* حكم بيع الوفاء عند فقهاء الحنفية:
استظهر صاحب الفتاوي البزازية تسعة أقوال لفقهاء المذهب في حكم بيع الوفاء.
القول الأول:
قال النسفي في فتاويه: البيع الذي يتعارفه أهل زماننا احتيالًا للربا وسموه بيع وفاء هو رهن في الحقيقة لا يملكه المشتري، ولا ينتفع به إلا بإذن البائع، ويضمن المشتري ما أكل من ثمره وأتلف من شجره، ويسقط الدين بهلاكه لو يفي، ولا يضمن ما زاد كالأمانة، وللبائع استرداده عند قضاء الدين متى شاء.
وجه هذا القول: لأن المتعاقدين - وإن سمياه البيع - لكن عرفهما الرهن والاستيثاق بالدين.
إذ البائع يقول: رهنت ملكي، والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان، والناس يسمونه الرهن، والعبرة في التصرفات للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، حتى جعلت الكفالة بشرط براءة الأصيل حواله ... والاستصناع عند ضرب الأجل سلمًا وبذلك أفتى القاضي الإمام السفدي والحسن والإمام أبي شجاع بسمرقند، وكثير من الأئمة (١) .
قال في الخيرية: والذي عليه الأكثرون أنه رهن لا يفترق من الرهن في حكم من الأحكام.
وفيه: قلت للسيد الإمام أبي الحسن الماتريدي: قد فشا هذا البيع بين الناس، وفيه مفسدة عظيمة، وفتواك أنه رهن.
- وأنا أيضًا على ذلك، فالصواب أن نجمع الأئمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس، فقال: المعتبر اليوم فتوانا، وقد ظهر ذلك بين الناس، فمن خالفنا فليبرز نفسه وليقم دليله (٢) .
стр. 10817
حكم بيع الوفاء: في فصول عماد الدين:
فتوى أئمة زماننا أن حكم بيع الوفاء حكم الرهن.
وعليه: تسقط حصة النقصان من مال الوفاء، بأن يقسم مال الوفاء على قيمة الباقي والهالك فيسقط الهالك لا الباقي كما في الرهن.
- وكذا لو أتلف المشتري حصة نقصان نباته أو شجره يضمن قيمته كمرتهن (١) .
قال النسفي: هذا البيع باطل، وهو رهن، وحكمه حكم الرهن، هكذا ذكر وهو الصحيح.
وذكر الإمام محمد بن الفضل البخاري هكذا ...
- وقيل: بيع فاسد، يوجب الملك إذا اتصل به القبض والأول أصح.
وفي جواهر الفتاوي: لا فرق عندنا بين الرهن وبينه في حكم من الأحكام (٢) .
القول الثاني:
عن علامة سمرقند صاحب المنظومة نجم الدين النسفي (٧١٠هـ) قال: اتفق مشايخ الزمان - وهو ما كان عليه بعض السلف - على صحته بيعًا وإفادته لبعض أحكامه وهي: الانتفاع به دون البعض، وهو البيع لحاجة الناس، وجوز الاستصناع لذلك.
وقال صاحب النهاية: وعليه الفتوى.
وجه هذا القول:
إن العاقدين تلفظا بلفظ البيع بلا ذكر شرط فيه، والعبرة للملفوظ دون المقصود، أو نقول: لا عبرة بمجرد النية بلا لفظ.
ونظيره: من تزوج امرأة على نية أن يطلقها إذا مضى سنة - أي بعدما جامعها - صح العقد ولا يكون متعة (٣) .
القول الثالث:
في فتاوى قاضيخان: الصحيح أن العقد الذي جرى إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنًا، ثم ينظر ((إن ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع)) ، وإن لم يذكرا ذلك في البيع وتلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء، أو تلفظا بالبيع الجائز وعندهما هذا البيع عبارة عن بيع غير لازم فكذلك، وإن ذكرا البيع من غير شرط ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة جاز البيع ويلزم الوفاء بالوعد (٤) .
وجه هذا القول:
لأن المواعيد قد تكون لازمة، قال ﷺ : ((العدة دين)) فيجعل هذا الميعاد لازمًا لحاجة الناس إليه.
стр. 10818
وقال جلال الدين في حواشي الهداية: وصورته أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بألف على أني لو دفعت إليك ثمنه تدفع إلي، ثم قال: ويسمى هذا بيع الوفاء. ويمكن أن يكون هذا الآخر على الاختلاف الذي مضى ذكره وتفسيره.
وهذا البيع موجود في مصر وهم يسمونه (بيع الأمانة) (١) .
القول الرابع:
قاله في العدة واختاره الإمام ظهير الدين المرغيناني وغيره من مشايخ بخارى أنه بيع فاسد كبيع المكره، أي للبائع حق نقض المشتري، وجهه لأنه بيع بشرط فاسد. وبه قال الصدر الشهيد حسام الدين والصدر السعيد تاج الإسلام أحمد بن عبد العزيز. وإنما جعلوا بيع الوفاء فاسدًا: باعتبار شرط الفسخ عند القدرة على إيفاء الدين، ويفيد الملك عند اتصال القبض به، وينقض بيع المشتري كبيع المكره (٢) .
وجه هذا القول:
لأن الفساد باعتبار عدم الرضا، فكان حكمه حكم بيع المكره (٣) .
وقال الإتقاني: والأصح عندي أن بيع الوفاء فاسد، يوجب الملك بعد القبض، كسائر البياعات الفاسدة، لأن بيع الوفاء بشرط لا يقتضيه العقد وقد نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط (٤) .
стр. 10819
القول الخامس:
ما اختاره أئمة خوارزم، أنه إذا أطلق البيع ولكن وكل المشتري وكيلاً يفسخ البيع إذا أحضر البائع الثمن، أو عهد على أنه إذا أوفاه فسخ البيع - والثمن لا يعادل المبيع وفيه غبن فاحش.
أو وضع المشتري على أصل المال ربحًا بأن وضع على مائة عشرين دينارًا فرهن.
وإن كان بلا وضع ربح بمثل الثمن، أو بغبن يسير فبات بشرط أن يعلم البائع بالغبن الفاحش.
أما إذا ظن أنه ثمن عدل لكنه بالغبن الفاحش في الواقع.
- فإذا ظن المعادلة وباع بالغبن الفاحش فبات لأنا إنما نجعله رهنًا بظاهر حله أنه لا يقصد البات عالمًا بالغبن وليس بمعهود وضع الربح على الثمن في البات.
واختار خاتم المجتهدين مولانا سيف الدين البعض أنه رهن (١) .
القول السادس:
ما اختاره البعض منهم الشيخ الإمام فخر الدين الزاهدي وبعض مشايخ سمرقند إذا كان الوفاء غير مشروط في البيع نجعله صحيحًا في حق المشتري حتى يحل له الانتفاع بالمشترى كما يحل بسائر أملاكه ولا ضمان عليه ونجعله رهنًا في حق البائع، حتى لا يتمكن المشتري من بيعه ولا يورث عنه ولا يملك المشتري تحويل يده وملكه إلى غيره وأجبر على الرد إذا أحضر الدين لأنه كالزرافة مركب من البيع والرهن.
وكثير من الأحكام له حكمان: كالهبة حال المرض، والهبة بشرط العوض.
وجعلناه كذلك لحاجة الناس إليه فرارًا من الربا، فبلخ اعتادوا الدين والإجارة الطويلة ولا يمكن ذلك في الأشجار، فاضطروا إلى بيعها وفاء.
وما ضاق على الناس أمره اتسع حكمه.
وعقب على هذا الرأي بالقول: والفتوى في زماننا على جوازه من هذا الوجه (٢) .
стр. 10820
وفي جامع الفصولين: تواضعا الوفاء قبل البيع ثم تبايعا بلا ذكر شرط الوفاء ثم شرطاه يكون بيع وفاء، ولا عبرة للمواضعة السابقة.
وجه هذا القول:
أن الشرط اللاحق يلتحق بأصل العقد عند أبي حنيفة (١) .
وفي فتاوى قاضيخان: إذا تبايعا من غير شرط ثم ذكر الشرط على وجه المواعدة، جاز البيع ويلزم الوفاء بالميعاد.
وجه هذا القول:
أن المواعيد قد تكون لازمة، قال ﷺ : ((العدة دين)) ، فيجعل هذا الميعاد لازمًا لحاجة الناس إليه (٢) .
وقال جلال الدين في حواشي الهداية: صورته: أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بألف على أني لو دفعت إليك ثمنك تدفع إلي، ثم قال: ويسمى هذا بيع الوفاء.
وهذا البيع موجود في مصر وهم يسمونه (بيع الأمانة) (٣) .
وقال في البحر: وينبغي ألا يعدل في الإفتاء عن القول الجامع وفي النهر والعمل في ديارنا على ما رجحه الزيلعي.
وقال في معين الحكام: مسألة:
يجوز للمشتري أن يتطوع للبائع بعد عقد البيع أنه إن جاء بالثمن إلى أجل كذا فالبيع لازم له، ويُلزم ذلك المشتري متى جاء بالثمن في خلال الأجل وعند انقضائه أو بعده على القرب منه.
ولا يكون للبائع تفويته في خلال الأجل، فإن فعل ببيع أو هبة أو شبه ذلك نقض إن أراده البائع ورد إليه.
وإن لم يأت بالثمن إلَّا على بعد من انقضاء الأجل فلا سبيل إليه.
وإن لم يضربا في ذلك أجلًا فللبائع أخذه متى جاءه بالثمن في قرب الزمان أو بعده ما لم يفوته المبتاع، فإن فاته فلا سبيل له إليه.
فإن قام عليه حين أراد التفويت فله منعه بالسلطان إذا كان ماله حاضرًا.
فإن باعه بعد منع السلطان له رد البيع وإن باعه قبل أن يمنعه السلطان نفذ بيعه.
стр. 10821
القول السابع:
أجاب علاء الدين بدر أنه لا يصح.
وعلى هذا اختيار صاحب الهداية وأولاده ومشايخ زماننا وعليه الفتوى.
أعني لا يملك المشتري البيع من الغير كما في بيع المكره، لا كالبيع الفاسد بعد القبض.
القول الثامن:
لما وقع التردد في إلحاقه بالفاسد أو الصحيح فإلحاقه بالصحيح أولى تقليلًا للفساد وترجيحًا لقول الإمام.
القول التاسع:
وهو الذي استقر عليه فتوى صاحب الهداية وأولاده ومشايخ العهد.
