← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 10571–10610 · переход к 10576.

стр. 10571

المطلب الثالث صور أخرى في هذا الموطن أثار علماء المالكية عدة صور تتعلق بموضوع بحثنا بينوها ووضحوا حكمها، وهي: الصورة الأولى: أن يجد صانعا يصنع شيئا من مادة يملكها، فقال له: (أكمله لي على صفة كذا بدينار) . وهي مسألة (وتور ليكمل) (١) . ففي هذه الصورة: نجد أن المادة المصنعة ملك للصانع. وأن الصانع بدأ في تصنيعها. وأن المشتري رأي ما يصنعه في المرحلة الأولى. ثم طلب المشتري من البائع أن يكملها له، وحدد الصفة الخاصة التي يبتغيها، وحدد الثمن لهذا الشيء والمصنع. ففي هذه الصورة وقع العقد على المصنوع على وجه السلم، ولم يدخل المعمول منه في ملك المشتري. حكمها: يرى المالكية جواز هذا البيع، ولكن بشرط أن يشرع الصانع في تكميله بالفعل أو بعد أيام قلائل، كخمسة عشر يوما فأقل، وإن لم يشرع في تكميله خلال هذه المدة منع هذا البيع، لما فيه من بيع معين يتأخر قبضه. وكذلك يشترط أن يكون عند الصانع نفس المادة المصنعة – كالنحاس مثلا – بحيث إذا لم يأت المصنوع على الصفة المطلوبة كسره وأعاده، وكمله مما عنده من النحاس، فإن كان الشيء لا يمكن إعادته كالثياب. فقد قال اللخمي: في مسألة شراء الثوب على أن يتم له نسجه إن مثل ذلك الثوب يشترط صبغه، وشراء العود على أن يعمله له تابوتا، هذا كله لا يجوز، لأنه مما يختلف خروجه، ولا يمكن أن يعاد لهيئته الأولى. قال: فأما إن كان هذا المشتري المعين إذا شط على بائعه أن يعمله لا يختلف صفته إذا صنع فإنه جائز، قال وذلك كالذي يشتري القمح على أن يطحنه بائعه والزيتون على أن يعصره فيأخذ منه كيلا معلوما، وكذلك الثوب على أن يخيطه فهذا كله جائز. وقال: لو لم يسلم في الغزل على أن ينسج، واشتراه على أنه إن خرج على ما وصفه أخذه ونقد الثمن، وإن خرج على غير ذلك كان لبائعه جاز. اهـ. انظر على هذا بالنسبة إلى الحرار يكون الثوب بيده يعمله فيشتريه منه التاجر على أن يكمله له على هذا المأخذ.

стр. 10572

تكييف المذهب لهذه الصورة: اختلف علماء المذهب في تكييف هذه الصورة، هل هي من باب اجتماع البيع مع الإجارة – باعتبار أن المادة المصنعة من عند البائع – أو من باب السلم باعتبار عدم وجود الشيء المصنوع وقت التعاقد؟ فقد اختلف علماء المالكية في ذلك إلى رأيين: الرأي الأول: يرى أن هذه الصورة من باب اجتماع البيع والإجارة وذلك يجوز وهذا الرأي هو ما نص عليه في الشرح الكبير للدردير، تبعا لابن الحاجب والتوضيح (١) . أما أنها من باب البيع، فلأن السلعة المطلوب تضيعها موجودة حال التعاقد، وقد تعاقد مع صاحبها على صنعها. وأما أنها من باب الإجارة، فلأنه قد تعاقد مع صاحب السلعة على أن يتم تصنيعها شيئا معينا من هذه المادة. فقد اجتمع في العقد بيع وإجارة، ويجوز عند المالكية اجتماع عقد البيع مع الإجارة. الرأي الثاني: يرى أنها من باب السلم فتجوز أيضا: وهذا الرأي يتمشى مع رأي أشهب الذي يجوز في السلم تعيين المصنوع منه والصانع، وفي هذه الصورة عين المصنوع منه – فقط – أي المادة المصنعة التي اشتراها من البائع. أما أنها من باب السلم، فلأنه (السلعة المصنعة) ، والتي جرى التعاقد عليها معدومة حال العقد، إذ الموجود فقط مادتها لدى البائع، ولكن ما جرى عليه التعاقد هو (إبريق أو طشت أو غيرهما) مما يصنع من هذه المادة، فالإبريق وما ماثله معدوم حال التعاقد. يقول صاحب الشرح الكبير: " وإطلاق السلم على هذا الشراء مجاز وإنما هو بيع معين يشترط فيه الشروع ولو حكما، فهو من أفراد " وإن اشترى المعمول منه واستأجره جاز إن شرع، ويضمنه مشتريه بالعقد وإنما يضمنه بائعة ضمان الصناع (٢) . وقد منع ابن القاسم: - في السلم تعيين المعمول منه لأن من شروط السلم أن يكون – المسلم فيه دينا (في الذمة) فإذا تعين المعمول منه، لا يكون حينئذ دينا، ومن ثم لا يصح سلما لعدم توافر شرطه وبناء على رأيه تكون بيعا أي مع إجارة – كما تقدم -.

стр. 10573

النتيجة: بناء على ما تقدم تكون هذه الصورة جائزة عند المالكية، سواء اعتبرت بيعا وإجارة، أو اعتبرت سلما .... وقد قدمنا الشروط اللازم توافرها. الصورة الثانية: أن يشتري المعمول منه من البائع، ثم يستأجره حال العقد على عمله أو صناعته شيئا معينا، آنيه أو سيوفا أو غيرهما .... ففي هذه الصورة: اشترى مادة معينة من صاحبها، وملكها. ثم استأجر المشتري البائع على صنعها شيئا معينا على أن يتم ذلك الاستئجار حال التعاقد على بيعها. ففي هذه الصورة وقع العقد فيها على المعمول منه على وجه البيع، وملكه المشتري ثم استأجره حال العقد على عمله، وهذه الصورة فيها حالتان: الأولى: أن يعين العامل. الثانية: ألا يعين العامل. حكم هاتين الصورتين: نص المذهب على صحة العقد في الصورتين – بشرط أن يشرع في العمل، ولو حكما، كتأخيره نصف شهر. جاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقي (وأما إن اشترى المعمول منه) وعينه، ودخل في ضمانه (واستأجره) بعد ذلك على عجلة (جاز، إن شرع) في العمل، ولو حكما، كتأخيره نصف شهر (عين العامل أم لا) . قوله: (وإن اشترى المعمول منه ....) يعني أنه إذا اشترى منه حديدا ... معينا، واستأجره على أن يعمل له منه سيفا بدينار، فإن ذلك جائز، سواء شرط تعجيل النقد أم لا، لأنه من باب اجتماع البيع والإجارة في الشيء، وهو جائز، وسواء كان العامل معينا أم لا، بشرط أن يشرع في العمل. وفهم من قوله: (واستأجره) أنه لو استأجر غير البائع لجاز من غير قيد الشروع، قوله: (وإن اشترى المعمول منه ...) إلخ، الفرق بين هذه والتي قلبها، وهو قوله (وتور ليكمل) أن العقد فيما قبلها وقع على المصنوع على وجه السلم، ولم يدخل المعمول منه في ملك المشتري، وهذه وقع العقد فيها على المعمول منه على وجه البيع وملكه المشتري، ثم استأجره حال العقد على عمله، وهذه الثانية هي مسألة ابن رشد، والتي قبلها مسألة المدونة. ففي الأولى أربعة أحوال وهي تعيين المعمول منه، والعامل وعدم تعيينهما، وتعيين الأول دون الثاني، والعكس، صحة العقد في حالة وفساده في ثلاث (١) . وفي الثانية: حالتان فقط: أن يعين العامل أو لا يعين، والعقد صحيح فيهما)

стр. 10574

رأي المذهب الشافعي في التعاقد (استصناعا) أو سلما على الأشياء التي يراد تصنيعها نبين فيما يلي رأي المذهب الشافعي في هذا النوع من التعاقد، والذي يرد على سلعة – غير موجودة – وهي سلعة لا توجد إلا بصنعة يقوم بها البائع في العين التي تتخذ منها هذه السلعة. وقد علم لدينا مما تقدم أن مذهب الحنفية يجيز عقد الاستصناع، ويلزمنا هنا أن نبين رأي المذهب الشافعي في هذا العقد. كما أنه يلزمنا أن نبين رأي هذا المذهب في التعاقد عن طريق عقد السلم على عين تصنع، ثم تسلم عند حلول الأجل الذي اتفق المتعاقدان عليه في عقد السلم. المطلب الأول رأي المذهب الشافعي في عقد الاستصناع نص المذهب الشافعي على أن " عقد الاستصناع " لا يجوز، لأن المستصنع فيه مبيع وهو معدوم، وبيع المعدوم لا يجوز لنهيه ﷺ (عن بيع ما ليس عند الإنسان) . وأيضا لأن هذا البيع هو في حكم بيع العين، ولو كان موجودا غير مملوك للعاقد لم يجز بيعه، فكذلك إذا كان معدوما بل أولى. وقد سبق إيضاح ذلك (١) . وقد جاء في الأم، قال (الشافعي) . ((قال) ولو شرط أن يعمل له طستا من نحاس وحديد، أو نحاس ورصاص، لم يجز لأنهما لا يخلصان فيعرف قدر كل واحد منهما، وليس هذا كالصبغ في الثوب، لأن الصبغ في ثوبه زينة، لا يغيره أن تضبط صفته، وهذا زيادة في نفس الشيء المصنوع. (قال) وهكذا كل ما استصنع) .

стр. 10575

المطلب الثاني رأي المذهب الشافعي في التعاقد (سلما) على أشياء تصنع نظرا لأن عقد (الاستصناع) لا يجوز عند الشافعية، كما بينا آنفا، ونظرًا لأن بعض صور الاستصناع قد وردت عندهم في عقد السلم، مع الاختلاف بين العقدين في أحكامهما، فإنني أورد هذه الصور، وأبين حكمها عند الشافعية حتى تتضح رؤية المذهب في سد حاجات الناس فيما يرغبون التعاقد عليه من سلع يرغبون في صنعها لهم، مع النص مقدما على أنها تخضع لأحكام عقد السلم عندهم، صحة وفسادًا. إذا تتبعنا ما ورد من الصور في المذهب الشافعي لبعض السلع التي يراد شراؤها إذا صنعت – عن طريق عقد السلم – نجد أنهم يفرقون في الحكم بين السلع التي تصنع من شيء واحد، وبين السلع التي تصنع من أكثر من شيء، وبين الأشياء المختلطة خلقة، وبين الأشياء المختلطة صنعة .... وأورد فيما يلي هذه الصورة وحكمها: أولًا – الأشياء المصنعة من مادة واحدة. في التعاقد سلما على شيء مصنع من مادة واحدة: فرق المذهب في الحكم بين المصبوبة في قالب أو المضروبة، وبين المعمولة بآلة فأجاز السلم في الأولى دون الثانية: فقالوا: (لا يصح السَّلَم في مختلف أجزاؤه كبرمه من نحو حجر – معمولة – أي محفورة بالآلة، واحترز بها عما صب منها في قالب وهذا قيد أيضا فيما بعدها – من كوز، وطس (طشت) وأباريق، وحباب (الزير) ونشاب ونحوها لعدم انضباطها باختلاف أجزائها) . (قال الأشموني) والمذهب جواز السلم في الأواني المتخذة من الفخار – ولعله محمول على غير ما مر أي من المعمولة. (ويصحُّ السلم في الأشكال المربعة لعدم اختلافها، والمدورة كالمربعة، كما صرح به سليم في التقريب، وقال الأوزاعي أنه الصواب، واقتضاه كلام الشيخ أبي حامد، بل صحح في كل ما لا يختلف من ذلك، مضروبا أو مصبوبا – كما صرح به المارودي، ولو شرط كون السطل من نحاس ورصاص جميعا لم يصح – نص عليه في الأم، قال لأنهما لا يخلصان فيعرف قدر كل منهما. * ويصح فيما صب من المذكورات – كما اقتضاه كلام الشرح والروضة – أي من أصلها المذاب في قالب – كالهاون – مربعا كان أم لا، لأن ذلك لا يختلف (١) . * وكذلك نص المذهب على صحة السَّلَم في الأشياء المتخذة من شيء واحد كالخفاف والنعال المتخذة من شيء واحد، بشرط أن تكون جديدة واتخذت من غير جلد.

