← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11061–11100 · переход к 11066.

стр. 11061

ثالثًا - مذهب الحنابلة: جاء في كشاف القناع: بيع الأمانة هو الذي مضمونه اتفاقهما أي البائع والمشتري على أن البائع إن جاء بالثمن أعاد المشترى إليه ملكه ذلك ينتفع أي بالملك المبيع المشتري بالإجارة والسكنى ونحو ذلك كركوب ما يركبه أو حلبه وهو أي البيع عقد باطل بكل حادث. ومقصودهما إنما هو الربا بإعطاء دراهم إلى أجل ومنفعة الدار ونحوها هي الريع فهو في المعنى قرض بعوض. والواجب رد المبيع إلى البائع وأن يرد البائع إلى المشتري ما قبضه منه لكن يحسب للبائع في ما قبضه المشتري من المال الذي سموه أجرة وإن كان المشتري هو الذي سكن حسب عليه أجرة المثل فتحصل المقاصة بقدره (١) . الأصل المستند إليه في التحليل أو المنع: ذكر الأستاذ المحاسني في شرحه على المجلة: إن بيع الوفاء حدث اعتباره والقول به بين العصر الخامس والسادس في ديار بخارى، وقد جوز للاحتياج في تلك الديار التي تراكمت فيها الديون على أصحاب العقارات بدرجة كادت تذهب بها، وقد تعامل عليه أهل اليمن وسموه بيع الرجاء وكذلك أهل طرابلس الغرب وسمونه بيع الوعدة (٢) . وقال ابن عابدين: جوز لحاجة الناس إليه بشرط سلامة البدلين لصاحبهما كما علل آخرون الجواز بأنه من قبيل المواعدة وأنه يلزم الوفاء بالوعد (٣) . هذه وجهة من قال بالتحليل أما من قال بالمنع قال في البهجة واختلف في علة الفساد فعلله في بيوع الآجال منها بالبيع والسلف أبو الحسن معناه تارة يكون بيعًا وتارة يكون سلفًا أي لأنه خيار بشرط النقد، وجعلا مدته أكثر من مدة الخيار إن حداه بأجل أو لمدة مجهولة إن لم يحداه. وعلله سحنون وابن الماجشون وغيرهما بأنه سلف جر نفعًا وبه عللت المدونة بنصها المنقول عند قوله (والثنيا) (٤) . ثم قال فهو بيع فاسد يفسخ ولو أسقط الشرط على المذهب ... وعلى الثاني فهو رهن يفسخ أبدًا ولا يفوت بشيء بهدم ولا غيره ويرد المشتري فيه الغلة ولو طال الزمان (٥) . وقال في فتاويه الأنقروية: وذكر في فتاوى مشايخ سمرقند أن بيع الوفاء فاسد وأنه بيع بشرط (٦) . قال والصحيح أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنًا ثم ينظر إن ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع، وإن لم يذكرا ذلك في البيع وتلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء أو تلفظا بالبيع الجائز وعندهما هذا البيع عبارة عن بيع غير لازم فكذلك (٧) ونحوه في الفتاوى الهندية وكذلك علل الشافعية من قال بفساده. قال في بغية المسترشدين: إذ لو وقع شرط العهدة المذكور في صلب العقد أو بعده في زمن الخيار أفسده فليتنبه لذلك (٨) .

стр. 11062

وعلل الحنابلة المنع بقولهم هو عقد باطل بكل حال ومقصودهما: إنما هو الربا بإعطاء دراهم إلى أجل ومنفعة الدار أو نحوها هي الربح فهو في المعنى قرض بعوض (١) . قال ابن رشد: وأما من قال له البائع: متى جئتك بالثمن رددت عَلَيَّ المبيع فإنه لا يجوز عند مالك لأنه يكون مترددًا بين البيع والسلف. إن جاء بالثمن كان سلفًا، وإن لم يجئ كان بيعًا. واختلف في المذهب، هل يجوز ذلك في الإقالة أم لا؟ فمن رأى أن الإقالة بيع فسخها عندما يفسخ سائر البيوع، ومن رأى أنها فسخ فرق بينهما وبين البيوع. واختلف أيضًا فيمن باع شيئًا بشرط أن لا يبيعه حتى ينتصف من الثمن فقيل عن مالك، يجوز ذلك، لأن حكمه حكم الرهن ولا فرق في ذلك بين أن يكون الرهن هو المبيع أو غيره. وقيل عن ابن القاسم لا يجوز ذلك لأنه شرط يمنع المبتاع التصرف في المبيع المدة البعيدة التي لا يجوز للبائع اشتراط المنفعة فيها فوجب أن يمنح صحة البيع، ولذلك قال ابن المواز: إنه جائز في الأمد القصير (٢) . (أثر فوت المبيع ما يعتبر فوتًا وما لا يعتبر) : فوات المبيع قد يكون بهلاكه أو بعضه أو بالتصرف فيه: فإن كان الفوات بسبب الهلاك: فقد نصت مجلة الأحكام العدلية في المادة ٣٩٩ على أنه إذا كانت قيمة المال المبيع بالوفاء مساوية للدين وهلك المال في يد المشتري سقط الدين في مقابلته. قال شارحه علي حيدر: يعني إذا هلك المال في يد المشتري أو أتلفه سقط من الدين بقدر قيمة المال الهالك أو المتلف.

стр. 11063

فإن لم يتلف المال بل طرأ عليه عيب أوجب نقصان قيمته قسمت قيمة الباقي منه على قيمة ما هلك منه، فيسقط الدين الذي يصيب الحصة التي تلفت ويبقى ما يلحق الحصة الباقية منه. مثلًا - إذا اشترى إنسان دارًا قيمتها ألف قرش بمئة قرش وفاء وتسلمها فطرأ عليها خراب أنزل قيمتها إلى خمسمائة قرش فيسقط من ذلك الدين خمسون قرشًا. قال: وقد قيدت القيمة في هذه المادة وفي المادتين الآتيتين بالقيمة يوم القبض، لأن سبب الضمان هو القبض فيجب أن تعتبر القيمة وقت القبض (١) . وقال الأتاسي في شرحه عند كلامه على المادة ٣٩٩ هذه المادة وما بعدها إلى آخر الفصل مفرعة على كون المبيع وفاء له حكم الرهن. لكنه ذكر أن بيع الوفاء يخالف الرهن في الأحكام التالية: ١ - القبض شرط جواز الرهن في الأصح حتى لا يصح الارتهان ولا يترتب عليه حكم بمجرد الإيجاب والقبول، كما في الأنقروية وغيرها. بخلاف بيع الوفاء فإنه لا يشترط لجوازه قبض المبيع، حتى صَحَّتْ إجارته قبل قبضه عند البعض. ٢ - رهن المشاع غير صحيح ولو من الشريك سواء احتمل القسمة أو لا، بخلاف المبيع وفاء، فإن بيعه صحيح إذا كان مشاعًا مطلقًا كما صرحوا به. ٣ - من حيث التأجيل فإن الأجل في الرهن مفسد له، لأن حكمه حبس مستدام، بخلاف الأجل في بيع الوفاء، فإنه صحيح فإن بيع الوفاء بالنسبة لهذه الأحكام ملحق بالبيع الصحيح (٢) . ونصت المادة ٤٠٠ على ما إذا كانت قيمة المال المبيع ناقصة عن الدين وهلك المبيع في يد المشتري، فإنه يسقط من الدين بقدر قيمته واسترد المشتري الباقي وأخذه من البائع. ونصت المادة ٤٠١ على ما إذا كانت قيمة المال من المبيع وفاء زائدة عن مقدار الدين وهلك المبيع في يد المشتري سقط من قيمته قدر ما يقابل الدين وضمن المشتري الزيادة إن كان هلاكه بالتعدي، وأما إن كان بلا تعد فلا يلزم المشتري إذًا تلك الزيادة. جاء في شرح الأتاسي تعليقًا على المواد سالفة البيان أنه إذا باع وفاء ما قيمته عشرة بعشرة فهلك عند المشتري سقط الدين، ولو قيمته خمسة رجع على البائع بخمسة أخرى. ولو خمسة عشر، فالفضل أمانة لا يضمن إلا بالتعدي. ثم إن قيمته تعتبر يوم القبض لا يوم الهلاك لكن إذا كان هلاكه بالتعدي من المشتري تعتبر قيمته يوم الهلاك لا يوم القبض لوروده على العين المودعة. أما لو أتلفه أجنبي فيضمن قيمته يوم هلك باستهلاكه وتكون القيمة في يد المشتري إلى أن يأخذ دينه (٣) .

