يكون كذلك حكم الرهن فيما شرط له من الصفة، فلا يصح إلَّا عليها، كما لا تصح شهادة الشهود إلَّا على الأوصاف المذكورة، إذ كان ابتداء الخطاب توجه إليهم بصيغة الأمر المقتضي للإيجاب.
والوجه الثاني: أن حكم الرهن مأخوذ من الآية، والآية إنما أجازته بهذه الصفة، فغير جائز إجازته على غيرها، إذ ليس ههنا أصل آخر يوجب جواز الرهن غير الآية، ويدل على أنه لا يصح إلَّا مقبوضًا أنه معلوم أنه وثيقة للمرتهن بدينه، ولو صح غير مقبوض لبطل معنى الوثيقة، وكان بمنزلة سائر أموال الراهن التي لا وثيقة للمرتهن فيها. وإنما جعل وثيقة له، ليكون محبوسًا في يده بدينه، فيكون عند الموت والإفلاس أحق به من سائر الغرماء. ومتى لم يكن في يده كان لغوًا لا معنى فيه، وهو وسائر الغرماء فيه سواء، ألا ترى أن المبيع إنما يكون محبوسًا بالثمن ما دام في يد البائع، فإن هو سلَّمَه إلى المشتري سقط حقه، وكان هو وسائر الغرماء سواء فيه) (٣) .
стр. 10347
٢ – وذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) والحنابلة على الراجح (٣) عندهم إلى أنه يشترط القبض في لزم الرهن. وعلى ذلك يكون للراهن قبل القبض أن يرجع عنه أو يسلمه.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ حيث إن المصدر المقرون بحرف الفاء في جواب الشرط يراد به الأمر، والأمر بالشيء الموصوف يقتضي أن يكون ذلك الوصف شرطًا فيه، إذ المشروط بصفة لا يوجد بدون تلك الصفة. ولأن الرهن عقد تبرع، إذ لا يستوجب الراهن بمقابلته على المرتهن شيئًا، ولهذا لا يجبر عليه، فلابد من الإمضاء بعدم الرجوع، والإمضاء يكون بالقبض.
٣ – وذهب المالكية إلى أن الرهن يلزم بالعقد، لكنه لا يتم إلا بالقبض، وللمرتهن حق المطالبة بالإقباض ويجبر الراهن عليه أما لزومه بالعقد، فلأن قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أثبتها رهانًا قبل القبض. وأما إلزام الرهن بالإقباض فلأن قوله تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ﴾ (٤) . دليل على إلزام الراهن بتسليم المرهون وفاء بالعقد. (٥)
وبالنظرفي هذه المذاهب وأدلتها نجد أن كل مذهب منها اعتمد على قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، احتجَّ به على رأية ومقولته، مع أن الآية إنما وصفت الرهن بكونه مقبوضًا وحسب، وذلك يقتضي أن يكون القبض شرطًا فيه، وليس في الآية ما يدل على كونه شرط صحة أو شرط لزوم أو شرط تمام، حتى يترجح بدلالتها أحد هذه المذاهب على غيره.. لذا وجب البحث عن مرجح آخر. وإننا لو نظرنا إلى طبيعة عقد الرهن، لوجدنا أن معنى الإرفاق والمعونة عليه غالب، لأن الراهن لا يستوجب بمقابلته على المرتهن شيئًا. وهذا المعنى قد يرجح كون حكم القبض فيه مماثلًا لحكمه في عقود الإرفاق الأخرى – كالقرض والهبة والصدقة – وهو أنه شرط لزوم فيها على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء.
стр. 10348
٢٤ – هذا ما يتعلق باشتراط قبض الرهن ابتداءً، أما حكم استدامة قبضه، فقد اختلف الفقهاء فيه على ثلاثة أقوال:
١ – فذهب الحنفية (١) والشافعية (٢) . إلى أنه لا يشترط استدامة القبض في الرهن فلو استرجعه الراهن بعارية أو وديعة صح؛ لأنه عقد يعتبر القبض في ابتدائه، فلم يشترط استدامته كالهبة. وللمرتهن الحق في استرداده متى شاء.
٢ – وذهب المالكية إلى أنه يشترط في صحة الرهن استدامة القبض، فإذا قبض المرتهن الرهن، ثم رده إلى الراهن بعارية أووديعة أو كراء، بطل الرهن، لأن المعنى الذي لأجله اشترط قبض المرهون في الابتداء هو أن يحصل وثيقة للمرتهن بقبضه إياه، وهذا المعنى يحتاج إليه في كل حال كان فيها رهنا، فكانت استدامة القبض شرطًا فيه (٣) .
٣ – وذهب الحنابلة إلى أنه يشترط في لزوم الرهن استدامة قبض المرهون، فإذا أخرجه المرتهن عن يده باختياره إلى الراهن أو غيره زال لزوم الرهن، وبقي العقد كأن لم يوجد فيه قبض، سواء أخرجه بإجارة أو إعارة أو إيداع أوغير ذلك. فإذا عاد فرده إليه عاد اللزوم بحكم العقد السابق، ولا يحتاج إلى تجديد عقد، لأن العقد الأول لم يطرأ عليه ما يبطله، أشبه ما لو تراخى القبض عن العقد. وإن أزيلت يد المرتهن عنه بغير حق كالغصب والسرقة وإباق العبد وضياع المتاع ونحوه، فلزوم العقد باق، لأن يده ثابتة عليه حكمًا، فكأنها لم تزل.