إن الملك يثبت للمشتري في زياداته، ولا يضمنه بالإتلاف (١) .
وزكاة مال الوفاء على البائع لأنه ملكه بالقبض، وعلى المشتري أيضًا لأنه يعد مالًا موضوعًا له عند البائع أو دينًا له عليه.
- وليس هذا إيجاب زكاة المال على رجلين لأن النقود لا تتعين في العقود والفسوخ، وعليه صاحب الهداية والإمام البزدوي (٢) .
هذا وخرج صاحب البزازية على هذا الأصل فروعًا ومسائل عدة يرجع إليها لمزيد من التوضيح.
القول الراجح:
قال علي حيدر في شرح المجلة ما نصه:
والحاصل: أن بيع الوفاء وإن وجد فيه تسعة أقوال فأرجحها القول الذي اتبعته المجلة في قولها: (بيع الوفاء: في حكم البيع الجائز بالنظر إلى انتفاع المشتري) .
وفي حكم البيع الفاسد بالنظر إلى كون كلٍّ من الفريقين مقتدرًا على الفسخ.
وفي حكم الرهن بالنظر إلى أن المشتري لا يقدر على بيعه إلى الغير.
وعلى كلٍّ فوجه الشبه بالرهن أَبْيَنُ وأرجح (٣) .
* * *
стр. 10822
مذهب المالكية
اختلف المالكية في حكم بيع الوفاء على قولين:
القول الأول: أنه بيع باطل، ذهب إلى ذلك ابن القاسم كما في المدونة وعليه أكثرهم.
القول الثاني: أنه رهن باطل، ذهب إلى ذلك سحنون وابن الماجشون وبعض المالكية.
لكن ابن رشد في البداية قال: لا يجوز عند مالك.
وهذه عبارته: وأما من قال له البائع: متى جئتك بالثمن رددت علي المبيع، فإنه لا يجوز عند مالك (١) .
وجهه: لأنه يكون مترددًا بين البيع والسلف - إن جاء بالثمن كان سلفًا - وإن لم يجىء كان بيعًا.
جاء في البيان والتحصيل ما نصه:
سئل مالك عمن باع أصل حائطه من رجل أنه متى جاءه بالثمن كان أحق بحائطه وكان إليه رد - فأقام في يد المشتري ست سنين يأكل ثمرته، ويزرع قصيبًا يأكل غلته - ثم أيسر البائع بعد ست سنين فجاءه بالثمن فرده عليه وأخذ حائطه - وقد أكل المشتري ثمرته ست سنين وغلة قصب كان يزرعه.
وطلب المشتري الحائط ما أنفق في الحائط.
وقال مالك: أصل هذا البيع لم يكن جائزًا ولا حسنًا، وأرى للمشتري ما أكل من الثمر واستغل من القصب بالضمان لأنه كان للحائط ضامنًا، وأرى له أيضًا على رب الحائط ما أنفق في بنيان جدار أو حفر بئر رد عليه، وقد بنى فيه وحفر فيه بئرًا.
- وأصل هذا البيع لم يكن جائزًا ولا حسنًا.
стр. 10823
وقال محمد بن رشد: البيع على هذا الوجه يسمونه (بيع الثنيا) وقد اختلف فيه.
فقيل: إنه بيع فاسد بما شرط على المبتاع من أنه أحق به متى ما جاءه بالثمن، لأنه يصير كأنه بيع وسلف، وهو قول مالك ههنا.
- وفي بيوع الآجال من المدونة: فإن وقع فسخ ما لم يفت بما يفوت به البيع الفاسد وكانت الغلة للمبتاع بالضمان - فإن فاتت صحح بالقيمة. والحائط لا يفوت في البيع الفاسد بالبناء اليسير.
فلذلك قال: أنه يكون على رب الحائط إذا رد إليه ما أنفق.
وقيل فيه: إنه ليس بيعًا وإنما هو سلف جر منفعة.
قال سحنون ذلك في المدونة - وهو قول ابن الماجشون وغيره - لأنه كان المبتاع أسلف البائع الثمن على أن يغتل حائطه حتى يرد إليه سلفه.
- فعلى هذا القول: ترد الغلة للبائع ولا تكون للمبتاع (المشتري) لأنها ثمن السلف فهي عليه حرام (١) .
وجاء في المدونة: قلت: أرأيت لو أن رجلًا اشترى جارية على أن البائع متى جاء بالثمن فهو أحق بالجارية أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا.
قلت: لِمَ؟
قال: لأن هذا يصير كأنه بيع وسلف (٢) .
وجاء في الحطاب:
ومن الشروط المناقضة (بيع الثنيا) وهو من البيوع الفاسدة. وقال أبو الحسن: هذا الذي يسمى (بيع الثنيا) واختلف إذا نزل هل يتلاقى بالصحة كالبيع والسلف أم لا؟ على قولين: يعني إذا أسقط الشرط.
قال الرجراجي: واختلف إذا أسقط مشترط الثنيا شرطه، هل يجوز البيع أم لا؟ على قولين:
أحدهما: إن البيع باطل، وهو المشهور.
والثاني: إن البيع جائز إذا أسقط شرطه وهو قول مالك في كتاب محمد.
يريد إذا رضي المشتري، وقال الشيخ أبو محمد وقد فسخا الأول.
وقال أبو الحسن: معنى قوله في المدونة: بيع وسلف.
أنه تارةً يكون بيعًا، وتارةً يكون سلفًا، إلَّا أنه يكون له حكم البيع والسلف في الفوات، بل فيه القيمة ما بلغت إذا فاتت السلعة (٣) .
стр. 10824
* حكم الغلة في بيع الثنيا:
اختلف في الغلة في هذا البيع:
هل هي للمشتري أو للبائع: قال الرجراجي: اختلف في بيع الثنيا هل هو بيع أو رهن على قولين: وفائدة الخلاف في الغلة.
فمن رأى أنه بيع قال: لا يرد الغلة (١) .
وقد قال مالك في العتبية: إن الغلة فيه للمشتري بالضمان فجعله بيعًا وإنه ضامن والغلة له.
- ومن رأى أنه رهن قال: يرد الغلة، وأنه في ضمان البائع في كل بيع ونقض يطرأ عليه من غير سبب المشتري، وما كان من سبب المشتري فهو ضامن له، وحكمه حكم الرهان في سائر أحكامها فيما يغاب عليه، والراجح أنها للمشتري كما نقله ابن رشد في المسألة العاشرة من سماع الشهب من جامع البيوع ومن سماع أصبغ.
وعقب الحطاب على تلك النقول بقوله:
وهذا كله والله أعلم فيما إذا قبض المشتري المبيع واستغله.
- أما ما يقع في عصرنا (القرن العاشر) وهو مما عمت به البلوى من أن الشخص يشتري البيت مثلًا بألف دينار، ثم يؤجره بمائة دينار لبائعه قبل أن يقبضه المشتري وقبل أن يخيله البائع من أمتعته بل يستمر البائع على سكناه إياه، إن كان على سكناه أو على وضع يده عليه وإجازته ويأخذ المشتري منه كل سنة أجرة مسماة يتفقان عليها - فهذا لا يجوز بلا خلاف (٢) .
وجه هذا القول:
لعدم انتقال الضمان إليه، والخراج بالضمان، وهنا لم ينتقل الضمان لبقاء المبيع تحت يد بائعه، فلا يحكم له بالغلة.
بل ولو قبض المشتري المبيع ثم أجره للبائع على الوجه المتقدم لم يجز.
وجه هذا القول:
لأن ما خرج من اليد وعاد إليها لغو كما هو مقرر في بيوع الآجال وآل الحال إلى صريح الربا، وهذا واضح لمن تدبره وأنصف والله أعلم.
وبالجملة: فإن ثمرة الخلاف بين قولين - أي في كونه رهنًا - أو بيعًا تظهر في الغلة.
فمن قال: أنه بيع قال: لا يرد الغلة، وتكون للمشتري بالضمان.
ومن قال: أنه رهن قال: يرد الغلة، وأنه في ضمان البائع، وحكمه حكم الرهان في سائر أحكامها.
وهذا الخلاف عندهم فيما إذا لم يظهر بالبينة أو بالإقرار أنهما قصدا الرهن.
أما إذا ظهر ذلك فإنه يكون رهنًا باطلًا بالاتفاق لأنه حينئذ يكون سلفًا بمنفعة (٣) .
* * *
стр. 10825
مذهب الحنابلة
ذهب الحنابلة إلى بيع الأمانة (الوفاء) الذي مضمونه اتفاق المتبايعين على أن البائع إذا جاءه المشتري بالثمن، أعاد عليه ملك المبيع.
وللمشتري أن ينتفع بالمبيع بالإجارة أو السكنى أو غيرها - عقد باطل بكل حال.
وجه هذا القول:
لأن مقصود المتبايعين إنما هو الربا بإعطاء الدراهم إلى أجل، ومنفعة الدار مثلاً - هي الربح.
والواجب فيه: رد المبيع إلى البائع، وأن يرد المشتري ما قبضه من الثمن (١) .
* * *
مذهب الشافعية
اختلفت أقوال فقهاء مذهب الإمام الشافعي في حكم بيع الوفاء.
من المتقدمين:
منهم من ذهب إلى القول بفساده إذا كان شرط الوفاء في صلب العقد مقترنًا بالإيجاب والقبول، أو في مجلس العقد، أو في زمانه خيار الشرط (٢) .
- أما بعض المتأخرين من فقهاء المذهب قالوا: إن بيع الوفاء جائز مفيد لبعض أحكامه.
وهو: انتفاع المشتري بالمبيع وهو البيع من الآخر.
وجه هذا القول:
أن البيع بهذا الشرط تعارفه الناس وتعاملوا به لحاجتهم إليه فرارًا من الربا، فيكون صحيحًا لا يفسد البيع باشتراطه فيه - وإن كان مخالفًا للقواعد!!! لأن القواعد تترك بالتعامل كما في الاستصناع (٣) .
وقال صاحب بغية المسترشدين من متأخري الشافعية:
بيع العهدة صحيح جائز تثبت به الحجة شرعًا وعرفًا على قول القائلين به، وأضاف قائلًا: لم أرَ من صرَّح بكراهته وقد جرى عليه العمل في غالب جهات المسلمين من زمن قديم وحكمت بمقتضاه الحكام، وأقره من يقول به من علماء الإسلام، مع أنه ليس من مذهب الإمام الشافعي، وإنما اختاره ولفقه من مذاهب للضرورة الماسة إليه، ومع ذلك فالاختلاف في صحته من أصله وفي التفريع عليه لا يخفى على من له إلمام بالفقه.
