← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 10676–10715 · переход к 10681.

стр. 10676

خيار الرؤية شرعية خيار الرؤية: لقد تقدم أن الصانع إذا قدم المصنوع للمستصنع فله خيار الرؤية على مذهب أبي حنيفة، خلافًا لأبي يوسف الذي لا يثبت له هذا الخيار ما دام متمتعًا بخيار الوصف إذا كان المصنوع غير موافق للأوصاف المطلوبة، وخيار العيب إذا كان النقص من قبيل العيب. وقول أبي يوسف هذا يشبه كثيرًا قول المالكية بجواز بيع الغائب على الصفة، إذا كانت غيبته مما يؤمن أن تتغير صفته قبل القبض فإذا جاء على الصفة المذكورة كان البيع لازمًا، إذ أن هذا يعتبر من الغرر اليسير وإن خالف الصفة المتفق عليها فللمشتري خيار الصفة (١) وقلنا فيما مضى: إن العين في الاستصناع لم تكن معدومة، ولكنها مملوكة للبائع، وتسلم له حسب الأوصاف التي طلبها المستصنع. والحنفية يجوزون بيع العين الغائبة من غير رؤية ولا وصف، فإذا رآها المشتري كان له الخيار، فإن شاء أنفذ البيع وإن شاء رده. وكذلك المبيع على الصفة يثبت فيه خيار الرؤية. وإذا كان للمشتري خيار الرؤية فلا غرر عليه، ولا تؤدي الجهالة إلى النزاع مطلقًا. واستدلوا بالحديث الذي أخرجه الدارقطني في سننه مسندًا.. عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((من اشترى شيئًا لم يره فهو بالخيار، إذا رآه)) ورواه البيهقي والدارقطني في سننيهما بزيادة: ((إن شاء أخذه وإن شاء رده)) (٢) مرسلًا. ويؤيده ما روي عن عثمان بن عفان ﵁، أنه باع أرضًا بالبصرة من طلحة بن عبيد الله، فقيل لطلحة بن عبيد الله: إنك قد غبنت، فقال: لي الخيار، لأني اشتريت ما لم أره، وقيل لعثمان: إنك قد غبنت، فقال: لي الخيار، لأني بعت ما لم أره فحكما بينهما جبير بن مطعم فقضى بالخيار لطلحة، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، أخرجه الطحاوي،وفي رواية البيهقي عن علقمة بن أبي وقاص زاد ولا خيار لعثمان. انتهى (٣)

стр. 10677

وجاء في فتح القدير: "من اشترى شيئًا لم يره فله الخيار إذا رآه، إن شاء أخذه بجميع ثمنه، وإن شاء رده سواء رآه على الصفة التي وصفت له أو على خلافها (١) وقال في الفتاوى الهندية (٢) نقلًا عن الجوهرة النيرة: وخيار الرؤية يثبت حكمًا لا بالشروط. ثم قال: وخيار الرؤية لا يمنع ثبوت الملك في البدلين، ولكن يمنع اللزوم. كذا في محيط السرخسي. ومن باع ما لم يره، كأن ورث عينًا من الأعيان في بلدة أخرى، فباعها قبل أن يراها، فلا خيار له (٣) ، لأن المالك يعرف ما يملكه عادةً، فلا ضرورة لثبوت الخيار له. فإذا باع ما لم يره، وهو أمر نادر، كان مقصرًا في حقه نفسه، فلا يستحق المطالبة بفسخ العقد، أما المتملك إن لم يتمكن من رؤية محل العقد ولم يجد سبيلا إليه، كان من المصلحة منحه الخيار (٤) وخيار الرؤية يثبت في أربعة مواضع: البيع الصحيح والإجارة والقسمة والصلح عن دعوى المال على شيء بعينه، لأن كلًّا منهما معاوضة فليس في ديون النقود عقود لا تنفسخ كالمهر وبدل الصلح (٥) والاستصناع نوع من أنواع البيوع.

стр. 10678

وقت ثبوت الخيار: يثبت الخيار للمشتري عند رؤية المعقود عليه لا قبلها، فلو أجاز العقد قبل الرؤية لا يلزم العقد ولا يسقط الخيار، وله أن يرد المعقود عليه، لأن النبي ﷺ أثبت الخيار للمشتري بعد الرؤية. أما لو فسخ العقد قبل الرؤية صح الفسخ، لا من أجل الخيار وإنما لأن العقد غير لازم وغير اللازم يجوز فسخه، كالعقد الذي فيه خيار العيب، وعقد الإعارة والإيداع (١) . وقد تقدم أن الاستصناع عقد غير لازم عند أبي حنيفة، فيجوز فسخه، وهو عقد لازم عند أبي يوسف فلا يجوز فسخه. كما لا يثبت فيه خيار الرؤية. شروط ثبوت الخيار: الأول: أن يكون المبيع مما يتعين بالتعيين أو مشخصًا عن الأعيان، كالأرض والدار والدابة والسيارة، إذا وصفت بما ينفي عنها الجهالة المفضية إلى النزاع، لأن للناس أغراضًا خاصة في الأعيان فيثبت الخيار لينظر المتملك هل يصلح له أم لا. ويظل له الخيار ولو وافق الوصف عند الحنفية (٢) فإن كان مما لا يتعين بالتعيين لا يثبت فيه الخيار، حتى أنهما لو تبايعا عينًا بعين يثبت الخيار لكل واحد منهما، ولو تبايعا دينًا بدين لا يثبت الخيار لواحد منهما، ولو اشترى عينًا بدين فللمشتري الخيار ولا للبائع (٣) الثاني: عدم الرؤية أي أن تكون العين التي بيعت لم يرها المشتري عند البيع، فإن اشتراه وهو يراه فلا خيار له، لأن الأصل هو لزوم العقد وانبرامه، لأن ركن العقد وجد مطلقًا عن شرط. وإن كان المشتري لم يره وقت الشراء ولكن قد رآه قبل ذلك، نظر في ذلك: إن كان المبيع وقت الشراء على الحالة التي كان عليها لم تتغير، فلا خيار له، لأن الخيار ثبت معدولًا به عن الأصل بالنص الوارد في شراء ما لم يره، وهذا قد اشترى شيئًا قد رآه فلا يثبت له الخيار. وإن كان قد تغير عن حالته، فله الخيار، لأنه إذا تغير عن حالته فقد صار شيئًا آخر، فكان مشتريًا شيئًا لم يره، فله الخيار إذا رآه (٤)

стр. 10679

كيفية الرؤية: الرؤية قد تكون لجميع المعقود عليه، وقد تكون الرؤية لبعضه والضابط فيه: أنه يكفي رؤية ما يدل على المقصود، ويفيد المعرفة به (١) . وذلك بأي حاسة من الحواس، حسب طبيعة محل العقد، فإن كان من المطعومات يكون العلم به بالذوق، وإن كان من المشمومات كانت معرفته بالشم، وإن كان من المرئيات فيكتفي بوصف الشيء وصفًا كافيًا. ويجوز عند الحنفية للبصير والأعمى التوكيل بالنظر والرؤية (٢) وقال الكمال بن الهمام: والمراد بالرؤية في الحديث: العلم بالمقصود.. فلا يكتفي بالرؤية في مثل ما إذا كان المبيع ما يعرف بالشم كمسك اشتراه وهو يراه، فإنه إنما يثبت الخيار له عند شمه، فله الفسخ عند شمه بعد رؤيته، وكذا لو رأى شيئًا ثم اشتراه فوجده متغيرًا، لأن تلك الرؤية غير معروفة للمقصود الآن، وكذا اشتراء الأعمى يثبت له الخيار عند الوصف له، فأقيم الوصف مقام الرؤية (٣) وبناء على ذلك لا يكفي رؤية بيت من دار بل له حق الخيار حتى يطلع على الدار كلها ولا يكفي رؤية شاة من قطيع بل له الخيار حتى يرى القطيع كله. وإذا كان المبيع عدديًّا كالثياب والنعال فلا يكفي رؤية البعض، بل له الخيار إلى أن يرى الكل. وإذا كان المبيع من المثليات التي تباع كيلًا أو وزنًا أو كان مغيبًا في الأرض كالثوم والبصل فيكتفي برؤية بعض الأجزاء والوحدات ويرونه بعض النماذج.

стр. 10680

وقت ثبوت خيار الرؤية ومدته: سبق أن وقت ثبوت الخيار هو وقت الرؤية لا قبلها، حتى لو أجاز قبل الرؤية ورضي به صريحًا، بأن قال: أجزت أو رضيت أو ما يجري هذا المجرى، ثم رآه فله أن يرده (١) أما مدته فالأصح عند الحنفية أن خيار الرؤية يثبت مطلقًا في جميع العمر إلى أن يوجد ما يسقطه، أي أنه لا يتوقت بوقت، بل متى ثبت فإنه يستمر إلى أن يحدث ما يسقطه، لأنه حق من الحقوق، والحقوق لا تسقط إلا بإسقاطها، أو بانتهاء الأمد المحدد لها، ولأن سببه اختلال الرضا، والحكم يبقى سببه. مسقطات خيار الرؤية: ما يسقط به الخيار بعد ثبوته ويلزم البيع في الأصل نوعان: اختياري وضروري: الأول: الاختياري نوعان: صريح وما يجري مجرى الصريح (٢) ١- الصريح: يكون التصريح بالرضا والاختيار ممن له خيار الرؤية أو ما يقوم مقام التصريح سواء علم البائع أو لم يعلم، لأن الأصل في البيع المطلق اللزوم والامتناع عن اللزوم لخلل في الرضا فإذا أجاز ورضي فقد زال المانع (٣) ٢- ما يجري مجرى الصريح، وهو الدلالة على الرضا بأن يوجد من المشتري تصرف في المبيع بعد الرؤية دليل الرضا، بلزوم البيع، لأن القبض شبهًا بالعقد، فكان القبض بعد الرؤية كالعقد بعد الرؤية وذلك الرضا (٤) . وهذا كأن يعرض المشتري السلعة للبيع أو يبيع بعضها، فعندئذ يسقط خياره عن الباقي، ويلزم البيع فيه كله. الثاني: الضروري في خيار الرؤية: كل ما يسقط به الخيار ويلزم البيع من غير صنعه، نحو موت المشتري وكذا أجازه أحد الشريكين فيما اشترياه دون صاحبه عند أبي حنيفة. وكذا إذا هلك بعضه أو انتقص، بأن تغيب بآفة سماوية أو بعمل أجنبي أو بفعل البائع، أو ازداد في يد المشتري زيادة منفصلة أو متصلة (٥)

