حكم بيع الوفاء عند فقهاء الحنفية:
اضطربت آراء فقهاء الحنفية في حكم بيع الوفاء. وذكر ابن نجيم في البحر الرائق، وابن البزاز الكردي في الفتاوى البزازية أن لفقهاء الحنفية في بيع الوفاء ثمانية آراء. [راجع لتفصيل تلك الآراء: البحر الرائق: ٦/٨ و ٩؛ والفتاوى البزازية على هامش الهندية: ٤/٤٠٥؛ وجامع الفصولين: ١/٢٣٤] . لكن العمدة في بيع الوفاء أربعة أقوال.
الأول: قال بعض الفقهاء أنه رهن في الحقيقة، لا يملكه (أي المشتري) ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه (١) ، وللبائع استرداده إذا قضى دينه، لا فرق بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام، لأن المتعاقدين وإن سمياه البيع، ولكن عرفهما الرهن والاستيثاق بالدين، إذا العاقد يقول لكل أحد بعد هذا العقد: رهنت ملكي فلانًا، والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان، والعبرة في التصرفات للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني، فإن الحوالة بشرط أن لا يبرأ كفالة والكفالة بشرط البراءة حوالة. وهذا هو مذهب الإمام الحسن الماتريدي، والسيد أبي شجاع وابنه، والإمام علي السغدي (٢) .
الثاني: أنه بيع غير صحيح، واختاره صاحب الهداية وأولاده أعني لا يملك المشتري عندهم بيعه من الغير كما في بيع المكره، لا كالبيع الفاسد بعد القبض (٣) .
الثالث: ما اختاره قاضيخان وهو من طبقة المجتهدين في المسائل عند الأحناف، فقال:
(والصحيح أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنًا، ثم ينظر إن ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع وإن لم يذكرا ذلك في البيع وتلفظا بلفظة البيع بشرط الوفاء، أو تلفظا بالبيع الجائز، وعندهما هذا البيع عبارة عن عقد غير لازم فكذلك، وإن ذكرا البيع من غير شرط، ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة، جاز البيع، ويلزمه الوفاء بالوعد لأن المواعدة قد تكون لازمة فتجعل لازمة لحاجة الناس) (٤) .
الرابع: القول الجامع لبعض المحققين أنه فاسد في حق بعض الأحكام، حتى ملك كل منهما الفسخ، صحيح في حق بعض الأحكام، كحل الإنزال ومنافع المبيع، ورهن في حق البعض، حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه، وسقط الدين بهلاكه، فهو مركب من العقود الثلاثة، جوز لحاجة الناس إليه، بشرط سلامة البدلين لصاحبهما. قال ابن نجيم:
(وينبغي أن لا يعدل في الإفتاء عن القول الجامع) (٥) .
والذي نراه أن القول الثالث والرابع لا يتنافيان، بل يجتمعان في أن القول الثالث يبين كيفية صحة هذا العقد، والقول الرابع يبين الأحكام التي تنبني على صحة هذا العقد.
стр. 11097
ما هو الراجح من تلك الأقوال:
قد تبين مما حررنا سابقًا أن المقصود من بيع الوفاء كان في الحقيقة رهنًا غيروه إلى بيع حتى ينتفع الدائن بمقبوضه. فلو نظرنا إلى المعنى والمقصود لوجب لنا أن نقول بما قاله أصحاب القول الأول، ونجري عليه أحكام الرهن، أما إذا نظرنا إلى الألفاظ والمباني نجد أن القول الثالث الذي اختاره قاضيخان هو الراجح، وبه أفتى مشائخ الحنفية من المتأخرين.
فالترجيح للقول الثالث كما يظهر مما يلي:
١- ذكر ابن قاضي سماوة في جامع الفصولين: (قال النسفي: اتفق مشايخ زماننا على صحته بيعًا على ما كان عليه بعض السلف، لأنهما تلفظا بلفظ البيع بلا ذكر شرط فيه، والعبرة للملفوظ دون المقصود، فإن من تزوج امرأة على نية أن يطلقها بعد ما جامعها، صح العقد. أقول أن الانتفاع به مقصود كما أن الاستيثاق به مقصود، فلا وجه لجعله رهنًا مع رضاه بالانتفاع، فعلى هذا لا يكون رهنًا لا لفظًا ولا غرضًا) (١) .
٢- قال علاء الدين الحصكفي في كتابه الدر المختار في شرح تنوير الأبصار: (وقيل إن بلفظ البيع لم يكن رهنًا، ثم إن ذكر الفسخ فيه أو قبله، أو زعماه غير لازم كان بيعًا فاسدًا، ولو بعده على وجه الميعاد جاز، ولزم الوفاء به، لأن المواعيد قد تكون لازمة لحاجة الناس، وهو الصحيح كما في الكافي والخانية، وأقره "خسرو" هنا والمصنف في باب الإكراه، وابن الملك في باب الإقالة) (٢) .
٣- وفي مجلة الأحكام العدلية: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة أو خاصة، ومن هذا القبيل تجويز بيع الوفاء، فإنه لما كثرت الديون على أهالي بخارى مست الحاجة إلى ذلك، فصار مرعيًّا) (٣) .
٤- وبه أفتى المشايخ من أهل الفتاوى في شبه القارة الهندية (باكستان والهند) منهم فضيلة الشيخ أشرف علي التهانوي (٤) وفضيلة والدي الشيخ المفتي محمد شفيع (٥) وغيرهم من العلماء والمفتين.
стр. 11098
الأصل المستند إليه في التحليل أو المنع:
ربما يتوهم ظاهرًا من تحليل بيع الوفاء أن هذه حيلة لأخذ ما كان ربا. ولكن حينما نتأمل نجد أن هذا الوهم ليس في محله، فإنه لو أخذ المرتهن من الراهن الشيء المرهون، وانتفع به لكان ربا وحرامًا داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] .لأن كل قرض جر منفعة فهو ربا. أما إذا اشترى رجل أو مرتهن ذلك الشيء من رجل أو راهن، وتملكه ببيع وانتفع به فهو بيع داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
أما كون هذا من الحيل فليست كل حيلة ممنوعة شرعًا. فقد ذكر أخي العزيز الشيخ المفتي القاضي محمد تقي العثماني في كتابه ((تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم)) تحت حديث ((قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها)) ما نصه:
(والحق كما قال الآلوسي في تفسير روح المعاني: ٢٣/٢٠٩، تحت قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] .
إن الحيلة كلما أوجبت إبطال حكمة شرعية لا تقبل، كحيلة سقوط الزكاة وسقوط الاستبراء. وأما إذا توصل بها الرجل إلى ما يجوز فعله، ودفع المكروه، بها عن نفسه وعن غيره فلا بأس بها. وقال السرخسي ﵀ في كتاب الحيل من المبسوط: ٣٠/٢١٠، (فالحاصل أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن، وإنما يكره ذلك أن يحتال في حق الرجل حتى يبطله أو في باطل حتى يموهه، أو في حق حتى يدخل فيه شبهة، فما كان على هذا السبيل فهو مكروه، وما كان على السبيل الذي قلنا أولًا فلا بأس به) واستدل على جواز الحيلة المشروعة بقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] .
فإن ذلك تعليم حيلة، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] .
فإنه حيلة. وجاء السرخسي رحمه الله تعالى بعدة أحاديث وآثار تدل على جوازها.
قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ومن أقوى ما يدل على جواز الحيلة المشروعة ما أخرجه الشيخان والنسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاث، قال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا. الحديث.
стр. 11099
هذا هو حيلة للتوصيل إلى طريق حلال، فما كان من هذا القبيل فهو جائز قطعًا، وأما حيلة اليهود في تحليل السبت وبيع الشحوم وأكل ثمنها، فكانت من قبيل إبطال الحكمة الشرعية، فإن الشريعة قصدت منعهم عن الصيد يوم السبت وعن أكل الشحوم وبيعها، ففعلوا ما حصل منه ذلك بعينه، وإنما غيروا الطريق أو التعبير، وقدمنا أن مجرد تغيير الاسم لا يؤثر في حل الشيء وحرمته حتى تتغير حقيقته) (١) .
وفي مسألتنا أي مسألة بيع الوفاء تغيرت حقيقة العقد، فإن حقيقة بيع الوفاء كانت رهنًا في الأصل، ثم غيروا الرهن إلى البيع. ولا شبهة في جواز البيع فكان جائزًا كما ذكرنا أولًا. والله سبحانه أعلم.
أحكام بيع الوفاء:
إذا ثبت أن القول الثالث والرابع من أقوال الفقهاء هو مختار الحنفية المتأخرين، نريد أن نذكر جملة من أحكامه، ونوزعها على قسمين:
١- صحة هذا العقد.
٢- الأحكام التي تنبني على صحة هذا العقد.
صحة هذا العقد:
يمكن تصوير هذا العقد على أربع صور:
الصورة الأولى: تبايعا بيعًا بدون شرط، وأضمرا في القلب بأن البائع إذا جاء ورد الثمن يرد المشتري إليه المبيع ويأخذ الثمن، فلا نزاع في جوازه.
الصورة الثانية: تبايعا بيعًا، وذكرا شرط الفسخ في صلب البيع، أو ذكرا لفظة بيع الوفاء أو البيع الجائز، أرادا به عقدًا غير لازم يكون بيعًا فاسدًا. لأن هذا البيع شرطت فيه إقالة فاسدة، لجهالة المدة، ولو شرطت الإقالة الصحيحة في البيع يكون فاسدًا، فكان فساد هذا أولى.
الصورة الثالثة: تبايعا بيعًا بدون شرط، ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة، جاز البيع ويلزمهما الوفاء بالعهد.
стр. 11100
التفصيل: يجب هنا (في الصورة الثالثة) أن نبحث عن أمرين لا بد من ذكرهما، وإيراد ما يرد عليهما.
الأول: جواز البيع، يرد عليه أنه كيف جاز هذا البيع عند الحنفية مع أن ذكر الشرط بعد العقد يلتحق بالعقد عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولو بعد مجلس العقد، فيصير بيع الوفاء كأنه شرط في العقد، وإن ذكراه بعد انتهاء المجلس.
والجواب أن هذا مذهب الإمام أبي حنيفة، وقد خالفه صاحباه (الإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن) في ذلك، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة أيضًا. فعندهما لا يلتحق الشرط بعد العقد، وهو الراجح عند الأحناف.
قال الشامي: قيل يلتحق عند أبي حنيفة، وقيل لا، وهو الأصح كما في جامع الفصولين في الفصل رقم ٣٩، لكن في الأصل أنه يلتحق عند أبي حنيفة، وإن كان الإلحاق بعد الافتراق عن المجلس. وتمامه في البحر. قلت: هذه الرواية الأخرى عن أبي حنيفة، وقد علمت تصحيح مقابلها، وهي قولهما (١) .
الثاني: مسألة لزوم الوعد والوفاء بالعهد.
قال الطيبي: (واعلم أن الوعد أمر مأمور الوفاء به في جميع الأديان، حافظ عليه الرسل المتقدمون، قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] ومدح ابنه اسماعيل يعني جد نبينا ﵈ بقوله : ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] يقال: إنه وعد إنسانا في موضع، فلم يرجع إليه فأقام عليه حتى حال عليه الحول) (٢) .
فكان إيفاء الوعد أمرًا مأمورًا به في جميع الشرائع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ . [الإسراء:٣٤]
- وهذا كله ديانة، ولكن اختلف الفقهاء في أنه هل يجب على الواعد الوفاء بالوعد قضاءً أيضًا، فالمشهور أن الوعد عند فقهاء الحنفية لا يكون ملزمًا في القضاء، ولكن قد صرح كثير من متأخري فقهاء الحنفية أن المواعدة قد تكون لازمة، فتجعل لازمة لحاجة الناس. قال قاضيخان رحمه الله تعالى:
(وإن ذكرا البيع من غير شرط، ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة، جاز البيع، ويلزم الوفاء بالوعد، لأن المواعدة قد تكون لازمة، فتجعل لازمة لحاجة الناس) (٣) .