стр. 10576

* ومن هذه الصورة يتبين لنا أن المذهب يصحح السلم في السلع المصنعة من شيء واحد بشرط أن تكون مصبوبة في قالب، حتى لا تختلف وحداتها ولا مادتها، ولا أشكالها، ولا ثخانتها ورقتها ... أما المعمولة: وهي التي صنعت باليد بآلة كما صرح المذهب بذلك (أي الصناعة اليدوية) فإنها تختلف من واحدة إلى أخرى، مادة وثخانة ورقة، وصنعة نظرًا لما يكتنف يد الصانع من تفاوت بين شخص وآخر، ومن وقت إلى وقتٍ ومن حالة إلى حالةٍ جاء في نهاية المحتاج: (ولا يصح السَّلَم) في مختلف أجزاؤه (كبرمة) من نحو حجر (معمولة) أي محفورة بالآلة، واحترز بها عما صب منها ... وكوز، وطس، وقمقم، ومنارة وطجير (الدست) ونحوها من حب وإبريق ونشاب لعدم انضباطها باختلاف أجزائها) . إذ المحفورة بالآلة من مادة واحدة، هي صنعة يدوية، تختلف من واحدة إلى أخرى، مادة وتخانة ورقة، ومهارة فوحداتها تختلف كما ذكرنا آنفا. وخلاصة ذلك أن الأشياء المصنعة عن طريق صب مادة واحدة في قالب، أو ضربها فإنه يجوز السلم فيها، لعدم اختلافها، وهذا يصدق على كل ما تخرجه المصانع من السلع التي يتحقق فيها ما ذكرنا، والمادة واحدة – مصبوبة في قالب أو مضروبة -. أما الأشياء المصنعة يدويا من مادة واحدة فإنه لا يصح السلم فيها لاختلافها.

стр. 10577

ثانيا – التعاقد (سلما على شيء مصنع من أكثر من مادة) : ونظرًا لأن التعاقد على الأشياء المصنعة من مواد متعددة (أي الأشياء المختلطة المواد) يختلف حكمه باختلاف انضباط الأجزاء المختلطة أو عدم انضباطها، قصدها أو عدم قصدها، اختلاطها خلقة أو صنعة، في المذهب الشافعي، فإنني أورد هذه الصور مع بيان حكمها، وأبدأ بالصورة الأولى منها. الصورة الأولى: التعاقد على شيء مختلط الأجزاء خلقة: وقد ضرب المذهب مثلا لهذه الصورة بالشهد، بفتح الشين وضمها، وهو مركب من عسل النحل وشمعة خلقة، فهو شبيه بالتمر وفيه النوى. حكمه: (أ) الأصح عند الشافعية صحة السلم فيه لانضباط أجزائه. (ب) ومقابل الأصح أنه لا يصح السلم فيه، لأن الشمع يقل ويكثر فيه، فينتفي الانضباط بين أجزائه فيه، وإذا انتفى الانضباط فيه لا يصح السلم فيه.

стр. 10578

الصورة الثانية: التعاقد (سلما) على شيء مختلط الأجزاء صنعة: ويمكننا أن نعرض رأي المذهب في أنواع هذه الأشياء المختلطة صنعة في ثلاثة أنواع: النوع الأول: من الأشياء المختلطة صنعة: (التعاقد على الشيء المختلط صنعة المنضبطة أجزاؤه (عند أهل تلك الصنعة) المقصود الأركان كما بأصله. وقد مثل له الفقه الشافعي بـ (العتابي – وهو مركب من قطن وحرير – وخز (١) وهو مركب من إبريسم ووبر، أو صوف. حكمه: ١- الأصح عند الشافعية صحة السلم في هذه الصورة أيضا، وذلك لسهولة ضبط كل جزء من هذه الأشياء (٢) . المراد بالانضباط: لقد ذكر علماء المذهب رأيين في المراد بالانضباط: الأول: أن المراد بالانضباط أن يعرف العاقدان أن اللحمة من أحدهما والسدى من الآخر. والثاني: (وقد حكى بقيل) أن المراد به معرفة وزن كل جزء من الأجزاء وقد رجح السبكي الأول، ورجح الثاني الأذرعي، لأن القيم والأغراض تتفاوت بذلك تفاوتا ظاهرا (٣) ، وعليه ينطبق قول الرافعي في الشرح الصغير لسهولة معرفة اختلاطها وأقدارها. ٢- ومقابل الأصح أنه لا يصح السلم في هذه الصورة أيضا، لانتفاء الانضباط فيها إذ أن الحرير وغيره يقل ويكثر، فإذا وجد ذلك انتفى الانضباط فلا يصح السلم.

стр. 10579

النوع الثاني: من الأشياء المختلطة صنعة: هو: (التعاقد على الشيء المختلط صنعة الذي يقصد أحد الخليطين فيه والخليط الآخر أضيف لإصلاح هذا الشيء) . وقد مثل المذهب له بـ "خل تمر، أو زبيب" فالخل يحصل باختلاط التمر أو الزبيب بالماء الذي هو قوامه. فقد اختلط هنا التمر والزبيب بمادة غير مقصودة غير أنها من مصلحته. الحكم: الأصح في المذهب الشافعي هو أنه يصح التعاقد سلما على هذا الشيء المختلط صنعة على النحو الذي سبق ذكره. والظاهر أن وجه الحكم في ذلك. أن المادة المضافة هي من مصلحة المادة المقصودة. وأن المادة المضافة غير مقصودة. فقد اختلطت المادة المقصودة بمادة غير مقصودة وتحقق مصلحته للمادة المقصودة. ومقابل الأصح أيضا لا يجوز التعاقد سلما على هذه الصورة أيضا لأن الماء يقل ويكثر، فإذا كان ذلك كذلك انتفى الانضباط، وإذا انتفى الانضباط لم يصح السلم.

стр. 10580

النوع الثالث: من الأشياء المختلطة صنعة: هو: التعاقد (سلما) على الشيء المختلط المقصود الأركان التي لا تنضبط) . وقد مثل فقهاء المذهب الشافعي لذلك بـ (هريسة، ومعجون ركب من جزئين أو أكثر، وغالية، وخف ونعل، وترياق مخلوط (١) والقِسي، لأنها مركبة من خشب وعظم وعصب (٢) . ولأن الغالية مركبة من مسك وعنبر وعود وكافور – كما في الروضة، وفي تحرير المصنف: مركبة من دهن ومسك وعنبر. ومثل الغالية النَدُّ، وهو بفتح النون: مسك وعنبر وعود خلط بغير دهن والخف والنعل كل منهما على ظهارة وبطانة وحشو والعبارة لاتفي بذكر أقدارها وأوضاعها. أما الخفاف المتخذة من شيء واحد، ومثلها النعال، فقد سبق أن ذكرناها في الصورة "أولا" التعاقد على شيء مصنع من مادة واحدة، وذكرنا حكمها. حكمها: يرى المذهب الشافعي عدم صحة السلم في هذه الصورة، لعدم انضباط أجزائها جاء في الأم: (قال) الشافعي: (ولو شرط أن يعمل له طستا من نحاس وحديد، أو نحاس ورصاص لم يجز لأنهما لا يخلصان، فيعرف قدر كل واحد منهما، وليس هذا كالصبغ في الثوب لأن الصبغ في ثوبه زينة لا يغيره أن تضبط صفته، وهذا زيادة في نفس الشيء المصنوع، قال: وهكذا كل ما استصنع. ولا خير أن يسلف في قلنسوة محشوة، وذلك أنه لا يضبط وزن حشوها ولا صفته ولا يوقف على حد بطانتها، ولا تشتري هذه إلا يدا بيد. ولا خير في أن يسلفه في خفين ولا نعلين مخروزين، وذلك أنهما لا يوصفان بطول ولا عرض، ولا تضبط جلودهما، ولا ما يدخل فيهما، وإنما يجوز في هذا أن يبتاع النعلين والشراكين ويستأجر على الحذو، وعلى إخراز الخفين.

стр. 10581

(ولا بأس أن يبتاع منه صحافا أو قداحا من نحو معروف، وبصفة معروفة وقدر معروف من الكبر والصغر، والعمق والضيق، ويشترط أي عمل. ولا بأس إن كانت من قوارير، ويشترط جنس قواريرها ورقته وثخانته، ولو كانت القوارير بوزن مع الصفة كانت أحب إليَّ، وأصح للسلف، وكذلك كل ما عمل فلم يخلط بغيره والذي خلط بغيره النبل فيها ريش ونصال وعقب ورومة، والنصال لا يوقف على حده، فأكره السلف فيه، ولا أجيزه) . واضح أن المذهب الشافعي جعل السبب في عدم جواز السلم في الصور التي لم يجز السلم فيها هو: * عدم انضباط الأجزاء التي تكون منها الشيء المختلط صنعة. * عدم إمكان فصل هذه الأجزاء ليعرف قدر كل جزء منها. * تفاوت الصنعة أو تفاوت الأشكال في الأشياء المصنعة من مادة واحدة. [الصورة الأولى: ص٤٦٨] . ومن هذا يمكن أن نقول إنه: (أ) إذا انضبطت أجزاء الشيء المصنع من أكثر من مادة، بحيث يمكن أن يعرف قدر كل مادة منها بأي وسيلة من الوسائل العلمية. (ب) أو أمكن فصل كل جزء من هذه الأجزاء ليعرف مقدار نسبته في الشيء المصنع المختلط، بأي وسيلة من الوسائل العلمية. (ج) وكذلك إذا أمكن ألا تتفاوت الصنعة من سلعة إلى أخرى من السلع المصنعة، وألا تتفاوت أشكالها ... تفاوتا يتعلق به غرض للمتعاقد أو يعتد به في أمثالها. * إذا تحقق ذلك فإنه يمكن أن نقول أن المذهب يجيز التعاقد (سلمًا) على هذه الأشياء المصنعة سواء كانت تتخذه من مادة واحدة، أو من أكثر من مادة.

