المناقشة
البيع بالتقسيط
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
أمامنا الآن موضوع " البيع بالتقسيط " والعارض له فضيلة الشيخ القاضي محمد تقي العثماني والمقرر فضيلة الشيخ نزيه كمال حماد.
القاضي محمد تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
أود قبل أن أدخل في عرض البحوث المقدمة في موضوع البيع بالتقسيط في هذه الدورة، أود أن أشير إلى أن هذا الموضوع " البيع بالتقسيط " قد سبق أن درس في الدورة الماضية السادسة لهذا المجمع، ولكن رأى المجلس بعد المناقشات والمداولات أن هناك جوانب مختلفة لهذا الموضوع تحتاج إلى مزيد من الدراسة، فاتَّخذَ القرار في بعض المسائل وأَرجأَ اتخاذ القرار في بعض المسائل الأخرى، فيكون من المناسب أن أقرأ في بداية عرضي القرار الذي اتخذ في الدورة السادسة لئلا نقع في التكرار ولئلا نقع في مناقشة المسائل التي قد سبق أن قررت في هذا المجمع، والقرار هذا أقرؤه عليكم:
стр. 10362
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع البيع بالتقسيط، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، قرر:
أولًا: تجوز الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، كما يجوز ذكر ثمن المبيع نقدًا وثمنه بالأقساط لمدد معلومة، ولا يصح البيع إلَّا إذا جزم العاقدان بالنقد أو التأجيل، فإن وقع البيع مع التردد بين النقد والتأجيل بأن لم يحصل الاتفاق الجازم على ثمن واحد محدد فهو غير جائز شرعا.
ثانيًا: لا يجوز شرعا في بيع الأجل التنصيص في العقد على فوائد التقسيط مفصولة عن الثمن الحال بحيث ترتبط بالأجل، سواء اتفق العاقدان على نسبة الفائدة أم ربطاها بالفائدة السائدة.
ثالثا: إذا تأخر المشتري المدين في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط سابق أو بدون شرط لأن ذلك ربا محرم.
رابعا: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط ومع ذلك لا يجوز شرعا اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.
خامسًا: يجوز شرعا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد.
سادسًا: لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، ولكن يجوز للبائع أن يشترط رهن المبيع عنده لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.
هذه ستة قرارات قد اتخذت في موضع البيع بالتقسيط، ثم إن هناك توصية في هذا القرار بدراسة بعض المسائل المتصلة ببيع التقسيط للبتِّ فيها إلى ما بعد إعداد دراسات وأبحاث كافية فيها، ومنها:
стр. 10363
أولًا: خصم البائع كمبيالات الأقساط المؤجلة لدى البنوك.
ثانيًا: تعجيل الدين مقابل إسقاط بعضه وهي مسألة " ضع وتعجل ".
ثالثًا: أثر الموت في حلول الأقساط المؤجلة.
إذن فمهمتنا اليوم في هذه الدورة هي دراسة هذه الموضوعات الثلاثة التي أوصت الدورة السادسة بدراستها دراسة كافية، والموضوعات التي اتخذ القرار فيها لا حاجة لنا إلى البحث فيها في هذه الدورة، وبالرغم من أن البحوث التي قدمت لهذه الدورة قد تناول بعضها بعض هذه المسائل التي سبق أن قررت في الدورة السادسة، فإني في عرضي الآن أقتصر على هذه المسائل الثلاثة وعلى ما أضيف إليها من قبل الأمانة العامة من موضوع توثيق الدين وصوره المختلفة، فموضوع عرضي الآن هو مسائل أربع: الأول خصم الكمبيالة، والثاني تعجيل الدين مقابل إسقاط بعضه يعني مسألة ضع وتعجل، والثالث أثر الموت أو خراب الذمة في حلول الأقساط وفي حلول الدين، والرابع طرق توثيق الدين، والبحوث التي عرضت في هذه المواضيع الأربعة هي بحوث أربعة: بحث سيادة الدكتور رفيق يونس المصري، وبحث للدكتور محمد عطا السيد، وبحث الدكتور نزيه كمال حماد، وبحث لهذا العبد الضعيف.
فأشرع بمسألة توثيق الدين وأنواعه أولًا، وهي الموضوع الرابع من هذه الموضوعات الأربعة التي اتخذت لهذه الدورة، وبما أن الثمن في البيع المؤجل يصير دينًا على المشتري فور تمام العقد، فإنه يجوز للبائع أن يطالبه بتوثيق لهذا الدين، أو بضمان للتسديد عند حلول الأجل، أما ضمان التسديد فيمكن بطريق الرهن أو بكفالة من الطرف الثالث، وفي الصورة الأولى يرهن المشتري شيئا من ممتلكاته لدى البائع، ويحق للبائع أن يمسكه كضمان للتسديد، فهذا شيءٌ معروف في الفقه الإسلامي ولا أريد أن أدخل في تفاصيل الرهن، فإنها معروفة، ولكن هناك مسألة رهن قد استحدثت وهي رهن السائل الذي هو نوع مستحدث من الرهن قد تكلمت فيه في الصفحة العاشرة من بحثي، وهو أنه في قوانين كثير من البلاد الإسلامية لا يقبض فيه المرتهن على الشيء المرهون، وإنما يبقى بيد الراهن، ولكن يحق للدائن إذا قصر المدين في الأداء أن يطالب ببيعه وتسديد دينه من حصيلة بيعه، وهذا النوع من الرهن يسمَّى أحيانا الرهن الساذج وباللغة الإنجليزية (Simple mortgage) ، وأحيانًا الذمة السائلة وباللغة الإنجليزية (Floating charge) ، وهذا مثل أن يرهن المدين سيارته لدى الدائن، ولكن تبقى السيارة بيد المدين الراهن يستعملها لصالحه كيف يشاء، ولكن لا يجوز له نقل ملكيتها إلى شخص ثالث حتى يفتك الرهن السائل بتسديد الدين، ويثبت للدائن الورتهن حق بيعها إذا قصر صاحبها في أداء دينه، وأن هذا الحقَّ يُسمَّى "الذمة السائلة" (Floating Charge) فهل يجوز شرعًا توثيق الدين بهذا النوع من الرهن؟
стр. 10364
وربما يقع الإشكال في جوازه من الناحية الفقهية، أن معظم الفقهاء قد اشترطوا قبض المرتهن لصحة عقد الرهن أو لتمامه على أساس قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ ، وفي الرهن السائل لا يقبض المرتهن على الشيء المرهون، فينبغي أن لا يصح هذا الرهن.
والواقع أن الفقهاء، وإن اشترطوا قبض المرتهن للشيء المرهون، ولكنهم في الوقت نفسه أجازوا بعد ذلك للراهن أن يستعير ذلك الشيء منه، وينتفع به لصالحه، ولا يفسد بذلك الراهن، بل يحق للمرتهن أن يسترده متى شاء، ولئن هلك الشيء المرهون عند الراهن، فإنما يهلك على ملكه، ويحق للمرتهن أن يبيعه لتسديد دينه عند حلول الأجل، ولا يكون فيه أسوة لسائر الغرماء عند إفلاس الراهن أو موته، وهذا مصرح به في عدة كتب من الفقه وقد نقلت بعض العبارات من الهداية ومن فتح القدير ورد المحتار.
ولكن هذا إذا تم عقد الرهن بقبض المرتهن مرة، ثم أعاره المرتهن للراهن، أما إذا لم يقبض المرتهن الرهن أصلًا، فهل يثبت حكم الإعارة في تلك الصورة أيضًا؟ الظاهر من عبارات الفقهاء أنه لا يثبت ذلك في تلك الصورة بناء على اشتراط القبض لصحة الرهن، ولكن ههنا ملاحظات أذكرها لتأمل الفقهاء المعاصرين وهي ما يلي:
أولًا: إن المرتهن في الرهن السائل، وإن كان لا يقبض الشيء المرهون، ولكنه في عموم الأحوال يقبض على مستندات ملكيته، فيحتمل أن يقال: إن الرهن قد تم بقبض المستندات، ثم صار الشيء المرهون كالعارية في يد الراهن.
стр. 10365
وثانيًا: إن علة اشتراط القبض في الرهن، كما ذكره الفقهاء، هو تمكن المرتهن من تسديد دينه ببيع ذلك الشيء عند الحاجة، وإن هذا المقصود حاصل في الرهن السائل على أساس شروط الاتفاقية المعترف بها قانونًا فيحتمل أن يكون القبض الحسي غير لازم في الصورة المذكورة لحصول المقصود في هذه الشروط المقررة.
ثالثًا: المقصود من الرهن هو توثيق الدين وقد أجازت الشريعة لحصول هذا المقصود أن يحبس الدائن ملك المديون ويمنعه من التصرف فيه إلى أن يتم تسديد الدين، فإن رضي الدائن بحصول مقصوده بأقل من ذلك، وهو أن يبقى العين المرهونة بيد الراهن، ويبقى للمرتهن حق التسديد فقط، فلا يرى في ذلك أي محظور شرعي.
رابعًا: إن الرهن السائل فيه مصلحة للجانبين، أما مصلحة الراهن فظاهرة، من حيث إنه لا يحرم من الانتفاع بملكه، وأما مصلحة المرتهن، فمن حيث إنه يحتفظ بحق التسديد دون أن يضمن الشيء المرهون عند الهلاك، غاية الأمر أنه ربما يتضرر به الغرماء الآخرون عند إفلاس الراهن، فإن المرتهن يكون أحق بذلك الشيء ممن سواه من الغرماء، ولكن ضررهم هذا لم يعتبر شرعًا فيما إذا كان الرهن مقبوضًا للمرتهن، وفيما إذا قبضه المرتهن، ثم استعاره الراهن منه، كما تقدم، فتبين أن مجرد هذا الضرر لا يفسد الرهن.
خامسًا: إن القبض على الشيء المرهون ربما يكون متعذرًا في التجارة الدولية، التي يكون البائع فيه ببلد، والمشتري ببلد آخر، والشيء المرهون يتطلب مؤونة كبيرة ونفقات باهظة لتحويله من محل إلى آخر، ولا سبيل لتوثيق الدين في مثل هذه الصورة إلا بالرهن السائل.
وإن هذه الملاحظات الخمس قد تجعلني أميل إلى جواز الرهن السائل، والمسألة مطروحة لدى العلماء للبت فيها، والله سبحانه أعلم،
ثم هناك طريق آخر للتوثيق، وهو الكفالة من طرف ثالث، وهذه المسألة أيضًا لا أحتاج إلى الإطالة فيها لأن موضوع الكفالة واضح ومذكور في كتب الفقه، والبحث لديكم، وما أثيرت فيه من مسائل قد سبق أن قرر فيه المجمع في دورته السابقة، فلا أريد أن أطيل في هذا الموضوع.
стр. 10366
ثم المسألة الثانية، وهي مسألة توثيق الدين بالكمبيالة ومدى شرعية خصم الكمبيالة، وقد تكلمت فيه وتكلم فيه الباحثون الآخرون، وكلهم متفقون على أن توثيق الدين بالكمبيالة، لا مانع منه شرعًا، ولكن خصم الكمبيالة كما يقع في البنوك فإنه ربا ولا سبيل إلى القول بجوازه، إما لكونه بيع الدين من غير من عليه الدين، وقد تحدَّث عنه أخونا الدكتور نزيه حماد في بحثه بتفصيل: أن بيع الدين من غير من عليه الدين يجوز عند بعض الفقهاء ولا يجوز عند أكثرهم.
فخصم الكمبيالة هو بيع الدين من غير من عليه الدين، إما أن نقول بمنعه من هذه الجهة أو لأنه من قبيل بيع النقود بالنقود متفاضلة مؤجلًا، وحرمته منصوصة في أحاديث ربا الفضل، فالباحثون كلهم الذين قدموا أبحاثًا في هذا الموضوع متفقون على منع خصم الكمبيالة وعلى أنه ربا ممنوع شرعًا.
ولكن هذه المعاملة يمكن تصحيحها بتغيير طريقها، وذلك أن يوكل صاحب الكمبيالة البنك باستيفاء دينه من المشتري (وهو مصدر الكمبيالة) ويدفع إليه أجرة على ذلك (أجرة على استيفاء الدين) ثم يستقرض منه بعقد آخر منفصل مبلغ الكمبيالة، ويأذن له أن يستوفي هذا القرض مما يقبض من المشتري بعد نضج الكمبيالة، فتكون هناك معاملتان مستقلتان كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، الأولى معاملة باستيفاء الدين بالأجرة المعينة والثانية معاملة الاستقراض من البنك بدون فائدة، والإذن باستيفاء القرض من الدين المرجو حصوله بعد نضج الكمبيالة، فتصح كلتا المعاملتين على أسس شرعية. أما الأولى فلكونها توكيلًا بالأجرة وذلك جائز، وأما الثانية فلكونها استقراضًا غير شرط زيادة، وهو جائز أيضًا.
