← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.

стр. 10781

وقد رأينا فقهاء سابقين عدوا هذه بعد أن قعدوا القاعدة، عدوا كل ما خالف القاعدة هو من قبيل المستثنيات، ولكن ابن القيم الجوزية - رحمة الله عليه - وهو البعيد الغور لما تحدث عن المشاكل قال: (ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس) ، وأنتم أعلم بهذا مني، أراد أن يجعل من هذه العقود عقودا مستقلة بذاتها وليست مستثناة من القواعد العامة وبسطها بما هو معلوم، فأعتقد أن العقود التي تجرى اليوم على هذه الصفة لا يمكن فيها أن تقوم الدولة ولا الأفراد بدفع المال معجلا، ولا يمكن أن تقوم على الالتزام، وأنه يتأكد القول بأن هذه العقود كلها هي عقود جائزة وإلا لوقعت الأمة كلها في خطر، ولا يمكن أن نجيز عقدا وأن ننفي عقدا آخر، ولهذا فالذي يترجح عندي أمران: أنه لا يجب تقديم رأس المال كاملا كالسلم، وأن عقد الاستصناع - أو سمه ما شئت - هو عقد ملزم للطرفين. والله أعلم. عفوا نسيت نقطة: الأمر الذي أريده الانتظام، أن ينتظم فيه الفكر الإسلامي في مباشرة الحياة الجديدة هو أن هذا أيضا هو أصل المشكلة في المستقبليات التي تحدثنا عنها قبل يومين، فإن الذي يأخذ على نفسه أو يلتزم بأن يعطي للدولة كل يوم عشرة أطنان أو مائة طن من الخبز فلا بد من أن يحقق لنفسه المادة الأولية، وهو لذلك لا بد أن يعقد هذا العقد من هذا النوع الذي يلتزم فيه الطرفان دون تقديم رأس المال. وشكرا.

стр. 10782

الدكتور عبد السلام دواود العبادي: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. أرجو أن تسمحوا لي بأن أنقل الحديث إلى نقطة متقدمة في الحوار، واضح أن القول بعقد الاستصناع وفق الفهم الذي رجحه عدد من العلماء، والذي تبنته مجلة الأحكام العدلية على أساس لزوم العقد وعلى أساس ما ذهب إليه الحنفية من عدم اشتراط دفع الثمن - ثمن المستصنع - عند العقد، هذا الفهم هو الذي دفعنا للتفكير في قدرات هذا العقد لحل مشكلات التمويل المعاصرة وبخاصة في البنوك الإسلامية، والذي دفعني لهذا - في الواقع والذي حدثت فيه أخي الدكتور سامي - هو النمو الواسع لعقد بيع المرابحة للآمر بالشراء، واضطرار التطبيق لهذا العقد إلى أن يذهب في تطبيقه إلى آفاق - في الواقع - لها محاذيرها الشرعية، ذلك أن الذي رجحه المجمع - كما تذكرون في دورة الكويت - هو ضرورة أن يكون هنالك تسليم للأعيان التي يجري شراؤها وفق عقد المرابحة، هذا الأمر إذا طبق في كثير من أنواع السلع التي تصنع لا يمكن في الواقع أن يحدث تسلم من البنك أو من الجهة الممولة لهذه المواد لأنها لا تسلم إلا في حوزة الآمر بالشراء، ولا يعتبر التسليم عرفا ولا قانونا إلا بأن يجري التسليم في حوزة الآمر بالشراء، فكيف يمكن عند ذلك تصور أن يكون هنالك تسليم أو تسلم من الجهة الممولة؟ في التطبيق: البنوك الإسلامية ما عادت تراعي هذا كثيرا، وأغفلت موضوع التسليم وأصبح هناك تطبيقات تفصيلية ليس هنا مجال الحديث عنها قائمة على التساهل في هذا الأمر. هذا من جانب.

стр. 10783

من جانب آخر لاحظنا أنه في عقود بيوع المرابحة، هذه العقود لا تقوم بدفع أو تمويل عمليات أجور البناء، يعني شخص يريد أن يبني بيتا: هذا الشخص إذا أراد أن يبني بيتا عن طريق البنك الإسلامي هو يشتري فقط المواد، أما ما يدفعه من أجور مصانعة وبناء وغير ذلك لا يمكن أن يمول عن طريق بيع المرابحة، وإذا دفع سيكون عبارة عن محض قرض ربوي، هذا في الواقع الذي دفعنا إلى التفكير في قدرات عقد الاستصناع فوجدنا أن العملية يمكن أن تتم من الناحية الشرعية وعلى أساس ترجيح ما ذهب إليه الحنفية، وبالذات رأي أبي يوسف، وما تبنته مجلة الأحكام العدلية، على أساس أن يقوم هناك عقد بين الراغب في المادة المصنوعة أيا كانت ذلك، حجرا أو أثاثا أو مواد بناء إلى غير ذلك، أن يعقد عقدا مع البنك، الإسلامي على أن يتولى البنك أو الجهة التمويلية تقديم هذه المادة المصنوعة وفق ما يتفقان عليه من شروط، وغالبا ما تكون هذه الشروط فيها تأجيل للثمن، ثم بعد ذلك يذهب البنك الإسلامي أو الجهة الممولة الإسلامية إلى صانع مختص في هذا العمل، فيتفقا معه بعقد آخر لا علاقة له بالعقد الأول بتنفيذ هذه الصنعة، والعلاقة الحقوقية والالتزامات المترتبة بين المستصنع في العقد الأول والجهة التمويلية - البنك - والصانع في العقد الثاني والجهة التمويلية - البنك - منفصلتان تماما ولا علاقة بينهما، وبالتالي كل عقد يعامل من حيث ما يتعلق به من خلافات في ظله وضمن شروطه ومواصفاته، وفق هذا الفهم تم استحداث نوعين من العقود: عقد بين المستصنع والجهة الممولة (البنك) ، وعقد آخر بين الصانع وبين الجهة الممولة، وسرنا في هذا التطبيق على أساس هذا الفهم وهو الذي قدمته في ورقة العمل التي بين أيديكم، وأرفقت بها صورا لبعض العقود في هذا المجال لعل في ذلك تنويرا حول ما نقوم به، هذا فيه شيء قريب، وقد لجأ أحد البنوك الإسلامية إلى شيء قريب من ذلك كما هو في قطر، وكما أشار الشيخ السالوس في ورقته، في ظني الاستفادة من هذا العقد في المجال التمويلي - نحن مسلمون في مجال الصناعة أن قدرات هذا العقد فذة ويلبي الحاجات التي تحتاجها الأمة كما شرح أستاذنا السلامي - أما في مجال التمويل فهذا العنصر الجديد الذي دخل في فوائد هذا العقد، والذي يمكن أن يكون في الواقع من أدوات التمويل الرئيسية في البنوك الإسلامية، وشكرا.

стр. 10784

الشيخ عبد الله محمد عبد الله: بسم الله الرحمن الرحيم. هو في الواقع أن عقد الاستصناع عقد له أهميته خاصة في هذا العصر الذي تطور فيه كل شيء، وأصبحت الصناعة هي عموده الفقري، ويعجبني كلمة لأبي الحسن الماوردي قالها في عصره - ولا أعتقد أن الصناعة في ذلك العصر وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم أو كانت لها أهمية كما لها الآن، أنقل كلمة من سطر ونصف فقط للبيان والتوضيح - قسم المكاسب إلى أربعة أوجه: نماء زراعة، ونتاج حيوان، وربح تجارة، وكسب صناعة والمهم هو تركيزه على قوله كسب الصناعة، قال: (القول في الصناعة وأنها وثيقة الصلة بالأسباب الثلاثة وأنها تنقسم إلى ثلاثة أقسام: صناعة فكر، وصناعة عمل، وصناعة مشتركة بين فكر وعمل، وتكلم عن العمل الصناعي بأنه أعلاها رتبة لأنه يحتاج إلى معاطاة في تعلمه ومعاناة في تصوره) . هذه الكلمة في الواقع تبين لنا أهمية عقد الاستصناع في هذا العصر، لأن الصناعات تطورت، وتنوعت، وأصبحت مهمة، حتى إن مجلة الأحكام العدلية وهي قد مضى عليها تقريبا أكثر من مائة سنة، شعرت بأهمية هذا العقد وبينت فيه - الجماعة الذين وضعوا المجلة - بينوا أهمية هذا العقد ونصوا في المذكرة التي رفعوها إلى الجهات المعنية على أهمية عقد الاستصناع، ولهذا يعتبر الفقه الحنفي في الواقع كما يعبر عنه علماء القانون في العصر الحديث عندما وضعوا أبوابا منفصلة عن عقد الإجارة تعالج عقد الاستصناع تحت عبارة عقد المقاولات، فأبرزوا أهمية عقد المقاولة ومدى استجابتها، لظروف العصر، واهتموا أيضا بتنويع التقنيات الوضعية في مسألة معالجة عقد الاستصناع في ناحيتين: في العقود المدينة تحت اسم عقد المقاولة، واهتموا أيضا في القوانين البحرية بالنص على المقاولة في بناء السفن، وتظهر أهمية هذا إذا قلنا بلزوم العقد، فالحنفية: في الواقع أنا نقلت لهم من كتاب غنية ذوي الأحكام في حاشية درر الأحكام لملاخسرو، قال الشرنبلالي في حاشيته على درر الحكام والمسمى غنية ذوي الأحكام في حاشية درر الحكام تعليقا على قوله: وله - أي للآمر - الخيار أي دون الصانع وهو الأصح،وعن أبي حنيفة: أن الصانع له الخيار، وعن أبي يوسف: لا خيار لواحد منهما، وذكر شراح المجلة عندما نقلوا هذا النص في مادة المجلة على أن هناك اختلافا في روايات المذهب الحنفي، فمنهم من ينقل عن أبي يوسف: أن اللزوم لا يكون إلا في وقت لاحق، ومنهم من يقول: إن العقد يكون لازما من بداية العقد، وهذا الذي أخذت به المجلة في لزوم عقد الاستصناع. أما بقية المذاهب الأخرى فهي في الواقع لم تهمل عقد الاستصناع، بالعكس إنما عالجته بأسلوب آخر، فالإمام الشافعي نص على أن الطالب يستطيع أن يشتري المادة ويطلب صنعها، عند الحنابلة أيضا في اشتمال عقد البيع على شرط كأن يشتري قماشا ويطلب خياطته، كذلك في المذهب المالكي نصوا في عدة أماكن على ما يحقق عقد الاستصناع، ومنهم اجتماع عقدين كعقد البيع وعقد الجعالة، وضربوا مثلا لذلك بالطبيب - مثلا - لو تقاول مع الطبيب على أن يعالج هذا المريض على أن يكون الدواء منه، فالمذاهب الأخرى لم تهمل جانب عقد الاستصناع بل عالجوه بوسيلة أخرى غير الوسيلة التي عالج بها المذهب الحنفي والذي كان موفقا جدًّا في جعله عقدا مستقلًّا له أحكامه وشرائطه، وشكرا.