стр. 11064

أما فواته عن طريق التصرف فيه: فقد نصت المادة ٣٩٧ من مجلة الأحكام العدلية: على أنه ليس للبائع ولا للمشتري بيع مبيع الوفاء لشخص آخر. قال الأتاسي في شرحه: لكن لو صدر من أحدهما لا ينفذ بل يتوقف على إجازة الآخر لكونه في حكم الرهن، أما البائع فلأن المرهون وإن يكن ملكه لكن تعلق به حق للدائن وهو الحبس الدائم إلى أن يستوفي دينه، والرهن وثيقة في الدين فيتوقف على إجازة المرتهن أو إبرائه من الدين، فإن أجاز صار ثمنًا رهنًا، وإن لم يجز وفسخ لا ينفسخ بفسخه في الأصح بل يبقى موقوفًا، والمشتري بالخيار إن شاء صبر إلى فكاك الرهن أو رفع الأمر إلى القاضي ليفسخ البيع، وأما الدائن فلأنه ليس مالكًا للرقبة فيتوقف على إجازة المديون المالك، فإن باعه المديون فأجازه المشتري الدائن وله حق الشفعة بطلت شفعته بخلاف إجازة المستأجر (١) . وعند المالكية كما في المقدمات الممهدات لابن رشد الجد المتوفى سنة ٥٢٠هـ، القسم الرابع وهي بيوع الشروط التي يسميها أهل العلم بيوع الغنيا ... فهذا النوع من البيوع اختلف فيه إذا وقع شيء منها على قولين: أحدهما: أنه يفسخ ما دام البائع متمسكًا بشرطه وإن ترك الشرط صح البيع وإن فاتت السلعة كان فيها الأكثر من القيمة أو الثمن. وقيل: إنه يرجع البائع على المشتري إذا فاتت بمقدار ما نقص من الثمن بسبب الشرط على كل حال ولا ينظر في ذلك على هذا القول أن تقوم السلعة بشرط وما كان بين القيمتين من الأجزاء رجع البائع على المبتاع بذلك من الثمن فهذا الباب: على هذا القول وهو المشهور في المذهب إلا في مسألة واحدة وهي شراء الرجل السلعة على أن فيها بالخيار إلى أجل بعيد لا يجوز الخيار إليه فإنه يفسخ فيها البيع على كل حال ولا يمضي ولو رضي مشترط الخيار بترك الشرط لأن رضاه بذلك ليس تركًا منه للشرط وإنما هو مختار للبيع على الخيار الفاسد الذي اشترط.

стр. 11065

القول الثاني: إن حكم هذه البيوع كلها حكم ما فسد من البيوع للإخلال بشروط ضمنها فتفسخ على كل حال كانت قائمة أو فائتة شاء المتبايعان أو أبيا ولا خيار في ذلك لواحد منهما، فإن كانت السلعة قائمة ردت بعينها وإن كانت فائتة ردت قيمتها على البائع بالغةً ما بلغت ورد الثمن على المشتري (١) . وقال في البهجة: على اعتباره بيعًا فهو بيع فاسد يفسخ ولو أسقط الشرط على المذهب ما لم يفت فيمضي بالقيمة، وفوات الأصول بالهدم والبناء والغرس لا بحوالة الأسواق، وهل يفوت بطول الزمان كالعشرين سنة؟ قولان: أرجحها على ما قاله في (تحفة الإخوان) فواته بذلك وقال في المهذب الرائق: ولا يفوت الأصول حوالة الأسواق ولا طول الزمان، وبه القضاء، قال ابن زفين: إلا ما كان مثل عشرين عامًا ونحوها. وعلى اعتباره سلفًا فهو رهن يفسخ أبدًا ولا يفوت بشيء ولا غيره ويرد المشتري فيه الغلة ولو طال الزمان، والناظم درج على الأول لأنه المشهور المعمول به في وقته ولذا قال (والخرج ... البيت) (٢) . الشافعية: قال صاحب الخرائد: إذا تلف المال المعهد بيد المشتري بلا سبب من جهته ولو من غيره سقط حق العهدة فيه، ولا يلزم المشتري بذلك شيء لأنه إنما وعد بقبوله الفكاك ما لم تغب عينه أو بدلها، وإن كان بسبب منه أو من غيره. فالظاهر تعلق الحق ببدله، فإذا أراد البائع الفك بذل الثمن ورجع إلى بدل المبيع. وإن تلف بعضه أخذ الباقي وبدل المتلف إذ لا أرش هنا، كما هو قضية قواعدهم أما إذا تغيب بنفسه أو بفعل فسيأتي في المسألة ٣٩٦ (٣) . وإن باع المشتري عهدة ما اشتراه فأبطل جمع البيع الثاني، ومثله: لو وقفه أو أعتقه أو وهبه ونحوه (٤) . قال: وجوزه الأكثر وهو الأصح الذي أفتى به غير واحد، وعليه عمل الناس لتمام ملكه من غير حجر، وليست كل علقة مانعة من التصرف، كحق الشفعة وحق الرد بالعيب ثم اختلفوا، فمنهم من قال: له أن ينقضه وإن كان وقفًا أو عتقًا. وإذا قبض الثمن العائد بالفسخ كان كثمن الشفعي المشفوع إذا فك بعد أن بيع أو وقف. ويشترى به في الوقف شيء يجعل مكانه. وقال بعضهم في الوقف تعود القيمة للمتعهد ملكًا إن شاء (٥) .

стр. 11066

حكم اشتراط البائع الضمان من المشتري للوفاء بيع الوفاء: جاء في شرح علي حيدر على المادة ٣٩٨: إذا لم تشرط المنافع للمشتري واستهلكها بدون إذن فعليه الضمان لأن المشتري لا يملك ما ينتج من المبيع بيع وفاء. لكن ذهب الأتاسي في تعليقه على المادة سالفة البيان: ونصها ٣٩٨ (إذا شرط في بيع الوفاء أن يكون قدر من منافع المبيع للمشتري صح ذلك، مثلًا لو تقاول البائع والمشتري وتراضيا على أن الكرم المبيع بيع وفاء تكون غلته مناصفة بين البائع والمشتري صح ولزم الوفاء بذلك على الوجه المشروح) . قال: ولو لم يشترط ذلك لكان للمشتري جميع منافع المبيع، لأن بيع الوفاء له حكم البيع الجائز بالنظر إلى انتفاع المشتري به، كما صرحت به المادة (١١٨) ولما صرح به في البزازية وجامع الفصولين وذكره في البحر ورد المحتار من أن القول الجامع لبعض المحققين إن بيع الوفاء فاسد في حق بعض الأحكام حتى ملك كل منهما الفسخ، صحيح في حق بعض الأحكام كحل الإنزال (١) ومنافع المبيع، رهن في حق البعض حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه ... إلخ، وقد علمت أن المجلة اختارت هذا القول فاتضح بما ذكرنا أن منافع المبيع ثابتة للمشتري وفاء بدون اشتراط بالنظر لكونه رهنًا في حق بعض الأحكام صح الاشتراط حصته من المنافع للمشتري وباقيها للبائع لأن منافع الرهن لا يملكها المرتهن بدون إذن الراهن. قال: ثم رأيت في جامع الفصولين ما نصه: واقعة: باعه كرمه وفاء حتى استحق المشتري كل غلته ثم بعد البيع شرط أن يكون للمشتري ربع الغلة أو نحوه يأخذ كل الغلة أو ما شرطاه بعد البيع؟ ينبغي أن يكون له المشروط خصوصًا على قول أبي حنيفة ﵀: إن الشرط اللاحق يلتحق بأصل العقد، فكأنه شرط وقت العقد عنده. قال: وهو صريح فيما قلناه والحمد لله. وأما ما ذكره في الهندية وغيرها من أن المشتري وفاء لا يملك الانتفاع بالمبيع إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره ... إلخ، فهو مفرع على القول بأن بيع الوفاء في حكم الرهن لا يختلف عن الرهن بشيء من الأحكام وهو قول آخر غير ما مشت عليه المجلة من الأقوال التسعة المذكورة في البحر والبزازية (٢) . وقال المحاسني في شرحه وإذا لم يتقاولا على شيء تكون المنافع إلى البائع وإذا استهلكها المشتري يضمنها (٣) . وقال منير القاضي في شرحه للمادة السابعة: لا يجوز للمشتري وفاء أن ينتفع بالمبيع بدون إذن البائع. فإذا انتفع به بدون إذنه فهلك ضمنه بقيمته يوم هلاكه إن كان مثليًّا لاعتباره حينئذ متعديًا (٤) .