ثم المسألة الثانية المعروضة في هذه الدورة، هي مسألة إسقاط الدين مقابل التعجيل وهي مسألة " ضع وتعجل " وربما يعبر عنها بالصلح بالحطيطة، وقد تكلم عن هذه المسألة أكثر الباحثين الذين قدموا أبحاثًا في هذا الموضوع. وكما تعرفون أن هذا الموضوع " ضع وتعجل " لم يزل موضع خلاف بين الفقهاء منذ القديم، وقد ذكر الباحثون مواقف مختلفة للفقهاء وذكرت أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه من الصحابة وإبراهيم النخعي من التباعين وزفر بن الهذيل من الحنفية وأبو ثور من الشافعية، ذهبوا إلى جواز ضع وتعجل. ولكن روي عن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت من الصحابة ﵃، وعن محمد بن سيرين والحسن البصري وابن المسيب والحكم بن عتيبة والشعبي ﵏ من التباعين، عدم جواز ذلك، وهو قول الأئمة الأربعة.
стр. 10367
فالبحوث التي وصلت إلينا في هذا الموضوع، الدكتور رفيق المصري مال إلى جواز ضع وتعجل واستدل بقصة بني النضير كما سيأتي إن شاء الله، وأما الدكتور نزيه كمال حماد فقد ذكر مذاهب الفقهاء ولم يبت فيه بالأخذ بأحد هذه الأقوال. والأصل أن هناك حديثين مرفوعين متعارضين وفي إسناد كل واحد منهما ضعف.
أما الحديث الأول، فقد أخرجه البيهقي بإسناده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: لما أمر النبي ﷺ بإخراج بني النضير من المدينة جاءه ناس منهم فقالوا: يا رسول الله إنك أمرت بإخراجهم ولهم على الناس ديون لم تحل، فقال النبي ﷺ : ((ضعوا وتعجلوا)) .
وهذا الحديث يدل على الجواز، ويعارضه ما أخرجه البيهقي في الباب اللاحق عن المقداد بن الأسود ﵁ قال: أسلفت رجلًا مائة دينار، ثم خرج سهمي في بعث بعثه رسول الله ﷺ ، فقلت له: عجل لي تسعين دينارًا وأحط عشرة دنانير، فقال: نعم، فذكر لرسول الله ﷺ ، فقال: " أكلت ربا يا مقداد وأطعمته؟ ".
وقد صرح الإمام البيهقي رحمه الله تعالى، بأن كل واحد من الحديثين ضعيف من جهة الإسناد، فلا تقوم أي منهما حجة. ورجح جمهور الفقهاء جانب الرحمة، لأن زيادة الدين في مقابلة التأجيل ربا صراح، فكذلك الحط من الدين بإزاء التعجيل في معناه.
أما قصة بني النضير، ليس فيه حجة، أما أولًا فلأن إسنادها ضعيف، وأما ثانيًا فلأنه لو ثبتت هذه القصة من جهة الإسناد، فيمكن أن يقال: إن قصة إجلاء بني النضير وقعت في السنة الثانية من الهجرة، وذلك قبل نزول حرمة الربا.
وذكر شمس الأئمة السرخسي ﵀ هذه القصة في شرح السير الكبير، واستدل بها على مذهبه المعروف على أنه لا ربا بين المسلم والحربي. قال: ولما أجلي بنو النضير قالوا: إن لنا ديونًا على الناس، فقال: ضعوا وتعجلوا، ومعلوم أن مثل هذه المعاملة لا يجوز بين المسلمين، فإن من كان له على غيره دين إلى أجل، فوضع عنه بعضه بشرط أن يعجل بعضه لم يجز.
стр. 10368
وحاصل هذا الجواب أن المسلمين كانوا في حالة الحرب مع بني النضير، فكان يجوز لهم أن يقبضوا جميع أموالهم في تلك الحالة فلو استوضعوا بعض الديون، جاز ذلك من باب أولى.
والوجه الرابع في الاعتذار عن قصة بني النضير أن اليهود كانوا يداينون الناس على أساس الربا والذي أمر رسول الله ﷺ بوضعه، هو الربا الزائد على رأس المال، ولم يأمرهم بالوضع في رأس المال نفسه، ويؤيده أن الواقدي ذكر هذه القصة في سيره، فقال: فأجلاهم (أي بني النضير) رسول الله ﷺ من المدينة، وولى إخراجهم محمد بن مسلمة، فقالوا: إن لنا ديونًا على الناس إلى آجال، فقال رسول الله ﷺ : " تعجلوا وضعوا ". فكان لأبي رافع سلام بن أبي الحقيق على أسيد بن حضير عشرون ومائة دينار إلى سنة، فصالحه على أخذ رأس ماله ثمانين دينارًا، وأبطل ما فضل.
فهذه الرواية تكاد تكون صريحة على أن ما وضعه رسول الله ﷺ هو القبض الزائد على رأس المال، ولم يأمر بالوضع من رأس المال نفسه، ولكن كما تعرفون هذه رواية الواقدي، والواقدي روايته غير مقبولة في الأحكام، ولكن ما دمنا نستدل بقصة بني النضير وإسنادها ضعيف، فلو جئنا بما يشرحه بطريق ضعيف، فهذا لا مانع منه، فهذه رواية صريحة بأن الموضوع كان هو الربا لا حصة من رأس المال، ومن هنا ذهب جمهور العلماء بالقول بتحريم ضع وتعجل، وذكرت نصوص الفقهاء في هذا الصدد ولا حاجة إلى قراءتها، فإنه بين أيديكم في البحث.
стр. 10369
ولكن الذي يبدو أن حكم المنع هذا، يعني حكم ضع وتعجل يختص بالديون المؤجلة، أما الديون الحالة التي لا يكون الأجل فيها مشروطًا في العقد، وإنما بتأخر المدين في الأداء لسبب أو آخر، فالظاهر أنه لا بأس بالصلح على إسقاط بعض الدين بشرط أن يؤدي المديون الدين المتبقي معجلًا، وهذا قد صرح به علماء المالكية، جاء في المدونة الكبرى: قلت أرأيت لو أن لي على رجل ألف درهم قد حلت، فقلت: أشهدوا إن أعطاني مائة درهم عند رأس الشهر، فتسعمائة درهم له، وإن لم يعطني فالألف كلها عليه، قال مالك: لا بأس بهذا، وقد صرح به علماء المالكية الآخرون أيضًا وقد نقلت عباراتهم.
ويبدو أن مذهب غيرهم من الفقهاء موافق لهم في ذلك، فإنهم حيث ذكروا حرمة ضع وتعجل، قيدوا ذلك بالديون المؤجلة، كما هو ظاهر من عبارة الإمام محمد بن حسن في موطأه ومن ترجمة الباب التي عقدها، كذلك قيد ابن قدامة هذه المسألة بالدين المؤجل.
ومما يجدر بالذكر هنا، أن عقد القرض الحسن لا يتأجل عند الحنفية والشافعية والحنابلة، ويتأجل عند المالكية فقط كما هو معروف لدى الفقهاء فعلى قول من يقول: إن القرض لا يتأجل بالتأجيل، يجوز ضع وتعجل في القروض، لأنها من الديون الحالة التي يجوز فيها ضع وتعجل، والأصل فيه حديث كعب بن مالك ﵁: أنه كان له على عبد الله بن حدرد الأسلمي ﵁ دين، فلقيه فلزمه، فتكلما حتى ارتفعت الأصوات، فمر بهما النبي ﷺ فقال: يا كعب، وأشار بيده كأنه يقول: النصف، فأخذ نصف ما عليه وترك نصفًا.
وكذلك المنع من الوضع بالتعجيل في الديون المؤجلة إنما يكون إذا كان الوضع شرطًا للتعجيل، أما إذا عجل المديون من غير شرط، جاز للدائن أن يضع عنه بعض دينه تبرعًا.
ثم إن هنالك ناحية أخرى في هذه المسألة، تعرض لها فقهاء الحنفية، وهي ضع وتعجل، خصوصًا في عقود المرابحة المؤجلة، ما ذكرناه حتى الآن كان يتعلق بالبيوع المساومة يعني في البيوع المطلقة التي لا يعقدها البائع بطريق المرابحة، فيعقد البيع بدون ذكر قدر الربح الذي يريد أن يرابحه عليه، أما إذا كان البيع بطريقة المرابحة، وقد صرح فيه البائع بزيادة في الثمن من أجل الأجل، فقد أفتى بعض المتأخرين من الحنفية بأنه إذا قضى المديون الدين قبل حلول الأجل، أو مات قبله، فإن البائع لا يأخذ من الثمن إلا بمقدار ما مضى من الأيام، ويحط من دينه ما كان بإزاء المدة الباقية.
стр. 10370
وهذه المسألة مذكورة في الدر المختار، وقد شرحها ابن عابدين، يقول: اشترى شيئًا بعشرة نقدًا وباعه لآخر بعشرين إلى أجل هو عشر أشهر، فإذا قضاه بعد تمام خمسة أشهر أو مات بعدها، يأخذ خمسة ويترك خمسة. وإن هذه الفتوى من متأخري الحنفية تفرق بين بيوع المساومة وبيوع المرابحة التي يصرح فيها البائع بزيادة الثمن بسبب الأجل، فلا يجوز ضع وتعجل في بيوع المساومة كما أسلفنا، ويجوز في بيوع المرابحة، ولعلهم أفتوا بذلك على أساس أن الأجل وإن لم يكن صالحًا للاعتياض عنه على سبيل الاستقلال، ولكن يجوز أن يقع بإزائه شيء من الثمن ضمنًا وتبعا. فما لا يجوز بيعه مستقلًّا، قد يجوز الاعتياض عنه تبعًا. ولما كان أساس المرابحة المؤجلة على بيان قدر من الربح، جاز أن يكون شيء من الربح بإزاء الأجل، فصار الأجل كأنه وصف في المبيع فلما انتقص ذلك الوصف بأداء الدين قبل الحلول، أو سبب حلوله بموت المديون، انتقص الثمن بقدره. وإلى هذا المعنى أشار ابن عابدين في تعليل هذه المسألة.
وهذا التوجيه، وإن كان فيه شيء من الوزن، ولكنه مخالف للدلائل التي أسلفناها في منع ضع وتعجل، فإنها وردت في كل دين مؤجل، دون فرق بين المساومة والمرابحة، وإن العمل بهذه الفتوى قد يجعل المرابحة والبيع بالتقسيط أكثر مشابهة بالمعاملات الربوية، التي يتردد فيها القدر الواجب في الذمة ما بين القليل والكثير مرتبطًا بالآجال المختلفة للأداء، فلا أرى من المناسب العمل بهذه الفتوى في البيع بالتقسيط، ولا في المرابحات التي تجريها المصارف الإسلامية اليوم.
الآن المسألة الرابعة المطروحة في هذه الدورة، هي مسألة خراب الذمة وأثر موت المديون في حلول الدين، وهذه المسألة مذكورة في الصفحة الثانية والأربعين من بحثي (١) . والمسألة: هل يبقى الدين بعد موت المدين مؤجلًا كما كان، أو يصير حالًّا، فيطالب الدائن الورثة بأدائه من تركة الميت فورًا، أو يطالبه بعد حلول الأجل؟. وقد اختلف في هذه المسألة أقوال الفقهاء، فذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية إلى أن الدين المؤجل يحل بموت المدين، وهو رواية عن الإمام أحمد ابن حنبل ﵀ أيضًا، ولكن المختار عند الحنابلة أن الورثة إن وثقوا الدين، فإنه لا يحل بموت المدين، و، إنما يبقى مؤجلًا كما كان، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: فأما إن مات وعليه ديون مؤجلة، فهل تحل بالموت؟ فيه روايتان: إحداهما لا تحل إذا وثق الورثة، وهو قول ابن سيرين وعبد الله بن الحسن وإسحاق وأبي عبيد، وقال طاووس وأبو بكر بن محمد الزهري وسعيد بن إبراهيم: الدين إلى أجله، وحكي ذلك عن الحسن، والرواية الأخرى، أنه يحل بالموت، وبه قال الشعبي والنخعي وسوار ومالك والثوري والشافعي، وأصحاب الرأي، لأنه لا يخلو، إما أن يبقى في ذمة الميت أو الورثة، أو يتعلق بالمال، ثم ذكر ابن قدامة ﵀ ترجيحه لمذهب من يقول ببقاء الدين مؤجلًا، إذا وثقه الورثة بكفيل أو رهن، وذكر دلائله.
стр. 10371
وأما الحنفية، فإنهم وإن ذهبوا إلى حلول الدين بموت المدين على قول جمهور الفقهاء المتبوعين، ولكن المتأخرين منهم لم يفتهم النظر إلى أن في المرابحة المؤجلة تكون حصة من الثمن مقابلة للأجل، كما أسلفنا، فلو ألزمنا على تركة المشتري أن يؤخذ منها الثمن كاملًا في الحال قبل حلول الأجل، لصارت الحصة المقابلة للمدة الباقية بدون عوض، وفيه ضرر للمشتري الذي لم يرض بهذا القدر من الثمن إلَّا إذا كان مؤجلًا بأجل متفق عليه. وذلك أفتوا بأن المشتري لا يؤدي من ثمن المرابحة في هذه الصورة إلَّا بقدر ما مضى من الأيام.