стр. 10785

الشيخ عبد القادر العماري: بسم الله الرحمن الرحيم. أشكر الإخوة العلماء، الذين قدموا بحوثا ضافية مما يدل على علمهم الغزير، وأنا أؤيد ما قاله الشيخ المختار من أننا في عصر يجب أن يكون هناك اجتهاد جديد في العقود التي نحتاج إليها في هذا العصر، وشيخ الإسلام ابن تيمية سبق أن ضاق ذرعا بتعقيدات الفقهاء، وهم - رضوان الله عليهم - اجتهدوا على حسب بيئاتهم وعلى حسب ظروفهم، شيخ الإسلام قال: هذه التعقيدات التي تشترط في البيع لا أصل لها من كتاب ولا سنة ولا أثر عن الصحابة ولا قياس ولا عليها عمل المسلمين قديما ولا حديثا ولا مصلحة فيها ولهذا من عامل الناس بما استثقلوه ونفروا منه فاعلم أنه من المنكر لا من المعروف، مثل اشتراط الصيغ في العقود، وتسمية مقدار الثمن وغير ذلك، واشتراط رؤية المبيع ووجوده، بل إذا وصف به المقصود كفى، وقال تلميذه ابن القيم في عقد الاستصناع: الذين حرموه بعضهم استندوا إلى أنه من بيع المعدوم، يقول ابن القيم: ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ﷺ لا بلفظ عام ولا خاص ولا في كلام أحد الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز، وإنما في السنة النهي عن بعض الأشياء التي هي معدومة كما فيها النهي عن بعض الأشياء الموجودة. فليست العلة في المنع العدم ولا الوجود بل الذي ورد في السنة النهي عن بيع الغرر، وهو الذي لا يقدر على تسليمه سواء كان موجودا أو معدومًا. مما يرتبط بذلك: في الصباح سمعت في بعض الأحاديث أنه لا يجوز دفع الأجرة مقابل الكفالة، وقال الشيخ - حفظه الله - في بحثه: إن الدليل على ذلك أنه عقد التبرعات لا يجوز فيها الأجر، ومثله وقاسه على القرض، ورد على القائلين بأن الناس في حاجة إلى ذلك في هذا العصر، بأن هذا دليل غير صحيح، والواقع أن الدليل يجب أن يورده هو، لا اللذين يقولون بأنه يجوز في هذا العصر الذي تغيرت فيه الظروف وتغيرت فيه الأحوال أن نجعل للكفالة أجرا، نحن نرى الناس - مثلا - يتورطون في حوادث، ولا يجدون من يكفل عنهم إلَّا بأجر، وهذا شيء معروف، فإذا ذهبت إلى أي بلد أنت لا تستطيع أن تلزم الناس أن يتبرعوا، وأن تكون عندهم الشهامة والمروءة كما كانت سابقا، لا بد أن تتغير الأحوال، ولا بد أن نتمشى مع تغير الأحوال، ونتقيد بما في الكتاب والسنة ولا نتقيد بأقوال فقيه، وسمعت أيضا في الصباح البحث عن موضوع (ضع وتعجل) ، وأنا أناشد الإخوة ألَّا يتعجلوا في التحريم، لأن هناك في هذا الموضوع جوانب إنسانية، أحيانا نلمسها نحن في القضاء، فإذا تورط الرجل في ديون كثيرة، إذا كانت حالة فما هناك مشكلة، ولكن هناك ديون، بيت بناه ليسكنه وله أسرة ويأتي من يريد أن يساعد هذا الرجل المتورط الذي ارتكبته الديون، يريد أن يساعده أو جهة تريد أن تساعده بمبلغ، وتتصل بالدائنين تقول لهم: ضعوا من هذا المال ونعجل لكم بعض مالكم في مقابل التنازل، فهذه الأمور يجب أن نبحثها على روية وأن نتقيد بالكتاب والسنة، وأن نجعل هناك حدودا للجوانب الإنسانية والجوانب التي فيها الربا، مثلا لا ندع أن يستغلها المرابون في البنوك الربوية، أهل البنوك الربوية لا يسألون عن تحليل أو تحريم، ولكن نرشد المسلمين الذين هم أهل التقى وليس المسلمون كلهم سواء، لكن هناك من سيتقيد بقراراتكم هذه، نرشدهم ونعرفهم ما يجب عليهم في الأمور الإنسانية، وما يحرم عليهم في الأمور غير الإنسانية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 10786

حجة الإسلام محمد علي التسخيري: بسم الله الرحمن الرحيم. بكل اختصار يبدو أن عقد الاستصناع هذا يختلف عن العقود الأخرى التي نسب إليها من خلال عدم تمتعه بخصائص هذه العقود، فلا هو سلم خصوصًا عند عدم تعيين الأجل وعند تأخير الثمن، ولا هو إجارة لأنه فيه عمل ومواد، وعلى أي حال هو عقد يختلف عنها، المهم عندي أن نعرف دليل مشروعية هذا العقد، هذا هو المهم عندي وإن كانت أقوال الفقهاء كلهم – رحمة الله عليهم – تفسح الطريق أمام معرفة الدليل لأي موضوع – دليل الحكم -. أهم ما يذكر من أدلة لهذا العقد هو ما أسماه السادة الحنفية بالإجماع العملي، وما نسميه نحن في اصطلاحاتنا الحوزوية عندنا بسيرة المتشرعة أو عرف المتشرعة، هذا العرف – وليس العرف مصدر الأحكام – إنما يكشف عن السنة من باب التقرير أو الإقرار إذا توفر فيه شرطان: الشرط الأول: هو أن يمتد إلى عصر الرسول ﵊ امتدادًا قطعيًّا بحيث نقطع بأنه كان سائدًا في ذلك العصر. الشرط الثاني: ألا يصدر نهي خاص به أو عام ينفيه. فمع وجود هذا العرف ومع عدم صدور النهي منه ﵊ نستفيد التقرير والإقرار لمثل هذا العقد المشروع، هذا العقد أو هذان الشرطان أعتقد أنهما متوفران، فامتداد هذه السيرة أو هذا العرف يكاد يكون واضحًا إلى ذلك العصر بل إلى عصور قبله، والأمر الثاني صدور النهي لم يثبت على الأقل، يعني لم يصدر نهي خاص عنه بالخصوص، وما يتصور من وجود نهي عام هو " لا تبع ما ليس عندك " إذا سددنا كل جوانب الاستدلال بهذا " لا تبع ما ليس عندك " أو النهي عن بيع المعدوم، فيه احتمالات ذكرتها في هذا الصباح، منها أنه نهي عن بيع عين شخصية مملوكة لآخر، أو نهي عن بيع شيء لا يضمن تسليمه وما إلى ذلك. لا نستطيع أن نعتبر هذا نهيًا عامًّا عن هذه السيرة وحينئذ فالسيرة ممتدة ولا نهي عنها وحينئذ نعتبر العقد مشروعًا، بل حتى لو لم تكن هذه السيرة فإن هذا العقد عقد عرفي، وهو مشمول لقاعدة " أوفوا بالعقود " وحينئذ فالذي أعتقده أننا لو سلكنا هذا الطريق – طبعًا الاستحسان مع وجود مثل هذا الدليل لا معنى له – لو سلكنا هذا الطريق فإن العقد يصبح مشروعًا، وبطبيعة الحال فإن المتعارف هو العقد اللازم هو اللزوم في هذه العقود، المتعارف ذلك، وهذا العرف - كما قلت - يمتد إلَّا أن ينكر أحد ذلك وله الحق إذا رأى ذلك، الذي أراه أنه يمتد ويمتد كعقد لازم، فما ذكرته المجلة يبدو هو المنسجم مع هذا الاستدلال، وأشير إلى ما أشار إليه الأخ الأستاذ الدكتور سامي: الاستصناع الموازي بتقبيله للآخرين، هذا أمر أرى فيه إشكالًا بعد أن ورد نهي عن تقبيل الإجارة بإجارة أقل منها، وتقبيل المضاربة بمضاربة أقل منها، وحينئذ لي فيه إشكال. أما ما ذكره الدكتور سامي من أنه هناك عقود لتوريد البترول، فلا أعتقد أن مسألة البترول – وهو أمر يورد ولا يتم عليه عمل – لا أعتقد أنه مشمول لهذا العقد إلا أن نتوسع في هذا العرف فنقول: العرف الممتد يشمل حتى مجالات عدم التصنيع، تهيئة المواد التجارية من أماكن بعيدة. إذا توسعنا فحينئذ يمكننا أن نقول ونصحح عقد التوريد وعقد مسألة البترول وأمثال ذلك. وشكرًا.

стр. 10787

الدكتور رفيق يونس المصري: بسم الله الرحمن الرحيم. الحقيقة أن المفروض في بحوث بيع الاستصناع كما فهمت أنا من طرح إدارة المجمع، وكما يفترض أن يفهمهما الإخوة الباحثون، هو أن لا نعيد ما سبق معرفته – يعني – في الكتب الفقهية أو في مظانها من الكتب الفقهية، أو في الكتب المفردة لهذا الموضوع، إنما المقصود هو أن نطرح الأشياء الجديدة، وأنا في الحقيقة عندي اقتراح محدد، أرجو أن أطرحه على مسامعكم، وأن يكون موضع نقاش عطفًا على ما كنت ذكرته في السابق، في مداخلة سابقة. الموضوع على وجه التحديد: أننا نحن نعلم من خلال الشريعة الإسلامية أن تأجيل أحد البدلين في البيوع جائز بلا خلاف، ولكن السؤال المطروح هنا والذي قد نحتاج إليه فيما يسمى بعقود التوريد التي عمت بها البلوى في عالمنا المعاصر، السؤال هو: هل يجوز تأجيل البدلين معًا في البيع؟ أنا أتساءل هنا: لماذا لا يجوز تأجيل البدلين في البيع إلى أجل واحد مثلًا؟ لا يقال إن في هذا ربا نساء لأن تبادل الثمن والمبيع لا يفصل بينهما أي زمن، وينطبق عليه أنه تم يدًا بيد من حيث التقابض، وإن لم يقع هذا التقابض عقب العقد مباشرة، ثم إن هذا البيع ليس فيه في الواقع ربا نساء ولا ربا فضل، لأنه ذهبٌ بقمحٍ، أو فضة بتمر، وبذلك يمكن أن نتساءل: لماذا لا يجوز تأجيل البدلين إلى أجلين مختلفين أيضًا؟ فإن كان أجل الثمن أبعد كان البيع نسيئة، وإن كان أجل المبيع أبعد كان سلمًا، قد يقال هنا إن في هذه الصورة غررًا من حيث تأجيل البدلين، وقد قال بذلك بعض من كتب في هذا الموضوع منهم أخي وجاري الدكتور نزيه – وهو غائب الآن – في بحثه الذي كان قد نشره له المركز بعنوان " بيع الكالئ بالكالئ " قد يقال إذن إن فيه غررًا من حيث تأجيل البدلين، ولكن هذا في نظري – والله أعلم – غير صحيح وهاكم البيان.

стр. 10788

إن البيع إذا تم فيه التقابض في المجلس فلا غرر فيه على الإطلاق، وهو من أبعد البيوع عن الغرر وشبهته، قال الإمام الشافعي في " الأم ": الأعجل أخرجُ من معنى الغرر وإذا تم فيه قبض أحد البدلين فقد حضره الغرر لأن أحدهم – ولنفرضه المشتري، أحد المتعاقدين، هب أنه المشتري هنا – يقبض المبيع، ويؤجل تسديد الثمن إلى أجل معين أو إلى آجال متعددة على نجوم " أقساط " وقد يحدث تغير في الثمن بيع السلعة خلال مدة الدين، فإن زاد الثمن تضايق البائع، وإن نقص الثمن تضايق المشتري، وهذا يحدث أيضًا في بيع السلم، أما لو تعاقدا على تقابض مؤجل فكذلك قد يقع تغير في الأسعار، فيكون له نفس الأثر على كل منهما، أنا أريد أن أبين أن في تأجيل أحد البدلين غررًا، لكن الفارق بين البيع المؤجل – البدل الواحد – البيع الذي يتأجل فيه بدل واحد، والبيع الذي يتأجل فيه البدلان معًا أن أحدهما في البيع الأول – أي أحد المتعاقدين في البيع الأول – يكون قد تمتع بالبدل المعجل، تمتع البائع بالثمن في بيع السلم، وتمتع المشتري بالمبيع في بيعه النسيئة، وهذا التعجيل له أثر على ثمن التعاقد، لكن الغرر على كل حال لا يختلف بين البيع الأول والبيع الثاني ويستويان معًا – أي المتعاقدان – في تحمل المخاطرة كما يتحملها الشركاء في الشركة، فإن بقيت الأسعار ثابتة فلا مشكلة في الواقع، وإن هبطت تأثر المشتري، وإن ارتفعت تأثر البائع لأنه يكون قد باع بثمن رخيص، وعلى هذا فلا فرق في الغرر بين بدل واحد يتأجل أو بدلين يتأجلان – كما يذكر بعض الباحثين – ولا سيما إذا كان للتعجيل والتأجيل أثر في تحديد ثمن البيع، فأين الغرر المتعاظم الذي ادعاه بعض الفقهاء إذا تأجل البدلان؟ لعلهم نظروا إلى بدل وبدلين مع أن النظر يجب أن يكون للمتعاقدين لا للبدلين، والمتعاقدان هما أنفسهما لم يتغيرا في كلا البيعين، وهذا البيع المؤجل الذي يتأجل فيه البدلان قد تدعو الحاجة إليه كما تدعو الحاجة للسلم وكما تدعو الحاجة إلى بيع النسيئة، فقد يرغب أحدهم في التعاقد على سلعة أو خدمة يتسلمها في أجل معين لحاجته إليها في هذا الأجل، ولا يريد المشتري تعجيل الثمن كله للبائع كما في السلم، لأنه قد لا يملك الثمن كله الآن، أو يرغب في أن يبادل البائع قسطًا بقسط أي قسطًا من المبيع بقسط من الثمن، وقد لا يكون البائع محتاجًا إلى المال من المشتري بالذات وهذا كعقد الاستصناع وعقود التوريد والمقاولة أما باقي الأمور فهي معروفة لديكم. وشكرًا.