стр. 11067

المحور الثاني بيع الوفاء وعقد الرهن العلاقة بين العقدين ووجه التطابق بينهما قد يعقد بيع الوفاء بين بائع ومشتر دون أن يكون عندهما نية القرض والرهن، وفي هذه الحالة يختلف بيع الوفاء عن الرهن مع أن البائع وفاء لا يكون منهما. وله الحق في أن يرد الثمن ليسترد ملكية المبيع، أما الراهن فيكون مدينًا بالمبلغ الذي يرهن له ويجبر على سداده. كما أن البائع وفاء لا تبقى له ملكية المبيع، غاية الأمر أن له أن يسترد هذه الملكية إذا رد الثمن في الأجل المعين، أما الراهن فيظل مالكًا للعين المرهونة. ويتفق بيع الوفاء والرهن في الفقه الحنفي في أن كلًّا منهما يفسده الشيوع الأصلي والشيوع الطارىء فيجب أن يكون المبيع في البيع الوفائي غير مشاع فلا يجوز بيع نصف العقار وفاء بخلاف الشافعي، فإنه يجوز رهن المشارع عندهم وكذلك الحنابلة، قال في المغني: وإن رهنه سهمًا مشاعًا مما لا ينقل خلى بينه وبينه سواء حضر الشريك أو لم يحضر وإن كان منقولًا كالجوهرة يرهن نصفها فقبضها تناولها ولا يمكن تناولها إلا برضا الشريك، فإن رضي الشريك تناولها، وإن امتنع الشريك قرض المرتهن والراهن بكونها في يد الشريك جاز وناب عنه في القبض، وإن تنازع الشريك والمرتهن نصب الحاكم عدلًا تكون في يده لهما (١) . وإن الرهن لا يتم ولا يقوم إلا بالتسليم فللراهن أن يرجع عن الرهن قبل التسليم عملًا بالمادة ٧٠٦ من مجلة الأحكام العدلية وكذلك البيع بالوفاء، فإنه لا يتم إلا بالتسليم ولا تسمع دعوى المشتري يطلب تسليمه جبرًا من البائع (٢) . كذلك يتفق العقدان أنه إذا مات البائع والمشتري في البيع بالوفاء أو الراهن والمرتهن في الرهن فورثتهم يقومون مقامهم. وإن البائع والمشتري ببيع الوفاء ليس لهما بيع المبيع أو رهنه من آخر فالراهن والمرتهن ليس لهما بيع المرهون أو رهنه من آخر. ويصح اشتراط بعض منافع البيع بالوفاء إلى المشتري يصح اشتراط بعض منافع المرهون وإباحتها للمرتهن (المادة ٧٥٠) من المجلة، وإن المشتري بالبيع بالوفاء والمرتهن أحق من سائر الغرماء في المبيع والمرهون ينظر المادة ٧٢٩ والمادة (٤٠٣) . وإن مصاريف تعمير المبيع بالوفاء والمرهون على البائع والراهن (المادة ٢٢٤) من المجلة.

стр. 11068

ويفترقان أيضًا في الوجوه التالية: ١- إذا آجر المشتري المبيع بالوفاء من البائع بعد التسليم فالإيجار صحيح والأجرة لازمة، وإذا أجر المرتهن الرهن إلى الراهن فالإيجار باطل ويبقى الرهن مرهونًا. ٢- إذا أجر المشتري المبيع بالاستغلال من البائع بعد التسليم فالإيجار صحيح والأجرة لازمة أما مقاولة الاستغلال في الرهن وإيجاره فغير جائزة (١) . انتفاع الراهن أو المرتهن بالعين المرهونة، بالنسبة للراهن: يقول الشيخ أحمد إبراهيم: الراهن مالك للرهن والمرتهن متعلق حقه به فلا يجوز لأحدهما أن يتصرف في الرهن تصرفًا يفوت حق الآخر إلا بإذنه. وتفصيله: إذا باع الراهن الرهن أو آجره أو وهبه أو أعاره أو رهنه إلى غير ذلك من التصرفات المحتملة للفسخ. فإن نفاذه يقف على رضا المرتهن فإذا أجازه المرتهن أو فض الراهن دينه نفذت هذه التصرفات وخرج المرهون عن عهدة المرتهن، ولكن في صورة البيع يتحول حق المرتهن إلى الثمن بخلاف غيره من التصرفات الأخرى، وذلك لأن البدل في البيع في مقابلة المبيع نفسه فيقوم مقامه عند المرتهن لاستوائهما في المالية، وعن أبي يوسف أن المرتهن إن شرط عند الإجازة أن يكون الثمن رهنًا كان رهنًا وإلا فلا لأنه بإجازته نفذ البيع وملك الراهن الثمن وأنه مال آخر ملكه بسبب جديد فلا يصير رهنًا إلا بالشرط. وأما بدل الإجارة فهو في مقابلة المنفعة، وحق المرتهن إنما هو في مالية العين لا في المنفعة، فكانت إجارته إسقاطًا لحقه في حبس الرهن. والتصرفات الأخرى ليس بمقابلها بدل حتى يقوم مقامها. وكذلك المرتهن لا يجوز له بيع الرهن إلا إذا أوكله الراهن ببيعه وليس له إيداءه ولا إجارته بلا إذن الراهن فإن فعل ذلك كان متعديًا فيضمن قيمة الرهن بالغة ما بلغت وعند الشافعي الرهن أمانة بيد المرتهن لا يلزمه ضمانه ولا يسقط تبلغه شيء منه الدين لخبر: الرهن من راهنه أي من ضمانه له غنمه وعليه غرمه (رواه ابن حيان والحاكم وقال: على شرط الشيخين إلا في مسائل) (٢) . ونصت المادة (٧٥٠) من المجلة على أنه ليس للمرتهن الانتفاع بالرهن دون إذن الراهن. قال الأتاسي: لا باستخدام ولا سكنى ولا بلبس ولا بأخذ ثمرة ولا لبن ولا بإجارة ولا بإعارة، ولو فعل فهلك الرهن في تلك الحالة ضمنه ضمان الغصب (٣) .

стр. 11069

وقال ابن جزي: المنفعة في الرهن للراهن، فإذا اشترطها المرتهن جاز إن كان الدين من بيع أو شبهه ولم يجز إن كان سلفًا، لأنه سلف جر منفعة، فإن لم يشترطها المرتهن ثم تطوع له الراهن بها لم يجز لأنها هدية بديلة (١) . وقال ابن رشد: والجمهور على أنه ليس للمرتهن أن ينتفع بشيء من الرهن، وقال قوم: إذا كان الرهن حيوانًا فللمرتهن أن يحلبه ويركبه بقدر ما يعلفه وينفق عليه وهو قول أحمد وإسحاق واحتجوا بما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (الرهن محلوب ومركوب) (٢) . وفي المغني: ليس للراهن الانتفاع بالرهن باستخدام ولا سكنى ولا غير ذلك ولا يملك التصرف فيه بإجارة ولا إعارة ولا غيرهما وبغير رضا المرتهن، وبهذا قال الثوري: وأصحاب الرأي، لأنها عين محبوسة فلم يكن للمالك الانتفاع بها كالمبيع المحبوس عند البائع على استيفاء ثمنه. وقال مالك وابن أبي ليلى والشافعي وابن المنذر: للراهن إجارته وإعارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الدين، وهل له أن يسكن بنفسه؟ على اختلاف بينهم فيه، وليس له إجارة الثوب ولا ما ينقص بالانتفاع وبنوه على أن المنافع للراهن لا تدخل في الرهن ولا يتعلق بها حقه (٣) . ثم قال: فإن المتراهنين إذا لم يتفقا على الانتفاع بها لم يجز الانتفاع بها وكانت منافعها معطلة، فإن كانت دارًا أغلقت، وإن اتفقا على إجارة الرهن أو إعارته جاز ذلك (٤) . أما بالنسبة للمرتهن، فقد قال: إن ما لا يحتاج إلى مؤونة كالدار والمتاع ونحوه فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال، لا نعلم في هذا خلافًا لأن الرهن ملك الراهن فكذلك نماؤه ومنافعه فليس لغير أخذها بغير إذنه، فإن إذن الراهن للمرتهن في الانتفاع بغير عوض وكان دين الرهن من قرض لم يجز لأنه يحصل قرضًا يجر منفعة وذلك حرام. قال أحمد: أكره قرض الدور والربا المحض، يعني: إذا كانت الدار رهنًا في قرض ينتفع به المرتهن، وإن كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير القرض فأذن له الراهن في الانتفاع جاز ذلك. روى ذلك عن الحسن وابن سيرين وبه قال إسحاق. فأما إن كان الانتفاع بعوض مثل أن استأجر المرتهن الدار من الراهن بأجرة مثلها من غير محاباة جاز القرض وغيره لكونه ما انتفع بالقرض بل بالإجارة. وإن حاباه في ذلك فحكمه الانتفاع بغير عوض، ولا يجوز في القرض ويجوز في غيره (٥) .

стр. 11070

شرط الانتفاع في عقد الرهن: قال: أما إن اشترط في الرهن أن ينتفع به فالشرط فاسد لأنه ينافي مقتضى الرهن. وعن أحمد أنه يجوز في المبيع. وقال مالك: لا بأس أن يشترط في البيع منفعة الرهن إلى أجل في الدور والأرضين، وكرهه في الحيوان والثياب وكرهه في القرض. أما ما يحتاج إلى مؤنة: قال في المغني: إن أذن في الإنفاق والانتفاع بقدره جاز لأنه نوع معاوضة، أما عدم الإذن فإن الرهن ينقسم إلى قسمين محلوبًا ومركوبًا وغيرهما. فأما المحلوب والمركوب فللمرتهن أن ينفق عليه ويركب ويحلب بقدر نفقته متحريًا للعدل في ذلك. وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي وهو قول لأحمد لا يحتسب له بما أنفق وهو متطوع بها ولا ينتفع من الرهن بشيء لقول النبي ﷺ : ((لا يغلق الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه)) ولأنه ملك غيره لم يأذن له في الانتفاع به ولا الإنفاق عليه فلم يكن له ذلك كغير الرهن (١) ، وأما غير المحلوب والمركوب: كالدار استهدمت فعمرها المرتهن لم يرجع بشيء وليس له الانتفاع بها بقدر نفقته. فإن عمارتها غير واجبة على الراهن فليس لغيره أن ينوب عنه فيما لا يلزمه، فإن فعل كان متبرعًا (٢) . وقال: إنه إذا انتفع المرتهن بالرهن حسب من دينه بقدر ذلك، قال أحمد: يوضع عن الراهن بقدر ذلك، لأن المنافع ملك الراهن فإذا استوفاها فعليه قيمتها في ذمته للراهن فيتقاضى القيمة وقدرها من الدين ويتساقطان (٣) .

