مناقشة أدلة الحنفية:
١- قد يرد على ما ذكروه من أن النبي ﷺ استصنع خاتمًا من ذهب أولًا ثم اصطناعه الفضة بعد ذلك واتباع الصحابة له في ذلك احتمالان:
الاحتمال الأول: أنه لما كان من هديه ﷺ النهي عن بيع الدين بالدين يستحيل أن يطلب استصناع شيء ولا يدفع ثمنه في المجلس فيكون استصناعًا بشرط السلم وإذا كان الاستصناع بشرط السلم جاز عند الجميع.
ولكن قد يرد على هذا الاعتراض بأنه لو دفع الثمن لنقل ذلك ولم نجد أثرًا في ذلك فيبقى الدليل محتملًا فيقال حينئذ: (النهي عن بيع الدين بالدين وما عليه من الإجماع عام ولعل استصناعه ﷺ واستصناع صحابته وما عليه الإجماع العملي الذي لم ينكر مخصص لذلك) .
الاحتمال الثاني: قد يقال: إن احتمال إتيان الرسول ﷺ وصحابته بالمادة المطلوبة صناعتها من عندهم وارد وعلى ذلك يكون العقد إجارة لا استصناعًا.
ولكن يرد هذا بأنه يبعد أن يأتي النبي ﷺ وصحابته بذلك من عندهم ولا ينقل ذلك حيث نقل ما هو أقل أهمية من هذا.
٢- أما استدلالهم باستصناعه ﷺ المنبر فقد اعترض عليه بما ورد في صحيح البخاري أيضًا (أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ : يا رسول الله ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟ فإن لي غلامًا نجارًا قال: "إن شئت" فعملت له المنبر) (١)
ففي هذه الرواية أنها ابتدأت بالعرض تبرعًا منها وفي حديث سهل أن النبي ﷺ هو الذي أرسل إليها يطلب ذلك.
قال ابن حجر: (أجاب ابن بطال باحتمال أن تكون المرأة ابتدأت بالسؤال متبرعة بذلك فلما حصل لها القبول أمكن أن يبطئ الغلام بعمله فأرسل يستنجزها إتمامه لعلمه بطيب نفسها بما بذلته ويمكن إرساله إليها ليعرفها بصفة ما يصنعه الغلام من الأعواد وأن يكون ذلك منبرًا.
ويحتمل أنه لما فوض إليها الأمر بقوله لها: (إن شئت كان ذلك سبب البطء لا أن الغلام كان شرع وأبطأ ولا أنه جهل الصفة وهذا أوجه الأوجه في نظري) (٢)
стр. 10712
٣ ـ أما الاستدلال بالاستحسان فقد يعترض عليه بما ورد عن الشافعي ﵁: (من استحسن فقد شرع) أي وضع نفسه شرعًا من قبل نفسه (١) وقوله: (أفرأيت إذا قال الحاكم والمفتي في النازلة: ليس فيها نص خبر ولا قياس، وقال: استحسن فلا بد أن يزعم أن جائزًا لغيره أن يستحسن خلافه فيقول كل حاكم في بلد ومفت بما يستحسن، فيقال في الشيء الواحد بضروب من الحكم والفتيا) (٢)
ولكن هذا الاعتراض يناقش بما ذكره الخلاف حيث قال: (إن المختلفين في الاستحسان لم يحرروا موضع النزاع واختلافهم هو اختلاف ظاهري لفظي لا حقيقي) (٣) وقد أوضح الشابي قاعدة الاستحسان أوفى توضيح بقوله: (هو في مذهب مالك الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلي ومقتضاه الرجوع إلى تقديم الاستدلال المرسل على القياس فإن من استحسن لم يرجع إلى مجرد ذوقه وتشهيه وإنما رجع إلى ما علم من قصد الشارع في الجملة في أمثال تلك الأشياء المفروضة كالمسائل التي يقتضي القياس فيها أمرًا إلا أن ذلك الأمر يؤدي إلى فوت مصلحة من جهة أخرى أو جلب مفسدة كذلك وكثير ما يتفق هذا في الأصل الضروري مع الحاجي والحاجي مع التكميلي فيكون إجراء القياس مطلقًا في الضروري يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده فيستثنى موضع الحرج وكذلك في الحاجي مع التكميلي أو الضروري مع التكميلي وهو ظاهر وله في الشرع أمثلة) (٤)
وعلى ذلك يكون الاستصناع جائزًا وقد عدل فيه عن مثل ما حكم به في نظائره إلى خلافه لوجه هو أقوى (٥)
والحق أنه لا يوجد في الاستحسان ما يصلح محلًا للنزاع إذ ليس النزاع في التسمية لأنه اصطلاح (٦)
ولذلك نقل عن الشافعي أنه قال بالاستحسان في عدة مواضع مثل التحليف على المصحف والخط والكتابة (٧) وقال: (ولا يفتي بالاستحسان إذا لم يكن الاستحسان واجبًا) (٨)
стр. 10713
٤- استدلالهم بأن الحاجة تدعو إليه قد يرد على هذا بأن الحاجة العامة معتبرة بمنزلة الضرورة في حق أحاد الناس، ومعلوم أن الضرورة مقيدة بعدة قيود منها أن ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها (١) ومنها، ما جاز لعذر بطل بزواله (٢)
وحيث إن البدائل عن عقد الاستصناع بهذه الصفة لم تنعدم فتسليم رأس المال يقوم مقامه ولا حاجة إليه حينئذ لأنه بيع دين بدين وحيث قد وجد البديل فلا حاجة ولكن يناقش هذا الاعتراض بما هو معلوم أن الحاجة إذا وجدت أثبتت الحكم في حق من ليست له حاجة كالسلم واقتناء كلب الصيد والماشية والحاجة إلى الاستصناع قائمة بل قد ترقى عن مستوى الحاجيات إذ أن تسليم رأس المال في مجلس العقد فيه من المخاطر الشيء الكثير الذي قد يجعل المستصنع في جهد ومشقة بحيث يخشى على ماله المدفوع من الإنكار والغش في المصنوع وقد تعددت سبل الاحتيال والتزوير والغش في المصنوع مما يجعل المال في خطر، وقد يسبب لصاحبه حرجًا ومشقة. والاستصناع بدون دفع الثمن يكفيه شر هذه المخاطر.
٥- القول بأن الاستصناع في معنى عقدين جائزين وما اشتمل على معنى عقدين جائزين كان جائزًا فقد يعترض عليه بأن جمع عقدين بعوض واحد ولا يصح لأن المبيع يضمن بمجرد البيع والإجارة بخلاف ذلك فاختلاف حكمهما سبب بطلانهما.
ولكن يرد على هذا الاعتراض بأن اختلاف العقدين في بعض الأحكام لا يؤثر على صحة العقد فإن من باع قسطًا له في شيء مع ملك له خاص يصح مع اختلاف حكمهما في وجوب الشفعة في الشخص دون الآخر فكذلك هنا حيث صدر العقد من أهله في محله فصح.
стр. 10714
الترجيح:
بعد عرض الآراء في الاستصناع يتضح أن الاعتراض عليه ينحصر في حالتين:
أحدهما أنه بيع معدوم، فقد أظهر عرض الأدلة والمناقشة والاعتراضات والرد عليها رجحان من أجازة مع أنه معدوم حال العقد وأن القول بعدم جواز بيع المعدوم ضعيف بل واه. وقد سبق استعراض كل ما ورد في هذا المعنى.
أما الجانب الثاني الذي ظل فيه النقاش والأخذ والرد والاستدلال فلا يزال النزاع قويًّا والأدلة متقاربة، إذ أن تكييف العقد واعتباره من بيوع الدين والاستدلال ومناقشة الادلة أظهر أن أدلة كل من الطرفين قوية وكثير الاعتراضات والمناقشة مردودة بمثلها ولكن الباحث لابد له من النظر في الأدلة مجتمعة على ضوء مقاصد الشارع في المعاملات وما اشتملت عليه الشريعة الإسلامية من رفع للحرج والمشقة فالنصوص الشرعية متضافرة في رفع العنت والحرج قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (١)
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ (٢)
وقول رسول الله ﷺ لمعاذ وأبي موسى: ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)) (٣)
وهو ﷺ : "ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه" (٤)
ولاشك أن الاستصناع من الأمور الحاجية والملحة لفئات كثيرة من الناس وعناية الشارع بالحاجيات تقارب عنايته بالضروريات وقد ذكر العلماء أن الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة كانت أو خاصة (٥)
فيستثنى موضع الحرج والمشقة ويقال بجواز الاستصناع بدون شرط السلم حيث إن إجراء القياس مطلقًا.. يؤدي إلى حرج ومشقة في بعض موارده ولو بقينا مع أصل الدليل العام لأدى ذلك إلى رفع ما اقتضاه ذلك الدليل من المصلحة فكان من الواجب رعي ذلك المآل إلى أقصاه (٦) وحيث إن النهي عن بيع الدين بالدين عام فيخصص بالحاجة ويقال بجوازه أخذًا بمبدأ التيسير الذي اشتملت عليه الشريعة في مواردها، وما ورد من أدلة خاصة كاستصناعه ﷺ واستصناع صحابته من بعده وما بعدهم من القرون قرنًا بعد قرن وجيلًا بعد جيل إلى يومنا هذا.
стр. 10715
فواقع التعامل قديمًا وحديثًا سواء كان على مستوى الحكومات، أم على مستوى الشركات والمؤسسات، أم على مستوى الأفراد لا يدفع فيه الثمن، وقد يدفع جزء منه حالة العقد، والباقي على أقساط كما في استصناع المباني، وقد يؤخر الثمن حتى تسلم السلعة المطلوب صناعتها.
ومما يؤيد ترجيح هذا الرأي النظر إلى سبل الاحتيال في الحصول على الأموال، وتعدد طرق الغش الذي نشأ عن هبوط القيم والأخلاق نتيجة للاحتكاك مع مجتمعات لا هم لها إلا الحصول على المال بأي وسيلة من الوسائل، وتحت ستار أي عقد من العقود ولا شك أن عدم دفع الثمن عند العقد فيه حماية للمستصنع كما أنه سبب لإتقان الصانع صنعته، وحرصه الشديد على مطابقتها للمواصفات والمقاييس مطابقة تامة بعيدة عن الغش والاحتيال. أما لو دفع الثمن أو جزء كبير منه فقد يكون ذلك سببًا من أسباب الضغط على المستصنع في تسلم المصنوع ولو خالف شروطه، لاسيما إذا لاحظنا ما يترتب على عدم التسلم من رفع الدعوى على الصانع، وأجور المحاماة، وما يسببه ذلك من حرج ومشقة، وكثيرًا ما تتبدل الحكومات التي طلب الصنع منها أو في عهدها فيؤثر ذلك على التجارة فكم صودرت أموال لأفراد كانوا يتعاملون مع آخرين في ظل حكومة معينة فلما تغيرت تلك الحكومة صودرت تلك الممتلكات، بل إن الأمر يصل إلى أبعد من ذلك حيث إن سياسة الحكومات تتغير حسب مصالحها وكم عاصرنا وسمعنا عن أموال تحتجز بعد شحنها في السفن أو الطائرات لأن تلك الدولة المصدرة تغيرت سياستها أو مصالحها مع الدولة الطالبة.