стр. 10582

ولعل هذا هو الذي جعل الشيخ محمد نجيب المطيعي يفتي بجواز السلم في الأشياء المصنعة في زماننا هذا كأجهزة التلفاز، والمذياع والسلع المعمرة: مثل الثلاجة والغسالة ونحو ذلك. حيث يقول: (فرع) استحدثت في زماننا هذه من أسباب الصنعة أدوات لم تكن معروفة عند أئمتنا السابقين رضوان الله عليهم – كالمذياع والمرناة – وهو جهاز يأتيك بالصورة والصوت (تلفزيون) من بعيد، والثلاجة الكهربائية والغسالة الكهربائية، وكل نوع من هذه الأنواع له من التركيب وتنوع القطع وتباين الأجزاء ما يصعب على المتعاقدين ضبطه، فإن أمكن تحديد النوع والعلامة وكان مع الجهاز دليل مطبوع مكتوب يوضح أجزاءه ومقاديرها وأبعادها وقوتها وكان المتعاقدان خبيرين بأسرارها كوكيل المؤسسة لصنع الأجهزة، وتوزيعها، جاز السلم بينهما. أما إذا لم يكن عليمًا بدقائق هذه الأجهزة بحيث يمكن تغيير مصباح، أو محرك جيد، ووضع بدله، أقل جودة، أو قديمًا، فسد السلم، لانعدام العلم والإحاطة بدقائق الجهاز. ويؤخذ من قول الشافعي في الأم في باب لحم الوحش: (جواز سؤال أهل العلم به، فإن بينوا عيبا رد بالعيب وإلا فلا) . ثم قال: (فرع) . (لا يجوز السلم في أنواع الأثاث إذا كان يشتمل على الحشايا والأسلاك اللولبية والقطن والجلد والقماش والطلاء وما أشبه ذلك، لعدم إمكان انضباطه وتشابه الرديء منها بالجيد والله أعلم) . اهـ. (وأقول: ما يمكن انضباطه، ومعرفة أجزائه مادة وقدرًا ... ونسبة، بواسطة أهل الخبرة، ولا يتفاوت صنعة وشكلًا.... يمكن القول بجواز عقد السلم فيه تخريجًا على رأي الشافعية كما بيناه آنفًا) .

стр. 10583

*** المطلب الثاني النصوص الفقهية من كتب المذهب الشافعي جاء في مغنى المحتاج ٢/١٠٨ في باب السلم: ١- (ويشترط في السلم معرفة الأوصاف التي يختلف بها الغرض اختلافًا ظاهرًا) وينضبط بها السلم فيه، وليس الأصل فيه عدمها لتقريبه من المعاينة ولأن القيمة تختلف بسببها وهذا الشرط معطوف على قوله أول الفصل، ويشترط كون المسلم فيه مقدورًا على تسليمه، كما قدرته في كلامه، وكان ينبغي أن يقدم شرط كونه موصوفًا ينضبط بالصفات، ثم العلم بها، فإن لم تعرف لم يصح السلم لأن البيع لا يحتمل جهل المعقود عليه وهو عين، فلأن لا يحتمل وهو دين أولى. وخرج بالقيد الأول، ما يتسامح بإهمال ذكره كالكحل والسمن في الرقيق كما سيأتي، وبالثاني ما لا ينضبط كما سيأتي أيضًا. وبالثالث: كون الرقيق قويًا على العمل وضعيفًا أو كاتبًا أو أميًّا، أو نحو ذلك فإنه وصف يختلف به الغرض اختلافًا ظاهرًا، مع أنه لا يجب التعرض له، لأن الأصل عدمه. ٢- (ويشترط ذكرها في العقد) مقترنة به ليتميز المعقود عليه، فلا يمكن ذكرها قبله ولا بعده، ولو في مجلس العقد، نعم إن توافقا قبل العقد، وقالا أردنا في حالة العقد ما كنا اتفقنا عليه صح كما قاله الأسنوي، وهو نظير من له بنات وقال لآخر زوجتك بنتي ونويا معينة، ولابد من أن يكون ذلك (على وجه لا يؤدي إلى عزة الوجود) لأن السلم غرر كما مر فلا يصح إلا فيما يوثق بتسليمه، والعزة هنا بمعنى القلة، ويقال شيء عزيز أي قليل.

стр. 10584

فلا يصح السلم فيما لا ينضبط مقصوده، كالمختلط المقصود الأركان التي لا تنضبط كالهريسة ومعجون وغالية، وخف، ونعل (وترياق مخلوط) لعدم انضباط أجزائها لأن الغالية مركبة من مسك وعنبر وعود وكافور – كما في الروضة – وفي تحرير المصنف مركبة من دهن ومسك وعنبر، ومثل الغالية الند – وهو بفتح النون: مسك وعنبر وعود خلط بغير دهن. والخف والنعل كل منهما على ظهارة وبطانة وحشو، والعبارة لا تفي بذكر أقدراها وأوضاعها. أما الخفاف المتخذة من شيء واحد، ومثلها النعال فيصح فيها إن كانت جديدة واتخذت من غير جلد، يجوز السلم فيها – كالثياب المخيطة والأمتعة. واحترز بالترياق المختلط عما هو نبات واحد أو حجر فإنه يجوز السلم فيه وهو بتاء مثناة أو دال مهملة أو طاء كذلك مكسورات أو مضموات، فهذه ست لغات ذكرها المصنف في دقائقه، ويقال أيضًا دراق وطراق. ومثل ذلك القِسِيّ – وهي بكسر القاف والسين وتشديد الياء، جمع قوس، ويجمع أيضًا على أقواس = مركبة من خشب وعظم وعصب. والنبل المَرِيش، بفتح الميم وكسر الراء وإسكان الياء بوزن كريم – لاختلاف وسطه وطرفيه دقة وغلظة وتعذر ضبطه. أما النبل قبل خرطه وعمل الريش عليه، فيصح لتيسر ضبطه. ولا يصح السلم في الحنطة المختلطة بالشعير، ولا في الأدهان المطيبة من نحو بنفسج وبان وورد بأن خالطها شيء من ذلك، أما إذا روح سمسمها بالطيب المذكور واعتصر فإنه لا يضر. (والأصح صحته في المختلط (١) المنضبط) الأجزاء (كعتابي) وهو مركب من قطن وحرير (وخز) وهو مركب من إبريسم ووبر أو وصوف لسهولة ضبط كل جزء من هذه الأجزاء.

стр. 10585

تنبيه: المراد بالانضباط: قيل أن يعرف العاقدان أن اللحمة من أحدها والسدى من الآخر. وقيل معرفة الوزن , رجح السبكي الأول، والثاني الأذرعي، وهو الظاهر لأن القيم والأغراض تتفاوت بذلك تفاوتًا ظاهرًا، وعليه ينطبق قول الرافعي في الشرح الصغير لسهولة معرفة اختلاطها وأقدراها. (وجبن وأقط) كل منهما فيه مع اللبن المقصود الملح، والإِنْفَحة من مصالحه، وهو بكسر الهمزة وفتح الفاء وتخفيف الحاء المهملة: كرش الخروف والجدي ما لم يأكل غير اللبن، فإن أكل فكرش، وجمعها أنافح ويجوز في باء الجبن السكون والضم مع تخفيف النون وتشديدها، والجيم مضمومة في الجميع وأشهر هذه اللغات إسكان الباء وتخفيف النون. (وشهد) بفتح الشين وضمها مركب من عسل النحل وشمعه خلقة، فهو شبيه بالتمر وفيه النوى. (وخل وتمر أو زبيب) هو يحصل من اختلاطهما بالماء الذي هو قوامه. ومقابل الأصح في السبعة ينفي الانضباط فيها قائلًا إن كلًّا من الحرير والشمع والماء وغيره يقل ويكثر، والسمك المملح كالجبن. تنبيه: كلام المصنف قد يوهم أن هذه الأمثلة من أمثلة القسم المتقدم – وهو المختلط المقصود والأركان وليس مرادًا بل من أمثلة النوع الثالث من المختلطات (وهو أن يقصد أحد الخليطين والآخر للإصلاح كما هو في الشرح والروضة ... وإدخاله الشهد في هذا النوع تبع فيه المحرر وليس منه، بل هو نوع رابع، كما ذكراه في الشرح والروضة وهو المختلط خلقة فلو قدمه أو أخره لكان أولى. ويصح السلم في اللبن والسمن والزبد، ويشترط ذكر جنس حيوانه ونوعه ومأكوله من مرعى أو علف معين بنوعه ويذكر في السمن أنه جديد أو عتيق، ولا يصح في حامض اللبن لأن حموضته عيب إلا في مخيض لا ماء فيه فيصح فيه. ولا يصح السلم فيما يندر وجوده كلحم الصيد بموضع العزة، أي محل يعز وجوده فيه لانتفاء الوثوق بتسليمه، نعم لو كان السلم حالا، وكان السلم فيه موجودا عند المسلم إليه بموضع يندر فيه، صح كما في الاستقاء، ولا فيما لو استقصى وصفه عز وجوده – لما مر – كاللؤلؤ الكبار واليواقيت وغيرهما من الأحجار النفيسة لأنه لا بد من التعرض للحجم والوزن والشكل والصفاء – واجتماع الأمور نادر، وخرج باللآلئ الكبار وهي ما تطلب للزينة، الصغار وهي ما تطلب للتداوي وضبطها الجويني بسدس دينار.

стр. 10586

فرع (ويصح السلم في الحيوان) : لأنه ثبت في الذمة قرضا في خبر مسلم، ففيه: "أنه ﷺ اقترض بكرا" فقيس على القرض السلم، وعلى البكر غيره من سائر الحيوان. وروى أبو داود بأنه ﷺ أمر عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن يأخذ بعيرا ببعيرين إلى أجل، وهذا سلم، لا قرض، لما فيه من الفضل والأجل وحيث النهي عن السلف في الحيوان قال ابن السمعاني في الاصطلام: غير ثابت وإن خرجه الحاكم. ولا يصح السلم في مختلفٍ أجزاؤه (كبرمة معمولة) وهي القدر (وجلد) على هيئة (و) معمول نحو (كوز وطس) بفتح الطاء، ويقال له طشت، ولم يذكره في المحرر. (وقمقم ومنارة) بفتح الميم (ونحوها) كالأباريق والحباب بكسر الحاء المهملة وبالموحدة جمع حب بضمها وهي الخابية والأسطال الضيقة الرأس لندرة اجتماع الوزن مع الصفات المشروطة ولتعذر ضبطها إما لاختلاف الأجزاء في الدقة والغلظ كالجلد، أو لمخالفة أعلاها أو وسطها لأسفلها كالأمثلة المذكورة. أما قطع الجلد فيجوز السلم فيها وزنا لانضباطها، لأن جملتها مقصودة، وما فيها من التفاوت يجعل عفوا، ولا يصح في الرق لما ذكر. تنبيه: تقييده البرمة بالمعمولة للاحتراز عن المصبوبة في القالب كما سيأتي فيكون ذلك قيدا في كل ما بعده إلا الجلد – كما قدرته في كلامه، فكان ينبغي تقديمه وعطف هذه الأشياء عليه أو عكسه لمغايرته لها. قال الأشموني: والمذهب جواز السلم في الأواني المتخذة من الفخار، ولعله محمول على غير ما مر. ويصح السلم في الأسطال المربعة لعدم اختلافها، والمدورة كالمربعة، كما صرح به سليم في التقريب. وقال الأذرعي إنه الصواب، واقتضاه كلام الشيخ أبي حامد، ويصح في كل ما لا يختلف من ذلك مضروبا كان أو مصبوبا، كما صرح به الماوردي، ولو شرط كون السطل من نحاس ورصاص جميعا لم يصح نص عليه في الأم، قال: لأنهما لا يخلصان فيعرف قدر كل واحد منهما. (وفيما صب منها) أي المذكورات – كما اقتضاه كلام الشرح والروضة: أي من أصلها المذاب (في قالب) بفتح اللام – أفصح من كسرها – كالهاون – بفتح الواو مربعا كان أم لا، لأن ذلك لا يختلف. مغني المحتاج: ٢/١١٤.