стр. 10681

أثر خيار الرؤية: يكون العقد الوارد على العين الغائبة أو غير المرئية غير لازم لمن ثبت له الخيار فيخير بين الفسخ والإجازة عند رؤية المعقود عليه، لأن عدم الرؤية يمنع تمام الصفقة، ولأن جهالة وصف المعقود عليه تؤثر في رضا المتملك فيثبت له الخيار، سواءً كان المعقود عيه موافقًا للوصف المتفق عليه أو مخالفًا له، وهذا مذهب الحنفية (١) ولا أثر لخيار الرؤية في نقل الملكية في البدلين، أي لا أثر لخيار الرؤية على العقد، فتنتقل ملكية المعقود عليه للمتملك، وملكية العوض للممالك، فور تمام العقد بالإيجاب والقبول. اختلاف المتعاقدين في الرؤية: ولو اختلفا في التغير وعدمه، فقال البائع: لم يتغير، وقال المشتري: قد تغير، فالقول قول البائع، لأن الأصل عدم التغير، والتغير عار، فكان البائع مستمسكًا بالأصل، والمشتري مدعيًا أمرًا عارضًا فكان القول قول البائع مع يمينه إلا إذا طالت المدة فالقول للمشتري، بخلاف ما إذا اختلفا في الرؤية والمشتري ينكرها فالقول للمشتري مع يمينه (٢) اختلاف المتعاقدين في الاستصناع: يجري في عقد الاستصناع ما يجري في بقية عقود البيع من أحكام، سواء ما يتعلق بأصل العقد، أو ما يتعلق بالالتزامات التي تحدث بين المستصنع والصانع. ويسري على الاستصناع ما يسري على كل المعاوضات المالية من أحكام إلا ما نص عليه الفقهاء من خصوصيات. فإن اختلفا في المصنوع، فقال المستصنع: لم تفعل ما أمرتك، وقال الصانع: بل فعلت، قالوا: لا يمين لأحدهما على الآخر، ولو ادعى الصانع على رجل: إنك استصنعت إلي في كذا، وأنكر المدعى عليه لا يحلف (٣) والقول قول المستصنع، لأن الإذن يستفاد من جهة المستصنع (٤) وإن قال المستصنع: بهذا أمرتك، ولكن لا أريده، كان له ذلك، لأن الخيار ثابت له بعدم الرؤية عند أبي حنيفة، وهو ملزم به عند أبي يوسف، لأنه أتى به طبق المواصفات.

стр. 10682

خيار الوصف قدمت الحديث عن خيار الرؤية لما للاستصناع من مساس بهذا الخيار، لأن عدم الرؤية في هذا العقد يعتبر مانعًا يمنع تمام الحكم، إذ الرؤية تمكن المستصنع من قبول المتعاقد عليه أورده عند تقديمه إليه، سواءً كان مطابقًا للأوصاف المطلوبة أو لا، في مشهور المذهب الحنفي، وكما للاستصناع مساس بخيار الرؤية فله مساس قوي أيضًا بخيار الوصف. وخيار الوصف هو خيار ثان يثبت للمستصنع إذا قدم الصانع المصنوع المتعاقد عليه. وقد فات وصف مرغوب فيه اشترطه المستصنع عند العقد (١) ، وغياب الوصف يمكن المستصنع من الخيار بين أن يقبل المصنوع بكل الثمن المسمى أو أن يفسخ البيع، وهو المسمى بخيار الوصف، وهو غير خيار الرؤية وإنما جاز له فسخ البيع لأن الوصف أو الأوصاف التي اشترطها المستصنع مرغوب فيها، فإذا فاتت أوجبت التخيير، لأن المشتري ما رضي به دونه، فصار كفوات وصف السلامة في خيار العيب. وأبو يوسف الذي لا يثبت للمستصنع خيار الرؤية، إذا جاء المصنوع مستكملًا للأوصاف، فإنه يثبت خيار الوصف إذا جاء المصنوع فاقدًا للأوصاف التي وقع الاتفاق عليها. وأما سبب أخذه بجميع الثمن في رأي الحنفية فهو: لأن الأوصاف لا يقابلها شيء من الثمن، لكونها تابعة في العقد ويعده الشافعية والحنابلة داخلًا في خيار العيب وله حكمه. وشروط خيار الوصف ثلاثة: أولًا: أن يكون الوصف المشروط مباحًا شرعًا. فإذا كان حرامًا لم يصح. ثانيًا: أن يكون الوصف مرغوبًا فيه عادةً. فإذا لم يكن مرغوبًا فيه في العرف ألغي الشرط وصح البيع ولا خيار. ثالثًا: ألا يكون تحديد الوصف المرغوب فيه مؤديًا إلى جهالة مفضية إلى المنازعة، فإن فعل فسد البيع والشرط كأن يشترط في البقرة الحلوب أن تحلب كذا رطلًا يوميًّا، فهذا شرط فاسد لأنه لا يمكن ضبطه. أحكام خيار الوصف: ١- يورث خيار الوصف فلو مات المشتري الذي له خيار الوصف فظهر المبيع خاليًا من ذلك الوصف، كان للوارث حق الفسخ. ٢- إذا تصرف المشتري أو المستصنع الذي له خيار الوصف تصرف المالك، بطل خياره، لأن تصرفه مشعر بالرضا. ٣- إذا هلك المبيع في يد المشتري أو تعيب في يده فله الرجوع على البائع بمقدار نقص المبيع بسبب فوات الوصف المرغوب فيه، ويعرف ذلك بتقويم المبيع مع الوصف وبدون الوصف، ويضمن البائع الفرق بينهما (٢) ، ويظهر أن المستصنع إذا بنى في أرض المشتري وأخل بأوصاف لا يمكن تداركها يعامل نفس معاملة هلاك المبيع أو تعيبه في يد المشتري، لأنه يتعذر على المستصنع في هذه الحالة أن يفسخ البيع، ما دامت الأرض أرضه، ورد المصنوع مستحيل، كما يمكن اعتبار الإخلال بالوصف عيبًا من التغرير بالوصف. ومذهب أبي حنيفة لا يوجب إرجاع المعيب بل يرجع المشتري بنقصان قيمته إن كانت أنقص مما اشتراه به (٣) .

стр. 10683

خيار العيب البيع المطلق من شرط البراءة من كل عيب يقتضي سلامة المبيع من العيب لأن الأصل هو السلامة وهي وصف مطلوب مرغوب عادةً وعرفًا والمطلوب عادةً كالمشروط نصًّا (١) فإذا لم تتوفر السلامة يتأثر العقد في لزومه وفي أصل حكمه. وصفة حكم البيع لشيء معيب هو أنه يفيد أن الملك غير لازم، لأن سلامة البدلين مطلوبة عادةً في عقد المعاوضة، لأن غرضه الانتفاع بالمبيع ولا يتعامل انتفاعه إلا بقيد السلامة لأنه لم يدفع الثمن إلا ليسلم له جميع المبيع فكانت السلامة مشروطة في العقد دلالة ولذلك كان العاقد بالخيار إن شاء أخذه وإن شاء رده (٢) مشروعية خيار العيب: الأصل في مشروعية هذا الخيار أحاديث وردت عن رسول ﷺ منها: ١- ما رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني والحاكم عن عقبة بن عامر أن النبي ﷺ قال: ((المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه عيب إلا بينه له)) (٣) ٢- ما رواه مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ مر برجل يبيع طعامًا فأدخل يده فيه، فإذا هو مبلول، فقال: ((من غشنا فليس منا)) (٤) ٣- ما روي عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ ، قال: ((من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ورد معها صاعًا من تمر)) (٥) ٤- وروي عن أحمد في مسنده (من اشترى شاة محفلة مصراة فهو بخير النظرين) . ٥- وقال الكاساني: الأصل في مشروعية هذا الخيار ما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((من اشترى شاة محفلة فوجدها مصراة فهو بخير النظرين ثلاثة أيام)) ، وفي رواية: ((فهو بأحد النظرين إلى ثلاثة، إن شاء أمسك وإن شاء رد ورد معها صاعًا من تمر)) . ثم قال: والنظران المذكوران هما نظر الإمساك والرد، وذكر الثلاث في الحديث ليس للتوقيت بل هو على الغالب المعتاد، والصاع من التمر كأنه قيمة اللبن الذي حلبه المشتري (٦) ، وجمهور الفقهاء يعتبرون تصرية الإبل والغنم تغريرًا فعليًّا في الوصف يوجب للمغرور خيارًا في إبطال العقد ولو لم يصحبه غبن وهو من باب التغرير في الوصف (٧)

стр. 10684

العيوب الموجبة للخيار: والعيب الموجب للخيار هو كل ما يوجب نقصان الثمن في عادة التجار نقصانًا فاحشًا أو يسيرًا، وما لا يوجب ذلك فلا يعتبر عيبًا (١) ، وذلك كالعمى والعور والحول والشلل والزمانة والحنف والصدف والجرد والجماح. قال الكاساني بعد أن ذكر عدة عيوب: والتعويل في هذا الباب على عرف التجار، سواء كان يوجب نقصان جزء من المبيع أو تغييرًا أو نقصانًا من حيث المعنى دون الصورة (٢) شروط ثبوت الخيار: ١- أن يكون العيب قديمًا، لذلك يشترط ثبوت العيب عند البيع أو بعده وقبل التسليم. حتى لو حدث بعد ذلك لا يثبت الخيار، لأن ثبوته لفوات صفة السلامة المشروطة في العقد. ٢- ثبوت العيب عند المشتري بعد قبض المبيع، ولا يكتفي بالثبوت عند البائع لثبوت حق الرد في جميع العيوب. ٣- جهل المشتري بوجود العيب عند العقد والقبض، فإن كان عالمًا به عند أحدهما فلا خيار له، لأنه يكون راضيًا به دلالة. ٤- عدم اشتراط البراءة عن العيب في البيع، ولو شرط الخيار للمشتري، لأنه إذا أبرأه فقد أسقط حقه. ٥- أن لا يزول العيب قبل الفسخ. ٦- أن لا يكون العيب طفيفًا يمكن إزالته دون مشقة، كالنجاسة في الثوب الذي لا يضره الغسل (٣)