وعليه فإن حاجة التجار وطالبي المصنوعات ومن يحتاجون إلى استصناع المباني والعمارات والمواد الغذائية والملابس والأدوات الحربية.. إلخ ما يحتاجه الناس في استعمالاتهم المشروعة يؤيد القول بجواز الاستصناع سواء دفع رأس المال أو دفع جزء منه أو لم يدفع منه شيء وهذا القول مؤيد إضافة إلى ما سبق ذكره بمقاصد الشارع في المعاملات وما اشتملت عليه الشريعة الإسلامية من قواعد كلية لدفع الضرر وجلب المصالح وإنزال الحاجة العامة أو الخاصة منزلة الضرورة.
وبعد هذا العرض والترجيح أقول إن دفع رأس المال في المجلس أحوط وأسلم خروجًا من الخلاف، وقد يرتفع بطلب المستصنع بعض الضمانات لتوثقة ماله كالرهن، والضامن، والكفيل أو يلجأ إلى الضمانات البنكية المعروفة.. والله أعلم.
стр. 10716
المبحث الخامس
الشروط الجامعة والفارقة بين السلم والاستصناع
لكل عقد من العقود شروط تتوقف عليها صحته ونفاذه، والسلم والاستصناع من عقود المعاوضات المالية لهما شروط تميزها عن غيرهما. ونظرة شاملة إلى المذاهب الفقهية في عقد السلم والاستصناع، والاعتبار الذي جعله الفقهاء لكل منهما تبين أن الجمهور جعلوا الاستصناع قسمًا من أقسام السلم، تشترط له شروطه ولذلك كان ذكرهم لأحكام الاستصناع ضمن أحكام السلم، وإن كان بينهم اختلاف في شروط السلم. والذي أرى أنه لابد من ذكر شروط السلم عند الجميع سواء المتفق عليها والمختلف فيها حتى يكون القارئ على صلة قريبة باستذكارها، وبعد ذلك أذكر شروط الاستصناع عند الحنفية، وأبين أوجه الاتفاق بين العقدين، وأوجه الاختلاف. ويمكن تقسيم هذا المبحث إلى ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: شروط السلم:
تقرر فيما سبق أن الجمهور يرون أن الاستصناع قسم من أقسام السلم يلزم توفر شروطه له.
وقد ذكروا للسلم شروطًا: بعضها محل اتفاق عندهم، وبعضها محل اختلاف بينهم، وإليك بيانها:
١- ألا يجمع البدلين أحد وصفي علة ربا الفضل (١) ، لأن المسلم فيه مؤجل في الذمة، فإذا جمعه مع رأس المال أحد وصفي علة ربا الفضل تحقق ربا النساء. والعقد الذي فيه ربا فاسد باتفاق الفقهاء (٢)
٢- أن يكون العقد باتًّا عاريًا عن شرط الخيار للعاقدين أو لأحدهما، ذلك لأن الخيار في السلم يجعل بين العاقدين علقة بعد التفرق، والسلم يشترط فيه ألا يبقى بين العاقدين علقة بدليل اشتراط القبض في مجلس العقد (٣)
стр. 10717
٣- أن يكون المسلم فيه معلومًا، وذلك بمعرفة جنسه، ونوعه، وصفته، وقدره (١) . فلا بد من معرفة جنس المسلم فيه ونوعه ومقداره بمعيار معلوم عند العامة حتى يمكن تسليمه من غير تنازع، ولا بد من بيان الصفات التي تؤثر في القيمة كالجودة والرداءة، وزاد بعضهم وجوب بيان الصفات التي تختلف بها الرغبات كاللون مثلًا (٢) . وهل يشترط بيان بلد المسلم فيه؟ خلاف الظاهر وجوبه.
٤- بيان جنس رأس المال، ونوعه، وصفته، وقدره، لأنه لا يؤمن فسخ السلم لسبب من الأسباب المجيزة للفسخ، فواجب معرفة رأس ماله ليرد بدله (٣) ، ويجوز أن يكون رأس المال منفعة كأن يسلم إليه دارًا ليسكنها في شيء في الذمة بشرط قبض الدار في المجلس، لأنه الممكن في قبض المنفعة (٤)
٥- تسليم رأس مال السلم في مجلس العقد قبل الافتراق، لئلا يصير بيع دين بدين - سواء كان هذا القبض حقيقيًّا أو حكميًا - فإن تفرقا قبل قبضه بطل العقد، أو بعد قبض بعضه بطل فيما لم يقبض، وسقط بقسطه من المسلم، وصح فيما قبض (٥) . إلا أن المالكية فصلوا في هذا الشرط واختلفوا في مسائل منه، وقد حقق الدسوقي ذلك بقوله: (حاصل ما في المقام أنه إذا أخر رأس المال عن ثلاثة أيام فإن كان التأخير بشرط فسد السلم اتفاقًا كان التأخير كثيرًا جدًّا.. أو لم يكن كثيرًا جدًّا.. وإن كان التأخير بلا شرط فقولان في المدونة لمالك بفساد السلم وعدم فساده.. إن محل الخلاف إذا كانت بلا شرط وإلا فسد العقد اتفاقا) (٦)
стр. 10718
٦- أن يؤجل المسلم فيه بأجل معلوم فالنبي ﷺ قد أمر بالأجل في حديث: "من أسلم في شيء فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" (١) . والأمر يقتضي الوجوب حيث أمر بذلك مبينًا لشروط السلم، ومانعًا منه بدونها (٢) . وعليه يرون أن يكون للأجل تأثير ووقع في الثمن عادةً، ولا يحصل ذلك بالمدة التي لا وقع لها في الثمن وإن اختلفوا في تقدير المدة التي لها وقع في الثمن: فمنهم من يرى أن أقلها شهر، وعليه الفتوى عند الحنفية. ومنهم من يرى أن النصف كاف ويرى الزيدية أن أقل مدة ثلاثة أيام (٣) والاعتبار بما له وقع في الثمن، لأنه عقد شرع للرفق فلا يتحقق بما لا رفق فيه. غير أنهم اختلفوا في السلم الحال فمنهم من يرى عدم صحته ومنهم من يرى صحته كالشافعي وابن المنذر (٤) .. وقال النووي: (يصح السلم في الحال كالمؤجل فإن صرح بحلول أو تأجيل فذاك وإن أطلق فوجهان وقيل: قولان أصحهما عند الجمهور يصح ويكون حالًّا والثاني لا ينعقد (٥) والذي يظهر أن اشتراط الأجل متوجه.
٧- أن يوجد المسلم فيه عند حلول أجله غالبًا، ولا يضر انقطاعه قبل حلول الأجل إذا وجد عنده، ولا يشترط وجوده في جميع الأجل سواء كان موجودًا عند العقد أو معدوما. فإن كان لا يوجد وقت حلوله أو لا يوجد إلا نادرًا لم يصح؛ لأنه لا يمكن تسليمه غالبًا عند وجوبه أشبه ببيع الآبق (٦)
٨- بيان موضع تسليم المسلم فيه شرط إن كان موضع العقد غير صالح للتسليم أو كان لحمله مؤونة قطعًا للنزاع بين العاقدين، ولأنه يكون مجهولًا إذ ليس بعض الأماكن بأولى من بعض للتسليم فوجب تعيينه (٧) . أما إذا لم يكن الأمر كذلك فما عليه الفتوى عند الشافعية اشتراطه مطلقًا (٨)
٩- يرى الحنفية أنه يشترط في عقد السلم أن يكون المسلم فيه مما يتعين بالتعيين حتى لا يجوز السلم في الدراهم والدنانير (٩)
١٠- أن يسلم في ذمة (١٠) ولم يشترطه أكثر الفقهاء استغناء عنه بذكر الأجل، إذ المؤجل لا يكون إلا في ذمة فلا يصح السلم في عين كشجرة ثابتة ونحوها، لأنه يمكن بيعها في الحال فلا حاجة إلى السلم فيما هو موجود (١١)
стр. 10719
* المطلب الثاني: الشروط الخاصة بالاستصناع عند الحنفية:
ذكرت فيما سبق أن الجمهور يرون أن عقد الاستصناع قسم من أقسام السلم، ولذلك يعتبر شروط السلم شروطًا له، وأن الحنفية هم الذين يفرقون بينهما، ويرون لكل حقيقته، وشروطه، وإليك بيان شروط الاستصناع عندهم:
١- العلم بالمصنوع، وذلك ببيان جنسه، ونوعه، وقدره، وصفته، لأنه لا يصير معلومًا بدون ذلك (١) ، وعليه يجب بيان كل ما يؤثر في الثمن والرغبات بيانًا يحول دون النزاع حين التسليم (٢)
أن يكون المستصنع مما يجري فيه التعامل بين الناس من أواني الحديد، والنحاس، والرصاص، والزجاج، والخفاف، والسلاح، ونحو ذلك.
ولا يجوز في الثياب، لأن القياس يأبى جوازه، وإنما جاز استحسانًا لتعامل الناس، ولا تعامل لهم في الثياب، فيثبت جوازه فيما لهم فيه تعامل ويبقى ما عداه موكولًا إلى القياس، فإن حصل فيما ليس للناس فيه تعامل كان سلما، واشترطت له شروط السلم من قبض الثمن، وذكر الأجل.. إلخ (٣)
ومعلوم أنهم عللوا ذلك بتعامل الناس وما كان كذلك يتغير بتغير التعامل فمعلوم أن الأحكام التي تبنى على العرف تتغير بتغيره كالحرز والنفقة، تتغير حسب العرف، وقد اتضح لك فيما سبق أنهم ذكروا الأشياء التي يصح فيها التعامل على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، فإذا جرى التعامل بشيء آخر لم يكن يتعامل ثبت له الحكم، وكذلك لو تغير العرف وتعامل الناس بما لم يكن فيه تعامل كاستصناع الثياب في عصرنا الحاضر، وغيرها كالطائرات والسيارات، وأدوات الإنارة، والمعامل التحليلية، والمصانع، والسفن، وآلات الكتابة والتصوير إلى آخر ما توصلت إليه العقول البشرية كسفن الفضاء، والأقمار الصناعية يجوز استصناعها إذا أمكن ضبطها على وجه تنتفي المنازعة معه فكما هو معلوم أن الأشياء التي يجيزها الشارع في الجملة ولم يكن فيه ولا في لغة العرب ما يحددها يرجع في تحديدها إلى العرف وتتغير بتغيره والله أعلم.
стр. 10720
٣- ألا يكون مؤجلًا (١) إلى أجل يصح معه السلم، وإن اختلفوا في تحديده كما سبق، فيكون الاستصناع صحيحا إذا خلا عن الأجل، أو كانت مدته دون مدة عقد السلم، وقد خالف أبا حنيفة صاحباه فيما ضرب له أجل، فقال الإمام: هو سلم تشترط له شروطه، وقالا هو استصناع على كل حال.
ووجه قول أبي حنيفة أنه إذا ضرب فيه أجل فقد أتى بمعنى السلم؛ إذ هو عقد على مبيع في الذمة مؤجل، والعبرة لمعاني العقود، لا لصور ألفاظها.