واستدلوا على ذلك بأن الرهن يراد للوثيقة، ليتمكن من بيعه واستيفاء دينه فإذا لم يدم في يده، زال ذلك المعنى، فكان بقاء اللزوم مرهونًا بدوام القبض (٤) .
стр. 10349
الدين الذي يصح الارتهان به:
٢٥ –لا خلاف بين الفقهاء في أن عقد الرهن إنما شرع لتوثيق الديون في الذمم، غير أنهم اختلفوا في شروط الدين الذي يصح الارتهان به على أربعة أقوال:
(أحدهما) للحنفية: وهو أنه يشترط أن يكون ذلك الدين ثابتًا في الذمة وقت الرهن (١) . أو موعودًا به، بأن رهن شيئًا ليقرضه ألفًا مثلًا، فالرهن صحيح (٢) .
قال الزيلعي: (لأن الموعود جعل كالموجود باعتبار الحاجة، بل جعل موجودًا اقتضاء، لأن الرهن استيفاء، والاستيفاء لا يسبق الوجوب؛ بل يتلوه فلا بد من سبق الوجوب ليكون الاستيفاء مبنيًا عليه. ولأنه مقبوض بجهة الرهن الذي يصح على اعتبار وجوده فيعطى له حكم المقبوض على سوم الشراء) (٣) .
(والثاني) للحنابلة: وهوأنه يشترط في الدين المرهون به أن يكون واجبًا في الذمة وقت الرهن – كبدل قرض وثمن مبيع وقيمة متلف – أو مآله إلى الوجوب، كثمن في مدة خيار (٤) . ذلك أن الرهن لا يخلو من ثلاثة أحوال:
(أ) أن يقع بعد وجوب الدين في الذمة، ولا خلاف في جوازه. قال ابن قدامة: (لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به، فجازأخذهما به كالضمان. ولأن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ .
فجعله بدلًا عن الكتابة، فيكون في محلها، ومحلها بعد وجوب الحق، وفي الآية ما يدل على ذلك، وهو قوله: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ فجعله جزاء للمداينة مذكورًا بعدها بفاء التعقيب) (٥) .
(ب) أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدين، مثل أن يقول: بعتك ثوبي هذا بعشرة إلى شهرعلى أن ترهنني بها دابتك هذه فيقول: قبلت ذلك. وهو صحيح أيضًا. قال ابن قدامة: (لأن الحاجة داعية إلى ثبوته، فإنه لو لم يعقده مع ثبوت الحق ويشترط فيه لم يتمكن من إلزام المشتري عقده، وكانت الخيرة إلى المشتري، والظاهر أنه لا يبذله، فتفوت الوثيقة بالحق) (٦) .
стр. 10350
(ج) أن يرهنه قبل ثبوت الدين في الذمة، كأن يقول: رهنتك ثوبي هذا بعشرة تقرضنيها، وهو غير صحيح على المعتمد في المذهب: (لأنه وثيقة بحق، فلم يجز قبل ثبوته كالشهادة، ولأن الرهن أيضًا تابع للحق، فلا يسبقه، كالثمن لا يتقدم البيع) (١)
(والثالث) للشافعية: وهوأنه يشترط في الدين المرهون به ثلاثة شروط (٢) .
(أ) أن يكون ثابتًا في الذمة وقت الرهن، فلو رهن شيئًا بثمن ما سيشتريه أو بما يقرضه، فلا يصح، لأنه وثيقة حق فلا تقدم عليه كالشهادة وعلى ذك فلو ارتهن شيئًا قبل ثبوت الحق وقبضه، كان مأخوذًا على جهة سوم الرهن، فإذا اشترى أو استقرض منه لم يصر رهنًا إلَّا بعقد جديد.
ثم قالوا: غيرأنه يصح مزج الرهن بسبب ثبوت الدين تأخر طرفي الرهن، كما إذا قال بعتك هذا بكذا أو أقرضتك كذا وارتهنت به دابتك هذه، فقال الآخر: ابتعت أو اقترضت ورهنت. وذلك لأن شرط الرهن فيهما جائز، فمزجه أولى: لأن التوثق فيه آكد، لأنه قد لا يفي بالشرط، واغتفر تقدم أحد طرفيه على ثبوت الدين لحاجة التوثق.
стр. 10351
قال القاضي في صورة البيع: ويقدر وجوب الثمن، وانعقاد الرهن عقبه، كما لو قال: اعتق عبدك عني على كذا، فأعتقه عنه: فإنه يقدرالملك له، ثم يعتق عليه، لاقتضاء العتق تقدم الملك.
وإنما اشترط تأخر طرفي الرهن عما ذكر بالمعنى المذكور ليتحقق سبب ثبوت الدين من كل من العاقدين، فلو انتفى ذلك لم يصح العقد.