стр. 10789

الأستاذ عبد اللطيف جناحي: بسم الله الرحمن الرحيم. أبدأ مداخلتي أولًا بالشكر ثم أمنية ثم أدخل في صلب المشروع. أما الشكر فموجه من بنك البحرين الإسلامي والبنوك الإسلامية لرئاسة هذا المجمع ولأمينه العام ولهذا الجمع الطيب من علمائنا الأفاضل على ما يقدمونه من خدمات جليلة للمصارف الإسلامية يتعلق بأعمالهم اليومية، فهذه المواضيع التي تبحث إنما هي من احتياجاتنا يومًا بيوم، وأرى أنه من واجب العرفان أن تقوم هذه المصارف بتقديم الدعم بشتى أنواعه لهذا المجمع حتى يستطيع أن يقوم بدوره بدون معوقات. أما الأمنية فهي أن هذه الأبحاث القيمة المتعلقة بأعمالنا تترجم لدينا في المصارف إلى عقود، وخشية أن يستنبط أولئك الذين يضعون العقود نواحي معينة من هذه الأبحاث تخرجها عن أصلها، فإنني أتمنى على هذا المجمع أن يضع عقودًا نمطية تستنير بها البنوك الإسلامية فتتم بذلك وحدة العمل، وقد يكون من المناسب أن تعقد ندوة خاصة تناقش فيها هذه البحوث بوجود علماء هذا المجمع وبوجود المصارف الإسلامية، وبذلك تتم وحدة العمل وتعم الفائدة. أدخل الآن في صلب موضوعنا، موضوع عقد الاستصناع: لم يعد هذا الموضوع متعلقًا اليوم بباب يصنع أو مجموعة أبواب أو مجموعة معدات صغيرة إنما هي تتعلق بالذات بمصانع ضخمة مبالغها تتجاوز الملايين إن لم نقل حتى البلايين، مصانع تكرير، ومولدات كهرباء ضخمة، هذه المصانع وهذه المعدات لا يمكن أن نعرف صلاحيتها إلا بعد أن تنتج، هل إنتاجها موافق لما هو مطلوب أم لا؟ فكيف يجوز لي أن أدفع أو كيف يساغ أن أدفع الثمن كاملًا ثم عندما يفحص الفنيون ناتج هذا المصنع يرون أن هذا الناتج لا يتناسب مع ما طلبت فيذهب مالي هدرًا؟ وهذه المبالغ التي تدفع إن دفعت مقدمًا قد تؤذي ليس بنكًا واحدًا إنما عدة بنوك، فلذا أرى أن يسلط الضوء على نقاط مهمة هي كما يلي: أولًا: التزام الطرفين دون حق الخيار – لا يكون هناك خيار – إذا التزما بشروط العقد. ثانيًا: جواز دفع الثمن على دفعات أو تأخير الثمن بعد التسليم والفحص ومعاينة الإنتاج حتى نعرف ما دفعناه في هذا المصنع أنه فعلًا هذا هو المصنع المطلوب. ثالثًا: جواز قبول الكفالة، يقدم البنك فقط كفالة، أنه إذا المصنع صنع هذه الآلة وهذه المعدات وكان الناتج ما عمله هذا المصنع يوافق الشروط والناتج المنتج من هذا المصنع هو المطلوب حق لصاحب المصنع أن يعود على الكفالة. هذه هي المواضيع الثلاثة التي أرى أن تسلط عليها الأنظار لأن المسألة لم تعد مبالغ صغيرة، إنما هي مبالغ ضخمة، وشكرًا.

стр. 10790

الدكتور عويد بن عياد المطرفي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا رسول الله، وبعد. هل العقد " عقد الاستصناع " يتناول في هذا المجمع الموقر باعتباره عقدًا نظريًّا يراد البحث عن حكم له، أو أنه عقد قائم تعم به البلوى في هذا الزمان وفي كل زمان ويبحث عن حكم شرعي يضبطه؟ الواقع أن الاستصناع عقد تعامل به الناس قديمًا وحديثًا، كل بحسب حاجته ووقته، لحاجتهم إليه وتوقف مصالحهم عليه، وكانوا ومازالوا يلزم بعضهم بعضًا بما يتم عليه الاتفاق بين المستصنع والصانع تعيينًا للعين المصنوعة جنسًا وصفة وأجلًا بما يندفع به عندهم إثارة النزاع بين الطرفين الصانع والمستصنع. فهو إذن عندهم بهذا عقد لازم لكل من الطرفين على الوجه الذي عقد عليه في مجلس العقد كما هو الحال بين الصانع والمستصنع كما نراه الآن في المصانع ومن يتعامل معها شراء للمصنوعات. ولو جعل عقد مواعدة واختيار لكل من الطرفين عند مجيء الصانع بالمصنوع لما خاطر الصانع بصنع مواده على الوصف الذي طلبه المستصنع، ولما اطمأن المستصنع أيضا إلى تحقق رغبته في الشيء المصنوع جنسا وصفة وحجما ووزنا بما يراه يحقق له مصلحة هو في أمس الحاجة إليها الآن، فالعين المستصنعة في هذا الزمان لم تعد مجهولة ولا هي صغيرة وخفيفة ولا هي بسيطة بل هي عين موصوفة قد يكون لها مثيل في السوق وقد لا يكون، ولكنها في الحالين عين معينة الذات والصفات والأحجام والأوزان بل والألوان في هذا الزمان، والقول بعدم دخول الأجل في الاستصناع بما يزيد على شهر يفوت على الطرفين مصالح ومنافع ضرورية كل منهما في أمس الحاجة إليها. فالصناعات اليوم لم تعد خفيفة كما كانت قديما لا تحتاج إلى وقت بل تطورت وتعقدت وأصبحت الأشهر لا تعد أجلا كبيرًا في إنجاز شيء منها، وعدم اشتراط الأجل على الصانع قد يفوت على المستصنع مصالح هامة وضرورية له، ويسبب له أضرارًا مادية أو اجتماعية أو وطنية كما لو كانت الأشياء المطلوب استصناعها معدات عسكرية تحتاجها البلد للدفاع بها عن نفسها. إذن والحال على ما ذكر فإني أرى أن لا بد من اشتراط الأجل على الصانع ولو لأكثر من شهر، ولا بد أيضا من إلزام المستصنع بأخذ ما صنع له أي ما صنعه الصانع له مطابقا للشروط التي تم الاتفاق عليها بينهما حكما وتدينا وقضاء منعا للإضرار بكل من الصانع والمستصنع رعاية لمصالح الطرفين. والله أعلم.

стр. 10791

الشيخ أحمد بزيع الياسين: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. في الحقيقة الحاجة لمثل هذا العقد لازمة لإقامة الصناعة المتحركة والثابتة، وفي نظري أنه يجب أن يكون عقدًا مستقلًّا وملزما وهو وسيلة من الوسائل التمويلية المتعلقة في التنمية المستحدثة المهمة والتى يحتاجها الناس والدول على حد سواء، وبالنسبة إلى دفع القيمة، أرى بأن يكون دفع القيمة حسب اتفاق الطرفين يُدفع جزء من القيمة مقدما وباقي القيمة حسب الاتفاق مقسطا ومنجما لمراعاة مصلحة الطرفين المتعاقدين. وفي الحقيقة هذا العقد أراه أنا أنه خال من الربا وخال من الجهالة والممنوعات الشرعية فلذلك لا أرى مانعا من أن تمارسه المصارف الإسلامية. وعلى هذا الأساس مورس هذا العقد لأن المصانع هي تملك التمكين لصناعة العين التي يريد المستصنع شراءها. تملك الخبرة اللازمة وتملك المواد الأساسية وتملك القدرة على التنفيذ. هذا ما وددت أن أشرحه للسادة العلماء ليروا رأيهم في هذا. وشكرًا.

стр. 10792

الشيخ عبد الله المحفوظ بن بيه: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أريد أن أتحدث عن أربعة من النقاط في صورة موجزة: النقطة الأولى هي طريقة التعامل مع القضايا المستحدثة: بعض الناس يلح ويقول لا بد أن نحدث اجتهادا جديدًا وأن نخرج عن الاجتهاد القديم، وأنا أدعي أنه لا حاجة إلى ذلك، في الحقيقة أن من يريد أن يتعامل مع قضية محدثة عليه أولًا أن يراجع النصوص، هل يوجد نص في هذه المسألة أو لا يوجد؟ بعد ذلك هل يوجد ظاهر أو لا يوجد ظاهر؟ بعد ذلك هل يوجد ظاهر أو لا يوجد ظاهر؟ بعد ذلك هل يوجد عموم أو لا يوجد عموم؟ بعد ذلك هل توجد دلالة اقتضاء أو دلالة إشارة أو لا توجد؟ بعد ذلك هل يوجد إجماع أو قياس ليستند إليه بشروط القياس " ثم بعد ذلك يلجأ إلى الأدلة المختلف فيها كالمصالح المرسلة وكالاستحسان. هذه هي الطريقة الصحيحة للتعامل مع قضايا الفقه. من سلك طريقا أخرى فإنه لم يتعامل معها طبقا للمعايير التي وضعها العلماء. وإذا كان الأمر كذلك فأود أن أقول: إن هذه المسألة قد تكون جديدة بالنوع قديمة بالجنس، لأن الأحناف استحسنوا، والمالكية استحسنوا، وكان ينبغي أن يتوقف عند هذا، أن نناقشها من جهة الاستحسان. الاستحسان الذي قال به مالك في هذه المسألة هو من النوع الثاني والثالث من أنواع الاستحسان عند المالكية، النوع الثاني من أنواع الاستحسان عند المالكية هو الاستحسان بالعرف، تخصيص العام بالعرف، العام هنا " لا تبع ما ليس عندك " خصص بالعرف كمسألة الحمام، النوع الثالث من أنواع الاستحسان هو تخصيص العام أيضا أو مخالفة القياس من أجل مصلحة وهذا أيضا يعتبر استحسانا عند المالكية وأشار إليه صاحب مراقي السعود عندما يقول: والأخذ بالذي له رجحان من الأدلة هو استحسان أو هو تصيص بعرف لا يعم ورعي الاستصلاح بعضهم يؤم