ووجه قولهما أن العادة جارية بضرب الأجل في الاستصناع، وإنما يقصد به تعجيل العمل لا تأخير المطالبة، فلا يخرج به عن كونه استصناعًا، ألا ترى أنه ذكر أقل مدة يمكنه الفراغ من العمل (٢)
ومعلوم لدى الخاصة والعامة أن المدة التي تشترط للاستصناع تختلف باختلاف الشيء المطلوب صنعته فلا يمكن تقديره بمدة معينة بل يرجع في ذلك إلى ما تعارف عليه أرباب الصناعات من تقدير وقت لصناعة الشيء المطلوب صنعه، فصناعة السيف ليست كصناعة البندقية، وهما ليسا كالمدفع، والدبابة، والجميع ليس كصناعة الطائرات ولا شك أن الوقت يختلف باختلاف المصنوع فسفن الفضاء، والأقمار الصناعية، والقطارات والسفن الكبيرة، لكل منها وقت يمكن إنجازها فيه، فتحديد المدة بشهر أو نصفه تحديدًا لا يستند إلى دليل عقلي أو نقلي ولا يتلاءم مع الواقع العملي للاستصناع حيث نرى أن بعض الأشياء المطلوب صنعها تسلم بعد عدة سنين (٣)
стр. 10721
* المطلب الثالث:
أوجه الاتفاق والاختلاف بين العقدين عند الحنفية:
يمكن أن يقسم هذا المطلب إلى فرعين:
الفرع الأول: أوجه الاتفاق بين العقدين:
١- الاستصناع كالسلم قسم من أقسام بيع المعدوم.
٢- لابد في العقدين من بيان المسلم فيه والمستصنع بيانًا يمنع النزاع بحيث يوضح ما يؤثر في القيمة، وما تختلف به الرغبات أيضًا.
٣- لا يصح في السلم والاستصناع أن يكون الثمن مما يحرم بينه وبين المثمن الربا.
٤- يسلم المسلم فيه أو المستصنع في محل العقد إن صلح لذلك وإلا اشترط ذكر مكان الإيفاء، وكذا إن كان لحمله مؤونة، فلا بد من تحديد موضع التسليم منعًا للنزاع.
الفرع الثاني: أوجه الفرق بين السلم والاستصناع عند الحنفية:
١- يرى جمهور الحنفية أن المبيع في السلم دين تحتمله الذمة، أما في الاستصناع فيرى جمهورهم أن المعقود عليه عين المستصنع وله تعلق بالذمة.
٢- الثمن في السلم يدفع في مجلس العقد عندهم، أما في الاستصناع فقد يدفع كله، أو بعضه، وقد لا يدفع منه شيء بل يكون دينًا حتى يسلم المصنوع.
٣- التأجيل في السلم للاستمهال، وفي الاستصناع للاستعجال.
٤- السلم يكون في المثليات فقط والاستصناع في المثلي وغير المثلي (١)
стр. 10722
المبحث السادس
أثر الاستصناع في تنشيط الحركة الاقتصادية
الناظر إلى العالم كله يرى ما يسمى بالثورة الصناعية الهائلة، ولو نظرنا إلى الدول كلها لرأيناها إما مصنعة منتجة أو مستهلكة أو منتجة لشيء، مستهلكة لآخر، ولذلك يعتبر رجال الاقتصاد التصنيع حجر الزاوية في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تمر بها الدول كلها.
فما تشتمل عليه الدول من موارد طبيعية قد تنقلها نقلة هائلة لو استغلت الاستغلال الحقيقي، فالذهب، والفضة، والحديد، والنحاس، والرصاص، والخشب، والزجاج، والمواد البترولية ومشتقاتها هي غالب المواد الأساسية. في التصنيع في حياتنا المعاصرة، فالعمل على اكتشافها واستغلالها بتصنيعها يعود بالنفع العام، ويسد احتياجات الذين يرغبون في سلع ليست موجودة في السوق، أو يكون ما هو موجود لا يسد حاجتهم، ولا يحقق رغباتهم، وللاستصناع فوائد عظيمة لعل من أهمها:
١- القضاء على البطالة المنتشرة في العالم، وخصوصًا الإسلامي وذلك حين يراد استغلال تلك الموارد التي تدخل ضمن عقد الاستصناع، ويحصل التكامل بين الخبرات ورأس المال، ويقضي حينئذ على البطالة بتوجيه الأيدي التي يمكن عملها وهي معطلة إلى الصناعة، وذلك يعتبر من أسمى الأهداف لغالبية الدول التي تحرص على مواطنيها، وتخشى من الآثار السلبية التي تترتب عي انتشار البطالة بين رعاياها مما يؤثر على الدولة من الناحية السياسية والاجتماعية والأمنية.
٢- يساهم الاستصناع في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، إذ أن طلب سلع خاصة بصفات معينة يعني أن هناك حاجة لها، يدل على عدم وجود تضخم في المصنوعات، وهذا بدوره يؤدي إلى التوازن بين العرض والطلب مما يؤدي إلى تحقيق استقرار في اقتصاد البلاد.
٣- إشباع الحاجات التي تؤدي إلى التوسعة وتجنب المكلفين الحرج والمشقة، إذ قد يحتاج الإنسان إلى شيء لا يجده في الأسواق على الصفة التي يرغبها، فإذا استصنعه رفع الحرج عن نفسه، وهذا بدوره يشجع الصانع على عمل ما طلب منه، لأنه حينئذ يكون على يقين أن ما يصنعه سوف يكون نافقًا.
стр. 10723
٤- يستطيع الصانع أن يشتري مواد التصنيع التي يحتاج إليها بثمن مؤجل حتى يحين وقت الدفع إليه، وهذا بدوره يؤدي إلى نشاط الحركة التجارية، إذ يعتبر المال الذي سيدفع مصدرًا من مصادر التمويل للصانع والتاجر، وكذلك أصحاب العلاقة معهم من سماسرة ونقلة وخازنين وموزعين.
٥- يستطيع المستصنع أن يحصل على السلع بالمواصفات التي يظن أنها تكون سببًا في رواج سلعة، وذلك بإدخال مواصفات تحسينية ترغب المشتري فيما يطلبه مما يحقق له ربحًا أوفر مما لو اشترى بالمواصفات الموجودة والمقاييس المعروفة.
٦- يضمن المستصنع تقلبات الأسعار وذلك بدفع السعر المتفق عليه عند العقد.
٧- يضمن الصانع عدم ركود السلع عند أو فسادها، فلا يصنع إلا ما يتفق على صناعته، بخلاف ما لو صنع بدون طلب فقد يصيب صناعته الركود والكساد، وقد يفسد ما هو عرضة لذلك.
٨- يستطيع المستصنع أن يدفع ما يقبضه من مال عند العقد في سلع أخرى يحتاجها، ويضمن دفع أخرى عند تسليم السلع إلى طالبها، وبهذا يحصل تمويل مشاريع صناعية وتجارية وعقارية جديدة.
٩- يؤدي عقد الاستصناع إلى حل الأزمات الإسكانية، إذ يطلب المستصنع مسكنًا معينًا بمواصفات ومقاييس يحددها حسب رغبته، وحاجته، ويدفع من ثمنها أو لا يدفع إلا بعد الاستسلام على أقساط محددة، حسب استطاعته، وبذلك تخف الأزمات الإسكانية أو تنعدم، وهذا يؤدي بدوره إلى الرفاه الاجتماعي، ورواج التجارة ونشاط وحركة الأيدي العاملة.
١٠- المصانع في الدول النامية تكون في الغالب في مرحلة تكوين ونمو وعدم استقرار عرضة عند تقلبات الأسعار للإفلاس والانهيار، وعقود الاستصناع كفيلة بضمان نفاذ ما تصنعه هذه المصانع لاسيما إذا كانت هناك سياسة ثابتة لهذه الدول لإحلال الإنتاج المحلي مكان المستورد الذي تخرج أثمانه إلى خارج البلاد، فتقل العملات الصعبة التي تحرص الدول على الحصول على أكبر قدر منها.
стр. 10724
الخاتمة
الحمد لله في البداية والتمام وأصلي وأسلم على رسوله سيد الأنام بعد:
فقد انتهيت من هذا البحث الذي يمس جانبًا كبيرا من حياة الناس ويشمل جزءًا من معاملاتهم ويحقق كثيرًا من رغباتهم ويسد حاجاتهم وذلك من كمال الشريعة وتمامها ووفائها بما للناس فيه حاجة وبقي أن أذكر أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث والمناقشة وإليك أهمها فيما يلي:
١- إن أقرب تعريف إلى حقيقة الاستصناع هو "عقد على مبيع في الذمة يشترط فيه العمل على وجه مخصوص".
٢- إن الاستصناع يعتبر عقدًا من العقود اللازمة لكلا الطرفين وليس وعدًا.
٣- إذا جاء الصانع بالمستصنع مخالفًا للشروط كان للمستصنع الخيار.
٤- الاستصناع قسم من أقسام السلم جاز بدون شرطه رفعًا للحرج، والمشقة
٥- إن المستصنع معدوم وليس بيع عين، بل يتعلق بذمة العاقد وما تعلق بالذمة فهو الدين.
٦- عدم وقوف الشريعة مكتوفة الأيدي أمام الأمور المستجدة والنوازل المعاصرة حيث نجد فيها حلًا لكل ما يطرأ وحكمًا لكل ما يستجد ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ .
٧- اتضح أن الاستصناع جاز للحاجة فيما للناس فيه تعامل عرفًا والأحكام التي بنيت على العرف تتغير بتغيره زمانًا ومكانًا وعليه يجوز التعامل فيما لم يثبت التعامل فيه سابقًا.
٨- تحديد مدة للمستصنع قول لا يسنده دليل عقلي، أو نقلي فالمدة تختلف طولًا وقصرًا حسب جنس المصنوع ونوعه وصفاته وقدره.
٩- الفروق التي ذكرت بين عقد السلم والاستصناع غير مؤثرة في الحكم.. والله أعلم.
١٠- الاستصناع من العقود التي لها آثار واضحة في تنشيط الحركة الاقتصادية فمن قضاء على البطالة إلى المساهمة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي وحصول الصانع والمستصنع على المال والحاجة في الوقت المحدد بالصفات التي تشبع الحاجة، وتزيل الحرج، والمشقة، فيضمن الصانع عدم ركود السلع عنده، ويضمن المستصنع نفاذها أيضًا حيث أدخل عليها من المواصفات ما يضمن نفاذها.
١١- قد يؤدي عقد الاستصناع إلى حل الأزمات الإسكانية أو الحد منها حيث تنتشر العمارات بدون حاجة إلى دفع الثمن في مجلس العقد.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
الدكتور/ سعود بن مسعد بن مساعد الثبيتي
стр. 10725
المصادر والمراجع
١- البابرتي، شرح العناية، مع فتح القدير ١٣١٥هـ، المطبعة الكبرى الأميرية مصر.
٢- الباز، شرح المجلة، الطبعة الثالثة، دار إحياء التراث العربي.
٣- الألباني، إرواء الغليل، الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ، المكتب الإسلامي.
٤- البخاري، الجامع الصحيح مع فتح الباري، المطبعة السلفية ١٣٩٠هـ.
٥- بدران كاسب، الاستصناع، رسالة ماجستير، جامعة الإمام.
٦- البغوي، شرح السنة، الدار السلفية، بومباي الهند.
٧- البهوتي، شرح منتهى الإرادات، دار الفكر.
٨- البهوتي، كشف القناع، مكتبة النصر الحديثة.
٩- البيهقي، السنن الكبرى، الطبعة الأولى ١٣٤٤هـ، دائرة المعارف النظامية، الهند.
١٠- الترمذي، الجامع الصحيح، تحقيق أحمد محمد شاكر، الناشر المكتبة الإسلامية.
١١- التفتازاني، التلويح على التوضيح، مطبعة محمد على صبيح ١٣٧٧هـ.
١٢- ابن تيمية، نظرية العقد، تحقيق محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية ١٣٦٨هـ.