والحاصل عندي في هذه المسألة أن جمهور الفقهاء المتبوعين، وإن ذهبوا إلى حلول الدين بموت المدين، ولكن في عمليات البيع بالتقسيط والمرابحة المؤجلة التي يكون حصة من الثمن فيها مقابلة للأجل، لو أخذنا بمبدأ حلول الدين بكامله، لتضرر به ورثة المدين، فينبغي فيها الأخذ بأحد القولين: إما بقول المتأخرين من الحنفية بسقوط تلك الحصة من الدين التي تقابل المدة الباقية من الأجل المتفق عليه، فلا يؤخذ من التركة إلا بقدر ما مضى من الأيام، أو يؤخذ بقول الحنابلة من بقاء الدين مؤجلًا كما كان، بشرط أن يوثقه ورثة المدين بوثيقة معتمدة، ولعل الصورة الأخيرة أولى للبعد عن تذبذب الثمن بآجال مختلفة، الذي فيه مشابهة صورية للمعاملات الربوية.
وأما الأستاذ الدكتور رفيق المصري فإنه رجح إلى أنه يحل الدين بموت المدين.
فهذه خلاصة ما عرض في هذه الأبحاث التي قدمت في هذه الدورة في موضوع البيع بالتقسيط. وأكتفى بهذا القدر وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المؤمنين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 10372
الرئيس:
شكرًا للشيح تقي على هذا العرض الوافي، وبقي إضافة بسيطة فيما يتعلق بقوله " ضع وتعجل " وهو أن ما ذكرتموه أنه مذهب الجمهور صحيح، لكن في مذهب الإمام أحمد روايتان، الرواية الأخرى هي الجواز، وبها أخذ شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية رحمهما الله تعالى، وحديث ابن عباس ﵄ في قصة بني النضير صححه الحاكم وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وهو على شرط السنن، كما ذكر الشيخان ومداره على مسند ابن خالد، ومسند ابن خالد احتج به الشافعي ووثقه آخرون كذلك، فحديث بني النضير هو أقوى شأنا من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
لا شك في أن هذا البيان الضافي الذي أوضحه فضيلة القاضي العثماني محقق للغاية بالقدر الذي نتمكن فيه من إبداء الرأي حول بيع التقسيط، والذي يشتبه كثيرًا في أذهان العامة وعند الناس مع البيوع الربوية ويكادون لا يصدقون أن البيع بالتقسيط جائز علمًا إذا كان بسعر أكثر من السعر الحالي، وتثور مشكلات كثيرة في طريق إقناع هؤلاء بأن هناك فرقًا بين البيع بالتقسيط والبيوع الربوية. وكنت أود أن أسمع إجابة صريحة حول هذه الفروق إن لم تكن موجودة في البحث الذي لم يتعرض له التلخيص. كذلك منذ سنوات صدر بحث مطول لأخينا الدكتور محمد الأشقر في الكويت يحمل حملة شديدة على البيع بالتقسيط ولا يجيزه أيضًا كنت أود أن يتعرض الأستاذ العثماني لمثل هذه الشبهات ويفندها.
يا شيخ وهبة، البحث للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، وأذكركم أن هذا الموضوع سبق أن بت فيه في الدورة السادسة لمجمع الفقه من حيث وجود مبدأ التقسيط وجوازه شرعًا، هذا سبق أن بت فيه وحصل التعرض للبحوث التي منعت من التقسيط، ومن تبني هذه الفكرة، وإنها صارت دفعة للبنوك الربوية، لأنه إذا سدت هذه المنافذ صار فيها دفع شديد للبنوك الربوية، فانتهى موضوع البيع بالتقسيط وقرأ القرار على مسامعكم الآن.
الدكتور وهبة مصطفى الزحيلي:
إذن الملاحظة الأخيرة، أنه بالرغم من سرده لوجهات النظر المختلف فيها حول خصم الكمبيالة والأمور التي تعرض لها، أيضًا كنا نود أن نسمع منه ترجيحًا واضحًا بين وجهات النظر التي ذكرها حيث إننا عشنا في جو كثير من الآراء والاختلافات، فنود أن يعطينا الرأي الحاسم حول هذه الخلافات، وشكرًا.
стр. 10373
الدكتور علي محيي الدين القره داغي:
بسم الله الرحمن الرحيم.
تصحيح خصم الكمبيالة بالصورة التي ذكرها الأستاذ العثماني، هي إحدى الصورتين اللتين ذكرتا في الموسوعة وعليهما ملاحظات كثيرة للباحثين، وفيهما نوع كثير من التكلف، ولذلك لا نرجح هذا الاتجاه وهذا الجانب.
الجانب الآخر، إن واقع البنوك الربوية، هل يمكن تكييف هذا الواقع الربوي على قضية التوكيل، وهذا التكلف الكبير الذي ذكره الأستاذ الجليل تقي الدين العثماني. الواقع الذي يسير عليه البنوك الربوية أن البنوك الربوية تأخذ العمولة أولًا ثم بعد ذلك تأخذ النسبة المقدرة على المبلغ كاملة، ثم ترجع الباقي للشخص، فالقضية واضحة جدًّا بأنها قضية فائدة ربوية واضحة لا غبار عليها. أما إذا أردنا التكيف أو التكلف لهذه المسألة، فهذه مسألة ربما تكون شيئًا عمليًّا ونحن نعرض شيئًا نظريًّا ونحن هنا في مجمع الفقه نعالج أو نبحث عن الأمور والحلول الواقعية وليس في قضايا يمكن أن تكون خيالية أكثر من أن تكون واقعية. هذا في نظري بالنسبة لقضية التوكيل.
أيضًا بالنسبة لاستدلال بعض الباحثين بحديث ضعوا وتعجلوا، وتصحيح الحاكم له، معروف للجميع أن الإمام الحاكم ﵀ معروف بتساهله، ولذلك الإمام الذهبي في تلخيصه لم يقره ولم يوافق على هذا التصحيح، وإنما ترك هذه المسألة، مما يدل على أن فيه شيئًا، وكما قال الأستاذ تقي الدين العثماني، أنَّ الإمام البهيقي حكم على الحديثين بالضعف وما وري عن ابن عباس ﵄ مروي عنه العكس أيضًا في مصنف عبد الرزاق حيث قال: إنما الربا أخر لي وأنا أزيدك. فإذن أعتقد أن الروايتين متعارضتان لا نستطيع أن نرجح إحداهما على الأخرى. قياس ضع وتعجل على الحطيطة أو إدخال ضع وتعجل على الحطيطة – في نظري وقد أكون مخطئًا – غير دقيق لأن الحطيطة في البيوع، عندما يبيع الإنسان أو يشتري الإنسان شيئًا ثم ينزل من ثمنه، أما هذه القضية فهي في الدين وبيع الدين بالدين معروف كما ذكره الباحثون الأجلاء من أنه لا يجوز إلا من الدائن نفسه أو من المدين نفسه. فالقضية هنا ليست لا من الدائن ولا من المدين وإنما من طرف ثالث وهو البنك الربوي.
стр. 10374
اعتبار البعض – في التدخل – خصم الكمبيالة بيعًا، يمكن اعتباره بيعًا لكن بيع الدين بالدين وليس بيع سلعة بسلعة، وهذه الورقة ليست في الواقع سلعة وإنما هي نقد كما يقول الاقتصاديون، فالنقد ليس الدراهم والدنانير فقط، وإنما كلُّ ورقة كخصم الكمبيالة والشيكات وكل هذا يدخل ضمن النقود، والغريب أن صاحب هذه الفكرة اشترط شرطين، فقال: أن لا يكون ذلك في النقود وأن لا يكون مكيلًا وموزونًا. إذن هذه الصورة إذا لم تكن في النقود ولم تكن في المكيل والموزون خرجت هذه الصورة عن الصورة التي نبحثها وهي قضية خصم الكمبيالة. الصورة التي أمامنا خصم الكمبيالة هي قضية دين مؤجل وهذه الورقة توثيق لهذا الدين لا أكثر من ذلك، لا سلعة ولا بضاعة لا أي شيء، وإنما مجرد توثيق بهذا المبلغ، فلا يمكن اعتبار هذه الكمبيالة أننا نبيع الورقة، هذه الورقة لو بدونها لا تساوي فلسًا واحدًا وحتى لا يمكن الكتابة عليه لأنه لا فائدة فيها، وإنما الفائدة في أنها تمثل دينًا عشرة آلاف كذا وهذا في الذمة، فالصورة التي تفضل بها أخونا الكريم، صورة بعيدة عن واقع الكمبيالات التي تجري في البنوك إلا إذا كان القبض سلعة أو حيوانًا فهذا شيء آخر، وحينئذ نبيع هذا في الذمة، والمسألة تبقى بيع الدين بالدين ولذلك لا يمكن اعتبار هذه
المسألة، يعني هذان الشرطان يردان أو يرجعان على أصل المسألة وبالتالي يقضيان على المسألة نفسها وتنتهي المسألة من أساسها.
الطريقة الثانية أيضًا، اعتبار أن بيع الكمبيالة أو خصم الكمبيالة أنها قيمة تجارية بنقد آخر، وهذا بيع غير المتجانسين، أليس ذلك يشترط التقابض فيما لو قلنا! أليس ذلك أيضًا وارد في هذه المسألة تنقيص في القيمة! يعني رجل عليه كمبيالة بعشرة آلاف أو مائة ألف ريال والبنك يعطي له حوالي ستين ألف ريال؛ لماذا هذا الفرق ثلاثين ألف ريال لأي شيء؟ أليس ذلك نوع من التحايل للخروج عن القضية! إضافة إلى أن بيع الدين لا يمكن، يخرج عن بيع الدين مهما حاولنا.
стр. 10375
أيضًا الطريقة الثالثة التي ذكرها الأخ الكريم المتداخل، باعتبارها قرضًا وأننا نأخذ بعد ذلك الفوائد، كيف يجوز أن نأخذ الفوائد أو الزوائد التي تضاف إلى هذا القرض أو تخصم من هذا القرض؟ المسألة الحقيقية أنه مهما حاولنا أن نكيف خصم الكمبيالة لا نجد له وجهًا شرعيًّا أو عقدًا شرعيًّا، ممكن أن نقول إنه عقد جديد لكن هذا العقد الجديد فيه مشكلة، أنه فيه ربا، فيه نقص في مقابل الأجل، وهذا النقص في مقابل الأجل واضح، فإذا نحن خرجنا عن هذا الواقع، حينئذ نحن نبحث عن مسألة أخرى ونأتي بمصطلح آخر غير مصطلح خصم الكمبيالة ونناقشه، أما الكمبيالات التي تجري في وقتنا الحاضر، فالقضية واضحة فيها بأن البنك يخصم مبلغًا معينًا حسب الفوائد الدولية أو الفوائد التي يأخذها هذا البنك.
قضية الإبراء، لماذا يبرء الرجل الدائن صاحب الكمبيالة، الدائن دفع المال وأخذ في مقابل ماله هذه الكمبيالة، لماذا يبرء؟ لو كان لله فعلى العين والرأس، ولذلك فأنا في اعتقادي أن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية وما ذكره ابن قدامة محمول على هذا المحمل من النية الطيبة، فيما لو كان شخص الدائن يتنازل عن بعض دينه لله أو لأي سبيل من السبل، وهذا ما ذهب إليه المالكية عند حلول الأجل وغير ذلك، أما أن يكون واضحًا أن الرجل محتاج عنده مبلغ خصم كمبيالة بمائة ألف ريال وليس هناك شخص يأخذه بهذا المبلغ والبنك يفرض عليه فرضًا، يقول: خذ ستين ألف ريال، ويقول أنا أبرأت ذمتك، فهل يمكن أن نعتبر هذا وسيلة مشروعة ووسيلة شرعية تقرر في هذا المجمع الموقر؟.
جانب آخر، أن خصم الكمبيالة أساسًا لا يدخل لا في الإبراء ولا في ضع وتعجل، لماذا؟ لأنه ليس بين الدائن والمدين، خصم الكمبيالة بين الدائن وبين شخص ثالث أو طرف ثالث أو شخصية معنوية ثالثة وهي البنك، فلذلك ليس فيها لا إبراء ولا ضع وتعجل فلا يمكن تكييف خصم الكمبيالة لا على الإبراء ولا على نظرة إلى ميسرة ولا قضية وضع وأنه يكون له الأجر، وإنما في مسألة أن رجلًا يأخذ النسبة المحددة على هذا الدين، هذا ما أردت أن أذكره لحضراتكم، وجزاكم الله خيرًا، وشكرًا.
الرئيس:
أحب أن أسأل الشيخ محيي الدين. هل تعرف أحدًا صحح حديث المقداد؟ أنت ذكرت أنه يتعذر الجمع بين حديث المقداد وحديث ابن عباس، فهل تذكر لنا أحدًا صحح حديث المقداد؟
الدكتور علي محيي الدين القره داغي:
في المذهب الصحيح، لا أعرف
الرئيس:
إذن طالما أنك لا تعرف أحدًا صحح حديث المقداد، فالعلماء فيما نعلم في حكم المتفقين على تضعيفه، فمعناه لا تعارض.