стр. 10587

شروط السلم عند الشافعية: بعد أن عرف فقهاء الشافعية السلم بأنه شرعًا "بيع شيء موصوف فيه الذمة". ذكروا أن يشترط لصحة السلم – على شروط البيع المتوقف صحتها عليه – أمور سبعة أخرى، ثم عدوها شرحًا وتفصيلًا، ونوجزها فيما يلي: الشرط الأول: تسليم رأس المال – وهو الثمن – في المجلس الذي وقع العقد به قبل التفرق منه، أو لزومه؛ لأن لزومه كالتفرق، إذ لو تأخر تسليم الثمن لكان في معنى بيع الدين بالدين إن كان رأس المال في الذمة، ولأن في السلم غررا، فلا يضم إليه غرر تأخير رأس المال ولابد من حلول رأس المال كما قاله القاضي أبو الطيب كالصرف، ولا يغني عنه شرط تسليمه في المجلس. الشرط الثاني: كون المسلم فيه دينًا (١) . الشرط الثالث: بيان محل التسليم للمسلم فيه – إذا كان العاقدان في موضع لا يصلح للتسليم، أو كان يصلح ولكن لحمله مؤنة، وإلا فلا يشترط ذلك ويتعين محل العقد للتسليم للعرف فيه. الشرط الرابع: حلول رأس المال. الشرط الخامس: القدرة على تسليم المسلم فيه عند وجوب تسليمه؛ لأن المعجوز عن تسليمه يمتنع بيعه فيمتنع السلم فيه. الشرط السادس: كون المسلم فيه معلوم القدر، كيلا – فيما يكال أو وزنا فيما يوزن – أو عدا فيما يعد، أو ذرعا فيما يذرع، مع قياس ما ليس فيه بما فيه، ويصح في المكيل وزنا وعكسه حيث كان الكيل يعد ضابطا فيه، بخلاف الربوي لأن الغالب ثم التعبد. الشرط السابع: معرفة الأوصاف (٢) التي تتعلق بالمسلم فيه التي ينضبط المسلم فيه بها، ويختلف بها الغرض اختلافًا ظاهرًا، ويشترط ذكرها في العقد (مقترنة به ليتميز المعقود عليه ...) على وجه لا يؤدي إلى عزة الوجود (أي قلته) لأن السلم غرر فلا يصح فيما يوثق بتسليمه.

стр. 10588

رأي المذهب الحنبلي في التعاقد (استصناعًا) أو (سلمًا) على الأشياء المصنعة يلزمنا حين نبين رأي المذهب الحنبلي في ذلك أن نوضح رأيه في (عقد الاستصناع) الذي سبق بيانه، والذي أجازه المذهب الحنفي – ثم نبين رأي المذهب الحنبلي في سد حاجات الناس إلى السلع المصنعة، وضوابط جوازها، وذلك من خلال ما أورده في عقد السلم. المطلب الأول رأي المذهب الحنبلي في عقد الاستصناع: (أ) أوردت كتب المذهب الحنبلي في أكثر من موضع أنه لا يصح عقد الاسصناع، فقد نص البهوتي على ذلك حيث يقول: (ولا يصح استصناع سلعة) بأن يبيعه سلعة يصنعها له (لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم) ذكره القاضي وأصحابه. وكذلك نَصَّ المرداوي على ذلك فقال: ذكر القاضي وأصحابه: أنه لا يصح استصناع سلعة، لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم. واقتصر عليه في الفروع. ثم أثار فقهاء المذهب صورتين لهما تعلق باستصناع السلعة المباعة.

стр. 10589

المطلب الثاني صور لها تعلق باستصناع السلعة الصورة الأولى: صورة يكون فيها الشيء المستصنع، قد تم صنع بعضه، ولم يتم الانتهاء من تصنيعه جميعه – كما في ثوب نسج بعضه، ولم يتم نسج باقيه (١) ففي هذه الصورة وجد بعض المعقود عليه (الثوب المنسوج بعضه) وبعضه لم يوجد (وهو باقي الثوب الذي لم ينسج بعد) فالتعاقد على هذا الثوب جمع بين موجود، ومعدوم، فهل يصح التعاقد (بيعًا) على مثل ذلك؟ لقد ظهر في المذهب رأي حكي بـ (قِيلَ) مما ينبئ عن ضعفه أنه يصح التعاقد على ذلك إن صح الجمع في عقد واحد بين بيع وإجارة منه. ولكن الرأي في المذهب أنه لا يصح العقد على ذلك، حيث قالوا: (لا يصح بيع ثوب نسج بعضه على أن ينسج بقيته، وعللوا – تبعا للقاضي (في تعليله لعدم صحة استصناع سلعة الذي قدمناه) بأن بيع المنسوج بيع عين، والباقي موصوف في الذمة، ولا يصح أن يكون الثوب الواحد بعضه بيع عين، وبعضه مسلم فيه لأن الباقي سلم في أعيان، وذلك لا يجوز، ولأنه بيع وسلم، واستئجار، فاللحمة غائبة، فهي سلم فيه، والنسج استئجار. واقتصر على هذا الحكم في المستوعب والحاويين، والفروع، وغيرهم، وقدمه في الرعاية الكبرى وقال: وقيل يصح بيعه إلى المشتري، إن صح جمع بين بيع وإجارة منه بعقد واحد، لأنه بيع وسلم، أو شرط فيه نفع البائع) . * أما الجمع بين بيع وإجارة في المذهب الحنبلي في عقد واحد على محل واحد، وذلك كما لو اشترى ثوبا وشرط على البائع خياطته، أو زرعا وشرط على البائع حصاده، أو قطعة حديد وشرط على البائع ضربها سيفا، ونحو ذلك، فإن المذهب يرى صحة هذا العقد لأن كل واحد منهما يصح إفراده بالعقد واجتماع هذين العقدين صحيح، فيقاس عليه اشتراط قيام البائع بعمل في المبيع فيكون صحيحًا متى كان هذا العمل معلومًا. وبناء على ذلك تصح هذه الصورة التي معنا، لأنها جمعت بين بيع وسلم على محل واحد، وليست من قبيل جمع بين عقد بيع عين، وعقد سلم على محل آخر، إذ لا يصح في المذهب اجتماع عقدين في عقد، للنهي عن ذلك فقد نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة. أو أنها تصح على أنها بيع شرط فيه نفع البائع، فقد نص المذهب على جواز اشتراط شرط يحقق نفعًا مباحًا لأحد المتعاقدين، كما في الأمثلة التي ذكرناها آنفا (في الجمع بين بيع وإجارة) إذ هي تحقق نفعًا لأحد المتعاقدين: البائع أو المشتري وكل هذه الصور ترد على محل عقد البيع فقط (وليست على محلين حتى تكون من باب عقدين في عقد) كما لو اشترى قطعة حديد وشرط على البائع ضربها سيفًا ونحو ذلك فإنه يجوز، فقد روي عن محمد بن مسلمة أنه اشترى من نبطي حزمة حطب، وشارطه على حملها. وبناء على هذا التوجيه أيضًا تصح هذه الصورة التي معنا. كما صحت في المذهب المالكي. الصورة الثانية: كما أثار المذهب صورة أخرى، وهي أن البائع أحضر لحمة الثوب وباعها مع الثوب وشرط على البائع نسجها. ذكر المرداوي أنه (إن أحضر اللحمة وباعها مع الثوب، وشرط على البائع نسجها فعلى الروايتين في اشتراط منفعة البائع. أي كما ذكرنا في الصورة السابقة) .

стр. 10590

المطلب الثالث رأي المذهب الحنبلي في التعاقد (سلمًا) على أشياء تصنع إذا تتبعنا ما أورده المذهب الحنبلي من صور لما يصح التعاقد عليه بعقد السلم من الأشياء التي لابد من صنعة تجري فيها، وتبرزها وتعطيها هذا الاسم الذي تم التعاقد عليه، والذي هو محل عقد السلم، تجد أن هنا صورًا متعددة، كلها تحتاج إلى قيام البائع بصنعها وتقديمها عند حلول الأجل (الأجل الذي نص عليه في عقد السلم) تامة طبقًا للأوصاف التي نص عليها في هذا العقد. فقد صح في المذهب السلم في الغزل، والثياب، والرصاص، والنحاس، والحديد، والبلور، والسيوف، والنشاب، والنبل المريشين والقوس، والآجر، واللبن، ونحو ذلك ولا شك أن كل هذه الأشياء لابد فيها من صنعة تأتي عليها وجهد وعمل في استخراجها، واستخلاصها، وصياغتها، وصنعها ... ونوضح ذلك فيما يلي: * فالغزل لا يكون إِلَّا بعد غزَّالٍ، يجعل القطن أو الصوف أو الحرير وغيرها مغزولًا ليصبح صالحا للنسج. * والثياب لا تكون كذلك إلَّا بعد حياكتها وإعدادها للبس سواء أكانت من نوع واحد من الغزل أو أكثر من نوع، مصبوغة أو غير مصبوغة، والصبغ يحتاج إلى صباغ، والغزل يحتاج إلى غزال، والثوب يحتاج إلى حائك. * ومثل ذلك الرصاص والنحاس والحديد، والبلور، كل ذلك يحتاج إلى مصانع لاستخلاصه من الخام الذي يعطي ذلك، بل يحتاج إلى أكثر من خام ليأخذ هذا الاسم في بعض المعادن. * ومثل ذلك الأواني، والقصاع والأقداح، فلا بد من وجود صانع يقوم بصياغة المادة المتخذ منها كل نوع حتى تأخذ هذا الاسم. ومثل ذلك السيوف، والنشاب، والنبل، ونحو ذلك من أنواع الأسلحة ... كل ذلك أيضا يحتاج إلى صناعة تقوم على مدين المعسر معدما، أي إنه يملك بعض المال، ولكنه قليل لا يكاد يكفيه للإنفاق على نفسه وعياله بالمعروف وقضاء دينه إلا بمشقة وضيق وضرر. فقد قال ابن رشد فيه: " وأما المعسر الذي ليس بمعدم – وهو الذي يحرجه تعجيل القضاء ويضر به – فتأخيره إلى أن يوسر ويمكنه القضاء من غير مضرة. تلحقه مرغب فيه ومندوب إليه. قال رسول الله ﷺ : ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَظَلَّهُ اللَّهُ في ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ)) كما رأينا في صدر ما نقلناه عن المذهب بعدم صحة عقد الاستصناع، كعقد مغاير، عن عقد السلم له خواصه وأحكامه.