стр. 11071

الصور التي يمكن للاقتصاد أن ينتفع بها من بيع الوفاء: بيع الوفاء وثيق الصلة بخيار النقد حتى أن بعضهم أدخل بيع الوفاء في خيار النقد وأنه فرد من أفراد مسائله كابن نجيم. وخيار النقد له صورتان كما أن لبيع الوفاء صورتين: الأولى: أن يشترط المشتري إذا لم ينقد الثمن إلى مدة معلومة فلا عقد بينهما ومستعمل الخيار في هذه الصورة هو المشتري وإن كانت فائدته ترجع إلى البائع. ووصفوا هذه الصورة أنها بمنزلة اشتراط خيار الشرط للمشتري. والصورة الأخرى: أن يتعاقد الطرفان وينقد المشتري الثمن ويتفقان على أن البائع إذا رد العوض في مدة معلومة فلا عقد بينهما ومستعمل الخيار هنا البائع وهو وحده المنتفع بالخيار وهذه الصورة ذات شبه تام ببيع الوفاء (١) . وإن في بيع الوفاء مندوحة عن الربا المحرم حيث يصح اشتراط بعض منافع المبيع بالوفاء إلى المشتري كما يصح اشتراط بعض منافع المرهون وإباحتها للمرتهن. وإن له أن يؤجر المبيع بالوفاء من البائع بعد التسليم وتكون الأجرة لازمة. هذا ما يسر الله إليه في هذه العجالة والله الموفق للصواب وإليه المرجع والمآب وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خاتم النبيين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 11072

الخلاصة لبيع الوفاء أولًا - بيع الوفاء بصورته المعهودة: ظهر أثر الكساد والديون التي تراكمت على التجار في بخارى وبعض البلاد الأخرى فأظهروا التعاقد به تحت ضغط الحاجة. وقد أخذت به مجلة الأحكام العدلية التي كانت تطبق على بلاد كثيرة في الدولة العثمانية. وقد أخذت المجلة المذكورة بالقول الذي يقضي بصحته في بعض الأحكام وفساده في بعض الأحكام واعتباره رهنًا في بعض الأحكام وذلك طبقًا للمادة ٣٩٨ من المجلة وشروحها. ثانيًا - بيع الوفاء له صورتان: الأولى: البيع بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع طبقًا للمادة ١١٨ من المجلة. الثانية: هي بيع المال وفاء على أن يستأجره البائع طبقًا للمادة ١١٩ من المجلة. ثالثًا - المصطلح المساوي له في المذاهب الأخرى: (أ) يقول في صلب العقد: أبيعك هذه السلعة على شرط أني إن أتيتك بثمنها وقت كذا أو مهما أتيتك بثمنها فهي مردودة علي. (ب) وأطلق الشافعية عليه بيع العهدة. (ج) ويسميه الحنابلة بيع الأمانة.

стр. 11073

رابعًا - حكمه: اختلف الفقهاء فيه على أقوال وخلاصته: (أ) أنه بيع باطل وهو رهن ويأخذ أحكام الرهن. (ب) بيع جائز صحيح من غير شرط ثم يذكر الشرط بعد ذلك على وجه المواعدة ويلزم الوفاء بالوعد. (ج) بيع فاسد إن شرط الفسخ من البيع لكنه يوجب به الملك إن اتصل به القبض. (د) إنه يأخذ أحكام البيع الصحيح والفاسد والرهن وقد سبق بيانه. خامسًا - الأصل المستند إليه في المنع والتحليل: من منعه قال: إنه سلف جر نفعًا وإنه بيع بشرط ومن أجازه، قال: إنه جوز للحاجة أو إنه من قبيل المواعدة وأنه يلزم الوفاء بالوعد. أثر فوت المبيع وما يعتبر فوتًا وما لا يعتبر: قالوا: إنه إذا كانت قيمة المال المبيع بالوفاء مساوية للدين وهلك المال في يد المشتري سقط الدين في مقابلته أما إذا لحقه عيب أنقص قيمته قسمت قيمة الباقي منه على قيمة ما هلك منه فيسقط الدين الذي يصيب الحصة التي تلفت ويبقى ما يلحق الحصة الباقية منه. أما إذا كانت قيمة المال المبيع ناقصة عن الدين وهلك المبيع في يد المشتري فإنه يسقط من الدين بقدر قيمته واسترد المشتري الباقي. وأما إذا كانت قيمة المال زائدة عن الدين وهلك المبيع في يد المشتري سقط من قيمته قدر ما يقابل الدين وضمن المشتري الزيادة. أما لو أتلفه أجنبي يضمن قيمته يوم هلك وتكون القيمة في يد المشتري إلى أن يأخذ دينه. وقال المالكية: إن فاتت السلعة كان فيها الأكثر من القيمة والثمن. أما الفوات عن طريق التصرف، فإنه لا ينفذ بل يتوقف على إجازة الآخر.

стр. 11074

سادسًا - حكم اشتراط البائع الضمان من المشتري: إذا نص في العقد على أن يكون قدر من منافع المبيع بيع وفاء للمشتري صح ذلك إذ لو لم يشترط لكان جميع منافع المبيع للمشتري وهذا على القول بأنه حكم المبيع وفاء حكم البيع الجائز. سابعًا - العلاقة بين بيع الوفاء وعقد الرهن ووجه التطابق بينهما: قد يعقد بيع الوفاء بين بائع ومشتر دون أن يكون عندهما نية القرض والرهن ومن هذه الحالة يختلف بيع الوفاء عن الرهن وله الحق في أن يرد الثمن ليسترد ملكية المبيع، أما الراهن فيكون مدينًا بالمبلغ الذي يرهن له ويجبر على سداده. وإن البائع وفاء لا تبقى له ملكية المبيع. غاية الأمر أن له أن يسترد هذه الملكية إذا رد الثمن. ويتفق الرهن وبيع الوفاء عند الحنفية في أنه يفسده الشيوع بخلاف الشافعية والحنابلة، فإنه يجوز رهن المشاع. ويتفق العقدان في أن كلًّا منهما لا يتم إلا بالتسليم، وأنه ليس لهما بيع المبيع أو رهنه من آخر، كذلك الراهن والمرتهن ليس لهما بيع المرهون أو رهنه من آخر. كما يصح اشتراط بعض منافع المبيع وفاء للمشتري كاشتراط بعض منافع المرهون وإباحتها للمرتهن. وإن مصاريف تعمير المبيع وفاء والمرهون على البائع والراهن، هذا وقد اعتبر بعض الفقهاء أن بيع الوفاء وثيق الصلة بخيار النقد وأنه فرد من أفراد مسائله، كابن نجيم. وأن في بيع الوفاء مندوحة عن الربا المحرم. اهـ. الدكتور عبد الله محمد عبد الله

стр. 11075

أحكام الرهن وحكم الإنتفاع بالمرهون إعداد الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد عضو مجمع الفقه الإسلامي (السودان) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لا خلاف بين الفقهاء في جواز الرهن وقد ثبت هذا الجواز بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آَثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (١) . وروى البخاري في صحيحه عن محمد بن مقاتل عن عبد الله بن المبارك عن زكريا عن الشعبي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونًا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)) (٢) . وروى البخاري عن قتيبة، عن جرير، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: (اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعامًا ورهنه درعه) (٣) . قال القرطبي في تفسيره: (قال جمهور من العلماء: الرهن في السفر بنص التنزيل وفي الحضر ثابت بسنة الرسول ﷺ ، وهذا صحيح. وقد بينا جوازه في الحضر من الآية بالمعنى، إذ قد تترتب الأعذار في الحضر، ولم يرو عن أحد منعه في الحضر سوى مجاهد والضحاك وداود متمسكين بالآية. ولا حجة فيها، لأن هذا الكلام وإن كان خرج مخرج الشرط فالمراد به غالب الأحوال وليس كون الرهن في السفر مما يحظر في غيره) (٤) . ثم أورد الأحاديث الصحيحة التي أوردناها أعلاه.