لكن المتقدمين من فقهاء المذهب قالوا بناء للبيع وللأسباب التي ذكرها القائلون بفساده (٤) .
* * *
стр. 10826
أثر فوت المبيع
ما يعتبر فوتًا وما لا يعتبر
إذا كانت قيمة المال المباع بالوفاء مساوية للدين وهلك المبيع في يد المشتري أو أتلفه - سقط من الدين بقدر قيمة المبيع الهالك أو المتلف، فإن لم يتلف المبيع بل طرأ عليه عيب أوجب نقصان قيمته - قسمت قيمة الباقي منه على قيمة ما هلك منه - فيسقط الدين الذي يصيب الحصة التي تلفت ويبقى ما يلحق الحصة الباقية منه.
أما إذا كانت قيمة المال المبيع وفاء ناقصة عن الدين وهلك المبيع في يد المشتري سقط من الدين بقدر قيمته واسترد المشتري الباقي وأخذه من البائع وسواء أكان الهلاك بلا تعد ولا تقصير من المشتري، أم كان بتعدِّيه وإتلافه (١) .
وإذا كانت قيمة المبيع وفاء زائدة عن مقدار الدين وهلك المبيع في يد المشتري - سقط من الدين قدر ما يقابل الدين وضمن المشتري الزيادة إن كان هلاكه بالتعدي.
أما إذا كان بلا تعدٍّ فلا يلزم المشتري أداء تلك الزيادة.
أي إذا كانت قيمة المال المبيع وفاء يوم القبض زائدة عن مقدار الدين وهلك المبيع في يد المشتري سقط من قيمته قدر ما يقابل الدين سواء حصل التلف بتعدٍ أو لا، غير أنه إذا تلف بتعدي المشتري فعليه أن يضمن ما زاد عن مقدار الدين.
أما إذا تلف بدون تعدٍّ ولا تقصير فالزيادة في حكم الأمانة - فليس على المشتري أداؤها، لأن الأمانة غير مضمونة - فإذا هلكت أو ضاعت بلا صنع الأمين ولا تقصير منه لا يلزمه الضمان (٢) .
* * *
стр. 10827
حكم اشتراط البائع الضمان من المشتري
للوفاء ببيع الوفاء
لمَّا كان بيع الوفاء يتراوح ما بين الرهن والبيع صحيحًا كان أو فاسدًا على خلاف بين العلماء ... كما صحَّح بعضهم أن بيع الوفاء إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنًا.. ولو ذكر البيع بلا شرط ثم ذكر الشرط على وجه العدة جاز البيع ولزم الوفاء بالوعد إذ المواعيد تكون لازمة فيجعل لازمًا لحاجة الناس.
- كما ذكروا أن الشرط الفاسد إذا ألحق بالعقد يلتحق عند أبي حنيفة ﵀ لا عند صاحبيه.
- بعد كل هذا صار التزام المشتري الوفاء ضمان رد المبيع إذا طلب إليه البائع هو التزام ديانة (أدبي) لا يرقى إلى مرتبة الالتزام المادي الملزم قضاء.. أي الوجوب قضاء.
لأن بيع الوفاء لم يتمحض بيعًا باتًّا من كل وجه حتى لو كان بيعًا لم يعد أي علاقة بين البائع والمشتري.. ولكن لمشابهة الرهن من وجه آخر ... فلا يصح طلب الرهن مقابل الوفاء بالرهن.. لأن الرهن حبس مال وإمساكه في مقابل حق ممكن استيفاؤه منه كالأعيان المضمونة بمثلها أو بالقيمة ... كما يشترط أن يكون مقابل الرهن مالًا مضمونًا.. وهذا ليس مضمونًا.. كما لا يصح أخذ الرهن لأجل مال الأمانة، هذا والله أعلم.
* * *
стр. 10828
المحور الثاني
بيع الوفاء وعقد الرهن
* وجه التطابق فيما بين العقدين:
سبق وذكر في فتاوى النسفي أنه قال: إن بيع الوفاء هو رهن في الحقيقة وخرج على هذا الأصل الفروع التالية:
١- لا يملكه المشتري ولا ينتفع به إلَّا بإذن مالكه.
٢- المشتري وفاء ضامن لما أكل من ثمر المبيع أو أتلف من شجره.
٣- يسقط من الدين بهلاك المشتري تحت يده.
٤- لا يضمن الزيادة.
٥- للبائع استرداد المبيع وفاء إذا قضى دينه.
٦- لو بيع كرم بجنب هذا الكرم - الذي بيع بيع وفاء - فالشفعة للبائع لا للمشتري.
الوجه في المسألة: لأن بيع المعاملة وبيع التلجئة حكمهما حكم الرهن، وللرهن حق الشفعة وإن كان في يد المرتهن.
٧- فتاوى النسفي: سئل عمن باعه بيع وفاء فتقابضا فاستأجره - البائع - من المشتري هل يلزمه الأجر؟ قال: لا، لأنه رهن، والراهن لو استأجر الرهن من مرتهنه لم يلزمه الأجر.
٨- سئل: عمن باعه بيعًا وفاء، فباعه المشتري من آخر بيعًا باتًّا ولو سلم وغاب هل للبائع الأول أن يخاصم المشتري الثاني ليأخذه منه؟ قال: نعم، وإن كان حق الحبس للمرتهن لكن يد المشتري الثاني غير محقة، والبائع الأول مالك وله طلب ملكه ممن أخذ بغير حق.
ثم للمرتهن أن يأخذه منه ويحبسه متى حضر (١) .
стр. 10829
٩- وسئل أبو الحسن الماتريدي: عمن باع نصف كرمه من آخر وفاء، وخرج البائع في الصيف إلى كرمه بأهله. وأخرج المشتري أهله، وأدركت الغلات، فأخذ البائع نصفها والمشتري نصفها:
هل للبائع إذا تقايلا البيع وأعطاه - البائع للمشتري ما فاء - ثمن ما شراه - أن يطالبه بما حمل من الغلات؟
قال: لو أخذه بغير رضى البائع فللبائع أن يطالبه به أما لو أخذه برضاه فيكون ذلك هبة منه.
ثم قال: لا بد من التفصيل فيه: فإن رب الكرم هو الذي نقله - المشتري - إلى كرمه فيحتمل الأخذ برضاه وبغير رضاه.
فأما لو شرى الكرم كله وقبضه المشتري وأخذ غلاته والأخذ بغير رضا البائع وهو في الحقيقة رهن وليس للمرتهن أن يأكل غلة الرهن - فإذا أكلها ضمنها فأفتينا بالضمان على الاتفاق.
لذلك أقول: غرضهما من التبايع - وفاء - هو أخذ غلة الكرم المبيع والانتفاع به فيكون الأخذ برضى البائع سواء باع كل الكرم أو بعضه - فينبغي أن لا يضمن المشتري وفاء (١) .
١٠- تسقط حصة النقصان من مال الوفاء بأن يُقيم مال الوفاء على قيمة الباقي والهالك. فيسقط الهالك لا الباقي - كما في الرهن (٢) .
١١- لو أتلف المشتري حصة نقصان بنائه أو شجره يضمن قيمته كمرتهن.
ليس للبائع ولا للمشتري بيع مبيع الوفاء لشخص آخر لأن البيع بالوفاء في حكم الرهن في كل شأن من شؤونه.
وعليه: فليس لأحد من البائع والمشتري أن يبيع مبيع الوفاء من آخر بدون إذن الآخر حتى لو باعه البائع من آخر بيع وفاء أو بيعًا باتًّا وسلمه إياه فلا يكون صحيحًا - ولذلك للبائع أو ورثته استرداده من المشتري أو من وارثه، ويجبر المشتري أو وارثه على رده ولو لم يؤد البائع ثمنه إليه.
- ولكل واحد من الطرفين بيعه بإذن الآخر. فإذا باع إنسان ماله المباع بيع وفاء من آخر بيعًا باتًّا وأجازه المشتري وفاءً كان الوفاء جائزًا.
- وإذا باعه من آخر أيضًا نفذ منهما البيع الذي يجيزه المشتري وفاء.
وفي جامع الفصولين في بيع الوفاء لو باع ولم يقبض الثمن لا يمكنه من بيعه ثانيًا من غيره إلَّا بإجازة المشتري أو فسخ البيع (٣) .
أما لو باع الكل وفاء وقبض ثمنه ثم أدى نصف الثمن إلى المشتري - يتمكن من بيع نصف المبيع بلا إجازة لما مر من أنه ينفسخ البيع في النصف بقبض نصف الثمن (٤) .
* * *
стр. 10830
مبحث
هل يجوز انتفاع المرتهن بالعين المرهونة؟
اتفق الفقهاء على أن عين الرهن، ومنافعه ملك للراهن، وأن للمرتهن ليس إلَّا حق استيفاء دينه من ثمن المرهون إذا تعذر على الراهن وفاء الدين للمرتهن عند الأجل، مقدمًا به على سائر الغرماء.
كما اتفقوا على أن المرتهن لا يحل له الانتفاع بشيء من المرهون، إذا لم يأذن له الراهن، ولم يكن المرهون مركوبًا، أو محلوبًا، أو صالحًا للخدمة.
واختلفوا في انتفاع المرتهن بالمرهون إذا أذن له الراهن مطلقًا سواء أكان المرهون مركوبًا، أم محلوبًا، أم صالحًا للخدمة أم كان غير ذلك، أو لم يأذن له الراهن، وكان المرهون مركوبًا، أو محلوبًا، أو صالحًا للخدمة فالخلاف بين الفقهاء في موضعين:
الموضع الأول: انتفاع المرتهن بالمرهون، إذا أذن له الراهن في الانتفاع.
الموضع الثاني: انتفاع المرتهن بالمرهون، إذا لم يأذن له الراهن في الانتفاع، وكان المرهون مركوبًا، أو محلوبًا، أو صالحًا للخدمة.
الموضع الأول
انتفاع المرتهن بالمرهون إذا أذن له الراهن
اختلف الفقهاء في انتفاع المرتهن بالمرهون إذا أذن له الراهن، على ثلاثة أقوال:
القول الأول: الجواز مطلقًا سواء أكان الدين قرضًا أم غيره، وسواء أكان الانتفاع مشروطًا في العقد أم لا، ذهب إلى ذلك الحنفية (١) .
القول الثاني: عدم الجواز مطلقًا سواء أكان الانتفاع مشروطًا في العقد أم لا، وسواء أكان الدين قرضًا أم غيره، ذهب إلى ذلك الشافعي كما في الأم، وهو قول للحنفية.
