المقاول الثاني: يجوز للمقاول أن يكل تنفيذ العمل كله أو بعضه إلى مقاول آخر إذا لم يمنعه شرط في العقد من ذلك ولم تكن طبيعة العمل تقتضي أن يقوم به بنفسه وتبقى مسألة المقاول قائمة قبل صاحب العمل ولا يجوز للمقاول الثاني أن يطالب صاحب العمل بشيء مما يستحقه المقاول الأول إلا إذا أحاله على رب العمل (١)
انتهاء المقاولة: ينقض عقد المقاولة بإنجاز العمل المتفق عليه أو بفسخه رضاء أو قضاء وكذلك تنتهي إذا حصل عذر يحول دون تنفيذ العقد أو إتمام تنفيذه فيجوز لأحد عاقديه أن يطلب فسخه لكن إذا بدأ المقاول في التنفيذ ثم أصبح عاجزًا عن إتمامه لسبب لا يد له فيه فإنه يستحق قيمة ما تم من العمل وما أنفقه في سبيل التنفيذ بقدر ما يعود على صاحب العمل من نفع ولمن تضرر من الفسخ أن يطالب الطرف الآخر بتعويضه في الحدود التي يقرها العرف (٢) وتفسخ المقاولة بموت المقاول إذا كان متفقًا على أن يعمل بنفسه أو كانت مؤهلاته الشخصية محل الاعتبار في التعاقد فإذا خلا العقد من ذلك ولم تكن مؤهلاته الشخصية أو إمكاناته محل اعتبار في التعاقد فلا ينتهي العقد من تلقاء نفسه ولكن يجوز لرب العمل إنهاؤه إذا لم تتوفر في ورثته الضمانات الكافية لحسن تنفيذ العمل وفي كلا الحالتين للورثة قيمة ما تم من العمل والنفقات وفقًا لشروط العقد وما يقتضيه ولرب العمل أن يطالب بتسليم المواد والله أعلم وأحكم.
الشيخ كمال الدين جعيط
стр. 10642
الاستصناع والمقاولات
في العصر الحاضر
إعداد فضلة الشيخ مصطفى كمال التارزي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الاستصناع
مقدمة:
الاستصناع هو عقد من العقود، كالبيع، ينعقد بالإيجاب والقبول، وصورته: أن يقول إنسان لنجار، مثلًا: اصنع لي خزانة، أو يقول لحداد اصنع لي شباكًا، ويبين نوع ما يريد وقدره وصفته، فيستجيب الصانع لإنجاز ما طلب هذه بثمن معين.
والاستصناع كان موجودًا منذ القدم، لحاجة أعضاء المجتمع إلى هذا النوع من الجهد، وتلبية رغباتهم ورغبات غيرهم، وتعامل الناس به في مختلف البلدان. واستمر العمل به في الجزيرة العربية قبل الرسالة، وأقره الرسول ﷺ بعد أن جاءه الوحي بما أحله الله وحرمه.
ذلك لأن الشريعة الإسلامية ما جاءت لتقضي على كل عادات الناس ومعاملاتهم قبل الإسلام، بل أقرت البعض مما هو صالح، ويتماشى مع مبادئ الشريعة وأهدافها ومنعت البعض الآخر، واشترطت شروطًا قومت بها اعوجاجه، فأصبح بها يسير طبق نصوص الشريعة ومنهجها.
فكان الاستصناع من العقود التي أقرها الإسلام، بعدما قيده بشروط تقي المجتمع من الضرر والضرار.
стр. 10643
الصناعة والاستصناع في الشريعة الإسلامية:
الصناعة والاستصناع عمل يقره القرآن، وتؤيده القواعد والمبادئ الإسلامية.
أما القرآن فقد عني بتوجيه الناس إلى الصناعة بمختلف أنواعها، وجاءت آيات كثيرة من القرآن تحث المؤمنين على ممارسة الصناعات، واستخراج خيرات الأرض، وجعلها صالحة لتلبية حاجيات الإنسان المتعددة. قال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ . (١)
وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ . (٢)
وقال تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ (٣)
ولقد وردت هذه الآيات تستعرض العناية الربانية بالأمم التي قبلنا، واستمرار هذه العناية بالإنسان الذي جعله الله خليفة في الأرض، عملًا بالقاعدة المقررة في الشريعة الإسلامية: أن (شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ) ، لاسيما إذا كان السياق في معرض المدح والتحسين.
стр. 10644
موقف الشريعة الإسلامية من إنشاء العقود:
الأصول العامة الإسلامية تعطي الحرية لكل مكلف أن ينشئ ما شاء من عقود، ولو لم يرد نص من الشرع في إباحته، للقاعدة المعروفة عند الفقهاء: أن "الأصل في الأشياء الإباحة "، ومنها العقود والشروط، إلا إذا ورد نص من الشارع يفيد التحريم أو المنع.
وقد ذكر الشاطبي في الموافقات أن القاعدة المستمرة بين العلماء هي: التفرقة بين العبادات والمعاملات، فالأصل في الأولى ألا يقدم عليها المكلف إلا بإذن من الشارع، إذ لا مجال للعقول في اختراع العبادات، والأصل في الثانية الإباحة، حتى يدل دليل على خلافه (١) ، فالعقود والشروط هي من باب الأفعال العادية، والأصل فيها عدم التحريم، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (٢) ، فإذا لم تكن حرامًا لم تكن فاسدة، بل كانت جائزة ومباحة.
وعلى هذا الأساس صرح الإمام الشافعي في الأم: إن أصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضى المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا، إلَّا ما نهى عنه رسول الله ﷺ منها، وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله ﷺ محرم بإذنه، داخل في معنى المنهي عنه، وما فارق ذلك - أبحناه بما وصفناه من إباحة البيع في كتاب الله تعالى (٣)
وقد ذهب الإمام ابن تيمية في نفس هذا الاتجاه، إذ يقول: (ولا يحرم منها ولا يبطل إلا ما دل الشرع على تحريمه وإبطاله نصًّا أو قياسًا) (٤)
وتماشيًا مع هذا الرأي قال الكاساني في باب الشركات: (إما العنان فجائز بإجماع فقهاء الأمصار، لتعامل الناس بذلك في كل عصر، من غير نكير، ولأن هذه العقود شرعت لمصالح العباد وحاجاتهم إلى استنماء المال، وهذا النوع طريق صالح للاستنماء، ولم يرد نص في تحريمه، فكان مشروعًا (٥)
وقال الزيلعي في باب الربا: ولا نسلم أن حرمة البيع أصل، بل الأصل هو الحل، والحرمة إذا ثبتت إنما تثبت بالدليل الموجب لها، وهذا لأن الأموال خلقت للابتذال فيكون باب تصليحها مفتوحًا، فيجوز ما لم يقم الدليل على منعه (٦)
وهناك رأي ثان في موضوع إنشاء العقود. وهو يقول بأن الأصل في العقود والشروط الحظر، إلا ما ورد من الشارع إباحته، وهو مذهب الظاهرية، وقلة من العلماء في المذاهب الأربعة.
ولقد رد على هذا المذهب ابن القيم عندما قال في هذه المسألة (٧) : القول بأن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على البطلان خطأ، ما لم يقم عندهم دليل على دعواهم، وجمهور الفقهاء على خلاف هذا الاعتقاد، إذ يرون أن الأصل في العقود والشروط الصحة، إلا ما أبطله الشارع، أو نهى عنه، وهذا القول هو الصحيح.. وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيما عدا ما حرمه (الله) .
стр. 10645
الاستصناع لغة وشرعًا:
(أ) الاستصناع في اللغة:
جاء في لسان العرب: صنعه يصنعه صنعًا فهو مصنوع، وصنع عمله، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ . (١)
ثم قال: ويقال اصطنع فلان خاتمًا إذا سأل رجلًا أن يصنع له خاتمًا.. روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتمًا من ذهب.
فقوله (اصطنع) أي أمر أن يصنع له، كما تقول اكتتب أي أمر أن يكتب له، والطاء في اصطنع بدلًا من تاء الافتعال، أي أبدلت التاء طاء لوجود الصاد.
ثم قال: واصطنع الشيء، أي دعا إلى صنعه. والصناعة: حرفة الصانع، وعمله الصنعة، والصناعة ما تستصنع من أمر (٢)
وقال في القاموس المحيط: والصناعة ككتابة: حرفة الصانع، وعمله الصنعة. وصنعة الفرس حسن القيام عليه، والصنيع السيف الصقيل والمجرب، والسهم كذلك. وصنيعتي أي اصطنعته وربيته وخرجته.
ثم قال: ورجل صِنَع اليدين (بالكسر وبالتحريك) : حاذق في الصنعة (٣)
وفي الصحاح: الصنع (بالضم) مصدر قولك صنع إليك معروفًا، والصناعة حرفة الصانع، وعمله الصنعة، وسيف صنيع أي مجلو. وامرأة صناع اليدين أي امرأة حاذقة ماهرة بعمل اليدين (٤)
وفي المعجم الوسيط: صنع صنعًا: مهر في الصنع فهو صنع، استصنع فلانًا كذا طلب منه أن يصنعه له، والتصنيع: جعل الأمة صناعية بالوسائل الاقتصادية. الصانع من يصنع بيديه، ومن يحترف الصناعة. والصناعة حرفة الصانع، وكل علم أو فن يمارسه الإنسان حتى يمهر فيه ويصبح حرفة له (٥)
وبهذا ندرك إجماع علماء اللغة على أن (الاستصناع) هو: طلب عمل من الصانع فيما هو من خصائص حرفته ومهارته.
стр. 10646
(ب) الاستصناع في اصطلاح الفقهاء:
لقد كان هذا العقد مثار خلاف بين المذاهب، وحتى داخل المذهب الحنفي: هل هو بيع السلم فتجب فيه شروط السلم؟ أو هو بيع عادي فيجب فيه ما يجب في البيع من شروط؟ أو هو وعد بالبيع وليس بعقد بيع، فيتم بالتعاطي؟
ثم هل المبيع هو العين التي ستصنع؟ أو المبيع هو العمل؟
وهل يجري فيه خيار الرؤية، بعد الصنع كما في البيع العادي؟ أو لا يجري فيه الخيار، كي لا يتضرر الصانع، لأنه صنعه خصيصًا للمستصنع؟ (١)
وهذا ما سنحاول بيانه عندما نبين وجهة نظر كل مذهب بانفراده. ويجدر أن نشير هنا إلى أن الاستصناع عند الحنفية هو بيع، لا وعد بالبيع، وهو عقد من العقود أجازوه استحسانًا لا قياسًا، وبسطوا فيه القول في كتبهم، ببيان حقيقته وصفته وشروطه وحكمه، بينما بقية المذاهب الأخرى منعت هذا العقد، واعتبرته من بيع المعدوم، وألحقوه بالسلم في الصناعات.
اختار جانب كبير من فقهاء الحنفية تعريف هذا العقد بذكر وصفه وصورته، وهو المعروف عندهم: التعريف بالرسم (٢) ، واختار جانب آخر تعريف هذا العقد ببيان طبيعته.
стр. 10647
(أ) تعريف الاستصناع بالرسم:
فقد مثل السرخسي للاستصناع بقوله: (فإذا قال شخص لآخر من أهل الصنائع: اصنع لي الشيء الفلاني، بكذا درهم، وقبل الصانع ذلك انعقد استصناعًا عند الحنفية، كما إذا استصنع الرجل عند الرجال خفين أو قلنسوة، أو طستًا، أو كوزًا، أو آنية من النحاس (١)
ومثل الكاساني لصورة الاستصناع بقول الإنسان لصانع خفاف أو صفار: اعمل لي خفًّا أو آنية من أديم أو نحاس، من عندك، بثمن كذا، ويبين نوع ما يعمل وقدره ووصفه، فيقول الصانع: نعم (٢)
ومثل العلامة نظام (٣) للاستصناع: بقوله: جائز في كل ما جرى التعامل فيه، كالقلنسوة والخزف والأواني المتخذة من الصفر والنحاس وما أشبه ذلك، استحسانًا.