стр. 10793

أي أن المالكية يؤمون رعي الاستصلاح بالاستحسان ويرون كذلك تخصيص العام بالعرف. إذن هذا هو موقع الاستحسان كان يجب أن ننظر إليه، معنى ذلك أن المالكية في بيع دائم العمل رأوا أن هذه المسألة مخصصة من العموم من أجل العرف والعمل الذي جرى بذلك وسموه ببيعة أهل المدينة – أهل المدينة كانوا يبيعون هذا البيع – ثم إنهم راعوا المصلحة العامة بمقابل عمومه، وهذا أيضا مما يخصص به العام، هذا مهم جدًّا في التعامل مع النصوص، مع بقاء الأصل وهو منع الدين بالدين. ولهذا لا أوافق من يقول: إن قاعدة " بيع الكالئ بالكالئ " أن نتجاوز هذا وأن نقول يجوز أن يؤجل الثمن والمثمن وأن نجعله مبدأ عاما، هذا لا يمكن أبدًا، المبدأ العام هو المنع، ولكن في قضية معينة ولوجود الحاجة والمصلحة ولوجود العرف يمكن أن نخصص هذه القضية المعينة وهذا مهم جدًّا لأن إلغاء هذه المبادئ لا يمكن، ولكن يمكن التعامل معها من هذه الزاوية. النقطة الثالثة هي الوعد: بعضهم قال إنه من باب الوعد الملزم. يجب أن ننتهي من مسألة الوعد الملزم، هذه المسألة لا أصل لها، وفي المذهب الذي أرادوا الاعتماد عليه في الوعد الملزم في المعاوضات لا يوحد فيه وعد ملزم في المعاوضات أصلًا، إذا كان ملزما فإنه عقد، العقد هو الملزم في المعاوضات وليس الوعد. يجب أن ينتهي المجلس من هذه القضية التي نشأت بسبب جهلهم في الحقيقة، وبسبب عدم فهمهم للمذهب المالكي في هذه المسألة. الوعد الملزم في المذهب المالكي يتعلق بالتبرعات ولا يتعلق بالمعاوضات، إذن إذا كان ملزمًا فلا داعي لتسميته وعدًا فهو عقد ملزم، وإذا لم يكن ملزما فإنه ليس ملزما ولا داعي أيضًا لذكر وعد. النقطة الرابعة: إذا افترضنا أن عقد الاستصناع ليس لازمًا فيمكن أن نعتبر المالكية كالحنفية، هو عندهم عقد جائز غير لازم، وهي عقود كثيرة منها عقد الإجارة إذا حددت أجرة لكل يوم أو لكل شهر دون تحديد فترة الإجارة، وهو عقد جائز غير لازم، ومنها بيع الفضولي يبيع شخص ملك غيره فهو عقد جائز غير لازم، ومنها بيع ما لا يملك، فإن مالكا يقول: أكرهه وإذا وقع فإنه يمضيه ابتداء. فهو من هذه الزاوية معروف ومقبول عند المالكية إذا قلنا بعدم اللزوم عند الأحناف.

стр. 10794

النقطة الخامسة: حديث "ما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن" هو موقوف على ابن مسعود ولا يفوت أبدًا رفعه كما يقول العلائي فأرجو أن يلاحظ ذلك وألَّا نطلق عليه قال النبي ﷺ بهذا الشكل، نلاحظ هذا فقط لقول: إنه موقوف على عبد الله بن مسعود ﵁. النقطة السادسة: الأصل في العقود الصحة واللزوم ولهذا فإذا تردد عقد بين الفساد والصحة أو تردد بين اللزوم والجواز، الجواز هنا ليس معناه الجواز الشرعي وإنما معناه أن يكون العقد جائزًا أي أن كلًّا من الطرفين يجوز له ألا يلتزم بالعقد، هذا هو الجواز في هذا المجال بالذات. هنا كلمة الجواز ليست هي الجواز المستوي الطرفين في الشريعة وإنما هو الجواز أن العقد جائز وأن العقد لازم، لمقابل اللزوم هو أن يكون العقد غير لازم يسمونه جائزًا ويسميه العلماء عقدًا جائزًا، وفي مثل هذا قال ابن عرفة في الإجارة: مشاهرة إذا لم تكن مجيبة إنه عقد جائز. وقال ابن رشد: وليس لازما. فالأصل في العقود الصحة واللزوم. النقطة السابعة: كون العقود صغيرة في القديم – الصغر والكبر هما وصفان طرديان بمعنى أنهما لا يعلل بهما – العقد كان صغيرًا أو كبيرًا المهم فقط أن أركان هذا العقد كانت متوفرة، فإذا كانت متوفرة سواء في بيع الاستصناع عند الأحناف أو في بيع دائم العمل عند المالكية فمعنى ذلك أن العقد كان قديما حتى بالنوع وليس بالجنس معناه أنه كان موجودًا صغيرًا كان أو كبيرًا هذا لا يضر إذا توسع وكبر فإن ذلك لا يضر. إذن هو وصف طردي لا يصلح للتعليل ولا يتوقف عنده. النقطة الثامنة: لا حاجة إلى الخيار عندما نقول إنه يختار، إن لكل منهما الخيار. يوجد خيار العيب وهو ثابت للمستصنع عنده خيار العيب، وخيار العيب يمكن التأكد منه. المصانع الحديثة يمكن التأكد هل هذه السلعة صنعت طبقا للمعايير والمقاييس التي يطلبها المستصنع أو لم تكن هذه السلعة طبقا للمعايير. أعتقد أن خيار العيب دائما ثابت بإمكانه أن يرد السلعة به وهذا ينفي الغرر والضرر والخطر التي يمكن أن يخاف منه. في الخلاصة فإن عقد الاستصناع لا مانع من جوازه عند من يقول بالاستحسان كمالك في أوجه الاستحسان التي ذكرتها وهي التعريفات الثلاثة لمالك، وكأبي حنيفة الذي يقول بالاستحسان بلا حدود تقريبا إذا كان الاستحسان هو ترك القياس والأخذ بما هو أليق بالناس والاستحسان هو ترك اختيار الدعة أو البحث عن الدعة، إذن لا مانع بالنسبة لمن يقول بالاستحسان كالمالكية في هذا الموضوع وكالأحناف فإنه عقد صحيح يمكن أن نقول بلزومه كعقد لا كوعد، وشكرًا.

стр. 10795

الدكتور سعود بن سعد الثبيتي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين، أما بعد. عقد الاستصناع عقد جدير بالبحث والمناقشة والتريث في إصدار حكم فيه، وذلك لأنه وقع فيه خلاف قديمًا وحديثًا، فجمهور الفقهاء – كما تعرفون – يجعلونه جزءًا من أجزاء عقد السلم، أي هو عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد. ومن ناحية اللغة هو طلب الصنعة عند اللغويين، الذين يجعلونه عقدًا مستقلًّا هم الحنفية باستثناء زفر، لنرى تعريفات الحنفية هل يخرجه عن كونه عقدًا على موصوف في الذمة أم أنه يدخله فيه؟ فالحنفية يقولون: إنه عقد على مبيع في الذمة، عند بعضهم كما نقل الكاساني في بدائع الصنائع، ونقل عن بعضهم قوله: عقد على مبيع في الذمة شرط فيه العمل، وعرفته مجلة الأحكام العدلية بأنه: عقد مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئًا، وعرفه من المعاصرين الدكتور الشيخ أحمد فهمي أبو سنة ونقله عنه الدكتور عبد العزيز الخياط بقوله: أن يطلب من الصانع عمل شيء مادته من عنده على وجه خاص. فإذن هذا تعريف الحنفية: لننظر فيه هل يخرجه عن كونه عقدا على موصوف في الذمة وإلا يدخل فيه؟ ثانيا: من الأمور التي ينبغي التنبيه عليها هو التمييز بين العقود التي لها شبه بالاستصناع وعقد الاستصناع فمن المداخلات التي سمعتها منذ ابتداء الجلسة أنه أحيانا يشتبه مع عقود الإجارة؛ وأحيانا يشتبه مع عقود بيع العين، وأحيانا تكون العين موجودة إلا أنها على غير الصفة التي طلبها المستصنع، والعقد يكون على الصفة "الهيئة" بعد أن تستصنع، ثم أحيانا أخرى، صورة رابعة، وهي عقد على شيء مادته غير موجودة في ملك الصانع حين العقد وإنما يملكها فيما بعد وعلى هذا فعقد الإجارة الذي يأتي المستصنع بالمادة من عنده ويعطيها للصانع لا يدخل في موضوع الاستصناع، كما أن العين إذا كانت مصنوعة قبل العقد وموجودة في ملك البائع ليس من عقد الاستصناع، بل هذا من بيوع الأعيان إما المرئية أو الموصوفة في الذمة، والبيع إذا توفر شرطه بالرؤية أو بالوصف الذي يخرجه عن الجهالة فهو صحيح. يبقى عندنا صورتان اثنتان ينبغي أن نركز البحث عليهما.

стр. 10796

الصورة الأولى: أن تكون مادة المستصنع في ملك الصانع حين العقد، مثلا لو استصنع رجل عمارة فإن كانت مواد البناء من الحديد والأسمنت والطوب وغيرها من المواد موجودة في ملك الصانع حين العقد فهذه صورة من صور الاستصناع، ينبغي علينا أن نركز عليها، لكنها ليست الصورة التي تم العقد عليها لأن العقد يتم على الهيئة بعد عملها، على المادة بعد عملها بعمل العامل أو بعمل الصانع. الصورة الثانية المهمة، وهي أكثر تعاملات الناس عليها الآن، أن مادة المستصنع ليست موجودة في ملك الصانع حين العقد، فيتعاقد معه على بناء عمارة من عشرة أدوار أو اثني عشر دورًا، لم يكن في ملك الصانع أو المقاول حين المقاولة لا أسمنت ولا حديد ولا طوب ولكنه يأتي بها بعد ذلك من السوق بعد أن يصرف إليه جزء من الثمن، وكذلك في استصناع المعدات الكبيرة أو الصغيرة من طائرات أو سفن فضائية أو سفن بحرية أو غيرها من المواد التي تستصنع. في الغالب أن المواد لا تكون في ملك الصانع حين العقد. إذن هي متعلقة بذمته. على كل حال: الحنفية هم أقرب المذاهب إلى هذا لكن مذهبهم لا يحل مشكلة الاستصناع التي وصفها موجود في السوق الآن وعليه تعامل الناس، لماذا لا يحله؟ لأنهم – الحنفية – قالوا: إن المستصنع أو مادة الاستصناع عقد على عين بعضهم قال: عين، عندما عرفها قال بأنها عقد على موصوف في الذمة أو مبيع في الذمة، لكن عندما كيفها قال هي عين، والعين تختلف عن المتعلق بالذمة، هذا من ناحية. الناحية الثانية من ناحية الشروط: الحنفية ذكروا أنه إذا دخل الشرط في الاستصناع شرط يبلغ شرط السلم وهو نصف شهر أو شهر على خلاف فيما بينهم، قالوا: إنه يعتبر سلما وتشترط له شروط السلم من دفع رأس المال في مجلس العقد. وعلى هذا لا يحل مذهب الحنفية مشكلة الاستصناع إلا بإدخال تعديلات عليه في تكييفه وأنه ليس بعين ثم في شروطه. الأمر الثالث الذي جعل مذهب الحنفية لا يحل مشكلة الاستصناع هو أنهم قالوا: إن الاستصناع لا يجوز إلا فيما جرى به العرف، ولذلك قالوا إنه لا يجوز الاستصناع بأي حال من الأحوال في الثياب، ومعلوم الآن أن الثياب تستصنع بقدر كبير والتعامل عليها كثير بين أيدي الناس استصناعا مستقبليًّا.