١٣- الجرجاني، التعريفات، الطبعة الأولى ١٤٠٣هـ، دار الكتب العلمية، بيروت.
١٤- ابن حجر، تلخيص الحبير، تحقيق شعبان محمد إسماعيل ١٣٩٩هـ، مكتبة الكليات الأزهرية.
١٥- ابن حجر، فتح الباري، المطبعة السلفية ١٣٩٠هـ.
١٦- الحطاب، تحرير الكلام في مسائل الالتزام، تحقيق عبد السلام الشريف، الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ، دار الغرب الإسلامي.
١٧- الحطاب، مواهب الجليل، مكتبة النجاح، طرابلس، ليبيا.
١٨- ابن حنبل، المسند، الطبعة الثانية ١٣٩٨هـ، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، بيروت.
١٩- خلاف عبد الوهاب، مصادر التشريع الإسلامي، الطبعة الثانية ١٣٩٠هـ، دار القلم، الكويت.
٢٠- الدارقطني، السنن، تصحيح عبد الله هاشم، دار المحاسن للطباعة، القاهرة.
٢١- الدردير، الشرح الصغير، دار المعارف، مصر ١٩٧٤م.
٢٢- الدردير، الشرح الكبير على هامش حاشية الدسوقي.
٢٣- الدسوقي، حاشية الدسوقي، المكتبة التجارية الكبرى.
٢٤- الرافعي، فتح العزيز مع المجموع، المكتبة السلفية، المدينة المنورة.
стр. 10726
٢٥- الزركشي، المعتبر، تحقيق حمدي السلفي، الطبعة الأولى ١٤٠٤هـ، دار الأرقم، بغداد.
٢٦- الزيلعي، نصب الراية، الطبعة الثانية ١٣٩٣هـ. المكتبة الإسلامية.
٢٧- السرخسي، المبسوط، الطبعة الثانية، دار المعرفة، بيروت.
٢٨- سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي، الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ، دار الفكر دمشق.
٢٩- السيوطي، الأشباه والنظائر، عيسى البابي الحلبي.
٣٠- الشاطبي، الموافقات، دار الفكر ١٣٤١هـ.
٣١- الشافعي، الأم، مطبعة أبناء مولوي، الهند.
٣٢- الشافعي، الرسالة، مع الأم، مطبعة أبناء مولوي، الهند.
٣٣- السنهوري، مصادر الحق، دار إحياء التراث، بيروت.
٣٤- الشوكاني، نيل الأوطار، مصطفى البابي الحلبي.
٣٥- الشيرازي، المهذب مع المجموع، الناشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة.
٣٦- الصاوي، حاشية على الشرح الصغير، الناشر دار المعارف بمصر.
٣٧- ابن عابدين، حاشية رد المحتار، الطبعة الثانية، ١٣٨٦هـ، مصطفى البابي الحلبي.
٣٨- ابن عرفة، شرح الحدود، الطبعة الأولى، المطبعة التونسية ١٣٥٠هـ.
٣٩- عميرة، حاشية، الطبعة الثالثة ١٣٧٥هـ، مصطفى البابي الحلبي.
٤٠- الفيروز أبادي، القاموس المحيط، المؤسسة العربية للطباعة والنشر، بيروت.
٤١- الفيومي، المصباح المنير، مصطفى البابي الحلبي.
٤٢- ابن قدامة، روضة الناظر، المكتبة السلفية ١٣٨٥هـ.
٤٣- ابن قدامة، المغني، مكتبة الجمهورية العربية.
٤٤- قليوبي، حاشية، الطبعة الثالثة ١٣٧٥هـ، مصطفى البابي الحلبي.
٤٥- ابن القيم، إعلام الموقعين، تحقيق عبد الرحمن الوكيل، مطبعة الكيلاني.
٤٦- الكاساني، بدائع الصنائع، الناشر زكريا علي يوسف.
٤٧- ابن ماجه، السنن، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، عيسى البابي الحلبي وشركاه.
٤٨- مجموعة من العلماء، مجلة الأحكام العدلية، الطبعة الخامسة ١٣٨٨هـ.
٤٩- المحلى، شرح جمع الجوامع، مع حاشية البناني، دار إحياء الكتب العربية.
٥٠- المحلى، شرح المنهاج، الطبعة الثالثة ١٣٧٥هـ، مصطفى البابي الحلبي، على هامش قليوبي وعميرة.
٥١- المرتضى، الأزهار، الطبعة الرابعة.
٥٢- المرداوي، تصحيح الفروع طبع بهامش الفروع، الطبعة الأولى ١٣٤٥هـ، عالم الكتب، بيروت.
٥٣- المرغيناني، الهداية، مع فتح القدير، الطبعة الأولى ١٣١٥هـ، المطبعة الأميرية، بولاق، مصر.
٥٤- مسلم، الجامع الصحيح، مع شرح النووي، دار الفكر، بيروت.
٥٥- المصري عبد السميع، التجارة في الإسلام، الطبعة الثانية ١٤٠٦هـ، الناشر مكتبة وهبة.
стр. 10727
٥٦- ابن منظور، لسان العرب، طبعة بولاق.
٥٧- المواق، التاج والإكليل، مع مواهب الجليل، مكتبة النجاح، طرابلس، ليبيا.
٥٨- ناجي محمد سعيد سياسات التصنيع في الاقتصاد الإسلامي، رسالة ماجستير، جامعة أم القرى.
٥٩- ابن نجيم، الأشباه والنظائر، تحقيق عبد العزيز الوكيل، مؤسسة الحلبي وشركاه ١٣٨٧هـ.
٦٠- نزيه حماد، بيع الكالئ، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ، مركز أبحاث الاقتصاد الإسلامي.
٦١- نظام الدين وجماعة، الفتاوى الهندية "العالمكيرية" الطبعة الرابعة، دار إحياء التراث العربي.
٦٢- النووي، روضة الطالبين، المكتب الإسلامي.
٦٣- النووي، المنهاج، على هامش قليوبي وعميرة، الطبعة الثانية ١٣٧٥هـ، شركة مصطفى الحلبي.
٦٤- ابن الهمام، فتح القدير، الطبعة الأولى، ١٣١٥هـ، المطبعة الكبرى الأميرية، مصر.
٦٥- وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية، الموسوعة الفقهية، الكويت، وزارة الأوقاف، الطبعة الأولى ١٤٠٠هـ.
стр. 10728
عقد الاستصناع
وعلاقته بالعقود الجائزة
إعداد
الدكتور محمد رأفت سعيد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة:
نحمدك اللهم ونستعينك ونستهديك، ونصلي ونسلم على خاتم أنبيائك ورسلك سيدنا محمد، وبعد.
فإن جهود فقهائنا مازالت متابعة لكل جديد من وجوه التعامل بين الناس، لتكييف هذا التعامل وتوصيفه، ومعرفة موافقته أو مخالفته للأصول الشرعية، وتأسيسه على ما عرف من أدلة الأحكام، ومدى تحقيقه للمقاصد الشرعية. وقد يكون الوجه الجديد جامعًا لوجوه معروفة من قبل، ومنها يكون هذا الوجه، وقد يضاف إلى هذه الوجوه القديمة بعض الأمور التي لم تعرف من قبل. وهنا - تظهر - العقلية الفقهية في دقة التوصيف، التي تتبع بإعطاء الحكم المناسب لكل وصف.
وهذا مجال لاتجاهات فقهية متعددة، تدل على خصوبة الفكر، وهي اتجاهات معتبرة ما دام الحال يتسع لأكثر من وجه، وليس مقيدًا بدلالة قطعية واحدة لنص من النصوص.
ومن وجوه التعامل التي يتحقق فيها هذا القول " عقد الاستصناع "، فإن حاجة الإنسان إلى السلع التي تستصنع من الحاجات المتجددة، وذلك لتطور الحياة البشرية، بل وبصورة سريعة، يكون المستصنع اليوم قديمًا في الغد، وما صنع هذا العام ليس هو ما صنع في العام السابق، فقد يحتاج الأمر إلى إضافات جديدة تحتاجها طبيعة الآلة، أو الجهاز المصنع، وتقضيه ضرورة الاستعمال.
كما أن الصانع في إطار هذا القفز السريع في التطور قد يحتاج إلى مال يدخل في تهيئة هذه المصنوعات، وكذلك في نفقاته الخاصة. وعلى ذلك فإن تحقيق حاجة المستصنع والصانع تجعل بينهما هذا الوجه الذي يمثل عقدًا بينهما يدفع فيه المستصنع مالًا للصانع ليصنع له ما يريد. فكيف يكيف هذا العقد؟
стр. 10729
هل هو مواعدة أم بيع؟
وهل يكون بيعًا لما ليس عند البائع؟ فلا يجوز؟
وهل يستثنى من هذا نظرًا لحاجة الناس إليه كما استثني السلم، مع تحقيق ما يشترط في السلم من تحديد الصفة والقدر والأجل؟
وهل تحقق هذه الشروط يجعلنا نسميه سلمًا، ولا حاجة إلى استحداث اسم آخر هو الاستصناع؟
ولكن لوحظ أن هذا الاستصناع يختلف عن السلم في أن عقد الاستصناع يتضمن عمل عامل في الصناعة، فهل هذا العنصر يجعلنا نطلق عليه عقد إجارة؟ أم أن عقد الاستصناع فيه من جوانب هذه العقود ما يكون عقدًا خاصًّا يسمى بعقد الاستصناع، وأن تضمنه لهذه الجوانب من العقود الجائزة يمنحه قوة الحكم بالجواز؟
هذه التساؤلات هي عناصر بحثي عن "عقد الاستصناع وعلاقته بالعقود الجائزة " لتكون خطة البحث على النحو الآتي:
بعد هذه المقدمة أتناول المباحث التالية:
- تعريف الاستصناع.
- حكم عقد الاستصناع.
- هل الاستصناع مواعدة أم بيع؟
- هل هو عقد بيع ما ليس عنده؟
- عقد الاستصناع، وعقد السلم.
- السلم.
- عقد الاستصناع، وعقد الإجارة.
- الإجارة.
- الخاتمة.
- ملخص البحث.
- المراجع.
وأسأل الله التوفيق للوفاء بهذه المباحث دراسة، ومناقشة، واستنتاجًا، فهو حسبي ونعم الوكيل.
стр. 10730
تعريف الاستصناع
الاستصناع في كتب اللغة يعني طلب الصنع، والصنع هو العمل، ومن ذلك قوله تعالى ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (١) .
والصناعة: حرفة الصانع وعمله (٢) .
ومعنى الكلمة - إذن - أن يطلب إنسان من صانع أن يعمل له عملًا معينًا، فإذا أضفنا إلى ذلك ما يجعل هذا الطلب محققًا لمراد الطرفين - دون منازعة بينهما - قلنا: ينبغي أن يحدد الطالب نوع ما يعمل، وقدره، وصفته، وكل ما يريد أن يكون عليه العمل دون إبهام لشيء، وكذلك تحديد الزمن الذي يتناسب مع العمل وحاجته إلى هذا المصنوع، فإذا اتفق الطرفان على هذه المواصفات في العمل والزمن، واتفقا على تحديد الثمن الذي سيدفعه الطالب، وقال الصانع: نعم. فهذه صورة عقد الاستصناع.
ويستوي هذا الشكل للاستصناع في أن يكون بين فرد وفرد، أو بين فرد ومؤسسة أو مصنع.