(ب) أن يكون لا زمًا (١) ، فلا يصح بدين كتابة، لأن الرهن للتوثق، والمكاتب متمكن من إسقاط النجم متى شاء، فلا معنى لتوثيقه. ولا يصح أيضًا بدين جعالة قبل الشروع أو بعده إذا كان قبل الفراغ من العمل؛ لأن لعاقديها فسخها، فيسقط به الجعل. أما بعد الفراغ، فيصح للزوم الدين.
غير أنه يصح الرهن بالأجرة قبل الانتفاع في إجارة الأعيان وبالصداق قبل الدخول، وإن كان هذان الدينان غير مستقرين وبالثمن قبل قبض المبيع وبه في مدة الخيار، وإن كان الدين غير مستقر، لأن أصل هذه العقود اللزوم.
(ج) أن يكون معلومًا لهما. فلو جهلاه أو أحدهما، لم يصح، كما في الضمان (٢) .
(والرابع) للمالكية، وهو أنه يشترط في الدين المرهون به أن يكون لازمًا؛ كثمن مبيع أو أجرة عين، أو آيلًا إلى اللزوم كالجعل في الجعالة بعد الشروع في العمل ويجوز أن يتقدم الرهن الدين (٣) .
стр. 10352
قال ابن الحاجب: شرط المرهون به أن يكون دينًا في الذمة لا زمًا أو صائرًا إلى اللزوم. قال: ويجوز – أي الرهن - على أن يقرضه أو يبيعه أو يعمل له، ويكون بقبضه الأول رهنًا. وعبارة ابن شاس: ليس من شرط الدين أن يكون ثابتًا قبل الرهن. بل لو قال: رهنت عندك عبدي هذا على أن تقرضني غدًا ألف درهم، أو على أن تبيعني هذا الثوب، ثم استقرض أو ابتاع منه، فإن الرهن يلزم، ويجب تسليمه إليه، وإن كان قد أقبضه إياه؛ صار بذلك القبض رهنًا (١) وإن امتنع عن البيع أو الإقراض بطل الرهن. (٢)
وفي " بداية المجتهد ": " أصل مذهب مالك في المرهون فيه، أنه يجوز أن يؤخذ الرهن في جميع الأثمان الواقعة في جميع البيوعات إلَّا الصرف ورأس المال في في السلم (٣) المتعلق بالذمة؛ وذلك لأن الصرف من شرطه التقابض، فلا يجوز فيه عقدة الرهن، وكذلك رأس المال السلم، وإن كان عنده دون الصرف في هذا المعنى.
فعلى مذهب مالك: يجوز أخذ الرهن في المسلم فيه، وفي القرض،وفي الغصب، وفي قيم المتلفات؛ وفي أروش الجنايات في الأموال، وفي جراح العمد الذي لا قَوَدَ فيه كالمأمومة (٤) والجائفة (٥) . وأما قتل العمد والجراح التي يقاد فيها، فيتخرج في جواز أخذ الرهن في الدية فيها إذا عفا الولي قولان: (أحدهما) أن ذلك يجوز. وذلك على القول بأن الولي مخير في العمد بين الدية والقود.
(والقول الثاني) أن ذلك لا يجوز. وذلك أيضًا مبني على أن ليس للولي إلا القود فقط إذا أبى الجاني من إعطاء الدية.
ويجوز في قتل أخذ الرهن ممن يتعين من العاقلة، وذلك بعد الحول. ويجوز أخذه في الإجارات، ويجوز في الجعل بعد العمل ولا يجوز قبله. ويجوز الرهن في المهر ولا يجوز في الحدود ولا في القصاص ولا في الكتابة، وبالجملة فيما لا تصح فيه الكفالة " (٦) .
стр. 10353
الفصل الرابع
الكفالة (الضمان)
وسنتكلم في هذا الفصل عن معنى كفالة الدين ومشروعيتها وركنها.
(أ) معني كفالة الدين:
٢٦– لقد اختلف الفقهاء في تعريف كفالة الدين على أربعة أقوال:
(١) فذهب الشافعية (١) والحنابلة (٢) إلى أنها "ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول في الالتزام بالدين، فيثبت في ذمتهما جميعًا، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما ".
فإن قيل: الشيء الواحد لا يشغل محلين، فكيف يصح أن يشغل الدين الواحد ذمتين؟!
فالوجواب: أن إشغاله على سبيل التعلق والاستيثاق، كتعلق دين الرهن به وبذمة الراهن (٣) ، وأنه كفرض الكفاية، يتعلق بالكل ويسقط بفعل البعض. وتعلقه هذا لا يعني تعدده، لأنه في الحقيقة واحد.. وما التعدد إلَّا بالنسبة لمن تعلق بهم فقط (٤) . وعلى هذا فلا زيادة في الدين، لأن الاستيفاء لا يكون إلا من واحد منهما، كما في غاصب الغاصب، كلاهما ضامن لقيمة المغصوب، وليس للمالك إلَّا قيمة واحدة (٥) .