ويقول الكمال بن الهمام: الاستصناع: طلب الصنعة، وهو أن يقول لصانع خف أو كعب أو أواني الصفر: اصنع لي خفًّا طوله وسعته كذا، أو دستًا أي برمة تسع كذا ووزنها كذا على هيئة كذا (٤) ويبدو أن الصور التي تعرض لها الفقهاء في الاستصناع كانت لا تتعدى حدود الخف والقلنسوة والأواني والآلات النحاسية والحديد والزجاج.
فإذا اقتصرت حاجاتهم في ذلك العصر على هذه الأشياء، فلا مانع من أن يتناول الاستصناع أشياء أخرى اقتضتها حاجات العصور المتأخرة، كالأسلحة الحربية والسيارات والأرتال والطائرات والسفن، وكل المحركات على اختلاف أنواعها، ومواد البناء، وكل المعدات التي يحتاج إليها في هذا العصر.
стр. 10648
(ب) تعريف الاستصناع عند الحنفية بالحد:
(١)
وقد اختارت الموسوعة الفقهية تعريف الكاساني للاستصناع وهو: عقد على مبيع في الذمة، شرط فيه العمل على الصانع (٢)
وقال ابن عابدين: هو: طلب العمل من الصانع في شيء خاص على وجه مخصوص (٣) أي يكون العقد على شراء ما سيصنعه الصانع، وتكون العين والعمل من الصانع، فإذا كانت العين من المستصنع لا من الصانع فإن العقد يكون إجارة لا استصناعًا (٤)
ولو لم يشترط فيه العمل لا يكون استصناعًا، بل يسمى: سلما.
فإذا أتى الصانع بعين صنعها قبل العقد، رضي بها المستصنع، فإنما جاز لا بالعقد الأول بل بعقد آخر، وهو: التعاطي، بتراضيهما (٥)
وبهذا نعلم أن الاستصناع هو غير السلم وغير الإجارة عند الحنفية، لأن السلم هو بيع آجل بعاجل، أي بيع شيء غير موجود بثمن حال، والإجارة هي عقد على المنافع بعوض، أما الاستصناع فهو: الاتفاق على عمل الصانع بأن يصنع شيئًا نظير عوض معين بخامات من عنده.
وهو يشبه السلم لأنه بيع المعدوم، وأن الشيء المصنوع ملتزم به عند العقد في ذمة الصانع البائع، ولكنه يفترق عنه من حيث إنه لا يجب فيه تعجيل الثمن، ولا بيان مدة الصنع والتسليم، ولا كون المصنوع مما يوجد في الأسواق.
ويشبه الإجارة أيضًا، لكنه يفترق عنها من حيث أن الصانع في الاستصناع يضع مادة الشيء المصنوع من ماله. (٦)
وبما أن الفقهاء كغيرهم اشترطوا في كل حد أن يكون جامعًا مانعًا، فلا يكون التعريف الذي اختير للاستصناع حدًّا إلا إذا كان جامعًا لجميع أفراده، ومانعًا من دخول أي عقد من العقود هو خارج عن الاستصناع، فقولنا: هو عقد، إخراج لقول من قاله: إنه مواعدة، أي وعد بالبيع، إذ الوعد ما يطلبه الطالب فيعده صاحبه بإنفاذ ما يطلب، ولكنه لا يلزم به قضاء، لأنه ليس بعقد، بينما الاستصناع عقد يجري فيه التقاضي، ويجب الإيفاء به (٧)
القاعدة المعروفة عند الفقهاء أن التقاضي لا يكون في الموعود، وإنما يكون في الواجب.
وكذا أثبت الفقهاء في الاستصناع خيار الرؤية، وهذا الخيار يختص بعقد البيع.
والاستصناع إنما جاز اعتباره عقدًا بالقياس والاستحسان، والوعد بالبيع لا يتوقف إثباته على دليل (٨) وهذه الفوارق هي التي وجه بها محمد الاستصناع.
وقولنا: على مبيع يدل على أن شيئًا مخصوصًا ذكرت مادته ومواصفاته، يباع، وهذا القيد أخرج الإجارة أنها عقد على عمل من الأجير.
وقولنا: في الذمة يدل على أن المقصود هو بيع خاص لا البيع المطلق، لأن من شروط البيع المطلق أن يكون المبيع مقبوضًا في المجلس.
وقولنا: شرط فيه العمل، قيد أخرجنا به السلم، لأن السلم هو بيع عاجل بآجل، ويشترط فيه قبض المال قبل افتراق العاقدين، أما الاستصناع فلا يشترط فيه القبض.
وقولنا: على الصانع، قيد يميز الاستصناع إذ السلم لا يشترط فيه الصنع، بينما الاستصناع قائم على الصنع.
وجاء في البدائع: أن الصانع إذا أتى بعين صنعها قبل العقد، ورضي بها المستصنع، جاز وجواز هذا لا بالعقد الأول، بل بعقد آخر هو التعاطي، بتراضيهما (٩)
وبهذا أخرج هذا الحد: الوعد بالبيع، والإجارة، والسلم، والبيع المطلق، والتعاطي، فكان تعريفًا جامعًا مانعًا.
стр. 10649
حكم عقد الاستصناع عند الحنفية:
لقد كادت تجمع كلمة فقهاء الحنفية على جواز عقد الاستصناع ومشروعيته واعتمدوا في جواز هذا العقد على الاستحسان، قال صاحب الهداية: (١) : إذا استصنع شيئًا بغير أجل جاز، استحسانًا، للإجماع الثابت بالتعامل، وفي القياس لا يجوز، لأنه بيع المعدوم لا على وجه السلم، وقد نهى النبي ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم خاصةً، وإلى هذا ذهب زفر.
وقال الكمال بن الهمام: ولكنا جوزناه (أي الاستصناع) استحسانًا، للتعامل الراجع إلى الإجماع العملي من لدن رسول الله ﷺ إلى اليوم بلا نكير، والتعامل بهذه الصفة أصل مندرج في قوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، وقد استصنع رسول الله خاتما (٢)
وقال الكاساني (٣) : أما جوازه، فالقياس أن لا يجوز، لأنه بيع ما ليس عند الإنسان لا على وجه السلم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم، ويجوز استحسانًا، لإجماع الناس على ذلك، لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير، وقد قال ﵊: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"، وقال: "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح"، والقياس يترك بالإجماع ولهذا ترك القياس في دخول الحمام بالأجر من غير بيان المدة ومقدار الماء الذي يستعمل، وفي قطعة الشارب للسقاء من غير بيان قدر المشروب، وفي شراء البقل لأن الحاجة تدعو إليه. وقال الكمال ابن الهمام: واحتجم ﷺ وأعطى الحجام، مع أن مقدار عمل الحجامة وعدد كرات وضع المحاجم ومصها غير لازم (٤) .
وقد قصر الحنفية تجويز بعض الأشياء على غير قياس على ما جرى فيه التعامل بين الناس وأقره المسلمون وقال السمرقندي (٥) : والقياس أنه لا يجوز، وفي الاستحسان جائز.
ولم يشذ من علماء الحنفية عن القول بجواز الاستصناع إلا زفر الذي لا يقول بالاستحسان، ولا يقدمه على القياس، ولهذا قال بعدم جواز بيع الاستصناع (٦) .
ووجه تقديم الاستحسان على القياس في الاستصناع، هو تعامل الناس بهذا العقد، وإجماعهم على ذلك منذ عهد رسول الله ﷺ ، حتى اعتبروه دليلًا من أدلة الشريعة، يقابل القياس الجلي الذي تسبق إليه الأفهام، وهو عدم جواز بيع المعدوم، ولذلك كان الاستحسان عند علماء الأصول من الحنفية والحنابلة قياسًا خفيًّا، رجح على القياس الجلي، للمصلحة.
стр. 10650
أما الشافعية فإنهم لا يقولون بالاستحسان، ولذا استنكر الشافعي العمل بالاستحسان، وقال: (من استحسن فقد شرع) .
على أن من قال بالاستحسان لا يقول به اعتباطا، بل لابد له من مستند يستمد منه حجيته، وهو ما يعبر عنه بوجه الاستحسان، وهو في الغالب حاجة الناس الملحة إلى ذلك، لأنه قلما يوجد في السوق ما يتطلبه الإنسان على وجه المطلوب، فيحتاج أن يستصنع، فلو لم نقل بالجواز لوقع الناس في حرج، والدين يسر وليس بعسر، والله تعالى يقول ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)
وحكم الاستصناع إنما يضاف ثبوته إلى السنة أو الإجماع أو القياس، أما الاستحسان فإنما يراد به، في الغالب: قياس خفي يقابل قياسًا جليًّا.
وقد عده عدد آخر من الفقهاء من العرف العام. قال مصطفى الزرقاء: العرف العام هو الذي يكون فاشيًا في جميع البلاد بين جميع الناس في أمر من الأمور، وذلك كالاستصناع في كثير من الحاجات واللوازم، من أحذية وألبسة وأدوات وغيرها، فإن الناس قد احتاجوا إليه، ودرجوا عليه من قديم الزمان، ولا يخلو اليوم من التعامل به مكان، وقد أصبح جاريًا في جميع الحاجات (٢) ، والحقيقة أنه لا منافاة بين كل هذه الأقوال.
فاعتباره من الاستحسان، لأننا قدمنا فيه العمل بالقياس الخفي على القياس الجلي، وهو مسمى الاستحسان عند الحنفية.
واعتباره من العرف العام، لأن تعامل الناس به من أقدم العصور هو مبني على استحسان بعض الأعراف التي تحل حاجات المجتمع، وهو الذي فسره الغزالي في المستصفى (٣) ،وهو ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع بالقبول، والذي سماه فقهاء المسلمين: إجماعًا.
стр. 10651
أما الشافعية فإنهم لا يقولون بالاستحسان، ولذا استنكر الشافعي العمل بالاستحسان، وقال: (من استحسن فقد شرع) .
على أن من قال بالاستحسان لا يقول به اعتباطا، بل لابد له من مستند يستمد منه حجيته، وهو ما يعبر عنه بوجه الاستحسان، وهو في الغالب حاجة الناس الملحة إلى ذلك، لأنه قلما يوجد في السوق ما يتطلبه الإنسان على وجه المطلوب، فيحتاج أن يستصنع، فلو لم نقل بالجواز لوقع الناس في حرج، والدين يسر وليس بعسر، والله تعالى يقول ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (١)
وحكم الاستصناع إنما يضاف ثبوته إلى السنة أو الإجماع أو القياس، أما الاستحسان فإنما يراد به، في الغالب: قياس خفي يقابل قياسًا جليًّا.
وقد عده عدد آخر من الفقهاء من العرف العام. قال مصطفى الزرقاء: العرف العام هو الذي يكون فاشيًا في جميع البلاد بين جميع الناس في أمر من الأمور، وذلك كالاستصناع في كثير من الحاجات واللوازم، من أحذية وألبسة وأدوات وغيرها، فإن الناس قد احتاجوا إليه، ودرجوا عليه من قديم الزمان، ولا يخلو اليوم من التعامل به مكان، وقد أصبح جاريًا في جميع الحاجات (٢) ، والحقيقة أنه لا منافاة بين كل هذه الأقوال.
فاعتباره من الاستحسان، لأننا قدمنا فيه العمل بالقياس الخفي على القياس الجلي، وهو مسمى الاستحسان عند الحنفية.
واعتباره من العرف العام، لأن تعامل الناس به من أقدم العصور هو مبني على استحسان بعض الأعراف التي تحل حاجات المجتمع، وهو الذي فسره الغزالي في المستصفى (٣) ،وهو ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع بالقبول، والذي سماه فقهاء المسلمين: إجماعًا.