стр. 10376
الشيخ محمد المختار السلامي:
بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أقدر لفضيلة الشيخ القاضي تقي الدين العثماني هذا التقديم الجيد الممتاز، والذي كان فيه أمينًا في نقل ما جاء به من أفكار إخواننا الذين كتبوا في هذا الموضوع، وأردت أن أضيف إضافات:
أولًا: ما عبر عنه الرهن بالذمة السائلة، نعود إلى أصل الرهن ولماذا الرهن؟ الرهن هو: توثق الدائن بأن المدين يدفع له عند الأجل ما هو بذمته وهذا التوثق قد كان لا يحصل إلا بالقبض الفعلي وأنه إذا خرج القبض الفعلي استطاع المدين أن يفوت في الرهن دون أن يعلم الدائن، تطور حضاري دخل للعالم كله أثره، هو أنه أصبح الإنسان قبضه للشيء في كثير من الأشياء لا يمكنه من التفويت فيها، فالإنسان يسكن دارًا ولا يستطيع أن يفوت فيها لأن التفويت في البيت إنما يقع بواسطة العقد، السيارة لا يستطيع أن يبيعها لأن السيارة لا تباع إلا بعقد، إلا بوثيقة، فأصبح المهم الذي يوثق هو العقد، ولذلك يقع الرهن على العقد ويقع التسجيل على البطاقة الرمادية للسيارة أنها لا تباع، وهذا ما وضحه مولانا الشيخ الطاهر ابن عاشور رحمة الله عليه في تفسير التحرير والتنوير، إن الناس اليوم يستعيضون عن القرض بقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أو أن القبض في وقتنا هو القبض للوثائق الملفتة للملكية، هذا هو تأكيد لأنه الأولى لكل ما هو موثق بوثيقة.
أنا علقت تعليقًا بسيطًا على قصة أبي حدرد لمَّا قال ﷺ وأشار بأن ضع وتعجل في أن اختياره كحجة خاصة على قضية خاصة فيه مقال، وأعتقد أنه على أصل الصلح لأنه لم يرد في الحديث التفصيلات الكافية حتى نقيس، وهذا لا أعلمه من أي وجه للقياس التي يمكن الاعتماد عليها.
ثالثًا، كفاني الأستاذ القره داغي الكثير مما كنت أريد أن أقول، لكن بقيت أشياء لابد من الزيادة أو الإضافة فيها، لابد من التفرقة بين الشرط وبين الطوع، فما كان شرطًا فمعنى ذلك فيه مباحة من الطرفين وأنه هناك فرض إرادة من طرف على طرف آخر، وما كان طوعًا فإنه يجوز لأن لكل شخص أن يتطوع، وهذا مما يفضي إلى زيادة الالتحام بين المؤمنين بينما الشرط هو دائمًا وأبدًا يمضي بالعكس لأن كل شخص يريد أن يحقق رغبته وينفذ إرادته، فقياس ما كان شيئًا شرطيًّا على ما كان طوعيًّا ما أدري كيف يمكن للقائس أن يقيس الأشياء المتناقضة؟
стр. 10377
الدكتور الصديق محمد الأمين الضرير:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أوافق الأستاذ القاضي تقي العثماني على كل ما جاء في ورقته القيمة، ولكن لي بعض الملاحظات وعدم موافقة واحدة في جزئية وسأبدأ بالموضوعات التي ذكرها وحددها وهي موضوعات أربعة:
أولًا: الرهن السائل، أوافقه في جوازه، وهو معروف عندنا في السودان لكن لا نسميه بهذا الاسم، فالبنوك عندما تبيع سيارة مثلًا أو منزلًا لشخص آخر إلى أجل بالتقسيط، ترهن هذه السيارة أو المنزل، ويسجل على أنه رهن لصالح البنك مع وجود السيارة في يد المشتري ووجود المنزل في يد المشتري أيضًا ينتفع به، وهذا التسجيل يكفي ويعتبر قبضًا وقد أذن البنك الدائن للمدين بالانتفاع بهذا الرهن، فهذا أمر عملي وواقع، لكن لي بعض الملاحظات في الاستدلال، وهو ما جاء عند الكلام عن الرهن كأداة من أدوات التوثيق، فهو كما يقول الأستاذ العثماني: وإن إمساك المبيع في يد البائع يمكن أن يتصور بطريقتين: الأول، أن يكون على أساس حبس المبيع لاستيفاء الثمن، وهذه استبعدها وأنا معه في هذا واضح، والثاني، أن يكون بطريق الرهن، وقال: والفرق بين الصورتين أن المبيع المحبوس عند البائع مضمون عليه بالثمن، وهذا لا خلاف فيه، فلو هلك المبيع وهو محبوس عنده ينفسخ البيع – هذا على حسب أنه يقرر مذهب الحنفية في هذا – ولا يكون مضمونًا عليه في قيمته السوقية، أما في الرهن، وهذا موضع مخالفتي، لو هلك عند البائع من غير تعد منه لا ينفسخ البيع بل يهلك من مال المشتري – وهو يقرر في مذهب الحنفية – هذا مخالف لقواعد مذهب الحنفية في الرهن، الرهن إذا هلك في يد الدائن يهلك بالأقل من قيمته ومن الدين, وهذه قاعدة معروفة، وعلى الرغم من أن الأستاذ العثماني أتى بنقل عن ابن عابدين، وقد يفهم منه هذا الفهم، ولكني أيضًا توقفت فيه، لأنه مخالف للقاعدة المعروفة وهي قاعدة مشهورة، فهو لا يهلك بالثمن عند الحنفية مطلقًا ما دام اعتبرناه رهنًا، وكون المرهون هو المبيع، هذا لا يغير من الأمر شيئًا فهذه نقطة تحتاج إلى تحقيق.
стр. 10378
الموضوع الثاني: وهو خصم الكمبيالة، أيضًا، أوافقه في القول بالمنع، وهذا واضح، ولي تعليقان على هذا: أولًا، في قوله: وإن خصم الكمبيالة بهذا الشكل غير جائز شرعًا، وهذا لا كلام فيه، الكلام هنا في التعليق، إما لكونه بيع الدين من غير من عليه الدين أو لأنه من قبيل بيع النقود بالنقود متفاضلة ومؤجلة. التعليل الثاني مقبول وهو من قبيل بيع النقود بالنقود متفاضلة، لأنه يبيع المائة بثمانين على أن يقبضها مائة عند حلول الأجل، وهذا يكفي للمنع، أما العبارة الأولى، لكونه بيع الدين من غير من عليه الدين، هذه تحتاج إلى تفصيل. الكمبيالة هي تدخل في بيع الدين من غير من عليه الدين بالنقد، لأن بيع الدين إما أن يكون بالدين، وإما أن يكون بالنقد، وفي الحالين إما أن يكون ممن عليه الدين أو يكون من غير من عليه الدين.
فالصورة التي أمامنا هي من قبيل بيع الدين بالنقد لغير من عليه الدين، لأنه يبيع المائة وهذه المائة دين عليه هو يبيعها بثمانين للبنك وهو غير من عليه الدين، فالموضوع فيه إشكال في الواقع ليس واضحًا في هذه الجزئية، ولعل هذا ما حمل الأستاذ الزرقا على طلب الكلمة، ففي رأيي هذا التعليل الأخير هو الواضح وينطبق على هذه المسألة لأن صاحب الكمبيالة يبيع المائة للبنك بثمانين على أن يقبضها مائة عند حلول الأجل.
النقطة المهمة في هذا هو المخرج الذي قدمه لنا الأستاذ العثماني، وأنا أخالفه فيه كل المخالفة، وهذه حيلة لخصم الكمبيالة، وحتى لو نظرنا فيها فهي لا تجوز، والأستاذ جعلها إجارة وكالة بأجر يعني إجارة وقرض، وقال: إن هذين العقدين كل واحد منهما جائز، فإذا اجتمعا جازا، لا، أولًا اجتماع الأجر والقرض لا يجوز بنص الحديث " لا يصح سلف وبيع " ومثل البيع الإجارة فلا يصح أن يجتمع هذان العقدان.
стр. 10379
نأتي إلى الموضوع الثالث وهو " ضع وتعجل " أما هذا فأنا مع الأستاذ العثماني في كل ما قاله، وعلى الرغم مما سمعناه من تجويز بعض أئمة الحديث لحديث " ضع وتعجل " فإن رأيي لم يتغير في هذا الموضوع فهو لا يزال محل شك، صححه بعضهم وضعفه بعضهم، وأريد أن أضيف إلى الدليل الذي ذكره الأستاذ العثماني من رواية الإمام مالك حيث قال: قال مالك: والأمر المكروه الذي لا اختلاف فيه عندنا – والمكروه هنا معناه ممنوع – أن يكون للرجل على الرجل الدين إلى أجل فيضع عنه الطالب ويعجله المطلوب. قال مالك: وذلك عندنا أن يكون للرجل على الرجل الدين إلى أجل فيضع عنه الطالب ويعجله المطلوب في حقه، قال: هذا الربا بعينه لا شك فيه. هذه الرواية تعجل هذا من قبيل إجماع أهل المدينة. هذا التعبير عند الإمام مالك: الأمر المكروه الذي لا اختلاف فيه عندنا، وإجماع أهل المدينة يلحقه بعضهم بالحديث، بل يجعله أقوى من حديث الآحاد " ألف عن ألف خير من واحد عن واحد "، فهذا يقوي رأي من يقول: وهو نص على أن المعقول أيضًا يؤيد المنع. وقد أعجبني ما قدم به الشيخ العثماني حديثه من أنه لا يرى من المناسب العمل بهذه الفتوى في البيع بالتقسيط ولا في المرابحات التي تجريها البنوك الإسلامية، وهذا ما أفتت به هيئة الرقابة الشرعية في السودان، فلو أبحنا لهم هذا فقد يتخذوه ذريعة للوصول إلى الممنوع. البنوك ممنوعون من أن يتعاقدوا إلى أجل، فإذا حل الأجل ليس لهم بعد ذلك أن يؤخروا ويزيدوا، فإذا علموا أن لهم أن يعجلوا ويحطوا، قد يتفقون مع الزبائن بدل ما يؤجل إلى سنة يؤجل إلى سنتين وسيضاعف الربح إن كان عشرة في المائة إلى سنة سيجعله عشرين في المائة إلى سنتين ويقول له: إذا جئت في أي وقت أحط عنك، فهذا يؤول إلى أنه وصل إلى الزيادة بعد حلول الأجل بطريق آخر، ولذلك أنا أرى مع الأستاذ العثماني ألَّا نفتح هذا الباب خصوصًا في بيع المرابحة، وبيع المرابحة تعرفون ما فيه حتى من غير هذا الباب، فينبغي أن يقفل قفلًا محكمًا.
стр. 10380
الموضوع الأخير، موضوع أثر موت المدين في الدين، وموضوع خراب الذمة. أنا في رأيي أن هذا الموضوع ليس من قبيل خراب الذمة، هذا الموضوع يتعلق بالميراث، الحقوق التي تورث، والحقوق التي لا تورث، الحقوق الشخصية هذه لاتورث، الحقوق المالية وأوضح مثال لها الذي يذكره الفقهاء، هو هذا: حق المدين في تأجيل الدين، فبعضهم اعتبره حقًّا شخصيًّا يعني اعتبروا هذا فيه الشبهين، هو صحيح فيه الشبهان: حقٌّ شخصي لأن الإنسان لا يقرض بأجل أو لا يبيع بأجل لكل شخص لأنه ينتقي مهما كان، فهذا الشبه الشخصي، والشبه المالي أن البيع بأجل فيه زيادة، فالذين غلبوا جانب الخط الشخصي قالوا يحل بموت المدين، لأن الدائن إنما أجله من أجل هذا المدين ولو كان الورثة هم الذين جاءوا أول مرة لكي يشتروا منه لم يبع لهم بالتأجيل، الحنابلة هم الذين راعوا أنه حق مالي، قالوا: يورث بدون قيد أو شرط. فرأي الحنابلة هو الرأي المقبول عندي لأنه راعى الحالتين: راعى الجانب الشخصي، وراعى الجانب المالي، فقال: إن هذا الحق يورث إذا وثق برهن أو كفيل، وهذا هو ما يطلبه الدائن، الدائن قد يكون وثق في ذمة المدين، والمدين مات، فالآن حل محله أناس آخرون لا يثق في ذمتهم، إذا وثقوه برهن أو كفيل فقد انتفى المحذور فلا يحل وينتظر إلى الأجل لأنه كان مراعى فيه الثمن، إذا لم يوثقوه يحل. وهذا ما أردت قوله وشكرًا.
стр. 10381
الدكتور سامي حسن حمود:
بسم الله الرحمن الرحيم.
موضوع التقسيط كان بسيطًا فأصبح مبسوطًا، فالبيع بالتقسيط تعاملنا به من قبل قرار المجمع، وقرار المجمع واضح ونتعامل به في حياتنا اليومية باستمرار، ولكن يبدو لي أن الهوامش التي أثيرت على جانب هذا البيع المعتبر أكثر حاجة إلى التعليق من ذات العقد.