стр. 10685

طرق إثبات العيب: لا يمكن الوصول إلى معرفة أقسام العيوب لأن طريق إثبات العيب يختلف باختلاف العيب. ١- عيب ظاهر مشاهد: كما إذا أحضر الصانع نعلًا أصغر من رجل المستصنع أو شباكًا من خشب أصغر من النافذة. ٢- عيب خفي لا يعرفه إلا أهل الذكر: سواء كان في مادة المصنوع أو في أي نوع الصنعة التي قام بها الصانع. ٣- عيب لا يعرفه إلا النساء. ٤- عيب لا يعرف بالمشاهدة وإنما يحتاج إلى التجربة والاختبار: أ- فإن كان مشاهدًا فلا حاجة لتكليف القاضي المشتري بإقامة البينة على وجود العيب عنده، لكونه ثابتًا بالمشاهدة والعيان وللمشتري حق خصومة البائع بسبب هذا العيب (١) ب- أما إذا كان العيب باطنًا: لا يعرفه إلا أهل الذكر كالأمناء والأطباء، فإنه يثبت لممارسة حق الخصومة بشهادة رجلين مسلمين منهم أو رجل عدل، وبعده تجري الخصومة عند القاضي على قاعدة: البينة على من ادعى واليمين على من أنكر. ج- أما إذا كان العيب مما لا يطلع عليه إلا النساء فيرجع القاضي إلى قول النساء، وهن أهل الذكر فيما لا يطلع عليه إلا هن. ولا يشترط العدد منهن بل يكتفي بقبول امرأة واحدة عدل وثنتان أحوط. د- أما العيب الذي ليس بمشاهد عند الخصومة ولا يعرف إلا بالتجربة فلا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، وتجري الخصومة عند الإنكار على قاعدة البينة على من ادعى واليمين على من أنكر (٢)

стр. 10686

كيفية الفسخ والرد: إذا ظهر العيب في المشتري أو المصنوع فالمشتري بالخيار بين أمرين: ١- إمضاء العقد، وفي هذه الحالة يلتزم بأداء العقد كاملًا. ٢- فسخه واسترداد الثمن إذا كان قد قدمه، وعليه أن يرد العين المعيبة إن كان قد استلمها (١) إذا كان المبيع في يد البائع، يفسخ البيع بقول المشتري ما يفيد الرد. أما إذا كان في يد المشتري فلا ينفسخ إلا بقضاء القاضي أو بالتراضي عند الحنفية، وإذا رد المبيع انفسخ العقد (٢) . مسقطات الخيار: ١- الرضا بالعيب من المشتري. ٢- التصرف في المبيع تصرفًا يدل على الرضا بالعيب كبيعه وهبته واستعماله بأي وجه من الوجوه، كلبس الثوب وركوب الدابة، والسكنى في المنزل. ٣- هلاك المعقود عليه قبل القبض لفوات المحل سواء كان الهلاك بأفة سماوية، أو باستعمال المشتري، كأكل الطعام، وقطع الثوب فيمنع الرد ويثبت للمشتري حق الرجوع على البائع بنقصان العيب (٣) ٤- نقصان المبيع يوجب إسقاط خيار العيب، سواء كان النقصان في المبيع قبل القبض أو بعده، وسواء كان بآلة سماوية أو بفعل المشتري. وكل منها له حكم يعرف في كتب الفروع. ٥- الزيادة في المبيع سواء كانت الزيادة منفصلة متولدة عن البيع، بعد القبض أو قبله، أو غير متولدة، أو كانت متصلة متولدة أو غير متولدة وكل نوع من هذه الأنواع له حكم يوجد في كتب الفروع (٤)

стр. 10687

إخلال الصانع أو المستصنع بالتزامات العقد لقد ذكر في أول البحث أن المشهور عند الحنفية أن عقد الاستصناع عقد غير لازم، وأن أي خلل يطرأ يمنع الصانع من تنفيذه ما تعاقد عليه، فلكل واحد من الطرفين الخيار في فسخ العقد. أما المتأخرون من الحنفية فقد اعتمدوا القول الذي يقول بلزوم العقد فإذا ظهرت موانع خارجية عن إرادة الصانع، كحرق المصنع، أو غرق السفينة، أو قطع علاقات مع بعض الدول الموردة للمادة الخام المطلوب صنعها، فالمستصنع هنا بالخيار إن شاء انتظر الصانع حتى يتمكن من الإنجاز، وإن شاء فسخ العقد. أما إذا كانت الموانع ناشئة عن إرادة الصانع، كسوء التنظيم والعجز عن إدارة الحضيرة أو التقاعس في احترام المواعيد فإن هذا يسبب تأخيرًا في إنجاز المشروع وضررا ماديًّا يلحق المستصنع. يقول مصطفى الزرقاء: (وقد ازدادت قيمة الزمن في الحركة الاقتصادية، فأصبح تأخر أحد المتعاقدين أو امتناعه عن تنفيذ التزاماته في مواعيدها المشروطة مضرًّا بالطرف الآخر في وقته وماله أكثر مما قبل) . فلو أن متعهدًا بتقديم المواد الصناعية إلى صاحب معمل تأخر عن تسليمها إليه في الموعد الضروري لتعطل المعمل وعماله، وكذا لو تأخر الصانع عن القيام بعمله في وقته لتضرر المستصنع بخسارة وقد تكون فادحة.. ولا يعوض هذا الضرر القضاء على الصانع بتنفيذ التزامه الأصلي، لأن هذا القضاء إنما يضمن أصل الحق لصاحبه وليس فيه جبر لضرر التعطل أو الخسارة، ذلك الضرر الذي يلحقه من جراء تأخر خصمه عن وفاء الالتزام في حينه تهاونًا منه أو امتناعًا. وأصبح ما ضاعف احتياج الناس إلى أن يشترطوا في عقودهم ضمانات مالية على الطرف الذي يتأخر عن تنفيذ التزامه في حينه. ومثل هذا الشرط يسمى في اصطلاح الفقه الأجنبي الشرط الجزائي (١) وأصبح الشرط الجزائي متعارفًا بين الصناع وفي كل المقاولات وحافزًا قويًّا يدفع الصانع على احترام المواعيد وخير معين على تنظيم سير الحركة الاقتصادية في كل بلد.

стр. 10688

مفهوم الشرط الجزائي في القانون المدني: الشرط الجزائي: هو اتفاق يقصد منه المتعاقدان سلفًا التعويض الذي يستحقه الدائن إذا لم ينفذ المدين التزامه، أو تأخر في تنفيذه. (١) وقد فسر الزرقاء الشرط الجزائي بأنه اتفاق الناس على أن يشترطوا في عقودهم ضمانات مالية على الطرف الذي يتأخر عن تنفيذ التزامه في حينه (٢) موقف الشريعة الإسلامية من الشرط الجزائي: لقد جاءت في الشريعة الإسلامية نصوص من الكتاب والسنة في حرية التعاقد، وفي رضائيته المطلقة. ١- أما الكتاب: قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . (٣) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٤) فهذه النصوص وأمثالها تفيد أن الأصل في استحقاق مال الغير، أو استحلال شيء من حقوقه، إنما هو رضا صاحبه. إما على سبيل التجارة والتبادل، أو على سبيل المنحة والتنازل عن طيب نفس واختيار (٥) . وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٧) فهذه النصوص وأمثالها تفيد أن عقد الإنسان وتعهده الذي باشره بإرادته الحرة ملزم له بنتائجه، كي تتولد الثقة والاطمئنان إلى نتائج التعامل الاقتصادية (٨) ٢- أما السنة: فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "المسلمون على شروطهم" (٩) وقال أيضًا: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل (١٠) . أي كل شرط ليس في حكم الله وشرعه فهو باطل، وذلك بأن يكون الشرط منافيًا لقواعد الشريعة أو مقاصدها. وثبت أيضًا في السنة العملية أن النبي ﷺ اشترى في السفر من جابر بن عبد الله بعيرًا وشرط لجابر ظهره إلى المدينة أي أنه اشترط له حق ركوبه بعد البيع حتى يصل عليه إلى المدينة (١١) . قال ابن شبرمة: البيع جائز والشرط جائز (١٢) وما روي في صحيح البخاري بسند عن ابن سيرين أن رجلًا قال لكريه: (أدخل ركابك فإن لم أرحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه. وقال أيوب عن ابن سيرين أن رجلًا باع طعامًا وقال: إن لم آتك يوم الأربعاء فليس بيني وبينك بيع، فلم يجئ فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت، فقضى عليه (١٣) وهذه كلها نصوص تدل دلالة واضحة على أن ما أطلقنا عليه شرطًا جزائيًّا وهو الذي يجري اشتراطه في العقود هو شرط صحيح يجب الأخذ به ما لم يكن هناك عذر في الإخلال بالالتزام به.

стр. 10689

رأي فقهاء المذاهب في حرية الشروط العقدية ومن هنا نعلم أن هناك شروطًا تعتبر ميدانًا لإرادة العاقدين أطلق فيها الشرع حرية إرادة المتعاقدين ضمن حدود حقوقهم في أحكام والتزامات تثبت بالعقد مبدئيًّا ويعتبر العقد المسمى قائمًا بين الطرفين على أساسها. وأن هناك من جهة أخرى شروطًا ممنوعة شرعًا لا سلطان لإرادة العاقدين فيها لأنها تمس أحكامًا أساسية تعتبر من مقاصد الشريعة الإسلامية ونظامها العام. رأي المذهب الحنبلي: ويقول الزرقاء: وهذا هو مبنى الاجتهاد الحنبلي بحسب نصوص فقهائه المختلفة وهو أوسع الاجتهادات الفقهية الإسلامية وأرحبها صدرًا بمبدأ سلطان الإرادة ويتفق جوهر نظريته فيه مع النظريات القانونية الحديثة في الفقه الأجنبي. ومثله مذهب شريح القاضي ومذهب عبد الله بن شبرمة الكوفي. وعلى هذا الرأي بعض فقهاء المذهب المالكي (١) رأي بقية المذاهب الأخرى: أما الحنفية فإنهم وإن توسعوا في مفهوم الاستصناع وسايروا تطور الصناعات والعمران وأجازوا استصناع السلعة على مذهب أبي يوسف، وعلى مذهبه استقر عمل الأحناف على القول بصحته وأدرجوه في مجلة الأحكام العثمانية وجرى عرف الناس في سائر الأمصار على العمل به وكأنه السبب الذي جعل الناس تؤمن بأن المذهب الحنفي قادر على التطور ويستجيب لمقتضيات الزمن وللمعاملات الحديثة.. إلا أنه في الآن نفسه، وقف المذهب الحنفي أمام عقبة كأداء وهي الشروط الجديدة التي اقتضاها تطور الميدان الصناعي والمقاولات عمومًا فليس للمتعاقدين في هذا المذهب أن يشترطا من الشروط ما يخالف مقتضى العقد، وهي الأحكام الأساسية التي نص عليها الشرع مباشرةً أو استنبطها الاجتهاد حفظًا للتوازن بين العاقدين في الحقوق. وعلى نفس هذا الاتجاه نظر جمهور الفقهاء المالكية ثم الاجتهاد الشافعي (٢)