стр. 11076

وأصل الرهن في اللغة هو الثبوت والدوام كقولهم وأرهنت لهم الطعام والشراب أي أدمته لهم وهو طعام راهن وكذلك يطلق على الحبس كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (١) . ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢) . أي كل محبوس بكسبه بحيث لا ينفك عنهما عند الله تعالى سواء كان خيرًا أو شرًّا. وأما معنى الرهن في الشرع فهو احتباس العين وثيقة بالحق ليستوفى الحق من ثمنها أو من ثمن منافعها عند تعذر أخذه من الغريم. هكذا حده العلماء (٣) . والمراد بقولهم وثيقة أي شيء متوثق به وذلك لأن الدين أصبح بحبس هذه العين محكمًا لا يسع المدين أو تضيع عليه هذه العين كلها أو بعضها بحسب ذلك الدين. وفي الاصطلاح تسمى العين المرهونة رهنًا وصاحبها الذي رهنها يسمى راهنًا وصاحب الدين مرتهنًا. ومن شروط صحة الرهن أهلية التصرف من الجانبين وتفاصيل هذا الشرط متفق عليها إلا أن الفقهاء اختلفوا في رهن الصبي المميز. فرأى الجمهور أن الصبي المميز يصح أن يكون راهنًا أو مرتهنًا لأنه يعرف معنى المعاملة ويدرك ما يترتب عليها من منافع ومضار ومع هذا فإن عقده متوقف على إقرار الولي وذلك لضمان سلامة تصرفه من الخسارة. وخالف الشافعية وقالوا رهن الصبي لا يصح ولو كان مميزًا ولو أذن وليه. وفي الشروط عند الحنفية أن لا يكون المرهون مشاعًا سواء أكان عقارًا أو عروض تجارة أو حيوانًا وخالفهم المالكية وقالوا بجواز رهن المشارع. قال القرطبي: (لما قال تعالى: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] قال علماؤنا: فية ما يقتضي بظاهره ومطلقه جواز رهن المشاع. خلافًا لأبي حنيفة وأصحابه، لا يجوز عندهم أن يرهنه ثلث دار ولا نصفًا من عبد ولا سيف، ثم قالوا: إذا كان لرجلين على رجل مال هما فيه شريكان فرهنهما بذلك أرضًا فهو جائز إذا قبضاها. قال ابن المنذر: وهذا إجازة رهن المشاع، لأن كل واحد منهما مرتهن نصف دار. وقال ابن المنذر: رهن المشاع جائز كما يجوز بيعه) (٤) . ومن الشروط التي اختلف فيها الفقهاء هي أن تكون العين التي يراد رهنها موجودة وقت العقد فقد رأى الحنفية والشافعية والحنابلة عدم صحة الثمرة التي لم توجد لأن المالك لا يقدر على التسليم وقت العقد.

стр. 11077

وخالف في ذلك المالكية حيث قال بعضهم: إذا كان المرهون معروفًا وقت العقد بالكلية فإنه لا يجوز رهنه وذلك كثمر الحديقة قبل بروزه، أما إذا برز ولو كان صغيرًا فإنه يجوز رهنه باتفاق عندهم، وذهب بعضهم إلى جواز رهن المعدوم بالكلية كثمر الحديقة أو ولد الناقة أو نتاج القطيع لسنين قادمة إذا علق الرهن على عقد آخر من عقود البيع أو القرض (١) . واختلف العلماء في رهن ما في الذمة ومثاله رجلان تعاملا لأحدهما على الآخر دين فرهنه دينه الذي عليه. أجاز المالكية هذا الرهن وخالفهم بعض العلماء. قال القرطبي: (قال ابن خُوَيزمندار: وكل عرض جاز بيعه جاز رهنه ولهذه العلة جوزنا رهن ما في الذمة لأن بيعه جائز ولأنه مال تقع الوثيقة به فجاز أن يكون رهنًا قياسًا على سلعة موجودة. وقال من منع ذلك: لأنه لا يتحقق إقباضه والقبض شرط في لزوم الرهن؛ لأنه لا بد أن يستوفي الحق منه عند المحل ويكون الاستيفاء من ماليته لا من عينه ولا يتصور ذلك في الدين) (٢) . وقوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] ، يقتضي حقيقة القبض عند الشافعي لأن الله تعالى لم يجعل الحكم إلا برهن موصوف بالقبض فإذا عدمت الصفة يجب أن يعدم الحكم وهذا ظاهر جدًّا. وقالت المالكية: يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن على دفع الرهن ليجوزه المرتهن لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا عقد، وقوله: ﴿بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤] وهذا عهد. وقوله ﵇: ((المؤمنون عند شروطهم)) وهذا شرط، فالقبض عندنا في كمال فائدته (٣) . وقوله تعالى: ﴿مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة:٢٨٣] كذلك يقتضي بينونة المرتهن بالرهن، ولا خلاف في صحة قبض المرتهن ولا في قبض وكيله ولكن اختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه: (فقال مالك وجميع أصحابه وجمهور العلماء: قبض العدل قبض، وقال ابن أبي ليلى وقتادة والحكم وعطاء: ليس بقبض ولا يكون مقبوضًا إلا إذا كان عند المرتهن ورأوا ذلك تعبدًا. وقول الجمهور أصح من جهة المعنى لأنه إذا صار عند العدل صار مقبوضًا لغة وحقيقة لأن العدل نائب عن صاحب الحق وبمنزلة الوكيل وهذا ظاهر) (٤) .

стр. 11078

وعند المالكية أن الرهن يبطل إذا خرج من يد المرتهن إلى الراهن بوجه من الوجوه لأنه فارق ما جعل له وهو قول أبي حنيفة غير أنه قال: إن رجع بعارية أو وديعة لم يبطل. وقال الشافعي: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقًا لا يبطل حكم القبض المتقدم. ولا يجوز غلق الرهن لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((لا يغلق الرهن ولصاحبه غنمه وعليه غرمه)) (١) . وغلق الرهن هو تملك المرتهن الرهن إذا لم يؤد الراهن ما عليه في الوقت المعين وهذا من فعل الجاهلية الذي أبطله الإسلام. قال القرطبي: (ورهن من أحاط الدين بماله جائز ما لم يفلس ويكون المرتهن أحق بالرهن من الغرماء، قاله مالك وجماعة من الناس. وروى عن مالك خلاف هذا - وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة - أن الغرماء يدخلون معه في ذلك وليس بشيء لأن من لم يحجر عليه فتصرفاته صحيحة في كل أحواله من بيع وشراء، والغرماء عاملوه على أنه يبيع ويشتري ويقضي، لم يختلف قول مالك في هذا الباب، فكذلك الرهن، والله أعلم) (٢) . حكم الانتفاع بالمرهون: أما حكم الانتفاع بالمرهون فيجب التنبه إليه لعلاقته الظاهرة بالربا ويجب أن يكون محل عناية ونظر دقيقين. وفي الوجوه الظاهرة في هذه المعاملة هي أنه يعطي شخص شخصًا آخر مبلغًا من المال في نظير أن يحبس قطعة من الأرض أو حيوانًا أو عربة أو منزلًا ويكون للمرتهن بمجرد العقد أن يتصرف في الرهن كيف يشاء فإما أن يؤجرها إلى الراهن ويضم قيمة الإيجار إلى المبلغ الأصلي وبذلك يزداد رأس مال الدين باطراد كل سنة، وإما أن يؤجرها إلى غير الراهن ويأخذ قيمة الإيجار لنفسه بدون أن يخصمها من أصل المبلغ وإما أن يزرعها هو ويأخذ الزرع من غير أن يكون للراهن أي نصيب فيه وفي جميع الحالات تبقى الأرض تحت يده على سبيل الرهن. كل هذه الصور من الانتفاع بالمرهون حرام فقد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على تحريم الربا بسائر أنواعه وأقسامه واتفق العلماء من السلف والخلف على أن فيها ربا القرض وقد اشتهر في ذلك قولهم: (كل قرض جر نفعًا فهو ربا) بحيث صار كالضروري بين أهل العلم. واشتراط مثل هذا الانتفاع بالمرهون باطل لأنه ينافي مقتضى القرض إذ هو تمليك مال على أن يرد مثله فقط احتسابًا للأجر من الله تعالى وكذلك ينافي مقتضى الرهن وهو كما عرفناه سابقًا جعل عين متمولة تحت يد الدائن بدينه يستوفي منها عند تضرر الوفاء ... وبذلك يكون الانتفاع حرامًا لأنه زيادة لا حق للدائن فيها والربا في الأصل الزيادة وفي الشرع الزيادة في المال بغير وجه حق. اتفق الفقهاء على أن ورود شرط للانتفاع بالمرهون في صلب عقد الرهن إن كان من قرض حرام ومبطل للعقد واختلفوا فيما إذا لم يرد الشرط في العقد ولكن اتفق عليه المتعاقدان شفاهة. فرأى كثير من الشافعية أن لا حرمة على هذا التواطؤ بين الراهن والمرتهن ولكن قال محققون منهم: هذا من حيث الظاهر وأما من حيث الباطن فحرام، ((إنما الأعمال بالنيات وإنما ولكل امرىء ما نوى)) . وهو الذي يوافق قول الشافعي: والمرتهن لا ينتفع بشيء في الرهن خلا الإحفاظ للوثيقة.