بيع التقسيط في فلسفته الاقتصادية من الناحية العقلية، والعقل عندما يكون مستنيرًا بنور الله يصل إلى عتبات الشرع ويلتقي مع الشرع. التقسيط هو: بيع زاد فيه هامش الربح باعتبار أن الثمن مؤجل بحيث أنه لو كان الثمن نقدًا فباستطاعة التاجر " البائع " بهذا الثمن المقبوض أن يشتري السلعة ويعيد بيعها مرات ومرات، فتأجيل الثمن أدى إلى زيادة هامش الربح، وهذا سعر مقابل سلعة، ولا حاجة لمزيد بعد ذلك، أما ربطه في موضوع خصم الكمبيالات فالأمر يختلف لأن الكمبيالة في تعريفها القانوني: تعهد المدين للدائن بدفع مبلغ معين في تاريخ محدد. فموضوعنا هنا نقد يشترى بقيته سواء قلنا بشراء الدين أو بإقراض مقابله بقيمة أقل فهو نقد بنقد ليس فيه مساواة مماثلة ولا يدًا بيد فخرج عن القبول الشرعي وأصبح من الربا، وهذا أيضًا أمر واضح، ولكن المؤسف أن موضوع بيع الدين فيه مداخل، يقال بيع الدين عنوان، فيقال: إن كل بيع جائز أن يجري عليه البيع ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ، ولكن ما هو الدين؟ الدين الذي يباع هو الدين الذي تنطبق عليه شروط البيع إطلاقًا، أما القول بالنقد بأنه يباع ليس لأنه من النقدين ذهبًا وفضة أو لأنه ليس مكيلًا أو موزونًا فإن هذا الرأي موجود في الفقه الحنفي قديمًا وفي فقه الإمامية أيضا بأن شرط تحقق الربا هو في المكيل والموزون والذهب والفضة باعتبارها من الموزونات، ولذلك قيل قديمًا حتَّى عند الحنفية إن المعدودات لا تعتبر من الربا، فلما ظهر النقد وأصبح يُعدُّ عدًّا ولا يوزن وزنًا ظهرت بعض الآراء تقول بأن الدينار أو الريال المعدود بالريالين ليس من الربا ونقض ذلك رأسًا باعتبار أن الأصل هو في موضوع النقود ليست شكلها وإنما معيار الثمنية فيها، وهذا ما أوضحه بشكل جلي مذهب الإمام مالك، وإن كان الرأي الضعيف، ولكن اعتبار الثمنية باصطلاح الناس، فهذا الورق الذي اصطلحوا عليه أن يحل محل الذهب والفضة هو معتبر، وهو كذلك رأي عند الإمام أحمد في مذهب الإمام أحمد.
стр. 10382
بالنسبة لأهل الفقه الإمامي تمسك بعضهم في صلب المذهب بأنه ليس مكيلًا أو موزونًا ومن ذلك ما ذكره الإمام محمد باقر الصدر رحمه الله تعالى في كتابه " البنك اللاربوي في الإسلام " فقال: لو أنا أعطينا مائة دينار عراقي بمائة وعشرين لأجل لمدة شهرين فإن هذا يعتبر بيعًا لأنه ليس مكيلًا ولا موزونًا. ﵀ هذا رأيه ولكن هناك لم تخف المسألة على الإمامية أيضًا، فقد ذكر الشيخ محمد جواد مغنية في كتابه " فقه الإمام جعفر الصادق " ما يرد على هذا الرأي ويقول: إذا لم تكن هذه النقود التي تناولها هي النقود بمعناها الشرعي، فكيف تستحل بها الفروج ونحن ندفعها مهورًا في زواجنا؟ وكيف ندفع عنها الزكاة، وهي أموال؟ فهذه آراء يجب – ونحن الآن في طور التجمع والتلاقي الفكري – أن نحكم منطق الشرع وروحه ولا نعود لآراء انتفى عهد الاختلاف على الأقل فيها.
من هذه الشبهات كذلك، في الباكستان عندما أرادوا تحديث أو أسلمة المعاملات المصرفية أخذوا قياسات غريبة، وأقولها للعلم، مثلًا قالوا في المرابحة: زيادة هامش الربح يسمى زيادة فوقية (MARK AAP) فلماذا لا يكون بعد أن يتم البيع، في بيع التقسيط، ويحرر بثمنه كمبيالة طالما أن أصل العملية بيع فنعمل بها حطيطة أو تنزيلًا (MARK DAOIN) لكن الحطيطة في التنازل في الديون إذا كان الدائن يسامح المدين من حقه أن يبرئه بكل الدين والمسامح كريم، أو بجزء منه ولو كان منظورًا فيه أن هذه المسامحة ما كانت لتكون لولا أن المدين قام بدفع الدين قبل موعد الاستحقاق، طالما العلاقة ثنائية، ولكن عندما تصبح العلاقة ثلاثية هنا يدخل الربا الحرام، عندما يأتي البنك يأخذ الكمبيالة بقيمتها الاسمية المائة ويدفع بها لصاحب الاستحقاق فيها تسعين فهو يشتري المائة بتسعين ثم يعود على المدين بالمائة كاملة ليس فيها إبراء وليس فيها تنازل ولكنها فيها تجارة بالحرام، تجارة بشراء المائة بتسعين وهذا هو الربا المنهي عنه.
هناك نقطة في بيع التقسيط تشتبه على بعض ما سمعته من تعليقات بالخلط، لا أقصد الخلط بمعنى الخلط الفكري، إنما خلط المصطلحات بمعنى البيع بالتقسيط أن أبيع وآخذ الثمن أقساطًا، فالملكية للمبيع انتقلت من البائع إلى المشتري وأصبح مالكًا وبين ما يسمى في الاصطلاح الغربي الشراء الإيجاري (HIRPIR TSHIZ) أنه هو يبرأ وكأنه أخذ السلعة كمستأجر لها فإذا سدد الأقساط المتفق عليها في الموعد فإنه يصبح مالكًا في النتيجة. هذا أمر آخر كالسيارة مثلًا يأخذها إيجارًا ابتداء فإذا استعملها مدة وأعادها ولم يتم دفع الأقساط فيحسب عليه أجرة الاستعمال خلال فترة الاستعمال، هذا عقد جدير بالتمييز والنظر فيه ولا اعتراض عليه في نظري المتواضع من الناحية الشرعية لكن ينظر إليه بمقياس الإيجار الذي فيه مواعدة على التمليك في نهاية مدة العقد، وشكرًا لكم.
стр. 10383
الدكتور علي أحمد السالوس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.
إن عملية خصم الكمبيالة تخضع لقانون، لا بد عند الحكم الشرعي، أن ينظر إلى القانون الذي يسير عليه البنك حتى نستطيع أن نعطي الحكم الشرعي. فخصم الكمبيالة كما بينه العلامة الدكتور السنهوري في الوسيط قرض بفائدة مع رهن الورقة التجارية. إذن الورقة التجارية هذه بمثابة رهن، ولذلك البنك بعد أن تظهر له الكمبيالة إذا حل الموعد ولم يحصل الكمبيالة عاد مرة أخرى على من ظهر له الكمبيالة وطالبه بالمبلغ كاملًا وبما يأتي من فوائد جديدة، بمعنى أن من باع هذه الكمبيالة وأعطى هذه الكمبيالة إذا تأخر في السداد مدة أخرى زادت الفوائد المركبة. إذن هنا لا يمكن إطلاقًا تصحيح خصم الكمبيالة.
ما تفضل به فضيلة الشيخ تقي، هذا يمكن بالنسبة لتحصيل الكمبيالة لو وجدنا بنكًا يحصل الكمبيالة ويأخذ أجرًا مقابل التحصيل ثم يقرض قرضًا حسنًا، وهذا لا يكون إلا إذا حدث في بنوك إسلامية، إنما البنوك الربوية لا تفعل هذا ولا تستطيع أن تفعل هذا لأنها محددة بفوائد قانونية يحميها القانون، وفي كثير من البلاد يلزمها القانون إذن خصم الكمبيالة: قرض ربوي برهن هذه الورقة التجارية ولا يمكن تخريجها أي تخريج آخر.
نرجو بالنسبة لما ننتهي إليه في المجمع ألا نعود بإبطاله مرة أخرى لأن معنى هذا أننا سنعود للمناقشة من جديد، مثال هذا ما انتهينا إليه هنا من أن الأوراق النقدية نقد قائم بذاته، له ما للذهب والفضة من الأحكام، وأنه لا يجوز التفاضل بين هذه النقود مع الجنس الواحد، ولا يجوز عدم التقابض، وأن أي عدم تقابض يعتبر من ربا النسيئة. فإثارة هذا الموضوع والقول بأن الخصم يجوز ما دام ليس ذهبًا ولا فضة وإنما نقود ورقية وأنه يمكن أن نبيع نقدًا بنقد آخر وهذا فيه أجل لأن الكمبيالة مؤجلة والنقد الآخر حال، إذن ليس فيه تقابض لذلك ما أشار إليه بعض الإخوة من أن النقود كذا وكذا ... هذا تحدثنا عنه طويلًا في جلسات سابقة، فلسنا في حاجة إلى أن نعود مرة أخرى إلى الحديث عن هذه الموضوع، وإنما نقول هنا: استقر رأي المجمع على كذا، إذن هذا لا ينقض.
стр. 10384
الآمر الآخر، بالنسبة " لضع وتعجل " أحب أن أضيف للذين بينوا في حديث " ضعوا وتعجلوا " إلى جانب الذهبي أيضًا الحافظ ابن كثير، ثم الاحتجاج ليس بالحديث الضعيف الآخر، وإنما الاحتجاج بأنه هذا له حقه فإذا لم يكن متنازلًا وإما أجبر على هذا حتى يأخذ حقه، فكيف يجوز هذا؟ ثم وجدنا الذين بينوا مثل ابن قدامة يقول: ما الفرق بين أن أقول أخر ولك كذا أو قدم وخذ كذا. إذن معنى هذا أن ربط الزمن في النقود أخذًا وعطاءً اعتبره سادتنا الفقهاء غير جائز كما بين فضيلة الشيخ الأستاذ الصديق الضرير، ما قاله الإمام مالك والخبر الذي قال بأن الإمام الشافعي وافق الراوي الذي ضعفه غيره، الإمام الشافعي لم يأخذ بالخبر، والإمام الشافعي لا يبيح ضع وتعجل، توثيقه لا يعني تصحيح الحديث، وفتح باب ضع وتعجل كما بين الشيخ الصديق الضرير سيفتح بابًا كبيرًا وبالذات في مجال البنوك الإسلامية.
نقطة مهمة، أرجو أن ننظر إلى الواقع العملي وهو حلول الدين بالأجل، فقهاؤنا السابقون عندما تحدثوا عن حلول الدين لم يكن عندهم بيوت تباع لمدة عشرين أو ثلاثين سنة، بيت يساوي مائة ألف يباع بثلاثمائة ألف لأنه على عشرين سنة، لم يكن هذا موجودًا من قبل، وإنما كان تأجيل لفترات قصيرة، البيت الآن عندما مات صاحبه وهو مؤجر وأجرته تكفي بالأقساط المطلوبة وزيادة، لو جئنا الآن وطالبنا بالمبلغ كاملًا لاضطررنا إلى بيع البيت وفعلًا وجدت في بعض العقود بأنه إذا مات المتعاقد فيحل الدين فيباع البيت وإن لم يكف البيت يعود البنك على ورثته فيأخذ من التركة. إذن هنا بيت قائم والمقصود هنا هو ضمان الحق، فضمان الحق برهن قليل أو كثير هذا موجود والعين نفسها موجودة والورثة يسكنون في البيت ويؤجرون جزءًا منه، والإيجار يكفي لدفع الأقساط، فنقول لهم لا، لابد أن نبيع البيت، والبيت لا يكفي فنأخذ من باقي التركة. هذه النقطة أرجو أن ننظر إليها في الواقع العملي، ولا شك أن رأى الحنابلة – ولم يكن في وقتهم ما هو في وقتنا – لعله أرجح الآراء التي نأخذ بها.
وأكتفي بهذا القدر. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
стр. 10385
الشيخ أحمد بزيع الياسين:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد،
الواضح من إجراء معاملات خصم الكمبيالات في البنوك بأنها من قبيل القرض بفائدة وأن الكمبيالة عندما يضعها البنك في صندوقه أو في خزينته يعتبرها كرهن بدليل إذا استحقت ولم يدفع المدين يعيد البنك قيد المبلغ على من خصم الكمبيالة لديه وتبقى الفائدة التي خصمها على الدائن كما هي، فهو في الحقيقة قرض بفائدة.
بالنسبة لضع وتعجل، هناك إذا لم يشترط المدين بالوفاء، إذا أوفى كامل القيمة ولم يشترط بأن يضع الدائن عنه من دينه، السؤال هنا هل يجوز للدائن من تلقاء نفسه أن يضع شيئًا من الدين له؟ هذا السؤال أوجهه إلى فضيلة الشيخ تقي الدين العثماني.
وشكرًا.
حجة الإسلام محمد علي التسخيري:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أرجو أن يصبر عَلَيَّ السيد الرئيس قليلًا لأني لم أتحدث البارحة تمامًا هناك نقاط أرجو أن أركز عليها أو يلاحظها المجمع في مسيرته، بعضها منهجي وبعضها يتعلق بالموضوع بخصوصه.
الرئيس:
فضيلة الشيخ، مع المعذرة، أي شيء يتعلق بخطوات المجمع المنهجية وما إلى ذلك، قصدي أن الأمانة العامة موجودة على مدار العام فأنا الذي أرجو أن تعرفوا أننا جميعًا إخوة متلاحمون بعضنا مكمل للآخر، وأي إنسان عنده رأي أو وجهة نظر، نحن لا نمانع منها ولكنه يجب عليه أن يقدمها مكتوبة إلى الأمانة العامة للمجمع. والذي أرجوه من أصحاب الفضيلة الذين يطلبون الكلمة أن تكون في صلب الموضوع وألَّا تخرج عنه وأن نختصر عنه وأن نختصر بقدر الإمكان حتى نتمكن من استيعاب جميع الطالبين للكلمة، وأرجو أن يكون هذا الطلب محل قبول.