стр. 10690

الغرامات فيما زاد على المدة المتفق عليها: مما يجدر ذكره أن العقود والشروط والمعاملات في البنايات وسائر الصناعات هي من الأمور العادية وليست من العبادات الشرعية التي تفتقر إلى دليل التشريع إذ الأصل في العقود هو رضا المتعاقدين، ونتيجتها هو ما أوجباه على نفسيمها بشرط أن يكون هذا العقد خاليًا من كل ربا أو ما نص الشارع على تحريمه أو بطلانه، ووضع الغرامة فيما زاد على المدة المحدودة في المقاولات وبناء العمارات والفنادق والمؤسسات مما تعارفه المقاولون، وضبط ضبطًا محكمًا في كراس الشروط، وهو جائز من الوجهة الشرعية حسب المذهب الحنبلي ومشهور مذهب شريح. مشاكل كراسة الشروط وأسبابها: إن هذه المشاكل إنما تحصل عند التطبيق لأن الساهرين على المقاولات في بعض البلدان حديثة العهد بهذه النظم التي أصبحت عالمية يغفلون عن التحري في إعداد التصاميم التي يجري على مقتضاها إنجاز العمل والتحري في المقايسة ودفتر الشروط وضبط حقوق كل طرف وواجباته وبيان كل جزئية قد يحتاج إليها المتعاقدان دفعًا لكل لبس أو سوء تأويل. مع العلم أن إعداد الملف فن خاص يحتاج إلى كفاءات كثيرًا ما يتساهل المقاولون في إعداده فيكون ذلك سببًا في تشكيات ونزاعات سواء فيما زاد على المدة المحدودة أو عدم تطبيق ما تعهد به المقاول. والمعروف عند أهل الاختصاص أن إعداد ملف المقاولة هو المرآة الصادقة للمقاول الكفء الذي يستطيع أن يقدم عملًا نظيفًا متقنًا في آجاله، وتطبيق كل المواصفات التي اقتضاها العقد ووضع الأشياء في مواضعها، إلا أن الطمع في الربح الكثير هو الذي دفع كثيرًا من البعيدين عن هذا الميدان إلى ولوج باب المقاولات فكانوا سببًا في إثارة خصومات ومنازعات شككت الناس في قيمة القوانين وصلوحتها.

стр. 10691

خاتمة هذا ما انتهيت إليه في بحثي عن الاستصناع والمقاولات في العصر الحاضر، فقد حاولت فيه أن أتعرض إلى بعض المقارنات بين مذاهب الفقه الإسلامي، وقانون الالتزامات والعقود المعمول به في المحاكم المدنية، حتى أتمكن من إبراز أوجه التقارب والتباين بين هذه الآراء في خصوص عقد الاستصناع وما اتصل به من عقود. إن هذا العقد تطور كثيرًا في هذا العصر وأخذ أبعادًا كثيرة، وكبيرة حتى صار من أكثر العقود انتشارًا في الحياة التجارية والصناعية، سواء في الميدان الداخلي أو الخارجي. وهذا ما فرض على الدول الإسلامية أن لا تكتفي بما وصلت إلى مجلة الأحكام العثمانية التي واكبت النهضة الصناعية إلى سنة ١٢٩٦هـ تاريخ صدورها ثم صدور الأمر السلطاني بلزوم العمل بها في كافة الدول الإسلامية. ومن ذلك التاريخ أصبحت الأحكام المدنية تتطور في كل بلد، إذ تولدت أنواع من الحقوق لم تكن معهودة من قبل، كامتياز المؤلف والمخترع والملكية الأدبية والصناعية والاسم التجاري وتطور العلائق الاقتصادية، كما تطورت الطرق التجارية كتجارة التوصية والتأمين. والحاجة إلى اعتبار الشروط العقدية التي يمنع منها الاجتهاد الحنفي المعمول به في مجلة الأحكام وازدياد الزمن قيمة في الحركة الاقتصادية حتى أصبح تأخر المستصنع في دفع الثمن أو تأخر الصانع في تسليم ما تعهد بصنعه مضرًّا بالطرف الآخر، فوجب التفكير في مخرج لكل هذه الأمور وغيرهم في نطاق الفقه الإسلامي من مجموع المذاهب الإسلامية. كل ذلك اجتنابًا لما جرى به العمل حتى الآن، إذ سارت كل دولة إسلامية حسب نظرة خاصة أو إقليمية، فعدلت أو نسخت ما أملت عليها ظروفها ومصالحها التصرف فيه وصاغته في قوانين وضعية ربما خالفت الشريعة الإسلامية. والذي ندعو إليه هو صياغة هذه القوانين الجديدة صياغة إسلامية عامة لا تلتزم مذهبًا معينًا وتتماشى مع التطور وتلبي حاجات الناس الجديدة في هذا الزمن. واعتقادنا أن "مجمع الفقه الإسلامي" هو المؤهل اليوم للاضطلاع بهذه المهمة وذلك بتكوين لجنة أو لجان تنجز مثل هذا المقترح بالاعتماد على ما صدر عن المجامع الفقهية والهيئات الدينية من أحكام وقوانين وفتاوى في كل باب. عسى ذلك أن يساعد المسلمين في عامة بلدانهم على الخروج من الحرج الذي يقعون فيه يوميًّا في معاملاتهم، ويصير مرجعًا يعتمدونه إذ يدلهم على حكم الله تعالى فيما استجد أو يستجد من الأحداث. الشيخ مصطفى كمال التارزي

стр. 10692

الاستصناع تعريفه - تكيفه - حكمه - شروطه أثره في تنشيط الحركة الاقتصادية إعداد الدكتور سعود بن مسعد بن مساعد الثبيتي قسم الشريعة - كلية الشريعة - جامعة أم القرى مكة المكرمة - المملكة العربية السعودية بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ (٤)

стр. 10693

مقدمة: الدين الإسلامي دين كامل شامل لما يقوم به العباد تجاه ربهم من العبادات وما يحتاجون لأنفسهم من العادات والمعاملات قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١) فالنصوص الشرعية، وقواعد الشريعة الإسلامية العامة، وما اشتملت عليه مقاصد الشارع من جلب المصالح، ودرء المفاسد كفيلة بحل مشكلات البشرية كلها والدنيا بأسرها حلًّا بعيدًا عن الحرج والمشقة والعنت، ولذلك رأينا بعد كثرة صور المعاملات نتيجة للتعامل بين الدول الإسلامية، والانفتاح على الدول الغربية والشرقية أن المجامع الفقهية أثرت إثراء واسعًا بكثرة الأبحاث التي تطرحها لإيجاد حلول شرعية، وأحكام فقهية لأنواع التعامل المستجدة، وكذا في بعض الموضوعات القديمة التي اختلفت فيها وجهات نظر الفقهاء، وتباينت آراؤهم وحيث أن موضوع الاستصناع أحد الموضوعات التي طرحت للبحث في الدورة السابعة لمجمع الفقه الإسلامي أحببت الإسهام بجهد المقل والكتابة فيه والله أسال أن يكون في هذا البحث ما يوضح بعض الأمور الغامضة وإيجاد الحلول المناسبة بعد التدارس مع علماء أجلاء، وباحثين فضلاء، وخبراء واقتصاديين يشتركون في إبداء الرأي مجتمعين، وقد قسمت البحث إلى مقدمة وستة مباحث وخاتمة. المبحث الأول: في تعريف الاستصناع. المبحث الثاني: في اعتبار الاستصناع عقدًا أو وعدًا. المبحث الثالث: تكييف عقد الاستصناع على القول بأنه عقد. المبحث الرابع: المذاهب الفقهية في حكم الاستصناع. المبحث الخامس: في الشروط الجامعة والفارقة بينه وبين السلم. المبحث السادس: في أثر الاستصناع في تنشيط الحركة الاقتصادية. أما الخاتمة فقد اشتملت على أهم نتائج البحث. والله أسأل أن يكون في هذا البحث خدمة للإسلام والمسلمين.

стр. 10694

المبحث الأول تعريف الاستصناع الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وحيث أن المعنى اللغوي هو الأصل للمعنى الاصطلاحي فلا بد من تقديمه عليه. تعريف: الاستصناع في اللغة: الاستصناع طلب الصنعة قال ابن منظور: (اصطنع فلان خاتمًا إذا سأل الرجل أن يصنع له خاتما.. واستصنع الشيء دعا إلى صنعه) (١) والصناعة هي حرفة الصانع، وعمله الصنعة والفاعل صانع (٢) وعليه فإن الاستصناع هو طلب عمل من الصانع ليعمل شيئًا لطلب الصنعة. تعريف الاستصناع اصطلاحا: جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة يرون أن الاستصناع قسم من أقسام السلم ولذلك يندرج في تعريفه. أما الحنفية فقد جعلوه عقدًا مستقلًّا له اعتباره الذي يجعله متميزًا عن عقد السلم، وقد عرفوه بعدة تعريفات، منهم من عرفه بالرسم، ومنهم من عرفه بالحد. قال الكاساني: هو (أن يقول إنسان لصانع من خفاف أو صفار أو غيرهما: اعمل لي خفًّا، أو آنية من أديم، أو نحاس من عندك بثمن كذا، ويبين نوع ما يعمل، وقدره، وصفته، فيقول الصانع: نعم) (٣)

стр. 10695

وقد ذكر بعضهم من صور الاستصناع وزاد بعض ما وجد في عصور المتأخرين كصناعة الزجاج والحديد، مما يدل دلالة واضحة على أن ذكر الصور عند المتقدمين على سبيل التمثيل لا الحصر. وأما تعريفه بالحد فقد ذكروا له عدة تعريفات: منها ما نقله الكاساني عن بعض الفقهاء أنه: (عقد مقاولة) (١) ، ويرى بعضهم أنه (عقد على مبيع في الذمة) (٢) ، ونقل عن آخرين قولهم: (عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل) (٣) . أما مجلة الأحكام العدلية فقد عرف فيها بـ: (عقد مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئًا) (٤) . ومن أمثلته ما ذكر في المجلة (إذا قال شخص لآخر من أهل الصنائع اصنع لي الشيء الفلاني بكذا قرشًا وقبل الصانع ذلك انعقد البيع استصناعًا) (٥) وعرفه من المعاصرين أستاذنا الدكتور/ أحمد أبو سنة ونقله عنه الدكتور عبد العزيز الخياط حيث قال: (أن يطلب من الصانع عمل شيء مادته من عنده على وجه خاص) (٦) فقد ذكر في التعريف ما يفرق بين الاستصناع والإجارة على الصنع، فالمادة في الاستصناع والعمل من العامل. أما الإجارة على العمل فالمادة من طالب الصنعة ولعل أوفى تعريف وأقربه إلى حقيقة الاستصناع ما ورد في رسالة عقد الاستصناع حيث عرفه المؤلف بقوله: (عقد على مبيع في الذمة يشترط فيه العمل على وجه مخصوص) (٧) ، وعلى هذا التعريف الذي اعتبره عقدًا يخرج الوعد. والقول بأنه على مبيع يخرج الإجارة إذ هي عقد على منافع مؤقته. والقول بأنه في الذمة يخرج البيع، إذ البيع مقبوض في المجلس، والاستصناع مطلوب صنعه في الذمة. والقول بأنه شرط فيه العمل قيد احترز به عن السلم، إذ أن السلم بيع آجل بعاجل، والاستصناع لا يشترط فيه أخذ الثمن عند كثير من الفقهاء كما سيظهر فيما بعد. والقول بأنه على وجه مخصوص، أي: جامع شرائط الاستصناع (٨) التي ستذكر فيما بعد والله أعلم.