стр. 10652
السنة القولية تجيز الاستصناع:
ويرى بعض فقهاء الحنفية أن الاستصناع لم يكن دليله الاستحسان فقط، وإنما كان دليله السنة القولية، واستشهدوا بحديثين لرسول الله ﷺ :
الحديث الأول:
ما رواه نافع عن عبد الله، أن رسول الله ﷺ اصطنع خاتمًا من ذهب، وكان يجعل فصه إلى باطن كفه إذا لبسه، فصنع الناس، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه وقال: إني كنت ألبس هذا الخاتم وأجعل فصه من داخل، فرمى به ثم قال: لا والله لا ألبسه أبدًا، فنبذ الناس خواتيمهم (١)
وقد استشهد بهذا الحديث الفقهاء وأهل اللغة في حديثهم عن الاستصناع (٢) وفي تفسيرهم مادة صنع (٣) ، مع أنه حديث لم يرو في الصحاح، وإنما روى في كتاب النهاية في غريب الحديث (٤) وعقب عليه صاحب الاعتبار بأنه حديث صحيح ثابت، وله طرق في الصحاح، وهو حديث نص في معنى الاستصناع.
الحديث الثاني:
الحديث الذي رواه البخاري، أن الرسول ﷺ استصنع المنبر رواه عن أبي حازم بن دينار: (إن رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعدي وقد امتروا في المنبر مم عوده فسألوه عن ذلك، فقال: والله لا أعرف مم هو، ولقد رأيته أول يوم وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ : أرسل رسول الله ﷺ إلى فلانة (امرأة قد سماها سهل) : مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن إذا علَّمت الناس. فأمرته، فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ ، فأمر بها فوضعت ها هنا) (٥)
إن حديث المنبر وإن استشهد به فقهاء الحنفية (٦) إلا أنه لا يعتبر نصًّا صريحًا يدل على تجويز الرسول للاستصناع، لأن الروايات مختلفة في الصنع: أهو رغبة من الرسول وإنجاز من المرأة والغلام؟ وهذا لا يدل على أنه عقد استصناع أو هو عقد استصناع من الرسول نفسه نفذته المرأة؟
стр. 10653
إجماع المسلمين على التعامل بالاستصناع:
وعلى كل فإن الاستصناع عند الحنفية لم يثبت بالسنة وحدها، بل ثبت بالإجماع، وإقرار الرسول لهذا النوع من العقود الذي اصطلح عليه العرب وتعاملوا به من الجاهلية، وجاء الإسلام فأقره، وتنوقل إقرار الرسول باستمرار المسلمين على التعامل به في عهد الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يومنا هذا، بدون نكير، وقد قال رسول الله: "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة" (١)
وقد ذكر مصطفى الزرقاء (٢) أن بعض فقهاء الحنفية أطلقوا على هذا النوع من الإجماع: (استحسان الإجماع) وهو عدول عن مقتضى القياس إلى حكم آخر انعقد عليه الإجماع.
وتعامُلُ المسلمين بهذا النوع من العقود يسمى عندهم: إجماعًا عمليًّا، اعتبره الحنفية حجة، استنادًا إلى قول الرسول ﷺ الذي رواه عبد الله بن مسعود ﵁، قال: إن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد ﷺ خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه. فما رأى المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيِّء)) (٣)
وكادت كتب الفقه الحنفي تجمع على جواز الاستصناع، مستندة في ذلك إلى السنة، والإجماع العملي، والاستحسان، إلا أن الإمام الكاساني زاد شيئًا آخر، مستندًا في ذلك إلى قاعدة، فقال: لأن فيه معنى عقدين جائزين، وهو السلم والإجارة، لأن السلم عقد على مبيع في الذمة، واستئجار الصناع يشترط فيه العمل، وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا (٤)
وبهذا نعلم أن المذهب الحنفي حل مشكلة الصناعات التي تطورت تطورًا غريبًا، واحتيج إليها في هذا الزمان أكثر من كل الأزمنة الماضية، لأن السلم والإجارة لا يحلان كل حاجيات هذا العصر في الصناعة والاستصناع، فهذا العقد بما أحيط به من شروط ومواصفات، قد سهل على الناس أبواب التعامل، ووفر لهم كل مقومات الحياة بلا مشقة ولا ضرر ولا غرر، مع اجتناب كل ما حرمه الله، ونصت الشريعة على بطلانه.
ولما كان هذا العقد يتماشى مع ما جاءت به الشريعة من حفظ الحاجيات، ورفع المشقة على الناس، تماشيًا مع قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٥)
كان الحكم بجوازه لا يخالف منهج الشريعة الإسلامية، ولا يناقض أهدافها.
ومن الحنفية - كالحاكم الشهيد، والصفار، ومحمد بن سلمة - من ذهبوا إلى أن الاستصناع ليس عقدًا من عقود المعاودة، وإنما هو مواعدة تقوم على بيان ما يطلبه الطالب فيعده صاحبه بإنفاذ ما يطلب، فإذا أنجز المطلوب منه وسلمه إلى الطالب فقبله، انعقد عند ذلك عقد البيع، بالتعاطي، لا قبله (٦)
أما جمهور الحنفية فإنهم يعتبرون الاستصناع عقد بيع بعد الإيجاب والقبول، اعتمادًا على ما ذكره الإمام محمد ﵀ من أنه عقد بيع وليس بمواعدة (٧)
стр. 10654
التعاقد على المعدوم وموقف الفقهاء منه وخاصةً الحنفية:
لما كان الاستصناع قائمًا على أساس التعامل بشيء غير موجود وقت العقد، والقاعدة المقررة في العقود اشتراط وجود المعقود عليه، لأن بيع المعدوم لا ينعقد، كان الاستصناع مثار جدل بين العلماء.
فمن اعتبر تعامل المسلمين بالاستصناع من عهد الرسول ﷺ إلى زماننا هذا، من غير نكير، دليلًا على الجواز، اعتبر الاستصناع عقدًا مستثنى من القاعدة، كالسلم، لتعامل الناس به، استحسانًا، وهذا هو مذهب الحنفية.
ومن قال: إن الاستصناع عقد بيع اختل فيه شرط من شروط عقد البيع، وهو وجود المعقود عليه، حكم بعدم جوازه، لعدة أمور:
أولًا: لأنه بيع غرر يؤدي إلى المنازعة، والرسول ﷺ نهى عن بيع الغرر، للحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر (١) واعتبروا الاستصناع، كبيع الثمرة التي لم تخلق، وبيع السمك في الماء: بيعًا فاسدًا.
ورد هذا من طرف من أجاز الاستصناع بأن الرسول لم ينه عن المعدوم، وإنما نهى عن الغرر، ومن المعدوم ما لا غرر في بيعه، لأنه ضبطت أوصافه في العقد، وفي الإمكان وجوده عادةً، وتعامل الناس به في السلم والاستصناع بلا نزاع، وأقره الرسول ﷺ .
ثانيًا: لأن الرسول ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان،فقد ورد في الحديث الذي رواه الترمذي عن حكيم ابن حزام، أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل يسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه، ثم ابتاعه له من السوق، ثم أبيعه: فقال لا تبع ما ليس عندك (٢)
ورد هذا الاستدلال على المنع، من طرف المجيزين للاستصناع، فأنه: ليس بيع معدوم، لأن المادة الخام للمبيع تكون موجودة عادةً عند البائع، والمواصفات التي طلبها المشتري من الصانع هي سهلة التنفيذ عند الصناع عادةً، ولا ينجر بهذا النوع من التعامل غرر أو نزاع، وقد أقر الرسول ﷺ تعامل الناس به، وأجمع المسلمون على جوازه.
وقال ابن قدامة من الحنابلة (٣) : لا يجوز بيع ما لا يملكه ليمضي فيشتريه ويسلمه، رواية واحدة، وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا.
والاستصناع ليس من باب بيع، المعدوم، ولا من باب بيع غير المملوك وإنما ينطبق عليه حكم تأجيل قبض المبيع، كما إذا تم الاتفاق على أن يسلم البائع المبيع بعد مدة من الزمن، مع أن الاستصناع عقد أجازه أحد مصادر التشريع وهو الاستحسان، والرسول ﷺ لم يمنع العقود التي جرى تعامل الناس بها، ما دامت محققة لمصالح المسلمين، وغير جالبة للنزاع والضرر، مستجيبة للكليات العامة التي نادت الشريعة بالمحافظة عليها.
стр. 10655
الاستصناع في المذاهب الأخرى
المالكية:
يرى المالكية أن الاستصناع هو عقد سلم، تشترط فيه جميع شروط السلم. ولا يرونه عقدًا مستقلًّا بعنوان الاستصناع، ولكنهم يتكلمون عنه في حديثهم عن السلم، بعنوان السلم في الصناعات. قال الدردير: إن استصناع سيف أو ركاب من حداد، وسرج من سروجي، أو ثوب من حياك، أو باب من نجار، على صفة معلومة، بثمن معلوم، يجوز، وهو سلم تشترط فيه شروطه (١)
أما خليل في مختصره، فيقسم الاستصناع إلى قسمين:
الأول: هو ما كان العمل فيه دائمًا، ومثل له بقوله: (والشراء من دائم العمل كالخباز، هو بيع فهو استصناع ملحق بالبيع) (٢)
الثاني: هو ما كان العمل فيه غير دائم، ومثل له بقوله: (وإن لم يدم، فسلم، كاستصناع سيف أو سرج، وهو عندئذ استصناع ملحق بالسلم تشترط فيه جميع شروط السلم) (٣)
وإن عين المعمول منه (أي المصنوع) أو العامل (أي الصانع) فسد العقد، لأنه حينئذ صار معينًا لا في الذمة، وأصبح دينًا بدين، وشرط صحة السلم كون المسلم فيه دينًا في الذمة.
стр. 10656
وقال في المدونة: وإن اشترط أن يعمله هو بنفسه، أو اشترط عمل رجل بعينه؟ قال: لا يكون هذا سلفًا لأن هذا الرجل سلف في دين مضمون على هذا الرجل، واشترط عليه عمل نفسه، وقدم نقده، فهو لا يدري أيسلم هذا الرجل إلى ذلك الأجل فيعمله له أم لا؟ فهذا من الغرر: إن سلم عمله له، وإن لم يسلم ومات قبل الأجل بطل سلف هذا، فيكون هذا الذي أسلف إليه قد انتفع بذهبه باطلًا.
ثم قال: وإن اشترط أن يعمل له من حديد قد أراه إياه أو ظواهر أو خشب أو نحاس قد أراه إياه؟ قال: لا يجوز ذلك لأنه لا يدري أيسلم ذلك الحديد أو الظواهر أو الخشب إلى ذلك الأجل أم لا. ولا يكون السلف في شيء بعينه، فذلك لا يجوز في قول مالك (١)
فالمالكية يعتبرون هذا العقد بيعًا معينًا، والحنفية يعتبرون بيعًا موصوفًا في الذمة.
وبهذا ندرك أن الأصل في هذا الموضوع هو اتفاقهم على صحة هذا النوع من التعامل الذي كان موجودًا من عهد الرسول ﷺ ، ولكن الخلاف بينهم في تخريج هذا العقد: هل هو بيع، فتجري عليه أحكام البيع؟ أو هو سلم فتجرى عليه أحكام السلم؟ أو هو إجارة فتجرى عليه أحكام الإجارة؟
فالمالكية لم يخرجوا بهذا النوع من التعامل عن العقود المتعارفة والتي ضبطت شروطها وأركانها.
أما الحنفية فإنهم اعتبروا الاستصناع عقدًا جديدًا غير البيع والسلم والإجارة. وحاولوا أن يضبطوه بشروط من شأنها أن تحقق المصلحة المرجوة منه بدون مساس بأصول الشريعة وقواعدها، متجنبين كل ما من شأنه أن يكون سببًا في غرر أو ضرر أو مفسدة.