وقال الشامي: (وفي جامع الفصولين أيضًا: لو ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكرا الشرط على وجه العقد، جاز البيع، ولزم الوفاء بالوعد، إذ المواعيد قد تكون لازمة فيجعل لازمًا لحاجة الناس) (٤) .
стр. 11101
وهناك فرق آخر ذكره فضيلة والدي الشيخ المفتي محمد شفيع في تفسيره المعروف ((بمعارف القرآن)) بين الوعد وبين العهد، أو بلفظ آخر بين الوعد وبين المواعدة، وملخص ما ذكره الشيخ أن هناك وعدًا يعد به إنسان لآخر من تلقاء نفسه، فهذا وعد يجب عليه الوفاء به ديانة (إلا لعذر شرعي) ولكن لا يجبر الواعد على الوفاء به قضاءً.
وهناك عهد، أو عقد، أو مواعدة يتفق عليه رجلان ويتعاهدان به، فهذا عهد وعقد يجب على الواعد الوفاء به ديانة وقضاء، فلو لم يف به الواعد يسمح لآخر أن يذهب إلى المحكمة، ويجبر الآخر على الوفاء بذلك (١) .
الصورة الرابعة: تواضع البائع والمشتري قبل العقد على بيع الوفاء، ثم تبايعا بيعًا خاليًا عن الشرط، جاز البيع، ويلزمهما الوفاء بالوعد.
التفصيل: اختلف فقهاء الحنفية في ذكر الشرط قبل العقد، هل يلغو الشرط؟ أم يكون هذا البيع فاسدًا؟ أم يكون البيع صحيحًا، ويلزم الوفاء بالعهد؟ قال البعض: يلغو الشرط، ولا عبرة بالمواضعة السابقة على العقد. قال ابن عابدين ناقلًا عن جامع الفصولين:
(وكذا لو تواضعا الوفاء قبل البيع ثم عقدا بلا شرط الوفاء، فالعقد جائز، ولا عبرة بالمواضعة السابقة) (٢) .
وذكر البعض أن البيع يكون فاسدًا في هذه الصورة، قال العلاء الحصكفي:
(ثم إن ذكر الفسخ فيه أو قبله أو زعماه غير لازم كان بيعًا فاسدًا، ولو بعده على وجه الميعاد جاز، ولزم الوفاء به) (٣) .
стр. 11102
ورجح البعض أن في هذه الصورة الرابعة يكون البيع صحيحًا، ويلزمهما الوفاء بالعهد. وإليه مال حكيم الأمة فضيلة الشيخ أشرف علي التهانوي (١) ناقلًا عن ابن عابدين الشامي ﵀ ما نصه:
(وقد سئل الخير الرملي عن رجلين تواضعا على بيع الوفاء قبل عقده، وعقدا البيع خاليًا عن شرط، فأجاب بأنه صرح في الخلاصة والفيض والتتارخانية وغيرها بأنه يكون على ما تواضعا) (٢) .
وناقلًا عن الدر ما نصه: (إنه صحيح لحاجة الناس، فرارًا من الربا، وقالوا: ما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه) (٣) .
وقال القاضي ابن سماوة في جامع الفصولين:
(شرطا شرطًا فاسدًا قبل العقد، ثم عقدا، لم يبطل العقد، ويبطل لو تفارقا) (٤) .
إزاحة الشبهة:
وربما تقع ههنا شبهة ذكرها أخي العزيز الشيخ القاضي محمد تقي العثماني - حفظه الله تعالى - وأجاب عنها بما يثلج الصدور في مقالته القيمة (الطرق المشروعة للتمويل العقاري) وننقل عبارته بلفظها:
(وربما يقع ههنا إشكال، وهو أن المواعدة إذا وقعت قبل العقد، فالظاهر أنه ملحوظة عند العقد لدى الفريقين، ولو لم يتلفظا بها صراحة عند الإيجاب والقبول، وأنهما لا يبنيان العقد المطلق إلا على أساس ذلك الوعد السابق. فلم يبق هناك فرق بين هذا العقد المطلق الذي سبقه مواعدة من الفريقين وبين العقد الذي شرط فيه العقد الآخر صراحة. وينبغي أن يكون الحكم دائرًا على حقيقة المعاملة دون صورته، وأن تكون المواعدة السابقة في حكم الشرط في البيع في عدم الجواز.
стр. 11103
والجواب عن هذا الإشكال على ما ظهر لي - والله سبحانه أعلم - أن الفرق بين المسألتين ليس في الصورة فحسب، بل هناك فرق دقيق في الحقيقة أيضًا، وذلك أن العقد الواحد إن كان مشروطًا بالعقد الآخر، والذي يعبر عنه بالصفقة في الصفقة لا يكون عقدًا باتًّا، وإنما يتوقف على عقد آخر، بحيث لا يتم العقد الأول إلا به، فكان في معنى العقد المعلق أو العقد المضاف إلى زمن مستقبل. فإذا قال البائع للمشتري: بعتك هذه الدار على أن تؤجر الدار الفلانية لي بأجرة كذا فمعناه أن البيع موقوف على الإجارة اللاحقة، ومتى توقف العقد على واقع لاحق خرج من حيز كونه باتًّا، وصار عقدًا معلقًا، والتعليق في عقود المعاوضة لا يجوز. ولو حكمنا بمقتضى هذا العقد وامتنع المشتري من الإجارة، فإن ذلك يستلزم أن يرتفع البيع تلقائيًا، لأنه كان مشروطًا بالإجارة، وعند فوات الشرط يفوت المشروط. فالعقد إن شرط معه عقد آخر، كان ذلك في معنى تعليق العقد الأول على العقد الثاني، وصار كأنه قال: إن أجرتني الدار الفلانية بكذا، فداري بيع عليك بكذا. وهذا مما لا يجيزه أحد، لأن البيع لا يقبل التعليق.
وهذا بخلاف ما لو ذكرا ذلك على سبيل المواعدة في أول الأمر، ثم عقدا البيع مطلقًا عن شرط فإن البيع ينعقد من غير تعليق بيعًا تامًّا، ولا يتوقف تمامه على عقد الإجارة، فلو امتنع المشتري من الإيجار بعد ذلك، فإنه لا يؤثر على هذا البيع البات شيئًا، فيبقى البيع تامًّا على حاله. وغاية الأمر أن يجبر المشتري على الوفاء بوعده على القول بلزوم الوعد، لأنه أدخل البائع في البيع بوعده، فلزم عليه أن يفي بذلك الوعد قضاء عند المالكية، وهذا شيء لا أثر له على البيع البات الذي حصل بدون أي شرط، فإنه يبقى تامًّا ولو لم يف المشتري بوعده.
وبهذا تبين أن البيع إذا اشترط فيه العقد الآخر يبقى مترددًا بين التمام والفسخ، وإن هذا التردد يورث فيه الفساد، بخلاف البيع المطلق الذي سبقه الوعد بالشيء، فإنه يتم في كل حال، وغاية الأمر أن يكون الوعد السابق لازمًا على المشتري على قول من يقول بلزوم الوعد) (١) .
стр. 11104
الأحكام التي تنبني على صحة هذا العقد:
منها ما ذكرته مجلة الأحكام العدلية:
(مادة: ١١٨) بيع الوفاء هو بيع المال بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع، وهو في حكم البيع الجائز بالنظر إلى انتفاع المشتري به، وفي حكم البيع الفاسد بالنظر إلى اقتدار كل من العاقدين على الفسخ، وفي حكم الرهن بالنظر إلى أن المشتري لا يقدر على بيع المبيع من الغير.
(مادة: ٣٩٦) كما أن البائع وفاء له أن يرد الثمن، ويأخذ المبيع كذلك للمشتري أن يرد المبيع، ويسترد الثمن.
(مادة: ٣٩٧) ليس للبائع ولا للمشتري بيع مبيع الوفاء لشخص آخر.
(مادة: ٣٩٨) إذا شرط في بيع الوفاء أن يكون قدر من منافع المبيع للمشتري صح ذلك مثلًا لو تقاول البائع والمشتري وتراضيا على أن الكرم المبيع بيع الوفاء تكون غلته مناصفة بين البائع والمشتري صح ولزم الوفاء بذلك على الوجه المشروح.
قال الشارح خالد الأتاسي: (لما صرح به في البزازية وجامع الفصولين، وذكره في البحر ورد المحتار من أن القول الجامع لبعض المحققين أن بيع الوفاء فاسد في حق بعض الأحكام، حتى ملك كل منهما الفسخ، صحيح في بعض الأحكام، كحل الإنزال، ومنافع المبيع رهن في حق البعض، حتى لا يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه ... إلخ، وقد علمت أن المجلة اختارت هذا القول، فاتضح بما ذكرنا أن منافع المبيع ثابتة للمشتري وفاء بدون اشتراط، لكن بالنظر لكونه رهنًا في حق بعض الأحكام، صح اشتراط حصته من المنافع للمشتري، وباقيها للبائع، لأن منافع الرهن لا يملكها المرتهن بدون إذن الراهن) (١) .
(مادة: ٣٩٩) إذا كانت قيمة المال المبيع بالوفاء مساوية للدين، وهلك المال في يد المشتري سقط الدين في مقابلته.
(مادة: ٤٠٠) إذا كانت قيمة المال المبيع ناقصة عن الدين، وهلك المبيع في يد المشتري سقط من الدين بقدر قيمته، واسترد المشتري الباقي، وأخذه من البائع.
(مادة: ٤٠١) إذا كانت قيمة المال المبيع وفاء زائدة عن مقدار الدين، وهلك المبيع في يد المشتري، سقط من قيمته قدر ما يقابل الدين، وضمن المشتري الزيادة إن كان هلاكه بالتعدي. وأما إن كان بلا تعد، فلا يلزم المشتري أداء تلك الزيادة.
(مادة: ٤٠٢) إذا مات أحد المتبايعين وفاء انتقل حق الفسخ للوارث.
(مادة: ٤٠٣) ليس لسائر الغرماء التعرض للمبيع وفاء ما لم يستوف المشتري دينه.
стр. 11105
المصطلح المساوي له في المذاهب الأخرى:
عند المالكية: فقهاء المالكية ﵏ يسمون هذا البيع ببيع الثنايا. فقد قال الإمام الحطاب:
(بيع الثنايا، هو أن يقول: أبيعك هذا الملك أو هذه السلعة على أن آتيك بالثمن إلى مدة كذا، أو متى آتيك به، فالبيع مصروف عني) (١) .
ثم قال: (تنبيه: الأكثر على أن بيع الثنايا هو ما تقدم. وقال ابن رشد في المقدمات: إن بيوع الشروط كلها تسمى بيوع الثنايا. وقال ابن عرفة: عمم ابن رشد لفظ بيع الثنايا في بياعات الشروط، وخصصه الأكثر بمعنى قولها في بيوع الآجال من ابتاع سلعة على أن البائع متى رد الثمن فالسلعة له لم يجز) (٢) .
وقال أحمد بن يحيى الونشريسي في المعيار المعرب تحت عنوان ((لمن تكون الغلة في بيع الثنيا)) :
(وسئل عن رجل باع أرضًا على أنه متى أتاه بالثمن، رد عليه أرضه، فبقي مدة، هل له غلة أم لا؟ فأجاب: الغلة للذي الأرض في يده على مذهب ابن القاسم في كتاب الآجال الذي هو عنده بيع فاسد، وبه جرت الفتيا. وعلى قول سحنون الذي يراه كالرهن الفاسد له الغلة) (٣) .
وفي المدونة الكبرى: (قلت: أرأيت لو أن رجلًا اشترى جارية على أن البائع متى ما جاء بالثمن، فهو أحق بالجارية، أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: لا. قلت: لم؟ قال: لأن هذا يصير كأنه بيع وسلف) (٤) .