القول الثالث: عدم الجواز إذا كان الرهن بدين القرض، والجواز إذا كان بدين غير القرض، كثمن مبيع، وأجرة دار، ذهب إلى ذلك المالكية والحنابلة، وهو المروي في التحفة عن الشافعي، غير أن المالكية والشافعية قيدوا الجواز بأمرين:
الأول: أن يكون شرط الانتفاع في طلب العقد.
الثاني: أن تكون المنفعة معلومة ببيان مدتها.
стр. 10831
الأدلة
استدل أصحاب القول الأول على جواز انتفاع المرتهن بالمرهون مطلقًا: بأن الراهن مالك لجميع منافع المرهون، فله أن يملكها غيره، فإذا أباحها للمرتهن صح ذلك، وحل للمرتهن الانتفاع بالمرهون، وكأن الراهن وهب المنفعة للمرتهن والهبة مشروعة.
ورد هذا الاستدلال بأن الهبة المشروعة هي ما أقدم عليها المالك بمحض اختياره، طيبة بها نفسه، والظاهر من حال الراهن أنه إنما أقدم على إباحة الانتفاع للمرتهن بالمرهون، تحت تأثير الحاجة، ولم يكن إذنه عن طيب من نفسه، وعلى ذلك فلا يحل مال امرىء إلَّا بطيب من نفسه.
واستدل أصحاب القول الثاني على عدم جواز انتفاع المرتهن بالمرهون مطلقًا:
بما رواه أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه)) (١) .
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن قوله: ((له غنمه وعليه غرمه)) نص صريح في أن منافع الرهن ملك للراهن، ولا يباح منها للمرتهن شيء إلَّا ما يقوم على إباحته دليل صحيح.
وليس هناك دليل صحيح على إباحة الانتفاع، وإذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بملكه - وقد وضعته الحاجة هذا الوضع القاسي - لا ينبغي لمنصف أن يدعي أنه صدر منه عن كمال اختيار وطيب نفس، بل صدر منه تحت سلاح الحاجة القاسية، على أنه في بعض الحالات يكون الانتفاع ربا صريحًا فيما إذا كان الدين قرضًا لقوله ﷺ : ((كل قرض جر نفعًا فهو ربا)) وهو منهي عنه شرعًا، فانتفاع المرتهن بالمرهون منهي عنه شرعًا.
واستدل أصحاب القول الثالث: مالكية، حنابلة، شافعية.
أولاً: على عدم جواز انتفاع المرتهن بالمرهون إذا كان الرهن عن دين قرض:
بما رواه علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((كل قرض جر نفعًا فهو ربا)) .
стр. 10832
ولا شك أن انتفاع المرتهن بالمرهون إذا كان الرهن عن دين قرض، زيادة خالية عن عوض فيكون ربا وهو منهي عنه.
ورد هذا الاستدلال بأن هذا الحديث قد ضعفه علماء الجرح والتعديل من جهة السند فلا يصلح للاحتجاج به.
ودفع هذا الرد بأن هذا الحديث وإن لم يثبت مرفوعًا إلى النبي ﷺ فقد ثبت معناه في روايات كثيرة، وجرى عمل الصحابة والسلف الصالح على ذلك، وهذا كاف للعمل به.
وثانيًا: على جواز الانتفاع إذا كان الرهن عن دين غير قرض بمفهوم حديث: ((كل قرض جر نفعًا فهو ربا)) فإن مفهومه أن غير القرض إذا جر نفعًا لا يكون ربا، فلا يكون نفعه منهيًّا عنه.
وقد رد هذا الاستدلال بأن الحديث لا مفهوم له، لأنه خرج مخرج الغالب، حيث كان الواقع والكثير الغالب - وقت ورود الحديث - أنهم كانوا يأخذون الرهن في مقابلة القرض وينتفعون به، فنهي الشارع عنه بخصوصه لا ينفي الحكم عما عداه، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] .
ولو سلمنا أنه له مفهومًا، فلا حجة فيه أيضًا، لأنه مفهوم لقب ومفهوم اللقب لا يحتج به على القول الراجح عند جمهور الفقهاء.
واستدل المالكية والشافعية على تقييدهم جواز الانتفاع فيما إذا كان الدين غير قرض بكونه مشروطًا في صلب العقد:
بأنه: إذا كان مشروطًا في صلب العقد كان بيعًا وإجارة وهو جائز. وبكون المدة معينة بأن تعيين المدة يخرج من الجهالة المفسدة للإجارة.
ورد على المالكية، والشافعة: أولًا بأن تقييدهم هذا لا يجنبهم المحظور الذي فروا منه، وهو فساد الإجارة، لأنها في هذه الحالة فاسدة لجهالة الأجرة، وكذلك البيع فاسد لجهالة الثمن، لأن الدين أصبح أجرة وثمنًا على الشيوع.
وثانيًا: بأن هذه الإجارة لا اختيار فيها فالظاهر من أمر المشتري أنه إنما قبل هذا الاشتراط تحت تأثير الحاجة، فهو تصرف لا اختيار فيه، وكل تصرف صدر لا عن اختيار فهو غير صحيح.
القول المختار
هذا والمختار من الأقوال الثلاثة هو القول بعدم جواز انتفاع المرتهن بالمرهون مطلقًا سواء أكان الانتفاع مشروطًا في العقد، أم كان غير مشروط وسواء أكان الرهن بدين قرض أم كان بغير دين قرض، لقوة أدلته وسلامتها مما ورد عليها، ولأنه يتفق وسماحة الدين ويسره ونبل مقصده حيث حث على التعاون وأكده، أما تَحَيُّن الفرص لأكل أموال الناس بالباطل فليس في شرائع الله تعالى ما يبيحه.
стр. 10833
الموضع الثاني
انتفاع المرتهن بالمرهون إذا لم يأذن له الراهن بالانتفاع
وكان المرهون مركوبًا أو محلوبًا أو صالحًا للخدمة
اختلف الفقهاء في انتفاع المرتهن بالمرهون إذا كان مركوبًا، أو محلوبًا، أو صالحًا للخدمة، ولم يأذن الراهن للمرتهن بالانتفاع بالمرهون، على أربعة أقوال:
القول الأول: لا يحل انتفاع المرتهن بالمرهون المركوب، أو المحلوب، أو الصالح للخدمة، إذا لم يأذن الراهن له بالانتفاع، ركوبًا، أو حلبًا، أو خدمة مطلقًا، سواء أكان الانتفاع بقدر نفقة المرهون أو أزيد منها، وسواء أكان الإنفاق على المرهون لامتناع الراهن عن الإنفاق على المرهون أم كان لغيبته، ذهب إلى ذلك الحنفية، والمالكية، والشافعية، وأحمد في رواية مرجوحة عنه.
القول الثاني: يحل الانتفاع بالركوب، أو الحلب خاصة بقدر النفقة متحريًّا العدل في ذلك مطلقًا، سواء أكان الإنفاق لامتناع الراهن عن الإنفاق أو لغيبته، أم كان مع عدم امتناعه وقدرته مع حضوره، ذهب إلى ذلك الحنابلة وإسحاق (١) .
القول الثالث: يحل الانتفاع بالمرهون ركوبًا أو حلبًا أو استخدامًا شرط امتناع الراهن من الإنفاق عليه، ويكون الانتفاع بقدر النفقة فقط، ذهب إلى ذلك أبو ثور، والليث، والأوزاعي (٢) .
القول الرابع: يحل الانتفاع بالمرهون ركوبًا وحلبًا فقط، إذا امتنع الراهن من الإنفاق عليه، وتكون المنفعة بالغة ما بلغت في مقابلة النفقة، فلا يقيد حل الانتفاع بقدر ما ينفقه على المرهون (٣) .
стр. 10834
الأدلة
أدلة القول الأول: استدل أصحاب القول الأول على عدم حل انتفاع المرتهن بالمرهون المركوب، أو المحلوب، أو الصالح للخدمة، إذا لم يأذن الراهن للمرتهن بالانتفاع مطلقًا، بالسنة والقياس:
أما السنة: فما رواه الشافعي والدارقطني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه)) .
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي ﷺ جعل الغنم للراهن، والغرم عليه، ولا شك أن المنافع من غنمه، فلا يصح للمرتهن أن ينتفع بشيء منها بدون إذن مالكها بلا تفرقة بين مركوب ومحلوب وبين غيره.
ونوقش هذا الدليل من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن هذا الحديث مختلف في وصله، وإرساله، ووقفه، ورفعه، وهو مع هذا الاختلاف لا يقوى على معارضة ما رواه البخاري، وأبو داود، والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)) .
ودفع هذا الوجه بأن الوصل والرفع زيادة من الثقة، وهي مقبولة، والاختلاف فيها لا يمنع من صحة الاحتجاج بالحديث.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث في سنده، عبد الله بن الأصم الأنطاكي، وله أحاديث منكرة، ذكرها ابن عدي في كتابه، ومنها هذا الحديث.
ودفع الوجه الثاني بأن هذا الحديث قد ورد من طرق أخرى ليس فيها هذا الراوي، وهذه الطرق حسنها علماء الحديث كما قال صاحب نصب الراية.
стр. 10835
الوجه الثالث: أن قوله: ((له غنمه وعليه غرمه)) ليس من كلام الرسول ﷺ ، وإنما هو من كلام سعيد بن المسيب، نقله عنه الزهري كما قال أبو داود في مراسيله.
ودفع الوجه الثالث بأن معمرًا ذكره عن ابن شهاب مرفوعًا، ومعمر أثبت الناس في ابن شهاب (١) .
وأما القياس: فإن المرهون ملك الراهن وليس للمرتهن فيه إلَّا حق الحبس، ولم يأذن الراهن للمرتهن بالانتفاع به، ولا الإنفاق عليه، فلم يكن له ذلك كغيره من الأموال، فكما أنه لا يجوز للمرتهن ولا لغيره الانتفاع بأموال الرهن غير المرهونة بغير إذنه فكذلك لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون بغير إذن الراهن، بجامع أن المرهون وغير المرهون من أموال الراهن ملك له.
ورد هذا القياس بأنه فاسد الاعتبار لأنه واقع في مقابلة نص، وهو قوله ﷺ : ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا)) ، فالقياس فاسد الاعتبار ولا يصلح للحجية.