أما ابن رشد فقد ذكر في المقدمات أن ابن القاسم يقسم السلم في الصناعات إلى أربعة أقسام:
الأول: أن لا يشترط المسلم المستعمل عمل من استعمله (أي الصانع) ولا يعين ما يعمل منه، فهو سلم على حكم السلم، لا يجوز إلا بوصف العمل، وضرب الأجل، وتقديم رأس المال.
الثاني: أن يشترط عمله. ويعين ما يعمل منه، فليس هذا العقد بسلم، وإنما هو من باب البيع والإجارة بالعمل في الشيء المبيع.
الثالث: أن لا يشترط عمله بعينه. ويعين ما يعمل منه، فهو أيضًا من باب البيع والإجارة في المبيع.
الرابع: أن يشترط عمل الصانع بعينه، ولا يعين ما يعمل منه، فلا يجوز على حال، لأنه عقد يجتذبه أصلان متناقضان: لزوم العقد، لكون ما يعمل منه مضمونًا، وامتناعه، لاشتراطه عمل المستعمل بعينه (٢)
ويبدو أن ابن القاسم كان أكثر فقهاء المالكية وضوحًا في بيان أن المالكية لا تمنع تعامل الناس بالاستصناع، وإنما تسميه، حسب نوع التعامل: سلمًا، أو بيعًا، أو إجارة. وإذا كان هذا التعامل لا تتوفر فيه شروط السلم أو البيع أو الإجارة فإنها عند ذلك تمنع هذا النوع من التعامل.
стр. 10657
في المذهب الشافعي:
الشافعية: ألحقوا الاستصناع بالسلم، كالمالكية، فيؤخذ تعريفه وأحكامه من السلم عند الكلام عن السلف في الشيء المسلم للغير من الصناعات، فإن كانت المادة من المستصنع فهي من باب الإجارة، وإن كانت من الصانع فهي من باب السلم
وغالب كتب الشافعية لم تفرد الاستصناع بحديث خاص، وإنما تحدثت عما يصنع ضمن حديثها عن مسائل باب السلم، وأكدوا على صفات المطلوب صنعه حتى لا يؤدي التعامل بها إلى الجهل المفضي إلى النزاع والخصومة والغرر.
فقد جاء في المهذب (١) : ويجوز السلم في كل مال يجوز بيعه، وتضبط صفاته، ومثل لها بأشياء، من ضمنها ما يصنع، كالفخار والورق المصنوع وصبغ الغزل ونسجه.
ويقول النووي (٢) ويجوز السلم في الزجاج والطين والجص والأبنية والأواني فيذكر نوعها وطولها وعرضها وغلظها.. كما يجوز السلم في الكاغد عددًا، ويبين نوعه وطوله، كما يجوز في الآجرّ على الأصح، وفي وجه لا يصح (لتأثير النار، لأن النار لا يمكن ضبطها في طبخ الآجرّ) .
وبهذا نعلم أن الشافعية يجيزون التعامل بالاستصناع على شروط معينة إذا ضبطت صفات المستصنع ضبطًا يزيل كل جهالة مفضية إلى النزاع، ولهذا أطال الشيخ النووي (٣) في ذكر الأمثلة والأشياء التي يجوز فيها السلم، وما لا يجوز فيه السلم، معتمدًا في كل ذلك على ما تعورف ضبط صفاته، وقبل في التعامل بين الناس بدون نزاع. أما ما أفضى إلى نزاع أو غرر أو جهالة فقد منعه.
وهم لا يسمون هذا النوع من التعامل بالاستصناع، وإنما يسمونه، سلمًا.
وما اشتهر في كتب الفقه من أن المالكية والشافعية لا يجيزون الاستصناع يوهم بأنهم عطلوا هذا النوع من التعامل بين الناس وإباحة غيرهم، بينما القضية هي قضية تخريج، والتزام بمصطلحات معينة لكل مذهب لا تزيد عن تقييد هذا العقد بقيود جديدة، وتغير التسمية.
وإذا كان الشافعي لا يقول بالاستحسان الذي بموجبه أجاز الحنفية الاستصناع بل اعتبر أن "من استحسن فقد شرع" فليس معنى ذلك أنه لا يجيز هذا النوع من التعامل بل خرج هذا النوع من التعامل على أنه سلم بشروطه.
стр. 10658
عند الحنابلة:
إن الحنابلة لم يقدموا الاستصناع في باب مستقل كما فعل الحنفية، وإنما تعرضوا إليه ضمن حديثهم عن السلم في الصناعات، كما فعل المالكية والشافعية.
فقد ذكر ابن قدامة عدة فصول بين فيها ما يصح فيه السلم مما يوزن ويكال، ومما يضبط بالصفة التي تختلف أثمانها بقيمتها حسب الصفات والمواصفات، ومن ضمنها الأشياء التي تصنع، وقال (١) : وتضبط الثياب بستة أوصاف: النوع: كتان أو قطن، والبلد، والطول والعرض، والصفاقة والرقة، والغلظ والدقة، والنعومة والخشونة.
ويوصف غزل القطن والكتان بالبلد واللون والغلظ والدقة والنعومة.
وقد أطلق الحنابلة التعامل بالسلم في كل الصناعات، متي توفرت شروط السلم المعروفة.
فإن فقد شرطٌ من الشروط المقررة في السلم عند الحنابلة، بطل العقد كما لا يصح اعتباره بيع استصناع لأنه يعتبر بائعًا ما ليس عنده على غير وجه السلم، وهو باطل كذلك (٢)
فالحنابلة لا يمنعون تعامل المجتمع الإسلامي بالاستصناع. بل يبيحونه ولكن على اعتباره عقد سلم، يصح بما تصح به كل عقود السلم عندهم.
стр. 10659
مقومات عقد الاستصناع عند الحنفية:
لقد ذكرنا فيما سبق أن الحنفية هم الذي يجيزون عقد الاستصناع، وهو عندهم عقد مستقل عن عقود البيع (١) ، ولكنه فقد بعض مستلزمات البيع، لأنه أشبه السلم من جهة، إذ هو كالسلم: بيع آجل بعاجل، لكنه يفترق عن السلم بأمور:
أولًا: لا يجب في الاستصناع تعجيل الثمن، بينما يجب في السلم التعجيل.
ثانيًا: لا يجب في الاستصناع بيان مدة الصنع والتسليم، بينما يجب ذلك في السلم.
ثالثًا: لا يجب كون المصنوع مما يوجد في الأسواق، بينما هو مشروط في السلم.
ويشبه الاستصناع الإجارة من جهة أخرى، من حيث أن الاستصناع بيع عمل كالإجارة، ويفترق عن الإجارة بشيئين:
الأول: أن الصانع يضع مادة الشيء المصنوع من ماله، وهو محل البيع، بينما الأجير مكلف بخصوص العمل.
الثاني: الإجارة على الصنع محل العقد فيها هو العمل، بينما في الاستصناع محل العقد هو العين الموصوفة في الذمة (٢) .
وقد عد السرخسي الاستصناع نوعًا من أنواع البيع، إذ قسمه إلى أربعة أنواع، قال: اعلم بأن البيوع أربعة:
الأول: بيع عين بثمن، وهو البيع المطلق.
الثاني: بيع دين في الذمة بثمن، وهو السلم.
الثالث: بيع عمل، العين فيه تبع، وهو الاستئجار.
الرابع: بيع عين، شرط فيه العمل، وهو الاستصناع (٣)
والكاساني اعتبر الاستصناع بيعًا، فقال (٤) : هو بيع، لكن للمشتري خيار الرؤية. وبهذا نعلم أن للاستصناع شبهًا بالإجارة من حيث أن فيه طلب الصنع، وهو العمل، وشبهًا بالبيع من حيث أن المقصود منه العين فلشبهه بالإجارة قلنا: يبطل بموت أحدهما، ولشبهه بالبيع وهو المقصود أجرينا فيه القياس والاستحسان، وأثبتنا خيار الرؤية (٥) .
ولهذا قال في الذخيرة: هو إجارة ابتداءً، بيع انتهاءً، لكن قبل التسليم، فإذا مات الصانع قبل التسليم يبطل، ولا يستوفي المصنوع من تركته (٦) .
وقد ذكر البابرتي صاحب العناية: أن أبا سعيد البردعي يقول: إن المعقود عليه هو العمل، وهو إجارة محضة (٧) . واستدلوا بفعل الصباغ، فإن في الصبغ العمل والعين، وهو إجارة محضة.
стр. 10660
الاستصناع والمقاولات:
هذا وإن الاستصناع هو ضرب من ضروب ما يعرف في زماننا بالمقاولة، إذ المقاولة هي أن يتعهد أحد المتعاقدين بأن يصنع شيئًا للطرف الثاني، مقابل ثمن معين، فإن تعهد المقاول بتقديم العمل والمادة كان مقاولة في العرف، واستصناعًا في الشرع، وإن تعهد بتقديم العمل، كان مقاولة في العرف، وإجارة في الشرع.
وهكذا تكون المقاولة في القانون الوضعي أعم من الاستصناع في الشرع.
شروط الاستصناع العامة:
لما كان الاستصناع نوعًا من أنواع البيع اشترط فيه الفقهاء ما اشترطوا في عقود المعاوضات من شروط عامة، سواء منها ما يتفق بالانعقاد، أو بالنفاذ أو باللزوم، أو بالصحة. ومن ذلك (١)
١ - التراضي به لقول النبي ﷺ : "إنما البيع عن تراضٍ" وهو أن يأتيا به اختيارًا، فإن كان أحدهما مكرهًا لم يصح (٢)
٢ - أهلية المتعاقدين: وهو العقل والبلوغ عند الشافعية والحنابلة، مما يكون به مكلفًا رشيدًا، وهو العقد فقط عند الحنفية والمالكية، لأنهم جوزوا تصرف الصبي الذي يعقل. وكذلك جوز الحنابلة تصرف الصبي المميز، بإذن وليه (٣)
٣ - أن يجري العقد بين اثنين فأكثر، لأن الواحد لا يصلح أن يكون عاقدًا من الجانبين (٤)
٤ - أن يكون المبيع مالًا مملوكًا أو مأذونًا في بيعه، والمال هو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة كالكلب إذ منفعته مباحة للضرورة (٥) . وقال الكاساني إنه منتفع حقيقة من مباح الانتفاع به شرعًا (٦)
٥ - أن يكون القبول موافقًا للإيجاب.. بأن يقبل المشتري ما أوجبه البائع.
٦ - أن لا يفصل بين القبول والإيجاب فاصل يدل على الإعراض وعدم الرضا. وعند الحنفية يقيد بخيار المجلس، وأيٌّ قام عن المجلس قبل القبول بطل الإيجاب (٧)
٧ - أن يكون المبيع موجودًا، مقدورًا على تسليمه، لنهي النبي عن بيع ما ليس عند الإنسان خلافًا لمن قال: إن بيع المعدوم جائز إذا لم يكن فيه غرر، واستحال تسليمه، لأن الشرع صحح بيع المعدوم في بعض الحالات، إذا أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه في السلم.
٨ - أن يكون المبيع معلوما، برؤية، أو صفة تحصل بها معرفته، وكذلك الثمن يشترط فيه أن يكون معلومًا (٨)
стр. 10661
شروط الاستصناع الخاصة:
ينعقد الاستصناع بالإيجاب والقبول من المتعاقدين، وهما المستصنع والصانع، ويقال للمشتري: مستصنع، وللبائع: صانع، وللمعقود عليه: مصنوع.
أما الإيجاب والقبول فهو ما يتلفظ به العاقدان من عبارات تفيد رغبة مشتركة في تحقيق العقد (١)
فما صدر أولًا من أحد المتعاقدين فهو: الإيجاب، سواء كان بائعًا أو مشتريًا، وما صدر ثانيًا، فهو: القبول.
ولا يشترط في الصيغة عبارات معينة، بل كل ما يدل على رضا الجانبين، وقد مثل الفقهاء للصيغ بكلمة: اعمل لي أو أصنع لي، فيقول الصانع: قبلت، أو رضيت، أو كل لفظ يدل على الرضا عرفًا.