стр. 10591

المطلب الرابع النصوص الفقهية من المذهب الحنبلي وجاء في كشف القناع: * ولا يصح استصناع سلعة بأن يبيعه سلعة يصنعها له (لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم) ذكره القاضي وأصحابه (١) . كما جاء فيه أيضا بخصوص ما يصح السلم فيه من الأشياء المختلفة (المصنعة من أكثر من شيء) (٢) . (ويصح السلم فيما يجمع أخلاطا) وأحدهما خلط – بكسر الخاء (مقصودة متميزة، كثياب منسوجة من نوعين) كإبريسم وقطن، لأن ضبطها ممكن ونشاب، ونبل مريشين، وخفاف ورماح متوز ونحوها) لإمكان ضبطها بالصفة (٣) . (ولا يصح السلم فيما يجمع أخلاطا) غير متميزة (كقسي مشتملة على خشب وقرن وعصب وتَوْز) بفتح المثناة فوق وسكون الواو (ونحوها) كطلاء، إذ لا يمكن تمييز ما في القوس من كل نوع من هذه. (ويصح) السلم (في شهد) وهو العسل في شمعها (وزنا) لأنه اتصال خلقة، كالنوى في التمر، والعظم في اللحم. ولا يصح السلم (فيما لا ينضبط: كالجواهر كلها من در، وياقوت، وعقيق وشبهه كلؤلؤ ومرجان، لأنه يختلف اختلافا متباينا بالكبر والصغر وحسن التدوير، وزيادة ضوئها، ولا يمكن تقديرها ببيض العصفور لأن ذلك يختلف، ولا بشيء معين، لأنه قد يتلف. * ولا يصح السلم في مخلوط بما لا ينفعه خلط، كلبن مشوب بماء وحنطة مخلوطة بزوان لأنه مجهول لا ينضبط بالصفة (أو لا يتميز، كمغشوش من أثمان) فلا يصح السلم فيها، لأن غشها يمنع العلم بالقدر المقصود منها. (وكعاجين وحلوى وند وغالية) فلا يصح السلم فيها لعدم ضبطها بصفة. * (ويصح السلم فيما يترك فيه شيء غير مقصود لمصلحة) كجبن يوضع فيه الإنفحة والخبز يوضع فيه الملح، وخل تمر يوضع فيه الماء، والمسكنجبين يوضع فيه الخل ونحوها، كدهن ورد وبنفسج، لأن ذلك يسير غير مقصود لمصلحة فلم يؤثر .... ثم أورد بعد ذلك من أنواع ما يصح السلم فيه: السلم في الأشياء التي لابد فيها من صنعة، لكي تستخلص وتصبح بحال يطلق عليها اسم خاص بها يميزها عن غيرها. ومن هذه الأشياء السلم في الغزل. وفي الرصاص، وفي النحاس، وفي الحديد وفي الأواني، وفي القصاع والأقداح، وفي السيوف وفي النشاب وفي النبل، وفي الخشب بأنواعه (للبناء، للقسي، أو الوقود) وفي الحجارة للأرحية أو للآنية وفي البلور، وفي الآجر واللبن، وفي الثياب مصبوغة أو غير مصبوغة، متخذة من نوع واحد من الغزل أو من أكثر من نوع. فقال في أثناء ذكر الشرط الثاني من شروط السلم ما يأتي:

стр. 10592

الشرط الثاني: (أن يصفه) أي المسلم فيه (بما يختلف به الثمن) اختلافا (ظاهرا) لأن السلم عوض يثبت في الذمة، فاشترط العلم به كالثمن، وطريقة الرؤية أو الصفة، والأول ممتنع فتعين الوصف، فعلى هذا يذكر جنسه - أي المسلم فيه فيقول مثلا تمر (و) يذكر (نوعه فيقول) مثلا (برني أو معقلي) ونحوه (و) يذكر (قدر حبه، فيقول: صغارا أو كبارا) (و) يذكر (لونه إن اختلف) اللون (كالطيرزد) نوع من التمر، يكون منه أسود وأحمر (و) يذكر (بلده، فيقول) مثلا (كوفي أو بصري (و) يذكر (حداثته وقدمه) ..... (ثم يتابع البهوتي تطبيقات ذلك فيما يجري فيه السلم في الذهب من المحاصيل والحيوانات .... ومنتجاتها) ثم يذكر ما أردت إظهاره هنا مما يلزمه صنعة لكي يصبح بهذا المسمى المتعاقد عليه، ومنه قوله. * ويصف غزل القطن، وغزل (الكتان باليد واللون والغلظ والرقة والنعومة والخشونة، ويصف القطن بذلك) أي البلد واللون (ويجعل مكان الغلظ والدقة طويل الشعرة أو قصيرها ...) . * (ويضبط الرصاص) بفتح الراء (والنحاس) بضم النون (والحديد) بالنوع فيقول في الرصاص قلعي أو أسرب (و) يذكر (النعومة والخشونة واللون، إن كان يختلف) لونه (ويزيد في الحديد ذكرا أو أنثي، فإن الذكر أحد وأمضى) من الأنثى. * (وتضبط الأواني غير مختلفة الرؤوس والأوساط) لأن السلم لا يصح في مختلفها و (بقدرها) أي كبرها وصغرها (وطولها وسمكها، ودورها، كالأسطال القائمة الحيطان) .

стр. 10593

* (ويضبط القطاع والأقداح من الخشب بذكر نوع خشبها) فيقول (من جوز أو توت أو نحوه (وقدرها في الصغر والكبر، والعمق والضيق، والثخانة والرقة) . (وإن أسلم في سيف ضبط) السيف (بنوع حديده و (ضبط) طوله وعرضه ودقته وغلظة، وبلده، وقديم الطبع أو محدثة، ماض أو غيره ويصف قبيعته وجفنه) أي قرابه. (ويضبط خشب البناء بذكر نوعه ورطوبته، ويبسه، وطوله ودوره) ، أي إن كان مدورا (أو سمكه وعرضه) إن لم يكن مدورا .... [ثم وَالَى أنواع الأخشاب ... ص٢٩٦ ومنها الخشب للقسي .... وللوقود ....] . *ويذكر في النشاب والنبل نوع خشبه، وطوله (أي النشاب أو النبل) وقصره ودقته وغلظه ولونه ونصله وريشه. * ويضبط حجارة الأرحية بالدور والثخانة والبلد والنوع إن كان يختلف، وإن كان الحجر للبناء. * ذكر اللون والقدر والنوع والوزن. * ويذكر في حجارة الآنية: النوع واللون والقور واللين والوزن. * ويصف البلور بأوصافه هكذا في المغني، مع أنه قال قبله لا يصح السلم في البلور. * ويصف الآجر واللبن بموضع التربة، واللون والدور والثخانة. (ويضبط الثياب) إذا أسلم فيها (فيقول: كتان أو قطن) أو إبريسم (والبلد والطول والعرض والصفاقة والرقة والغلظ والنعومة والخشونة، ولا يذكر الوزن، فإن ذكره لم يصح) السلم لندرة جمع الأوصاف مع الوزن ... (وإن أسلم في مصبوغ مما يصبغ غزله صح السلم، لأنه مضبوط) وإن كان المصبوغ مما يصبغ بعد نسجه لم يصح (السلم فيه، لأن الصبغ لا ينضبط، ولأن صبغ الثوب يمنع الوقوف على نعومته وخشونته. وإن أسلم في ثوب يختلف الغزل أي من نوعين فأكثر – كقطن وكتان، أو قطن وإبريسم وكانت الغزول – من كل نوع – مضبوطة، بأن يقول السدى إبريسم، واللحمة كتان أو نحوه) كقطن صح السلم للعلم بالسلم فيه وإلا لم يصح. ويصح السلم في الكاغد – ويضبطه بذكر الطول والعرض والرقة والغلط واستواء الصنعة (١) .

стр. 10594

تقسيمات للصور التي يصح فيها استصناع السلعة (سلما) عند الحنابلة على ضوء ما قدمناه في المطلب الثاني، والثالث، وما أوردناه من جملة للأمثلة التي وردت في كتب المذهب الحنبلي نستطيع أن نضع من خلال ما صرح به المذهب من ضوابط للصحة والفساد فيما يتعاقد عليه عن طريق عقد السلم في سلع يطلب صنعها. وهذا التقسيم يتقارب تقاربا كبيرا مع ما قمت بإبرازه من أقسام في مذهب الشافعية في مثل هذا الموطن ... وأعراض هذا التقسيم فيما يلي: القسم الأول التعاقد سلما على أشياء تصنع من مادة واحدة أجاز المذهب الحنبلي صحة التعاقد "سلما" على أشياء تصنع من مادة واحدة، وقد سبق أن مثل لها المذهب الشافعي بالكوز والطست والأباريق والحباب، (الزير) والنشاب ...، فإذا تابعنا هذه الأمثلة عند الحنابلة نجد أنهم نصوا على أنه يصح السلم في غزل القطن، والكتان، والرصاص والنحاس، والحديد .... والأواني غير المختلفة الرؤوس والأوساط، لأن السلم لا يصح في مختلفها والقصاع والأقداح من الخشب. والسيف، والنشاب، والنبل والخشب بأنواعه والأرحية .... والبلور، والآجر، واللبن، والثياب، والمصبوغ منها إذا كان مما يصبغ غزله، فإن كان مما يصبغ بعد نسجه لم يصح السلم فيه، لأن الصبغ لا ينضبط، والكاغد. كل هذه الأشياء التي أوردها المذهب عند ذكر الشرط الثاني لصحة السلم، وهو (أن يصف المسلم فيه بما يختلف به الثمن اختلافا ظاهرًا، لأن السلم عوض يثبت في الذمة، فاشتراط العلم به كالثمن، وطريقة الرؤية أو الصفة، والأول ممتنع، فتعين الوصف، فعلى هذا يذكر جنسه ونوعه، وقدر حبه، ولونه إن اختلف اللون، وحداثته وقدمه، و ...

стр. 10595

القسم الثاني عقد السلم على أشياء تصنع من أكثر من مادة وهذا القسم يمكن أن نضعه في الصور الآتية، ضبطا للمسيرة، وإيضاحا للحكم في كل منها، وعلة الحكم. الصورة الأولى عقد السلم على شيء مكون من أكثر من مادة. والخلطة حدثت خلقة فقد نص فقهاء المذهب الحنبلي على (صحة السلم في الشهد) وهو العسل في شمعها (وزنًا) لأنه اتصال خلقة، كالنوى في التمر، والعظم في اللحم. * وتعليل المذهب هنا يجعل الحكم يعم كل الأشياء المكونة من أكثر من مادة خلقة، ولا يعلل بما علل به الشافعية من قولهم (لانضباط أجزائه) .