وقال الخرشي على مختصر سيدي خليل: (وكبيع وشرط يناقض المقصود كأن لا يبيع عمومًا، أو إلا من نفر قليل أو لا يهب أو لا يخرج به من البلد، أو على أن يتخذها أم ولد، أو يعزل عنها أو لا يجيزها البحر، أو على الخيار إلى أمد بعيد، أو على أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، ولا ينافي هذا جواز الإقالة التي وقع فيها شرط المبتاع على البائع أنه إن باعها من غيره كان أحق بها، لأنه يغتفر في الإقالة ما لم يغتفر في غيرها. تأمل) . وقال الشيخ علي العدوي في حاشيته (لعل المراد تأمل وجهه، ونقول: وجهه أنه باب معروف) (٥) .
стр. 11106
وقال الحطاب: (وقال الراجَراجي: اختلف في بيع الثنايا، هل هو بيع أو رهن، على قولين، وفائدة الخلاف في ذلك الغلة، فمن رأى أنه بيع، قال: لا يرد الغلة، وقد قال مالك في العُتبية: الغلة للمشتري بالضمان، فجعله بيعًا وأنه ضامن، والغلة له. ومن رأى أنه رهن قال: يرد الغلة، وأنه ضمان البائع في كل عيب ونقص يطرأ عليه من غير سبب المشتري، وما كان من سبب المشتري فهو ضامن له، وحكمه حكم الرهان في سائر أحكامها فيما يعاب عليه. ونقله ابن سلمون، قال ابن عبد العزيز قد قيل: إن بيع الثنايا فاسد مردود أبدًا، فات أو لم يفت، لأنه حرام محرم، وهو باب من أبواب الربا، ترد فيه البياعات والصدقات والأحباس، فإن وقع إلى أجل كان فيه الكراء، لأنه كالرهن، وإن وقع إلى غير أجل فلا كراء فيه، والذي عليه أكثر العلماء، وهو مذهب مالك وابن القاسم أنه لا كراء فيه كان إلى أجل أو إلى غير أجل، لأنه بيع فاسد عندهم، وبذلك العمل) .
قال في المتيطية: (وإن علم أن أصل الشراء كان رهنًا، وإنما عقدا فيه البيع لتسقط الحيازة فيه، وثبت ذلك بإقرارهما عند الشهود حين الصفقة أو بعدها، وقبض المبتاع الملك وغلته ثم عثر على فساده، فإنه يفسخ، ويرد الأصل مع الغلة إلى صاحبه، ويسترجع المبتاع ثمنه) . اهـ. قلت: ومثله بل أحرى منه ما إذا علم أن قصد المتبايعين إنما هو السلف بزيادة وتحيلا ببيع الثنايا على ذلك من غير قصد إلى البيع، وثبت ذلك بإقرارهما كما قال حين الصفقة أو بعدها. وهذا ظاهر، وهذا كله إذا قبض المشتري المبيع واستغله إما بكراء أو بسكنى، وأما ما يقع في عصرنا هذا، وهو مما عمت به البلوى. وذلك أن الشخص يبيع الدار مثلًا بألف دينار، وهي تساوي أربعة آلاف أو خمسة، ويشترط للمشتري أنه متى جاء بالثمن ردها إليه، ثم يؤجرها المشتري لبائعها بمائة دينار في كل سنة قبل أن يقبضها المشتري وقبل أن يخليها البائع من أمتعته، بل يستمر البائع على سكناها إن كانت محل سكناه أو على وضع يده عليها وإجارتها، وأخذ منه المشتري الأجرة المسماة في كل سنة، فهذا لا يجوز بلا خلاف، لأن هذا صريح الربا. ولا عبرة بالعقد الذي عقداه في الظاهر، لأنه إنما حكم بالغلة للمشتري في البيع الفاسد لانتقال الضمان إليه، والخراج بالضمان. وهنا لم ينتقل الضمان، لبقاء المبيع تحت يد بائعه فلا يحكم له بالغلة، بل لو قبض المشتري المبيع، وتسلمه بعد أن أخلاه البائع، ثم أجره المشتري للبائع على الوجه المتقدم، لم يجز، لأن ما خرج من اليد وعاد إليها لغو، كما هو مقرر في بيوع الآجال، وآل الحال إلى صريح الربا وهذا واضح لمن تدبره) (١) .
стр. 11107
هذه العبارات فقهاء المالكية التي تدل على أن بيع الوفاء عندهم يسمى ببيع الثنايا، واختلفوا فيما إذا دخل الشرط في صلب العقد، هل هو بيع فاسد، أو رهن فاسد؟ وكأنهم اتفقوا على عدم جوازه، إذا كان الشرط مشروطًا في نفس العقد. أما إذا تبايع المتبايعان بيعًا بدون شرط الرد، ثم تواعدا على أن البائع متى جاء بالثمن رد المشتري إليه المبيع، فقد ذكر بعض فقهاء المالكية أن هذا البيع يجوز، ويكون هذا الوعد ملزمًا قضاء وديانة.
قال الحطاب: (إن العقد إذا سلم من الشرط وكان أمرًا طاع به بعده على غير رأي ولا مواطأة فذلك جائز، لأنه معروف أوجبه على نفسه، والمعروف عند مالك واجب لمن أوجبه على نفسه) (١) .
وذكر في المعيار المعرب: (سئل أبو الفضل عن رجل اشترى دارًا أو أرضًا بثمن معلوم، وانتقده البائع، ثم أتى البائع المشتري يستقيله فقال له المشتري: متى أتيتني بالثمن فقد أقلتك أو رددتها عليك، وشبه هذا من الألفاظ، ولايوقت وقتا أو يوقت وقتا بسنة أو بعشر سنين أوأكثر، فيقول: متى أتيتني بالثمن إلى أجل أو بعد أجل كذا على ما تقدم مما يدل على الإيجاب هل ترى ذلك لازما للمشتري بعد حصول شرطه، وهو نضوض الثمن أم لا؟
فأجاب أن ذلك جائز في جميع الأشياء، ما عدا الفروج التي تراد للوطء ما دامت السلعة قائمة بيده، ولم تخرج من يده ببيع أو هبة أو صدقة وشبه ذلك من وجوه الفوت، قال محمد بن رشد: إنما قال يلزم المشتري ذلك إذا جاءه البائع بالثمن، لأن ذلك معروف أوجبه على نفسه، والمعروف عند مالك لازم لموجبه على نفسه) (٢) .
стр. 11108
وقال الشيخ محمد عليش المالكي: (فالوفاء بالعدة مطلوب بلا خلاف، واختلف في وجوه القضاء بها على أربعة أقوال حكاها ابن رشد في كتاب جامع البيوع وفي كتاب العارية، وفي كتاب العدة. ونقلها عنه غير واحد، فقيل يقضي بها مطلقا، وقيل لايقضى بها مطلقا، وقيل يقضي بها إن كانت على سبب، وإن لم يدخل الموعود بسبب العدة في شيء، كقولك أريد أن أتزوج ... فاسلفني كذا ... والرابع يقضي بها إن كانت على سبب، ودخل الموعود بسبب العدة في شيء، وهذا هو المشهور من الأقوال) (١) .
وقال القرافي رحمه الله تعالى: (قال سحنون: الذي يلزم من الوعد اهدم دارك، وأنا أسلفك ما تبني به، أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو اشتر سلعة، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك، لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، وأما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق) (٢) .
عند فقهاء الشافعية:
لم نجد نصًّا صريحًا عند سادتنا الشافعية إلا ما ذكره ابن حجر الهيتمي المكي في فتاواه، وننقل عبارته بلفظه:
(وسئل ﵁ في ((بيع الناس)) الآن ما حقيقته على كل من المذاهب الأربعة، وهل يلزم ذلك؟ وهل يلزم بالنذر في مذهب السادة الشافعية؟ وهل يجوز للناذر أن ينقل المبيع ببيع أو غيره؟ وهل يلحقه النذر أم لا إذا نقله؟ أفتونا مأجورين أثابكم الله تعالى الجنة.
стр. 11109
فأجاب ﵁، إن أريد ببيع الناس ما اعتيد من أنهم يتفقون على بيع عين بدون ثمن مثلها، وإن البائع إذا جاء بالثمن رد إليه عينه من غير أن يقع بينهم شرط في صلب العقد يفسده فالبيع حينئذٍ صحيح عند الشافعي ﵁، وإذا جاء البائع بالثمن تخير المشتري بين أن يقيله وأن لا يقيله، لكن يبقى عليه إثم الغش والغرر، فإن البائع إن علم أنه لا يقيله لم يكن يبيعه له بذلك الثمن، ومتى نذر المشتري بعد لزوم البيع أنه متى جاءه البائع بقدر الثمن الذي اشترى به، فسخ عليه البيع، أو أن يقيله متى جاء طالبًا للإقالة لم ينعقد النذر على الأوجه من خلاف طويل وقع من جماعة متأخري اليمن، لأن ما التزمه ليس بقربة مطلقًا، أما الفسخ فواضح، وأما الإقالة فإنها لا تكون سنة إلا في النادم، ومن ثم لو علق النذر بالندم كأن قال: إن ندمت في البيع المذكور، وطلبت مني الإقالة فيه، فلله علي إقالتك فيه، فينعقد النذر حينئذٍ وكذا لو قال: إذا ندمت فيه وطلبت مني الفسخ فيه، فعلي فسخه، فينعقد النذر أيضًا، لأنه التزم به قربة، فلزمه، وبهذا يعلم الجمع بين من أطلق الإفتاء بانعقاد النذر نظرًا إلى أن إقالة النادم سنة، ومن أطلق عدم انعقاده محتجًّا بأن الناذر لا يستقل بالفسخ وإن طلب خصمه، إذ العبرة به، فإطلاق الانعقاد محمول على ما ذكرناه آخرًا، وإطلاق عدمه محمول على ما ذكرناه أولًا، ومتى علق النذر بصفة، ثم باع العين المنذور بها قبل وجود الصفة، صح البيع) (١) .
يتضح من فتوى ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى أن بيع الوفاء صحيح عند الإمام الشافعي رحمه الله تعالى لو لم يقع شرط في صلب العقد، أما إيفاء الوعد برد المبيع فلازم ديانة، لا قضاء عنده.
стр. 11110
عند الحنابلة رحمهم الله تعالى:
أما فقهاء الحنابلة رحمهم الله تعالى فلم يلقبوا هذا البيع بلقب خاص، لا بلقب بيع الوفاء كما ذكره الحنفية ﵏، ولا بلقب الثنيا، كما ذكره المالكية رحمهم الله تعالى، بل حينما يذكر الحنابلة بيع الثنيا فالمراد عندهم بيع مع الاستثناء (١) .
ولكن ذكروا هذه المسألة مسألة بيع الوفاء في كتبهم، واختلفوا أن البيع في هذه الصورة صحيح أم فاسد، والاختلاف عندهم مبني على أن البيع بشرط واحد صحيح عندهم، وأن البيع بشرطين فاسد عندهم، فاختلفوا في أن هذه الصورة من البيع (بيع الوفاء) تتضمن شرطًا واحدًا أم شرطين؟ فأولًا نذكر عبارات فقهاء الحنابلة رحمهم الله تعالى، ثم نذكر ما يستنبط منها.
قال ابن قدامة في المغني: (إذا شرط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض ليأخذ غلة المبيع ونفعه في مدة انتفاع المقترض بالثمن، ثم يرد المبيع بالخيار عند رد الثمن، فلا خيار فيه، لأنه من الحيل، ولا يحل لأخذ الثمن الانتفاع به في مدة الخيار، ولا التصرف فيه. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن الرجل يشتري من الرجل الشيء ويقول: لك الخيار إلى كذا وكذا مثل العقار، قال: هو جائز إذا لم يكن حيلة أراد أن يقرضه فيأخذ منه العقار فيستغله، ويجعل له فيه الخيار ليربح فيما أقرضه بهذه الحيلة، فإن لم يكن أراد هذا فلا بأس. قيل لأبي عبد الله: فإن أراد إرفاقه أراد أن يقرضه ما لا يخاف أن يذهب، فاشترى منه شيئًا، وجعل له الخيار ولم يرد الحيلة. فقال أبو عبد الله: هذا جائز، إلا أنه إذا مات انقطع الخيار لم يكن لورثته. وقول أحمد بالجواز في هذه المسألة محمول على المبيع الذي لا ينتفع به إلا بإتلافه، أو على أن المشتري لا ينتفع بالمبيع في مدة الخيار، لئلا يفضي إلى أن القرض جر منفعة) (٢) .