стр. 10836
أدلة القول الثاني
استدل أصحاب القول الثاني على حل الانتفاع بالركوب والحلب خاصة بقدر النفقة مع تحري العدل في الانتفاع بقدر النفقة مطلقًا - بالسنة والقياس:
أما السنة: فما رواه البخاري وأبو داود والترمذي: عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)) .
ووجه الدلالة من هذا الحديث أن رسول الله ﷺ جعل منفعة المرهون في مقابل نفقته، ولم يقيد ذلك بإذن الراهن ولا بامتناعه عن الإنفاق، كما لم يقيد الانتفاع بكونه بمقدار النفقة، ولكن ورد ما يقيد إطلاقه في هذه الناحية، وهو ما رواه حماد بن سلمة في جامعه بلفظ: (إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدر علفها، فإن استفضل من اللبن شيء بعد ثمن العلف فهو ربا) (١) .
ورد هذا الدليل بأربعة أوجه:
الوجه الأول: أن هذا الحديث مجمل حيث لم يبين فيه من المنتفع، أهو الراهن أم المرتهن، وهو مع هذا الإجمال لا يصح به الاستدلال.
ودفع الوجه الأول: بأن هذا الحديث لا إجمال فيه، فإنه جعل الانتفاع عوضًا عن النفقة، وهذا إنما يصح في حق المرتهن، ولا يصح في حق الراهن لأن الراهن إنما ينفق على المرهون وينتفع به بحق الملك لا بطريق المعاوضة وعلى تسليم أنه مجمل في حد ذاته، فقد جاء في بعض رواياته ما يبين هذا الإجمال وهو: ((إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب النفقة)) ، فهذه الرواية صريحة في أن المنفق هو المرتهن، فيكون هو المنتفع.
الوجه الثاني: أن هذا الحديث كان قبل تحريم الربا، ثم نسخ بقوله ﷺ : ((كل قرض جر نفعًا فهو ربا)) (٢) .
ودفع الوجه الثاني: بأن النسخ لا يثبت بمجرد ادعائه، بل هو متوقف على القطع بتقدم المنسوخ وتأخر الناسخ، وعدم إمكان الجمع بينهما، والتاريخ مجهول، فلا تصح دعوى النسخ.
الوجه الثالث: أن هذا الحديث معارض لحديث ابن عمر عند البخاري وغيره، ولفظه: (لا تحلب ماشية امرىء بغير إذنه) وهو حاظر وإذا تعارض الحاظر والمبيح قدم الحاظر.
ودفع الوجه الثالث: بأن معارضة حديث ابن عمر لا تضر لأنها بين عام وخاص، فيحمل حديث ابن عمر العام على ما عدا ما دل عليه الخاص وهو حديث: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا ... إلخ)) .
والجمع بين الدليلين أولى من إهدار أحدهما.
стр. 10837
الوجه الرابع: أن هذا الحديث مخالف للقياس من وجهين:
الأول: أنه جوز الانتفاع لغير المالك بغير إذنه وهو ممنوع، لقوله ﷺ : ((لا يحل مال امرىء إلَّا بطيب من نفسه)) .
الثاني: أنه جعل الضمان بالنفقة، والأصل في الضمان أن يكون بالمثل أو بالقيمة.
ودفع الوجه الرابع: بأن مخالفة الحديث للقياس غير قادحة في الاستدلال لأن الأئمة أثبتوا كثيرًا من الأحكام بالنصوص، وقالوا: إنها ثابتة على خلاف القياس كالإجارة، والسلم، وغيرهما.
وأما القياس: وهو الدليل الثاني من أدلة القول الثاني فقد قالوا في تقريره: إن نفقة الحيوان واجبة على الراهن، وللمرتهن فيه حق، وقد أمكنه استيفاء حقه من الرهن، والنيابة عن المالك فيما وجب عليه، واستيفاء ذلك من منافع المرهون، وهو جائز قياسًا على المرأة يجوز لها أخذ نفقتها من مال زوجها عند امتناعه - بغير إذنه، والنيابة عنه في الإنفاق على نفسها فالجامع بين المرتهن وبين المرأة هو مطلق الامتناع من كل من الراهن والزوج فيجوز للمرتهن أن ينفق على الحيوان المرهون، ويأخذ مقابلها من منفعته.
كما يجوز للمرأة أن تنفق على نفسها من مال زوجها عند امتناعه من الإنفاق عليها متى أمكنها ذلك.
стр. 10838
أدلة القول الثالث
استدل أصحاب القول الثالث على حل انتفاع المرتهن بالمرهون ركوبًا وحلبًا بالسنة، كما استدلوا على انتفاع المرتهن بالمرهون استخدامًا بالقياس.
أما السنة: فأولًا ما رواه الشافعي والدارقطني عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه، له غنمه، وعليه غرمه)) .
وثانيًا ما رواه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)) .
ووجه الدلالة من الحديثين أن الحديث الأول دل على أن جميع منافع المرهون للراهن، والحديث الثاني دل على أن للمرتهن أن ينتفع بالمرهون ركوبًا وحلبًا في نظير إنفاقه عليه فجمعا بين الحديثين يحمل الأول على ما إذا قام الراهن بالإنفاق على المرهون، والثاني على ما إذا امتنع من الإنفاق عليه.
وأما القياس: فالاستخدام كالحلب والركوب، لأنه في معناهما، فكما جاز انتفاع المرتهن بالركوب والحلب، فكذلك يجوز انتفاعه بالاستخدام.
стр. 10839
أدلة القول الرابع
استدل أصحاب القول الرابع على حل انتفاع المرتهن بالمرهون ركوبًا وحلبًا فقط إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون في نظير الانتفاع بمنفعة المرهون ولو زادت على قدر النفقة بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] .
وأما السنة: فقوله ﷺ : ((إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام)) .
وقوله ﷺ : ((لا يحل مال امرىء مسلم إلَّا بطيب من نفسه)) .
فهذه النصوص - من كتاب الله وسنة رسوله - تدل صراحة على أن انتفاع الشخص بمال غيره من غير إذنه حرام، ولا شك أن ملك الشيء المرهون باق لراهنه، فانتفاع المرتهن به لا يحل بدون إذن الراهن، وقد جاء الحديث: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)) وهو يفيد جواز انتفاع المرتهن بالمرهون ركوبًا وحلبًا من غير إذن الراهن، ولم يقيد ذلك بقدر النفقة فيقتصر على مورد النص، ويبقى التحريم فيما عداه.
ورد هذا الدليل بأنه قد جاء في بعض الروايات التقييد بقدر النفقة، وهو ما رواه حماد بن سلمة في جامعه، بلفظ: ((إذا ارتهن شاة شرب المرتهن من لبنها بقدر علفها، فإن استفضل من اللبن شيء بعد ثمن العلف فهو ربا)) (١) .
وهذا صريح في أن الانتفاع بما زاد على قدر النفقة يكون حرامًا، فالواجب تقييد حديث الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا ... إلخ، بهذا الحديث.
стр. 10840
المختار
والقول المختار من الأقوال الأربعة في انتفاع المرتهن بالمرهون المركوب أو المحلوب، أو الصالح للخدمة، إذا لم يأذن الراهن للمرتهن في الانتفاع به.
هو القول الثالث وهو ما ذهب إليه أبو ثور، والليث، والأوزاعي من حل الانتفاع بقدر النفقة إذا امتنع الراهن عن الإنفاق على المرهون، لقوة أدلته ولموافقته لروح التشريع، ولما فيه من المحافظة على حقوق الراهنين والمرتهنين وعلى الأموال التي أمر الشارع بالمحافظة عليها ونهى عن إضاعتها وأكلها بالباطل.
فإن الناظر في أدلة المذاهب المختلفة، يرى أنه قد سلم منها حديث: ((له غنمه، وعليه غرمه)) ، وحديث: ((الظهر يركب بنفقته)) ، وحديث: ((فإن استفضل من اللبن شيء بعد ثمن العلف فهو ربا)) ، وسبيل العمل بالأحاديث المتعارضة هو الجمع بينها، وأما الأخذ ببعضها وترك البعض الآخر لمجرد ما أثير حوله من أقاويل أو تعصب لرأي معين، فبعيد عن الصواب، والإنصاف يقضي:
أولًا: بحمل حديث: ((له غنمه، وعليه غرمه)) العام، على حديث: ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا)) الخاص، فيبقى العام مانعًا من انتفاع المرتهن بدون إذن الراهن فيما عدا المركوب والمحلوب.
ثانيًا: بتقييد حديث: ((الظهر يركب ... )) المطلق، المفيد جواز انتفاع المرتهن بالمرهون، في نظير النفقة، سواء امتنع الراهن من الإنفاق أم لا، وسواء كانت المنفعة مساوية للنفقة أم لا - في موضعين -:
الأول: إذا امتنع الراهن من الإنفاق.
والثاني: إذا كانت المنفعة مساوية للنفقة.
стр. 10841
أما الأول: فلأن الأصل أن نفقة المرهون على مالكه، كما أفاده حديث: ((وله غنمه وعليه غرمه)) ، ولا يعدل عن هذا الأصل إلَّا إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون.
ولما كان المرتهن صاحب حق في المرهون، وبترك النفقة عليه يفوت هذا الحق جعل الشارع النفقة عليه في مقابل انتفاعه ركوبًا، أو حلبًا، لئلا يتضرر من الإنفاق على ملك غيره بالمجان، وقياس الحنابلة تصرف المرتهن على تصرف المرأة في مال زوجها بالإنفاق على نفسها، يؤيد ذلك، لأن المقيس عليه خاص بحالة امتناع الزوج من الإنفاق، فيجب أن يكون المقيس كذلك مقيدًا بتلك الحالة، وإلَّا كان قياسًا مع الفارق.
وأما الثاني: فلأن حديث: ((فإن استفضل من اللبن شيء بعد ثمن العلف فهو ربا)) صريح في ذلك حيث كان الزائد عن النفقة ربا، وهو محرم شرعًا، وبذلك يظهر بوضوح رجحان ما ذهب إليه أبو ثور، والليث، والأوزاعي، من جواز انتفاع المرتهن بالمرهون ركوبًا وحلبًا واستخدامًا بقدر ما ينفقه عليه لا غير، إذا امتنع الراهن عن الإنفاق على المرهون وفي حكمه إذا غاب، أو تعذر إنفاقه لعدم قدرته على الإنفاق، والله عنده علم الصواب.
والخلاصة أن التحريم متفق عليه في غير مسألة المركوب والمحلوب، أما فيها فقد قيل بالحل. ولكن الجمهور على خلافه ولا شك أن الأرض المرهونة ليست كالحيوان حتى تقاس عليه، فلا يجوز أن يكون القرض على رهنها سببًا في الانتفاع بها اتفاقًا فإن محل الخلاف بين الجمهور وغيرهم إنما هو الحيوان كما علمت.