стр. 10596

الصورة الثانية التعاقد (سلما) على الأشياء المختلطة من أكثر من مادة صنعة وهذه الصورة تشمل ثلاثة أنواع يصدق عليها هذا الاسم: النوع الأول: التعاقد على ما يجمع أخلاطا مقصودة متميزة. فقد نص فقهاء المذهب على (صحة السلم فيما يجمع أخلاطا مقصودة متميزة، كثياب منسوجة من نوعين – كإبريسم وقطن، لأن ضبطها ممكن، ونشاب، ونبل مريشين، وخفاف ورماح متوز ونحوها، لإمكان ضبطها بالصفة) . (ولا يصح السلم فيما يجمع أخلاطا غير متميزة، كقسي مشتملة على خشب وقرن وعصب وتوز. ونحوها , كطلاء، إذ لا يمكن تمييز ما في القوس من كل نوع من هذه) . (ولا يصح السلم في مالا يتميز كمغشوش من أثمان – لأن غشها يمنع العلم بالقدر المقصود منها – وكمعاجين وحلوى وند وغالية، فلا يصح السلم فيها لعدم ضبطها) . * وواضح أن تعليل المذهب هنا لصحة السلم في هذا النوع بأن (ضبطها ممكن بضبط صفاتها) يجعلنا نقول: إن كل ما يتحقق فيه هذه العلة من الأشياء المراد صنعها عن طريق عقد السلم يكون صحيحا. ومعلوم لنا أن ضبط الأجزاء الآن وتمييزها ممكن بواسطة أهل الخبرة. النوع الثاني: التعاقد "سلما" على ما يترك فيه شيء غير مقصودة لمصلحة. هذا النوع يتميز بأن فيه أكثر من مادة، إلا أن ما زاد عن مادته وضع فيه لمصلحة هذه المادة الأصلية. وقد صح السلم فيه. حيث قالوا: (يصح السلم فيما يترك فيه شيء غير مقصود لمصلحة (كجبن يوضح فيه الإنفحة، والخبز يوضع فيه الملح، وخل تمر يوضع فيه الماء، والسكنجبين يوضع فيه الخل، ونحوها كدهن ورد وبنفسج، لأن ذلك يسير غير مقصود لمصلحة فلم يؤثر) . ومن هذا التعليل أيضا الذي أورده المذهب الحنبلي لصحة السلم فيما ما هذا شأنه وهو (وضع شيء يسير غير مقصود لمصلحة المادة الأصلية المقصودة) لا يؤثر في صحة السلم. ويمكن أن يطبق ذلك على كل المواد التي يحتاج فيها إلى خلطها بقدر يسير من مادة أخرى غير مقصودة لمصلحة المادة الأصلية) . وذلك يعم كل ما هذا شأنه من أنواع المواد المثيلة أو المشابهة. * أما المخلوط بما لا ينفعه فإنه لا يصح السلم فيه، وقد ضرب المذهب له مثلا باللبن المشوب بالماء، والحنطة المخلوطة بزوان، فإن السلم في ذلك لا يصح، لأنه مجهول لا ينضبط بالصفة. * ومن هنا يتبين لنا أن المذهب الحنبلي يصحح السلم في الأشياء المختلطة صنعة من أكثر من مادة وذلك إذا تحقق فيها ما يأتي: أولا: أن تكون أخلاطها مقصودة متميزة. ثانيا: إمكان ضبطها بالصفة. فما لا يتحقق فيه ذلك لا يصح السلم فيه. * أما الأشياء المختلطة خلقة فيصح السلم فيها لاتصالها خلقة، إذ لا دخل لعمل الإنسان فيها، فإن دخل فيها غش – كلبن مشوب بالماء فلا يصح السلم فيها لعدم ضبطها بصفة.

стр. 10597

الخاتمة وتحتوي على خلاصة ما عرضناه من آراء المذاهب: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، مع إبراز ما تلتقي فيه هذه المذاهب أو تفترق، والآفاق التي يمكن أن يمتد إليها هذا النوع من التعاقد في كل مذهب. آراء المذاهب أولا – المذهب الحنفي: * وقد عرضت من خلال هذا المذهب تعريف الاستصناع عند جمع من فقهاء الحنفية، ومنه تعريف الكاساني: (الاستصناع عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل) والثمن معلوم ومحدد، ويصح أن يدفعه كله عند التعاقد أو بعضه والباقي عند استلام المصنوع ويصح تأخيره إلى أن يتسلم المصنوع. * ثم بينت رأي الحنفية في جواز هذا النوع من التعاقد (غير زفر) وبينت أدلة كل فريق. * ثم عرضت رأي الحنفية في تكييف عقد الاستصناع هل هو مواعدة، أو هو عقد بيع، أو هو عقد يبدأ إجارة وينتهي بيعا – ورجحت أنه بيع. * ثم ذكرت شروط صحة عقد الاستصناع عندهم من كون المصنوع معلوما، وكونه مما يجري فيه التعامل بين الناس، كما وضحت أثر اشتراط الأجل في عقد الاستصناع، وهل يصير به سلما – كما يرى أبو حنيفة – أو يظل عقد استصناع كما يرى أبو يوسف ومحمد .... ورجحت قول الصاحبين. * ثم تعرضت لأركان عقد الاستصناع، وفصلت الحديث في المعقود عليه (في حقيقته) . ثم بينت صفته – لازما أو غير لازم – وعرضت رأي المذهب في أنه غير لازم في حالة ما قبل تمام الصنع، وكذا حالة ما بعد تمامه قبل تقديمه للمستصنع، أما بعد تقديم المصنوع إلى المستنصع فقد عرضت آراءهم وهي: يسقط خيار الصانع وللمستصنع الخيار - وهذا هو جواب ظاهر الرواية - وروي عن أبي حنيفة أن لكل منهما الخيار، وروي عن أبي يوسف أنه لا خيار لهما – أي أن العقد يكون لازما عنده – وإن كانت مجلة الأحكام العدلية رأت أن عقد الاستصناع عقد لازم فليس لأحد المتعاقدين الرجوع، وإذا لم يكن على الأوصاف المطلوبة المبينة كان المستصنع مخيرا (م٣٩٢) . * ثم بينت الأثر المترتب على عقد الاستصناع من ثبوت الملك للمستصنع في العين المبيعة في الذمة، وثبوت الملك للصانع في الثمن. * وأخيرًا بينت ما ينتهي به عقد الاستصناع – من تقديم المصنوع إلى المستصنع وقبوله له، ومن موت أحد العاقدين، ومن هلاك العين التي تعينت لصنع الشيء المطلوب صنعه في عقد الاستصناع منها ووقوع اليأس من استيفاء المعقود عليه حينئذ منها، ومن أنه إذا أجزنا ذكر الأجل في عقد الاستصناع – بناء على رأي أبي يوسف ومحمد – فإنه ينتهي بانقضاء الأجل دون أن يتم انتهاء الصانع من الشيء المصنوع وتقديمه إليه على الصفة المتفق عليها.

стр. 10598

ثانيا – المذهب المالكي: تناولت بيان رأي المالكية في ثلاثة مطالب: المطلب الأول: بينت أن المذهب المالكي لا يجيز عقد الاستصناع، ولكن وردت صورتان في المذهب تقتربان من عقد الاستصناع عند الحنفية. الصورة الأولى: الشراء من دائم العمل حقيقة أو حكما – كالخباز والجزار والبقال واللبان وكذلك كل ما يباع في الأسواق، وهو (بيعة أهل المدينة) قال سالم بن عبد الله: كنا نبتاع اللحم من الجزارين بسعر معلوم نأخذ منه كل يوم رطلا أو رطلين أو ثلاثة، ويشترط عليهم أن يدفعوا الثمن من العطاء: قال: وأنا أرى ذلك حسنًا، قال مالك: ولا أرى به بأسا إذا كان العطاء مأمونًا وكان الثمن إلى أجل .... بشرط أن يشرع في أخذ ما أسلم فيه، وأن يكون أصله عند المسلم إليه. * وروي عن مالك أيضا أنه لم يجزه، ورآه دينا بدين – وأول الأثر. * ورجحنا جوازه – وبينا الآفاق التي تمتد إليها هذه الصورة – مع مقارنتها بعقد التوريد – وبينت صلة هذه الصورة بما قرره المذهب الحنفي ورجحت لزوم العقد في عقود المعاوضات. الصورة الثانية: شراء سلعة تصنع من غير دائم العمل، وقد نص المذهب على أنها سلم تأخذ أحكامه .... المطلب الثاني: السلم في الصناعات، وقد بينت حقيقته، وشروط صحته، ثم قسمته إلى أربعة أقسام، وذلك، لأنه إما أن يعين المعمول منه والعامل، أو لا يعينهما، أو يعين أحدهما دون الآخر، وبينت حكم كل قسم، ورجحت رأي أشهب الذي يرى صحة السلم في الأقسام الأربعة، خلافا للمذهب الذي يرى صحته في صورة واحدة، وهي إذا لم يعين المعمول منه ولا العامل. المطلب الثاني: بينت فيه رأي المذهب في صورتين: الصورة الأولى: شراء شيء يجري البائع صنعه، ولم يتم هذا المصنع، على أن يتم البائع صنعه، وللمذهب رأيان. الرأي الأول: يرى أنه يصح هذا التصرف، لأنها تؤدي إلى اجتماع بيع وإجاره، ويصح ذلك في المذهب المالكي. الرأي الثاني: يرى أنه يصح على أنه سلم وتطبق عليه أحكامه، ويقول الدسوقي إن إطلاق السلم عليه مجاز، وإنما هو بيع معين يشترط فيه الشروع ولو حكما .... الصورة الثانية: شراء مادة معينة من صاحبها، ثم يستأجر المشتري البائع على صنعها شيئا معينا على أن يتم ذلك الاستئجار حال التعاقد على بيعها. ويرى المذهب صحة هذا التصرف على أن يشرع في العمل.

стр. 10599

ثالثا – المذهب الشافعي: بينت أيضًا رأي الشافعية في التعاقد (استصناعا) أو (سلما) على أشياء يراد صنعها في مطلبين: المطلب الأول: رأي الشافعية في جواز عقد الاستصناع، وقد بينت أنهم لا يجيزون هذا العقد، وبينت أدلتهم. المطلب الثاني: في السلم في الصناعات، وقد تابعت الصور التي أثار علماء المذهب، وضبطتها فيما يأتي: أولا: التعاقد (سلما) على شي يصنع من مادة واحدة. * وقد أجاز المذهب منها (المصبوبة في قالب، أو المضروبة) مثل كوز، وطس، وحباب، وأباريق ونشاب ونحوها، والهاون، لأن ذلك لا يختلف. * أما المعمولة بآلة – أي المحفورة بالآلة – فإن المذهب لم يجز السلم فيها، لعدم انضباطها باختلاف أجزائها. * وكذلك يصح السلم في الأشياء المتخذة من شيء واحد كالخفاف والنعال المتخذة من شيء واحد بشرط أن تكون جديدة، واتخذت من غير جلد. ثانيا: التعاقد (سلما) على شيء مصنع من أكثر من مادة، وله صورتان رئيستان: الصورة الأولى: التعاقد (سلما) على شيء مختلط الأجزاء خلقة، وذلك مثل (الشهد) إذ هو مركب من عسل وشمع. والأصح في المذهب صحة السلم في ذلك لانضباط أجزائه. ومقابل الأصح أنه لا يصح لأن الشمع يقل ويكثر فينتفي الانضباط بين أجزائه فلا يصح السلم.

стр. 10600

الصورة الثانية: التعاقد (سلما) على شيء، مختلط الأجزاء صنعة، وقد جعلته في الأنواع التالية: النوع الأول: التعاقد على الشيء المختلط صنعة، المنضبطة أجزاؤه عند أهل الصنعة، المقصود الأركان كما بأصله. كالعتابي – وهو مركب من قطن حرير، وخز، وهو مركب من إبريسم ووبر أو صوف. النوع الثاني: التعاقد على الشيء المختلط الأجزاء صنعة، الذي يقصد أحد الخليطين فيه، والخليط الآخر أضيف لإصلاح هذا الشيء مثل خل تمر، أو خل زبيب، فالخل يحصل باختلاط التمر – أو الزبيب – بالماء الذي هو قوامه – فالماء أضيف لمصلحة الخل. * وقد اختلف رأي المذهب الشافعي في صحة السلم في هذا النوع إلى رأيين: الرأي الأول وهو الأصح: يصح السلم فيهما، لسهولة ضبط كل جزء في الأول، ولأن الثاني من مصلحته. الرأي الثاني: وهو مقابل الأصح: لا يصح السلم فيهما، لعدم انضباط الأجزاء فيهما. النوع الثالث: التعاقد (سلما) على الشيء المختلط المقصود الأركان التي لا تنضبط، مثل هريسة، ومعجون مركب من جزأين أو أكثر، وغالية، وقسى مركب من خشب وعظم وعصب. وهذا النوع لا يصح السلم فيه، لعدم انضباط أجزائه. وبينت أن مدار القول بالصحة أو عدمها هنا يدور حول ما يأتي: (أ) في الأشياء المصنعة من مادة واحدة: تفاوت الصنعة أو تفاوت الأشكال ونحوها، فإن لم تتفاوت صح السلم، وإن تفاوتت لم يصح. (ب) في الأشياء المختلطة الأجزاء خلقة أو صنعة: انضباط الأجزاء المتكون منها هذا الشيء، أو إمكان فصل هذه الأجزاء ليعرف قدر كل جزء منها فإن أمكن ذلك صح السلم وإلا لم يصح وأخيرًا بينت أن هذا الضابط يمكن أن يحكم لنا على كل أنواع ما يجري السلم فيه من الأشياء المختطلة خلقة أو صنعة، فإن تحقق هذا الضابط صح السلم وإلا لم يصح. وهذا ما اتجه إليه الشيخ محمد نجيب المطيعي (الفقيه الشافعي) معممًا ذلك على كل أنواع المصنوعات في زمننا من السلع المعمرة كالتلفاز والمذياع والثلاجة والغسالة ... ونحو ذلك [يراجع ص٤٧٥] .