стр. 10386
حجة الإسلام محمد علي التسخيري:
أمر السيد الرئيس في أعناقنا، أنا لا أريد أن أتحدث عن منهج الأمانة ولا منهج المجمع، نحن نتحدث عن منهج إسلامي في مسائلنا. نحن بالخصوص، في هذه المسألة وفي المسائل السابقة التي مضت بنينا أحكامًا على قواعد وأصول أرى أنه لم ينقح معناها بعد، ومن الطبيعي أنه في أي نقاش أن تنقح الأصول المشتركة فيها والمعنى. أضرب مثالًا فقط ثم أعبر من قبيل لا تبع ما ليس عندك، هل هذا النهي عن كل ما لا يقع تحت الملكية؟ أو هو نهي عن بيع الأعيان الشخصية المملوكة للآخرين فلا يشمل مثلًا البيع بالصفر، الكلي في الذمة هو البيع في الصفر، أبيعك كليًّا في ذمتي على أن أحقق لك مصداقة بعد ذلك، هل هذا النهي نهي معلل حتى إذا اطمأننا من عدم ترتب المحذور ارتفع النهي وعاد نهيًا تنزيهيًّا كما يقول العلامة ابن رشد وأشار له الشيخ عبد الله بن بيه وكذلك من قبيل مسألة النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، هل نستند إلى هذا النص رغم ضعف سنده؟ هل يجبره عمل الأصحاب؟ هل نفسره بالمنع من بيع الدين بالدين؟ هذه أصول يجب أن توضح لدينا حتى نبني عليها أحكامنا. إذا كان كذلك فما معنى بيع الدين بالدين؟ هل المراد منه هو بيع دين قائم بدين قائم، ولا يشمل بيع دين بشيء حال يبدأ من الآن بدين يبدأ من الآن، أو لا بيع دينين، دين على هذا ودين على هذا؟ هل يمكن مسألة دفع الثمن نقدًا في بيع السلم؟ هل يمكن تأخيره إلى ثلاثة أيام عند الاشتراط وإلى أكثر من هذا إذا لم يشترط؟. ثم إن حصر البيع بالنسيئة والسلم والنقدي أو هناك شق رابع في هذا المعنى؟.
هذه أصول يبدو أنها لم تتوضح لدينا حتى نبني عليها بناءات أخرى. أعتقد أن هناك الكثير من الأمثلة التي يمكننا أن نذكرها. ينبغي إما لكل باحث أو للمجمع أن ينقح المقصود من هذه الأصول لأننا نمثل بها في طول مسيرتنا. يجب أن تتوضح حتى لا نعود للنقاش من جديد في مفهوم هذه الأصول.
стр. 10387
شيء آخر أقوله بكل إخلاص يا سيدي الرئيس، الحقيقة نحن هنا نريد أن نصل إلى الإفتاء وإلى الدليل الشرعي، ألاحظ فيما نستند، يكفينا أن يكون هناك إمام قال بهذا الرأي يكفينا أن يكون هناك رأي للحنفية أو رأي للإمامية ولا أريد أن أفرق، ليس هذا هو الأمر الصحيح، الصحيح أن نرجع إلى أصولنا ثم نقوي آراءنا بالكتاب والسنة الشريفة ثم نقوي آراءنا برأي هذا العالم ورأي هذا الإمام ورأي هذا الاتجاه الواسع من العلماء، هذا هو الصحيح حتى نستطيع أن نصل، أما أن نقبل رأيًا، وأرجو أن يعفوني الأستاذ السيد الرئيس لكل فقيه أن يقول وصلت إلى هذا الاطمئنان، والاطمئنان حجة ممن قول العالم الفلاني، لكن نحن لانتحدث عن الاطمئنان الشخصي، هناك اطمئنان جماعي نريد من هذا المجمع، هذا الاطمئنان لا يتم إلَّا عبر المنهج الذي يفرض نفسه على الجميع، وهو الرجوع إلى الأصول الأولى، ونتقوى بآراء المذاهب، نتقوى بآراء العلماء ولهم احترامهم وهم جميعًا على رؤوسنا، هذه نقطة.
مسألة قياس ضع وتعجل على الربا، أعتقد أنه قياس مع الفارق. أولًا ليست لدينا قاعدة وأن لا نستطيع أن نقول هناك خبر أو هناك نص يرفض أن يعوض الزمن بأي حال من الأحوال، ليس لدينا نص حتى نستيطع أن نقول كل مصداق لهذا العام يجب أن يرفض، نعم يمكننا أن نقيس حط وتعجل على الربا، لا يشمله مفهوم الربا كما هو الواضح في المسألة العرفية، الربا فيه زيادة ولا يشمل هذا المعنى، الأصل فيه أن يكون مباحًا لأنه حالة طبيعية يتنازل فيها دائن عن شيء لقاء حصوله على شيء آخر. هل هناك مانع من هذا التنازل؟ لا أجد مانعًا، على الأقل الحديثان متعارضان وإن كنتم رجحتم حديث ابن عباس، فإذا كان ليس هناك مانع من تحقق الأصل لدينا، لماذا نغلق هذا الباب؟ إن كانت هناك تطبيقات خاطئة، وما أكثر التطبيقات الخاطئة، هناك الكثيرون ادعوا الألوهية، هناك الكثير ادعوا النبوة، التطبيقات الخاطئة لا تمنعنا من قول الحق ومن الاتجاه إلى القول الحق.
стр. 10388
مسألة مهمة، مسألة أشرتم لها وهي مسألة الإمام الصادق، وأنتم أردتم أن تشيروا لهذا المعنى بكل وضوح. الحقيقة، يا سيدي الرئيس، في قلب نزف من دم، أنا أرى أن النقص والعيب في الفريقين معًا، يعني أعتقد أن على كل فقهاء الشيعة عندما يستنبطون أن يلاحظوا كل الأحاديث الواردة من غير كتبهم، فإذا ثبت لهم سند طبق معاييرهم في ثبوت السند، ولهم معايير دقيقة يا سيدي الرئيس وقوية وأذكر بأن كتاب " الكافي " الذي ينسبه البعض إلى الشيعة بأنه كل أحاديثه صحيحة رد عليه بعض علمائنا أكثر من ثلثي أحاديثه. إذن علينا، على علماء الشيعة، أن يدرسوه، وعلى علماء السنة أن يدرسوا أحاديث أهل البيت، فإذا ثبت لديهم السند ورأوا أناسًا في الطريق صادقين وحقيقيين، لماذا لا يعملون برأي الإمام الصادق الذي يقول: أنا أنقل عن أبي وأبي عن جدي وجدي عن رسول الله. هذه القطيعة الحديثية يجب أن تنتهي حتى نستطيع أن نصل إلى لغة مشتركة.
شيء آخر ألاحظه – طبعًا هذه أمور سريعة في الموضوع – مسألة اشتراط المقرض على المقترض أن يبقي عنده مبلغًا لمدة معينة أن يقرضه. أقرضك شيئًا على أن تقرضني شيئًا. أراه رغم أنها مخالفة لأستاذي الكبير الشهيد الصادق أراها مشمولة لقاعدة كل قرض جر نفعًا فهو ربا ولذلك لا أستطيع أن أقبل هذا الحل في مسألة البنوك الإسلامية رغم احترامي الكبير لهذا الرجل الكبير.
الشيء الآخر، مسألة الرهن السائل، الحقيقة الرهن السائل يحقق مقصوده كما أشار شيخنا الضرير باعتبار أن وثائقه مرهونة، ليكن البيت عند هذا الصاحب، لتكن السيارة عند هذا الرجل، لكن وثائقه مرهونة أما إذا انتفت هذه الوثائق المرهونة، فالرهن هنا لا يؤدي دورًا ولذلك ربما وقع الإشكال في هذا المعنى، ليس الأمر يتعلق بالاتفاق بين شخص وشخص، إذا كان الاتفاق شخصيًّا فمعناه أن الرهن انتفى، وهو يسلمه هذه السيارة بيده، انتفت مسألة الوثائقية.
بقيت نقطة واحدة، هي مسألة خصم الكمبيالة، صحيح أن الواقع الذي جرى اليوم واقع ربوي، لا أريد أن أبرره مطلقًا وأرفضه مطلقًا، ولكن نحن نريد أن نقول لبنك إسلامي يريد أن يعمل في الساحة: يمكنك أن تقدم الخدمات التالية فتوازي بها البنوك الربوية، وخصم الكمبيالة نوجهه بشكل طبيعي شرعي يمكنه أني يؤدي به هذه الخدمة، لماذا نغلق الباب تمامًا؟ وشكرًا جزيلًا.
стр. 10389
الرئيس:
ترفع الجلسة لاستراحة عشرين دقيقة ثم نعود إن شاء الله تعالى.
(بعد الاستراحة)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
نعود إلى موضوعنا " البيع بالتقسيط " – بعد هذه الاستراحة القصيرة – وأعطي الكلمة للشيخ محمد سالم.
الشيخ محمد سالم عبد الودود:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كنت أريد أن أزيد إيضاحات قليلة حول بعض الموضوعات التي تعرض لها العارض وبعض من عارضه، منها: إنهم يقولون إن بيع الدين من غير من هو عليه لا يجوز، وإطلاق هذا الموضوع مخالف لما عندنا من أنه يجوز بيع الدين من غير من هو عليه ولكن بشروط: أولًا: أن يكون الدين مما يباع قبل قبضه بخلاف طعام المعاوضة، وأن يكون القصد من البيع ليس إعنات المدين فلا يباع دين على رجل ممن بينه وبينه عداوة أو شحناء. ثانيًا: ألَّا يكون العوضان مما يمنع بينهما الفضل أو النساء فلا يباع دين النقد بالنقد ولا يباع الربوي مطلقًا بالربوي متفاضلًا أو نسيئة. ثالثًا: أن يكون المدين حاضرًا مقرًّا فلا يباع دين على غائب لأننا لا نعرف حال ذمته ولا يباع دين على منكر لأنه بيع ما فيه خصومة ففيه نوع من الغرر. هذه إيضاحات حول شروط بيع الدين من غير من هو عليه.
عندنا قضية ضع وتعجل، هذه عند المالكية من قبيل سلف بزيادة لأن المعجل لما في الذمة مسلف وكذلك المؤخر بما في الذمة مسلف، فإذا كان لرجل على آخر مائة دينار حالة لا بأس أن يضع من هذا، هذا حسن اقتضاء، أما إذا كانت مؤجلة فإذا وضع من هذا إنه قد يكون أسلفه خمسين على أن يقبض بدلها مائة في المستقبل من نفسه ويقابله عندنا ما يسمى بحط الضمان وأزيدك لأن المؤخر بما في ذمتي مسلف، وعندنا قبض الرهن وعدم قبض الرهن إنما يؤثر في حال موت الراهن أو فلسه، ما دام الراهن موجودًا حيًّا عامر الذمة فإن عدم قبض الرهن لا يؤثر على صحة العلاقة بين الدائن والمدين. وعندنا مسألة خراب الذمة بالموت هذه كنت أود أن أتحدث عنها ولكن الإخوان كفوني مؤنة الحديث عنها بما في المذهب الحنبلي من أن الذمة إذا خربت وخلفتها ذمة عامرة برهن ثقة أو بحميل ثقة فإن حق المدين يبقى موفورًا محميًّا. وهذا قد يعوض عمارة ذمة المدين المتوفى بما يكفل حق الدائن. هذه أمور تكميلية فقط. وأما قضية دين كعب بن مالك على عبد الله بن أبي حدرد، هذه ليست من قضية ضع وتعجل لأن الدين كان حالًّا. كعب بن مالك استقضى دينه من ابن أبي حدرد بعد الحلول، فأشار رسول الله ﷺ عليه بما يفهم منه أنه يحط النصف ويقضيه ابن أبي حدرد، قال: قم فاقضيه، فهذا ليس من مقولة ضع وتعجل لأن الدين حال، وهو صلح وهو حسن قضاء وهو حسن اقتضاء من ابن أبي حدرد ولا يمكن أن يدرج في مفهوم قضية ضع وتعجل. شكرًا.
стр. 10390
الدكتور سعود بن مسعد الثبتي:
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
لا يتجاوز كلامي الآن أن يكون تثنية على كلمات سبقت من الإخوة الأجلاء والعلماء الفضلاء، ولذلك وبناء على توجيه المجمع الاختصار قدر الإمكان، أحب أن ألخص الكليمات فيما سأقوله في نقاط محدودة.
أولًا: تعجيل الدين: تعجيل الدين إما أن يكون من المدين إلى الدائن، وهذا يظهر أن فيه أدلة خاصة كما أن فيه القياس على زيادة الثمن لأجل التأخير، أو لزيادة الثمن لأجل المدة الزمنية الزائدة والفرق بين الثمن الحال والثمن المؤجل، فكذلك إذا أراد أن يؤدي شيئًا من الدين الذي ثبت في ذمته جزءًا منه فلا أرى في ذلك بأسًا أخذا بمقتضى القياس في ذلك.