стр. 11111
وفي الشرح الكبير: (وإن شرط البيع إن هو باع، فالبائع أحق به بالثمن، فروى المروزي عنه أنه قال في معنى حديث النبي ﷺ : ((لا شرطان في بيع)) يعني أنه فاسد، لأنه شرط أن يبيعه إياه. وأن يعطيه بالثمن الأول، فهما شرطان في بيع نهي عنهما، ولأنه ينافي مقتضى العقد، لأنه شرط أن لا يبيعه لغيره إذا أعطاه ثمنه، فهو كما لو شرط أن لا يبيعه إلا من فلان، أو أن لا يبيعه أصلًا. وروى عنه إسماعيل بن سعيد البيع جائز، لما روي عن ابن مسعود أنه قال: ابتعت من امرأتي زينب الثقفية وشرطت لها إن بعتها فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به. فذكرت ذلك لعمر، فقال: لا تقربها لأنه كان فيها شرط واحد للمرأة، ولم يقل عمر في ذلك البيع فاسد. فحمل الحديث على ظاهره وأخذ به. وقد اتفق عمر وابن مسعود على صحته، والقياس يقتضي فساده. ويحتمل أن يحمل كلام أحمد في رواية المروزي على فساد الشرط، وفي رواية إسماعيل بن سعيد على جواز البيع، فيكون البيع صحيحًا والشرط فاسدًا، كما لو اشتراها بشرط أن لا يبيعها، وقول أحمد (لا تقربها) قد روي مثله فيمن اشترط في الأمة أن لا يبيعها ولا يهبها، أو شرط عليه ولاءها، ولا يقربها والبيع جائز، واحتج بحديث عمر (لا تقربها) ولأحد فيها مثنوية. قال القاضي: وهذا على الكراهة لا على التحريم، قال ابن عقيل: عندي أنه إنما منع من الوطء لمكان الخلاف في العقد، لكونه يفسد بفساد الشرط في بعض المذاهب) (١) .
وفي شرح منتهى الإرادات: (ويصح تعليق فسخ غير خلع بشرط كقوله: (بعتك على أن تنقدني الثمن إلى كذا) أو (بعتك على أن ترهنينه أي المبيع بثمنه وإلا تفعل ذلك، فلا بيع بيننا، فينعقد البيع بالقبول، وينفسخ إن لم يفعل، أي ينقده الثمن إلى الوقت المعين أو يرهنه المبيع بثمنه لوجود شرطه، ومثله لو باعه بثمن وأقبضه له وشرط إن رده بائع إلى وقت كذا فلا بيع بينهما، ولم يكن حيلة ليربح في قرض) (٢) .
стр. 11112
وفي كشاف القناع للبهوتي: (وإن شرطه أي الخيار بائع حيلة ليربح فيما أقرضه حرم نصًّا، لأنه يتوصل به إلى قرض يجر نفعًا، ولم يصح البيع لئلا يتخذ ذريعة للربا. فإن أراد أن يقرضه شيئًا وهو يخاف أن يذهب بما أقرضه له فاشترى منه شيئًا بما أراد أن يقرضه له، وجعل له الخيار مدة معلومة، ولم يرد الحيلة على الربح في القرض، فقال الإمام أحمد جائز، فإذا مات فلا خيار لورثته، يعني إذا لم يطالب به قبل موته، وقوله أي الإمام جائز محمول على مبيع لا ينتفع به إلا بإتلافه كنقد وبر ونحوهما، أو محمول على أن المشتري لا ينتفع بالمبيع مدة الخيار، لكونه بيد البائع مدته، فلا يجر قرضه نفعًا، فلا حيلة يتوصل بها إلى محرم، ولا يصح الخيار مجهولًا مثل أن يشترطاه أبدًا أو مدة مجهولة ... كقوله بعتك ولك الخيار متى شئت أو شاء زيد أو قدم ... فيلغو الشرط، ويصح البيع مع فساد الشرط) (١) .
وفي الكافي: (فإن شرط في البيع إن باعه فهو أحق به بالثمن، ففيه روايتان: إحداهما لا يصح، لأنه شرطان في بيع، لأنه شرط أن يبيعه وأن يعطيه إياه بالثمن، لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، لأنه شرط أن لا يبيعه لغيره. والثانية يصح، لأنه يروى عن ابن مسعود أنه اشترى أمة بهذا الشرط، وإن قلنا بفساده فهل يفسد البيع؟ فيه وجهان) (٢) .
وفي الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد ابن حنبل: (وعنه فيمن باع جارية، وشرط على المشتري إن باعها فهو أحق بها بالثمن، أن البيع جائز، ومعناه - والله أعلم - أنه جائز مع فساد الشرط) (٣) .
وقال ابن مفلح في كتاب الفروع: (وقد نقل علي بن سعيد فيمن باع شيئًا، وشرط إن باعه فهو أحق به بالثمن، جواز البيع والشرطين، وأطلق ابن عقيل وغيره في صحة هذا الشرط ولزومه روايتين، قال شيخنا عنه نحو عشرين نصًّا على صحة هذا الشرط، وأنه يحرم الوطء لنقص الملك) (٤) .
وملخص ما فهمنا من هذه العبارات أن بيع الوفاء بصورته كان فاسدًا عند الحنابلة في أصل المذهب، لكونه حيلة لجلب الربح في القرض، ولكونه يتضمن شرطين في البيع، ولكن الراجح عندهم جواز البيع مع فساد الشرط، أي يكون البيع جائزًا، ويفسد هذا الشرط، أي شرط رد المبيع.
стр. 11113
الملخص من المذاهب الأربعة:
إذا نظرنا إلى ما ذكره أجلة الفقهاء من المذاهب الأربعة، وجدناهم متفقين على أن بيع الوفاء لو كان خاليًا عن شرط الرد في صلب العقد يكون جائزًا، أما إذا شرط رد المبيع في صلب العقد يكون البيع فاسدًا عند الأحناف والمالكية والشافعية. أما الحنابلة فيرون البيع صحيحًا والشرط فاسدًا، فإذا كان البيع خاليًا عن ذكر شرط الرد فالراجح في المذاهب الأربعة أنه جائز، وذلك لكونه بيعًا خاليًا عن شرط، وهل يجب الرد على أحد المتعاقدين إذا اتفقا على رد المبيع عند رد الثمن، وكان ذلك الاتفاق قبل عقد البيع أو بعده بصورة المواعدة، فنرى الراجح أنه يجب عليهما الرد إذا تواعدا على ذلك، ويكون الوعد ملزمًا ديانة وقضاء. أما وجوب لزوم الوعد ديانة فظاهر بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ . [الإسراء: ٣٤]
وبالنصوص التي تدل على إيفاء الوعد. وأما لزومه قضاء، فالأمر عند الإمام مالك ظاهر، كما تقدم، وفقهاء الحنفية أيضًا اختاروا في هذه المسألة لزوم الوعد قضاء لحاجة الناس. فهو الراجح عند الإمامين الجليلين، ويفهم من مذهب الإمام الشافعي لزوم الوعد ديانة لا قضاء، كما هو الظاهر من فتوى الشيخ ابن حجر الهيثمي. فلا مانع لدينا من أن نفتي بجواز بيع الوفاء إذا كان خاليًا عن الشرط في صلب العقد وجوب رد المبيع على المشتري إذا وعد به البائع بعد انعقاد البيع أو قبله بصفة مستقلة. والله أعلم.
الشيخ محمد رفيع العثماني
стр. 11114
المراجع (بترتيب حروف الهجاء)
١- إمداد الفتاوى، (ست مجلدات) ، لفضيلة الشيخ حكيم الأمة محمد أشرف علي التهانوي رحمه الله تعالى (م: ١٣٦٢هـ) طبع مكتبة دار العلوم كراتشي، ١٣٩٥هـ.
٢- إمداد المفتين، لفضيلة الشيخ مولانا المفتي محمد شفيع رحمه الله تعالى، المفتي الأكبر في ديار باكستان (م: ١٣٩٦هـ) طبع دار الإشاعة، كراتشي، باكستان.
٣- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، للفقيه علاء الدين المرادوي (م: ٨٨٥هـ) .
٤- البحر الرائق شرح كنز الدقائق، للعلامة زين الدين ابن نجيم الحنفي (م: ٩٧٠هـ) مطبعة دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت، لبنان.
٥- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للعلامة علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي (م: ٥٨٧هـ) طبع ايج ايم سعيد كراتشي، الموافق بطبع محمد أسعد باشا، سنة ١٣٢٨هـ ١٩١٠م.
٦- البيان والتحصيل، لابن رشد المالكي (م: ٥٢٠هـ) طبع دار الغرب الإسلامي، بيروت.
٧- تحرير الكلام في مسائل الالتزام، الإمام أبو عبد الله محمد بن محمد الحطاب المالكي (م: ٩٥٤هـ) طبع دار الغرب الإسلامي، بيروت.
٨- تفسير معارف القرآن، للشيخ المفتي محمد شفيع، المفتي الأكبر في ديار باكستان (م: ١٣٩٦هـ) طبع إدارة المعارف، كراتشي، باكستان.
٩- تكملة فتح الملهم بشرح صحيح الإمام مسلم، للشيخ القاضي المفتي محمد تقي العثماني حفظه الله تعالى، طبع مكتبة دار العلوم كراتشي، ١٤٠٥هـ.
١٠- جامع الفصولين، للشيخ بدر الدين محمود بن إسماعيل الشهير بابن قاضي سماوة الحنفي (م: ٨٢٢هـ) طبع إسلامي كتب خانة كراتشي، باكستان.
١١- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، للعلامة شمس الدين محمد عرفة الدسوقي المالكي (م: ١٢٣٠هـ) .
١٢- الخرشي على مختصر سيدي خليل، أبو عبد الله محمد بن علي الخرشي المالكي (م: ١١٠١هـ) طبع دار صادر، بيروت.
стр. 11115
١٣- الدر المختار شرح تنوير الأبصار، للعلامة محمد علاء الدين الحصكفي الحنفي (م: ١٠٨٨هـ) طبع شركة مصطفى البابي وأولاده، مصر. ١٣٨٦هـ ١٩٦٦م.
١٤- رد المحتار على الدر المختار، العلامة محمد أمين ابن عابدين الشامي (م: ١٢٥٢هـ) طبع شركة مصطفى البابي وأولاده، مصر. ١٣٨٦هـ ١٩٦٦م.
١٥- الروض الندي، أحمد بن عبد الله بن أحمد البعلي الحنبلي (م: ١١٨٩هـ) طبع مطبعة سلفية، قطر.
١٦- شرح المجلة، للعلامة محمد خالد الأتاسي مفتي حمص. طبع مطبعة حمص ١٣٤٩هـ ١٩٣٠م.
١٧- شرح منتهى الإرادات المسمى دقائق أولي النهى بشرح المنتهى، للفقيه منصور بن يونس البهوتي الحنبلي (م: ١٠٥١هـ) طبع دار الفكر، بيروت.
١٨- الطرق المشروعة للتمويل العقاري، للشيخ القاضي المفتي محمد تقي العثماني حفظه الله (مخطوط) .
١٩- العناية شرح الهداية، للشيخ أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي الحنفي (م: ٧٨٦هـ) طبع المكتبة الرشيدية، كوئتة، باكستان.
٢٠- الفتاوى البزازية، الشيخ محمد بن محمد بن شهاب المعروف بابن البزاز الحنفي (م: ٨٢٧هـ) طبع المكتبة الإسلامية محمد أزدمير، تركيا.
٢١- الفتاوى الخانية، للإمام القاضي فخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي الفرغاني الحنفي (م: ٥٢٩هـ) طبع المكتبة الإسلامية محمد أزدمير، تركيا.
٢٢- الفتاوى الكبرى الفقهية، للعلامة ابن حجر الهيثمي الشافعي. طبع المكتبة الإسلامية أزدمير، تركيا.