وهل يصح الاستصناع بالتعاطي، وهو: الأخذ والعطاء، بدون كلام؟
ظاهر المذهب الحنفي يقر التعاطي في العقود، في الخسيس والنفيس، إذا لم يصرح أحد المتعاقدين بعدم الرضا، وقد أفتوا بصحة التعاطي في الإقالة والإجارة والصرف (٢)
والذي يظهر أن الاستصناع لما كان من شروطه بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره (٣) ، والتعاطي لا يتحقق به هذا الشرط، فإن الاستصناع لا يصح بالتعاطي.
стр. 10662
وشرائط جوازه ثلاثة:
الأول: بيان جنس المصنوع ونوعه وقدره ووصفه، لأنه لا يصير معلومًا بدونها (١) وزاد البعض (٢) : وبكل ما يصير به معلومًا علمًا لا يؤدي إلى نزاع، مع العلم أن المعقود عليه في الاستصناع شيئان: العين والعمل، وعليهما انبنى هذا العقد. والبيان المقصود من هذا الشرط يكون في كل شيء بحسبه، ومن شأنه أن يزول به كل غموض، ويبعد به شبح النزاع.
والمقصود الأصلي في هذا العقد إنما هو العين، وهو مشهور المذهب الحنفي، وهو ما صرح به في الهداية (٣) فقال: والمعقود عليه العين دون العمل. وقال الكمال بن الهمام: وهذا نفي لقول سعيد البردعي، إذ أن المعقود عليه العمل، لأن الاستصناع ينبئ عنه (٤)
وقال السرخسي: والأصح أن المعقود عليه: المستصنع فيه، أي العين، وذكر الصنعة، أي العمل (٥) ، لبيان الوصف، فإن المعقود عليه إنما هي العين بعد تكييفها بالعمل، حسب المواصفات التي طلبها المستصنع.
الثاني: أن يكون المراد صنعه مما يجري فيه التعامل بين الناس، ومثل له الكاساني بأواني الحديد والرصاص والنحاس والزجاج والخفاف والنعال ولُجم الحديد للدواب ونصول السيوف والسكاكين والقسي، ونحو ذلك.
ثم قال: ولا يجوز في الثياب، لأن القياس يأبى جوازه (٦) ، أي أن هذه الأشياء جرى فيها التعامل بإجماع المسلمين، فأجيزت استحسانًا لا قياسًا، تيسيرًا على الناس، والثياب لم يثبت تعامل الناس به استصناعًا، فلا يثبت بالقياس.
والقاعدة فيما جرى فيه التعامل قد عبر عنها الكمال بن الهمام بقوله: فقصرنا جواز الاستصناع على ما فيه تعامل، وما لا تعامل فيه رجعنا فيه إلى القياس كأن يستصنع حائكًا أو خياطًا لينسج له أو يخيط قميصًا بغزل نفسه (٧)
ومثل هذا المعنى ورد في الفتاوى الهندية (٨)
وقال ابن عابدين: ما فيه تعامل استصناع، لأن اللفظ حقيقة للاستصناع فيحافظ على قضيته بخلاف ما لا تعامل فيه لأنه استصناع فاسد فيحمل على السلم الصحيح (٩) وهو مذهب الإمامين.
стр. 10663
وقال في مجمع الأنهر (١) : والاستصناع بلا أجل يصح استحسانًا فيما تعورف فيه. كخف وطست وغير ذلك من الأواني، وهو بيع، والقياس أن لا يصح لأنه بيع المعدوم، ووجه الاستحسان أن المستصنع فيه المعدوم يجعل موجودًا حكمًا، كطهارة المعذور. فنزل منزلة الإجماع للتعامل به من زمن النبي إلى يومنا هذا.. ولا يصح الاستصناع فيما لم يتعارف كالثوب، بحيث لو أمر حائكًا أن ينسج له ثيابًا بغزل من عنده، بدراهم، لم يجز، إذ لم يجر فيه التعامل، فيبقى على أصل القياس، وهو فساد بيع المعدوم. فإن شرط فيه الأجل فحينئذ يجوز بطريق السلم.
ولهذا لما ذكرت المجلة العثمانية في مادتها ٣٨٩ شرط التعامل قالت: كل شيء تعومل باستصناعه يصح فيه الاستصناع على الإطلاق، وأما ما لم يتعامل باستصناعه إذا بين فيه المدة صار سلمًا، وتعتبر فيه حينئذ شروط السلم، وإذا لم يبين فيه المدة كان من قبيل الاستصناع أيضًا.
فكانت هذه المادة يناقض آخرها أولها، إذ جعلت قسمًا مما لم يتعامل باستصناعه مما لم تبين فيه المدة استصناعًا، مع أن تطبيق شرط التعامل يوجب الحكم بالفساد (٢)
ولذلك ذكر شارح المجلة علي حيدر: إن ما جاء في آخر المادة ٣٨٩ غير موافق لما في الكتب الفقهية، لأن الاستصناع إنما يجري في البلاد التي يكون فيها التعامل به، فلا يصح في غيرها، وهو ما اتفقت عليه كتب الفقه الحنفي بموجب شرط هو أن يجري فيه التعامل، فلا يصح في غيرها.
ويظهر أن تعامل الناس يتطور وينتشر من مدينة إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، فلا يمكن أن نقف على ما يجري فيه التعامل عند قرن معين أو بلد معين أو بضاعة معينة، ما دامت حاجات الناس متطورة متغيرة، وإذا كان التعامل بالاستصناع في الماضي مقصورًا على بعض الحاجات فإنهم اليوم أصبحوا في أشد الحاجة إلى تعميم الاستصناع في حاجات جديدة، حتى استصناع السيارات والبواخر والأبنية.
стр. 10664
وإذا كانت هذه الحاجة قد دفعت الفقهاء في الماضي إلى القول بتقديم القياس الخفي على القياس الجلي، وسموا هذا: استحسانا، وما ذهبوا إلى الاستحسان تشهيًا، بل راعوا فيه تيسير وسائل التعامل بين الناس، وقدروا حاجة التجار إلى هذا النوع من التعامل، واستخدموا قواعد أقرها الفقهاء أنفسهم: المشقة تجلب التيسير - إذا ضاق الأمر اتسع - الحاجة تتنزل منزلة الضرورة، عامة أو خاصة - العادة محكمة (١) فإن حاجة الناس إلى ذلك في عصرنا هذا أشد.
وفي نفس هذا الاتجاه يمكن أن نقر أشياء جديدة لم يجر التعامل بها في الماضي، ولكنها أصبحت في هذا الزمان مما يجري فيها التعامل بين الناس، بل عمت بلدانًا كثيرة نتيجة انتشار المصانع في كل مكان، وتزايد حاجات الناس، وسهولة الاتصال بين الشعوب. وسرعة التنقل.. على أن الأشياء التي مثل بها الفقهاء لم تذكر على سبيل الحصر، وإنما ذكرت لشرح ما يجوز فيه الاستصناع مما تعامل فيه الناس، ولذلك كانت الأمثلة تتغير في كتب الفقه من زمان إلى زمان.
ولهذا مثلت مجلة الأحكام العدلية بأشياء جيدة لم تذكر من قبل في كتب الفقه، واعتبرتها من الاستصناع الذي جرى به عمل الناس، فمثلت لذلك بالزورق وبالسفينة والبندقية (٢) . كما مثلت موسوعة جمال عبد الناصر (٣) .. بقطع الموبيليا والثياب والأحذية.. مع أن القدماء نصوا على أن الثياب لا يجوز فيه الاستصناع، وعللوا ذلك بعدم التعامل.
وهنا يجب أن يقول المجمع الفقهي كلمته في الأشياء المستحدثة التي لم يجر فيها التعامل من قبل، وعم التعامل فيها بين الناس حديثًا، كالآلات والمعدات والسفن والثياب وغيرها:
هل نحكم فيها بفساد العقود، اعتبارًا لأنها لم تكن مما تعامل الناس فيه، ونلتزم فيها ما قاله الفقهاء في الماضي إلى أبد الدهر، بدون التفات إلى تغير الزمان والأعراف والعادات، وأنه لا عبرة بما جرى عليه تعامل المسلمين في القرون الأخيرة.
ولماذا لا نقول إن الشرط في الاستصناع هو تعامل المسلمين في أي زمان من الأزمنة، وقول الرسول: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" لا يتقيد بأي عصر من العصور، وأنه مهما تحقق تعامل الناس مع توفر بقية الشروط كان استصناعًا وما ذكر من الأشياء التي يجوز فيها الاستصناع إنما هو مجرد أمثلة. وهذا الاتجاه هو الذي يحقق ازدهار الصناعات التي انتشرت وعمت كل حاجيات الإنسان، وأصبح الحكم فيها بعدم الجواز لأن الناس لم يتعاملوا فيها من قبل حرجًا لا موجب له، ومنافيًا لما قامت عليه الشريعة من سد حاجيات الإنسان، وتيسير أموره، ما دامت مجموع شروط الاستصناع متوفرة فيها، ولا تتضمن غررًا ولا ضررًا.
стр. 10665
الثالث: أن لا يكون فيه أجل:
وقد اختلف الحنفية في هذا الشرط: فأبو حنيفة (١) يقول بهذا الشرط لأنه يرى أنه إذا ذكر الأجل في عقد الاستصناع صار سلمًا، والأجل من شرائط السلم، مع العلم أن مراد الحنفية بالأجل عند إطلاقه هو شهر، والشهر يعتبر أقل أجل السلم.
فالذين يشترطون في الاستصناع أن لا يكون فيه أجل إنما يريدون الشهر فما فوق فإذا ذكر أجل دون الشهر فهو استصناع عند أبي حنيفة وصاحبيه، لأنه لا يصح أن يكون سلمًا.
وقد علل مذهب أبي حنيفة بأمرين:
الأمر الأول: أن السلم عقد على مبيع في الذمة مؤجل، فإذا ضرب الأجل في الاستصناع صار بمعنى السلم، ولو كانت الصيغة استصناعًا (٢) والسلم بالأجل ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، والاستصناع بالأجل ثابت في عرفهم فلا يحمل عليه (٣)
الأمر الثاني: أن التأجيل يختص بالديون، لأنه وضع لتأخير المطالبة، وتأخير المطالبة إنما يكون في عقد فيه المطالبة، وليس ذلك إلا في السلم، إذ لا دين في الاستصناع (٤)
وقال أبو يوسف ومحمد: عدم ضرب الأجل ليس بشرط، وهو استصناع على كل حال ضرب الأجل فيه أو لم يضرب، لأن اللفظ حقيقة فيه، فيحيط على مقتضاه (٥) وذلك لأن العادة جارية بضرب الأجل في الاستصناع. وإنما جاز للتعامل، لأن القصد به تعجيل العمل لا تأخير المطالبة من المستصنع، فلا يخرج عن كونه استصناعًا، بينما القصد من السلم التأجيل فيه لتأخير المطالبة.
هذا ما عبر عنه البابرتي عندما قال: أما المذكور على سبيل الاستعجال بأن قال: على أن يفرغ غدًا أو بعد غد، فلا يصير سلمًا، لأنه ذكره حينئذ للفراغ لا لتأخير المطالبة بالتسليم (٦)
وقد ذكر الهندواني قاعدة في التفرقة بين الآجال الاستعجالية والآجال الاستمهالية. فقال: إن ذكر المدة في الاستصناع: إن كان من قبل المستصنع فهو للاستعجال فلا يصير به سلمًا، وإن كان من قبل الصانع فهو سلم، لأنه يذكره على سبيل الاستمهال. وفيما إذا صار سلمًا يعتبر شرائط السلم (٧)
стр. 10666
ويبدو أن هذه التفرقة التي ذكرها الهندواني صحيحة إلى أبعد مدى، لأن ما تعارف عليه الناس في هذا العصر، وفي العصور الماضية أيضًا، أن الذي يطلب تحديد الأجل في الاستصناع إنما هو المستصنع الذي له رغبة في إحضار المصنوع والانتفاع به في أقرب وقت، فهو إذًا من الآجال الاستعجالية أما الصانع فليس من منفعته التعجيل، بل بالعكس، فهو لا يرغب إلا في الإمهال. وبذلك كانت الآجال الاستعجالية من خصائص الاستصناع، فلا تصير بها عقود الاستصناع سلمًا. أما إذا كانت الآجال من الصانع قصد الإمهال. فإن عقود الاستصناع تنقلب بها سلمًا، لأن الأجل في السلم إنما اشترط لإمهال المسلم إليه وهو ما شرع إلا ترفيهًا وتيسيرًا عليه من الاكتساب في المدة.