أما تعريف الاستصناع لدى الفقهاء فإنه يخضع لموقف كل فقيه منه، فأكثر الحنفية - كما سنرى من تعريفهم له من تعريفهم له - يرونه عقدا مستقلًّا، وأما غيرهم من المالكية والشافعية والحنابلة، فإن كثيرًا منهم يلحقونه بأبواب السلم، سواء كان على سبيل القول بجوازه كما عند المالكية والشافعية، أو بمنعه كما عند الحنابلة. وسنتعرف على ذلك من خلال ذكر تعريفات العلماء.
يذكر الكاساني في البدائع (٣) قول بعض الفقهاء: إن الاستصناع هو: (عقد على مبيع في الذمة) ، ويزيد السمرقندي على التعريف السابق فيقول: (عقد على مبيع في الذمة وشرط عمله على الصانع) . (٤) .
ويذكر ابن عابدين في تعريف الاستصناع أنه: (بيع عين موصوفة في الذمة لا بيع عمل) (٥) .
стр. 10731
وفي المجلة العدلية نجد الجمع بين ذكر البيع والعقد في وصف الاستصناع وتعريفه بأنه: (إذا قال شخص لأحد من أهل الصنائع: اصنع لي الشيء الفلاني بكذا، قرشًا، وقبل الصانع ذلك انعقد البيع استصناعًا) (١) .
كما ذكر الكاساني ما قيل من تعريف الاستصناع لدى بعض الفقهاء بأنه (عقد مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعملوا شيئًا) (٢) . أي عقد تفاوض بين المستصنع والصانع.
وإذا كان الإمام العيني قد ذكر صورة الاستصناع بقوله: (أن يطلب من الصانع أن يصنع له شيئًا بثمن معلوم) (٣) .
وكذلك ابن عابدين: هو (طلب العمل منه في شيء خاص على وجه مخصوص) (٤) . فإن طلب العمل مع المادة التي يصنع منها، وبالثمن المعلوم يستدعي مبادلة مال بمال بالتراضي عند الحنفية (٥) ، وهو البيع، وعند إطلاقه يكون عقدًا.
وبذلك يتوافق الأمر لدى الفقهاء المذكورين من اعتبار الاستصناع عقد بيع، ويكون التعريف الجامع المانع لدى فقهاء الحنفية أنه (عقد على مبيع في الذمة يشترط فيه العمل على وجه مخصوص) (٦) .
ولو اكتفى بما قيل في تعريفه من أنه (عقد على مبيع في الذمة) لدخل في التعريف عقد السلم.
стр. 10732
وقيد شرط الصنعة يجعل العقد موافقًا للمعنى اللغوي، ولذلك لما ذكر الإمام السرخسي صورة الاستصناع قال في مبسوطه: (استصنع الرجل خفين أو قلنسوة، أو طستا، أو كوزًا، أو آنية من النحاس) (١) .
وبالمعنى نفسه قال الكاساني في بدائع الصنائع: (لو قال إنسان لصانع من خفاف أو صفار أو غيرهما: اعمل لي خفًّا، أو آنية من أديم، أو نحاس من عندك بثمن كذا ويبين نوع ما يعمل وقدره وصفته.. فيقول الصانع: نعم) . وبمثل هذا قال البابرتي (٢) .
فالاستصناع - كما مر بنا لغة - طلب الصنعة، ويلاحظ أن المواد المذكورة، والصناعات المطلوبة تتلاءم مع عصر المعرفين، وإلا فالمعنى يتسع لكل مستحدثات العصور، مادة وصنعة.
وإذا لم يعتبر شرط الصنعة في التعريف، على افتراض أنه لو تعاقد على مبيع في الذمة، وأحضر الصانع عينًا، كان قد صنعها من قبل، ورضي بها المستصنع فإن بعض الفقهاء - كما سيأتي - يرى أن العقد صحيح، ولكن تم بطريق آخر غير الطريق الأول وهو طريق التعاطي.
وهذا ما رجحه الكاساني بقوله: (والصحيح هو القول بأنه عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل) لأن الاستصناع: طلب الصنع، فما لم يشترط فيه العمل لا يكون استصناعًا. فكان مأخذ الاسم دليلًا عليه.
ولأن العقد على مبيع في الذمة يسمى سلمًا.. وهذا العقد يسمى استصناعًا، واختلاف الأسامي دليل اختلاف المعاني في الأصل.. وأما إذا أتى الصانع بعين صنعها قبل العقد، ورضي بها المستصنع فإنما جاز لا بالعقد الأول، بل بعقد آخر وهو التعاطي بتراضيهما (٣) .
стр. 10733
والقول في التعريف بأنه عقد يخرج اعتبار الاستصناع وعدًا - وهذا سنفصل القول فيه بعد قليل.
والقول في التعريف "على مبيع" يخرج اعتبار الاستصناع عقد إجارة، لأنها عقد على منافع وليست على عين، ويخرج كذلك اعتباره عقدًا على العمل، أو الإجارة على العمل فهو ليس بعقد على مبيع.
ولكن ما الذي يباع في عقد الاستصناع، كما ورد في التعريف؟
إنها المواد الخام التي تصنع، أما المادة الخام في الإجارة على العمل فهي من عند المستأجر، وعلى الأجير العمل فقط (١) .
والقول بأنه (في الذمة) يخرج اعتبار الاستصناع بيعًا بإطلاقه، لأن من شروط البيع أن يكون مقبوضًا في المجلس، وهنا المطلوب صنعه في الذمة.
والقول بأنه (شرط فيه العمل) يخرج اعتبار الاستصناع سلمًا، لأن السلم بيع آجل بعاجل (٢) .
والاستصناع لا يشترط فيه أخذ الثمن عاجلًا وسنتناول تفصيلًا ما يتعلق بعلاقة الاستصناع بالسلم والفرق بينهما في مبحث قادم.
أما ذكر الوجه المخصوص في التعريف فهو البيان التفصيلي لجنس المعقود عليه وصفته وقدره، وكل ما يريده المستصنع فيه، حتى يكون استصناعًا صحيحًا إذا تحققت فيه هذه الشروط، وإلا كان استصناعًا فاسدًا.
هذا ما يتعلق بتعريف الاستصناع لغة - واصطلاحًا واخترت لتعريفه اصطلاحًا ما ذكره فقهاء الحنفية لاعتبارهم إياه عقدًا مستقبلًا - كما مر بنا.
ولكن لن نغفل أقوال بقية العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة في الاستصناع - قبل أن نذكر - تفصيلًا - علاقة عقد الاستصناع بالعقود الجائزة.
فأما المالكية فإن ابن رشد (٣) - وهو من أعيان المالكية - قد تناول السلم في الصناعات بما يدل على أنه من يطلب من صانع صنع شيء له فهو جائز، ولكنه يأخذ حكم السلم، وشروط السلم، فيقول:
стр. 10734
(وأما السلم في الصناعات فينقسم في مذهب ابن القاسم على أربعة أقسام:
أحدها: أن لا يشترط المسلم المستعمل عمل من استعمله، ولا يعين ما يعمل منه.
والثاني: أن يشترط عمله، ويعين ما يعمل منه.
والثالث: أن لا يشترط عمله، ويعين ما يعمل منه.
والرابع: أن يشترط عمله، ولا يعين ما يعمل منه.
فأما الوجه الأول: وهو أن لا يشترط عمله، ولا يعين ما يعمل منه، فهو سلم، على حكم السلم، لا يجوز إلا بوصف العمل، وضرب الأجل، وتقديم رأس المال.
وأما الوجه الثاني: وهو أن يشترط عمله، ويعين ما يعمله منه، فليس بسلم، وإنما هو من باب البيع والإجارة في الشيء المبيع.
فإن كان يعرف وجه خروج ذلك الشيء من العمل، أو تمكن بإعادته للعمل، أو عمل غيره من الشيء المعين منه العمل، فيجوز على أن يشرع في العمل، وعلى أن يؤخر الشروع فيه بشرط ما بينه وبين ثلاثة أيام، أو نحو ذلك.
فإن كان على أن يشرع في العمل، جاز ذلك بشرط تعجيل النقد، وتأخيره، وإن كان على أن يتأخر الشروع في العمل إلى الثلاثة أيام ونحوها، لم يجز تعجيل النقد، بشرط حتى يشرع في العمل.
وأما الوجه الثالث: وهو أن لا يشترط عمله بعينه، ويعين ما يعمل منه، فهو - أيضًا - من باب البيع والإجارة في المبيع، إلا أنه يجوز على تعجيل العمل وتأخيره إلى نحو ثلاثة أيام بتعجيل النقد وتأخيره.
وأما الوجه الرابع: وهو أن يشترط عمله ولا يعين ما يعمل منه فلا يجوز على حال، لأنه يجتذبه أصلان متناقضان: (لزوم النقد لكون ما يعمل منه مضمونًا، وامتناعه لاشتراط عمل المستعمل بعينه) (١) .
ويقول الدردير (٢) : (ثم شبه في السلم قوله: كاستصناع سيف، أو ركاب من حداد، أو سرج من سروجي، أو ثوب من حياك، أو باب من نجار، على صفة معلومة بثمن معلوم فالتعاقد على صنع شيء يأخذ حكم السلم عندهم) .
وقال الدردير (٣) - أيضًا -: (وقول خليل: كاستصناع سيف (٤) تشبيه لا تمثيل) .
стр. 10735
وإذا كان المالكية لم يعدوا (الاستصناع) عقدًا مستقلًّا، فكذلك الشافعية، وأدرجوه كالمالكية في مسائل السلم.
فطلب الصنعة عندهم جائز، ولكن عن طريق السلم بشرط ضبط الصفات.
فيرى الإمام الشافعي (١) ﵀ أن الاستصناع جائز إذا كان المستصنع فيه من مادة واحدة، أو من مادتين لا يؤديان - جهالة قدرهما - إلى المنازعة، بأن أمكن معرفة قدر كل منهما لتمييزهما عن بعضهما.. وإلا فلا يجوز فيهما إذا اختلطا.. ولم يمكن تمييز قدر كل واحد عن الآخر (٢) .
ويقول الشافعي: (وهكذا كل ما استصنع) (٣)
وعلى ذلك فالاستصناع عند الشافعي: (بيع موصوف في الذمة يشترط فيه الصنعة) .
والسلم عنده كذلك: (بيع موصوف في الذمة) .
قال المحلي: (السلم، ويقال له: السلف، وهو بيع موصوف في الذمة) (٤) .
وقال ابن حجر: (السلم هو بيع شيء موصوف في الذمة) (٥)
ويذكر الإمام النووي تعريفات للسلم فيقول:
أحدهما: أنه عقد على موصوف في الذمة ببدل يعطي آجلًا.
وثانيها: هو إسلام عوض حاضر في موصوف في الذمة.
وثالثها: هو إسلاف عاجل في عوض لا يجب تعجيله.
ثم يقول النووي: (إن السلم بيع) (٦)
وإذا كان المالكية والشافعية قد عدوا الاستصناع في أبواب السلم، فإن الحنابلة قد جعلوه في باب بيع ما ليس عند الإنسان على غير وجه السلم ولذلك قالوا بالمنع.
ففي كشاف القناع والإنصاف وغيرهما: أن الاستصناع غير جائز، نقلًا عن القاضي وأصحابه، بأنه لا يصح استصناع سلعة، لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم (٧) .