стр. 10696

المبحث الثاني في اعتبار الاستصناع عقدًا أو وعدًا. من أهم مباحث الاستصناع معرفة صفته هل هو عقد أو مجرد مواعدة؟ وللإجابة على هذا السؤال لابد من تعريف العقد والوعد ويمكن تقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب: * المطلب الأول: في العقد: تعريف العقد في اللغة: يأتي العقد في اللغة بمعنى الشد والربط مادته من باب ضرب يقال عقدت الحبل فانعقد، والعقدة: ما يمسكه ويشده ويوثقه، ومنه قيل عقدت البيع والحبل، والعهد يعقده. وعقدت اليمين وعقدتها بالتشديد توكيدًا، وعاقدته على كذا وعقدته عليه بمعنى عاهدته (١) تعريف العقد في الإصلاح: (اتفاق بين طرفين يلتزم بمقتضاه كل منهما بتنفيذ مااتفقا عليه كعقد البيع والزواج) (٢) وفي القرآن المجيد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣) وجاء في التعريفات: (ربط أجزاء التصرفات بالإيجاب والقبول) (٤) وجاء في مجلة الأحكام العدلية (التزام المتعاقدين وتعهدهما أمرًا وهو عبارة عن ارتباط الإيجاب بالقبول) (٥) وقال السنهوري: (ارتباط الإيجاب بالقبول على وجه يظهر أثره في المعقود عليه) (٦) فهو ليس مجرد الإيجاب والقبول ولا الارتباط وحده بل هو مجموع الثلاثة (٧)

стр. 10697

* المطلب الثاني: في الوعد: تعريف الوعد في اللغة: يستعمل الوعد في الخير والشر، ويتعدى بنفسه، وبالباء، فيقال: وعده الخير وبالخير، وشرًّا بالشر، وقد أسقطوا لفظ الخير والشر. وقالوا في الخير: وعده وعدًا وعدة، وفي الشر وعده وعيدًا فالمصدر فارق وأوعده إيعادًا وقالوا أوعده خيرًا أو شرًّا بالألف أيضًا (١) تعريف الوعد في الاصطلاح: عرف الوعد في الاصطلاح بأنه (ما يطلبه الطالب فيعده صاحبه بإنفاذ ما يطلبه منه) (٢) قال السنهوري هو: (ما يفرضه الشخص على نفسه لغيره بالإضافة إلى المستقبل لا على سبيل الالتزام في الحال) (٣) ، وقد يقع الوعد على عقد أو عمل كأن يعد شخص آخر ببيعه أرضًا أو ببنائه دارًا. وجمهور الفقهاء على أن الوعد ملزم ديانة لا قضاء (٤) ولكن الحطاب ذكر عن المالكية أربعة أقوال في القضاء بالوعد وذكر أن ابن رشد حكاها في كتاب جامع البيوع والعارية والعدة. ١- فقيل يقضي بها مطلقًا. ٢- وقيل لا يقضي بها مطلقًا. ٣- وقيل يقضي بها إن كانت على سبب دخل الموعود في السبب أو لم يدخل. ٤- وقيل يقضي بها إن كان على سبب ودخل الموعود من أجل الوعد في السبب. وبالمثال التالي يتضح الفرق بين القولين الأخيرين: يعد شخص آخر بمبلغ من المال ليعينه على الزواج فهذا الوعد ملزم للواعد تزوج الموعود أو لم يتزوج على القول الثالث، وهو ملزم لواعد بشرط أن يكون الموعود قد تزوج على القول الرابع (٥)

стр. 10698

* المطلب الثالث: الفرق بين العقد والوعد: هناك فرق كبير بين العقد والوعد عند من يقول بعدم القضاء بالوعد، فمن يقول بأن الاستصناع عقد يرتب عليه الأثر من حيث اللزوم، ومن ثم يرتب على ذلك الضمان وإلى هذا ذهب بعض الحنفية والمالكية في بعض أقوالهم. وأما من يقول بأن الوعد غير ملزم فلا يرتب عليه من الآثار غير أن على الواعدين الإثم في عدم الوفاء بالوعد. من المعلوم أن الذين جعلوا الاستصناع عقدًا مستقلًّا هم الحنفية، فجعلوا له أركانًا وشروطًا تميزه عن غيره من العقود، وقد قسمت الكلام في هذا المطلب إلى فرعين. الفرع الأول: في قول من اعتبر الاستصناع وعدًا: يرى الحاكم الشهيد والصفار ومحمد بن سلمة وصاحب المنثور أنه مجرد مواعدة وليس بعقد وأنه ينعقد بالمعاطاة إذا جاء به مفروغًا منه بعد ذلك (١) ، جاء في المبسوط: (وكان الحاكم الشهيد يقول: الاستصناع مواعدة وإنما ينعقد العقد بالتعاطي إذا جاء به مفروغًا عنه) (٢) وقد فصل ابن عابدين في لزوم العقد وجوازه حسب المراحل التي يمر بها حيث قال: (وأما صفته: فهي أنه عقد غير لازم قبل العمل من الجانبين بلا خلاف، حتى كان لكل واحد منهما خيار الامتناع عن العمل كالبيع بالخيار للمتابيعين فإن لكل منهما الفسخ، وأما بعد الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع فكذلك حتى كان للصانع أن يبيعه ممن شاء، وأما إذا أحضره الصانع على الصفة المشروطة سقط خياره وللمستصنع الخيار هذا جواب ظاهر الرواية، وروي عنه ثبوته لهما وعن الثاني عدمه لهما والصحيح الأول) (٣) وقد أيدوا وجهة نظرهم بما يلي: ١- قالوا: إن الصانع له ألا يعمل وهذا لا يكون في العقود، إذ العقود ملزمة لمن دخل فيها، وذلك بخلاف السلم الذي يجبر فيه المسلم إليه بما التزم به. ٢- إن المستصنع له الحق في عدم قبول ما يأتي به الصانع وله الرجوع أيضًا قبل تمام الصناعة أو رؤيتها وهذا يدل على أنه وعد لا عقد (٤) جاء في حاشية رد المحتار: (ولكل منهما الامتناع عن العمل قبل العمل بالاتفاق) (٥)

стр. 10699

الفرع الثاني: قول من اعتبر الاستصناع عقدًا: يرى الإمام أبو يوسف وبعض المتأخرين أنه عقد. جاء في المبسوط (وعن أبي يوسف قال: إذا جاء به كما وصفه له فلا خيار للمستصنع استحسانًا) (١) وجاء في فتح القدير: (والصحيح من المذهب جوازه بيعًا) (٢) وقد أيدوا وجهة نظرهم بما يلي: ١- إن في هذا القول دفع الضرر عن الصانع في إفساد أمتعته وآلاته فربما لا يرغب غيره في شرائه على تلك الصفة ولو قيل بثبوت الخيار لثبت الضرر) (٣) ٢- الصانع يملك الدراهم بقبضها ويضمنها ولو كانت مواعدة لم يملكها (٤) ٣- إثبات خيار الرؤية فيه والمواعدة لا تلزم فلا حاجة لخيار الرؤية فيها) (٥) ٤- تجويزه فيما فيه تعامل دون ما ليس فيه تعامل يؤيد أنه عقد إذ لو كان وعدًا لجاز في الجميع. (٦) ٥- أن محمدًا ﵀ ذكر فيه القياس والاستحسان وهما لا يجريان في المواعدة (٧) ٦- وتسميته شراء حيث قال محمد: إذا رآه فهو بالخيار لأنه اشترى ما لم يره (٨) فاعتباره شراء دليل على أنه عقد. ٧- قالوا أيضًا يجرى فيه التقاضي وإنما يتقاضي في الواجب لا الموعود (٩) الترجيح: بعد استعراض آراء الطرفين في اعتبار الاستصناع عقدًا أو وعدًا يتضح رجحان قول القائلين بأنه عقد، لقوة الأدلة بجانب ما ذكره الذين ذهبوا إلى أنه وعد وما أيدوا قولهم به من أقوال لا تقاوم أدلة الذين اعتبروه عقدًا حيث أن ما ورد عنهم يعتبر آثارًا مترتبة على أنه وعد وليس هناك أدلة تؤيد قولهم هذا من ناحية، والناحية الأخرى أن القول بأنه وعد يترتب عليه كثير من الأضرار على الصانع والمستصنع فالصانع قد يتلف متاعه وأدواته ولا يجد من يرغبها بتلك الصفات التي طلبها المستصنع، والمستصنع أيضًا قد يتضرر بسبب مضي الوقت وعدم حصوله على حاجته ولا شك أن الشريعة الإسلامية من مبادئها الشرعية وقواعدها العامة مبدأ رفع الضرر ودفعه عن المكلفين مع ثبوت خيار الرؤية إذا ظهر أن المصنوع على خلاف الصفات التي طلبها الصانع.