(٢) وذهب المالكية إلى أنها " ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول في الالتزام بالدين ". إلَّا أنهم قالوا: ليس للمكفول له أن يطالب الكفيل بالدين إلا إذا تعذرعليه الاسيفاء من الأصيل، لأن الضمان وثيقة، فلا يستوفى الحق منها إلا عند العجز عن استيفائه من المدين كالرهن (٦) .
стр. 10354
(٣) وذهب الحنفية إلى أنها ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في وجوب الأداء لا في وجوب الدين، لأن ثبوت الدين في الذمة اعتبار شرعي لايكون إلا بدليل، ولا دليل على ثبوته في ذمة الكفيل، لأن التوثيق يحصل بالمشاركة في وجوب الأداء من غير حاجة إلى إيجاب الدين في الذمة، كالوكيل بالشراء يطالب بالثمن، والثمن في ذمة الموكل وحده. وعلى هذا عرفوها بأنها " ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة " (١) .
(٤) وذهب ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود الظاهري وأبو ثور وأحمد في رواية عنه إلى أن الدين ينتقل بالكفالة إلى ذمة الكفيل- كما في الحوالة – فلا يكون للدائن أن يطالب الأصيل (٢) .
٢٧- وعلى أية حال، فسواء كانت كفالة الدين تعني ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول في الالتزام بالدين أو في المطالبة فقط، أو تعني انتقال الدين من ذمة المكفول إلى ذمة الكفيل.. فإنها تقضي باتفاق الفقهاء التزام الكفيل بأداء الدين إلى الدائن إذا تعذر عليه استيفاؤه من الأصيل، وذلك هو معنى التوثيق وفائدته وثمرته.
стр. 10355
(ب) مشروعيتها:
٢٨– لقد ثبتت مشروعية الكفالة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١)
قال ابن عباس: الزعيم هو الكفيل.
ووجه الاستدلال بالآية أن المنادي لم يكن مالكًا، إنما كان نائبًا عن يوسف ورسولًا له، فشرط حمل البعير على يوسف لمن جاء بالصواع، ثم ضمن الحمل عنه لمن ردها. (٢) .
وقد اعترض على هذا الاستدلال بأن ما جاء في الآية هو شرع من قبلنا!! والجواب على ذلك: أن شرع من قبلنا إذا أقره الإسلام ولم ينكره، فهو شرع لنا، وهذا حاصل في الكفالة.
وأما السنة: فما روى أبو داود والترمذي وأحمد والدارقطني والطيالسي وابن ماجه والبيهقي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق وأبو يعلى عن أبي أمامة الباهلي ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: ((الزعيم غارم)) (٣) .
وما روى البخاري والبيهقي عن سلمة بن الأكوع ﵁ وأبو داود والترمذي والنسائي أن النبيَّ ﷺ أتي بجنازة ليصلي عليها فقال: هل ترك شيئًا؟ قالوا: لا. قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير. قال: صلُّوا على صاحبكم.
فقال أبو قتادة: صلِّ عليه يارسول الله وعليَّ دينه. فصلى عليه (٤) .
وما روى أبو داود وابن ماجه والبيهقي عن ابن عباس ﵁ أن رجلًا لزم غريمًا له بعشرة " دنانير، فقال: والله ما أفارقك حتى تقضيني أو تأتيني بحميل. قال: فتحمل بها النبيُّ ﷺ ، فأتاه بقدر ما وعده، فقال له النبيُّ ﷺ : من أين أصبت هذا الذهب؟ قال: من معدن، قال: لا حاجة لنا فيها، ليس فيها خير. فقضاها عنه رسول الله ﷺ (٥) .
وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على جواز الكفالة في الجملة، وإن اختلفوا في أحكام بعض فروعها (٦) .
ولا يخفى أن حكمة مشروعية الكفالة هي كونها صورة من صور التعاون على الخير الذي حث الله تعالى عليه بقوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (٧) .
ووجه التعاون فيها أنها تسهيل لعقود الناس ومدايناتهم التي يحتاجون إليها، ورفع لخوف الدائن على ماله بتوثيقه وحفظه له من التوى والضياع، وإزالة لخوف المدين على نفسه من العجز عن الوفاء. ومن هنا كانت عونًا للدائن والمدين معًا. يقول الزاهر البخاري: " وأما الحسن في الكفالة: فإن فيها إظهار الشفقة ومراعاة الأخوة ببذل الذمة ليضمها إلى الذمة، فيتفسح وجه المطالبة ويسكن قلب المطالب بسبب السعة " (٨) .
стр. 10356
(ج) ركنها:
٢٩– لا خلاف بين الفقهاء على أنه يشترط رضا الكفيل لصحة الكفالة (١) . كما أنه لا خلاف بينهم في عدم اشتراط رضا الأصيل (المضمون عنه) لتمامها (٢) . قال ابن قدامة: " ولا بد من رضى الضامن. فإن أكره على الضمان لم يصح، ولا يعتبر رضى المضمون عنه، لا نعلم فيه خلافًا، لأنه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ورضاه صح، فكذلك إذا ضمن عنه (٣) .