أما ما يتعلق بخصم الكمبيالة، في الحقيقة هذا يعتبر لشخص ثالث، فإما أن يكون خصم الكمبيالة بنفس جنس الدين، وهذا يجتمع فيه ربا الفضل وربا النسيئة، وإما أن يكون – كما اقترح بعض الإخوة – بغير الجنس، وهذا فيه ربا النسيئة، وهذا يسمَّى احتيالًا على الربا المحرم شرعًا.
أما فيما يتعلق بقبض المرهون، ففي الحقيقة أن القول الذي طرح ويتفق مع مذهب المالكية وسمي بالرهن السائل، هذا لا شك في صحته، إن شاء الله، لأنه ينطبق على اصطلاح أو على قاعدة القبض الحكمي. والقبض الحكمي قد اتخذ المجمع في دورات سابقة قرارًا بجوازه حتى في الأشياء الربوية بالنقد. بيع النقد بالنقد إذا حصل القبض الحكمي بالشيك أو بالقيد في الحساب، فقد اتخذ الجمع الموقر قرارًا سابقًا في هذا، ولا يرى في ذلك بأسًا. لكن يبقى قضية ما يتعلق بتسجيل الرهن. ذكر الإخوة أن تسجيل الرهن يعتبر قبضًا حكميًا، وهذا إن شاء الله يتماشى مع القواعد الصحيحة ومع فتوى المجمع السابقة في اعتبار القبض الحكمي في هذا، لكن يوجد من البيوع ومن الأعيان ما ليس له تسجيل في المحاكم الشرعية أو في وثائق رسمية فمثلًا بعض البيوت عندنا في المملكة وفي غيرها تباع وتشترى وليست لها صكوك شرعية ولا وثائق رسمية يمكن أن تسجل عليها، كما أن رهن الأعيان الأخرى كالأدوات أو بعض الأشياء التي لا يجري التعامل فيها بالقيد في وثائق رسمية، هذه تحتاج إلى اتخاذ قرار خاص فيها يتعلق بكيفية قبضها حكميًّا في الرهن.
أما حلول الدين وما يتعلق بخراب الذمة، فيظهر أن الإخوة سبقوني في الكلام عن هذا الموضوع وإن الذمة لا تخرب وإنما ذكر كثير من الفقهاء أنها تتلاشى شيئًا فشيئًا ويتعلق بها الدين، ولذلك قال النبي ﷺ : نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه.
وكما تفضل الدكتور على السالوس، واقع المعاصرة الآن أن الثمن قد يزاد ضعف إلى ضعفين على الثمن حالًّا فلو خربت الذمة أو قلنا بخراب الذمة وأن الدين يحل بهذا لأصبح الذي يطلب من الأشخاص المدينين أو من انتقل إليهم الملك يتجاوز الثمن الفعلي بأضعاف كثيرة، وقد لا يستطيعون أن يسددوا هذا الدين. وجزاكم الله خيرًا. وشكرًا.
стр. 10391
الدكتور عبد الله محمد عبد الله:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
شكرًا سيادة الرئيس. في الواقع، في البحث الذي تقدم به القاضي تقي العثماني لفت نظري أنه تكلم في مسألة وإن كانت ليست من صلب مسألة البيع بالتقسيط، وإنما هي من توابعها، كمسائل كثيرة ذكرت تبعًا للمسألة الأصلية " بيع التقسيط: وهي مسألة التعويض عن ضرر المطل، واستغرق في البحث من صفحة ٣١ إلى ٤٢ وعرض حلولًا، من هذه الحلول التي جاءت في أول كلامه وهي معاقبة هذا المماطل، ونقصد بالمماطل هنا المماطل الموسر لا المعسر، هي معاقبته بمنع التسهيلات المصرفية في المستقبل عنه، والعقوبة الأخرى هي التعزير لبعض العقوبات، ثم استبعد هاتين العقوبتين. أما العقوبة الأولى بقوله: إن المصارف لا تتبع أسلوبًا معينًا واحدًا، وأما التعزيرات فقال: إنها تحتاج إلى محاكم سريعة وهي غير موجودة. ثم ناقش فكرة بعض العلماء الذين قالوا بإلزام المماطل بأداء عوض مالي عن الضرر الفعلي، ثم ناقش هذا الرأي ورد عليه واستبعده، ثم انتهى في النهاية إلى اقتراح قال: إنه قد يصلح لأن يكون حلًّا لهذه المعضلة، وهي أن تلزم المصارف عند القرض بإلزامه بأن يلتزم بأداء مبلغ يتبرع به إلى الجهات الخيرية. وأعتقد أن هذا الأخير أبعد عن الواقع لأنه إذا كان مماطلًا في أداء الدين الذي عليه فكيف يلتزم بأداء تبرعات، ثم من يكون له حق المطالبة بأداء هذا التبرع؟ وما صفة البنك في المطالبة بأداء هذا التبرع إذا كان لجهة خيرية أخرى؟. ولهذا أرى أن الاقتراح الذي اقترحه في أول كلامه، وهو كما جاء في الحديث الصحيح " ليُّ الواجد ظلم يحل عقوبته وماله" فهذه العقوبة تشمل فيما تشمل العقوبة المالية، وهو قد استبعد فكرة العقوبة المالية بقوله: بأنه لم يجد أن المماطلين الذين وجدوا منذ عهد رسول الله ﷺ إلى يومنا عوقبوا ماليًّا ولم يقل أحد من العلماء بعقوبتهم ماليًّا، العقوبة المالية موجودة وأنا قرأت في كتب الفقه حرمان القاتل من الميراث، هذا الحرمان هو عقوبة مالية، وإنما الخلاف هل يجوز للمبلغ المقضي به على هذا المماطل أن يدفع إلى صاحب الدين أم لا؟ هذه مسألة استنبطتها من حرمان القاتل من الميراث ثم صرف نصيبه من الميراث إلى ورثته بأنه يجوز أن يصرف هذا المبلغ إلى صاحب الدين. وشكرًا.
стр. 10392
الدكتور حسن عبد الله الأمين:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام الهدى وخاتم الأنبياء والمرسلين، وبعد،
لا بد لي أن أثني كل الثناء على العرض الممتاز والسرد الجميل الذي طرح به الأخ الفاضل الأستاذ القاضي تقي العثماني هذا الموضوع الهام. ولي على هذا الأمر حديث في نقطتين: الأولى تتعلق بتخريج الكمبيالة على أساس أنها مركبة من عمليتين مختلفتين كل منهما جائزة كما شرح الأخ، الأولى أنها وكالة بأجر، والثانية أنها قرض حسن للمستفيد من الكمبيالة الذي وكل البنك على التحصيل بالأجر. والواقع أن هذا التكييف الذي يبدو في الظاهر مقبولًا، هو في الواقع لا يمثل حقيقة القضية، إذ أن الأمر الثاني الذي هو قضية القرض الحسن يتوقف على عملية الوكالة بالأجر ويرتبط بها ارتباطًا عضويًّا. فالمعاملتان تمثِّلان معاملة واحدة لا تنفك أحدهما عن الأخرى، صحيح أننا لو نظرنا لكل عملية منفصلة عن الأخرى فهي سليمة لكن هذا الترابط وهذا التداخل وهذا التوظف من إحدى العمليتين على الأخرى لا يجعلهما منفصلتين ولكن يجعلهما عملية واحدة، فهذه العملية الواحدة لا تغير من الأمر، أمر أن هذه المسألة وهي تحصيل الكمبيالة أو خصم الكمبيالة على الأصح عملية قرض بفائدة.
النقطة الثانية: الحقيقة سبقني إلى الحديث عنها الأخ الشيخ التسخيري فيما يتعلق بالحبوة التي ذكرها السيد الصادق في كتابه " البنك اللاربوي " هذه المسألة مسألة أنه يأتي بمقدار الفائدة مبلغًا يوضع لدى البنك فترة من الزمن يستفيد منه فائدة تساوي مقدار هذه الفائدة التي كان يخصمها مباشرة هي عملية واضحة في أنها نفي ويمثل زيادة على القرض الذي أقرضه إياه، فهو قرض جر نفعًا، وهو قرض يمثل زيادة على أصل المبلغ، وهو ربا في نفس الوقت. ومن هذا يتضح أن العملية في المسألتين لا تخرج عن كونها قرضًا بفائدة ربوية محرمة. وشكرًا جزيلًا.
стр. 10393
الدكتور عبد السلام داود العبادي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إذا سمح لي الإخوة الكرام، لي بعض التعليقات البسيطة فيما يتعلق بموضوع الرهن وبالذات ما سمي بالرهن السائل أو الرهن الثابت. حقيقة هذا الموضوع تمت معالجته في القانون المدني الأردني المأخوذ من مبادئ الفقه الإسلامي والتي تبنته عدد من الدول العربية والإسلامية تحت عنوان " الرهن التأميني " وميز بين رهنين: الرهن التأميني والرهن الحيازي. الرهن الحيازي الذي يكون فيه قبض، والرهن التأميني هو الذي يغني عن القبض فيه واعتبر حكميًّا كما عبر بعض الإخوة بوضع إشارة على سجل أمور محددة وهي الآن لا تعدو أن تكون: العقارات والسيارات لأن هذه فيها عند السلطة التنفيذية لها سجلات موجودة محفوظة معرفة فيها الأرض والسيارة بكامل تفصيلاتها. فبدلًا أن تتم عملية التخلية بالنسبة للعقار يسجل على صفحة العقار في دائرة السجل العقاري أن هذه الأرض مرهونة ضمانًا لحق فلان، وتفصيلات الدين وكل ما يتعلق بها موجودة على ظهر السجل لهذا العقار. فلذلك لا مجال في الواقع للوقوف عند هذه القضية ومحاولة معالجتها لأنها قضية واضحة وهي عبارة عن تطوير في عملية القبض. لذلك حتى تعبير الثابت هنا والسائل وقع هذا نموًّا في أدوات التوثيق بعد أن أصبح لهذه الأشياء سجلات خاصة، فبدل أن نقوم بعملية القبض الفعلي أو القبض الحكمي القائم على التخلية، أصبح تسجيلًا أن هذا رهن، خاصة أن السلطة التنفيذية بالتعاون مع السلطة القضائية هي التي تنفذ في النهاية عملية البيع لسداد الدين فيما إذا عجز المدين عن السداد. فلذلك – في ظني – أن هذه القضية يحسن أن لا نقف عندها طويلًا لأنها من الوضوح بمكان.
فيما يتعلق بموضوع خصم الكمبيالة، أنا في رأيي، أنها من هذا القبيل. القضية بتت وقتلت بحثًا والذين يتبنون مثل هذه العمليات هم يقولون أنها قرض، فنحن يمكن أن نبحث في وسيلة المعالجة وليس في إعادة تكييف العملية، وسيلة المعالجة لا يمكن معالجتها ما دام أننا في إطار القرض إلا أن نقول بالقرض الحسن، لكن مقابل قيام البنك بجهد في التحصيل فليستحق أجرة على هذا الجهد، ليس مبلغًا منسوبًا لقيمة الكمبيالة، لأن الجهد الذي يبذل لتحصيل ألف هو نفس الجهد الذي يبذل لتحصيل عشرة آلاف وخمسة وعشرين ألفًا وهكذا. فلذلك البنوك الإسلامية التي لجأت إلى خصم الكمبيالات أخذتها على أسلوب القرض الحسن وتأخذ أجرة تحصيل مبلغًا مقطوعًا كخدمة للزبائن لا تختلف باختلاف المبالغ المرصودة في هذه الكمبيالة.
стр. 10394
الأمر الثالث فيما يتعلق بضع وتعجل. أرجو أن ننتبه باستمرار لعملية التطور والمدخلات الجديدة التي تدخل على الوقائع والتي تقتضي إعادة النظر فيما صدر من فتاوى على ضوء ما حدث من مستجدات، يعني هل غيرت طبيعة الواقعة أم ما زالت الواقعة هي هي حتى يظل الحكم هو هو؟ في ظني أن موضوع الفقهاء الذين قالوا بضع وتعجل جوازًا الأمر بات الآن في هذه الظروف المعاصرة هناك نقطة يجب أن نلحظها، الذين قالوا بذلك لم يشيروا إلى أن العملية مشروطة مسبقًا، يعني هذه عملية لاحقة عندما يريد أن يسدد يمكن أن تكون هنالك عملية تنزيل جزء من الدين وعلى أساس أن يسدد كامل الدين، فهي اتفاق تم في فترة لاحقة. مشكلتنا الآن بعد استشراء عمليات البيوع بالتقسيط وقيام بيوع المرابحة في البنوك الإسلامية. إذا أصبحت هذه قاعدة مسلمة معروفة أنه إذا سدد مبكرًا خصم له جزء من العملية رسخنا مفهوم الفائدة الربوية، هذا الذي يجب أن ننتبه إليه. لذلك فقهاؤنا المعاصرون إذا أراد البنك دون اشتراط مسبق ودون أن يكون معروفًا عرفًا مستقرًّا، لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا، جاءه أحد المدينين وقال له أنا ظروفي الاقتصادية لا تسمح بأن أدفع كامل المبلغ، خذ هذا المبلغ الآن وأعجل لك في ما في ذمتي من ديون وتنزل لي جزءًا منه وفعل ذلك البنك، لا حرج في هذا ويكون ضمن قاعدة ضع وتعجل، لكن أن يصبح هذا تقليدًا راسخًا وثابتًا في المؤسسة المصرفية الإسلامية بحيث أن أي شخص يقوم بالدفع المبكر تنزل عنه كل النسب التي أضيفت على المدة سابقًا، فنحن قد دخلنا في دائرة الحرام. لذلك يجب أن نأخذ بقاعدة ضع وتعجل ونرجح رأي الفقهاء، لكن على ألا يكون ذلك التزامًا معروفًا مستقرًّا، وتحديدًا مسبقًا يعرفه المدينون باستمرار، لأنه لم يقل أحد من الفقهاء أن ضع هنا لها نسبة، لكن نخشى إذا أطلقنا القول، أن ضع هنا ستصبح لها نسبة، وهي نسبة الزيادة التي تمت على المبلغ ملاحظة للمدة. شكرًا.