стр. 10700

المبحث الثالث تكييف الاستصناع على القول بأنه عقد الذين قالوا بأن الاستصناع عقد اختلفوا في تكييفه إلى عدة أقوال: ١- عقد على مبيع في الذمة (١) ٢- عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل (٢) ٣- إجارة. (٣) ٤- إجارة ابتداءً بيع انتهاءً لكن قبل التسليم لا عند التسليم (٤) ٥- يع عمل العين فيه تبع (٥) ٦- بيع عين لها علاقة بالذمة (٦) هذه جملة الأقوال التي اطلعت عليها عند الحنفية في تكييف عقد الاستصناع وقد أيد كلٌ قولَه ببعض الأدلة العقلية وإليك بيانها مع التعقيب عليها بمناقشة المخالفين وما رد به على المناقشة. ١- الذين قالوا: إن الاستصناع عقد على مبيع في الذمة أيدوا قولهم هذا بأن الصانع لو أحضر عينًا كان عملها قبل العقد ورضي بها المستصنع لجاز، ولو كان شرط العمل من نفس العقد لما جاز، لأن الشرط يقع على عمل في المستقبل لا في الماضي (٧) ونوقش هذا القول بأن هذا يجوز بعقد آخر وهو التعاطي - بالتراضي وليس بالعقد الأول (٨)

стр. 10701

٢- أما الذين قالوا بأن الاستصناع عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل. فقد أيدوا قولهم بأدلة عقلية منها: أ- إن الاستصناع هو طلب الصنع، فما لم يشترط فيه العمل لا يكون استصناعًا فكان مأخذ الاسم دليلًا عليه (١) . ب- العقد على مبيع في الذمة يسمى سلمًا، وهذا العقد يسمى استصناعًا، واختلاف الأسامي دليل على اختلاف المعاني في الأصل (٢) ٣- الذين قالوا بأن الاستصناع إجارة أيدوا قولهم بعدة أمور: أ- المعقود عليه هو العمل والعقد الذي قصد فيه العمل هو الإجارة. ب- الاستصناع اشتقاق من الصنع وهو العمل فتسمية العقد به دليل على أنه هو المعقود عليه والمادة فيه بمنزلة الآلة للعمل (٣) وقد نوقش هذا القول بأنه لو انعقد الاستصناع إجارة لأجبر الصانع على العمل والمستصنع على إعطاء المسمى (٤) وأجيب على هذا الاعتراض بأنه لا يجبر الصانع لأنه لا يمكنه إلا بإتلاف عين له من قطع أديم أو غيره والإجازة تفسخ بهذا العذر ألا ترى أن الزارع له أن لا يعمل إذا كان البذر من جهته وكذا رب الأرض (٥) هذا الجواب مني على التسليم بأنه لا يجبر على العمل ولكن على القول بإجباره على عمل ما التزمه فلا حاجة إلى ذلك.

стр. 10702

ولكن فرق كثير من العلماء بين الإجارة والاستصناع بأمرين: ١- الإجارة على الصنع المادة فيها من طالب الصناعة أما الاستصناع فالعمل والمادة من الصانع. ٢- وفرق آخر بين الاستصناع والإجارة على الصنع بأنه في الإجارة المعقود عليه هو العمل أما في الاستصناع فالمعقود عليه هو العين الموصوفة في الذمة لا بيع العمل (١) ٣- الذين قالوا: إن المعقود عليه هو العمل والعين فيه تبع قالوا: إن الاستصناع اشتقاق من الصنع وهو العمل فتسمية العقد به دليل على أنه هو المعقود عليه والأديم فيه بمنزلة الآلة للعمل (٢) ورد على قولهم هذا بأن المعقود عليه المستصنع فيه وذكر الصنعة لبيان الوصف ألا ترى أنه لو جاء به مفروغًا عنه لا من صنعته أو من صنعته قبل العقد فأخذه جاز (٣) أما الذين قالوا: إن الاستصناع بيع عين لها علاقة بالذمة، فيرد عليهم عدة اعتراضات. أولًا: إن تعريف بيع العين لا ينطبق على هذا العقد حيث إن العين كما ورد تعريفها في مجلة الأحكام العدلية: (الشيء المعين المشخص كبيت وحصان وكرسي وصبرة حنطة وصبرة دراهم حاضرتين فكلها أعيان) (٤) وقد نقل سعدي أبو جيب تعريفه عن الحنفية بقوله عند الحنفية: (ما كان قائمًا في ملك الإنسان من نقود وعروض) (٥) وحيث أن المستصنع فيه بيع معدوم كما نص عليه جمهور الحنفية فلا يمكن أن يكون المعدوم عينًا فليس المستصنع موجودًا ولا مشخصًا بل معدومًا والمعدوم يتعلق بالذمة وما تعلق بالذمة فهو دين. جاء في مجلة الأحكام العدلية: (الدين ما يثبت في الذمة كمقدار من الدراهم في ذمة رجل ومقدار منها ليس بحاضر، والمقدار المعين من الدراهم أو من صبرة الحنطة الحاضرتين قبل الإفراز فكلها من قبيل الدين) (٦)

стр. 10703

أما ما يرد بأن الوصف قد يجعل الموصوف عينًا فيناقش بأن الوصف قد يكون لشيءٍ موجود فإذا وصف الموجود صيره عينًا أما في الاستصناع فالمستصنع معدوم ووصف المعدوم لا يصيره عينًا وإلا لصار المسلم فيه بعد الوصف عينًا ولا أعلم من قال بأن الوصف في المسلم فيه يصيره عينًا. وما وجد من فروق بين الاستصناع والسلم في الشروط لا يؤثر في تعلق كل منهما بالذمة حيث أنه من المعلوم أن الوصف يتعلق أحيانًا بعين إن لم تكن العين موجودة كما في الاستصناع وإذا كان الشيء معدومًا فهو دين. ثم لو عدنا إلى تعريف الاستصناع لغة وهو طلب الصنعة وطلب الصنعة يكون لشيء مستقبل لا لشيء موجود. وأيضًا يعتبر على قولهم بأن المعقود عليه عين فيقال: إن المصنوع غير موجود في ملك البائع وبيع ما لم يملكه البائع إذا كان عينًا غير صحيح لما ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: "لا تبع ما ليس عندك" (١) ، أي ما ليس في ملكك وهذا في بيوع الأعيان. أما الدين - المتعلق بالذمة - فيجوز بيعه وهذا مقتضى عقد السلم، فإنه بيع شيء غير مملوك وقت العقد. ثم لو سلمنا أن عقد الاستصناع على عين في بعض صوره لقلنا: إنه موجود على غير الصفة المطلوبة بالاستصناع كأن توجد المادة فقط والمعقود عليه المادة مصنعة. ثم هذا في صور قليلة بل قد تكاد تكون نادرة في عقود الاستصناع والغالب أن المادة لا تعين وأحيانًا لا تكون موجودة وقت العقد بل توصف وصفًا تامًّا ينفي الجهالة ولا توجد إلا بعد العقد وبهذا الوصف تتعلق بالذمة وما تعلق بالذمة فهو الدين لا العين. وهذا ما سيتم مناقشته وعرضه في المبحث الآتي عند عرض آراء الفقهاء في الاستصناع واعتبارهم له وما سأذكره من تكييف له وبالله التوفيق.

стр. 10704

المبحث الرابع المذاهب في حكم الاستصناع * تقديم: حاجة الإنسان تتعلق بما في يد غيره فيسدها بالشراء إن كانت أعيانًا موجودة، ولكن ما هو موجود قد لا يسد حاجة الإنسان، فيطلب إحضار ما يحتاجه بصفات معينة وشروط خاصة، وقد يدفع الثمن حالًا ويأخذ المثمن مالًا وذلك السلم كما هو معلوم بشروطه المعتبرة عند الفقهاء ومن أهمها دفع رأس مال السلم في مجلس العقد عن الجمهور أو تأخيره إلى ثلاثة أيام كما هو مشهور عن المالكية (١) وسيأتي تفصيل ذلك في شروط السلم. وإن وجد الحاجة ولم يجد المال أو لم يدفعه فهو البيع بالدين. ولكن ما هو موجود في السوق قد لا يسد حاجة الإنسان ولا يشبع رغباته، وقد يخشى على ماله من الاستغلال والضياع فهل يوجد عند الفقهاء حل يتلاءم مع مقاصد الشارع ويسد رغبات المكلفين بدون حرج يلحقهم أو ضرر يتوقعونه؟ هذا ما سيكون بحثه فيما يأتي: فلا شك أن عقد الاستصناع يعتبر أحد العقود التي ذكرها الفقهاء لسد حاجات الناس ولكنهم اختلفوا في تكييفه وشروطه اختلافًا بينًا فإذا دفع الثمن في مجلس العقد فلا إشكال، إذا كان المعقود عيه سلمًا تحقق شرطه أو استصناعًا بشرط السلم ولا خلاف في الحكم ما دامت المعاني متفقة وإن دفع جزءًا من الثمن وآخر الباقي فما دفع ثمنه صحيح والخلاف فيما لم يدفع ثمنه بين الجواز والفساد. ولكن ما هو حكم ما لم يدفع عوضه في المجلس مما يستصنع هل هو صحيح أو غير صحيح؟ جواب هذا السؤال سيكون بعرض آراء الفقهاء وأدلة كل على حدة ومناقشتها وبيان ما يرد على الأدلة من اعتراضات وشبه وبيان الرأي الذي يترجح حسب قوة أدلته واتفاقه مع مقاصد الشارع، وقد قسمت هذا المبحث إلى عدة مطالب.

стр. 10705

* المطلب الأول: المذاهب في الاستصناع: المذهب الأول: مذهب الجمهور: ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وزفر من الحنفية إلى اعتبار الاستصناع قسمًا من أقسام السلم تشترط فيه شروط السلم وإليك نصوصًا من كل مذهب تؤيد النسبة إليهم. قال الحطاب: (قال في المدونة: من استصنع طستًا أو قلنسوة أو خفًّا أوغير ذلك مما يعمل في الأسواق بصفة معلومة فإن كان مضمونًا إلى مثل أجل السلم ولم يشترط عمل رجل بعينه ولا شيئًا بعينه يعمله منه جاز إذا قدم رأس المال مكانه أو إلى يوم أو يومين فإن ضرب لرأس المال أجلًا بعيدًا لم يجز وصار دينًا بدين) (١) وجاء في المهذب: (يجوز السلم في كل ما يجوز بيعه، وتضبط صفاته) (٢) ، وعد بعض الأشياء التي يجوز السلم فيها ومنها المصنوعات حيث قال: (كالأثمان والحبوب.. والفخار والحديد والرصاص والبلور والزجاج) (٣) وذكر النووي عند تعداد شروط السلم النص الآتي: (الشرط الأول تسليم رأس المال في مجلس العقد فلو تفرقا قبل قبضه بطل العقد ولو تفرقا قبل قبض بعضه بطل فيما لم يقبض وسقط بقسطه من المسلم فيه) (٤) وجاء في الإنصاف: (فائدة: ذكر القاضي وأصحابه أنه لا يصح استصناع سلعة لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم) (٥) وجاء في الفروع: (وذكر القاضي وأصحابه لا يصح استصناع سلعة لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم) (٦) وجاء في فتح القدير: (الاستصناع طلب الصنعة وهو أن يقول لصانع خف.. اصنع لي خفًّا طوله كذا.. ويعطي الثمن المسمى أو لا يعطي شيئًا فيعقد الآخر معه جاز استحسانًا تبعًا للعين والقياس أن لا يجوز وهو قول زفر (٧) يتضح من هذه النصوص أن الجمهور يرون جواز الاستصناع بشروط السلم وإن اختلف المالكية وغيرهم في تجويز الثمن إلى ثلاثة أيام وسيزاد الأمر وضوحًا عند بيان شروط السلم.