٣٠– أما رضا الدائن المكفول له، فقد اختلف الفقهاء في اشتراطه على قولين:
(أحدهما) : للشافعية في الأصح والمالكية والحنابلة وأبي يوسف في قوله الثاني: وهو أنه لا يشترط رضى المكفول له، فتصح الكفالة بإرادة الكفيل والتزامه وحده، لأنها وثيقة لا يعتبر لها قبض، فلم يعتبر لها رضى كالشهادة، ولأنها مجرد التزام وهو يتم بعبارة الملتزم وحده وإرادته المنفردة (٤) .
على أن فقهاء الحنفية اختلفوا في حمل وتوجيه رأى أبي يوسف هذا على قولين (٥) :
أحدهما: أن الكفالة تنعقد بإيجاب الكفيل فقط، ولكنها تكون موقوفة على إجازة المكفول له، فإن أجازها نفذت، وإن ردها أو مات قبل الإجازة بطلت.
والثاني أنها تنعقد بإيجاب الكفيل فقط، وتنفذ أيضًا، ولا تكون موقوفة على إجازة المكفول له، ولكنها ترتد برده لأن الكفالة التزام، فيستبد به الملتزم ولا ضرر في ذلك على المكفول له لأنه لو ردها ارتدت كالإبراء. وهذا التوجيه هو الأصح كما ذكر العلامة ابن عابدين في " رد المحتار" (٦) ، وبه أخذت مجلة الأحكام العدلية، حيث جاء في م (٦٢١) منها: " تنعقد الكفالة وتنفذ بإيجاب الكفيل وحده، ولكن إن شاء المكفول له ردها فله ذلك، وتبقى الكفالة ما لم يردها المكفول له. وعلى هذا لو كفل أحد في غياب المكفول له بدين له على أحد، ومات المكفول له قبل أن يصل إليه خبر الكفالة، يطالب الكفيل بكفالته هذه ويؤاخذ بها ".
стр. 10357
(والثاني) للشافعية في غير الأصح وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن الشيباني وأبي يوسف في قوله الأول وهو المفتى به عند أكثرالحنفية: وهو أن ركن الكفالة الذي تنعقد به هو الإيجاب من الكفيل والقبول من المكفول له، لأن في عقد الكفالة معنى التمليك، وهو تمليك المطابقة من المكفول له، فلا يتم بعد الإيجاب إلَّا بقبوله، والموجود بإيجاب الكفيل شطر العقد، فلا بد لتمامه من القبول في المجلس (١) .
٣١– ويلوح لي أن أرجح القولين وأولاهما بالاعتبار قول جمهورالفقهاء بعدم اشتراط قبول المكفول له ورضاه لتمام الكفالة، وذلك لقوة ما استدلُّوا به، ولحديث سلمة بن الأكوع الآنف الذكر وحديث عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بالجنازة لم يسأل عن شيء من عمل الرجل، ويسأل عنه دينه، فإن قيل: عليه دين، كفَّ عن الصلاة عليه. وإن قيل: ليس عليه دين، صلَّى عليه، فأتي بجنازة، فلما قام ليكبر سأل أصحابه: هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: عليه ديناران. فعدل رسول الله صلى عليه وسلم عنه وقال: صلُّوا على صاحبكم. فقال عليٌّ ﵁: هما عليَّ، برئ منهما، فتقدم رسول الله ﷺ فصلى عليه، ثم قال لعليٍّ: جزاك الله خيرًا، فكَّ الله رهانك كما فككت رهان أخيك، إنه ليس من ميت يموت وعليه دين إلَّا وهو مرتهن بدينه، فمن فكَّ رهان ميت فكَّ الله رهانه يوم القيامة. فقال بعضهم: هذا لعليٍّ خاصة أم للمسلمين عامة؟! فقال: لا بل للمسلمين عامة. رواه الدارقطني والبيهقي (٢) .
فدلَّ هذان الحديثان على أن الكفالة تتم بالتزام الضامن وحده، ولا تتوقف على رضى المضمون له.
(د) الدين الذي تصح الكفالة به:
٣٢– اختلف الفقهاء في شروط الدين الذي تصح الكفالة به على أربعة أقوال:
(أحدها) للمالكية والحنابلة، وهو أنه يشترط في الدين المكفول به أن يكون واجبًا في الذمة أو آيلًا للوجوب فيها، سواء أكان مجهولًا أو معلومًا.
فيصح الضمان بما يثبت على فلان، أو بما يقر به، أو بما يخرج بعد الحساب عليه، أو بما يداينه فلان، ونحو ذلك. ويكون للضامن إبطال الكفالة بما يؤول للوجوب قبل وجوبه، لعدم اشتغال ذمته به (٣) .
стр. 10358
واستدلُّوا على عدم اعتبار كون الدين معلومًا لصحة الكفالة به بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١) ، حيث أجاز المولى سبحانه الكفالة بحمل البعير، وهو غير معلوم، لأنه يختلف باختلاف المحمول عليه، فيحتمل الزيادة والنقصان بحسب قوة وضعف المحمول عليه قالوا: ولأنه التزام حق في الذمة من غير معاوضة، فصح في المجهول كالإقرار والنذر. ولأنه يصح تعليقه بغرر وخطر – وهو ضمان العهدة – إذا قال: ألق متاعك في البحر وعليَّ ضمانه. أو قال: ادفع ثيابك إلى هذا الرفاء، وعليَّ ضمانها، فيصح في المجهول، كالطلاق والعتاق.