стр. 10395
الشيخ محمد المختار السلامي:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الذمة عرفها ابن عاصم في بيت وفق فيه فقال:
والشرح للذمة وصف قاما
يقبل الالتزام والإلزاما
فالذمة وهو وصف قدره الشارع حقيقي وهو ليس ذاتًا يقبل الالتزام يلتزم ويلزمه غيره، ولذلك لا يتعلق المعين المحدد ذات هذه القضية بالذمة ولكن يتعلق بها المحددات ولا تتعلق بها الكليات لأن الكليات اعتبارية، وعندما فهمت مما فهمت، فالكلي حسب ما يعرفه أهل صناعته هو ما لا يمنع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، ولما أخذت الكلي وقلت إن هذا هو مذهب أفلاطوني لأن أفلاطون هو الذي يرى أن الحقائق هي للكليات الذهنية وليست للجزئيات الواقعة في الخارج، ومذهبه تبين تساقطه وعدم صحته، وما استطاع العالم أن يتقدم إلا بعد أن تخلى عن قضية الكلي واعتنى بالجزئي واعتنى بالواقع الذي هو أساس الفلسفة الإسلامية من أنها فلسفة واقعية، لأن الكليات معروفة وهي الجنس والنوع والخاصة والفصل، وما تقع ذمة في الجنس والنوع والخاصة والفصل وإنما هي تقع في شيء محدد يضبطه الطرفان فيلزم به أحدهما الآخر.
الأمر الثاني، ونحن دائمًا وأبدًا مع الذمة لما كانت الوصف قام: يقبل الالتزام والإلزام وتترتب عليه أحكام شرعية، أي أن لإنسان إذا كانت في ذمته دين فهو ملزم بقضائه، وإذا لم يقضه فإنه قد وقع في حرام إذا كان موسرًا، فوجود الذمة هي يتبعها أحكام شرعية معروفة، فإذا قلنا إنها تتعلق بالميت فأنا لم أستطع أن أفهم كيف تكون الذمة وأن تكون للميت ذمة، وما وقع من قوله ﷺ : " نفس المؤمن معلقة بدينه " ومن عدم صلاته ﷺ على من كان عليه دين، هذه قضايا أخروية وليست هي قضايا دنيوية، ونحن نتحدث ها هنا في مجمعنا هذا عن القضايا وعن الحقوق ونظرة إلى الشرع الإسلامي لهذه الحقوق، أما الحديث المروي على ما فيه من صحة سنده " ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته " لم يرد فيما أعلم " ليُّ الواجد يحل عرضه وماله" فكلمة مال ما علمت وما وجدت، قد يكون موجودًا ولكن لا أعرفها. ثم ما وقع من قياس حرمان القاتل إلزام بالدفع على حرمان القاتل، القياس معروف أنواعه، فهذا لا يصير حتى من قياس الشبه، هو أبعد من قياس الشبه، وهو عودة إلى المناسب المرسل، والمناسب المرسل لابد أن يكون ظاهرًا منضبطًا، وها هنا ليس له ظهور ولا انضباط، ووقع حرمان القاتل، لأن الذي أعلم به الفقهاء: من استعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه، هذه علة من العلل، فإذا أخذنا أن هذه العلة هي التي تستفاد من قوله ﷺ : ((القاتل لا يرث)) فهي ثابتة إذن هي العقوبة المالية، فأعتقد أن هذا القياس هو قياس، في نظري، غير مقبول شرعًا، وهو أن يقاس الإلزام بالدفع على حرمان القاتل من الميراث، شكرًا.
стр. 10396
القاضي محمد تقي العثماني:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وأصحابه أجمعين.
الواقع أن النقاط التي أثيرت في هذا النقاش كنت أريد أن أتحدث عن كثير منها ولكن حفاظًا على الوقت أقتصر على نقاط ثلاث.
أولًا، فقد ذكر كثير من الإخوة ومنهم الأستاذ القره داغي والشيخ حسن عبد الله الأمين وغيرهما أني كيَّفت خصم الكمبيالة على أساس معاملتين مستقلتين، ولعله وقع هناك بعض الإساءة في التعبير مني في البحث، والحقيقة أن ما ذكرته من معاملتين مستقلتين ليس تكييفًا لما يقع في البنوك الربوية اليوم، وإني قد صرحت بكل صراحة أن خصم الكمبيالة على ما يجري في البنوك والمصارف الربوية اليوم هو حرام لا سبيل إلى القول بجوازه، ولكني أتيت بتكييف آخر كبديل، يعني إذا أرادت المصارف الإسلامية والبنوك الإسلامية أن تأخذ بديلًا عن هذه المعاملة فيمكن تغيير هذه المعاملة إلى هذا الشكل، فأما ما يقع اليوم فهو حرام لا شبهة فيه وأنه ربا لا شبهة فيه، وقد ذكرت ذلك غير مرة، فمن نسب إليَّ أني أتيت بتكييف جديد لخصم الكمبيالة فهو غير ما قصدته وأردته ولعل ذلك وقع من سوء التعبير، وسأصلح ذلك التعبير إن شاء الله. والمراد ما هو بديل خصم الكمبيالة، فأردت لذلك الآتي: أن تكون عن طريق معاملتين مستقلتين. أما ما ذكره بعض الإخوة أن هاتين المعاملتين ليستا مستقلتين ومنفصلتين عن الآخر وأنهما حيلة لجواز خصم الكمبيالة، أفلا ترون أن المرابحة للآمر بالشراء وأن التأجير المنتهي بالتمليك. جميع هذه العقود ينطبق عليها هذا الاعتراض تمامًا، وهذه حيل شرعية ولكن ما دامت في حدود شرعية وفي حدود الفقه الإسلامي فإنها اعتبرت واتخذت كبديل للمعاملات الربوية، وإن التأجير المنتهي بالتمليك قد أقره المجمع مع أن هناك معاملتين: معاملة تأجير، ومعاملة هبة، ولكنه أقره المجمع وأقره فضيلة الشيخ الصديق الضرير حفظه الله تعالى وجميع الإخوة الذين تكلموا حول هذا البديل.
стр. 10397
النقطة الثانية تتعلق بمسألة ضع وتعجل، وقد ذكر أن مسألة ضع وتعجل في حديث بني النضير قد صححه الحاكم وأنه قد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى صحيح ولكني تحدثت عن ناحية أخرى وهي أننا لو سلمنا بصحة هذا الحديث ولا شك أن واقعة بني النضير وقعت حينما وقعت في السنة الثانية من الهجرة وأن الربا لم يحرم في ذلك الزمان فكانت تلك الواقعة قبل تحريم الربا.
وهناك ناحية أخرى ذكرتها وهي ولإن سُلِّم بصحة هذا الحديث فإن هناك احتمالًا وهو أن ما وضعه رسول الله ﷺ لم يكن من رأس المال إنما وضع القدر الزائد من رأس المال وقد أيدته بروايات للواقدي.
كما أن هناك ناحية أخرى ذكرتها وقد نبه عليها الدكتور عبد السلام العبادي وهو أننا متى استخدمنا مبدأ ضع وتعجل في البنوك الإسلامية لم يبق هناك أي فارق بين المعاملات الربوية وبين المرابحات والبيوع المؤجلة التي تجريها المصارف الإسلامية، فينبغي أن نبعد هذا الموضوع كل الإبعاد عن المصارف الإسلامية لتضمن صحة المعاملة.
والنقطة الأخيرة أثارها الشيخ عبد الله حفظ الله في مسألة التعويض، وقد ذكرت في مقدمة كلامي أن مسألة التعويض قد فرغ منها في الدورة السابقة فلا مجال للنقاش فيها من جديد فإنها قد أقرت وقد اتخذ فيها القرار، وأما ما جئت به كبديل فهو أنه يمكن أن يلتزم بالتبرع وأن الالتزام بالتبرع عن المماطل – كما اعترض عليه الشيخ عبد الله – كيف يلتزم بالتبرع وهو مماطل؟ فنفس الاعتراض يعود على التعويض ولكن إذا كان هذا الالتزام ملزمًا قضائيًا كما اقترحته وأتيت له بشواهد من مذهب الإمام مالك ﵀، فحينئذ يلزم قضاء بهذا التبرع. وأرجو أن تكون في هذه النقاط الثلاثة كفاية عن معظم ما قيل من قبل الإخوان. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 10398
الرئيس:
نعتذر عن بقية الكلمات نظرًا لتجاوز الوقت.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
في هذا الموضوع " بيع التقسيط " الذي حصل البحث فيه في محاوره الأربعة: مسألة توثيق الدين، ومسألة ضع وتعجل، ومسألة حلول الدين بوفاة المدين، وحسم الكمبيالات. وسمعتم ما دار فيها من مداولات وهي بحمد الله متقاربة والتفاوت في أجزاء يسيرة منها، وقد ترون مناسبًا أن تتألف اللجنة من المشايخ: الشيخ نزيه، والشيخ محيي الدين، والشيخ سعود الثبيتي، والأستاذ رفيق المصري، والأستاذ أنس الزرقاء.
وبهذا ترفع الجلسة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 10399
القرار
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه.
قرار رقم: ٦٦/٢/٧
بشأن
البيع بالتقسيط
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذي القعدة ١٤١٢هـ الموافق ٩ – ١٤ مايو ١٩٩٢م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجممع بخصوص موضوع: " البيع بالتقسيط ".
وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.
قرر:
١- البيع بالتقسيط جحائز شرعاً، ولو زاد فيه الثمن المؤجل على المعجل.
٢- الأوراق التجارية (الشيكات – السندات لأمر – سندات السحب) من أنواع التوثيق المشروع للدين بالكتابة.
٣- إن حسم (خصم) الأوراق التجارية غير جائز شرعًا، لأنه يؤول إلى ربا النسيئة المحرم.
٤- الحطيطة من الدين المؤجل، لأجل تعجيله، سواء أكانت بطلب الدائن أو المدين، (ضع وتعجل) جائزة شرعًا، لا تدخل في الربا المحرم إذا لم تكن بناء على اتفاق مسبق. وما دامت العلاقة بين الدائن والمدين ثنائية. فإذا دخل بينهما طرف ثالث لم تجز، لأنها تأخذ عندئذٍ حكم حسم الأوراق التجارية.
٥- يجوز اتفاق المتداينين على حلول سائر الأقساط عند امتناع المدين عن وفاء أي قسط من الأقساط المستحقة عليه ما لم يكن معسرًا.
٦- إذا اعتبر الدين حالًّا لموت المدين أو إفلاسه أو مماطلته، فيجوز في جميع هذه الحالات الحط منه للتعجيل بالتراضي.
٧- ضابط الإعسار الذي يوجب الإنظار: ألَّا يكون للمدين مال زائد عن حوائجه الأصلية يفي بدينه نقداً أو عيناً.
والله أعلم.
стр. 10400
عقد الاستصناع
ومدى أهميته في
الاستثمارات الإسلامية المعاصرة
إعداد
فضيلة الشيخ مصطفي أحمد الزرقاء
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذا البحث يدور على محورين:
المحور الأول: عقد الاستصناع في ذاته: حقيقته ومشروعيته وضرورته، واختلاف المذاهب والآراء الفقهية فيه، وهل هو مستقل له خصائصه. أو ملحق بأحد العقود المعروفة التقليدية، وتعريفه وتكييفه، وآثاره وما إلى ذلك بصورة إجمالية تؤدي الغاية من بحث يقدم في دورة اجتماع البنوك الإسلامية، دون تغلغل في الأحكام الفرعية، وتفصيل في الآراء والأدلة مما محله الكتب.
المحور الثاني: هو مدى أهمية عقد الاستصناع في الاستثمارات الإسلامية المعاصرة، وماذا يلبي من الاحتياجات الزمنية ويفتح من أبواب للاستثمارات الإسلامية كانت تضيق عنها العقود الأخرى غير عقد الاستصناع الذي تميز بخصائص عما يشابهه من العقود وهي: الإجارة، والسلم، والبيع المطلق (العادي) .
وسنتكلم في ما يلي في هذين المحورين بهذا الترتيب، متقيدين بهذا الإجمال الذي أشرنا إليه بحسب طبيعة المجال الذي يقدم فيه هذا البحث.