стр. 11079

ورأى كثير من الحنفية أن الانتفاع بالرهن يمكن أن يفارق الفوائد الربوية، فيصبح الانتفاع بالمرهون متى أمكن أن يفارق عقد الربا وذلك بأن يرهن له العين ويأذن له في الانتفاع بها بشرط أن لا يذكر ذلك في عقد الرهن. ومتى أذن له بالانتفاع فإنه لا يصح الرجوع بعد ذلك، وقالوا إن لذلك نظيرًا وهو ما إذا اقترض من شخص قرضًا ثم أهدى له هدية، فإنها إذا لم تكن مشروطة في العقد كانت جائزة وهذا الرأي جدير بالاعتبار فقد تكون فيه سعة لأن الناس يصعب عليهم أن يتركوا أموالهم بدون استثمار خاصة في هذا الزمن الذي غلبت فيه المادة وقد علمنا أيضًا ما فيه من منزلق في حرمة الربا. ونماء الرهن داخل معه إن كان لا يتميز كالسمن أو كان نسلًا كالولادة والنتاج، وفي معناه فسيل النخل وما عدا ذلك من غلة وثمرة ولبن وصوف فلا يدخل فيه إلا أن يشترطه. هذا وقول الحنفية نماء المرهون يتبعه ليس معناه أن المرتهن يستحقه ملكًا كما قد يتوهم بعض الناس، بل المعنى أن النماء يكون مرهونًا كالأصل. قال الإمام ابن رشد في بداية المجتهد: (والجمهور على أن ليس للمرتهن أن ينتفع بشيء من الرهن ... وقال قوم: إذا كان الرهن حيوانًا فاللمرتهن أن يحلبه ويركبه بقدر ما يعلفه وينفق عليه. وهو قول أحمد وإسحاق بما رواه أبو هريرة عن النبي ﷺ : ((الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة)) . وذكر بعض الفقهاء تحذر الجمهور من العمل بهذا الحديث وقالوا إنه يخالف أصولًا مجمعًا عليها وآثارًا ثابتة لا يختلف في صحتها. ولذلك رأى بعضهم أن الحديث كان قبل تحريم الربا وذكروا حديث ابن عمر ﵄ عند البخاري وغيره. ((لا تحلب ماشية امرىء بغير إذنه ... )) وذهب أكثرهم إلى التأويل وحملوا الحديث على ما إذا امتنع الراهن من الإنفاق على المرهون فيباح حينئذٍ للمرتهن وهو قول الأوزاعي والليث وأبي ثور رحمهم الله تعالى. واستند هذا الفريق من العلماء على حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه: له غنمه وعليه غرمه)) .

стр. 11080

ومعنى له غنمه وعليه غرمه أن له زيادته ونماءه وإذا نقص أو تلف فعليه. والحديث روي من طرق مختلفة - منها صحيح ومنها ضعيف وإنه روي مرفوعًا وموقوفًا ومرسلًا (١) . وتجدر الإشارة هنا إلى أن عددًا من الفقهاء نسب إلى الأئمة جواز الانتفاع بالحيوان المرهون من لبن وركوب ونحو ذلك في نظير أكله كما هو منصوص عليه في الحديث ومن غير ذكر للتفصيل السابق من نسخ وتأويل للحديث. أما المالكية فإنهم أجازوا الانتفاع بثمرة المرهون ونتاجه بثلاثة شروط: ١- أن يكون الدين بسبب البيع لا بسبب القرض مثال ذلك أن يبيع شخص لآخر دارًا أو أرضًا زراعية أو عروض تجارة أو نحو ذلك بثمن مؤجل فيرهن له في نظير ذلك عينًا لها فائدة فإن لصاحب الدين وهو المرتهن في هذه الحالة أن ينتفع بفائدة هذه العين المرهونة. ٢- أن يشترط المرتهن ((صاحب الدين)) أن تكون منفعة العين المرهونة له، فإن تطوع له بها الراهن فإنه لا يصح. ٣- أن تكون مدة المنفعة التي يشترطها معينة. ويتضح هذا الأمر بإعطاء مثال: إذا أقرض شخص شخصًا مبلغًا من المال ورهن له بها منزلًا وانتفع بغلته، كان ذلك فائدة ربوية لأن الفائدة في هذه الحالة تكون في نظير القرض. أما إذا باع له المنزل بثمن مؤجل فهذا الثمن يكون دين بيع لا قرضًا. فإذا رهن منه عربة في نظير ذلك وانتفع بها فإنه يجوز لأن المنفعة ليست مقابلة للقرض، وإنما هي مقابلة لدين البيع، وذكر أن الحنابلة يوافقون المالكية في هذا المنحى فقالوا: إن كان سبب دين الرهن قرضًا فإنه لا يصح الانتفاع بالمرهون، وإلا فإنه يصح. والخلاصة أن تحريم الانتفاع متفق عليه إجماعًا إذا نص عليه في عقد رهن في مقابلة قرض ورأى الحنفية الجواز إذا اتفقا عليه ولم ينصا في العقد ورأى فريق من الشافعية عدم الجواز في الحالتين وروي عن بعضهم جواز ذلك. واختلف الفقهاء إذا كان المرهون شيئًا محتاجًا إلى النفقة كالعلف أو التشحيم أو النظافة فرأى كثير منهم الانتفاع به فيما يساوي قيمة النفقة فقط للحديث المذكور. ورأى بعضهم أن لا ينتفع الدائن إلا إذا أبى صاحب العين الإنفاق عليها وهو ما تأولوا به الحديث. ورأى المالكية والحنابلة جواز الانتفاع إذا كان الرهن في مقابل دين بيع واشترطها المرتهن لمدة معينة. وبعد فالمؤمن راهنًا كان أو مرتهنًا ينظر لنفسه ويستفتي قلبه وإن أفتاه المفتون ويدع ما يريبه إلى ما لا يريبه وعلى الذين وسع الله عليهم في الرزق وأعطاهم أن يقرضوا ابتغاء وجه الله وقد أجاز لهم الشارع الكريم أن يستوثقوا بالرهن فلينزهوا أنفسهم وأموالهم عن الانتفاع به ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

стр. 11081

خلاصة البحث تناول البحث بيان معنى الرهن والنصوص التي تتعلق به وشروط صحته ثم حكم الانتفاع بالمرهون سواء كان أرضًا أو دارًا للسكن أو حيوانًا أو غير ذلك. أما كون الرهن جائزًا فذلك مما لا خلاف فيه فقد ثبت ذلك بالسنة الصحيحة والإجماع ومن أهم شروط صحته أهلية الراهن والمرتهن في التصرف كما هو معلوم في جميع العقود. ونخص بالذكر من هذه الشروط البلوغ فلا يصح أن يكون أحدهما صبيًّا غير مميز لأنه في حكم المجنون باتفاق أيضًا أما الصبي المميز فإنه يصح أن يكون راهنًا أو مرتهنًا لأنه يعرف معنى المعاملة ويدرك ما يترتب عليها من مضار ومنافع ومع هذا فإن عقده لا ينفذ إلا إذا أقره الولي. اتفق الأئمة على هذا ما عدا الشافعية وعندهم لا يصح رهن الصبي ولو كان مميزًا ولو أذن وليه. ومما اختلف فيه العلماء رهن المشاع فمنعه الحنفية وأجازه غيرهم وكذلك وجود العين المرهونة وقت العقد وقد رأى الحنفية والشافعية والحنابلة عدم صحة رهن الثمرة التي لم توجد لأن المالك لا يقدر على التسليم وقت العقد وأجازه المالكية إذا برز الثمر وذهب بعضهم إلى جواز رهن المعدوم. واختلفوا أيضًا في رهن ما فيه الذمة كالدين فأجازه المالكية وخالفهم آخرون بأن ما في الذمة لا يتحقق إقباضه والقبض شرط في لزوم الرهن. وقال الشافعية أن لا بد من حقيقة القبض وقالت المالكية يلزم الرهن بالعقد ويجبر الراهن على دفع الرهن ليحوزه المرتهن.

стр. 11082

وقال العلماء ببينونة المرتهن بالرهن واختلفوا في قبض عدل يوضع الرهن على يديه فأجازه الجمهور وخالفهم آخرون. وعند المالكية أن الرهن يبطل إذا خرج من يد المرتهن إلى الراهن بوجه من الوجوه ووافقهم الحنفية وخالفهم الشافعية الذين قالوا: إن رجوعه إلى يد الراهن مطلقًا لا يبطل حكم القبض المتقدم. وبينا أن الإسلام ألغى عمل الجاهلية في غلق الرهن للحديث الوارد في ذلك وأخيرًا ذكرنا رهن من أحاط الدين بماله وجواز ذلك ما لم يفلس ويكون المرتهن أحق بالرهن من الغرماء على خلاف في ذلك. أما الانتفاع بالمرهون أرضًا أو حيوانًا أو منزلًا أو غير ذلك فالحكم أنه حرام باتفاق إذا نص عليه في عقد الرهن لأنه قرض جر نفعًا. ورأى أكثر الحنفية وبعض الشافعية أن لا بأس بالانتفاع إذا اتفق عليه الطرفان ولم ينص عليه في العقد وشبهوه بأمر الهدية في الدين. واختلف العلماء فيما إذا كانت العين المرهونة محتاجة إلى نفقة كعلف أو تشحيم أو نظافة دورية فرأى كثير منهم الانتفاع به فيما يساوي قيمة النفقة فقط لورود النص بذلك. ورأى بعضهم أن لا ينتفع الدائن إلا إذا امتنع صاحب العين من الإنفاق عليها وهو ما تأولوا به النص الوارد في ذلك. وهناك تعامل آخر بين الناس أساسه عقد إيجار أو عقد بيع، فقد يشتري الرجل أحيانًا عقارًا أو غيره، ويبقى من ثمن المبيع في ذمته مقدار ما، فيرهن المشتري للبائع بما بقي في ذمته من ثمن المبيع أرضًا زراعية مثلًا، ويذكر في صلب العقد أن هذه العين رهن في باقي الثمن، وأن للبائع حق الانتفاع بها مدة معينة. فانتفاع صاحب الدين في مثل هذه الحادثة حلال عند المالكية والشافعية وكذلك حلال في رواية عند الحنابلة وحرام عند الحنفية. والله أعلم. الدكتور محمد عطا السيد سيد أحمد