واحتجُّوا لصحة ضمان ما لم يجب إذا آل الوجوب بالآية الآنفة الذكر، حيث دلت على ضمان حمل البعير، مع أنه لم يكن واجب. قالوا: فإن قيل الضمان ضم ذمة إلى ذمة في التزام الدين، فإذا لم يكن على المضمون عنه حق فلا ضم فيه، فلا يكون ضمانًا؟! أجيب: بأنه قد ضم ذمته إلى ذمة المضمون عنه في أنه يلزمه ما يلزمه، ويثبت في ذمته ما يثبت فيها، وهذا كافٍ.
(والثاني) للحنفية، وهو أنه يشترط في الدين المكفول به أن يكون صحيحًا ثابتًا في الذمة، سواء أكان معلومًا أو مجهولًا. ومرادهم بالدين الصحيح " ما لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء ".
قالوا: وإنما صحت الكفالة مع جهالة المال، لا بتنائها على التوسع، فإنها تبرع ابتداء، فيتحمل فيها جهالة المال المتعارفة.
وعلى ذلك نصوا على عدم صحة الكفالة عن المكاتب لمولاه ببدل الكتابة، لأنه ليس دينًا صحيحًا، لأن المكاتب يملك إسقاط الدين عن نفسه بالتعجيز.
كما نصُّوا على أن من الدين الضعيف الذي يسقط بدون الأداء أو الإبراء:
دين الزكاة، فلا تصح الكفالة به عندهم، لأنه يسقط بالموت وبهلاك المال (٢) .
стр. 10359
(والثالث) للظاهرية، وهو أنه يشترط في الدين المكفول به أن يكون ثابتًا في الذمة وقت إنشاء عقد الكفالة، وأن يكون معلومًا (١) .
وعلى ذلك، فلا يصح ضمان المجهول، مثل أن يقول له: أنا أضمن عنك ما لفلان عليك. قال ابن حزم: " لقول الله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) . ولإخباره ﷺ " أنه لا يحل مال ملسم إلَّا بطيب من نفسه " (٣) ، والتراضي وطيب النفس لا يكون إلَّا على معلوم القدر، وهذا أمر يعلم بالحس والمشاهدة " (٤) .
وكذلك لا يصح ضمان ما لم يجب بعد، كمن قال لآخر: أنا أضمن عنك ما تستقرضه من فلان. أو قال له: اقترض عن فلان دينارًا، وأنا أضمنه عنك. أو قال له: أقرض فلانًا دينارًا, وأنا أضمنه لك، قال ابن حزم:" لأنه شرط ليس في كتاب الله ، فهو باطل. ولأن الضمان عقد واجب، ولا يجوز الواجب في غير واجب، وهو التزام ما لم يلزم بعد، وهذا محال، وقول فاسد وكل عقد لم يلزم حين التزامه، فلا يجوز أن يلزم في ثان وفي حين لم يلتزم فيه، فقد لا يقرضه ما قال له، وقد يموت القائل لذلك قبل أن يقرضه ما أمره بإقراضه، فصح بكل هذا أنه لا يلزم ذلك القول " (٥) .
стр. 10360
(والرابع) للشافعية، وهو أنه يشترط في الدين المضمون ثلاث صفات: أن يكون ثابتًا وقت الضمان، وأن يكون لازمًا (١) . أو آيلًا للِّزوم، وأن يكون معلومًا للضامن جنسًا وقدرًا وصفة.
وعلى ذلك، فلا يصح ضمان دين لم يجب، كدين قرض أو بيع سيقع؛ لأنه وثيقة بحق، فلا يتقدم ثبوت الحق كالشهادة (٢) . كما لا يصح ضمان المجهول ولاغير المعين كأحد الدينين؛ لأنه إثبات مال في الذمة لآدمي بعقد، فلم يصح مع الجهل، كالثمن في البيع. ويصح الضمان بالثمن قبل قبض المبيع، ولو في مدة الخيار، لأنه بعدها لازم، وقبلها آيل إلى اللزوم بنفسه عن قرب، فاحتيج فيه إلى التوثيق. كما يصح بالصداق قبل الدخول للزومه وإن لم يكن مستقرًّا (٣)
٣٣ – وبالنظر في هذه الأقوال الأربعة يبدو جليًّا أن اختلاف الفقهاء في شروط الدين المكفول به هو نفسه – في الجملة – في شروط الدين المرهون به، وذلك لأن الأصل عند سائر الفقهاء " أن ما جاز أخذ الرهن به جاز ضمانه، وكذا عكسه " (٤) . ولا يخفى أن هذه القاعدة أغلبية، ليست مطردة في كل الأحوال (٥) . والله أعلم.
وآخردعونا أن الحمد لله رب العالمين
الدكتور نزيه كمال حماد
стр. 10361
المناقشة
البيع بالتقسيط
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أمامنا الآن موضوع " البيع بالتقسيط " والعارض له فضيلة الشيخ القاضي محمد تقي العثماني والمقرر فضيلة الشيخ نزيه كمال حماد.