стр. 10601

رابعًا: المذهب الحنبلي. بينت أيضًا رأي المذهب الحنبلي في عقد الاستصناع ثم في عقد السلم على الأشياء التي يراد صنعها في ثلاثة مطالب المطلب الأول بينت فيه أن المذهب الحنبلي لا يصح عنده عقد الاستصناع كما ذكره القاضي وأصحابه لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم. المطلب الثاني: صور أوردها المذهب لها تعلق باستصناع السلعة الصورة الأولى: صورة يكون فيها الشيء قد تم صنع بعضه ولم يتم الانتهاء منه وأراد بيعه على أن ينسج باقيه (وهي مسألة تور ليكمل عند المالكية) ففي المذهب رأيان: الرأي الأول: يرى أنه لا يصح بيعه لأن بيع المنسوج بيع عين والباقي موصوف في الذمة ولا يصح أن يكون الثوب الواحد بعضه بيع عين وبعضه مسلم فيه لأن الباقي سلم في أعيان وذلك لا يجوز ولأنه بيع واستئجار وسلم. الرأي الثاني: وحكى بـ (قيل) ـ ما ينبئ عن الضعف أنه يصح بيعه إلى المشتري إن صح جمع بين بيع وإجارة منه بعقد واحد، لأنه بيع وسلم، أو شرط فيه نفع البائع.

стр. 10602

الصورة الثانية: إذا أحضر البائع لحمة الثوب وباعها مع الثوب وشرط على البائع نسجها: ففي هذه الصورة تجري الروايتان في اشتراط منفعة البائع. * والمذهب يرى صحة الجمع بين بيع وإجارة، ويرى صحة بيع شرط فيه نفع البائع. المطلب الثاني: التعاقد (سلما) على أشياء تصنع. وقد أبرزت تحت هذا المطلب صورا متعددة نص المذهب على صحة التعاقد عليها سلما، وهي كلها تحتاج إلى صنعة ... المطلب الثالث: الضوابط التي يلزم توافرها لصحة عقد السلم في الأشياء المتعاقد على صنعها: أستطيع أن أخلص إلى التقسيم التالي: القسم الأول: الأشياء المصنعة من مادة واحدة، ويرى المذهب صحة السلم في هذه الأشياء. القسم الثاني: السلم في أشياء تصنع من أكثر من مادة، ويندرج تحتها صورتان: الصورة الأولى: السلم في الأشياء المختلطة خلقة، وهو صحيح في المذهب. الصورة الثانية: السلم في الأشياء المختلطة صنعة، ويصح السلم في نوعين منها: النوع الأول: السلم فيما يجمع أخلاطا مقصودة متميزة – كثياب منسوجة من نوعين (كإبريسم وقطن) . وبينت ضابط هذا النوع، وآفاق تطبيقه. النوع الثاني: السلم فيما يترك فيه شيء غير مقصود لمصلحته، كخل تمر، أو زبيب، يوضع فيه الماء، وخبز يوضع فيه الملح. ويصح السلم في هذا النوع أيضا، لأن ما خلط به يسير غير مقصود لمصلحته، فلم يؤثر. ثم بينت الضابط الذي يمكن أن يحكم صحة السلم في الأشياء المختلطة صنعة، وهو أن تكون أخلاطها مقصودة متميزة، وإمكان ضبطها بالصفة. أما المختلطة خلقة فهي صحيحة مطلقا، لأنه لا عمل للإنسان فيها فإن دخلها غش لا يصح السلم فيها. "وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ". ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ . وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن نهج وسار على هديه إلى يوم الدين. أ. د. حسن علي الشاذلي

стр. 10603

أثر الاستصناع في تنشيط الحركة الصناعية إعداد الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور عضو مجمع الفقه الاسلامي بجدة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عرف الفقه الإسلامي بمجموعة مذاهبه أنواعًا من العقود المرنة ذات الطابع اللين المستجيب لمقتضيات التطور الاجتماعي للجماعات الإنسانية، من هذه العقود اللينة: عقد الاستصناع والواقع أن عقد الاستصناع ليس عقدًا متفقًا عليه كعقد الرهن مثلًا، بل هو من العقود المختلف فيها بين المذاهب الفقهية؛ فمن مبيح ومن مانع، ومن مفصل.. بين هذا وذاك.. بشروط. ومع ذلك فلقد كان المذهب الحنفي – وهي شهادة حق – أوسع المذاهب المحتضنة لهذا العقد التعاملي الذي إنما أجازه من أجازه من الفقهاء استحسانًا لشدة حاجة الناس إليه وللتعامل به سلفًا وخلفًا حتى أصبح ذلك من المسلمات. هذا العقد صار له اليوم في عالم المعاملات المالية – صار له دور بارز وأثر فعال في تنشيط الحركة الصناعية الجبارة في هذا العصر، عصر الآلة، فلماذا لا ندرس هذا المحور درسًا متأنيًا مستوعبًا، لنهتبل فرصة اعتراف الفقه الإسلامي به بشروطه المعتبرة فنفيد منه أفرادًا وجماعات في مضمار الطيران والبحار والمعامل والآلات والبخار والكهرباء؟!! بل ولماذا نستجدي دائمًا من الآخرين الملاليم مع الذل، ونحن لدينا الكنوز المترعة مع العز؟! لهذا كله أشرعت اليراع وتوفرت على هذا المحور النفاع ورأيته أجدى المحاور وأحراها بالبحث والتقصي، فالعصر لا يريد منا أن نكرر ما قاله الأولون، بل أن نفهمه ونهضمه ونزيد عليه، ونستخرج منه ومنا شرابًا طيبًا مباركًا فيه سائغًا للشاربين وقدمت هذا البحث المتواضع لمجمعنا الفقهي الإسلامي العتيد في دورته السابعة الميمونة، وأقمته على مدخل ومقصد وخاتمة سائلًا الله تعالى أن يجعل له القبول وأن يسدد خطانا جميعًا لما يحب ويرضى والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

стр. 10604

المدخل إلى البحث تعريف عام بعقد الاستصناع الاستصناع هو (عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل) (١) . جاء في شرح المجلة للشيخ خالد الأتاسي ما نصه في شرح المادة ٣٨٨ منها في ترجيح هذا الحد؛ [والصحيح هو القول الأخير – أي المذكور آنفًا – لأن الاستصناع طلب الصنع، فما لم يشترط فيه العمل لا يكون استصناعًا، فكان مأخذ الاسم دليلًا عليه، ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سلمًا، وهذا يسمى استصناعًا، واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل] . ثم قال في الاستدلال لمشروعيته، [وهو جائز استحسانًا، والقياس يقتضي عدم الجواز لأنه بيع المعدوم، وقد نهى ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده ورخص في السلم، وهذا ليس بسلم، لأنه لم يضرب له أجل، وجه الاستحسان الإجماع الثابت بالتعامل، فإن الناس في سائر الأمصار تعارفوا الاستصناع فيما فيه تعامل من غير نكير، والقياس يترك بمثله] ، ثم قال: (ودليله الإجماع العملي، وهو قاض على القياس) (٢) . فعقد الاستصناع يشمله بالمنع عموم النص المانع، وإن لم يكن واردًا فيه خصيصًا، ولكن الاستصناع عقد قد تعارفه جميع الناس في كل البلاد لاحتياجهم إلى طريقته، فلذلك أقر الاجتهاد عقد الاستصناع للعرف الجاري فيه، واعتبر هذا العرف مخصصًا لعموم النص العام المانع، فكأنما ورد النص باستثناء الاستصناع ضمنًا كما استثنى السلم صراحة، وبقي العمل بالنص في غير ذلك من أنواع بيع المعدوم، وقد نقل انعقاد الإجماع على صحة الاستصناع، وهذا يقال له في عرف الفقهاء واصطلاحهم: (العرف المقارن العام) وهو في الاجتهاد الحنفي مخصص للنص (٣) .

стр. 10605

وأبرز شروطه: بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره وصفته بما ينفي الجهالة المفضية للمنازعة، وأن يكون مما يجري فيه التعامل بين الناس، واشترط الإمام أبو حنيفة أن لا يكون فيه أجل وإلا انقلب سلمًا، وقال الصاحبان ليس هذا بشرط، والعقد استصناع على كل حال حدد فيه أجل أم لا، لأن العادة جارية بتجديد الأجل في الاستصناع، وقولهما هو الأولى بالأخذ لتمشيه مع الحياة العملية (١) . وصفته؛ أنه عقد غير لازم قبل الصنع؛ وبعد الفراغ من الصنع، ولكل من العاقدين الخيار في إمضاء العقد أو فسخه والعدول عنه، قبل رؤية المستصنع للشيء المصنوع، فإذا جاء الصانع بالشيء المصنوع إلى المستصنع، فقد سقط خياره لأنه رضي بكونه للمستصنع حيث جاء به إليه، وحينئذ إذا رآه المستصنع فله الخيار؛ إن شاء أخذه وإن شاء تركه، وفسخ العقد، عند الإمامين أبي حنيفة ومحمد، لأنه اشترى شيئًا لم يره، فكان له خيار الرؤية، بخلاف الصانع فهو بائع فلا خيار له. وقال الإمام أبو يوسف: العقد لازم إذا رأى المستصنع المصنوع ولا خيار له إذا جاء موافقًا للطلب والشروط، لأنه مبيع، بمنزلة المسلم فيه، فليس له خيار الرؤية لرفع الضرر عن الصانع في إفساد المواد المصنوعة التي صنعها وفقًا لطلب المستصنع فربما لا يرغب غيره في شرائه على تلك الصفة، قلت؛ والقول برأي أبي يوسف أجدر بالترجيح في هذا العصر للحاجة إلى تثبيت العقود وعدم خلخلتها واهتزازها في عصر فسدت فيه الذمم، هذا حكم الاستصناع في حق المستصنع، وأما حكمه في حق الصانع فثبوت الملك اللازم إذا رآه المستصنع ورضي به ولا خيار له وهذا في ظاهر الرواية (٢) وبعد؛ فيجوز عدم وجود المعقود عليه في بيع الاستصناع في رأي بعض الحنفية (٣) .