٢٣- الفتاوى الهندية، لجماعة من علماء الهند الأعلام. طبع المكتبة الإسلامية محمد أزدمير، تركيا، بطبع بولاق ١٣١٠هـ.
٢٤- فتح القدير شرح الهداية، للشيخ كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام (م: ٦٨١هـ) طبع المكتبة الرشيدية، كوئتة، باكستان.
٢٥- الكافي في فقه الإمام المبجل أحمد ابن حنبل، لموفق الدين ابن قدامة الحنبلي (م: ٦٢٠هـ) طبع المكتبة الإسلامي، بيروت.
стр. 11116
٢٦- كتاب الفروع، للفقيه شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح القدسي (م: ٧٦٣هـ) طبع عالم الكتب، بيروت.
٢٧- كشاف القناع عن متن الإقناع، للشيخ منصور بن يونس البهوتي الحنبلي (م: ١٠٥١هـ) طبع عالم الكتب، بيروت.
٢٨- المدونة الكبرى، للشيخ ابن القاسم العتقي المالكي. طبع مطبعة السعادة، مصر ١٣٢٣هـ.
٢٩- مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للشيخ ملاَّ علي القاري الحنفي (م: ١٠١٤هـ) طبع المكتبة الإمدادية، ملتان، باكستان.
٣٠- المسائل الفقهية، للقاضي أبي يعلى الحنبلي (م: ٤٥٨هـ) .
٣١- المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء أفريقية والأندلس والمغرب، للشيخ أحمد بن يحيى الونشريسي (م: ٩١٤هـ) .
٣٢- المغني، للعلامة موفق الدين ابن قدامة (م: ٦٢٠هـ) طبع مكتبة الرياض، الرياض.
٣٣- المغني مع الشرح الكبير، للعلامة شمس الدين ابن قدامة (م: ٦٨٢هـ) طبع دار الكتب العربي، بيروت.
٣٤- الهداية مع حاشية النانوتوي، للشيخ أبي الحسن علي بن أبي بكر الفرغاني المرغيناني (م: ٥٩٣هـ) طبع ايج ايم سعيد، كراتشي، باكستان.
стр. 11117
بيع الثنيا أو بيع الوفاء
إعداد
الأستاذ محمود شمام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على رسوله محمد بن عبد الله الأمين وآله وصحبه الميامين وعلى كل من تبعه بإحسان إلى يوم الدين ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٥، ٢٦] .
بيع الثنيا، أو عقد بيع الوفاء:
(عقد أحدث تحيلًا لتحصيل الأرباح من طريق مباح) .
طالما دعت الضرورة قديمًا وحديثًا الإنسان إلى الاقتراض رجاء حصول الميسرة لسداد هذا الدين.
وقديمًا كان المعسر المحتاج يجد من يمد إليه يد الإعانة ويقرضه المال قاصدًا من وراء ذلك الثواب الذي وعد الله به عباده المحسنين.
فالمقرض يقصد النفع الأخروي والعمل الخيري والثواب الجزيل وابتغاء مرضاة الله وتحصيل الأجر العميم ليوم عظيم وتقوية الزاد ليوم الميعاد.
وقد كانت عقود القروض تقع في طي الخفاء وتحت ستار الكتمان وفي السر المطلق. فالمقترض يرجو قضاء حاجته والخروج من مأزقه دون فضيحة أو عار. والدافع المقرض صاحب المال يرجو ﵀ وحسن ثوابه والشكر له على ما أنعم به عليه من بسطة في الرزق ووفرة في المال.
ولذا قيل: (إنه لم يكن لهذا العقد وجود في دائرة الشهود) .
وامتدت الأيدي إلى الإخوان المحتاجين فنال أصحاب الأموال الثواب وقضى الآخرون حاجاتهم وتخلصوا من عنائهم وضيقهم وخرجوا سالمين من معاناتهم حامدين الله على ما أنعم به عليهم.
وشكر الله سعي هؤلاء المقرضين وزادهم بسطة من فضله.
ثم مرت الأيام وتطورت الأمور وأصبح القرض عملًا يلجأ إليه صاحب التجارة والمعمل لإنشاء المصنع وتعمير المتجر وتكوين سبل الربح. كما يلجأ إليه الموظف والعامل لإنشاء المسكن وعمارة عش الزوجية والانصراف إلى العمل دون عسر وعناء بل في راحة ورخاء.
стр. 11118
واتجه المسلم إلى دينه وقواعده ومقاصده ومبادئه السامية فوجد أن الله حرم الربا تحريمًا قاطعًا لا يتطرقه شك.
وكان صاحب المال يطمع في نفع مالي وأرباح مادية تنمي مكاسبه، وكان التاجر والصانع والموظف وإن لم يكن أحدهم في ضائقة يسعون إلى توسيع دائرة العمل وبسط ساحات التجارة وإنشاء المسكن والمأوى.
والتفت الناس إلى هذا العقد الذي هو بيع وفيه مواصفات تصلح لإرضاء شهوات ورغبات كل الأطراف فهذا ينمي ماله في يسر وسهولة والآخر يقضي حاجته ويدرك غايته.
فهل يدخل تحت سقف عقود القرض ويشمله ما يشملها من أحكام قد تدفع إلى الحرمة والإثم إذا صاحبها التعامل الربوي المنهي عنه أم لا يدخل في ذلك ويخط لنفسه الطريق الحلال الذي يرضي كل الأطراف خاصة وإن هذه التكتلات المالية تسد الطرق أمام النمو الاقتصادي إذا لم يتعامل معها الناس حسب ما ترسمه لهم من مواصفات وتخطه من مخططات ومناهج قد تنحرف عن مبادىء ومناهج وقيم المتمسكين بدينهم الساعين إلى المحافظة على تطبيقه والسير في حدوده دون انحراف أو تجاوز.
ومن هنا جاء التدارس لموضوع بيع الثنيا أو بيع الوفاء وتحديد موقف الفقهاء منه.
بيع الوفاء في المذهب الحنفي:
نلاحظ أولًا أن هذا العقد لا وجود له قديمًا عند كافة المذاهب ومنهم الحنفية. يقول الزيلعي (١) : (ومن مشائخ سمرقند من جعله بيعًا جائزًا منهم الإمام نجم الدين النسفي الذي يقول اتفق مشائخنا في هذا الزمن فجعلوه بيعًا جائزًا) .
تعريفه:
قال الإمام العلامة الشيخ محمد أمين المعروف بابن عابدين في حاشيته (رد المحتار على الدر المختار) : (صورة بيع الوفاء كما في العناية وفي الكفاية هو أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بما لك عليَّ من الدين على أني متى قضيته فهو لي) .
ويسمى عند علماء الشافعية بالرهن المعاد وعند أهل مصر ببيع الأمانة وعند أهل الشام ببيع الطاعة.
وقد عرفه بعضهم بقوله: (إنه عقد وضع للتوثيق للدين والانتفاع بالعين) .
ويقول عنه شيخ الإسلام الحنفي محمد بيرم الثاني في رسالته له عن بيع الوفاء: (إنه عقد أحدث تحيلًا لتحصيل الأرباح عن طريق مباح) .
стр. 11119
حكمه:
حصل الاختلاف بين مشائخ الحنفية على أقوال أربعة حول حكمه.
الأول: أنه رهن، وهذا ما نقله صاحب جواهر الفتاوى، وقال هو الصحيح. وقال صاحب الخيرية إن الذي عليه أكثر الفقهاء أنه رهن لا يفترق عنه في حكم من الأحكام.
قال ابن عابدين: وبه صدر صاحب الفصولين فقال: (البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالًا للربا وسموه بيع الوفاء، هو رهن في الحقيقة لا يملكه المشتري ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه وهو ضامن لما أكل من ثمره وأتلف من شجره. وللبائع استرداده إذا قضى دينه. فلا فرق حينئذ عندنا بينه وبين الرهن في حكم من أحكامه) .
يقول الزيلعي: (من الفقهاء من جعله رهنًا منهم السيد الإمام أبو شجاع والإمام القاضي الحسن الماتريدي قالوا لما اشترط عليه أخذه عند قضاء الدين أتى بمعنى الرهن لأنه هو الذي يؤخذ ويسترد ويرجع عند قضاء الدين. والعبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ حتى جعلت الكفالة بشرط براءة الأصل حوالة وبالعكس كفالة والاستصناع عند ضرب الأجل سلمًا. فإذا كان رهنًا لا يملكه ولا ينتفع به. وأي شيء أكل من زوائده يضمن ويسترد عند قضاء الدين ولو استأجره البائع لا تلزمه أجرته كالراهن إذا استأجر المرهون وانتفع به ويسقط الدين بهلاكه فيثبت فيه جميع أحكام الرهن.
القول الثاني: أنه بيع فاسد. وينسب هذا القول إلى مشائخ بخارى كما ذكر الزيلعي، وإنما كان فاسدًا عندهم لاشتماله على شرط الفسخ عند قدرة البائع على الإيفاء بالدين وهو شرط فاسد فيؤثر في عقد البيع بالفساد فلا يفيد الملك للمشتري إلا عند اتصاله بالقبض وينقض بيع المشتري كبيع المكره لأن الفساد باعتبار عدم الرضا فكان حكمه حكم بيع المكره.
القول الثالث: أنه بيع جائز لا شبهة عليه وينسب هذا القول لمشائخ سمرقند منهم الإمام نجم الدين النسفي الذي يقول: (اتفق مشائخنا في هذا الزمان على جعل بيع الوفاء بيعًا جائزًا مفيدًا لبعض أحكامه كحل الانتفاع بالمبيع كما أنه لا يملك المشتري بيعه وإنما كان جائزًا لحاجة الناس إليه والقواعد قد تترك بالتعامل مثل جواز الاستصناع وهي جواز ما ليس عند الإنسان.
стр. 11120
وقال صاحب النهاية وعليه الفتوى. ذكر ذلك الإمام الزيلعي في كتاب الإكراه في كتابه تبيين الحقائق.
وقال صاحب النهر: العمل في ديارنا على ما رجحه الإمام الزيلعي أي القول الثالث.
وقد علق أحمد الشلبي في حاشيته على شرح تبيين الحقائق بقوله: والأهم عندي أنه بيع فاسد وحكمه حكم سائر البيوعات الفاسدة لأنه بيع بشرط لا يقتضيه العقل وقد نهى النبي ﷺ عن بيع وشرط.
لكن شيخ الإسلام الحنفي بيرم الثاني يضيف وجهًا آخر للجواز فيقول: إنه بيع جائز لازم فيما إذا عقد بلفظ البيع من غير ذكر شرط فيه لا فرق بينه وبين البيع البات الصحيح في حكم ما حتى أنه لا يفسخ إلا بالتراضي على وجه الإقالة وهو الذي نقل غير واحد عن النسفي اتفاق شيوخه في زمنه عليه.
وحجتهم أن متعاقديه تلفظا بلفظ البيع من غير شرط الفسخ فيه. وإن أضمراه بقلبيهما إذ ذاك أو اشترطاه نصًّا قبل العقد بناء على أن العبرة في الشرط المفسد بقرانه للعقد ذكرًا باللسان دون تقدمه عليه ذكرًا عليه ولا قرانه به مضمرًا في الجنان.
ولهذا كان تزوج المرأة على نية تطليقها أثر الوطء نكاحًا صحيحًا نظرًا للفظه لا فاسدًا على أنه نكاح متعة باعتبار قصده. وبناء على هذا أفتى النسفي من عقد بلفظ البيع مضمرًا رد المبيع عند رد الثمن بأنه يسعه أن يحلف أن البيع كان بتًّا مع ذلك الإضمار.
القول الرابع: أنه فاسد في بعض أحكامه لأنه يتركب من بيع فاسد وبيع جائز ورهن، وهذا القول يتفرع إلى قولين: أحدهما أنه فاسد في بعض الأحكام مثل ملك كل من المتعاقدين الفسخ. صحيح في بعض الأحكام مثل حل منافع المبيع للمشتري. وثانيهما أنه رهن في حق البعض الآخر مثل عدم ملك المشتري المبيع وأنه يسقط الدين بهلاكه.