стр. 10797

ويظهر لي – والله أعلم – أن الخلاف الجوهري بين من يجيز الاستصناع ومن لا يجيز الاستصناع في نقطتين اثنتين: النقطة الأولى: في دفع الثمن في مجلس العقد، فإن دفع الثمن في مجلس العقد جاز هذا فيما يظهر لي من نصوص العلماء أنه يجوز باتفاق إذا توفرت شروط الصحة في العقد من نفي الجهالة، لكن إذا لم يدفع الثمن في مجلس العقد فما تكييفه؟ هذا هو الذي ينبغي أن ينصب عليه النقاش حتى نخرج بفائدة في هذا الموضوع الشائك. النقطة الثانية: الذي يظهر لي أنه سبب خلاف بين العلماء قيما وحديثا حينما يقولون: لا يجوز استصناع شيء أو يجوز استصناع شيء هو إمكانية انضباط صفات الشيء، فمن المعلوم أن هناك قاعدة فقهية تقول: " كل ما أمكن ضبطه صح السلم فيه وما لا فلا "، والأمثلة التي يذكرونها يقولون لا يصح استصناع – مثلا – القماقم أو السطول أو الحديد تعلل بأنه لا يمكن انضباطها ولذلك تكون الجهالة فيها وإذا كانت الجهالة فيها لا يصح عقد الاستصناع فيها، لكن الوضع الآن تغير تغيرًا تاما بالنسبة لانضباط الأشياء المستصنعة وأصبح الإنسان يصنع مائة طائرة لا تختلف واحدة عن الأخرى (ملم) واحدًا ناهيك عن السطول أو القماقم أو غيرها من الأشياء المستصنعة التي ذكر الفقهاء قديما أنها لا يصح الاستصناع فيها لجهالتها. فأنا أقترح أن ينصب النقاش في هذا المجلس على هاتين النقطتين. أولا ما دام أن المعقود عليه الذي هو المستصنع متعلق بالذمة، فالثمن هل يلزم دفعه في مجلس العقد أم أنه يجوز أن يكون متعلقا بالذمة أيضا؟ وهذا الموضوع ناقشته في بحثي وبينت جوانب كثيرة واستدللت بأدلة كثيرة منها القديم ومنها التخريجات الحديثة ومنها استصناع النبي ﷺ للخاتم، فالنبي ﷺ استصنع الخاتم كما ثبت في صحيح البخاري ومسلم، واستصنع المنبر كما ثبت في صحيح البخاري، فهل في استصناعه ﷺ ثبت أنه دفع الثمن في مجلس العقد حتى نطبق عليه شروط السلم أم لم يثبت أنه دفع الثمن في مجلس العقد؟ قد يقول قائل آخر أنه قد يكون النبي ﷺ أتى بمادة الذهب من عنده أو بمادة المنبر من عنده من الخشب، لكن هذا يبقى احتمالا لم يثبت بالأدلة الصحيحة أنه أتى بذلك من عنده، فالأدلة محتملة وحاجة الناس الآن تدعو إلى الاستصناع وإلى المحافظة على أموالهم من الشركات الوهمية المعروفة والمزورة التي تنتشر في جميع أنحاء العالم، فلو دفع الثمن في مجلس العقد لسبب ذلك حرجا ومشقة على المستصنع من خوفه على ماله، أو من عمل الصانع للمصنوع على غير المواصفات، ثم بعد ذلك يخضع إلى المرافعات الشرعية والمحاكمات التي تقتضي وقتا طويلا وضياعا وحرجا ومشقة عظيمة، كل هذه الأشياء ذكرتها في بحثي فأرجو أن ينصب النقاش على هاتين النقطتين إن رأيتم، وشكرا.

стр. 10798

القاضي محمد تقي العثماني: بسم الله الرحمن الرحيم. أود أن أنوه بذكر قرار للمجمع قد أصدر في الدورة السادسة بشأن التمويل العقاري، وقد سبق وأن درسنا موضوع الاستصناع في خلال مداولتنا في موضوع التمويل العقاري، وقد قرر المجمع أن التمويل العقاري ينبغي أن يكون على طريق الاستصناع، فقد سبق وأن أقر المجمع مشروعية الاستصناع وأن الاستصناع عقد ملزم، فهاتان الناحيتان لا تحتاجان فيما أرى إلى كثير من النقاش لأنه قد اتخذ فيه قرار، أما طرح هذا الموضوع في هذه الدورة، المقصود منه الدخول في بعض التفاصيل التي تتعلق بعقد الاستصناع ومع شكري وتقديري لجميع الباحثين الذين قدموا بحوثا في هذا الموضوع، فإني لم أر فيها إلا التركيز على ثلاث نقاط، هل يجب دفع الثمن حالا أو يجوز تأجيل الثمن؟ وهل يكون الاستصناع ملزما أو لا يكون ملزما؟ مع أن هذه النقاط كلها قد سبق أن بت فيها من قبل المجمع، والذي كان ينبغي أن ندرسه في هذه الدورة هو تفاصيلها العملية، فمثلا أثار الأستاذ عبد اللطيف جناحي سؤالا: وهو أنه هل يجوز للمستصنع أن يرفض قبول الشيء المصنوع إذا لم يف بالمقصود؟ فالذي أراه أن من يقول بإلزام الاستصناع فإنما يقول بنفي خيار الرؤية أما خيار العيب فبابه مفتوح، فإذا جاء الصانع بشئ صنعه وفيه عيب ولا يفي بالمقصود فحينئذ يمكن الاستبدال، وهناك ناحية أخرى وهي أن الاستصناع حينما يستخدم في العمليات المصرفية فقد تقع هناك عدة عقود متتالية على شيء مصنوع واحد، مثلا يأتي زيد فيستصنع من خالد شيئا وخالد ليس صانعا بنفسه، ولكنه يستصنع نفس ذلك الشيء من عمرو، وعمرو من حامد، فالصانع الأخير هو حامد والمستصنع الأول هو زيد، فهل تجوز هذه العقود البسيطة فيما بين أصل المستصنع وأصل الصانع أو لا تجوز؟. هذه نقطة مهمة لم أر أحدًا من الباحثين تعرض لها وبما أن الوقت الآن على وشك النهاية فأرجو من لجنة الصياغة التي تتكون لدراسة هذا الموضوع أن تأخذ هذه النواحي بعين الاعتبار، وشكرا.

стр. 10799

الرئيس: في الواقع بقي عدد غير قليل من أصحاب الفضيلة الذين طلبوا الحديث ولكن الوقت تجاوز ربع ساعة فقد ترون أن نكتفي بما حصل. بسم الله الرحمن الرحيم. تكاد تلتقي المداولات على جواز عقد الاستصناع، وهذا وإن تم عرضا في قرار التمويل العقاري الذي سبق إصداره من هذا المجمع، ولكنه يراد أن ينص عليه بقرار مستقل بمواصفاته وتكييفه الفقهي، هل هو من باب السلم أو أنه عقد مستقل بنفسه؟ ومدى إلزاميته، ومدى تقديم الثمن إلى غير ذلك من المسائل التي جرى طرحها وتداولها وهي مقيدة لدى المقرر العام لهذه الجلسة. ولهذا قد ترون مناسبا أن تتألف اللجنة من المشايخ: الشيخ وهبة، الشيخ محيي الدين القره داغي، الشيخ سعود الثبيتي، الشيخ علي السالوس، الأستاذ الجناحي، الأستاذ رفيق المصري. هل هذا مناسب؟ وبهذا ترفع الجلسة وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه.

стр. 10800

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم: ٦٧/٣/٧ بشأن عقد الاستصناع إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذو القعدة ١٤١٢هـ الموافق ٩ - ١٤ مايو ١٩٩٢م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: "عقد استصناع". وبعد استماعه للمناقشات التي دارت حوله، ومراعاة لمقاصد الشريعة في مصالح العباد والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، ونظرا لأن عقد الاستصناع له دور كبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامى. قرر: ١– إن عقد الاستصناع - وهو عقد وارد على العمل والعين في الذمة - ملزم للطرفين إذا توفرت فيه الأركان والشروط. ٢– يشترط في عقد الاستصناع ما يلي: (أ) بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة. (ب) أن يحدد فيه الأجل. ٣– يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة. ٤– يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطا جزائيا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة. والله أعلم.

стр. 10801

بيع الوفاء وعقد الرهن إعداد فضيلة الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ - العلاقة بين العقدين.. أوجه التطابق فيما بينهما. - هل يجوز انتفاع الراهن أو المرتهن بالعين المرهونة؟ إن موضوع بيع الوفاء أدرج في جدول أعمال هذه الدورة السابعة للمجمع الفقهي مقسمًا إلى ثلاثة محاور. وقد اخترت أن أكتب أنا في المحور الثاني منها، والذي يتناول نقطتين: ١- العلاقة بين بيع الوفاء وعقد الرهن. ٢- وهل يجوز انتفاع أحد الطرفين بالعين المرهونة؟ وإني أرى أن موضوع بيع الوفاء كله هو محور واحد مترابط يجب أن يكتبه كاتب واحد، ولا يتحمل هذه التجزئة التي تفكك ترابطه. وسيضطر كل كاتب لمحور أن يتعرض لما هو داخل في المحورين الآخرين. وسأحاول في بحثي هذا - قدر الإمكان - أن لا أمس النواحي التي تدخل في المحاور الأخرى، مما سيتناوله سواي، اجتنابًا للتكرار. * * *

стр. 10802

أولًا العلاقة بين العقدين (أ) إن العلاقة بين عقد بيع الوفاء وبين عقد الرهن وثيقة جدًّا إلى درجة أن بيع الوفاء في أول ظهوره وتعامل الناس به في القرن الخامس الهجري في مدينة بلخ كان يسميه بعض الناس رهنًا، وكان فقهاء العصر بعضهم يعتبره رهنًا من كل وجه ويطبق فيه أحكام الرهن كاملة، وبعضهم يعتبره بيعًا فاسدًا بسبب اشتراط شرط مفسد فيه هو أن البائع متى أعاد الثمن إلى المشتري فإن المشتري يلتزم بإعادة المبيع إليه. والواقع أن هذا الشرط هو عماد الخيمة في بيع الوفاء، فلولا هذا الشرط لكان العقد بيعًا من كل وجه، وبهذا الشرط أصبح يشبه الرهن شبهًا قويًّا إلى درجة أن الناس يسمونه رهنًا، فهذا الشرط هو أساس التمييز بينه وبين البيع المطلق الصحيح، وأساس الشبه بينه وبين الرهن، وأساس استقرار رأي فقهاء الحنفية في نهاية المطاف بعد فترة من الاختلاف على أنه عقد جديد، ليس بيعًا صحيحًا من كل وجه، ولا بيعًا فاسدًا من كل وجه، ولا رهنًا من كل وجه، ولكنه عقد فيه شبه بالبيع المطلق الصحيح، وشبه بالبيع الفاسد، وشبه بالرهن، فقرروا إعطاءه حكمًا مركبًا من بعض أحكام كل واحد من هذه العقود الثلاثة: - فأعطى من أحكام البيع المطلق الصحيح أن للمشتري حق الانتفاع به واستغلاله دون حاجة إلى إذن البائع بل حكمًا بمقتضى العقد. - وأعطى من أحكام البيع الفاسد أن لكل من الطرفين أن يفسخه متى شاء ويطلب استرداد ما قد أعطى، ولو قبل الأجل لو كانا اتفقا فيه على أجل للتراد. - وأعطى من أحكام الرهن أنه لا يجوز للمشتري بيعه لأن شرط رده على البائع متى أعاد له الثمن الذي أخذه منه يقطع إمكان تنفيذه إذا كان للمشتري حق التصرف فيه بإخراجه عن ملكه. (١) . - وأعطى من الرهن أيضًا جملة أحكام أساسية سيأتي بيانها.