стр. 11083

بيع الوفاء وحكمه إعداد فضيلة الشيخ الشريف محمد عبد القادر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي كرمنا بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ، وشرفنا بالهداية إلى الحلال والحرام. والصلاة والسلام على محمد الذي كشف النور عن الظلام وعلى آله وأصحابه وفقهاء أمته إلى يوم القيامة. أما بعد فإن بيع الوفاء عند الحنفية هو أن يقول البائع للمشتري بعت منك هذا العين بما لك علي من الدين على أني متى قضيت الدين فهو لي كما في قواعد الفقه للمفتي عميم الإحسان، وبيَّن علاء الدين الحصكفي في كتابه الدر المختار صورته أن يبيعه العين بألف على أنه إذا رد عليه الثمن رد عليه العين. وسماه الشافعية بالرهن المعاد ويسمى بمصر بيع الأمانة وبالشام بيع الإطاعة ووجه تسمية بيع الوفاء أن فيه عهدًا بالوفاء من المشتري بأن يرد المبيع على البائع حين رد الثمن. وبعض الفقهاء يسميه بيع الجائز ولعله مبني على أنه بيع صحيح لحاجة التخلص من الربا حتى يسوغ للمشتري أكل ريعه - وبعضهم يسميه بيع المعاملة ووجهه أن المعاملة ربح الدين وهذا يشتريه الدائن لينتفع به بمقابلة دينه [كذا في رد المحتار: ٤/٣٤١] . وبيع الوفاء هو الرهن حقيقة في صورة البيع وهو الصحيح كما نقله ابن العابدين في رد المحتار على الدر المختار عن جواهر الفتاوى قال في الخيرية: والذي عليه الأكثر أنه رهن لا يفترق عن الرهن في حكم من الأحكام. قال السيد الإمام: قلت للإمام الماتريدي: قد فشا هذا البيع بين الناس. وفيه مفسدة عظيمة وفتواك أنه رهن وأنا أيضًا على ذلك فالصواب أن يجمع الأئمة ونتفق على هذا ونظهره بين الناس، فقال: المعتبر اليوم فتوانا وقد ظهر ذلك بين الناس فمن خالفنا فليبرز نفسه وليقم دليله. وبه صدر في جامع الفصولين فقال رامزًا لفتوى النسفي: البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالًا للربا وسموه بيع الوفاء هو رهن في الحقيقة لا يملكه ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه، وهو ضامن لما أكل من ثمره وأتلف من شجره ويسقط الدين بهلاكه لو بقي، ولا يضمن الزيادة وللبائع استرداده إذا قضى دينه. لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام. اهـ، ثم نقل ما مر عن السيد الإمام وفي جامع الفصولين ولو بيع كرم بجنب هذا الكرم فالشفعة للبائع لا للمشتري لأن بيع المعاملة والتلجئة حكمهما حكم الرهن وللراهن حق الشفعة وإن كان في يد المرتهن. اهـ ... [رد المحتار: ٣/٣٤٢] .

стр. 11084

إذا ثبت بأن بيع الوفاء والرهن سواء في الأحكام فلتشرع في بيان أحكام بيع الوفاء باسم الرهن والراهن والمرتهن والمرهون وذلك لأن اسم بيع الوفاء اسم جديد لا يرى استعماله في المصطلحات القديمة من عهد الصحابة والتابعين ولا في زمان فقهاء الدور الأول. اختلف الأئمة في الجواز وعدم جواز الانتفاع بالمرهون للمرتهن أو للراهن، فرأى أبو حنيفة أنه لا يملك الراهن الانتفاع به، وقال الشافعي (رح) للراهن أن ينتفع به ما لم يضر المرتهن وأنكر أبو حنيفة ومالك والشافعي انتفاع المرتهن به خلافًا لأحمد (رح) . والأصل في الباب في حديث الظهر يركب إذا كان مرهونًا ولبن الدر يشرب إذا كان مرهونًا وعلى الذي يركب ويشرب نفقته. أخرج أبو داود عن أبي هريرة وابن ماجه عنه مرفوعًا قال: قال رسول الله ﷺ : ((لبن الدر يحلب بنفقته إذا كان مرهونًا وعلى الذي يحلب ويركب النفقة)) . قال أبو داود هو عندنا صحيح. نقل صاحب المشكاة هذا الحديث عن صحيح البخاري. وروى الشافعي مرسلًا عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه)) وروى مثله ومثل معناه لا يخالفه عنه عن أبي هريرة متصلًا. والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق وقال بعض أهل العلم: ليس له أن ينتفع من الرهن. قال ابن حجر في تلخيص الحبير في تخريج أحاديث شرح رافع الكبير في هذا الحديث بأنه أعل بالوقف وأشار ابن أبي حاتم إلى رفعه. فهذا الحديث بظاهره يدل على جواز الانتفاع بالمرهون، وبه أخذ أحمد وغيره للمرتهن، وحمله الشافعي على الراهن وجواز الانتفاع له، قال السيوطي في مرقات الصعود شرح سنن أبي داود: تأوله الشافعي على الراهن وأحمد على المرتهن، وفي إرشاد الساري احتج به الإمام أحمد حيث قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن إذا قام بمصلحة ولو لم يأذن له المالك، وأجمع الجمهور على أن المرتهن لا ينتفع من الرهن بشيء.

стр. 11085

قال ابن عبد البر: هذا الحديث منسوخ عند جمهور الفقهاء، ويرده أصول مجمع عليها وآثار لا يختلف في صحتها على نسخه حديث ابن عمر لا تحلب ماشية امرىء بغير إذنه، وقال: عن الشافعي ما يشبه أن يكون المراد لم يمنع الراهن من درها وظهرها فهي محلوبة ومركوبة له كما كانت قبل الرهن، وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية عنه: ليس للراهن ذلك لأنه ينافي حكم الرهن وهو الحبس الدائم وفي الجامع الصغير للسيوطي وشرح للعزيري: الرهن أي الظهر المركوب يركب بنفقته ويشرب لبن الدر، قال العلقمي: يجوز للمرتهن ذلك بإذن الراهن وإذا هلك لا ضمان عليه، وقال أحمد وإسحاق وطائفة: يجوز للمرتهن الانتفاع بالمرهون إذا قام بمصلحة وإن لم يأذن له المالك، ومنه أيضًا الظهر أي ظهر الدابة المرهونة مركب بنفقته إذا كان مرهونًا أي يركبه الراهن وينفق عليه عند الشافعي ومالك لأن له الرقبة، وليس للمرتهن إلا التوثق، أو المراد المرتهن له ذلك بإذن الراهن واستدلت طائفة بالحديث على جواز انتفاع المرتهن بالمرهون إذا قام بمصلحة وإن لم يأذن له المالك، وحمله الجمهور على ما تقدم، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة، وهو الراهن وكذا عليه نفقته وإن لم ينتفع به، وبظاهر الحديث عمل أحمد ابن حنبل، قال غيره: لا يجوز الانتفاع به لكن منافعه كاللبن ونحوه يكون للراهن عند الشافعي ويكون رهنًا كالأصل عندنا انتهى. وأطال أبو جعفر الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار بحث الرهن والانتفاع بالمرهون للمرتهن أو الراهن، وقال: وقد ظهر من هذه العبارات وغيرها من كلمات الثقات أنهم اختلفوا في الحديث المذكور على أقوال، أحدها: حمله على انتفاع الراهن وهو مسلك الشافعية، وثانيها: حمله على المرتهن مطلقًا وإن لم يأذن له الراهن وهو مسلك الحنابلة، وثالثها: حمله على انتفاع المرتهن بإذن الراهن وهو مسلك جمهور علماء الأمة، ورابعها: كونه منسوخًا بتحريم القرض مع جر المنفعة، ولا يخفى على المنصف غير المتعصب أن أولى الأقوال فيه: حمله على انتفاع المرتهن عند إذن الراهن، لكن بشرط أن لا تكون مشروطًا حقيقة أو حكمًا كما سيأتي، أما حمله على جواز انتفاع المرتهن مطلقًا يخالفه الأصول الشرعية والقواعد الممهدة النقلية الثابتة: - لا يجوز الانتفاع بملك الغير بدون إذنه صريحًا أو دلالة فإنه لا شك أن المرهون مملوك للراهن وليس للمرتهن إلا حق حبس التوثيق، فكيف يجوز له التصرف بغير إذن الراهن وإليه أشار ابن عبد البر المالكي في إرشاد السالك - وحمله على انتفاع الراهن يخالف تصريح ما ورد في بعض طرقه من ذكر المرتهن.