стр. 10706

أدلة الجمهور: يمكن أن يستدل لهم بالأدلة الآتية: ١- أن النبي ﷺ "نهى عن بيع الكالئ بالكالئ". قال الحاكم عن أبي الوليد حسان: هو بيع النسيئة بالنسيئة. وروى البيهقي عن نافع قال: (وهو بيع الدين بالدين) (١) ٢- أن النبي ﷺ قد نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان بقوله: "لا تبع ما ليس عندك" (٢) ٣- الإجماع، قال الإمام أحمد إجماع الناس على أنه (لا يجوز بيع دين بدين) (٣) وقال السبكي في تكملة المجموع: (وقد أجمع أهل العلم على أن بيع الدين بالدين لا يجوز نقل ذلك عن ابن المنذر) .

стр. 10707

المذهب الثاني: ذهب جمهور الحنفية إلى جواز الاستصناع سواء دفع الثمن في مجلس العقد، أو دفع جزء منه أو لم يدفع شيء منه وأخر كله أو بعضه إلى إحضار المستصنع، أو بعد إحضاره دفعة واحدة أو على دفعات، وإليك نصوصًا من كتبهم المعتمدة. قال الكاساني: (أما جوازه فالقياس أن لا يجوز لأنه باع ما ليس عند الإنسان لا على وجه السلم وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم ويجوز استحسانًا لإجماع الناس على ذلك لأنهم يعملون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير والقياس يترك بالإجماع) (١) وقال المرغيناني: (وفي القياس لا يجوز لأنه بيع المعدوم والصحيح أنه يجوز بيعًا لا عدة والمعدوم قد يعتبر موجودًا حكمًا) (٢) وقال في فتح القدير: (الاستصناع طلب الصنعة.. ويعطي الثمن المسمى أو لا يعطي شيئًا فيعقد الآخر معه جاز استحسانًا) (٣) وجاء في العناية: (الاستصناع هو أن يجيء إلى صانع فيقول: اصنع لي شيئًا.. صورته كذا وقدره كذا بكذا درهمًا ويسلم إليه جميع الدراهم أو بعضها أو لا يسلم) (٤) أدلة جمهور الحنفية: يتفق جمهور الفقهاء الحنفية في جواز الاستصناع في الجملة ولكنهم يختلفون في الشروط فالجمهور يرون أنه يجوز بشرط تسليم الثمن في المجلس والحنفية لا يشترطون ذلك وإن أقاموا أدلة على جوازه حيث أن القياس لا يجيزه عندهم فهو عقد على معدوم وهذه جملة من أدلتهم على جوازه. ١- عن نافع أن عبد الله حدثه: (أن النبي ﷺ اصطنع (٥) خاتمًا من ذهب وجعل فصه في بطن كفه إذا لبسه فاصطنع الناس خواتيم من ذهب فرقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه فقال: "إني كنت اصطنعته وإني لا ألبسه" فنبذه فنبذ الناس) (٦)

стр. 10708

٢- عن أنس بن مالك ﵁ (أنه رأى في يد رسول الله ﷺ خاتمًا من ورق يومًا واحدًا، ثم أن الناس اصطنعوا الخواتيم من ورق فلبسوها) (١) ٣- عن أنس ﵁ قال: (اصطنع رسول الله ﷺ خاتمًا، فقال: "إنا قد اصطنعنا خاتمًا ونقشنا فيه نقشًا، فلا ينقش أحد عليه") (٢) ٤- بعث رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة قد سماها سهل أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن إذا كلمت الناس فأمرته أن يعملها من طرفاء الغابة ثم جاء بها فأرسلت إلى رسول الله ﷺ فأمر بها فوضعت فجلس عليه) (٣) وفي رواية أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟ فإن لي غلامًا نجارًا قال: "إن شئت" فعملت له المنبر) (٤) ٥- الإجماع العملي قالوا: إن الناس يتعاملون ذلك من لدن رسول الله ﷺ إلى اليوم بلا نكير، وتعامل الناس من غير نكير أصل من الأصول كبير لقوله ﷺ : "ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن". (٥) وقوله ﷺ : "لا تجتمع أمتي على ضلالة فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم" (٦) ٦- الاستحسان واستدلوا للاستحسان بعدة أدلة منها: أ- أن النبي ﷺ احتجم وأعطى الحجام (٧) . مع أن مقدار عمل الحجام وعدد كرات وضع المحاجم ومصها غير معلوم وغير لازم عند أحد. (٨) ب- دخول الحمام بأجر جائز لتعامل الناس وإن كان مقدار المكث فيه وما يصب من الماء مجهولًا (٩) ج- الشارع قد أعطى المعدوم حكم الموجود في مسائل كثيرة منها طهارة المستحاضة وناسي التسمية في الوضوء والذبيحة. ٧- الحاجة تدعو إليه، لأن الإنسان قد يحتاج إلى شيء من جنس مخصوص ونوع مخصوص على قدر مخصوص وصفة مخصوصة ولا يجده مصنوعًا فيحتاج إلى أن يستصنع فلو لم يجز لوقع الناس في الحرج والشريعة قد تكفلت برفعه (١٠) ٨- فيه معنى عقدين جائزين وهما السلم والإجارة ذلك أن السلم عقد على مبيع في الذمة، واستئجار الصناع يشترط فيه العمل وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا (١١)

стр. 10709

مناقشة أدلة الجمهور: يمكن مناقشة أدلة الجمهور بما يلي: ١- قالوا في حديث النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، إنه ضعيف حيث تفرد به موسى بن عبيدة الربذي وقد قال فيه الإمام أحمد: لا تحل الرواية عنه عندي، ولا أعرف هذا الحديث من غيره. وقال أيضًا: ليس في هذا حديث يصح. وقال الشافعي: أهل الحديث يوهنون هذا الحديث. فإن قيل: يؤيده ما أخرجه الطبراني عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ : "نهى عن بيع كالئ بكالئ دين بدين) . قيل: إن في إسناده موسى المذكور لا يصلح شاهدًا (١) فإن قيل: صححه الحاكم على شرط مسلم ووافقه الذهبي (٢) قيل: إن ابن حجر قد ذكر وهم الحاكم في تصحيحه حيث قال: (وصححه الحاكم على شرط مسلم فوهم فإن رواية موسى بن عبيدة الربذي لا موسى بن عقبة) (٣) فإن قيل: إن شعبة يروي عن موسى بن عبيدة قيل: إن الإمام أحمد قال عنه: لو رأى شعبة ما رأينا منه لم يرو عنه (٤) وأما من قال: بأن رواية موسى بن عقبة الثقة أحد رواه السنة فقد أخطأ خطأ فاحشًا حيث نقل الحديث من الضعيف إلى القوي (٥) هذا جملة ما قيل في هذا الحديث من حيث الرواية فهو ضعيف السند في نظر علماء الحديث، والذي أوقع الحاكم في الخطأ فحكم بصحته (٦) ما نقله الدارقطني: أن رواية موسى بن عقبة (٧) وقد غلط في ذلك حيث هو من رواية موسى بن عبيدة الربذي. هذا جملة ما قيل في هذا الحديث من ناحية ضعف سنده حيث تفرد به موسى بن عبيدة إلَّا أن الأمة اتفقت على الأخذ بمضمونه والاحتجاج به وإن كان بينهم خلاف ما يتناوله ويصدق عليه (٨) ولا يخفي أن تلقي الأمة لهذا الحديث بالقبول يرفعه إلى رتبة الاحتجاج به في الأحكام ووجوب العمل به قال المواق: (تلقي الأمة هذا الحديث بالقبول يغني عن طلب الإسناد فيه كما قالوا في: "لا وصية لوارث") (٩) وحقيقته بيع شيء في ذمة بشيء في ذمة أخرى غير سابق تقرر أحدهما على الآخر. (١٠)

стр. 10710

٢- نوقش حديث: " لا تبع ما ليس عندك" من جهتين: الأولى: جهة الإسناد حيث قيل: إن ابن حزم نقل قول عبد الحق حيث قال في رواية عبد الله بن عصمة: إنه مجهول. ولكن رد عليه بأن النسائي احتج به وقد روي من غير وجه عن حكيم بن حزام وصححه الترمذي وابن حبان والألباني (١) فردوا على من ضعف راويه فيكون صحيح الإسناد. أما الجهة الثانية: فهي جهة المعنى حيث قالوا: إن معنى ما ليس عندك أي ما ليس في ملكك (٢) وأوضح بيان في مناقشته ما ذكره البغوي بقوله: (هذا في بيوع الأعيان دون بيوع الصفات فلو قبل السلم في شيء موصوف عام الوجود عند المحل المشروط، يجوز وإن لم يكن في ملكه حالة العقد) (٣) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قول القائل: بيع المعدوم لا يجوز ليس معه نص ولا إجماع إلا في بعض الصور كما أنه في بعض الصور لا يجوز بيع الموجود ولكن من أين له أن العلة كونه معدومًا ثم يقال له قد ثبت بالنص والإجماع.. إجارة الظئر وهو عقد على ما لم يوجد بعد وكذلك الإجارة) (٤) فظهر مما سبق أن المراد ما ليس مملوكًا لك في بيوع الأعيان وليس المراد ما كان معدومًا إذ المعدوم يعطى حكم الموجود في مسائل كثيرة منها ناسي التسمية عند الوضوء والذبح وطهارة المستحاضة ودائم الحدث وقراءة المأموم خلف الإمام.. إلخ والعلة في المنع هي الغرر لا كونه معدومًا أو موجودًا ففي الصحيح عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الغرر " (٥) أما الإجماع الذي نقله الإمام أحمد فقد يناقش بما ورد عن الإمام نفسه حيث قال: (من ادعى الإجماع فهو كاذب لعل الناس اختلفوا ما يدريه ولم ينته إليه فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا.. أو لم يبلغني ذلك) (٦) فيرد على هذه المناقشة بما وضحه ابن القيم ﵀ حيث يبين مراد الإمام أحمد من قوله هذا بأن مراد الإمام بذلك هو الرد على من يدعي الإجماع في المسألة، لأنه لم يجد ولم يعلم مخالفًا فيها ولا يقصد استبعاد وقوع الإجماع (٧)