стр. 10803

وهذا الرأي الذي انتهى إليه فقهاء الحنفية (بعد فترة اختلاف في تكييف هذا العقد) هو الذي سمي بالقول الجامع واستقرت عليه الفتوى في المذهب. [ر: كتابي: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد: ج ٤، عقد البيع فقرة ١٥١، ورد المحتار: ج ٤ في أواخر البيوع] . وبه أخذت مجلة الأحكام العدلية التي صدرت بالإرادة السلطانية السنية، وأصبحت قانونًا مدنيًّا شرعيًّا عامًّا في الدولة العثمانية، ثم في البلاد العربية التي انفصلت عنها نتيجة للحرب العالمية الأولى إلى أن وضع فيها قوانين مدنية حديثة (في سوريا ولبنان والأردن والعراق) ، [ر: المجلة م ١١٨ وشروحها] . مما تقدم تبين أن العلاقة بين بيع الوفاء والرهن هي أقوى العلاقات الثلاث التي بين بيع الوفاء وبين البيع الصحيح والبيع الفاسد والرهن. ويليها في القوة علاقته بالبيع الصحيح من حيث إنه قد استعير منه لبيع الوفاء ملكية المشتري لمنافع المبيع وفاء، وهذه أيضًا ناحية أساسية في تركيبة بيع الوفاء، إذ لولاها لما أقدم أحد على شراء شيء بطريق الوفاء. إذ يكون الثمن عندئذ كقرض حسن من المشتري للبائع لقضاء حاجته، والمبيع في هذه الحالة مجرد رهن في مقابل القرض، فما وجه تسميته بيعًا أو شراء بالوفاء؟ بل هو حينئذ قرض مقابل رهن من كل وجه. فالذي نقل الموضوع في نظرهم من بابي القرض والرهن، إلى باب البيع بشرط التراد إنما هو قصد امتلاك المشتري لمنافع المبيع في الفترة ما بين العقد والاسترداد. وهذه الفترة لا حدود لها فقد تكون أيامًا أو شهورًا أو سنين. ولم يشترطوا لصحة العقد تحديدها، كما لم يشترطوا لصحة القرض مقابل رهن تحديد مدة للوفاء بالقرض. ولذا جعلوا لكل من الطرفين في بيع الوفاء حق فسخ العقد في أي وقت يشاء، ويسترد حينئذ كل منهما ما يخصه: فيسترد المشتري الثمن الذي دفعه، ويسترد البائع المبيع. وهذا هو الحكم الذي استعير له من أحكام البيع الفاسد.

стр. 10804

(ب) التطابق بين بيع الوفاء والرهن من وجوه: قلنا إن الشبه بين بيع الوفاء والرهن هو أقوى المشابه الثلاثة فيه. فهناك تطابق في معظم الأحكام بينهما، ويتجلى هذا التطابق من الوجوه التالية: ١- عدم ملكية المشتري لعين المبيع. فقد بينا قبلًا أنهم إنما أعطوه من أحكام البيع الصحيح ملكية المنافع لا ملكية العين. فالعين باقية على ملك البائع. ٢- عدم جواز تصرف كل من الطرفين البائع والمشتري في عين المبيع بالوفاء تصرف الملاك في أملاكهم من بيع واستهلاك ورهن ونحوه مما يقطع إمكان التراد [ر: المجلة م ٣٩٧ وشرح الباز] . ٣- إذا هلك المبيع بالوفاء عند المشتري قضاء وقدرًا دون تعد منه ولا تقصير كان ضامنًا له ضمان الرهن: فإذا كان الثمن مساويًا لقيمته سقط الثمن كله بهلاك المال المرهون فيه. وإذا كانت قيمة المبيع أكثر سقط الثمن كله بالضمان، ويهلك باقي المبيع على حكم الأمانة فلا يضمنه المشتري. وإذا كان الثمن المدفوع أكثر من قيمة المبيع سقط من الثمن ما يعادل قيمة المبيع، وللمشتري أن يطالب البائع بالقدر الزائد من الثمن. [ر: المجلة م٣٩٩ - ٤٠١] . ٤- للمشتري حق احتباس المبيع لاستيفاء الثمن (كحق المرتهن في حبس المرهون) . وهذا الحق هو حق عيني (متعلق بعين المبيع) فللمشتري فيه امتياز (أولوية التقدم على سائر غرماء البائع في الاستيفاء) إذا أفلس البائع أو مات وتركته مستغرقة بالديون. [ر: المجلة م٤٠٣] . ٥- العقار المبيع لا يؤخذ من مشتريه بالشفعة (كما لا يؤخذ المرهون بها) ، لما تقدم أن المشتري بالوفاء لا يملك رقبة المبيع بل منافعه فقط، فالمبيع باق على ملك البائع. ٦- إذا احتاج العقار المبيع بالوفاء إلى التعمير والترميم لأجل صيانته فنفقة ذلك على البائع. [ر: جامع الفصولين بحاشية الخير الرملي أوائل الفصل الثامن عشر؛ ورد المحتار ودرر الحكام شرح غرر الأحكام آخر كتاب البيوع] . وهذه الأحكام المتطابقة مع الرهن أقرها أصحاب القول الجامع الذي استقرت عليه فتوى المتأخرين من فقهاء الحنفية مستمدة من شبهه بالرهن في جملة مشابهه الثلاثة.

стр. 10805

ثانيًا هل لأحد الطرفين أن ينتفع بالعين المرهونة؟ هكذا ورد التعبير بلفظ (العين المرهونة) في جدول الموضوعات التي ستطرح في هذه الدورة في المحور الثاني من المحاور الثلاثة التي قسم إليها موضوع بيع الوفاء. ويبدو لي أن المقصود بالعين المرهونة هو المبيع في بيع الوفاء وأن التعبير بالعين المرهونة جاء ذهولًا أو تساهلًا ومجاراة لمن يسمون بيع الوفاء رهنًا. وعلى هذا الفهم سأبني كلامي الآتي فأقول: ١- أما بالنسبة إلى البائع فإنه بمجرد إبرام البيع بالوفاء مع المشتري يكون قد تخلى عن منافع المبيع إلى المشتري وانتقلت إلى هذا الثاني ملكية جميع وجوه الانتفاع بالمبيع استعمالًا واستغلالًا دون الاستهلاك الكلي أو الجزئي، لأن المبيع بصدد الإعادة إلى البائع حين إعادة الثمن إلى المشتري، كما سبق بيانه. وليس للبائع أن يستولي على المبيع وينتفع منه بأية منفعة إلا بإذن المشتري ورضاه. ٢- وأما بالنسبة إلى المشتري فإن المنافع تصير في البيع بالوفاء ملكًا له، فله فيها حق الاستعمال والاستغلال ما دام البيع قائمًا غير مفسوخ. وقد نصوا على أنه: يجوز أن يتفق الطرفان في بيع الوفاء على أن يستأجر البائع من المشتري العقار المبيع وفاء بأجر معلوم. وعندئذ يبقى المبيع في يد البائع بحكم الإجارة، ويؤدي الأجر إلى المشتري، لأن منافع المبيع ملكه فله أن يستعملها أو يستغلها بإجاره للبائع نفسه أو لغيره، وإذا اتفقا على إيجاره للبائع سمي عندئذ: بيع الاستغلال. [ر: المجلة م ١١٩ وشروحها] .

стр. 10806

وهنا يجدر التنبيه إلى خطأ وقع فيه بعض شراح المجلة في هذا المقام. فقد نصت المادة ٣٩٨ من المجلة على أنه: ((إذا شرط في بيع الوفاء أن يكون قدر من منافع المبيع للمشتري صح ذلك)) . وصياغة هذه المادة بهذه الصورة توهم أنه إذا لم يشرط شيء من منافع المبيع بالوفاء للمشتري فلا شيء له. وهذا ما فهمه شارحها الأستاذ سليم رستم الباز، فقال شارحًا هذه المادة: (وإن لم يشترط ذلك فليس للمشتري أن ينتفع بالمبيع لأنه في يده كالرهن في يد المرتهن لا يملكه ولا يطلق له الانتفاع به إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره، واستهلك من شجره. ولا فرق بين بيع الوفاء والرهن في حكم من الأحكام. ولهذا لا يؤخذ المبيع وفاء بالشفعة ... ) . ثم نقل عن جامع الفصولين والخيرية أنه: (لو آجر المشتري المبيع (بالوفاء) وقبض أجرته واستهلكها بدون إذن البائع لا يضمن) ، ولم ينتبه إلى هذا التناقض بين سابق كلامه ولاحقه. فإذا كان بيع الوفاء والرهن لا فرق بينهما في حكم من الأحكام - كما ذكره سابقًا - فلماذا إذا أكل المشتري شيئًا من ثمرة المبيع بالوفاء يضمن قيمته للبائع، وإذا آجره وأخذ أجرته واستهلكها بدون إذن البائع لا يضمن؟! ولماذا أيضًا يعقد للبيع بالوفاء باب مستقل ولا يكتفى بباب الرهن؟! وتحقيق القضية أن بيع الوفاء اختلفت فيه آراء الفقهاء في أول الأمر عندما تعورف في بخارى وبلخ في القرن الخامس الهجري كما بيناه سابقًا. فمنهم من اعتبره رهنًا من كل وجه، ومنهم من اعتبره بيعًا فاسدًا بسبب شرط الإعادة المفسد، ومنهم من اعتبره بيعًا صحيحًا وأن شرط الإعادة فيه ملزم لأن المواعيد بصورة التعاليق تكون ملزمة عند الحنفية. [ر: المجلة م٨٤ وشروحها] .

стр. 10807

هذا الاختلاف كان في بداية الأمر أول ما تعورف هذا العقد بهذا الشرط. لكن لما عم التعامل به وشاعت طريقته بسرعة في الأقطار لحاجة الناس إليه، استقر رأي المتأخرين من الفقهاء على حكم نهائي فيه بحسب المقصود منه مراعى فيه ثلاثة مقاصد أساسية، هي: ١- تمليك المشتري المنافع دون حاجة إلى إذن البائع بل بحكم العقد. ٢- وحق التراد أو الفسخ. ٣- وضمان المشتري للمبيع كضمان المرهون. وسمي هذا بالقول الجامع ورجح بعلامة الفتوى [ر: رد المحتار ج ٤ آخر كتاب البيوع: ص٢٤٧، الطبعة البولاقية ذات القطع الكبير] ، وبه أخذت المجلة في المادة ١١٨. وكل قول يرى في بعض الكتب بخلاف هذا هو مبني على أحد الآراء المختلفة القديمة أول ما تعورف بيع الوفاء قبل القول الجامع الذي استقرت عليه الفتوى. فبناء على هذا لا يصح بعد ذلك إطلاق القول بأن بيع الوفاء عند الحنفية هو كالرهن من جميع الوجوه، ولا أن يقال أن منافع المبيع وثمرته هي للبائع. ولا يحل شيء منها للمشتري إلا بإذن البائع. فأما المادة ٣٩٨ من المجلة التي تقول: ((إذا شرط في بيع الوفاء قدر من منافع المبيع للمشتري صح ذلك)) . فإن فيها سوء صياغة يوهم أنه إذا لم يشرط شيء من المنافع للمشتري فلا شيء له، (كما فهمه بعض الشراح) . ولكن هذا المعنى ليس هو المراد بل المراد أنه إذا لم يشرط للمشتري بعض المنافع فقط فإنه يستحق كل منافع المبيع. فاشتراط بعضها له إنما هو لقصر حقه في المنافع على بعضها دون كلها، ولكنه سوء الصياغة أدى إلى ذلك التوهم. ومعلوم أن المجلة وضعت باللغة التركية ثم ترجمت إلى العربية. وقد وقع فيها مواطن موهمة في صياغتها وهذا من جملتها. وهذا ما حققه والدي الشيخ أحمد الزرقاء ﵀ في شرحه للقواعد الفقهية التي صدرت بها المجلة. [ينظر كتابي: الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد: ج ٤ وعقد البيع - الفقرة ١٥٢؛ وشرح والدي على القواعد تحت القاعدة الثانية: العبرة في العقود للمقاصد والمعاني آخر التنبيه الرابع من شرحها] .