فمقصد الأجل في الاستصناع والسلم مختلف، فيمكن أن يوجد الأجل في كليهما ويبقى الاختلاف بارزًا بينهما، وهذا ما يرجح، في نظري، مذهب الإمامين في عدم اشتراط الأجل، وصحة الامتناع بذكر الأجل أو عدمه.
وقد لخص شارح المجلة العدلية علي حيدر مسائل الاستصناع في خمس صور ضبطها على الصورة التالية:
الأولى: إذا لم تبين المدة في الأشياء التي جرى التعامل باستصناعها، فالعقد عقد استصناع بالإجماع عند الحنفية.
الثانية: إذا كانت المدة أقل من شهر، أي لم تبلغ المدة التي يصح بها السلم، والأشياء مما جرى التعامل بها على الاستصناع، فهو كذلك عقد استصناع بالإجماع.
الثالثة: إذا كانت المدة المبينة في الأشياء التي تستصنع عادةً شهرًا أو أكثر من شهر، فهو عقد استصناع عند الصاحبين، وعقد سلم عند الإمام.
الرابعة: إذا كانت المدة لأقل من شهر، أي للأجل الذي يصح به السلم، والأشياء مما لم تستصنع عادةً، فهو سلم بالإجماع.
الخامسة: إذا لم تبين المدة في الأشياء التي لم يجر التعامل بها على وجه الاستصناع فهو عقد استصناع فاسد.
стр. 10667
الاستصناع في القانون الوضعي
لم يفرد القانون الوضعي مباحث خاصة بعقدي السلم والاستصناع، بل أدخلهما ضمن الأحكام العامة للبيع المطلق، إذ القانون أجاز للبائع أن يشترط تأجيل تسليم المبيع، كما أن بيع المعدوم الذي ينتظر وجوده في المستقبل جائز، لأنه في حكم الموجود ومن ذلك السلم والاستصناع.
أما الشريعة الإسلامية فقد أفردت لهما مباحث خاصة حيث أن السلم وارد بالنص أما الاستصناع فقد ثبت بالاستحسان عند الحنفية، وهو عقد له خصائص تميز بها عن غيره من العقود.
ولكن القانون الوضعي تكلم عن المقاولة بصفة تفصيلية والمقاولة في القانون الوضعي أعم من الاستصناع، لأن المقاولة كما تكون بتقديم المقاول العمل والمادة معًا وهو ما يسمى عند الحنفية بالاستصناع، كذلك تكون بتقديم الصانع العمل فقط، وهو ما يسمى في عرف الفقه بالإجارة عند عامة الفقهاء.
وقد ذكر السنهوري (١) عند حديثه عن المقاولة معايير تميز الفرع الثاني من المقاولة عن عقد العمل (الإجارة) فقال:
وتطبيقًا لهذا المعيار الأخير يكون كل من النجار والنقاش والحداد والسباك ومن إليهم مقاولًا، إذا هو تَعَاقَدَ مع صاحب العمل على صنع شيء معين يقوم بصنعه مستقلًّا عن رب العمل، ولا يخضع لإشرافه فيه، ولا يتلقى منه تعليمات، غير ما هو مذكور في العقد.
أما إذا قام بإشراف رب العمل وتحت إدارته، ويتلقى منه تعليمات يقوم بتنفيذها، فهو عقد عمل لا عقد مقاولة (٢)
وذلك لأن تعريف (عقد العمل) في القانون المدني هو الذي يتعهد فيه أحد المتعاقدين أن يعمل في خدمة الآخر وتحت إرادته وإشرافه، مقابل أجر يتعهد به المتعاقد الآخر.
وتتميز المقاولة عن البيع في القانون الوضعي، بأن الأصل في عقد المقاولة هو العمل، والبيع يقع على الملكية، فالمقاولة على العمل فقط، هي الأصل، وهي مقاولة لا شبهة فيها.
أما إذا قدم الصانع المادة مع العمل، فهي اختلاط المقاولة بعقد آخر يقع على المادة، ويكون للصانع دوران: دور البائع الذي قدم المادة، وفي هذه الحالة يكون مسؤولًا عن جودة المادة، ودور المقاول الذي قدم العمل فالمادة إنما جاءت تابعة للعمل وتكون المقاولة ملزمة للصانع يصنع الشيء المطلوب، فتقع على العمل (٣)
وهذا الرأي جعل الاستصناع عقد مقاولة على العمل يتماشى مع رأي أبي سعيد البردعي أحد فقهاء المذهب الحنفي، الذي يقول بأن الاستصناع يقع على العمل دون المادة، مع أن الرأي الصحيح عند الحنفية أن الاستصناع بيع لا إجارة (٤)
стр. 10668
والإجارة المقصودة في هذا الباب المقاولة على خصوص العمل واعتبار الاستصناع عقد مقاولة واقعًا على العمل هو أحد آراء علماء القانون.
أما الرأي الثاني: فيرى أن الاستصناع (عقد المقاولة) هو بيع شيء مستقبل فهم يرون أن القصد من عقد المقاولة ليس هو العمل المكلف به الصانع، وإنما هو الشيء المصنوع، ولا يدخل في الاعتبار أن المقاول إنما تعاقد على العمل (١) وهذا الرأي يتفق مع وجهة نظر فقهاء الحنفية عند تقريرهم الاستصناع.
قال السنهوري: ولو كان المقاول قصد أن يبيع شيئًا مصنوعًا لجاز له أن يقدم لرب العمل شيئًا يكون قد صنعه قبل العقد، وهو إذا فعل وقبل منه رب العمل ذلك فإن ملكية هذا الشيء المصنوع من قبل لا تنتقل بموجب العقد الأصلي، وإنما تنتقل بموجب عقد جديد يكيف على أنه بيع لا لشيء مستقبل بل لشيء حاضر (٢)
وقد علل الكاساني كما سبق (٣) بنفس التعليل فقال: وأما إذا أتى الصانع بعين صنعها قبل العقد، ورضي بها المستصنع، فإنما جاز لا بالعقد الأول بل بعقد آخر، وهو التعاطي بتراضيهما.
الرأي الثالث: يرى أن الاستصناع يكون مقاولة وبيعًا بحسب نسبة قيمة المادة إلى قيمة العمل فإذا كانت قيمة المادة تفوق كثيرًا قيمة العمل كما إذا تعهد شخص بتوريد سيارة بعد أن يقوم فيها ببعض إصلاحات طفيفة، فالعقد بيع.
أما إذا كانت قيمة العمل تفوق كثيرًا قيمة المادة، كالرسام يورد القماش أو الورق الذي يرسم عليه، والألوان التي يرسم بها وهذه الخامات أقل بكثير من قيمة عمل الرسام، فالعقد مقاولة عمل، وبذلك أصبح هذا العقد عقدًا مختلطًا بين البيع والمقاولة.
وأما إذا تقاربت المادة والعمل، فيصبح العقد مزيجًا من بيع ومقاولة عمل، ويقع البيع على المادة وتسري أحكامه فيما يتعلق بها، وتقع المقاولة على العمل وتنطبق أحكامها عليه (٤)
ويترتب على أن العقد مزيج من البيع والمقاولة: أن الشيء المصنوع تنتقل ملكيته إلى رب العمل بمجرد تمام صنعه، فإذا استولت عليه الإدارة مثلًا كان مستحقًّا لرب العمل لا للصانع، وإذا هلك الشيء المصنوع قبل التسليم فالهلاك على الصانع، وذلك تطبيقًا لأحكام البيع، ولكن الصانع يضمن العمل الذي أنجزه ضمان المقاول، وتسري هنا أحكام المقاولة لا أحكام البيع (٥) ، ويبدو أن أصحاب هذا الرأي ابتعدوا عن معنى الاستصناع المتعارف، لأننا إذا غلبنا جانب البيع على جانب العمل فقد أهملنا كل ما يقتضيه العمل من مستلزمات، والعكس بالعكس وهذا من شأنه أن يحدث بعض الصعوبات في التطبيق عندما نهمل أحد جوانب العقد.
стр. 10669
نظرية القانون الوضعي في شروط الاستصناع:
قدمنا سابقًا أن القانون الوضعي جعل الحدث عن الاستصناع وأحكامه وشروطه ضمن الحديث عن المقاولة.
والمقاولة قائمة فيه على ثلاثة أركان شأنها شأن بقية العقود، وهي التراضي والمحل والسبب (١)
أما شروط التراضي فيقسمونها إلى قسمين:
الأول: شروط الانعقاد في التراضي.
والثاني: شروط الصحة في التراضي.
أما شروط الانعقاد فهي:
أولًا: توافق الإيجاب والقبول، بحيث يجب أن يتطابق الإيجاب والقبول على عناصر المقاولة، فيتم التراضي بين رب العمل والمقاول على ماهية العقد، والعمل الذي يؤديه المقاول لرب العمل، والأجر الذي يتقاضاه منه.
الثاني: التصميم والمقايسة ودفتر الشروط:
ومعنى هذا أن يكون عقد المقاولة مصحوبًا بتصميم يجري على مقتضاه العمل، والمقايسة ببيان مفصل عن الأعمال الواجب القيام بها، والأجرة الواجب دفعها، ودفتر الشروط.
والملاحظ أنه ليس من الضروري أن توجد كل هذه الوثائق منفصلة بعضها عن بعض بل الواجب وذكر كل المواصفات للأعمال المطلوبة بصفة واضحة (٢)
وكل هذه الشروط يتفق فيها القانون الوضعي مع الشروط التي أثبتها علماء الفقه في الاستصناع، كما تقدم بيانه.
وأما شروط الصحة في التراضي فهي شروط صحة أي عقد آخر (٣) وهي توافر الأهلية الواجبة، وسلامة التراضي من عيوب الإرادة، فإذا كان التراضي صادرًا عن ناقص الأهلية رب العمل، أو المقاول أو كليهما، كالقاصر أو المحجور عليه لسفه أو غفلة فليس أهلًا لإبرام عقد المقاولة، وإذا أبرم العقد من أحدهما أو كليهما كانت المقاولة قابلة للإبطال.
كل هذه الشروط تتفق في روحها ومعناها مع شروط الصحة التي اشترطها علماء الفقه الإسلامي في الاستصناع وبقية عقود البيع.
стр. 10670
شروط المحل:
أما شروط المحل في المقاولة، فهي مزدوجة بين المقاول ورب العمل، فالنسبة إلى المقاول هو العمل المتعاقد على تأديته.
وبالنسبة لرب العمل: الأجر الذي تعهد بدفعه للمقاول.
والشروط الواجب توافرها في العمل هي:
١- أن يكون العمل ممكنًا.
٢- أن يكون معينًا أو قابلًا للعيين.
٣- أن يكون مشروعًا.
أما الأجر فهو المال الذي يلتزم رب العمل بإعطائه للمقاول في مقابل قيام هذا الأخير بالعمل المعهود إليه.
ويشترط في الأجر شروط ثلاثة:
أولًا: أن يكون الأجر موجودًا في عقد المقاولة، وإلا كان العقد من عقود التبرع.
ثانيًا: أن يكون الأجر معينًا أو قابلًا للتعيين حسب ما يتفق عليه المتعاقدان.