وقيل لا يصح استصناع سلعة بأن يبيعه سلعة يصنعها له.. لأنه باع ما ليس عنده على غير وجه السلم (٨)
стр. 10736
حكم عقد الاستصناع
بعد تعرفنا على أقوال العلماء في تعريف "الاستصناع" نستطيع أن نقول: إن جمهور فقهاء الحنفية قد اتفقت كلمتهم على "الجواز" ولم يخالف في ذلك إلا "زفر" (١) وحكى ابن الهمام قول "زفر" فقال: (والقياس أنه لا يجوز، وهو قول "زفر" (٢) .
فهل قول "زفر" بعدم الجواز يقوم على القياس؟
إن كان الأمر كذلك فإن الجمهور لا يرى - كذلك - القياس دليلًا على جواز "الاستصناع".
وإنما يجوزونه بالاستحسان، وكذلك - أيضًا - بالإجماع العملي، والبعض يرى أنه بالسنة - كما سنبين -.
ومن أقوال المجوزين نتعرف على أدلة هذا الحكم بجواز "الاستصناع".
فالإمام محمد بن الحسن يقول: (لو استصنع رجلًا شيئًا.. بغير أجل جاز استحسانًا (٣)
والإمام الكاساني يقول: (أما جوازه فالقياس: أن لا يجوز، لأنه باع ما ليس عند الإنسان لا على وجه السلم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم، ويجوز استحسانًا، لإجماع الناس على ذلك (٤) .
والإمام الكمال بن الهمام يقول: (جاز استحسانًا) (٥)
والإمام السمرقندي يقول: (والقياس أنه لا يجوز، وفي الاستحسان جائز) (٦) .
والإمام أبو بكر بن المنذر يقول: (وقال أبو حنيفة: هو جائز.. وللمستصنع الخيار إذا رآه مفروغًا منه) (٧) .
وواضح من أقوال هؤلاء الأئمة أن القياس لا يجوز به الاستصناع، لأنه بيع ما ليس عند الإنسان، ورخص في السلم.
стр. 10737
ويكون الجواز عندهم بالاستحسان، ووجه الاستحسان:
- إجماع الناس على ذلك، لأنهم يتعاملون بذلك في سائر الأعصار. وقد ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود ﵁: (.. فما رأى المسلمون حسنًا فعند الله حسن، وما رأوا سيئًا فهو عند الله سيء) (١) .
والقياس يترك بالإجماع، ولهذا ترك القياس في دخول الحمام بالأجر، من غير بيان المدة، ومقدار الماء الذي يستعمل، وفي شراء البقل وغيره من المحقرات.
- ولأن الحاجة تدعو إليه، لأن الإنسان قد يحتاج إلى خف أو نعل، من جنس مخصوص، ونوع مخصوص، وعلى قدر مخصوص، وصفة مخصوصة، قلما يتفق وجوده مصنوعًا، فيحتاج إلى أن يستصنع، فلو لم يجز لوقع الناس في الحرج (٢) .
قال الإمام القسطلاني في تناوله لحديث الخياط: (إن فيه جواز الإجارة على الخياطة ردًّا على من أبطلها بعلة أنها ليست بأعيان مرئية، ولا صفات معلومة.
وفي صنعة الخياطة معنى ليس في سائر ما ذكره البخاري من ذكر القيمة، والصائغ والنجار، لأن هؤلاء الصناع إنما تكون منهم الصنعة المحضة بما يستصنعه صاحب الحديد والخشب والفضة والذهب، وهي أمور من صنعة يوقف على حدها، ولا يخلط بها غيرها.
والخياط إنما يخيط الثوب في الأغلب بخيوط من عنده، فيجتمع إلى الصنعة الآلة، وإحداها معناه النجارة، والأخرى الإجارة، وحصة إحداهما لا تتميز من الأخرى، وكذلك هذا في الخراز والصباغ إذا كان بخيوطه، ويصبغ هذا بصبغه على العادة المعتادة فيما بين الصناع. وجميع ذلك فاسد في القياس. إلا أن النبي ﷺ وجدهم على هذه العادة أول زمن الشريعة فلم يغيرها.
إذ لو طولبوا بغيره لشق عليهم فصار بمعزل عن موضع القياس، والعمل به ماض صحيح لما فيه من الإرفاق (٣)
وقد خرج الجواب عن القول بأنه معدوم:
- لأنه ألحق بالموجود لمساس الحاجة إليه، كالمسلم فيه، فلم يكن بيع ما ليس عند الإنسان على الإطلاق.
- ولأن فيه معنى عقدين جائزين، وهو السلم والإجارة، لأن السلم عقد على مبيع في الذمة، واستئجار الصناع يشترط فيه العمل، وما اشتمل على معنى عقدين جائزين، كان جائزًا (٤) .
стр. 10738
هذا ما يتصل بأدلة الجواز من الإجماع العملي، والاستحسان، وأما من رأى أن حكم جواز الاستصناع يعتمد - قبل ذلك - على السنة فيذكرون في ذلك حديثين:
أولهما حديث استصناع الرسول ﷺ خاتمًا (١) .
وهذا ما جعل شارح المجلة العدلية يقول: الاستصناع (ثبتت مشروعيته بالسنة وإجماع الأمة) ، (أما السنة فقد استصنع النبي ﷺ الخاتم) (٢) .
ثانيهما: ما روي من أن الرسول ﷺ استصنع المنبر، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي حازم قال: (أتى رجال سهل بن سعد يسألونه عن المنبر، فقال: بعث رسول الله ﷺ إلى فلانة امرأة قد سماها سهل: أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن إذا كلمت الناس، فأمرته بعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء فأرسلت إلى رسول ﷺ بها فأمر بها فوضعت فجلس عليه) .
وفي رواية أخرى بصحيح البخاري - أيضًا - عن جابر بن عبد الله ﵄ (أن امرأة من الأنصار قالت لرسول لله ﷺ : يا رسول الله ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه، فإن لي غلامًا نجارًا، قال: "إن شئت" فعملت له المنبر، فلما كان يوم الجمعة قعد النبي ﷺ على المنبر الذي صنع..) (٣) .
قال القسطلاني في تعقيبه على الروايتين: (يحتمل أن رسول الله ﷺ بلغها أنه يريد عمل المنبر، فلما بعث إليها بدأته بقولها: ألا أجعل لك شيئًا تقعد عليه؟ فقال لها: "مري غلامك" فعملت له المنبر) . (٤) .
غير أن الاستدلال بحديث المنبر على الاستصناع، واعتباره من أدلة السنة في الجواز لم يكن محل اتفاق من العلماء، فهل تم الاستصناع فيه بالمعنى اللغوي من طلب الصنعة؟ أم هو هدية من صانعه للنبي ﷺ ؟
стр. 10739
أما حديث استصناع الرسول ﷺ للخاتم فيصح الاستدلال به، مع مراعاة أن صاحب الاعتبار، والذي ذكر هذا الحديث، قد أورده في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار (روي عن نافع عن عبد الله أن رسول ﷺ اصطنع خاتمًا من ذهب، وكان يجعل فصه إلى باطن كفه، إذا لبسه، فصنع الناس، ثم إنه جلس على المنبر فنزعه، وقال إني كنت ألبس هذا الخاتم، وأجعل فصه من داخل، فرمى به، ثم قال لا والله لا ألبسه أبدًا، فنبذ الناس خواتيمهم) . عقب صاحب الاعتبار على الحديث بقوله: (هذا حديث صحيح ثابت، وله طرق في الصحاح في كتابيهما من عدة طرق) (١) .
وقد وردت الأحاديث الصحيحة في تحريم الذهب على الرجال، ومنه الخاتم، فعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ رأى خاتمًا من ذهب في يد رجل فنزعه وطرحه، وقال: (يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيطرحها في يده) . (فقيل للرجل بعدما ذهب رسول الله ﷺ : خذ خاتمك انتفع به؟ فقال: لا والله لا آخذه، وقد طرحه رسول الله ﷺ . [رواه مسلم] .
وعن أبي سعيد ﵁ أن رجلًا قدم من نجران إلى رسول الله ﷺ ، وعليه خاتم من ذهب، فأعرض رسول الله ﷺ وقال: إنك جئتني وفي يدك جمرة من نار" [رواه النسائي] (٢)
стр. 10740
هل الاستصناع مواعدة أم بيع؟
وبعد تعريف "الاستصناع" لغة واصطلاحًا وبيان حكمه نجد هذا التساؤل الذي أثاره اتجاه بعض الفقهاء في اعتبار "الاستصناع" مواعدة، في حين اعتبره الجمهور عقد بيع.
فإذا طلب إنسان من صانع أن يصنع له شيئا، واتفق على وصفه وقدره، وزمنه، وثمنه بين الطرفين فهل يسمى هذا مواعدة، أم عقدًا؟
وبمعنى آخر هل قبول الصانع لما قاله المستصنع يعد وعدًا منه، إن وفى به كان مأجورًا ومثابًا على الوفاء، وإلا كانت فيه خصلة من النفاق، دون أن يترتب على عدم الوفاء أثر قضائي؟
إن ضرورة الاستصناع في حياة الناس، وحاجتهم إليه تجعل وجهة الجمهور. والتي سنفصل القول في أدلتها - إن شاء الله - محل تقدير واعتبار، لأن ترك هذا الوفاء الصانع يتبعه فوات مصلحة المستصنع، وضياع ماله، فهو يطلب شيئًا بمواصفات خاصة ويدفع مالًا، ويوافق الصانع على ذلك وهذه عناصر العقد التي تتبع بالإلزام، ويترتب عليه الضمان، كما يكون معه الشرط الجزائي الي يعين كلا الطرفين على الوفاء، وإلا ضاعت الثقة بين الناس وخاصةً عندما يكثر الطلب على الصناع، وأمام إغراء المال، تقبل الطلبات، وتعطى الوعود، دون صدق فيها، ودون إتقان يفي بالمواصفات. وإذا كان الشرط الجزائي لم يكن معروفًا بهذا الاسم من قبل، فإن معناه كان متبعًا في القرون الفاضلة.
فقد روى البخاري ﵀ بسنده عن ابن سيرين أن رجلًا قال لكريه: (أدخل ركابك، فإن لم أرحل معك يوم كذا أو كذا فلك مائة درهم فلم يخرج فقال شريح: من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه) .
وقال أيوب: عن ابن سيرين أن رجلًا باع طعامًا وقال: (إن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع، فلم يجىء فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت فقضى عليه) (١)
стр. 10741
ويقول الأستاذ الزرقاء: (في أواخر العهد العثماني اتسعت في الدولة التجارة الخارجية مع أوروبا، وتطورت أساليب التجارة الداخلية، والصنائع، وتولدت في العصر الحديث أنواع من الحقوق لم تكن معهودة.. واتسعت مجالات عقود الاستصناع في التعامل بطريق الإيصاء على المصنوعات مع المعامل والمصانع الأجنبية.. وقد ضاعف احتياج الناس إلى أن يشترطوا في عقودهم ضمانات مالية على الطرف الذي يتأخر عن تنفيذ التزامه في حينه.. ومثل هذا الشرط يسمى في اصطلاح الفقه الأجنبي (الشرط الجزائي) (١) .
ولذلك فإن القول بأن الاستصناع مواعدة ليس محققًا لمهمة الاستصناع في حياة الناس من ناحية، وليس موافقًا لطبيعة الاستصناع من ناحية أخرى.