* * *
стр. 10842
المحور الثالث
الصور التي يمكن للاقتصاد أن ينتفع بها من بيع الوفاء
الصور التي يمكن للاقتصاد أن ينتفع بها من بيع الوفاء:
١- أن بيع الوفاء ليس برهن محض، وأن ثمن الوفاء ليس بدين محض في ذمة البائع.
٢- لو كان الثمن في بيع الوفاء دينًا لكان المبيع رهنًا ولما كان المبيع بيع الوفاء رهنًا فلا يملك المشتري منافعه.
٣- لو كان ثمن الوفاء دينًا لما جاز البيع وفاء قبل الثمن لأنه يصير رهنًا بلا دين، وهو لا يجوز.
٤- لو كفل بدين فشرى الطالب به عقار المديون وفاء تبطل الكفالة ثم لا تعود بفسخها بيع الوفاء.
٥- لو باعه ولم يقبض الثمن لا يتمكن من بيعه من آخر قبل فسخه، والرهن كذلك.
٦- أن زكاة مال الوفاء تجب على البائع ولو كان دينًا محضًا لما وجب عليه، وفي هذا الوجه لا فرق بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام لأنه ملكه بقبضه، وعلى المشتري لأنه يعد مالًا موضوعًا له عند البائع أو دينًا له عليه (١) .
٧- البائع والمشتري في البيع بالوفاء مقتدران على الفسخ.
٨- كون المبيع في بيع الوفاء غير مشاع شرط.
٩- ليس للبائع أو المشتري بيع المبيع وفاء من آخر.
١٠- يجوز أن يشترط في بيع الوفاء أن تكون منافع المبيع للمشتري.
١١- إذا تلف المبيع وفاء في يد المشتري سقط من الدين بمقداره ولو كان ذلك بدون تعد منه.
١٢- إذا توفي أحد العاقدين للبيع بالوفاء قامت ورثته مقامه.
١٣- يميز المشتري وفاء عن غيره في أخذ المبيع (٢) .
١٤- أن المشتري يملك زوائد المبيع وفاء ولا يضمنها بإتلافها (٣) .
стр. 10843
خاتمة البحث
هذا ما أعان الله عليه ووفقنا إليه من جهد المقل في بحث (بيع الوفاء) راجيًا المولى تعالى أن يكون قد حالفنا الصواب فيما وقع الاختيار عليه من أقوال فقهاء الإسلام.. ولما كانت المسألة خلافية فيما بينهم في العديد من المسائل والصور ليتوجه ما شاء من العلماء إلى من شاء من أقوال الفقهاء ما دام ترجح لديه قول إمامه أو من يقلد من الأئمة وفي النتيجة نحن أمام مقولتين.
إحداهما فيها السعة: المعاملات طلق حتى يعلم المنع.. وتقابل القاعدة: التقوى فوق الفتوى، والله من وراء القصد.
الشيخ خليل محيي الدين الميس
* * *
стр. 10844
بيع الوفاء عند الإمامية
إعداد
حجة الإسلام الشيخ محمد علي التسخيري
عضو مجمع الفقه الإسلامي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بيع الوفاء هو البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري المبيع إليه.
ومن أسمائه: بيع الثنيا عند المالكية، وبيع العهدة عند الشافعية، وبيع الأمانة عند الحنابلة، وبيع المعاملة عند بعض الحنفية.. وكذلك سمي بيع الطاعة وبيع الجائز، أما عند الإمامية فيسمى (البيع بشرط الخيار) ، وربما ذكرت له أسماء أخرى (١) .
ما استقر عليه الرأي عند بعض المذاهب:
كان السائد قديمًا فساد هذا البيع عند علماء المذاهب الأربعة باعتبارات ذكرت الموسوعة الفقهية منها ما يلي:
الأول: أن من شروط صحة الشرط أن لا يخالف مقتضى العقد وعقد البيع يقتضي ملك المشتري للمبيع على سبيل الاستقرار والدوام.
الثاني: أن في هذا الشرط منفعة للبائع ولم يرد دليل معين يدل على جوازه.
الثالث: أن البيع على هذا الوجه لا يقصد منه حقيقة البيع بشرط الوفاء وإنما يقصد من ورائه الوصول إلى الربا المحرم.
وذهب بعض المتأخرين من الحنفية وكذلك بعض الشافعية إلى جواز ذلك لأن البيع بهذا الشرط قام عليه العرف فرارًا من الربا وهو صحيح وإن كان مخالفًا للقواعد لأن القواعد تترك بالتعامل كما في الاستصناع (٢) .
واعتبره أبو شجاع وعلي السعدي والقاضي أبو الحسن الماتريدي من الحنفية: من عقد الرهن ورتبوا عليه كل أحكام الرهن بحجة أن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني ولهذا كانت الهبة بشرط العوض بيعًا.
стр. 10845
أما ما استقر عليه الرأي - كما نقل - لدى الحنفية فهو أنه عقد جديد - كما يعبر الأستاذ الزرقاء في بحثه المقدم للمجمع ليس بيعًا صحيحًا من كل وجه ولا بيعًا فاسدًا من كل وجه ولا رهنًا من كل وجه بل فيه شبه بها جميعًا ولذا قرروا إعطاءه حكمًا من كل منها:
فأعطي من أحكام البيع المطلق الصحيح أن للمشتري حق الانتفاع به واستغلاله دون حاجة إلى إذن البائع بل بمقتضى العقد.
- وأعطي من أحكام البيع الفاسد أنه عقد جائز للطرفين.
- وأعطي من أحكام الرهن أنه لا يجوز للمشتري بيعه لأنه شرط رده على البائع متى أعاد له الثمن وأحكام أساسية أخرى.
وقد استقر رأي الحنفية على هذا حتى قال صاحب البحر الرائق: وينبغي أن لا يعدل في الإفتاء عن القول الجامع، وفي النهر: والعمل في ديارنا على ما رجحه الزيلعي (١) .
وقفة قصيرة عند الأدلة:
وقبل المضي في البحث لا بد من وقفة قصيرة عند الأدلة التي سيقت للفساد أو الجواز.
أما بالنسبة لأدلة الفساد فقد ذكر منها أن هذا الشرط مخالف لمقتضى العقد فما هو الموقف هنا؟
من الواضح أن سر المشكلة في هذا العقد هو وجود شرط (الرد عند الرد) في هذا العقد ولذا كان من الطبيعي أن نرجع إلى قاعدة (المؤمنون عند شروطهم) وأحكامها المتفرعة لنحدد الموقف من هذا الشرط.
وهذه القاعدة لا يختلف حولها العلماء بعد أن جاءت النصوص المؤكدة لها وهي في كمال الوقوف والاعتبار.
стр. 10846
على أن الشروط ضمن العقود هي من توابعها وحينئذ يشملها دليل وجوب الوفاء - كما هو الظاهر - أما ما قيل من أن العقود هي نفس المعاهدة الواقعة بين الطرفين دون النظر للالتزامات الأخرى فلا يبدو أمرًا مستساغًا عرفًا وإنما ينظر العرف إلى مجموع الالتزامات ويرى شمول دليل الوفاء لها خصوصًا بعد تفسير العقود بالعهود.
وهنا نقول أنهم اشترطوا أن لا يكون الشرط مخالفًا لمقتضى العقد وذلك باعتبار أن شمول دليل الوفاء لمثل هذه الحالة غير ممكن لوجود مقطعين متنافيين تمامًا في هذا المضمون الذي يراد الوفاء به ولا يمكن أن يقصد العقلاء مضمونين متناقضين في آن واحد.
وهذا إنما يقتصر على التنافي بين الشرط ومقتضى ذات العقد.
أما لو كان الشرط منافيًا لإطلاق العقد مثلًا فالعقد حينئذ يبدأ مقيدًا ولا معنى لتصور التنافي فيه مطلقًا فيشمله دليل الوفاء بشكل طبيعي ودون أية عقبة ولتوضيح الأمر نقول:
أن المنافاة لمقتضى العقد يمكن أن تتصور على أنحاء:
(أ) أن يكون هناك تناف بين الشرط ومضمون العقد بالمعنى المصدري وهو مثلًا التمليك في البيع.
فلو قال: بعتك هذه العين بشرط أن لا يتحقق هذا التمليك فهذا يعني وجود تناقض في المضمون وطبيعي أن هذا أمر باطل.
(ب) أن يكون الشرط منافيًا لكل آثار العقد كأن يقول: بعتك هذا شريطة أن لا تتصرف به مطلقًا وهذا يكاد يرجع إلى الوجه السابق.
(ج) أن يكون الشرط منافيًا لأهم الآثار المنظورة في العقد بحيث يكون النظر أولًا إلى هذا الأثر كأن يشترط في عقد الزواج أن لا يتم المس الجنسي طوال حياة الزوجين.
وهنا قد يقال: إن الفهم العرفي يرى المنافاة والتناقض وإن لم يكن ذلك بالنظر الدقيق فحكمه حكم الوجوه السابقة ولكن يمكن القول بصحة هذا الشرط إذا افترضنا أن النظر الحقيقي في العقد منصب على باقي الآثار كجواز النظر في مثالنا والتعاشر تحت سقف واحد اللهم إلا أن يقال بأنه شرط مخالف للكتاب والسنة وهو أمر فيه نظر.
стр. 10847
(د) أن يكون التنافي لبعض الآثار العرفية للعقد وهنا نكرر ما قلناه إن التنافي هنا ليس بين ذات العقد والشرط بل هو بين الشرط وإطلاق العقد، ولكن وجود الشرط منذ البداية يرفع الإطلاق (بالمعنى الأعم) فيولد العقد مشروطًا لا مطلقًا ولا يبقى تناف في البين وتشمله أدلة الوفاء - إن لم يكن هناك مانع آخر.
(هـ) أن يكون التنافي بين الشرط وبعض الآثار الشرعية للعقد بمعنى الاسم المصدري كاشتراط الزوجة كون السكنى باختيارها فلا مانع منه إلا أن يكون هناك مانع آخر كأن يكون ذلك من الحقوق غير القابلة للإسقاط كأن يشترط الزوج على الزوجة التنازل عن ليلتها لو قلنا بذلك وأمثال ذلك.
وهنا نعود إلى شرطنا المبتلى به وهو شرط الرد عند الرد لنبحث عن كونه مصداقًا لأي من الوجوه الماضية.