فهو إذًا مركب من العقود الثلاثة: بيع جائز وبيع فاسد ورهن. وهذا القول رجحه بعضهم للفتوى.
وقد أطنب شيخ الإسلام بيرم الثاني في شرح هذا القول ويذكر: أنه مركب من رهن وبيع جائز بات. فهو بالنسبة للبائع رهن يسترد العين عند قضاء ما عليه من الدين والمشتري ضامن للهلاك أو الانتقاص ضمان الرهن.
وهو بيع بات صحيح بالنسبة للمشتري في حق نزله ومنافعه حتى يطيب له أكل ثمره والانتفاع به سكنى وزراعة وإيجارًا. وعلى هذا استقر عمل شيوخ النسفي ومنهم صاحب الهداية علي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرغيناني (١) .
стр. 11121
الأصل المستند إليه في المذهب الحنفي:
إن هذا العقد وصع توصلًا لإقرار حلية ما تعارف الناس عليه وتعاملوا به وكانوا في حاجة إليه حتى لا يقعوا في محظور الربا، والضرورات قد تبيح المحظورات.
وكان هذا الوضع اعتمادًا على المبدأ العام للاستحسان والمصلحة العامة والمقصد العام للشريعة من أنه لا ضرر ولا ضرار.
ثم إن القواعد الناهية قد تترك بالتعامل المستمر.
وقد ذكر النسفي اتفاق فقهاء عصره عليه.
وذكر شيخ الإسلام بيرم (أن احتياج الناس الشيء وتعاملهم به أصلان كبيران في المذهب وفي قاعدة الحاجة تتنزل منزلة الضرورة من الأشباه، ومنها الإفتاء بصحة بيع الوفاء.
ومما لا ريب فيه أن الناس إذا كانت لهم حاجة إليه في العصور السابقة على فضلها فهم إليه في هذا العصر على وضوح اختلاله أحوج) .
من رسالة محمد بيرم الثاني في بيع الوفاء، مخطوطة (١) .
الحيلة في بيع الوفاء:
قد رأينا أن بعض الفقهاء يعرفون بيع الوفاء بأنه عقد أحدث تحيلًا لتحصيل الأرباح من طريق مباح. وقال عنه آخرون هو بيع تعارفه أهل هذا الزمان احتيالًا للربا.
стр. 11122
فالحيلة إذًا موجودة في عقد بيع الوفاء تكسوه سماحة الحيلة وتبعده عن شبهة الحرمة وتعبِّد الطرق طرق الفتوى لتسهيل حركية التعامل به.
والحيل التي حفل بها تاريخ الفقه الإسلامي والتي يسميها اليوم علماء القانون الحيل القانونية هي فتاوى يطلقها الفقهاء إزاء حدوث مشاكل ونزول قضايا يصعب حلها وقد توقع أصحابها في ضيق وحرج. فيقع السعي للتخلص منها بالطرق والمسالك الملتوية ويفزع إليها الفقهاء لإيجاد الفتوى فيما يطرح عليهم من أسئلة.
وقد ألف فيها أبو بكر أحمد بن عمر بن مهير الشيباني الخصاف الفقيه الحنفي المتوفى ٢٦١هـ/ ٨٧٥م ببغداد كتابًا مطبوعًا سماه ((الحيل والمخارج)) .
كما خصها شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ بحديث طويل الذيل في كتابه ((إعلام الموقعين)) ج٥ من صفحة ٣٤٠، وهو يقسم الحيل إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول حيل محرمة من كبائر الإثم وأقبح المحرمات وهي من التلاعب بالدين، فهي حرام في نفسها لكونها كذبًا وزورًا وحرام من جهة المقصود بها وهو إبطال حق أو إثبات باطل، وأبرز مثال لها نكاح المحلل ((التياس)) .
والقسم الثاني أن تكون الحيلة مشروعة وما تفضي إليه مشروعًا وتكون بسلوك واتخاذ الأسباب المشروعة توصلًا إلى الكسب الحلال وهذا القسم قد لا يعد من الحيل على حد تعريف الفقهاء.
والقسم الثالث أن يحتال توصلًا للحق أو توصلًا لدفع مظلمة بطريقة مباحة لم توضع في الأصل موصلة إلى ذلك بل وضعت لغيره فتتخذ طريقًا لهذا المقصد الصحيح.
والفرق بين هذا القسم والذي قبله أن الوسيلة في الأول وضعت موصلة إلى نفس الغاية فسالكها يسلك الطريق المعهود وفي الثاني الوسيلة كانت تفضي إلى غيره فيقع التوصل بها إلى من توضع له.
والعبارة الجامعة أن الحيل منها ما هو من نوع يعد هدمًا لمقاصد الشريعة في التحليل والتحريم وهذه محرمة قطعًا، ومنها ما هو من النوع الذي يسهل المقاصد وييسرها للوصول إلى الحقوق الشرعية من غير أن تقف القيود والشروط الفقهية في سبيل ذلك.
فالاحتيال للوصول إلى الحقوق الشرعية أو دفع المظالم والمضار قد يكون مباحًا إذا سلك طرقًا مباحة. ولذا فإن الحيل لا يمكن مطلقًا أن تقع في العبادات وإنما تقع في المعاملات.
стр. 11123
نعم قد تقع في الأيمان كما لو حلف شخص أن لا يشتري ثوبًا من فلان التاجر ثم تعلق غرضه بشرائه منه فإنه يوكل غيره على الشراء. فالعقد حينئذ يضاف للوكيل لأن الحالف أراد عدم مباشرة البائع لأمر ما حدث بينهما. فالتعامل معه بواسطة الوكيل لا يتنافي مع القسم إلا إذا كان الحالف ممن لا يشترون عادة بأنفسهم ولا ينزلون إلى الأسواق لقضاء مآربهم بل يعهدون بذلك إلى غيرهم. وقد أفتى محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة الخليفة هارون الرشيد وقال له: أما أنت فلا. ضرورة أن الرشيد كان يقصد عند القسم أنه لا يشتري منه بواسطة غيره وأن لا يكلف أحدًا بالشراء منه كما هي عادته في معاملاته إذ أنه لا يباشر هذه الشراءات بنفسه.
والصاحب القاضي أبو يوسف يرى أن التحايل لإسقاط حق الشفعة جائز بشرط أن يكون قبل الشفعة أي قبل طلبها من الشفيع لأن التحايل هنا يقصد به دفع الضرر ورفع المشقة ولا بأس بذلك لأنه أخذ العقار واشتراه وأصبح مالكًا له فانتزاعه من يده مضرة عليه حاصلة محققة بخلاف الشفيع فمضرته مظنونة وغير محققة وقد يكون الشريك الجديد أفضل من القديم ومن هنا فالصاحب القاضي أبو يوسف لا يرى مانعًا في الالتجاء إلى الكمشة المجهولة المعروفة لأنها سعي لمنع الشفعة قبل الأخذ بها بل هي سعي لدفع مضرة وتحصيل منفعة.
وعلى كلٍّ فهل يجوز وهل يسمح باتخاذ الحيل وحبكها وصنعها وانتشائها وتكييفها توصلًا إلى المقصد المطلوب إذا كان المقصد حلالًا في نفسه؟.
وأين محل عقد بيع الوفاء في كل تلك الأجواء؟ وهل أن الحيلة هي التي صنعته وكونته أم أن جلب المصلحة ودفع المضرة هو الذي مهد الطريق لإنشائه؟
والملاحظ أن كلام الإمام أبي يوسف إنما يتعلق بالحرمة والحلية والمنع والجواز والثواب والعقاب أما إذا اعترف الخصمان عند النزاع بالحيلة وتزويقها امتطاء إلى الهدف فإن القاضي سوف لا يقضي إلا بإبطال مفعولها ورد سعيهما. والقاضي إنما يحكم بالظاهر فإذا انكشفت أمامه الحقيقة اتبعها وطبق أصول الأحكام عليها غير ملتفت إلى صحة الهدف من مرضه.
стр. 11124
المذهب المالكي:
يعرف هذا العقد في كتب الفقه المالكي ببيع الثُنْيا بضم الثاء المثلثة وسكون النون كما يعرف ببيع وشرط.
قال ابن عرفة التونسي الفقيه المالكي: عمم ابن رشد لفظ الثنيا في بياعات الشروط المنافية للبيع، وقال في المقدمات بيع الشروط المسماة عند الفقهاء بيع الثنيا كالبيع على أن لا يبيعه ولا يهبه قال: إنه لا يجوز لأنه سلف جر نفعًا. - انتهى شرح الرصاع على حدود ابن عرفة -.
وقال القاضي الفقيه ابن عبد الرفيع التونسي في كتابه معين الحكام (١) : (لا يجوز بيع الثنيا وهي أن يقول له: أبيعك هذا الملك أو هذه السلعة على أني إن أتيتك بالثمن إلى مدة كذا أو متى آتيك بالثمن فالبيع مصروف علي ويفسخ ذلك ما لم يفت بيد المبتاع فتلزمه القيمة يوم قبضه) .
وهو يقول في حديثه عن الرهن ٢/٨١١: (ومن ارتهن شجرة واشترط ثمرتها ذلك العام فإن كان الدين من سلف لم يجز وإن كان من بيع والثمرة قد أزهت جاز وإن كان على غير ذلك لم يجز) .
ويتعرض ابن رشد الحفيد في كتابه بداية المجتهد إلى بيع الثنيا فيقول: (في صحيح مسلم عن جابر: قال نهى رسول الله ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاوقة والثنيا ورخص في العرايا) (٢) .
قال ابن رشد وأما من قال له البائع: متى جئتك بالثمن رددت علي المبيع فإنه لا يجوز عند مالك لأنه يكون مترددًا بين البيع والسلف إن جاء بالثمن كان سلفًا وإن لم يجىء كان بيعًا.
ومن المسموع نهيه ﵊ عن بيع وسلف (٣) واتفق الفقهاء على أنه من البيوع الفاسدة، حتى يقول: (إن التحريم جاء من أجل اقتران البيع بالسلف) .
وإذا لحق الفساد البيع من قبل الشرط هل يرتفع الفساد إذا ارتفع الشرط أم لا؟
وذلك بناء على أصل معروف وهو هل أن الفساد حكمي أو معقول؟ فعلى الأول لا يرتفع بارتفاع الشرط وعلى الثاني يرتفع.
стр. 11125
ومالك يراه معقولًا خلافًا للجمهور الذي يتمسك بأن الفساد حكمي.
وهذا غير مهم في بحثنا لأننا ندرس موضوع الحلية والحرمة بصرف النظر عن الرجوع والعدول ونتائج ذلك.
وابن عاصم يتعرض إلى موضوع بيع الثنيا تعريفًا وحكمًا وتقسيمًا فيقول معرفًا:
والشرح للثنيا رجوع من
باع إليه عند إحضار الثمن
ومن هنا نفهم أن بيع الثنيا خلافًا لتعميم ابن رشد هو اشتراط البائع في صلب عقد البيع استرداده للمبيع عند إرجاعه للثمن.
وابن عاصم مثل سائر فقهاء المالكية يرى فساد هذا النوع من البيوعات والنهي عنها متبعًا في ذلك الإمام مالك وابن القاسم وغيرهما من الفقهاء:
والبيع بالثنيا لفسخ داع
والخرج بالضمان للمبتاع
ولا كراء فيه هبه لأجل
أو لا وذا الذي جرى به العمل
لكن إذا وقع البيع باتًّا ثم حصل الاتفاق بين المتعاقدين تطوعا على استرداد المبيع حين إحضار الثمن فهذا جائز يسوغ للمشتري الفوز بالغلة وعلة ذلك أن العقد كان صحيحًا جائزًا ثم حصل التطوع من المشتري على وجه المعروف الذي التزم بالإرجاع وإلى كل هذا يشير ابن عاصم بقوله:
وجاز إن وقع بعد العقد
طوعًا بحد أو بغير حد
وحيثما شرط على الطوع جعل
فالأحسن الكتب بعقد مستقل
والقول قول مدع للطوع
لا مدعي الشرط بنفس البيع
وهذا الاستثناء يرشد إلى تنازل المشتري وأن التزامه برد المبيع عند إرجاع الثمن إليه كان بعد حصول عقد البيع بعقد جديد التقت فيه الإرادتان بعد عملية البيع البات غير المشروط ثم حدث التطوع بالثنيا وأنشىء له كتب خاص به وعند الخلاف فالقول قول من ادعى التطوع بالشرط لا أنه حصل عند البيع مقارنًا له.