والذي قال بأنه مواعدة جماعة من الحنفية منهم: الحاكم الشهيد (٢) ، والصفار (٣) ، ومحمد بن سلمة (٤)
إلا أن كلام الحاكم الشهيد، والذي ذكره السرخسي في المبسوط يدل على أنه لم يقل بأنه مواعدة بإطلاق، وإنما يفيد كلامه أنه يبدأ مواعدة وينتهي عقدًا بالتعاطي والفراغ من العمل فيقول السرخسي: (وكان الحاكم الشهيد يقول: الاستصناع مواعدة.. وإنما ينعقد العقد بالتعاطي إذا جاء به مفروغًا منه.. ولهذا ثبت فيه الخيار لكل واحد منهما) (٥)
стр. 10742
والذي دعا هؤلاء إلى القول بأنه مواعدة ما يلي:
أولًا أن الصانع له أن لا يعمل.. وبذلك كان ارتباطه مع المستصنع هو ارتباط وعد لا عقد.. لأن كل ما لا يلزم الإنسان به مع التزام نفسه يكون وعدًا لاعقدًا، لأن الصانع لا يجبر على العمل بخلاف السلم فإنه مجبر بما التزم به (١)
ثانيًا: أن المستصنع له الحق في عدم تقبل ما يأتي له الصانع من مصنوع، وله أن يرجع عما استصنعه قبل تمامه ورؤيته.. وهذا علامة أنه وعد لا عقد.. لهذا قال أبو اليسر: (إن الخيار ثابت لكل واحد منهما (الصانع والمستصنع) (٢)
وبهذين الدليلين يرى أصحاب هذا القول بالمواعدة أن الاستصناع وعد بالبيع لا عقد مبيع.
ولم ينس هؤلاء أن يردوا على الجمهور قولهم بأنه يكون مبيعًا فقالوا: المعدوم لا يصلح أن يكون مبيعًا.
وقالوا كذلك: العقود في المعاملات لا يبطلها موت أحد طرفيها. فكيف ساغ القول بأنه عقد مع بطلانه بموت الصانع؟
فهذه أدلة القائلين بالمواعدة واعتراضاتهم، وقد تناولها القائلون بأنه عقد فردوا عليها، ثم قدموا أدلتهم، على النحو التالي:
أولًا: ما قاله أبو اليسر - بأن إثبات الخيار لكل من الصانع والمستصنع يدل على أنه وعد - غير صحيح، فهو لا يدل على أنه غير بيع، ألا ترى أن في بيع المقايضة لو لم ير كل من العاقدين عين الآخر كان لكل منهما الخيار، فلم يخرجه إلى أن يكون وعدًا.
ثانيًا: القول بأنه وعد لأن الصانع له أن لا يعمل، وللمستصنع الخيار في أن لا يقبل الشيء المصنوع، كل ذلك وارد في غير عقد الاستصناع. فالاستصناع لا يعتبر عقدًا نافذًا ملزمًا إلا ساعة أن يتم الصانع ما طلب منه وفق المواصفات التي اشترطها المستصنع.. ورأى المستصنع ذلك الشيء بعينه ورضي.. عند ذلك يتم الاستصناع فلا خيار لواحد منهما فأما ما ذكر فهو وارد على أمور أخرى غير الاستصناع. (٣)
стр. 10743
ثالثًا: والقول بأن المعدوم لا يصلح أن يكون بيعًا، فإن المعدوم قد يعتبر موجودًا حكمًا كالناسي للتسمية عند الذبح، فإن التسمية جعلت موجودة لعذر النسيان، والطهارة للمستحاضة جعلت موجودة لعذر جواز الصلوات لئلا تتضاعف الواجبات. فكذلك المستصنع فيه المعدوم جعل موجودًا حكمًا للتعامل الجاري بين الناس.
فإذا قيل: إن هذا إنما يصح أن لو كان المعقود عليه هو العين المستصنع، والمعقود عليه هو الصنع في الاستصناع، وليس هو العين.
فإن الجواب قاله صاحب الهداية (١) : (إن المعقود عليه هو العين دون العمل، حتى لو جاء به مفروغًا لا من صنعته، أو من صنعته، قبل العقد، فأخذه جاز) .
رابعًا: والقول بأنه يبطل بموت الصانع، والعقود في المعاملات لا يبطلها موت أحد طرفيها، فإن الجواب عن ذلك: بأن الاستصناع إنما يبطل بموت الصانع لشبهه بالإجارة. فهو لهذا الشبه قلنا بأنه يبطل بموت الصانع، وهذا لا يمنع أن يكون عقدًا (٢) . وهذا إذا كان الصانع فردًا، أما إذا كان مصنعًا، أو مؤسسة، فلا وجه لهذا.
خامسًا: من الأدلة على أن الاستصناع عقد أن الصانع يملك الدراهم بقبضها، وما دام يقبضها فهو عقد.. لأن المواعدة على شيء لا يملك الدراهم بقبضها، وبالاستصناع يملكها ملكًا غير لازم عند جمهور فقهاء الحنفية (٣)
سادسا: ومن الأدلة - كذلك - أنه قد أجريت في الاستصناع القياس والاستحسان.. ونحن نعرف أن الوعد لا يحتاج إلى إثبات الاستدلال به إلى إجراء القياس والاستحسان.. فقد ثبت العمل بالوعد بالنص (٤) والإجماع.
سابعًا: ومن الأدلة - كذلك - أن الاستصناع يثبت فيه خيار الرؤية، والوعد لا يحتاج إلى إثبات الخيار (٥)
ثامنًا: ومن الأدلة - كذلك - أن الاستصناع يجري فيه التقاضي.. والتقاضي إنما يثبت في الواجب بالعقود لا بالوعود.. فإذا ما وعد شخص آخر لا يؤدي عدم الوفاء بذلك الذهاب للقضاء، وإقامة الدعوى، وإنما الذي يكون كذلك فيما هو واجب بالعقد بينهما (٦)
تاسعًا: أن الصانع في الاستصناع يجبر على عمله، والمواعد على الشيء لا يجبر على ما وعد به إلا من باب الوفاء بالوعد - إن استطاع ذلك - أما الذي تعاقد في الاستصناع فإنه يجبر على صنع ما تعاقد عليه فإن لم يستطع يمكن أن يطلب من صانع آخر أن يتم عمله (٧) .
стр. 10744
عاشرًا: أن المستصنع لا يرجع عما طلب، ولا يجوز له أن يرجع، لأنه إن تعاقد لا يحق له أن يرجع عن ذلك، لأن التراجع له ضرر كبير على الصانع بتضييع المادة الخام بناء على أمر من المستصنع، فإن رجع فقد لا يشتريه أحد لعدم موافاته للشروط التي يطلبها هذا الأخير (١)
كما أن المستصنع إذا رأى المطلوب صنعه (المستصنع فيه) فهو بالخيار، لأنه (اشترى ما لم يره) ، فالقول بأنه اشترى ما لم يره دليل على أنه يريد به ذلك المستصنع، واعتباره شراء دليل على أنه عقد. (٢)
لذلك، فالتسمية لعملية التعاقد بالشراء شيء واضح على أنه يراد به أنه ليس بوعد، والشراء إذا أطلق يراد به عملية التعاقد بالبيع، وأيضًا، فإن الشراء بيع، لأنه من الأضداد.
ومن جملة ما سبق من أدلة الفريقين يظهر لنا بوضوح أن أدلة القائلين بأن الاستصناع عقد وليس بوعد أقوى، وهي أجدر بالقول والحكم، تحقيقًا لما يراد من الاستصناع في تحقيق منفعة الطرفين، المستصنع، والصانع، مع التزامهما بما اتفقا عليه بينهما، دون تراجع يفسد مصلحة أحدهما، ودون إخلال بالمواصفات، أو تضييع للحقوق.
كما أن توصيف الاستصناع بأن عقد يضمن للناس تقدمًا وتطورًا مستمرًّا في الحركة الصناعية تلبي رغبات الناس المتجددة والنامية.
стр. 10745
هل هو عقد بيع ما ليس عنده؟
وإذا توصلنا إلى اعتبار " الاستصناع " عقد بيع، وليس بوعد، بقي أن نناقش علاقة الاستصناع ببيع ما ليس عند المرء. وتعود هذه المسألة إلى أن المال المستصنع ليس موجودًا بصفته المطلوبة وقت التعاقد.
فهل يجري على الاستصناع بهذا المعنى ما ورد في حديث حكيم بن حزام ﵁، أنه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي، أبتاع له من السوق، ثم أبيعه؟ قال: "لا تبع ما ليس عندك".
وفي لفظ آخر عن حكيم بن حزام قال: نهاني رسول الله ﷺ أن أبيع ما ليس عندي (١)
والصورة المذكورة في حديث حكيم هي أن يبيع المرء للناس أشياء لا يملكها، ويأخذ الثمن منهم، ثم يذهب إلى السوق ليشتري هذه الأشياء.
ولا يخفى ما في هذه الصورة من المخاطرة والغرر، فقد لا يجد الشيء المراد في السوق ولذلك يقول شمس الدين بن قدامة: (لا يجوز بيع ما لا يملكه ليمضي فيشتريه ويسلمه، رواية واحدة، وهو قول الشافعي، ولا نعلم فيه مخالفًا (٢)
فالنهي عن بيع ما ليس عند الإنسان يرتبط بالغرر والجهالة، وهذا يؤدي إلى المنازعة بين الناس، وقد نهى النبي ﷺ عن البيوع التي تحقق فيها هذا الغرر، فروى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ ، نهى عن بيع الغرر) .
والغرر ما انطوى عنه أمره، وخفيت عليه عاقبته.
стр. 10746
ومن هذا الوجه النهي عن بيع نتاج النتاج كأن يقول البائع: بعت ولد ولد هذه الناقة، وكذلك بيع الحمل.
وقال الشوكاني: ومن جملة بيع الغرر: بيع السمك في الماء.
فهل صورة عقد الاستصناع لا غرر فيه، لأنه معلوم وموصوف، ومقدور التسليم بحكم العادة، وما تعارف عليه الناس، وتقديرهم لخبرة الصناع، فأسباب الغرر منتفية، والشيء ولو أنه غير موجود وقت العقد إلا أنه مقدور عليه بما وصف به، وبما عرف من إمكانية إنجاز الصانع له؟
ويعالج ابن القيم ﵀ هذه المسألة في بيانه لحكم بيع المعدوم عند العقد فيرى أن بيع المعدوم جائز إذا لم يكن فيه غرر، وعزا هذا الرأي إلى عدم ورود دليل من الكتاب، ولا من السنة، ولا من أحد الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز، لا بعموم لفظ، ولا العموم معنى، وإنما ورد النهي عن بيع الأشياء التي هي معدومة، كما ورد النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة، وإلى أن الشارع أورد نصًّا بجواز بعض المعدوم كبيع الثمر بعد بدو صلاحه مستحق الإبقاء إلى كمال الصلاح.
والخطر هو للغرر لا للعدم فيقول:
(أما المقدمة الثانية وهي أن بيع المعدوم لا يجوز، فالكلام عليها من وجهين:
أحدهما: منع صحة هذه المقدمة إذ ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ ، ولا في كلام أحد الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز لا بلفظ عام، ولا بمعنى عام، وإنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة، كما فيها النهي عن بعض الأشياء الموجودة، فليست العلة في المنع، لا العدم ولا الوجود، بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودًا أو معدومًا، كبيع العبد الآبق، والبعير الشارد، وإن كان موجودًا، إذ موجب البيع تسلم المبيع، فإذا كان البائع عاجزًا عن تسليمه فهو غرر ومخاطرة وقمار، فإنه لا يباع إلا بوكس، فإن أمكن المشتري تسلمه كان قد قمر البائع، وإن لم يمكنه ذلك قمره البائع، وهكذا المعدوم الذي هو غرر، نهي عنه للغرر لا للعدم، كما إذا باعه ما تحمل هذه الأَمَة، أو هذه الشجرة، فالمبيع لا يعرف وجوده ولا قدره، ولا صفته.