القاضي محمد تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
أود قبل أن أدخل في عرض البحوث المقدمة في موضوع البيع بالتقسيط في هذه الدورة، أود أن أشير إلى أن هذا الموضوع " البيع بالتقسيط " قد سبق أن درس في الدورة الماضية السادسة لهذا المجمع، ولكن رأى المجلس بعد المناقشات والمداولات أن هناك جوانب مختلفة لهذا الموضوع تحتاج إلى مزيد من الدراسة، فاتَّخذَ القرار في بعض المسائل وأَرجأَ اتخاذ القرار في بعض المسائل الأخرى، فيكون من المناسب أن أقرأ في بداية عرضي القرار الذي اتخذ في الدورة السادسة لئلا نقع في التكرار ولئلا نقع في مناقشة المسائل التي قد سبق أن قررت في هذا المجمع، والقرار هذا أقرؤه عليكم:
стр. 10362
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع البيع بالتقسيط، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، قرر:
أولًا: تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقدًا وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلَّا إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل، فإن وقع البيع مع التردد بين النقد والتأجيل بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدد فهو غير جائز شرعا.
ثانيًا: لا يجوز شرعا في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحال بحيث ترتبط بالأجل، سواء اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة.
ثالثا: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط لأن ذلك ربا محرم.
رابعا: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط ومع ذلك لا يجوز شرعا اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.
خامسًا: يجوز شرعا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد.
سادسًا: لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.
هذه ستة قرارات قد اتخذت في موضع البيع بالتقسيط، ثم إن هناك توصية في هذا القرار بدراسة بعض المسائل المتصلة ببيع التقسيط للبتِّ فيها إلى ما بعد إعداد دراسات وأبحاث كافية فيها، ومنها:
стр. 10363
أولًا: خصم البائع كمبيالات الأقساط المؤجلة لدى البنوك.
ثانيًا: تعجيل الدين مقابل إسقاط بعضه وهي مسألة " ضع وتعجل ".
ثالثًا: أثر الموت في حلول الأقساط المؤجلة.
إذن فمهمتنا اليوم في هذه الدورة هي دراسة هذه الموضوعات الثلاثة التي أوصت الدورة السادسة بدراستها دراسة كافية، والموضوعات التي اتخذ القرار فيها لا حاجة لنا إلى البحث فيها في هذه الدورة، وبالرغم من أن البحوث التي قدمت لهذه الدورة قد تناول بعضها بعض هذه المسائل التي سبق أن قررت في الدورة السادسة، فإني في عرضي الآن أقتصر على هذه المسائل الثلاثة وعلى ما أضيف إليها من قبل الأمانة العامة من موضوع توثيق الدين وصوره المختلفة، فموضوع عرضي الآن هو مسائل أربع: الأول خصم الكمبيالة، والثاني تعجيل الدين مقابل إسقاط بعضه يعني مسألة ضع وتعجل، والثالث أثر الموت أو خراب الذمة في حلول الأقساط وفي حلول الدين، والرابع طرق توثيق الدين، والبحوث التي عرضت في هذه المواضيع الأربعة هي بحوث أربعة: بحث سيادة الدكتور رفيق يونس المصري، وبحث للدكتور محمد عطا السيد، وبحث الدكتور نزيه كمال حماد، وبحث لهذا العبد الضعيف.
فأشرع بمسألة توثيق الدين وأنواعه أولًا، وهي الموضوع الرابع من هذه الموضوعات الأربعة التي اتخذت لهذه الدورة، وبما أن الثمن في البيع المؤجل يصير دينًا على المشتري فور تمام العقد، فإنه يجوز للبائع أن يطالبه بتوثيق لهذا الدين، أو بضمان للتسديد عند حلول الأجل، أما ضمان التسديد فيمكن بطريق الرهن أو بكفالة من الطرف الثالث، وفي الصورة الأولى يرهن المشتري شيئا من ممتلكاته لدى البائع، ويحق للبائع أن يمسكه كضمان للتسديد، فهذا شيءٌ معروف في الفقه الإسلامي ولا أريد أن أدخل في تفاصيل الرهن، فإنها معروفة، ولكن هناك مسألة رهن قد استحدثت وهي رهن السائل الذي هو نوع مستحدث من الرهن قد تكلمت فيه في الصفحة العاشرة من بحثي، وهو أنه في قوانين كثير من البلاد الإسلامية لا يقبض فيه المرتهن على الشيء المرهون، وإنما يبقى بيد الراهن، ولكن يحق للدائن إذا قصر المدين في الأداء أن يطالب ببيعه وتسديد دينه من حصيلة بيعه، وهذا النوع من الرهن يسمَّى أحيانا الرهن الساذج وباللغة الإنجليزية (Simple mortgage) ، وأحيانًا الذمة السائلة وباللغة الإنجليزية (Floating charge) ، وهذا مثل أن يرهن المدين سيارته لدى الدائن، ولكن تبقى السيارة بيد المدين الراهن يستعملها لصالحه كيف يشاء، ولكن لا يجوز له نقل ملكيتها إلى شخص ثالث حتى يفتك الرهن السائل بتسديد الدين، ويثبت للدائن الورتهن حق بيعها إذا قصر صاحبها في أداء دينه، وأن هذا الحقَّ يُسمَّى "الذمة السائلة" (Floating Charge) فهل يجوز شرعًا توثيق الدين بهذا النوع من الرهن؟
стр. 10364
وربما يقع الإشكال في جوازه من الناحية الفقهية، أن معظم الفقهاء قد اشترطوا قبض المرتهن لصحة عقد الرهن أو لتمامه على أساس قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، وفي الرهن السائل لا يقبض المرتهن على الشيء المرهون، فينبغي أن لا يصح هذا الرهن.