стр. 10606

المقصد من البحث: المبحث الأول المعضلات الفقهية في عقد الاستصناع ١ - المعضلة الأولى؛ مدى اللزوم في عقد الاستصناع: الاستصناع كان يعتبر في أصل المذهب الحنفي عقدًا غير لازم، فأصبح بمقتضى نصوص المجلة عقدًا لازمًا، وعلى هذا فيجوز في الاستصناع لكل من الطرفين فسخه في أصل المذهب بلا خلاف ما دام الشيء المستصنع لم يصنع بعد، أما بعد صنعه وإحضاره فيكون للمستصنع حقًّا في الفسخ من قبيل خيار الرؤية على الرأي الراجح في المذهب، ولكن المجلة أخذت بلزوم العقد في حق الطرفين منذ انعقاده، إلا إذا جاء المصنوع مغايرًا للأوصاف المبينة في العقد، وحينئذ يكون للمستصنع حق الفسخ بمقتضى خيار فوات الوصف المشروط، لا بمقتضى عدم اللزوم في عقد الاستصناع، وذلك بنص المادة ٣٩٢ من المجلة. جاء في لائحة الأسباب الموجبة من مقدمة المجلة أنها اختارت قول الإمام أبي يوسف بعدم خيار المستصنع إذا أحضر الصانع المصنوع بعد العمل موافقًا للشروط، وذلك وفقًا لما تقضي به المصلحة الزمنية. والمنقول في كتب المذهب أن أبا يوسف لا يقول بعدم خيار المستصنع إلا بعد الصنع وإحضار الصانع المصنوع موافقًا للأوصاف المشروطة، أما قبل الفراغ من صنعه أو بعد الفراغ قبل إحضاره فلا خلاف في أن المستصنع مخير (١) ، لكن نص المادة ٣٩٢ من المجلة جاء صريحًا في أنه بعد انعقاد الاستصناع لا خيار لأحد من الطرفين إلا إذا جاء المصنوع مغايرًا للأوصاف المشروطة، فأفاد إطلاق نصها اللزوم بحق الطرفين قبل الصنع بعد انعقاد العقد، وهو ليس قولًا لأحد في المذهب الحنفي، والذي رجحه الأستاذ الجليل الزرقاء في كتابه القيم المدخل الفقهي ورمز له بقوله: (الظاهر) وهو أن المجلة اتخذت نظرية الإمام أبي يوسف أساسًا وتوسعت فيه بالتعديل في بعض نواحيها بحسب المصلحة الزمنية، وقد اقترنت بالإرادة السلطانية فأصبحت قانونًا من ولي الأمر، فالعبرة لنصها لا للنصوص التي استُمِدَّت منها (٢) . والذي يتوجه اليوم ترجيح قول الإمام أبي يوسف أولًا، ثم الوصول إلى ترجيح رأي المجلة ثانيًا بالإلزام في حق الطرفين حفظًا لحقوق الناس من الضياع.

стр. 10607

٢- المعضلة الثانية، الشرط الجزائي في عقد الاستصناع: كان الاجتهاد الحنفي الذي جاء بنظرية الفساد من الاجتهادات التي ضيقت من حرية سلطات الإرادة في الشروط العقدية، وإن كان يعد متوسطًا بالنسبة إلى غيره، فكان الشرط الذي لا يجوز اشتراطه في العقد يعد مفسدًا للعقد. ولما كانت هذه الشروط كثيرة أصبحت حوادث الفساد في العقود كثيرة كذلك (١) . وفي أواخر العهد العثماني اتسعت في الدولة التجارة الخارجية مع أوروبا، وتطورت أخيرًا أساليب العقود في التجارة الداخلية والصنائع، وتولدت في العصر الحديث أنواع من الحقوق لم تكن معهودة كالحق المسمى بحق الابتكار أو الحق الأدنى، واحتاج أصحاب هذه الحقوق والامتيازات إلى بيعها أو التنازل عنها لغيرهم من القادرين على استثمارها. واتسع مجال عقود الاستصناع في التعامل بطريق الإيصاء مع المعامل والمصانع، وكذا عقود التعهد بتقديم الأرزاق وغيرها إلى الهيئات الاعتبارية، مما سمي (عقود التوريد) وكل ذلك يعتمد المشارطات في شتى صورها، وازدادت قيمة الزمن في الحركة الاقتصادية حتى أصبح تأخر أحد المتعاقدين، أو امتناعه عن تنفيذ التزاماته في مواعيدها المشروطة مضرًّا بالطرف الآخر في وقته وماله أكثر مما كان قبل، ولا يعوض هذا الضرر القضاء على الملتزم بتنفيذ التزامه الأصلي، لأن هذا القضاء إنما يضمن أصل الحق لصاحبه، ولا يجبر ضرر التعطل أو الخسارة الذي يلحقه جراء تأخر خصمه عن وفاء الالتزام في حينه تهاونًا منه أو امتناعًا. وهذا قد ضاعف احتياج الناس إلى أن يشترطوا في عقودهم ضمانات مالية على الطرف الآخر الذي يتأخر في تنفيذ التزامه في حينه، ومثل هذا الشرط يسمى في اصطلاح علماء القانون الوضعي الحديث (الشرط الجزائي) وهو يتخرج على مذهب القاضي شريح في ضمان التعويض عن التعطل والانتظار، وقد أيد ذلك ابن القيم ﵀ بما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عون عن ابن سيرين أنه قال: (قال رجل لكريه: أرحل بركابك، فإن لم أرحل معك في يوم كذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح، (من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه) (٢) ، وابن شبرمة قال في حديث جابر بن عبد الله في قصة البعير (البيع جائز والشرط جائز) (٣) فهذا وأمثاله يدل دلالة قاطعة على أن الشرط الجزائي الذي يجري اشتراطه في العقود تعويضًا عن ضرر محقق هو شرط صحيح معتبر يضاف إليه ما لم يكن هنالك عذر شرعي في الإخلال بالالتزام به. وقد تأيد ذلك بقرار هيئة كبار العلماء في السعودية سنة ١٣٩٤هـ.

стр. 10608

المبحث الثاني مدى أثر الاستصناع في تنشيط الحركة الصناعية أدى الاستصناع في العُصُر الخوالي وظيفته في الحياة العملية، فأفاد كلا من الصانع والمستصنع والصنعة والفرد والجماعة، ثم تطورت الحياة الاجتماعية في العصور الحديثة فانتشر الاستصناع انتشارًا بين الناس واسعًا، فشمل صناعات متطورة ومهمة في حياة الناس اليوم، كالطائرات والسفن والسيارات والقطارات والمعامل، فأدى إلى تنشيط الحركة الصناعية وأسهم في سعادة الفرد والمجتمع. والشيء الملفت للنظر ما وصل إليه الاستصناع في هذه الأيام من بناء المساكن الحديثة وغيرها من المباني والمؤسسات. وإني أستطيع أن أضرب عددًا من الأمثلة على هذا الأثر ومداه في تنشيط الحركة الصناعية في العصور الحديثة، وذلكم في كل من عقد التوريد وعقد المقاولة، ثم في التمويل للمشاريع الكبرى، وبيع الدور السكنية على الخريطة. ١- فأما عقد المقاولة؛ فهو عقد عرفه علماء القانون، وليس هو في الواقع عقد الاستصناع، ولا يجوز الخلط بينهما، ولو أن بينهما نسبًا ووليجة، لكن عقد المقاولة يمكن التصرف فيه ببعض التحوير الفقهي، فيصبح حينئذ عقد استصناع شرعيًّا لا غبار عليه، وهو يتم فيه عادة الاتفاق على مدة التسليم والإلزام بغرامة معينة عند التأخير، فالتغريم كما مر أمر جائز بالشرط المسمى بالشرط الجزائي الذي أقره الاجتهاد الحنبلي من الفقه الإسلامي كما مر آنفًا. ٢- وكذلك عقد التوريد؛ فهو غير عقد الاستصناع بل هو تعهد والتزام من إنسان يجلب أشياء لإنسان آخر أو لجهة أخرى، فهذا هو فحواه، ومع ذلك فإنه عقد يمكن أن يبتني على عقد الاستصناع بوجه من الوجوه. ٣- وكذلك التمويل للمشاريع الكبرى في هذا العصر يمكن أن يبتني على عقد الاستصناع في كثير من الوجوه، كل ذلك بشرط وضوح التعاقد في كل هذه الأمور مع بيان شروطه، وأوصافه بيانًا وافيًا كافيًا مزيلًا لكل جهالة مفضية إلى النزاع والخلاف، وذلك كتمويل المعامل الكبرى، والصناعات الثقيلة كالطائرات والسيارات وما شاكل ذلك. ٤- ومن التطبيقات الجديدة على عقد الاستصناع بيع الدور السكنية وما شاكلها على الخريطة، ضمن أوصاف محددة، فهذا الأمر لا يصح إلا بتخريجه على عقد الاستصناع، ويعد العقد صحيحًا إذا ذكرت في شروط العقد كل المواصفات التي تمنع الجهالة المفضية إلى النزاع وتزيلها، وأصبح اليوم من السهل الميسور بيان كل ذلك بشكل مكتوب واضح متفق عليه مع بيان تسديد الثمر وآماده، ومدة التسليم بشكل تقريبي مستعجل، مع توثيق ذلك كله (١) .

стр. 10609

خاتمة البحث والآن أضع القلم بعد أن تحدثت عن عقد الاستصناع وأثره في تنشيط الحركة الصناعية المعاصرة، بحيث بات اليوم من الضروري توسيع بحث الاستصناع وتطويره من ناحية الصياغة الفقهية الحديثة، وذلك بالأخذ بكل الاجتهادات الفقهية الإسلامية ضمن المذاهب الفقهية الكبرى لفقهاء الأمصار، دون تحرج من ذلك، فإن المعاملات المالية اليوم لا يتسع لها مذهب واحد من مذاهب الشريعة، وهي دائمًا في توسع وازدياد وتطور، والرأي أن نخضعها للفقه الإسلامي بمذاهبه كلها، فنجد فيها جميعًا العلاجات العجيبة لمشكلات التعامل المالي الحديث، فنبينا محمد ﷺ هو ينبوع الشريعة، والمذاهب الفقهية بجداولها، وهو بعث بها كلها فكأنه بعث بشرائع متعددة، وما هي إلا شريعة واحدة ذات كنوز متعددة متنوعة. وما أحسن ما قاله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: [هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقد وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل] (١) . الدكتور محمد عبد اللطيف صالح الفرفور

стр. 10610

مصادر البحث ومراجعه ١- الأتاسي (خالد) ، شرح المجلة، طبعة حمد. ٢- الكاساني (علاء الدين) ، البدائع في ترتيب الشرائع. ٣- ابن الهمام (كمال الدين) ، فتح القدير شرح الهداية. ٤- ابن عابدين (محمد أمين) ، رد المحتار على الدر، طبعة بولاق سنة ١٢٧٢هـ مع التكملة. ٥- السرخسي (شمس الأئمة) ، المبسوط شرح الكافي. ٦- ابن القيم (الزرعي) أعلام الموقعين عن رب العالمين، طبعة المنيرية. ٧- العسقلاني (الحافظ أحمد ابن حجر) ، فتح الباري شرح صحيح البخاري. ٨- الزرقاء (مصطفى أحمد) ، المدخل الفقهي العام، الطبعة الثانية، مطبعة الجامعة السورية. ٩- الزحيلي (وهبة) ، الفقه الإسلامي وأدلته، مطبعة دار الفكر، الطبعة الأولى. ١٠- قدري باشا (محمد) ، مرشد الحيران إلى أحوال الإنسان. ١١- أبو سنة (أحمد فهمي) العرف والعادة عند الفقهاء. ١٢- الفرفور (محمد عبد اللطيف) ، نظرية الاستحسان في التشريع الإسلامي وصلتها بالمصالح المرسلة، طبعة دار دمشق.
следующие страницы →