وقد يحدد أنه بموجب مقايسة، أو على أساس وحدة القياس (١)
وبقية الشروط والتفاصيل الواردة في القانون الوضعي لا تختلف عن الأركان أو الشروط التي ضبطها الفقه الإسلامي، سوى في طريقة العرض، والاستشهاد بأمثلة من واقعنا المعين، وكيفية تطبيق القواعد عليها، مما جعل القانون الوضعي في خصوص باب الاستصناع أو المقاولة أكثر شمولًا ووضوحًا في ضبط مسائل هذا الباب.
стр. 10671
عقد الاستصناع بين الإلزام وعدمه
الالتزام أثر عام لجميع العقود فما من عقد صحيح إلا وينشئ التزامًا معينًا على أحد عاقديه أو التزامات متقابلة معينة بينهما، وموزعة عليهما، هي من الآثار الخاصة للعقد (١)
وهناك فرق بين اللزوم والالتزام:
فاللزوم أمر يقرره المشروع إذا توفرت شروط معينة في التصرف.
أما الالتزام فهو ما يقرره الشخص باختياره ابتداء. وأثره المباشر شغل ذمته بأمر (٢)
وقد قسم الفقهاء العقود إلى نوعين: عقود لازمة، وعقود غير لازمة.
أما العقود اللازمة فأنواع ثلاثة:
الأول: عقود لازمة بحق الطرفين، ولا تقبل الفسخ بطريق الإقالة كالزواج.
الثاني: عقود لازمة بحق الطرفين، وتقبل الفسخ بطريق الإقالة، كالبيع والصلح.
الثالث: العقود اللازمة بحق أحد الطرفين، كالرهن والكفالة.
أما العقود غير اللازمة فهي تسعة عقود قسمت إلى ثلاثة أنواع بحسب كون عدم اللزوم فيها مطلقًا أو مقيدًا، وكونه أصليًّا أو استثنائيًّا (٣)
النوع الأول: عقود غير لازمة مطلقًا في حق كلا الطرفين، وهي ثلاثة: الإيداع والإعارة والمضاربة والشركة. (٤)
فالإيداع مثلًا عقد يرد على حفظ الشيء لدى غير صاحبه، فلكل من الطرفين، أعني: المودع والوديع المكلف بالحفظ، أن يفسخ عقد الإيداع بمحض إرادته. ذلك لأن المودع مستعين بغيره على الحفظ، فله أن يترك هذه الاستعانة متى شاء. ولأن الوديع متطوع بالمعونة في هذا الحفظ، فله أن يتخلى عن هذه المعونة متى شاء.
النوع الثاني: عقود الأصل فيها عدم اللزوم، ولكنها تلزم في بعض الأحوال، وهي أربعة: الوكالة والتحكيم والوصية والهبة (٥)
فالوكالة مثلًا عقد يفوض به الإنسان غيره وينيبه عن نفسه في التصرف. فلكل من الطرفين أن يفسخ عقدها متى شاء، إلا إذا تعلق بها حق شخص ثالث فتصبح لازمة.
ويمتنع فيها العزل والفسخ بلا رضا ذلك الشخص.
стр. 10672
النوع الثالث: عقود الأصل فيها اللزوم ولكن في طبيعتها شيئًا من عدم اللزوم في ظروف محدودة. وجملة عقوده اثنان هما الإجارة والمزارعة.
فالإجارة مثلًا الأصل فيها اللزوم في حق المتعاقدين فيجبر الطرفان على تنفيذها غير أن فقهاءنا قرروا فيها جواز العدول والفسخ بالأعذار الطارئة، إذ يكون تنفيذ الإجارة عندئذ إهدارًا ماليًّا أو إصرارًا غير معقول. وعندئذ يلزم، المستأجر تعويض الضرر على الطرف الآخر إذا فوجئ بالفسخ بعد أن كلفه ما كلفه التهيؤ للعمل من مال ووقت أو تعطيل (١)
وقد عد مصطفى الزرقاء عقد الاستصناع عقدًا عاشرًا منفردًا عن بقية العقود المتقدمة غير اللازمة، لأن الاستصناع يعتبر في أصل المذهب الحنفي غير لازم، وأصبح بمقتضى نصوص مجلة الأحكام العثمانية لازمًا حسب المادة ٣٩٢، في حق الطرفين، منذ انعقاده (٢)
ويبدو أنه لا خلاف بين الحنفية في أن عقد الاستصناع غير لازم في مرحلة ما قبل الصنع، وكلام صاحب البدائع (٣) صريح في هذا المعنى، حيث قال: إنه عقد غير لازم قبل العمل في الجانبين جميعًا بلا خلاف، حتى كان لكل واحد منهما خيار الامتناع قبل العمل، وقد علل عدم لزوم العقد قبل العمل (٤) بأن الاستصناع جاء على خلاف القياس، فلم يشترط فيه اللزوم الذي اشترط في العقود التي جاءت على أصل القياس. وزاد في موسوعة جمال (٥) عبد الناصر تعليلًا آخر وهو أن إلزام الصانع بالمضي، فيه ضرر له من ناحية أنه إتلاف لماله في عمل المطلوب، وقد لا يرضى المستصنع، فكان له أن يفسخ ولا يمضي، أما المستصنع فلأنه قد اشترى ما لم يره فكان له الخيار في الفسخ قبل الرؤية.
ونفس هذا التعليل الأخير ذكر في الموسوعة الفقهية (٦)
وأما مجلة الأحكام العثمانية فإنها أقر في فصلها ٣٩٢ (٧) لزوم العقد مطلقا، فقالت: وإذا انعقد الاستصناع فليس لأحد العاقدين الرجوع، وإذا لم يكن المصنوع على الأوصاف المطلوبة كان المستصنع مخيرًا.
ويبدو أن ما ذهبت إليه المجلة أصبح هو المتعارف في عقود الاستصناع والمقاولات المدنية، اعتمادًا على رأي أبي يوسف، مع الملاحظ أن المذكور في كتب الفقه أن رأي أبي يوسف خاص بما إذا جاء المصنوع مغايرًا للأوصاف المشروطة. ولم يتعرض إلى لزوم العقد قبل العمل.
وقد علق مصطفى الزرقاء على هذا التعميم (٨) بأن المجلة اتخذت رأي أبي يوسف أساسًا، وتوسعت فيه بتعميم اللزوم حسب المصلحة الزمنية، وهذا ما أيدته لجنة الموسوعة الفقهية (٩) التي قالت:
стр. 10673
واللجنة ترجح رأي أبي يوسف الذي أخذت به المجلة، وترى لزوم عقد الاستصناع، لما يترتب على استقلال أحد الطرفين بفسخه من المضار، إلا إذا جاء على خلاف الوصف.
وهذا نفس التعليل الذي ذكره شارح المجلة علي حيدر حيث قال (١) : لأنه لو جُعل خيار للمستصنع لَلَحِقَ بالبائع أضرار، لأنه قد لا يرغب في المصنوع أحد غير المستصنع.
وقد جاء في التقرير الهمايوني للمجلة العثمانية (٢) التنبيه على ترجيح قول أبي يوسف في الاستصناع، وعند الإمام الأعظم للمستصنع الرجوع بعد عقد الاستصناع. وعند الإمام أبي يوسف رحمة الله عليه أنه إذا وجد المصنوع موافقًا للصفات التي بينت وقت العقد فليس له الرجوع، والحال أنه في هذا الزمن قد اتخذت معامل كثيرة تصنع فيها البواخر والمدافع ونحوها بالمقاولة. وبهذا صار الاستصناع من الأمور الجارية العظيمة، فتخيير المستصنع في إمضاء العقد أو فسخه يترتب عليه الإخلال بمصالح جسيمة، لذلك لزم اختيار قول أبي يوسف ﵀ في هذا مراعاة لمصلحة الوقت.
ورأيي أن ما اعتمدته المجلة هو الذي يحقق المصلحة المرجوة من تجويز عقد الاستصناع، وأن إبقاء الخيار لهما ربما كان في الماضي يحقق مصلحة الطرفين، عندما كان الاستصناع يتوجه إلى أشياء صغيرة وقليلة الأهمية، وهذا يظهر من أمثلة عقود الاستصناع التي أشارت إليها كتب الفقه في الماضي.
أما وقد أصبحت هذه العقود تجري في أشياء ذات أهمية كبيرة، وتمثل مبالغ مالية طائلة، وتحقق أهدافًا اقتصادية في أعلى مستوى فلا يجوز أن تبقى على الخيار بين الطرفين.
أما إذا فرغ الصانع من عمله، فلذلك حالتان:
стр. 10674
الأولى: ما قبل الرؤية: فقد ذكر في الأصل للإمام محمد عدم لزوم العقد بالنسبة للطرفين أيضًا. ذلك لأنه بالنسبة إلى المستصنع يرى أنه شراء لما لم يره، فكان له الفسخ وبالنسبة إلى الصانع، يرى أن العقد لم يقع على هذا المصنوع عينًا، إنما وقع على المبيع في الذمة، وإنما يتعين المصنوع محلًّا للعقد إذا ما رآه المستصنع فرضي به، ألا ترى أن الصانع لو باع المصنوع إلى غير المستصنع جاز بيعه وليس للمستصنع أن يعترض أو ينقض البيع؟.
وهذا الرأي هو الذي اعتمد في التحفة (١) وفتح القدير (٢) والبدائع (٣) وعلله الكاساني بأن العقد ما وقع على عين المعمول، بل على مثله في الذمة لأنه لو اشترى من مكان آخر وسلم إليه جاز، ونسب هذا القول لأبي حنيفة وصاحبيه.
الثانية: إذا قدم الصانع العمل إلى المستصنع:
فإما أن يقدمه موافقًا لكل المواصفات أو لا: فالأول يسقط معه خيار الصانع ويبقى خيار المستصنع.
أما سقوط خيار الصانع فلأنه بإحضار المصنوع إلى المستصنع على الصفة المشروطة تعين أن يكون بائعًا وليس للبائع خيار رؤية.
وهذا بخلاف حال المستصنع فإن له الخيار لأنه لا يزال مشتريًا لما لم يره وجاء في البدائع: أما إذا أحضر الصانع العين على الصفة المشروطة، فقد سقط خيار الصانع وللمستصنع الخيار، لأن الصانع بائع، فلا خيار له، أما المستصنع فمشتري ما لم يره، فكان له الخيار.. ولأن الصانع بالإحضار أسقط حق نفسه فبقي خيار صاحبه على حاله.
ثم قال الكاساني (٤) وهذا ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وصاحبيه.. وروي عن أبي حنيفة أن لكل واحد منهما الخيار، وروي عن أبي يوسف أنه لا خيار لهما جميعًا.
стр. 10675
ووجه رواية أبي يوسف أن الصانع قد أفسد متاعه، وقطع جلده، وجاء بالعمل على الصفة المشروطة، فلو كان للمستصنع الامتناع من أخذه لكان فيه إضرار بالصانع، لأن غيره لا يشتريه بمثله.
ويظهر أن مذهب أبي يوسف هو الذي عليه عمل الناس في هذا الزمان في أكثر بلاد العالم، وهو نفس ما ذهبت إليه المجلة العثمانية، وهو ما جاءت به القوانين الوضعية وسارت عليه عقود المقاولين في كل المعاملات.
وعلى رأي أبي يوسف يمكن أن تستمر هذه العقود وتتطور وينجر من وراء ذلك أن تنشط الصناعات، وتنمو وتزدهر، وأن يقوم إنتاجها على تخطيط مدروس، حسب طلبات ملزمة للجانبين.
أما إثبات الخيار للطرفين على مذهب أبي حنيفة، فمن شأنه أن يؤدي إلى عرقلة النمو الاقتصادي، وقد يصبح حجر عثرة في تطور عجلة الإنتاج، مهما التمس الفقهاء من مبررات لتأييد مذهبه.