стр. 11126
وما أشار إليه ابن عاصم وامتطاه كثير من الفقهاء لتحليل هذا الصنف من العقود هو أمر يندر حدوثه ويعز وقوعه فالمتبايعان المتعاقدان كانا يرميان إلى نوع من رهن الانتفاع فيه مواصفات هذا العقد وفيه مواصفات أخرى تجعله كبيع عند انتهاء الأجل وعدم حصول التراجع بين الطرفين فلا يقع الالتجاء للحاكم لبيع المرهون وخلاص الدين.
وحينئذ فلا يمكن القول بانفصالهما واستقلالهما عن بعضهما بإرادتين واتفاقين وعقدين وكتبين. ولا يمكن أن يطمئن البائع صاحب الشيء للتفويت في متاعه بكتب صحيح له جميع مواصفات البيع القائم على أمل أن يقع بعد ذلك كتب أخر يمنحه حق الاسترجاع والتمتع بالثنيا فالمشتري قد يفوت عليه هذا الأمل فتضيع بضاعته وتخسر تجارته وتتحطم آماله.
ولا أحسب أن أحدًا الآن لا يضيق بهذه النظرية المبنية على الاحتيال ونكران الواقع هذا الواقع الذي يقتضي أن الاتفاق حاصل من أول الأمر على بيع الثنيا واستغلال ما فيه من منافع للطرفين بصرف النظر عن حليتها من حرمتها وأن الكتائب والإشهاد إنما تأتي للإثبات لا للإنشاء فلا يهم إطلاقًا جعل كتبين ينفرد أحدهما بالبيع ويخصص الآخر للتطوع بالثنيا.
وعلى كل فإن هذه الصورة حدوث التطوع بالثنيا بعد عقد البيع تبعدنا عن بيع الثنيا الذي يشترط فيه البائع في صلب العقد وفي بند من بنوده استرداد مبيعه حين يرد هو الثمن وهو العقد الذي يرى المالكية فساده وعدم جوازه.
وإذ كان المقصود من بيع الثنيا هو أن يسترد البائع العين بعد استغلاله لما قبضه من ثمن وأن يفوز المشتري بغلة المبيع مدة غيبة ماله عنه فهذا ظاهر في كون العملية إنما هي من باب الربا المحرم شرعًا لقوله سبحانه: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] .
ومن ثمة فالمالكية يحرمون هذا العقد ويكشفون عنه غطاء الحيل التي يكسوه بها بعض المتأخرين لتسويغه وتحليله وهي حيل مكشوفة ظاهرة جلية لا ينكرها حتى أصحابها. يقول الحطاب (١) : (وأما ما يقع في عصرنا هذا وما عمت به البلوى وذلك أن الشخص يبيع الدار بألف دينار - مثلًا - وهي تساوي أربعة آلاف أو خمسة ويشترط على المشتري أنه متى جاء بالثمن ردها إليه ثم يؤاجرها المشتري لبائعها بمائة دينار في كل سنة قبل أن يقبضها المشتري وقبل أن يخليها البائع من أمتعته بل يستمر البائع على سكناها إن كانت له مسكنًا أو على وضع يده عليها أو إجارتها ويأخذ منه المشتري الأجرة المسماة في كل سنة. فهذا لا يجوز بلا خلاف لأنه صريح الربا ولا عبرة بالعقد الذي عقداه في الظاهر لأنه إنما حكم بالغلة للمشتري في البيع الفاسد لانتقال الضمان إليه.
стр. 11127
وهنا لم ينتقل الضمان لبقاء المبيع تحت يد بائعه فلا يحكم له بالغلة بل لو قبض المشتري المبيع وتسلمه بعد أن أخلاه البائع ثم آجره المشتري للبائع على الوجه المتقدم لم يجز لأن ما خرج من اليد وعاد إليها لغو كما هو مقرر في بيوع الآجال وآل الحال إلى صريح الربا وهذا واضح لمن تدبره، والله أعلم (١) .
بقية المذاهب:
قد علمنا أن المالكية والحنابلة والمتقدمين من الحنفية والشافعية يرون فساد بيع الوفاء لأنه يرمي إلى الربا المحرم شرعًا.
فالمذاهب حينئذ تتفق في هذه الناحية على فساد هذا البيع وعدم جوازه لأن ما بني على فاسد محرم فهو فاسد محرم ولا يمكن التعامل به ولا الإفتاء بجوازه رغم تعامل بعض الناس به والتجائهم إليه وتحيلهم بامتطائه للتحصيل على القرض ولو كانت له فوائد هي عين الربا الذي حرم لمضار وخسائر ظاهرة وخفية ومحققة ومتوقعة فالمقترض يضع عقاره توثقة في مال يأخذه وليستغل الدائن منافع ذلك العقار استغلالًا يفضي إلى الربا الفاحش أحيانًا ثم إذا عجز المدين عن الخلاص والوفاء بالشرط ضاع عليه عقاره بجرة قلم.
стр. 11128
القوانين الوضعية:
نشير بادىء ذي بدء إلى أن هذه القوانين بصرف النظر عن مآخذها وأسانيدها ومراجعها واعتماداتها الفقهية تنظر إلى هذه الصفقات بعين الحرمة والمنع ومن زاوية التشنيع الصرف.
وقد أردنا أن نضيف إلى هذا البحث الفقهي حسب المنهج السابق كلمة تشرح نظر هؤلاء الفقهاء في القانون خاصة وأن بعض البلاد الإسلامية نسجت على منوال الدولة العثمانية وقننت قوانينها المدنية مقتبسة أحكامها من الشريعة الإسلامية السمحة.
وأحسب أن الاطلاع على ذلك إذا لم يكن فيه إيضاح وشرح لم تكن فيه مضرة ويمكن أن يناله الطرح خاصة وأن الاطلاع على الواقع واجب تفرضه كل الظروف ويُحتِّمه فهم الرأي الآخر لتدبر معانيه وفهم مراميه ودحض ما به من اعوجاج والحكم على الشيء فرع عن تصوره.
ونضع عينات توضح هذه الحرب التي حاربت بها القوانين الوضعية تلك العقود المعبر عنها ببيع الوفاء وبيع الثنيا وبيع العهدة وبيع الأمانة وبيع الطاعة وبيع المعاملة وهي كلها أسماء لمسمى واحد اختلفت حسب اختلاف المذاهب والأماكن وهو عقد أحدث تحيلًا للوصول إلى المرابيح المالية من طريق تكسوه الصفة الشرعية وتبعده عن المعاملات الربوية.
ننقل أولًا ملخص المناقشات حول هذا الموضوع من طرف اللجنة البرلمانية المصرية حسب مجموعة الأعمال التحضيرية.
يقول التقرير: (تناولت اللجنة بيع الوفاء وقد رأت بالإجماع أن هذا النوع من البيع لم يعد يستجيب لحاجة حيوية في التعامل إنما هو وسيلة ملتوية من وسائل الضمان تبدأ ستارًا برهن وينتهي الرهن إلى تجريد البائع من ملكه بثمن بخس) .
стр. 11129
والواقع أن من يعمد إلى بيع الوفاء لا يحصل على ثمن يتناسب مع قيمة المبيع بل يحصل عادة على ما يحتاج إليه من مال ولو كان أقل بكثير من هذه القيمة. ويعتمد غالبًا على احتمال وفائه بما قبض قبل انقضاء أجل الاسترداد ولكنه قل أن يحسن التقدير فإذا أخلف المستقبل ظنه وعجز عن تدبير الثمن خلال هذا الأجل ضاع عليه دون أن يحصل على ما يتعادل مع قيمته وتحمل غبنًا ينبغي أن يدرأه القانون عنه. ولذا رؤي أن تحذف النصوص الخاصة ببيع الوفاء وأن يستعاض بنص عام يحرم هذا البيع في أية صورة من الصور. وبهذا لا يكون أمام الدائن والمدين إلا الالتجاء إلى الوسائل التي نظمها القانون) .
لهذا جاءت المادة ٤٦٥ من القانون المدني المصري الموضوع في أكتوبر ١٩٤٩ قائلة: (إذا احتفظ البائع عند البيع بحق استرداد المبيع خلال مدة معينة وقع البيع باطلًا) .
أما القانون التونسي المدني الذي استمد أحكامه من الفقه الإسلامي والموضوع حوالي سنة ١٣١٧هـ/ ١٨٩٩م وهو من أقدم القوانين المدنية هذا القانون كان يرخص في هذا الصنف المعروف ببيع الثنيا وقد عرفه بالفصل ٦٨٤ بقوله: (بيع الثنيا هو أن يلتزم المشتري بعد إتمام البيع بأن يرد المبيع لبائعه عندما يرد له ثمنه) .
ونلاحظ هنا أن التقنين التونسي اقتفى في هذا ما جاء به الفقه المالكي من أنه إذا تم البيع باتًّا صحيحًا ثم اشترطت الثنيا على سبيل التطوع جاز ذلك وهو ما أشار إليه ابن عاصم في التحفة:
"وجاز إن وقع بعد العقد"
ضرورة إن عقد البيع كان صحيحا
لا شائبة منه أو جاء عقد آخر عقبه اتفق فيه الطرفان على استرجاع المبيع إذا رجع الثمن.
стр. 11130
ومع ذلك فإن هذه العقود التي تقع تفضي غالبًا إلى حيل وخزعبلات تضيع معها حقوق الضعفاء المساكين وتجر الربح الوفير إلى أرباب المال. ولذا فقد تدارك القانون المدني التونسي هذا الأمر وحجر عقد بيع الثنيا أو بيع الوفاء وذلك حسب قانون مؤرخ في ٧ رجب سنة ١٣٧٧هـ الملاقي ٢٨ جانفي ١٩٥٨ نشر بالرائد الرسمي عدد ٩ لنفس العام.
وكان القانون المدني الفرنسي القديم يمنع التعامل بمثل هذا العقد ثم أجازه حسب الفصل ١٦٥٩ ونصه: (إمكانية استرجاع المباع هو اتفاق يمكن البائع من استرجاع مبيعه على شرط إرجاع ما يقبضه طبق ما ورد بالفصل ١٦٧٣) .
وهذا الفصل الأخير حدد شروط ذلك والإجراءات المتبعة.
وقد لاحظ عبد الرزاق السنهوري (١) أن القوانين العربية حرمت هذا الصنف من العقود وجعلته من العقود الباطلة طبق المادة ٤٦٥ من القانون المدني المصري. وضرب مثلًا لذلك بالتقنين المدني السوري المادة ٤٣٣ والقانون المدني الليبي المادة ٤٥٤ والقانون المدني العراقي المادة ٤٥٤.
لكن هناك في التقنينات العربية التي أبقت عليه مثل القانون اللبناني المادة ٤٧٣ وما بعدها.
والقانون المغربي المادة ٥٨٥ وما بعدها في أحكام بيع الثنيا وشروطه.
لكن نلاحظ أن كلًّا منها يجعل بيع الثنيا يقع التطوع به بعد انعقاد البيع الصحيح التام فالمادة ٤٧٣ لبناني تقول: إن البيع مع اشتراط حق الاسترداد أو البيع الوفائي هو الذي يلتزم فيه المشتري بعد البيع التام أن يعيد المبيع إلى البائع مقابل رد الثمن.
والمادة ٥٨٥ من القانون المدني المغربي تنص على: (البيع مع الترخيص للبائع في استرداد المبيع أو بيع الثنيا هو الذي يلتزم المشتري بمقتضاه بعد تمام انعقاده بأن يرجع المبيع للبائع في مقابل رد الثمن) .
وهكذا نرى أن القوانين الوضعية في غالبها لا تنظر بعين الرضا إلى هذا الصنف من العقود ولذا فقد حجرتها وأبطلتها.