стр. 10711

مناقشة أدلة الحنفية: ١- قد يرد على ما ذكروه من أن النبي ﷺ استصنع خاتمًا من ذهب أولًا ثم اصطناعه الفضة بعد ذلك واتباع الصحابة له في ذلك احتمالان: الاحتمال الأول: أنه لما كان من هديه ﷺ النهي عن بيع الدين بالدين يستحيل أن يطلب استصناع شيء ولا يدفع ثمنه في المجلس فيكون استصناعًا بشرط السلم وإذا كان الاستصناع بشرط السلم جاز عند الجميع. ولكن قد يرد على هذا الاعتراض بأنه لو دفع الثمن لنقل ذلك ولم نجد أثرًا في ذلك فيبقى الدليل محتملًا فيقال حينئذ: (النهي عن بيع الدين بالدين وما عليه من الإجماع عام ولعل استصناعه ﷺ واستصناع صحابته وما عليه الإجماع العملي الذي لم ينكر مخصص لذلك) . الاحتمال الثاني: قد يقال: إن احتمال إتيان الرسول ﷺ وصحابته بالمادة المطلوبة صناعتها من عندهم وارد وعلى ذلك يكون العقد إجارة لا استصناعًا. ولكن يرد هذا بأنه يبعد أن يأتي النبي ﷺ وصحابته بذلك من عندهم ولا ينقل ذلك حيث نقل ما هو أقل أهمية من هذا. ٢- أما استدلالهم باستصناعه ﷺ المنبر فقد اعترض عليه بما ورد في صحيح البخاري أيضًا (أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟ فإن لي غلامًا نجارًا قال: "إن شئت" فعملت له المنبر) (١) ففي هذه الرواية أنها ابتدأت بالعرض تبرعًا منها وفي حديث سهل أن النبي ﷺ هو الذي أرسل إليها يطلب ذلك. قال ابن حجر: (أجاب ابن بطال باحتمال أن تكون المرأة ابتدأت بالسؤال متبرعة بذلك فلما حصل لها القبول أمكن أن يبطئ الغلام بعمله فأرسل يستنجزها إتمامه لعلمه بطيب نفسها بما بذلته ويمكن إرساله إليها ليعرفها بصفة ما يصنعه الغلام من الأعواد وأن يكون ذلك منبرًا. ويحتمل أنه لما فوض إليها الأمر بقوله لها: (إن شئت كان ذلك سبب البطء لا أن الغلام كان شرع وأبطأ ولا أنه جهل الصفة وهذا أوجه الأوجه في نظري) (٢)

стр. 10712

٣ ـ أما الاستدلال بالاستحسان فقد يعترض عليه بما ورد عن الشافعي ﵁: (من استحسن فقد شرع) أي وضع نفسه شرعًا من قبل نفسه (١) وقوله: (أفرأيت إذا قال الحاكم والمفتي في النازلة: ليس فيها نص خبر ولا قياس، وقال: استحسن فلا بد أن يزعم أن جائزًا لغيره أن يستحسن خلافه فيقول كل حاكم في بلد ومفت بما يستحسن، فيقال في الشيء الواحد بضروب من الحكم والفتيا) (٢) ولكن هذا الاعتراض يناقش بما ذكره الخلاف حيث قال: (إن المختلفين في الاستحسان لم يحرروا موضع النزاع واختلافهم هو اختلاف ظاهري لفظي لا حقيقي) (٣) وقد أوضح الشابي قاعدة الاستحسان أوفى توضيح بقوله: (هو في مذهب مالك الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمرًا إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك وكثير ما يتفق هذا في الأصل الضروري مع الحاجي والحاجي مع التكميلي فيكون إجراء القياس مطلقًا في الضروري يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده فيستثنى موضع الحرج وكذلك في الحاجي مع التكميلي أو الضروري مع التكميلي وهو ظاهر وله في الشرع أمثلة) (٤) وعلى ذلك يكون الاستصناع جائزًا وقد عدل فيه عن مثل ما حكم به في نظائره إلى خلافه لوجه هو أقوى (٥) والحق أنه لا يوجد في الاستحسان ما يصلح محلًا للنزاع إذ ليس النزاع في التسمية لأنه اصطلاح (٦) ولذلك نقل عن الشافعي أنه قال بالاستحسان في عدة مواضع مثل التحليف على المصحف والخط والكتابة (٧) وقال: (ولا يفتي بالاستحسان إذا لم يكن الاستحسان واجبًا) (٨)

стр. 10713

٤- استدلالهم بأن الحاجة تدعو إليه قد يرد على هذا بأن الحاجة العامة معتبرة بمنزلة الضرورة في حق أحاد الناس، ومعلوم أن الضرورة مقيدة بعدة قيود منها أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها (١) ومنها، ما جاز لعذر بطل بزواله (٢) وحيث إن البدائل عن عقد الاستصناع بهذه الصفة لم تنعدم فتسليم رأس المال يقوم مقامه ولا حاجة إليه حينئذ لأنه بيع دين بدين وحيث قد وجد البديل فلا حاجة ولكن يناقش هذا الاعتراض بما هو معلوم أن الحاجة إذا وجدت أثبتت الحكم في حق من ليست له حاجة كالسلم واقتناء كلب الصيد والماشية والحاجة إلى الاستصناع قائمة بل قد ترقى عن مستوى الحاجيات إذ أن تسليم رأس المال في مجلس العقد فيه من المخاطر الشيء الكثير الذي قد يجعل المستصنع في جهد ومشقة بحيث يخشى على ماله المدفوع من الإنكار والغش في المصنوع وقد تعددت سبل الاحتيال والتزوير والغش في المصنوع مما يجعل المال في خطر، وقد يسبب لصاحبه حرجًا ومشقة. والاستصناع بدون دفع الثمن يكفيه شر هذه المخاطر. ٥- القول بأن الاستصناع في معنى عقدين جائزين وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا فقد يعترض عليه بأن جمع عقدين بعوض واحد ولا يصح لأن المبيع يضمن بمجرد البيع والإجارة بخلاف ذلك فاختلاف حكمهما سبب بطلانهما. ولكن يرد على هذا الاعتراض بأن اختلاف العقدين في بعض الأحكام لا يؤثر على صحة العقد فإن من باع قسطًا له في شيء مع ملك له خاص يصح مع اختلاف حكمهما في وجوب الشفعة في الشخص دون الآخر فكذلك هنا حيث صدر العقد من أهله في محله فصح.

стр. 10714

الترجيح: بعد عرض الآراء في الاستصناع يتضح أن الاعتراض عليه ينحصر في حالتين: أحدهما أنه بيع معدوم، فقد أظهر عرض الأدلة والمناقشة والاعتراضات والرد عليها رجحان من أجازة مع أنه معدوم حال العقد وأن القول بعدم جواز بيع المعدوم ضعيف بل واه. وقد سبق استعراض كل ما ورد في هذا المعنى. أما الجانب الثاني الذي ظل فيه النقاش والأخذ والرد والاستدلال فلا يزال النزاع قويًّا والأدلة متقاربة، إذ أن تكييف العقد واعتباره من بيوع الدين والاستدلال ومناقشة الادلة أظهر أن أدلة كل من الطرفين قوية وكثير الاعتراضات والمناقشة مردودة بمثلها ولكن الباحث لابد له من النظر في الأدلة مجتمعة على ضوء مقاصد الشارع في المعاملات وما اشتملت عليه الشريعة الإسلامية من رفع للحرج والمشقة فالنصوص الشرعية متضافرة في رفع العنت والحرج قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢) وقول رسول الله ﷺ لمعاذ وأبي موسى: ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)) (٣) وهو ﷺ : "ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه" (٤) ولاشك أن الاستصناع من الأمور الحاجية والملحة لفئات كثيرة من الناس وعناية الشارع بالحاجيات تقارب عنايته بالضروريات وقد ذكر العلماء أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة (٥) فيستثنى موضع الحرج والمشقة ويقال بجواز الاستصناع بدون شرط السلم حيث إن إجراء القياس مطلقًا.. يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده ولو بقينا مع أصل الدليل العام لأدى ذلك إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة فكان من الواجب رعي ذلك المآل إلى أقصاه (٦) وحيث إن النهي عن بيع الدين بالدين عام فيخصص بالحاجة ويقال بجوازه أخذًا بمبدأ التيسير الذي اشتملت عليه الشريعة في مواردها، وما ورد من أدلة خاصة كاستصناعه ﷺ واستصناع صحابته من بعده وما بعدهم من القرون قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل إلى يومنا هذا.

стр. 10715

فواقع التعامل قديمًا وحديثًا سواء كان على مستوى الحكومات، أم على مستوى الشركات والمؤسسات، أم على مستوى الأفراد لا يدفع فيه الثمن، وقد يدفع جزء منه حالة العقد، والباقي على أقساط كما في استصناع المباني، وقد يؤخر الثمن حتى تسلم السلعة المطلوب صناعتها. ومما يؤيد ترجيح هذا الرأي النظر إلى سبل الاحتيال في الحصول على الأموال، وتعدد طرق الغش الذي نشأ عن هبوط القيم والأخلاق نتيجة للاحتكاك مع مجتمعات لا هم لها إلا الحصول على المال بأي وسيلة من الوسائل، وتحت ستار أي عقد من العقود ولا شك أن عدم دفع الثمن عند العقد فيه حماية للمستصنع كما أنه سبب لإتقان الصانع صنعته، وحرصه الشديد على مطابقتها للمواصفات والمقاييس مطابقة تامة بعيدة عن الغش والاحتيال. أما لو دفع الثمن أو جزء كبير منه فقد يكون ذلك سببًا من أسباب الضغط على المستصنع في تسلم المصنوع ولو خالف شروطه، لاسيما إذا لاحظنا ما يترتب على عدم التسلم من رفع الدعوى على الصانع، وأجور المحاماة، وما يسببه ذلك من حرج ومشقة، وكثيرًا ما تتبدل الحكومات التي طلب الصنع منها أو في عهدها فيؤثر ذلك على التجارة فكم صودرت أموال لأفراد كانوا يتعاملون مع آخرين في ظل حكومة معينة فلما تغيرت تلك الحكومة صودرت تلك الممتلكات، بل إن الأمر يصل إلى أبعد من ذلك حيث إن سياسة الحكومات تتغير حسب مصالحها وكم عاصرنا وسمعنا عن أموال تحتجز بعد شحنها في السفن أو الطائرات لأن تلك الدولة المصدرة تغيرت سياستها أو مصالحها مع الدولة الطالبة. وعليه فإن حاجة التجار وطالبي المصنوعات ومن يحتاجون إلى استصناع المباني والعمارات والمواد الغذائية والملابس والأدوات الحربية.. إلخ ما يحتاجه الناس في استعمالاتهم المشروعة يؤيد القول بجواز الاستصناع سواء دفع رأس المال أو دفع جزء منه أو لم يدفع منه شيء وهذا القول مؤيد إضافة إلى ما سبق ذكره بمقاصد الشارع في المعاملات وما اشتملت عليه الشريعة الإسلامية من قواعد كلية لدفع الضرر وجلب المصالح وإنزال الحاجة العامة أو الخاصة منزلة الضرورة. وبعد هذا العرض والترجيح أقول إن دفع رأس المال في المجلس أحوط وأسلم خروجًا من الخلاف، وقد يرتفع بطلب المستصنع بعض الضمانات لتوثقة ماله كالرهن، والضامن، والكفيل أو يلجأ إلى الضمانات البنكية المعروفة.. والله أعلم.
следующие страницы →