لا ريب في أنه لا ينافي مقتضى ذات العقد لأن التمليك حاصل يقصد البيع حقيقة ولا نستطيع أن ننوب عن المتعاقدين في تفسير ألفاظهما بعد أن كانا قاصدين حقيقة للبيع ومستعدين لترتيب ما يترتب عليه من آثار ولكن في حدود معينة متفق عليها فلا معنى إذن لجعله رهنًا لأنه يقوم مقامه أو اعتباره عملية ربوية لأنه يؤدي مؤداها وإلا لكان علينا أن نسد الباب على كل فار من الربا الحرام إلى كل عقد صحيح يؤدي بالتالي إلى نفس النتائج وهذا منحى خطير فهل نمنعه من المضاربة مثلًا إذا كانت تؤدي إلى نفس النتائج؟
نعم لو اشترط في هذا العقد شروطًا تؤدي في الواقع إلى نفس الالتزام بأي أثر من آثار البيع وتحول العملية إلى قرض معقد كما تفعله بعض البنوك التي تحاول الفرار من الربا فهذا أمر يرفضه العرف ويجعله من مصاديق الربا وللعرف حقه في تشخيص المصاديق للأدلة الشرعية كما مر لنا بحث في اجتماع سابق لمجمع الفقه في هذا الصدد كما أنه لا ينافي كل آثار العقد، وكذلك فهو لا ينافي الأثر المنظور بالتركيز العرفي وهو التمليك وترتيب آثار الملك إجمالًا.
نعم لا يبقى لدينا إلا المنافاة لإطلاق العقد في ترتيب كل آثار التمليك وقد رأينا عدم الضرر في ذلك.
ومن هنا فنحن نرى أن هذا الشرط في نفسه صحيح لا غبار عليه.
- على أن هناك بحثًا مفصلًا في أداء الشرط الفاسد إلى فساد العقد لا مجال لنا هنا لطرحه وإنما نقول إجمالًا أن هذا الشرط لما كان محط النظر للمتعاقدين فلو فسد فإن المرجح هو فساد العقد.
أما بالنسبة للأدلة التي ذكرت للمجيزين ففيها نظر أيضًا.
فقد ذكروا أن هذا العقد رغم مخالفته للقواعد لكنه لما قام عليه العرف والتعامل خرجنا عن مقتضى القاعدة فيه كعقد الاستصناع فهذا أمر فيه نظر كثير.
إذ كيف يسوغ لنا أن نخرج عن القواعد الشرعية المقررة لمجرد حصول التعامل العرفي به؟.
إننا لا نستطيع أن نخرج عن القواعد الشرعية إلا بدليل شرعي فما هو الدليل الشرعي المذكور هنا؟
стр. 10848
إنه العرف وقد ذكرنا أن العرف ليس دليلًا شرعيًّا قائمًا برأسه وإلَّا لما احتجنا إلى الشريعة وإنما العرف يمكنه أن يشخص لنا مصاديق الأدلة ومداليل الألفاظ ومرادات المتكلمين كما يمكنه أن يكشف لنا عن إمضاء الشارع المعصوم للقاعدة الأصولية كالاستصحاب أو الحكم الفرعي شريطة أن يمتد إلى عصر المعصوم فيكون عرفًا عامًّا في زمانه ومن خلال عدم نهيه عنه يكتسب مشروعية التقرير طبعًا مع التأكد من كل هذه الأمور أي الامتداد إلى ذلك العصر حتمًا وعدم صدور النهي قطعًا.
كما هو الحال في عقد الاستصناع - كما يدعى - وهذا أمر يختلف عن الحال في عقد نشك في امتداده إلى ذلك العصر بل يقال أنه ظهر أول ما ظهر في القرن الخامس الهجري في مدينة بلخ وهو أمر مرفوض خصوصًا إذا لاحظنا الروايات الآتية عن أهل البيت (ع) وعلى أي حال فإننا لا نستطيع تحكيم العرف هنا والخروج فيه عن القواعد والقوانين الشرعية.
أما بالنسبة لما استقر عليه الرأي والذي عبر عنه الأستاذ الزرقاء بالبيع الجديد المشابه (للبيع الصحيح والفاسد والرهن) . كما عبرت عنه الموسوعة بأنه (مركب من العقود الثلاثة كالزرافة فيها صفة البعير والبقرة والنمر) . فهو أيضًا لم نستطع أن نتبين الوجه في تصحيحه. إذ أننا تارة نحاول التشبيه وأخرى نحاول التماس الدليل الشرعي للحكم الشرعي الذي نريد استنباطه. وهل يكفي مجرد الشبه لنقل حكم من المشبه به إلى المشبه؟
كما أن وجود عنصر فاسد - وهو المفروض لديهم - في هذا العقد يفسد المجموع - كما مر ذلك. ولا نستطيع بعد هذا أن نجيز شمول أدلة الوفاء لمثل هذا العقد والحال هذه.
ولذا رأينا الأستاذ الزرقاء يكتفي بنقل القول دون تأييده بل رأينا أبا شجاع والسعدي والماتريدي يعدلون عن هذا الرأي ويلجأون إلى تصحيحه باعتباره عقد رهن كامل وبالتالي يمنحونه كل أحكام الرهن وهذا أيضًا لم نر له وجهًا بعد أن لم يقصده المتعاقدان مطلقًا ومع هذا فلا مجال لفرض ضرورة الالتزام به كقول جامع وعدم تسويغ الخروج عليه.
ولا ننسى أن نشير إلى من جوزه لحاجة الناس إليه فلا نرى ذلك أيضًا دليلًا مسوغًا اللهم إلا أن يتحول إلى ضرورة وللضرورات أحكامها وليس الأمر كذلك.
стр. 10849
إشكال الغرر:
ولو بقينا نحن والقواعد الأولية وقبل الرجوع إلى أي دليل آخر خاص بهذا المورد فإن هناك إشكالًا عامًّا قد يطرح على صور هذا العقد وهو إشكال الغرر وهو ما لم أُلاحظه في كتب المتقدمين وإنما ذكره الإمام الخميني ﵀ في كتاب البيع وناقشه بالتفصيل (١) فمهما صورنا هذا الشرط من قبيل:
(أ) أن يكون الشرط هو الخيار المتقيد برد الثمن.
(ب) أن يؤخذ الرد فسخًا فعليًّا.
(ج) أن يشترط انفساخ العقد حال رد الثمن من قبيل شرط النتيجة ولا مانع من ذلك.
(د) أن يشترط الإقالة أو البيع الجديد أو نقل المبيع إليه (وستأتي الإشارة إلى هذه الصور في بحث الفروع) .
نعم في كل هذه الصور يبدو أن الجهالة حاصلة والغرر قائم فلا يعلم متى يتحقق رد الثمن ليتم رد المثمن.
نعم لو تم تحديد زمان الرد بالتعيين ارتفع الغرر.
أما لو أطلق الأمر واشترط الرد عند الرد خلال هذه المدة الممتدة فهل يتحقق الغرر لأن المعلق عليه مجهول من حيث مدة حصوله؟
والذي يبدو أن الغرر بهذا المقدار لا يضر عرفًا شريطة أن لا تخرج المدة المضروبة عن الحدود المتعارفة بحيث لا يصدق في التصور العرفي حصول غرر رغم كثرة البدائل فما أكثر ما يمنح العرف الفرصة لتحقق الشروط دون أن يتصور أن هناك جهلًا وغررًا في البين وبهذا دفعنا إشكال الغرر في عقد الضمان بعد توفر تحديدات للأقساط والمدد وأمثال ذلك.
ولهذا أيضًا نجد المعارضين له لا يشيرون إلى عنصر الغرر هذا باعتباره مغتفرًا بهذا المقدار.
стр. 10850
بيع الوفاء عند الإمامية:
والملاحظ أنهم فرغوا عن كونه بيعًا وإنما ركزوا على شرط الخيار ولذلك بحثوه غالبًا في بحث (الخيارات) وفي مبحث خيار الشرط بالتحديد كما ذكره صاحب (الغنية) في أمثلة الشروط الجائزة.
فهو إذن بيع خالص تنتقل فيه العين بكل تبعاتها وحقوقها إلى المشتري والثمن بكل توابعه إلى البائع إلا أن هناك شرطًا للرد عند الرد يلتزم به الطرفان كما سيتوضح فيما يلي:
حكم بيع الوفاء وفق القواعد العامة:
وهو المنهج الذي يتبعه فقهاء الإمامية المتأخرون عندما يبحثون أي مسألة فإنهم يطرحونها أولًا على ضوء القواعد العامة فإذا كانت النتيجة إيجابية اعتبرت النصوص الواردة في هذا المورد الخاص تأكيدًا وتطبيقًا لتلك القواعد أما إذا كانت سلبية اعتبرت النصوص الخاصة استثناء، ولذا يؤخذ من الاستثناء خصوص ما تم القطع بخروجه عن القواعد العامة ويرجع في الباقي إليها، على تفصيلات دقيقة تراجع في مظانها.
وقد ذكرنا أنهم لم يناقشوا في كونه بيعًا تنطبق عليه كل صفات عقد البيع وبالتالي تشمله أدلة الوفاء بالعقود من هذه الجهة.
كما أنهم لم يروا في هذا الشرط أية مخالفة لمقتضى العقد بل هم لم يبحثوا هذه المسألة لوضوحها لديهم وإنما ركزوا على مسائله الفرعية فقط دون المساس بأصل المشروعية.
فهذا العلامة الشيخ محمد حسن النجفي صاحب الجواهر يقول: (وكذا يجوز اشتراط الخيار مدة معينة - لا مجهولة ولا مطلقة - بشرط أن يرد البائع فيها الثمن ويرتجع بالمبيع إن شاء إجماعًا في أصل المسألة ... ونصوصًا عمومًا وخصوصًا) (١) .
فهو يرى أن النصوص العامة وهي أساس من أسس مشروعية هذه القواعد تنسجم مع هذا البيع.
ويقول الشيخ العلامة الأنصاري: (والأصل فيه بعد العمومات المتقدمة في الشرط النصوص المستفيضة) (٢) والعبارة تحمل نفس المدلول.
ويقول الإمام الخميني عن هذا البيع: (وهو جائز إجمالًا بالأدلة العامة والخاصة بل عن التذكرة وغيرها الإجماع عليه) (٣) .
стр. 10851
فهو إذن بالإضافة إلى انسجامه مع الأدلة العامة يملك سند الإجماع المنقول كما تنص على صحته نصوص عن أئمة أهل البيت (ع) كما سيأتي الحديث عنها.