стр. 11131
المحور الأخير: هل ينتفع الاقتصاد من بيع الوفاء:
للجواب عن هذا التساؤل نقول إن الاقتصاد نوعان نوع حر لا يخضع في معادلاته إلا لقيود قليلة لا مفعول لها سلبيًّا عن اتساع دائرته وأهم شيء فيه هو عدم تحريمه للربا وحتى إذا أقلقه أمره حينًا فإنه يحد من ارتفاعه فيرضى رب المال والمستهلك. وهذا موضوع نتجنب الخوض فيه إذ لا ناقة لنا في ساحته ولا جمل.
والظاهر أن هذا النوع من الاقتصاد في غير حاجة إلى تقنين بيع الوفاء والتعلق بأهدابه وامتطائه وصولًا إلى المرابيح والفوائد.
أما إذا راجعنا اقتصادنا الإسلامي وهو نوع آخر له طرقه وأخلاقياته وأساليبه وقيوده وشروطه وحدوده فإننا سوف نخضع إلى قواعدنا الإسلامية العامة ومقاصد شريعتنا السمحة التي لا تقبل التغيير والتبديل لانبنائها على أسس ثابتة متينة تصلح لكل زمن (والله سبحانه حد حدودًا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها) .
والقرآن دستورنا وأساس نظام حياتنا الذي نبني عليه كل الأحكام التفصيلية التي جاءت بها قواعده العامة.
ولا بد حينئذ من نبذ كل ما يخالف أحكامه ونصوصه الواضحة بصرف النظر عن المنافع والمرابيح التي تهز الأسواق وتضفي عليها لونًا من الازدهار يعم طائفة ويقضي على غيرها والقرآن حرم الخمر رغم منافعها الاقتصادية وانتفاع جماعة من أرباحها المالية (وحق يضر خير من باطل يسر) . والأمر بعد ذلك موكول إلى الاجتهاد الصحيح الصادر عن رجال العلم والفقه.
فمن قرأ الكتب المعتمدة وتفقه وفهم معاني ذلك وعرف الأحوال التي بنيت عليها مسائلها من الكتاب والسنة وأحكم وجهة النظر ولم يخف عليه ناسخ القرآن من منسوخه ولا سقيم السنة من صحيحها إذا نظر فيها وكان معه من اللسان ما يفهم به معنى الخطاب جاز له أن يفتي دون حيل ولا خزعبلات فيما ينزل ويحدث من القضايا التي لا نص فيها. والله الموفق للصواب.
محمود شمام
عفى عنه
стр. 11132
عقد الرهن
وأوجه الشبه بينه وبين عقد الوفاء
إعداد
الدكتور حمداتي شبيهنا ماء العينين
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سنتناول هذا الموضوع من خلال المحاور التالية:
المبحث الأول: تعريف الرهن وأحكامه.
المبحث الثاني: أحكام الرهن.
المبحث الثالث: شروط الرهن.
المبحث الرابع: هلاك المرهون وتصفية الرهن.
المبحث الخامس: أوجه الشبه بين عقد الوفاء وبين الرهن.
خاتمة مقارنة موجزة بين عقد الرهن في الشريعة الإسلامية وبين القوانين الوضعية.
تقديم
سبقت الشريعة الإسلامية غيرها من الشرائع والكتب السماوية إلى سن أحكام كثيرة في المعاملات التي تتم بين بني الإنسان، وذلك بصفة متقدمة، ومدققة، تراعي مصالح جميع أطراف التعامل على نمط يكفل احترام حقوق الطرفين دون تحيز ولا تمييز. فأحكام الشريعة الإسلامية عامة ومجردة وسهلة التطبيق لكون الناس أمامها سواسية كأسنان المشط، ومن خلال هذا الواقع الذي تتجذر أحكامه عبر الزمن من خلال تطور المعاملات وتجدد حاجات الإنسان، وتنوع مصادرها واختلاف آياتها، برزت الشريعة الإسلامية كل يوم وهي أكثر قابلية لاحتواء كل طموحات القانونيين، وكل المشرفين على تسيير أي نظام يخدم الفرد والجماعة خدمة مخلصة ونزيهة.
وإذا كانت الأمثلة كثيرة ومتنوعة على صدق هذا القول فإن تنظيم مختلف صور عقد الرهن في الشريعة الإسلامية خير شاهد على مدى ارتباط أحكام هذه الشريعة بحياة الناس ومماتهم.
فمن خلال الكتاب والسنة وأصول نظريات الفقه الإسلامي وفرعها تبرز السابقة الحضارية لهذه الشريعة والتي ستبقى بحول الله صالحة لكل زمان ومكان.
وعليه فسنحاول دراسة بعض المبادىء العامة لهذا الموضوع بإيجاز من خلال المباحث المبينة قبل وهي:
стр. 11133
المبحث الأول
تعريف الرهن وأصله وأحكامه
التعريف اللغوي:
الرهن ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك والجمع رهان ورهون ((بضمتين)) ورهين ورهنه عنده الشيء حبسه، ورهن كمنع، وأرهنه جعله رهنًا وارتهن منه أخذ منه رهنًا ... إلى آخر المادة من القاموس المحيط لمجد الدين الفيروز أبادي.
ومعناه اصطلاحًا هو احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفي الحق من ثمنها، أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم ومن أحسن التعاريف له حكمًا تعريف السرخسي ونصه: (الرهن عقد وثيقة بمال مشروع للتوثق في جانب الاستيفاء فالاستيفاء هو المختص بالوفاء لمال لأن موجب حقيقة الاستيفاء ملك عين المستوفى وملك اليد فموجب العقد الذي هو وثيقة الاستيفاء) (١) .
وأصله في الكتاب قول الله : ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] .
قال القرطبي لما ذكر الله الندب إلى الإشهاد والكتب، لمصلحة حفظ الأموال والأديان، عقب على ذلك بذكر الأعذار المانعة من الكتب، وجعل لها الرهن ونص من أحوال العذر على السفر الذي هو غالب الأعذار في ذلك الوقت، ويدخل في ذلك كل وقت لم يوجد فيه الكاتب في الحضر كأوقات أشغال الناس والليل والخوف على خراب ذمة الغريم.
وعلى هذا فالرهن في السفر ثابت بكتاب الله تعالى، وفي الحضر ثابت بفعل النبي ﷺ .
ففي البخاري قال: حدثنا مسدد حدثنا عبد الواحد حدثنا الأعمش قال: تذاكرنا عند إبراهيم في الرهن والقبيل يعني السلف فقال إبراهيم: حدثنا الأسود عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعامًا إلى أجل ورهنه درعه.
هذا إضافة إلى حالات كثيرة تهم أنواع الرهن تعرضت لها كتب السنة.
стр. 11134
أما حكم الرهن فهو ينقسم إلى نوعين الرهن الحيازي، وهذا لا جدال في جوازه والقسم الثاني وتعرفه القوانين الوضعية الرهن الرسمي وفيه خلاف والراجح جوازه، كما سيأتي ومن خلال نصوص الكتاب والسنة أسهب الفقهاء في تحليل مختلف صور الرهن وأركانه وشروطه وأحكامه ولذا يحسن تقسيم هذا المبحث إلى الفقرات التالية:
أولًا: للرهن أركان أولها الراهن، فلكي يكون لعملية الرهن مفعول شرعي يلزم أن يكون الراهن متمتعًا بكامل أهليته، وأن لا يكون محجورًا عليه، واستعمل ابن رشد في بداية المجتهد كلمة من أهل السداد في حق الراهن وهو تعبير عميق الدلالة يجعلنا نحتاط كثيرًا في حالة الراهن حتى أنه إذا كان متمتعًا بأهليته فإن أهل السداد دائمًا حالهم أكثر حيطة من العاديين من الأفراد.
وعند مالك الوصي يقدم الرهن من مال من يلي أمرهم، إذا كان ذلك سيجر إليهم نفعًا ماديًّا، ويرهن عند مالك المكاتب، والصبي المأذون، أما الشافعي، فقد شدد على ضرورة توفر المصلحة الظاهرة في عملية التعاقد التي يمكن أن يقدم عليه الوصي رهنًا من مال من تحت وصايته إذ لا يجوز له ذلك إلا إذا تأكد من النفع الظاهر لفائدة من يتولى الوصاية عليه.
واتفق مالك والشافعي على أن المفلس لا يجوز رهنه، وقال أبو حنيفة يجوز رهنه، وذلك قبل أن يفلس.
أما الشروط المطلوبة في المرتهن فهي نفس الشروط الواجب توافرها في الراهن.
قال خليل بن إسحاق: (الرهن بذل من له البيع ما يباع أو غررًا ولو اشترط في العقد وثيقة بحق) .
أما الركن الثاني وهو الرهن فقالت الشافعية بأنه يصح بثلاثة شروط هي:
الأول: أن يكون عينًا، وعندهم أنه لا يجوز رهن الدين.
الثاني: أن لا يمتنع إثبات يد الراهن عليه كالمصحف، أما مالك فقد أجاز رهن المصحف على أن لا يقرأ فيه المرتهن. وخلافهم مبني على جواز أو عدم جواز بيع المصحف.
الثالث: أن تكون العين قابلة للبيع عند حلول الأجل ويجوز عند مالك أن يرتهن ما لا يحل بيعه في وقت الارتهان كالزرع والثمر الذي لم يبد صلاحه، على أن لا يباع لأداء الدين إلا إذا بدا صلاحه، ولو حل أجل الدين، وللشافعي قولان في رهن الثمر الذي لم يبد صلاحه، ويباع عنده عند حلول الدين على شرط القطع ويجوز عند مالك رهن ما لم يتعين كالدنانير والدراهيم إذا طبع عليها.
стр. 11135
وليس من شرط الرهن أن يكون ملكًا للراهن لا عند مالك ولا عند الشافعي، بل يجوز عندهما أن يكون مستعارًا على أن يكون إقراره في يد المرتهن من قبل الراهن وعند مالك يمكن رهن المغصوب وينتقل من ضمان الغصب إلى ضمان الرهن فيجعل المغصوب منه الشيء المغصوب رهنًا في يد الغاصب قبل قبضه، وقال الشافعي: لا يجوز بل يبقى على ضمان الغصب إلى أن يقبضه ومنع أبو حنيفة رهن المشاع وأجازه مالك والشافعي، وخلافهم أساسه هل يمكن القبض والتسليم في المشاع أم لا؟
وانطلاقًا من قول المختصر ((نقل من له البيع ما يباع أو غررًا ولو اشترط في العقد وثيقة بحق)) تتسع مجالات محل الرهن لتشمل كل الأشياء الصالحة محل عقده، وحتى ما فيه قليل من الغرر يجوز بناء على هذا النص رهنه عند جمهور المالكية، ويكون الرهن وثيقة عند المرتهن.
ويجوز أن يرهن الأب أو الوصي أو الحاجر على محجوره، فيما يرجع عليه بنفع عن طريق الرهن.
وإذا رهن دارًا هي وقف عليه على أنها ملك له بشرائها ثم تبين أنها وقف عليه فهل يبطل الرهن أم لا؟ وهل ينتقل الرهن إلى منفعتها وكرائها، لإنماء ماله منها في هذا قولان: أحدهما ينقل الرهن إلى المنفعة والآخر أبطل الرهن لوقوعه على شيء ليس ملكًا للراهن، ولا يستطيع تسليمه للمرتهن وصح رهن الشيء المأجور قبل انتهاء مدة الإجارة.
وإذا كان المرتهن تفوق قيمته قيمة الدين الموثوق بالرهن جاز للراهن أن يرهن الزائد عن القيمة بشرط أن يعلم بذلك المرتهن ويقبل به ويصبح حائزًا للرهن الثاني.
وصح رهن المستعار لقول مالك: من استعار سلعة ليرهنها جاز له ذلك.
ويبطل بشرط مناف لطبيعته كأن يشترط عليه عدم القبض أو أن يشترط عليه عدم بيع المرهون عند انتهاء الأجل لاستيفاء الدين.
وإذا كان البيع فاسدًا ودفع فيه المشتري رهنًا ظانًّا أنه يلزمه، فإن الرهن فاسد لأنه تابع لعقد البيع الفاسد.