стр. 10808

وهذا الفهم للمادة ٣٩٨ من المجلة هو المتعين فقهًا لكي يتحقق التوفيق وينتفي التناقض بين هذه المادة الموهمة وبين المادة ١١٨ منها التي تصرح بأن منافع المبيع في البيع بالوفاء تكون للمشتري كما في البيع الصحيح، جريًا منها على القول الجامع المفتى به. ملاحظة: ١- أن هذا الخطأ الذي وقع فيه بعض شراح المجلة نتيجة لسوء الصياغة في المادة ٣٩٨ من المجلة وقعت فيه أيضًا الموسوعة الفقهية الصادرة في الكويت، في كلامها على بيع الوفاء (تحت مادة/ بيع) في الجزء التاسع منها. ففي البند ٧ من بنود بيع الوفاء تحت عنوان (الآثار المترتبة على بيع الوفاء) من العناوين الفرعية تحت كلمة (بيع) سردت تلك الآثار المتعددة لبيع الوفاء مرتبة بالحروف الأبجدية، وفي الحرف (هـ) قالت: (منافع المبيع بيع وفاء هي للبائع كالإجارة وثمرة الأشجار ونحوها ... ) . وعللت ذلك بأن (ملكية العين لم تنتقل للمشتري ... ) وأضافت قولها: (إن المشتري لو أخذ من ثمر الأشجار شيئًا بغير إذن البائع ورضاه ضمنها) وعزت ذلك إلى الفتاوى الهندية ومعين الحكام. وواضح بعد ما أسلفناه أن هذا مبني على القول بأن بيع الوفاء كالرهن في جميع الأحكام من الأقوال القديمة، وهو غير المفتى به الذي هو القول الجامع. والغريب هنا في الموسوعة الفقهية إنها قبل ذلك (في البند ٤) تحت عنوان (بيع الوفاء) نقلت عن ابن عابدين في رد المحتار أن الفتوى على القول الجامع الذي تقرر فيه أن منافع المبيع وفاء هي حل للمشتري وأنه لا ينبغي أن يعدل عنه في الإفتاء. فكيف بعد هذا تناقض نفسها وتقول في البند ٧ أن المنافع للبائع، ويضمن المشتري ما يستوفيه منها بغير إذن البائع ورضاه؟!! [ر: الموسوعة الفقهية: ٩/٢٦٠ - ٢٦٣] .

стр. 10809

٢- المعتاد في بيع الوفاء أن الثمن يكون أقل من قيمة المبيع بفارق كبير كما في الرهن حيث يكون المرهون فيه أقل كثيرًا من قيمة المرهون. وقبل صدور القانون المدني المصري الجديد سنة ١٩٤٩م كانت عقود بيع العقارات بالوفاء في مصر تتضمن شرطًا أنه إذا لم يرد البائع ثمن العقار المبيع بالوفاء في الموعد المحدد بالعقد ينقلب البيع باتًّا. وكانت المحاكم تطبق هذا الشرط على البائعين إذا تأخروا في رد الثمن على المشتري، فسلبت بذلك عقارات كثيرة نهبًا لأن الثمن في بيع الوفاء أقل كثيرًا من قيمة العقار المبيع، وأورث ذلك مآسي كثيرة ظلم فيها من يبيع عقاره بالوفاء أيما ظلم. وكان معظم المشترين بالوفاء من المرابين. وقد كان هذا حافزًا لواضعي القانون المدني المصري الجديد أن يضعوا فيه نصًّا صريحًا بأن البيع إذا شرط فيه أن البائع إذا رد الثمن للمشتري فإن على المشتري أن يرد المبيع إلى البائع يكون البيع باطلاً، فألغي بيع الوفاء بهذا النص وأصبح باطلاً لا أثر له. وعللت المذكرة الإيضاحية هذا الإلغاء بتلك المظالم التي كان المرابون يسلبون بها عقارات البائعين بالوفاء. وجدير بالذكر أن فقهاء الحنفية نصوا على أنه: إذا شرط في بيع الوفاء (الذي حدد فيه أجل لإعادة الثمن واسترداد المبيع) أنه إذا لم يرد البائع الثمن في الموعد المحدد ينقلب البيع باتًّا كان هذا الشرط باطلًا. فقد أبطلوا الشرط دون العقد حماية للبائع. [ر: شرح الباز تحت المادة ٣٩٦ من المجلة، نقلًا عن فتاوى علي أفندي] . الشيخ مصطفى أحمد الزرقاء * * *

стр. 10810

بيع الوفاء إعداد الشيخ خليل محيي الدين الميس عضو مجمع الفقه الإسلامي بسم الله الرحمن الرحيم عليه توكلت وبه أستعين. إن بيع الوفاء من العقود المستحدثة بعد استقرار المذاهب وهو من النوازل أو الواقعات في عرف الفقهاء، ومن العقود المسماة في عرف رجال القانون الوضعي، لذلك تعددت الأقوال في تعريفه كما اختلفت أقوال الفقهاء في تصنيفه. ومما لا خلاف عليه أنه عقد مركب من عقدين يتنازعه كل من الرهن والبيع على خلاف في صحته أو فساده.. لذلك يدور الوفاء بينهما ويجمع بين بعض خصائصهما وأحكامهما. والقاعدة الفقهية تقضي (بأن المعاملات طلق حتى يعلم المنع) لذلك بذل الفقهاء أقصى جهدهم وكما هو شأنهم لبيان حكم هذا العقد وبخاصة فقهاء مذهب الإمام أبي حنيفة تجنبًا للوقوع في الربا، لأن الصيغة بيع والحقيقة رهن. فالقول بحل الانتفاع بالعين فحينئذ العقد يكون بيعًا، ومن حيث الالتزام أو إلزام المشتري برد العين إلى البائع إذا أعاد البائع الثمن يكون رهنًا.. وهنالك فروق واضحة بين أحكام البيع وأحكام الرهن. ومن هذا المنطلق فقد عولج الموضوع مطولًا في كتب الفتاوي عند فقهاء الحنفية بالذات أكثر مما عولج في المتون وشروحها والتي وضعت لضبط المذهب.. كما كان القول فيها مستفيضًا لدى المتأخرين ومقتضبًا لدى المتقدمين. كما عالج الموضوع بشيء من الإسهاب كل من فقهاء المالكية والشافعية.. أما فقهاء الحنابلة فكان كلامهم في هذا الشأن مختصرًا، سنعرض لكل ذلك بالتفصيل، والله المستعان ونسأله سبحانه السداد في القول والعمل. * * *

стр. 10811

المحور الأول - تعريفه عند الحنفية. - المصطلح المساوي له في المذاهب الأخرى. - حكمه. - الأصل المستند إليه في التحليل أو المنع. - أثر فوت المبيع - ما يعتبر فوتًا وما لا يعتبر. - حكم اشتراط البائع الضمان من المشتري للوفاء ببيع الوفاء. * * * تعريف بيع الوفاء تعددت أقوال الفقهاء في تعريف بيع الوفاء ولكنها متقاربة من حيث المعنى. عرفه الزيلعي بقوله: (هو أن يقول البائع للمشتري بعت منك هذا العين بدين لك علىَّ على أنِّي متى قضيتُ الدين فهو لي) (١) . فقد اختار عبارة (قضاء الدين) لاسترداد المبيع.. بينما عرفه قاضيخان وتبعه ابن نجيم بقوله: (بعت منك هذا بكذا على أنِّي متى دفعت لك الثمن تدفع العين إليَّ) (٢) . وهنا استعملت عبارة (دفعت لك الثمن) وهنالك فرق بين عبارة (قضاء الدين) حيث يشعر بالتزام قائم. وبين عبارة (دفع الثمن) بالتزام في المستقبل. ونقل في هامش جامع الفصولين عن صاحب جواهر الفتاوي قوله: بيع الوفاء أن يقول: بعت منك على أن تبيعه مني متى جئت بالثمن (٣) .

стр. 10812

وهنا استعملت عبارة (تبيعه مني) . أما ابن عابدين فقد قال في حاشيته: أن يبيعه العين بألف على أنه إذا رد عليه الثمن رد عليه العين (١) وواضح أنه استعمل كلمة (رد) . وجاء في المجلة: بيع الوفاء هو بيع المال بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع (١١٨) . وبالجملة هنالك عبارات أربعة: (قضاء الدين) .. (دفع الثمن) .. (البيع) .. (والرد) عليه بالثمن.. وبالتأمل في هذه العبارات نجد أن صورة هذا العقد دائرة على لسان الفقهاء بين البيع والرهن. وكذلك هو بيع الوفاء عند التأمل في أقوال فقهاء المذاهب لدى تخريجهم أحكام المسائل المندرجة تحت بيع الوفاء.

стр. 10813

* المصطلح المساوي له في المذاهب الأخرى: كما تعددت أقوال الفقهاء في تعريفه كذلك تعددت أقوالهم في أسمائه. فيسميه المالكية: بيع الثنيا (١) . والشافعية: بيع العهدة (٢) . والحنابلة: بيع الأمانة، ويسمى أيضًا (بيع الطاعة) و (بيع الجائز) (٣) . أما عند فقهاء الحنفية.. فقد تعددت الأقوال في تسميته كما تعددت في تعريفه وتبعًا للأمصار التي جرى عمل فقهاء المذهب فيها ببيع الوفاء. فهو بيع الوفاء: وجه تسميته بيع الوفاء: أن فيه عهدًا بالوفاء من المشتري بأن يرد المبيع على البائع حين رد الثمن. وهو البيع الجائز: وبعض الفقهاء يسميه: البيع الجائز، ولعله مبني على أنه بيع صحيح لحاجة التخلص من الربا حتى يسوغ للمشتري أكل ريعه (٤) . وهو بيع المعاملة: وبعضهم يسميه: بيع المعاملة: ووجهه، أن المعاملة ربح الدين، وهذا يشترى لدائن لينتفع به بمقابلة الدين (٥) . وهو بيع الأمانة: ويسمى بمصر بيع الأمانة، والوجه في اعتباره بيع أمانة: أنه أمانة عند المشتري، بناء على أنه رهن أي كالأمانة. وهو بيع الإطاعة أو الطاعة: وبالشام يسمى بيع الإطاعة - أو الطاعة: وجهه: أن الدائن يأمر المدين ببيع داره مثلًا بالدين فيطيعه فصار معناه بيع الانقياد.

стр. 10814

* مناسبة ذكره في كتب الفقه: كذلك الشأن اختلفت آراء العلماء في إلحاق هذا العقد تحت أي من أبواب الفقه يكون من المناسب ذكره. فإذا تأملنا القيد الوارد على المشتري كان شرطًا داخلًا في نية العقد.. ولو تأملنا رضوخ وتسليم الفريق الآخر لهذا الشرط لاح لنا معنى التلجئة. وإذا نظرنا إلى ضرورة إعادة العين إلى البائع وتسليم المشتري بذلك ظهر لنا معنى الرهن واضحًا في العقد ... وهكذا نجد صنيع المصنفين في إيراد هذا المبحث في كتبهم. ١- ذكره الحطاب في باب البيوع المنهي عنها، قال: ومن الشروط المناقضة بيع الثنيا، وهو من البيوع الفاسدة (١) . ٢- وذكره صاحب الملتقط في باب الرهن. ٣- وذكره البزازي وقاضيخان في مباحث البيع الفاسد (٢) . ٤- وذكره ابن نجيم وغيره في خيار الشرط (٣) . ٥- وذكره الزيلعي في كتاب الإكراه، حيث قال: ومن مشايخ بخارى من جعل بيع الوفاء كبيع المكره (٤) ... وجه المناسبة فجعلوه فاسدًا باعتبار شرط الفسخ عند القدرة على إيفاء الدين يفيد الملك عند اتصال القبض به. وينقض بيع المشتري كبيع المكره أي وإن تداولته الأيدي إلا أن لا ينقطع به حق استرداد المبيع وإن تداولته الأيدي بخلاف سائر البياعات الفاسدة..