وقد علل صاحب بدائع الصنائع (١) رواية أبي حنيفة التي تعطي التخيير للجانبين بأنها: دفع الضرر عن الصانع، وأنه واجب.
وجاء في فتح القدير (٢) : أما بعدما رآه المستصنع، فالأصح أنه لا خيار للصانع، بل إذا قبله المستصنع أجبر على دفعه، لأنه بالآخرة بائع.
وبمثل هذا المعنى صرح صاحب العناية (٣) فقال: ومن هو كذلك فله الخيار كما تقدم، ولا خيار للصانع، كذا ذكر في المبسوط فيجبر على العمل لأنه بائع باع من لم يره.
ومن هو كذلك لا خيار له وهو الأصح، بناء على جعله بيعًا لا عدة.
والثاني: وهو أن يكون العمل غير موافق للمواصفات التي وقع التعاقد عليها، فالمستصنع غير ملزم بالاستلام، ولا هو ملزم بدفع الثمن، لأن العقد إنما كان تلبية لرغبة المستصنع، ودفعًا لحاجته، لثبوت خيار فوات الوصف قال في شرح مجلة الأحكام: وإذا كان المصنوع غير موافق للأوصاف المطلوبة.
فإن كان النقص الموجود فيه من قبيل العيب فللمستصنع خيار العيب.
وإن كان من قبيل الوصف، فله خيار الوصف، إن شاء قبله وإن شاء رده، ومتى قبله بعد رؤيته فليس له رده (٤)
стр. 10676
خيار الرؤية
شرعية خيار الرؤية:
لقد تقدم أن الصانع إذا قدم المصنوع للمستصنع فله خيار الرؤية على مذهب أبي حنيفة، خلافًا لأبي يوسف الذي لا يثبت له هذا الخيار ما دام متمتعًا بخيار الوصف إذا كان المصنوع غير موافق للأوصاف المطلوبة، وخيار العيب إذا كان النقص من قبيل العيب.
وقول أبي يوسف هذا يشبه كثيرًا قول المالكية بجواز بيع الغائب على الصفة، إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير صفته قبل القبض فإذا جاء على الصفة المذكورة كان البيع لازمًا، إذ أن هذا يعتبر من الغرر اليسير وإن خالف الصفة المتفق عليها فللمشتري خيار الصفة (١)
وقلنا فيما مضى: إن العين في الاستصناع لم تكن معدومة، ولكنها مملوكة للبائع، وتسلم له حسب الأوصاف التي طلبها المستصنع.
والحنفية يجوزون بيع العين الغائبة من غير رؤية ولا وصف، فإذا رآها المشتري كان له الخيار، فإن شاء أنفذ البيع وإن شاء رده.
وكذلك المبيع على الصفة يثبت فيه خيار الرؤية.
وإذا كان للمشتري خيار الرؤية فلا غرر عليه، ولا تؤدي الجهالة إلى النزاع مطلقًا.
واستدلوا بالحديث الذي أخرجه الدارقطني في سننه مسندًا.. عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار، إذا رآه)) ورواه البيهقي والدارقطني في سننيهما بزيادة: ((إن شاء أخذه وإن شاء رده)) (٢) مرسلًا.
ويؤيده ما روي عن عثمان بن عفان ﵁، أنه باع أرضًا بالبصرة من طلحة بن عبيد الله، فقيل لطلحة بن عبيد الله: إنك قد غبنت، فقال: لي الخيار، لأني اشتريت ما لم أره، وقيل لعثمان: إنك قد غبنت، فقال: لي الخيار، لأني بعت ما لم أره فحكما بينهما جبير بن مطعم فقضى بالخيار لطلحة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، أخرجه الطحاوي،وفي رواية البيهقي عن علقمة بن أبي وقاص زاد ولا خيار لعثمان. انتهى (٣)
стр. 10677
وجاء في فتح القدير: "من اشترى شيئًا لم يره فله الخيار إذا رآه، إن شاء أخذه بجميع ثمنه، وإن شاء رده سواء رآه على الصفة التي وصفت له أو على خلافها (١)
وقال في الفتاوى الهندية (٢) نقلًا عن الجوهرة النيرة: وخيار الرؤية يثبت حكمًا لا بالشروط. ثم قال: وخيار الرؤية لا يمنع ثبوت الملك في البدلين، ولكن يمنع اللزوم. كذا في محيط السرخسي.
ومن باع ما لم يره، كأن ورث عينًا من الأعيان في بلدة أخرى، فباعها قبل أن يراها، فلا خيار له (٣) ، لأن المالك يعرف ما يملكه عادةً، فلا ضرورة لثبوت الخيار له.
فإذا باع ما لم يره، وهو أمر نادر، كان مقصرًا في حقه نفسه، فلا يستحق المطالبة بفسخ العقد، أما المتملك إن لم يتمكن من رؤية محل العقد ولم يجد سبيلا إليه، كان من المصلحة منحه الخيار (٤)
وخيار الرؤية يثبت في أربعة مواضع: البيع الصحيح والإجارة والقسمة والصلح عن دعوى المال على شيء بعينه، لأن كلًّا منهما معاوضة فليس في ديون النقود عقود لا تنفسخ كالمهر وبدل الصلح (٥) والاستصناع نوع من أنواع البيوع.
стр. 10678
وقت ثبوت الخيار:
يثبت الخيار للمشتري عند رؤية المعقود عليه لا قبلها، فلو أجاز العقد قبل الرؤية لا يلزم العقد ولا يسقط الخيار، وله أن يرد المعقود عليه، لأن النبي ﷺ أثبت الخيار للمشتري بعد الرؤية.
أما لو فسخ العقد قبل الرؤية صح الفسخ، لا من أجل الخيار وإنما لأن العقد غير لازم وغير اللازم يجوز فسخه، كالعقد الذي فيه خيار العيب، وعقد الإعارة والإيداع (١) . وقد تقدم أن الاستصناع عقد غير لازم عند أبي حنيفة، فيجوز فسخه، وهو عقد لازم عند أبي يوسف فلا يجوز فسخه. كما لا يثبت فيه خيار الرؤية.
شروط ثبوت الخيار:
الأول: أن يكون المبيع مما يتعين بالتعيين أو مشخصًا عن الأعيان، كالأرض والدار والدابة والسيارة، إذا وصفت بما ينفي عنها الجهالة المفضية إلى النزاع، لأن للناس أغراضًا خاصة في الأعيان فيثبت الخيار لينظر المتملك هل يصلح له أم لا. ويظل له الخيار ولو وافق الوصف عند الحنفية (٢)
فإن كان مما لا يتعين بالتعيين لا يثبت فيه الخيار، حتى أنهما لو تبايعا عينًا بعين يثبت الخيار لكل واحد منهما، ولو تبايعا دينًا بدين لا يثبت الخيار لواحد منهما، ولو اشترى عينًا بدين فللمشتري الخيار ولا للبائع (٣)
الثاني: عدم الرؤية أي أن تكون العين التي بيعت لم يرها المشتري عند البيع، فإن اشتراه وهو يراه فلا خيار له، لأن الأصل هو لزوم العقد وانبرامه، لأن ركن العقد وجد مطلقًا عن شرط.
وإن كان المشتري لم يره وقت الشراء ولكن قد رآه قبل ذلك، نظر في ذلك:
إن كان المبيع وقت الشراء على الحالة التي كان عليها لم تتغير، فلا خيار له، لأن الخيار ثبت معدولًا به عن الأصل بالنص الوارد في شراء ما لم يره، وهذا قد اشترى شيئًا قد رآه فلا يثبت له الخيار.
وإن كان قد تغير عن حالته، فله الخيار، لأنه إذا تغير عن حالته فقد صار شيئًا آخر، فكان مشتريًا شيئًا لم يره، فله الخيار إذا رآه (٤)
стр. 10679
كيفية الرؤية:
الرؤية قد تكون لجميع المعقود عليه، وقد تكون الرؤية لبعضه والضابط فيه: أنه يكفي رؤية ما يدل على المقصود، ويفيد المعرفة به (١) . وذلك بأي حاسة من الحواس، حسب طبيعة محل العقد، فإن كان من المطعومات يكون العلم به بالذوق، وإن كان من المشمومات كانت معرفته بالشم، وإن كان من المرئيات فيكتفي بوصف الشيء وصفًا كافيًا.
ويجوز عند الحنفية للبصير والأعمى التوكيل بالنظر والرؤية (٢)
وقال الكمال بن الهمام: والمراد بالرؤية في الحديث: العلم بالمقصود.. فلا يكتفي بالرؤية في مثل ما إذا كان المبيع ما يعرف بالشم كمسك اشتراه وهو يراه، فإنه إنما يثبت الخيار له عند شمه، فله الفسخ عند شمه بعد رؤيته، وكذا لو رأى شيئًا ثم اشتراه فوجده متغيرًا، لأن تلك الرؤية غير معروفة للمقصود الآن، وكذا اشتراء الأعمى يثبت له الخيار عند الوصف له، فأقيم الوصف مقام الرؤية (٣)
وبناء على ذلك لا يكفي رؤية بيت من دار بل له حق الخيار حتى يطلع على الدار كلها ولا يكفي رؤية شاة من قطيع بل له الخيار حتى يرى القطيع كله.
وإذا كان المبيع عدديًّا كالثياب والنعال فلا يكفي رؤية البعض، بل له الخيار إلى أن يرى الكل.
وإذا كان المبيع من المثليات التي تباع كيلًا أو وزنًا أو كان مغيبًا في الأرض كالثوم والبصل فيكتفي برؤية بعض الأجزاء والوحدات ويرونه بعض النماذج.
стр. 10680
وقت ثبوت خيار الرؤية ومدته:
سبق أن وقت ثبوت الخيار هو وقت الرؤية لا قبلها، حتى لو أجاز قبل الرؤية ورضي به صريحًا، بأن قال: أجزت أو رضيت أو ما يجري هذا المجرى، ثم رآه فله أن يرده (١)
أما مدته فالأصح عند الحنفية أن خيار الرؤية يثبت مطلقًا في جميع العمر إلى أن يوجد ما يسقطه، أي أنه لا يتوقت بوقت، بل متى ثبت فإنه يستمر إلى أن يحدث ما يسقطه، لأنه حق من الحقوق، والحقوق لا تسقط إلا بإسقاطها، أو بانتهاء الأمد المحدد لها، ولأن سببه اختلال الرضا، والحكم يبقى سببه.
مسقطات خيار الرؤية:
ما يسقط به الخيار بعد ثبوته ويلزم البيع في الأصل نوعان:
اختياري وضروري:
الأول: الاختياري نوعان: صريح وما يجري مجرى الصريح (٢)
١- الصريح: يكون التصريح بالرضا والاختيار ممن له خيار الرؤية أو ما يقوم مقام التصريح سواء علم البائع أو لم يعلم، لأن الأصل في البيع المطلق اللزوم والامتناع عن اللزوم لخلل في الرضا فإذا أجاز ورضي فقد زال المانع (٣)
٢- ما يجري مجرى الصريح، وهو الدلالة على الرضا بأن يوجد من المشتري تصرف في المبيع بعد الرؤية دليل الرضا، بلزوم البيع، لأن القبض شبهًا بالعقد، فكان القبض بعد الرؤية كالعقد بعد الرؤية وذلك الرضا (٤) .
وهذا كأن يعرض المشتري السلعة للبيع أو يبيع بعضها، فعندئذ يسقط خياره عن الباقي، ويلزم البيع فيه كله.
الثاني: الضروري في خيار الرؤية:
كل ما يسقط به الخيار ويلزم البيع من غير صنعه، نحو موت المشتري وكذا أجازه أحد الشريكين فيما اشترياه دون صاحبه عند أبي حنيفة.
وكذا إذا هلك بعضه أو انتقص، بأن تغيب بآفة سماوية أو بعمل أجنبي أو بفعل البائع، أو ازداد في يد المشتري زيادة منفصلة أو متصلة (٥)