وهذا من المَيْسِر الذي حرمه الله ورسوله، ونظير هذا في الإجارة أن يكون دابة لا يقدر على تسليمها سواء كانت موجودة أو معدومة، وكذلك في النكاح إذا زوجه أَمَةً لا يملكها، أو ابنة لم تولد له، وكذلك سائر عقود المعاوضات، بخلاف الوصية فإنها تبرع محض، فلا غرر في تعلقها بالموجود والمعدوم، وما يقدر على تسليمه إليه وما لا يقدر.
ثانيهما: أن نقول: بأن الشرع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع، فإنه أجاز بيع الثمر بعد بدو صلاحه، والحب بعد اشتداده، ومعلوم أن العقد إنما ورد على الموجود، والمعدوم الذي لم يخلق بعد.
والنبي ﷺ نهى عن بيعه قبل بدو صلاحه، وأباحه بعد بدو الصلاح) (١)
стр. 10747
عقد الاستصناع وعقد السلم
لقد تعرفنا على موقف العلماء من عقد الاستصناع في تعريفهم له، وكيف تناوله المالكية والشافعية والحنابلة بإدخال مسائلة في عقد السلم، أو في البيع بالصفة، أو تشبيهه بالسلم.
فما صلة "الاستصناع" "بالسلم"؟
لقد مر بنا ما ذكره ابن رشد ملخصًا موقف المالكية في ربط الاستصناع بالسلم فذكر من مباحث السلم: السلم بالصناعات (١)
وكذلك ما ذكر في الأم (٢) من تقسيم الشافعي للسلم بالصناعات إلى قسمين:
الأول: ما كان من مادة خام واحدة ما عدا المادة المزيتة.
والثاني: ما كان من مادتي خام فأكثر ما عدا المادة المزيتة.
وإذا كان المالكية قد شبهوا الاستصناع بالسلم، والشافعية قد أدخلوه في مباحث السلم، فإن الحنابلة قد ذكروا السلم في الصناعات.
وأما الحنفية فقد رأينا كيف عدوا الاستصناع عقدًا مستقلًّا، وفي تعريفهم له وجدنا ما يميزون به بين العقدين، ففي (اشتراطهم للعمل في الاستصناع تمييز له عن السلم، إذ أن السلم هو بيع آجل بعاجل) (٣) . ففي بيع في الذمة.
وقيل: هو أخذ ثمن عاجل بآجل (٤) ، والاستصناع لا يشترط فيه أخذ الثمن عاجلًا (٥) .
ويميز السرخسي بينهما عندما يذكر أن البيوع أربعة: بيع عين بثمن، وبيع دين في الذمة بثمن، وهو السلم، وبيع عمل، العين فيه تبع، وهو الاستئجار للصناعة ونحوهما، فالمعقود عليه الوصف الذي يحدث في المحل بعمل العامل، والعين هو الصبغ بيع فيه، وبيع عين شرط فيه العمل، وهو الاستصناع، فالمستصنع فيه مبيع عين (٦)
فالسرخسي ميز بين هذه البيوع ولكنه في الوقت نفسه ساوى بين السلم والاستصناع في كونه بيعًا، ولكن له اسم مستقل وشروط خاصة به (٧)
стр. 10748
كما أن المسلم فيه مبيع وهو دين، ورأس المال، وهو الثمن قد يكون عينًا، وقد يكون دينًا، ولكن قبضه شرط قبل افتراق العاقدين بأنفسهما فيصير عينًا.
أما في الاستصناع فلا يشترط فيه القبض عند أكثر الفقهاء، كما أن السلم لا يشترط أن يكون المسلم فيه مصنوعًا، بل في الغالب يكون طعامًا، أو حيوانًا، أو غير ذلك، ولا يشترط فيه الصنع.
أما الاستصناع فيشترط فيه الصنع، والشرط يقع على عمل في المتسقبل لا في الماضي (١) .
وإذا تتبعنا ما ذكر لدى فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة وجدنا الحديث عن الاستصناع بما عرفناه به، وبما عرفه به الحنفية يأخذ مصطلح السلم.
فلو أعطى للصانع الذي يصنع الآجر، أو الجيار ثمن شيء معلوم، وأخذ منه حالًّا، أو إلى أجل قريب أو بعيد لجاز ذلك على أنه سلم (٢)
واستصناع السيف، أو السرج، أو الثوب، أو الباب، ونحو ذلك من حداد أو سروجي، أو حائك، أو نجار على صنعة معلومة، وبثمن معلوم جائز. وهو سلم يشترط فيه شروطه المعروفة (٣)
وهكذا نجد ما يذكر في عقد الاستصناع قد أخذ مصطلح السلم لدى المالكية.
ويضيف الإمام الشافعي ﵀، ومن تبعه من الشافعية في الحديث عن السلم بالصناعات ما يفيد اشتراط الضبط في المبيع، حتى لا يكون فيه غرر.
فيجوز السلم في كل مال يجوز بيعه، وتضبط صفاته (٤)
ومثل الشيرازي في المهذب بأشياء تدل على أنها لا تباع إلا بعد صنعها كالفخار، كما جوز التعامل بالورق المصنوع، لأنه معلوم القدر، ومعلوم الصفة، كما يجوز فيما صبغ غزله ثم نسج لأنه بمنزلة صبغ الأصل (٥)
ويقول الشيرازي: واختلف أصحابنا في الثوب المعمول من غزلين، فمنهم من قال: لا يجوز، لأنهما جنسان مقصودان، لا يتميز أحدهما عن الآخر فأشبه الغالية.
ومنهم من قال: يجوز، لأنهما جنسان يعرف قدر كل واحد منهما.
стр. 10749
ويقول النووي: يجوز السلم في الكاغد عددًا، ويبين نوعه وطوله (١) ، وفي تحقيق الضبط والدقة يذكر النووي ما يكون من جواز السلم فيما يصب منها في القالب لعدم اختلافه.
وما يكون - كذلك - في صنع الثياب بذكر جنس الخيط كأن يكون من إبريسم، أو قطن، أو كتان، والنوع، والبلد الذي ينسج فيه، إن اختلف به الفرض، كما يجوز السلم في القمص والسراويلات إذا ضبطت طولًا وعرضًا، وسعة وضيقًا.
وتمتد الدقة في ذكر ما يضبط المصنوعات لتأخذ حكم الجواز لنجد اتساع ذكر المصنوعات التي وجدت في عصرنا فيذكر الأستاذ المطيعي في تكملته للمجموع، مجموعة من الصناعات الحديثة، وجوز التعامل بها على أساس طلب الصنعة، وأعطاها حكم السلم، كالثلاجة، والغسالة، والمذياع، والمحركات بأنواعها (٢)
وما وجه إليه الشافعية من مراعاة الضبط الذي لا يكون معه غرر قد وجد سبيله في الصناعات المعاصرة بذكر مواصفات كل سلعة، وخصائصها، ويبقى مراعاة الأمانة وعدم الوقوع في الغش التجاري.
وأما مسألة اختلاط المواد الخام واعتبار الاختلاط نافيًا للضبط، فإن هذا قد ضبطت مقاديره لتقدم الصناعات ومعرفة طرق القياس بحيث يستطيع الإنسان أن يقدر السلعة المصنوعة بنسبها، دون اضطراب في التقدير.
وما قاله صاحب المهذب بأنه لا يجوز السلم فيما يجمع أجناسًا مقصودة لا تتميز كالغالية بسبب أن الغالية تكون عادةً من عدة مواد خام كالكافور والعنبر المخلوط بماء الورد يصبح - الآن - مضبوطًا بمعرفة نسب المكونات، وما يترتب عليها، وعلى ذلك يتغير الحكم لزوال العلة إلى الجواز.
ونجد عند الحنابلة التأكيد على الضبط في السلم بالصناعات كذلك، فهم يجوزون السلم في كل ما يوزن ويكال مما يضبط بالصفة التي تختلف الأثمان باختلافها (٣) ، وكذلك يجوزون بيع المذروع من الثياب والخيوط، والثوب المختلف الغزول كقطن وإبريسم، أو قطن وكتان، "فإنه يجوز بيعها من طلب الصنعة بشرط ضبطها" (٤) . وذلك بأن يقول: السدى: "إبريسم" واللحمة: "كتان" (٥) ، ونحوه.
وبعد ذكر أقوال العلماء في الاستصناع وإلحاقه بمباحث السلم يحسن أن نذكر شيئًا يسيرًا يوضح معناه ودليل مشروعيته حتى يتضح وجه الربط بين "الاستصناع" و "السلم".
стр. 10750
السلم:
قال أهل اللغة: السلف والسلم، وأسلم وسلم، وأسلف وسلف.
وقال الماوردي: إن "السلف" لغة أهل العراق، و "السلم" لغة أهل الحجاز (١)
وقال القرطبي في تفسيره: حد علماؤنا - رحمة الله عليهم - فقالوا: هو بيع معلوم في الذمة، محصور بالصفة، بعين حاضرة، أو ما هو في حكمها، إلى أجل معلوم (٢)
فعن ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة، وهم يسلفون الثمار: السنة والسنتين، فقال: ((من أسلف في ثمر، فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) (٣)
فالسلم من البيوع الجائزة بالاتفاق، مستثنى من نهيه ﵊ عن بيع ما ليس عندك، وأرخص في السلم، لأن السلم لما كان بيع معلوم في الذمة، كان بيع غائب تدعو إليه ضرورة كل واحد من المتابعين؛ فإن صاحب رأس المال محتاج إلى أن يشتري الثمرة، وصاحب الثمرة محتاج إلى ثمنها قبل إبانها لينفقه عليها، فظهر أن بيع السلم من المصالح الحاجية، وقد سماه الفقهاء بيع المحاويج، فلو جاز حالًا بطلت هذه الحكمة وارتفعت هذه المصلحة، ولم يكن لاستثنائه من بيع ما ليس عندك فائدة.
فحكم السلم - إذن - الجواز، ودليل ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب فهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ الآية.
قال ابن عباس: هذه الآية نزلت في السلم خاصة.
وقال ابن قدامة بعد ذكر هذه الآية: وروى سعيد بإسناده عن ابن عباس أنه قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أصله الله في كتابه وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية.
وأما السنة، فقد ذكرنا منها حديث ابن عباس ﵄: "من أسلف...." وهو حديث متفق عليه.
وروى البخاري عن محمد بن أبي المجالد قال: أرسلني أبو بردة وعبد الله بن شداد إلى عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، فسألتهما عن السلف، فقالا: نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ ، فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة، والشعير، والزيت، فقلت: أكان لهم زرع، أم لم يكن لهم زرع؟ قال: ما كنا نسألهم عن ذلك.
وأما الإجماع، فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن السلم جائز، ولأن المثمن في البيع أحد عوض العقد، فجاز أن يثبت في الذمة كالثمن، ولأن بالناس حاجة إليه، لأن أرباب الزرع، والثمار، والتجارات، يحتاجون إلى النفقة على أنفسهم وعليها لتكمل، وقد تعوزهم النفقة، فجوز لهم السلم ليرتفقوا ويرتفق المسلم بالاسترخاص (٤)