والواقع أن الفقهاء، وإن اشترطوا قبض المرتهن للشيء المرهون، ولكنهم في الوقت نفسه أجازوا بعد ذلك للراهن أن يستعير ذلك الشيء منه، وينتفع به لصالحه، ولا يفسد بذلك الراهن، بل يحق للمرتهن أن يسترده متى شاء، ولئن هلك الشيء المرهون عند الراهن، فإنما يهلك على ملكه، ويحق للمرتهن أن يبيعه لتسديد دينه عند حلول الأجل، ولا يكون فيه أسوة لسائر الغرماء عند إفلاس الراهن أو موته، وهذا مصرح به في عدة كتب من الفقه وقد نقلت بعض العبارات من الهداية ومن فتح القدير ورد المحتار.
ولكن هذا إذا تم عقد الرهن بقبض المرتهن مرة، ثم أعاره المرتهن للراهن، أما إذا لم يقبض المرتهن الرهن أصلًا، فهل يثبت حكم الإعارة في تلك الصورة أيضًا؟ الظاهر من عبارات الفقهاء أنه لا يثبت ذلك في تلك الصورة بناء على اشتراط القبض لصحة الرهن، ولكن ههنا ملاحظات أذكرها لتأمل الفقهاء المعاصرين وهي ما يلي:
أولًا: إن المرتهن في الرهن السائل، وإن كان لا يقبض الشيء المرهون، ولكنه في عموم الأحوال يقبض على مستندات ملكيته، فيحتمل أن يقال: إن الرهن قد تم بقبض المستندات، ثم صار الشيء المرهون كالعارية في يد الراهن.
стр. 10365
وثانيًا: إن علة اشتراط القبض في الرهن، كما ذكره الفقهاء، هو تمكن المرتهن من تسديد دينه ببيع ذلك الشيء عند الحاجة، وإن هذا المقصود حاصل في الرهن السائل على أساس شروط الاتفاقية المعترف بها قانونًا فيحتمل أن يكون القبض الحسي غير لازم في الصورة المذكورة لحصول المقصود في هذه الشروط المقررة.
ثالثًا: المقصود من الرهن هو توثيق الدين وقد أجازت الشريعة لحصول هذا المقصود أن يحبس الدائن ملك المديون ويمنعه من التصرف فيه إلى أن يتم تسديد الدين، فإن رضي الدائن بحصول مقصوده بأقل من ذلك، وهو أن يبقى العين المرهونة بيد الراهن، ويبقى للمرتهن حق التسديد فقط، فلا يرى في ذلك أي محظور شرعي.
رابعًا: إن الرهن السائل فيه مصلحة للجانبين، أما مصلحة الراهن فظاهرة، من حيث إنه لا يحرم من الانتفاع بملكه، وأما مصلحة المرتهن، فمن حيث إنه يحتفظ بحق التسديد دون أن يضمن الشيء المرهون عند الهلاك، غاية الأمر أنه ربما يتضرر به الغرماء الآخرون عند إفلاس الراهن، فإن المرتهن يكون أحق بذلك الشيء ممن سواه من الغرماء، ولكن ضررهم هذا لم يعتبر شرعًا فيما إذا كان الرهن مقبوضًا للمرتهن، وفيما إذا قبضه المرتهن، ثم استعاره الراهن منه، كما تقدم، فتبين أن مجرد هذا الضرر لا يفسد الرهن.
خامسًا: إن القبض على الشيء المرهون ربما يكون متعذرًا في التجارة الدولية، التي يكون البائع فيه ببلد، والمشتري ببلد آخر، والشيء المرهون يتطلب مؤونة كبيرة ونفقات باهظة لتحويله من محل إلى آخر، ولا سبيل لتوثيق الدين في مثل هذه الصورة إلا بالرهن السائل.
وإن هذه الملاحظات الخمس قد تجعلني أميل إلى جواز الرهن السائل، والمسألة مطروحة لدى العلماء للبت فيها، والله سبحانه أعلم،
ثم هناك طريق آخر للتوثيق، وهو الكفالة من طرف ثالث، وهذه المسألة أيضًا لا أحتاج إلى الإطالة فيها لأن موضوع الكفالة واضح ومذكور في كتب الفقه، والبحث لديكم، وما أثيرت فيه من مسائل قد سبق أن قرر فيه المجمع في دورته السابقة، فلا أريد أن أطيل في هذا الموضوع.