стр. 10815

ما ينعقد به البيع وفاء: لو قال المشتري: اشتريت منك المبيع الفلاني بكذا على أن أرده لك أو أبيعه منك متى أرجعت إليَّ ثمنه، أو أديتني إياه. فقال البائع: بعته منك على تلك الصورة انعقد البيع بالوفاء. وإذا حصل الاتفاق بين الطرفين على أن يكون العقد الذي سيجري بينهما عقد بيع ووفاء ثم عقدا البيع ولم يصرحا فيه بأنه كذلك - فإذا تحقق أنه وقع بعد اتفاق سابق فهو بيع وفاء، وإلا فبيع لازم صحيح (١) . لو باع إنسان داره المملوكة من آخر بغبن فاحش وقال له: متى رددت إليَّ الثمن أفسخ البيع فالبيع أيضًا بيع بالوفاء (٢) . * حكم بيع الوفاء والأصل المستند إليه في التحليل أو المنع: اختلف الفقهاء في حكم بيع الوفاء اختلافًا كثيرًا حتى فيما بين فقهاء المذهب الواحد وبخاصة فقهاء مذهب الإمام أبي حنيفة المتقدمين منهم والمتأخرين حتى بلغت أقوالهم تسعة نعرض لها بالتفصيل بعد حكاية مذاهب الأئمة الثلاثة الشافعية والمالكية والحنابلة. وبالجملة: ذهب المالكية والحنابلة والمتقدمون من الحنفية والشافعية إلى: أن بيع الوفاء فاسد. والوجه فيه: أن اشتراط البائع أخذ المبيع إذا رد الثمن إلى المشتري يخالف مقتضى البيع وحكمه. وهو: ملك المشتري للمبيع على سبيل الاستقرار والدوام وفي هذا الشرط منفعة للبائع، ولم يرد دليل معين يدل على جوازه، فيكون شرطًا فاسدًا يفسد البيع باشتراطه فيه.

стр. 10816

* حكم بيع الوفاء عند فقهاء الحنفية: استظهر صاحب الفتاوي البزازية تسعة أقوال لفقهاء المذهب في حكم بيع الوفاء. القول الأول: قال النسفي في فتاويه: البيع الذي يتعارفه أهل زماننا احتيالًا للربا وسموه بيع وفاء هو رهن في الحقيقة لا يملكه المشتري، ولا ينتفع به إلا بإذن البائع، ويضمن المشتري ما أكل من ثمره وأتلف من شجره، ويسقط الدين بهلاكه لو يفي، ولا يضمن ما زاد كالأمانة، وللبائع استرداده عند قضاء الدين متى شاء. وجه هذا القول: لأن المتعاقدين - وإن سمياه البيع - لكن عرفهما الرهن والاستيثاق بالدين. إذ البائع يقول: رهنت ملكي، والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان، والناس يسمونه الرهن، والعبرة في التصرفات للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، حتى جعلت الكفالة بشرط براءة الأصيل حواله ... والاستصناع عند ضرب الأجل سلمًا وبذلك أفتى القاضي الإمام السفدي والحسن والإمام أبي شجاع بسمرقند، وكثير من الأئمة (١) . قال في الخيرية: والذي عليه الأكثرون أنه رهن لا يفترق من الرهن في حكم من الأحكام. وفيه: قلت للسيد الإمام أبي الحسن الماتريدي: قد فشا هذا البيع بين الناس، وفيه مفسدة عظيمة، وفتواك أنه رهن. - وأنا أيضًا على ذلك، فالصواب أن نجمع الأئمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس، فقال: المعتبر اليوم فتوانا، وقد ظهر ذلك بين الناس، فمن خالفنا فليبرز نفسه وليقم دليله (٢) .

стр. 10817

حكم بيع الوفاء: في فصول عماد الدين: فتوى أئمة زماننا أن حكم بيع الوفاء حكم الرهن. وعليه: تسقط حصة النقصان من مال الوفاء، بأن يقسم مال الوفاء على قيمة الباقي والهالك فيسقط الهالك لا الباقي كما في الرهن. - وكذا لو أتلف المشتري حصة نقصان نباته أو شجره يضمن قيمته كمرتهن (١) . قال النسفي: هذا البيع باطل، وهو رهن، وحكمه حكم الرهن، هكذا ذكر وهو الصحيح. وذكر الإمام محمد بن الفضل البخاري هكذا ... - وقيل: بيع فاسد، يوجب الملك إذا اتصل به القبض والأول أصح. وفي جواهر الفتاوي: لا فرق عندنا بين الرهن وبينه في حكم من الأحكام (٢) . القول الثاني: عن علامة سمرقند صاحب المنظومة نجم الدين النسفي (٧١٠هـ) قال: اتفق مشايخ الزمان - وهو ما كان عليه بعض السلف - على صحته بيعًا وإفادته لبعض أحكامه وهي: الانتفاع به دون البعض، وهو البيع لحاجة الناس، وجوز الاستصناع لذلك. وقال صاحب النهاية: وعليه الفتوى. وجه هذا القول: إن العاقدين تلفظا بلفظ البيع بلا ذكر شرط فيه، والعبرة للملفوظ دون المقصود، أو نقول: لا عبرة بمجرد النية بلا لفظ. ونظيره: من تزوج امرأة على نية أن يطلقها إذا مضى سنة - أي بعدما جامعها - صح العقد ولا يكون متعة (٣) . القول الثالث: في فتاوى قاضيخان: الصحيح أن العقد الذي جرى إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنًا، ثم ينظر ((إن ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع)) ، وإن لم يذكرا ذلك في البيع وتلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء، أو تلفظا بالبيع الجائز وعندهما هذا البيع عبارة عن بيع غير لازم فكذلك، وإن ذكرا البيع من غير شرط ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة جاز البيع ويلزم الوفاء بالوعد (٤) . وجه هذا القول: لأن المواعيد قد تكون لازمة، قال ﷺ : ((العدة دين)) فيجعل هذا الميعاد لازمًا لحاجة الناس إليه.

стр. 10818

وقال جلال الدين في حواشي الهداية: وصورته أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بألف على أني لو دفعت إليك ثمنه تدفع إلي، ثم قال: ويسمى هذا بيع الوفاء. ويمكن أن يكون هذا الآخر على الاختلاف الذي مضى ذكره وتفسيره. وهذا البيع موجود في مصر وهم يسمونه (بيع الأمانة) (١) . القول الرابع: قاله في العدة واختاره الإمام ظهير الدين المرغيناني وغيره من مشايخ بخارى أنه بيع فاسد كبيع المكره، أي للبائع حق نقض المشتري، وجهه لأنه بيع بشرط فاسد. وبه قال الصدر الشهيد حسام الدين والصدر السعيد تاج الإسلام أحمد بن عبد العزيز. وإنما جعلوا بيع الوفاء فاسدًا: باعتبار شرط الفسخ عند القدرة على إيفاء الدين، ويفيد الملك عند اتصال القبض به، وينقض بيع المشتري كبيع المكره (٢) . وجه هذا القول: لأن الفساد باعتبار عدم الرضا، فكان حكمه حكم بيع المكره (٣) . وقال الإتقاني: والأصح عندي أن بيع الوفاء فاسد، يوجب الملك بعد القبض، كسائر البياعات الفاسدة، لأن بيع الوفاء بشرط لا يقتضيه العقد وقد نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط (٤) .

стр. 10819

القول الخامس: ما اختاره أئمة خوارزم، أنه إذا أطلق البيع ولكن وكل المشتري وكيلاً يفسخ البيع إذا أحضر البائع الثمن، أو عهد على أنه إذا أوفاه فسخ البيع - والثمن لا يعادل المبيع وفيه غبن فاحش. أو وضع المشتري على أصل المال ربحًا بأن وضع على مائة عشرين دينارًا فرهن. وإن كان بلا وضع ربح بمثل الثمن، أو بغبن يسير فبات بشرط أن يعلم البائع بالغبن الفاحش. أما إذا ظن أنه ثمن عدل لكنه بالغبن الفاحش في الواقع. - فإذا ظن المعادلة وباع بالغبن الفاحش فبات لأنا إنما نجعله رهنًا بظاهر حله أنه لا يقصد البات عالمًا بالغبن وليس بمعهود وضع الربح على الثمن في البات. واختار خاتم المجتهدين مولانا سيف الدين البعض أنه رهن (١) . القول السادس: ما اختاره البعض منهم الشيخ الإمام فخر الدين الزاهدي وبعض مشايخ سمرقند إذا كان الوفاء غير مشروط في البيع نجعله صحيحًا في حق المشتري حتى يحل له الانتفاع بالمشترى كما يحل بسائر أملاكه ولا ضمان عليه ونجعله رهنًا في حق البائع، حتى لا يتمكن المشتري من بيعه ولا يورث عنه ولا يملك المشتري تحويل يده وملكه إلى غيره وأجبر على الرد إذا أحضر الدين لأنه كالزرافة مركب من البيع والرهن. وكثير من الأحكام له حكمان: كالهبة حال المرض، والهبة بشرط العوض. وجعلناه كذلك لحاجة الناس إليه فرارًا من الربا، فبلخ اعتادوا الدين والإجارة الطويلة ولا يمكن ذلك في الأشجار، فاضطروا إلى بيعها وفاء. وما ضاق على الناس أمره اتسع حكمه. وعقب على هذا الرأي بالقول: والفتوى في زماننا على جوازه من هذا الوجه (٢) .

стр. 10820

وفي جامع الفصولين: تواضعا الوفاء قبل البيع ثم تبايعا بلا ذكر شرط الوفاء ثم شرطاه يكون بيع وفاء، ولا عبرة للمواضعة السابقة. وجه هذا القول: أن الشرط اللاحق يلتحق بأصل العقد عند أبي حنيفة (١) . وفي فتاوى قاضيخان: إذا تبايعا من غير شرط ثم ذكر الشرط على وجه المواعدة، جاز البيع ويلزم الوفاء بالميعاد. وجه هذا القول: أن المواعيد قد تكون لازمة، قال ﷺ : ((العدة دين)) ، فيجعل هذا الميعاد لازمًا لحاجة الناس إليه (٢) . وقال جلال الدين في حواشي الهداية: صورته: أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بألف على أني لو دفعت إليك ثمنك تدفع إلي، ثم قال: ويسمى هذا بيع الوفاء. وهذا البيع موجود في مصر وهم يسمونه (بيع الأمانة) (٣) . وقال في البحر: وينبغي ألا يعدل في الإفتاء عن القول الجامع وفي النهر والعمل في ديارنا على ما رجحه الزيلعي. وقال في معين الحكام: مسألة: يجوز للمشتري أن يتطوع للبائع بعد عقد البيع أنه إن جاء بالثمن إلى أجل كذا فالبيع لازم له، ويُلزم ذلك المشتري متى جاء بالثمن في خلال الأجل وعند انقضائه أو بعده على القرب منه. ولا يكون للبائع تفويته في خلال الأجل، فإن فعل ببيع أو هبة أو شبه ذلك نقض إن أراده البائع ورد إليه. وإن لم يأت بالثمن إلَّا على بعد من انقضاء الأجل فلا سبيل إليه. وإن لم يضربا في ذلك أجلًا فللبائع أخذه متى جاءه بالثمن في قرب الزمان أو بعده ما لم يفوته المبتاع، فإن فاته فلا سبيل له إليه. فإن قام عليه حين أراد التفويت فله منعه بالسلطان إذا كان ماله حاضرًا. فإن باعه بعد منع السلطان له رد البيع وإن باعه قبل أن يمنعه السلطان نفذ بيعه.
следующие страницы →