إلا أنه راح يذكر صور الاشتراط ويحللها ليجد ما يوافق منها القواعد العامة وما يخالفها وقد مر علينا ذلك قبل قليل ورأيناه يقبل أغلب تلك الصور على تفصيلات إلا أنه يرى أن إشكال الغرر يأتي في أكثرها فيقول:
(ثم إن إشكال الجهالة والغرر يأتي في أكثر الصور فما فيها الغرر بالوجه الذي مر بيانه تبطل على القواعد ولا بد في صحتها من التماس دليل من إجماع أو أخبار خاصة) (١) وهذا ما يستفيده هو بعد تعرضه لتلك الأخبار الخاصة حيث يقول بعد استعراضها:
(وكيف كانت تدل هذه الروايات على صحة الشرط مع الجهالة في المجعول وزمان الخيار أو زمان لزوم الرد أو الفسخ أو الانفساخ) (٢) .
الأدلة الخاصة في مورد بيع الوفاء:
وهنا يذكر الإجماع المنقول والروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (ع) وقد ذكرت في الباب السابع والثامن من أبواب الخيار في كتاب وسائل الشيعة للمرحوم الشيخ الحر العاملي وعلى النحو التالي.
١- محمد بن يعقوب عن أبي علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن علي بن النعمان عن سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد الله ﵇ : إنا نخالط أناسًا من أهل السواد وغيرهم فنبيعهم ونربح عليهم للعشرة اثني عشر، والعشر ثلاثة عشر ونؤخر ((نوجب)) ذلك فيما بيننا وبين السنة ونحوها ويكتب لنا الرجل على داره أو على أرضه بذلك المال الذي فيه الفضل الذي أخذ منا شراء قد باع وقبض الثمن منه فنعده إن هو جاء بالمال إلى وقت بيننا وبينه أن نرد عليه الشراء فإن جاء الوقت ولم يأتنا بالدراهم فهو لنا فما ترى في الشراء؟ فقال: أرى أنه لك إن لم يفعل وإن جاء بالمال للوقت فرد عليه.
وروى هذا الحديث الشيخ الصدوق بإسناده عن سعيد بن يسار ورواه الشيخ الطوسي بإسناده عن الحسين بن سعيد عن علي بن النعمان وعثمان بن عيسى جميعًا عن سعيد بن يسار.
٢- محمد بن يعقوب عن أبي علي الأشعري عن فضالة عن أبان بن عثمان عن أبي الجارود عن أبي جعفر (الباقر) ﵇ (وفي نسخة أخرى عن أبي عبد الله الصادق) قال: إن بعت رجلًا على شرط فإن أتاك بمالك وإلا فالبيع لك.
стр. 10852
٣- محمد بن الحسن (الطوسي) بإسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان، عن إسحاق بن عمار قال: حدثني من سمع أبا عبد الله ﵇ وسأله رجل وأنا عنده فقال: رجل مسلم احتاج إلى بيع داره فجاء إلى أخيه فقال: أبيعك داري هذه وتكون لك أحب إليَّ من أن تكون لغيرك على أن تشترط لي إن أنا جئتك بثمنها إلى سنة أن ترد علي فقال: لا بأس بهذا إن جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه. قلت: فإنها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة لمن تكون الغلة؟ فقال: الغلة للمشتري، ألا ترى أنه لو احترقت لكانت من ماله.
وروى هذا الحديث الصدوق بإسناده عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله ﵇.
ورواه الشيخ الكليني ﵀ عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين عن صفوان.
٤- وروى الشيخ الطوسي بإسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن أحمد بن أبي بشر (وفي نسخة أخرى: بشير) عن معاوية بن ميسرة قال: سمعت أبا الجارود يسأل أبا عبد الله ﵇ عن رجل باع دارًا له من رجل، وكان بينه وبين الرجل الذي اشترى منه الدار حاصر فشرط إنك إن أتيتني بمالي ما بين ثلاث سنين فالدار دارك فأتاه بماله، قال له: شرطه، قال أبو الجارود: فإن ذلك الرجل قد أصاب في ذلك المال في ثلاث سنين قال: هو ماله. وقال أبو عبد الله ﵇ : أرأيت لو أن الدار احترقت من مال من كانت تكون، الدار دار المشتري (١) .
٥- ويضاف إليها رواية جاءت في كتاب دعائم الإسلام عن أبي عبد الله ﵇ (أنه سئل عن رجل باع داره على شرط أنه إن جاء بثمنها إلى سنة أن يرد عليه قال: لا بأس بهذا وهو على شرطه) (٢) .
وتشكل هذه الروايات محور البحث في الفروع التي طرحت في هذه المسألة وهي متشعبة نذكر هنا بعضها ثم نعقب ذلك بخاتمة.
стр. 10853
الفرع الأول
صور الاشتراك ومدى انسجامها مع القواعد العامة
وقد ذكروا له صورًا كما يلي:
الصورة الأولى:
أن يكون الشرط هو الخيار المقيد برد الثمن بمعنى أنه يجعل منذ البدء مضيقًا وحينئذ فله الخيار (بهذا القيد) طول الوقت المعين.
(وهذا لا إشكال في صحته لعدم التعليق فيه وعدم الجهالة في الجعل والمجعول، والجهل بوقت الأداء خارج عن محط الجعل نظير الجهل بأعمال خيار الشرط إذا جعل ثلاثة أيام) (١) .
الصورة الثانية:
أن يعلق الخيار على رد الثمن في الوقت المعين فلا يثبت إلا بعد تحقق المعلق عليه وحينئذ فلا خيار قبل تحقق الرد وتكون مدة الخيار منفصلة دائمًا عن العقد كما يرى الشيخ الأنصاري في حين يرى الإمام أنه ثابت في كل المدة لأن المعلق عليه ليس قيدًا ولا إشكال فيه سوى التعليق وهو غير مضر لعدم الدليل على بطلانه شرعًا، أما إشكال الغرر فقد تقدم الحديث عنه.
الصورة الثالثة:
أن يؤخذ الرد قيدًا للفسخ بمعنى أن له الخيار طوال المدة المعينة على وجه يقارن الرد أو يتأخر عنه ولا مانع منها.
الصورة الرابعة:
أن يعتبر الرد فسخًا فعليًّا وقد ذكر الشيخ الأنصاري أن صاحب الرياض اعتبر هذه الصورة هي الظاهرة من الأخبار.
стр. 10854
الصورة الخامسة:
أن يشترط انفساخ العقد حال رد الثمن فيكون هذا من قبيل شرط النتيجة وقد اعتبرها الشيخ الأنصاري هي الظاهر من رواية معاوية بن ميسرة المتقدمة وهي الصورة التي يبدو أن صاحب الغنية ركز عليها حيث أنه لم يذكر هذا القسم في الخيار وإنما ذكره في أمثلة الشروط الجائزة في متن العقد قائلًا: (أن يبيع ويشترط على المشتري إن رد الثمن عليه في وقت كذا كان المبيع له) (١) .
هذا وقد أشكل عليها بإشكالين.
الأول: أن شرط النتيجة غير صحيح.
الثاني: أنه يعني اقتضاء الشيء عدم فسخه أو انفساخ العقد بلا سبب. أما الإشكال الأول فيقال في توضيحه أن الاشتراط يعني تمليك الشرط للمشروط له تمامًا كما في شرط الفعل والنتائج لا تقبل الإضافة إلى مالك.
ولكنه غير صحيح فالحقيقة هي أن هناك التزامًا من البائع بالفعل أو بالنتيجة ولا مانع في ذلك.
وأما الثاني فيقال في جوابه أن سبب الانفساخ هو الشرط نفسه وليس العقد.
الصورة السادسة:
أن يشترط البائع على المشتري أن يقيله أو يبيعه من جديد أو ينقل المبيع إليه عند رد الثمن وهو الاستظهار الوارد في كتاب الوسيلة حيث قال: (إذا باع شيئًا على أن يقيله في وقت كذا بمثل الثمن الذي باعه لزمته الإقالة إذا جاءه بمثل الثمن في المدة) .
ولا مانع من هذه الصورة أيضًا.
ما يستفاد من الروايات الآنفة:
أما رواية إسحاق بن عمار فهي تحتمل كل هذه الصور وكذلك رواية سعيد بن يسار في حين أن رواية معاوية بن ميسرة الظاهر من لفظها شرط النتيجة (فالدار دارك) ولكنها كلها تحتمل الوجوه الماضية إما مباشرة أو بالكناية.
стр. 10855
الفرع الثاني
هل يكفي مجرد الرد في الفسخ؟
قيل: أن ظاهر عبارات العلماء هي أن مجرد رد الثمن ليس قاطعًا للبيع.
ذلك أن الذي يتبع الرد هو الخيار لا انقطاع البيع ولا ينفسخ البيع معه إلا بالفسخ وليس الرد بنفسه فسخًا لأنه لا يدل عليه وإن كان علامة على الإرادة والإرادة غير المراد.
ولكن الشيخ الأعظم الأنصاري يقول: (أما لو فرض الدلالة عرفًا إما بأن يفهم منه كونه تمليكًا للثمن من المشتري ليتملك منه المبيع على وجه المعاطاة وإما بأن يدل الرد بنفسه على الرضا بكون المبيع ملكًا له والثمن ملكًا للمشتري فلا وجه لعدم الكفاية لاعترافهم بتحقق الفسخ فيما هو أخفى من ذلك دلالة وما قيل من أن الرد يدل على إرادة الفسخ والإرادة غير المراد ففيه أن المدعي دلالته على إرادة كون المبيع ملكًا له والثمن ملكًا للمشتري ولا يعتبر في الفسخ الفعلي أزيد من هذا مع أن ظاهر الأخبار كفاية الرد في وجوب رد المبيع بل قد عرفت في رواية معاوية بن ميسرة حصول تملك المبيع برد الثمن فيحمل على تحقق الفسخ الفعلي به) (١) .
وخلاصة كلامه: أنه لا مانع من أن يدل الرد دلالة عرفية على الفسخ وعندئذ يكفي في انقطاع البيع.
وقد استظهر من الروايات الماضية كفاية الرد بل إن رواية معاوية صريحة في ذلك.
في حين أن الإمام الخميني أكد أن الظاهر هو ما يقوله الأصحاب فالرد يتبعه الخيار لا الانقطاع وهو ما نستظهره أيضًا.
نعم لو نص في العقد على أن يكون الرد فسخًا فلا إشكال في ذلك.