стр. 11086

وقال صاحب الهداية وشرحها: إن حكم المرتهن عندنا صيرورة الرهن محتبسًا بدين المرتهن حبسًا دائمًا بإثبات يد الاستيفاء منه فحسب، ولهذا لا يجوز عندنا انتفاع الراهن واسترداده لأنه يفوت موجبه وهو الحبس الدائم، ويجوز عنده لعدم كونه منافيًا لموجبه وهو تعينه للبيع، وأما إبداء احتمال أنه منسوخ كما ذكره الطحاوي فيخدشه أن النسج لا يثبت بالاحتمال، أن هذا الحكم كان في زمان إباحة الربا وإباحة القرض الذي جر منفعة وحكم بمنع كل ذلك لا يحكم بنسخه، نعم يصح أن يقال إنه معارض لخبر النهي عن القرض الذي جر منفعة، ومن المعلوم أنه عند التعارض بين الحل والحرمة ترجح الحرمة، والخبر المذكور هو ما ذكره صاحب الهداية وغيره في بحث الكراهية أن النبي ﷺ نهى عن قرض جر نفعًا وهو وإن كان متكلمًا فيه سندًا لكنه مؤيد بآثار الصحابة وعمل الأئمة. وحقق عبد الحي اللكنوي بأن أصحاب الحنفية بعدما اتفقوا على أنه لا يجوز للمرتهن الانتفاع بالرهن بدون إذن الراهن، اختلفوا في جوازه بالإذن على أقوال عديدة كما دلت عليه عباراتهم المختلفة، الأول: أنه جائز. الثاني: أنه ليس بجائز. والثالث: أنه جائز قضاء غير ديانة. والرابع: أن الإذن إن كان مشروطًا فهو غير جائز وإلا فهو جائز. والخامس: إن كان الإذن مشروطًا فهو حرام وإن لم يكن مشروطًا فهو مكروه وذكر عبارات مشاهيرهم الدالة على تفرقهم. ثم قال: وأولى الأقوال المذكورة وأصحها وأوفقها برواية الحديث هو القول الرابع، ما كان مشروطًا يكره وما لم يكن مشروطًا لا يكره، أما كراهة المشروط فلحديث كون القرض الذي جر منفعة ربا، وأما عدم كراهة غير المشروط فلحديث الظهر يركب ولبن الدر يشرب، والمراد بالكراهة التحريمية كما يفيده تعليلهم بأنه ربا وهو المراد من الحرمة في قول من تكلم بحرمة المشروط فإن المكروه التحريمي قريب من الحرام بل كأنه هو ... إلخ. وملخص ما ذكر في الموسوعة الفقهية: ص٢٦٠ - ٢٦١ - ٢٦٣: حكم بيع الوفاء: اختلف الفقهاء في الحكم الشرعي لبيع الوفاء فذهب المالكية والحنابلة والمتقدمون من الحنفية والشافعية إلى أن بيع الوفاء فاسد، لأن اشتراط البائع أخذ المبيع إذا رد الثمن إلى المشتري يخالف مقتضى البيع وحكمه، وهو ملك المشتري للمبيع على سبيل الاستقرار والدوام، وفي هذا الشرط منفعة للبائع ولم يرد دليل معين يدل على جوازه فيكون شرطًا فاسدًا يفسد البيع باشتراطه فيه.

стр. 11087

ولأن البيع على هذا الوجه لا يقصد منه حقيقة البيع بشرط الوفاء، وإنما يقصد من ورائه الوصول إلى الربا المحرم وهو إعطاء الحال إلى أجل ومنفعة البيع هي الربح، والربا باطل في جميع حالاته. وذهب بعض المتأخرين من الحنفية والشافعية إلى أن بيع الوفاء جائز مفيد لبعض أحكامه وهو انتفاع المشتري بالمبيع دون بعضها، وهو البيع من آخر. وحجتهم في ذلك أن البيع بهذا الشرط تعارفه الناس وتعاملوا به لحاجتهم إليه فرارًا من الربا فيكون صحيحًا لا يفسد البيع باشتراطه فيه وإن كان مخالفًا للقواعد لأن القواعد تترك بالتعامل كما في الاستصناع. وذهب أبو شجاع وعلي السغدي والقاضي أبو الحسن الماتريدي من الحنفية إلى أن بيع الوفاء رهن وليس ببيع، فيثبت له جميع أحكام الرهن، فلا يملكه المشتري ولا ينتفع به ولو استأجره لم تلزمه أجرته كالراهن إذا استأجر المرهون من المرتهن ويسقط الدين بهلاكه ولا يضمن ما زاد عليه - وإذا مات الراهن كان المرتهن أحق به من سائر الغرماء، وحجتهم في ذلك أن العبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني، ولهذا كانت الهبة بشرط العوض بيعًا وكانت الكفالة بشرط براءة الأصيل حوالة وأمثال ذلك كثير في الفقه. وهذا البيع لما شرط فيه أخذ المبيع عند رد الثمن كان رهنًا لأنه هو الذي يؤخذ عند أداء الدين. قال ابن عابدين: في بيع الوفاء قولان الأول: أنه بيع صحيح مفيد لبعض أحكامه من حل الانتفاع به إلا أنه لا يملك المشتري بيعه، قال الزيلعي في الإكراه وعليه الفتوى. الثاني: القول الجامع لبعض المحققين أنه فاسد في حق بعض الأحكام حتى ملك كل منهما الفسخ - صحيح في حق بعض الأحكام كحل الإنزال ومنافع المبيع ورهن في حق البعض حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه، وسقط الدين بهلاكه فهو مركب من العقود الثلاثة كالزرافة فيها صفة البعير والبقرة والنمر، جوز لحاجة الناس إليه بشرط سلامة البدلين لصاحبهما، قال في البحر: وينبغي أن لا يعدل في الإفتاء عن القول الجامع، وفي النهر: والعمل في ديارنا على ما رجحه الزيلعي. وقال صاحب بغية المسترشدين من متأخري الشافعية: بيع العهدة صحيح جائز وتثبت به الحجة شرعًا وعرفًا على قول القائلين به، ولم أر من صرح بكراهته، وقد جرى عليه العمل في غالب جهات المسلمين من زمن قديم، وحكمت بمقتضاه الحكام وأقره من يقول به من علماء الإسلام مع أنه ليس من مذهب الشافعي وإنما اختاره من اختاره ولفقه من مذاهب للضرورة الماسة إليه ومع ذلك فالاختلاف في صحته من أصله وفي التفريع عليه لا يخفى على من له إلمام بالفقه.

стр. 11088

شرط بيع الوفاء عند من يجيزه: لتطبيق أحكام بيع الوفاء شرطان عند من يجيزه لا بد من توافرهما وهما: (أ) أن يُنَصَّ في العقد على أنه متى رد البائع الثمن رد المشتري المبيع. (ب) سلامة البدلين، فإن تلف المبيع وفاء وكانت قيمته مساوية للدين (أي الثمن) سقط الذي في مقابلته، وإن كانت زائدة على مقدار الدين وهلك المبيع في يد المشتري سقط من قيمته قدر ما يقابل الدين، وهو في هذا كالرهن عند الحنفية. الآثار المترتبة على بيع الوفاء: هناك آثار تترتب على بيع الوفاء عند من يجيزه من متأخري الحنفية وغيرهم نجملها فيما يلي: أولًا - عدم نقله في الملكية: إن بيع الوفاء لا يسوغ للمشتري التصرف الناقل للملك كالبيع والهبة عند من يجيزه ويترتب على ذلك عدة مسائل: (أ) عدم نفاذ بيع المبيع وفاء من غير البائع - وذلك لأنه كالرهن والرهن لا يجوز بيعه. (ب) لا يحق للمشتري في بيع الوفاء الشفعة وتبقى الشفعة للبائع - ففي الفتاوى الهندية نقلًا عن فتاوى أبي الفضل أنه سئل عن كرم بيد رجل وامرأة باعت المرأة نصيبها من الرجل واشترطت أنها متى جاءت بالثمن رد عليها نصيبها - ثم باع الرجل نصيبه هل للمرأة فيه شفعة؟ قال أبو الفضل: إن كان البيع بيع معاملة ففيه الشفعة للمرأة، سواء كان نصيبها من الكرم في يدها أو في يد الرجل. (ج) الخراج في الأرض المبيعة بيع الوفاء على البائع. (د) لو هلك المبيع في يد المشتري فلا شيء لواحد منهما على الآخر. (هـ) منافع المبيع بيع الوفاء للبائع كالإجارة وثمرة الأشجار ونحوها، فلو باع داره من آخر بثمن معلوم بيع وفاء وتقابضا ثم استأجرها من المشتري مع شرائط صحة الإجارة وقبضها ومضت المدة هل يلزمه الأجر؟ قال: لا، فتبين أن الملك لم ينتقل للمشتري إذ لو انتقل أوجبت الأجرة، وكذلك ثمر الشجر للبائع دون المشتري، فإن المشتري لو أخذ من ثمر الأشجار شيئًا فإن أخذه بإذن البائع برئت ذمته وإن أخذه بغير إذنه ورضاه ضمنها.

стр. 11089

(و) انتفال المبيع وفاء بالإرث إلى ورثة البائع، فلو باع رجل بستانه من آخر بيع وفاء وتقابضا ثم باعه المشتري من آخر بيعًا باتًّا وسلم وغاب، فللبائع وورثته أن يخاصموا المشتري الثاني ويستردوا منه البستان، وكذا إذا مات البائع والمشتريان ولكل ورثة فلورثة المالك أن يستخلصوا من أيدي ورثة المشتري الثاني، ولورثة المشتري الثاني أن يرجعوا بما أدي من الثمن إلى بائعه في تركته التي في أيدي ورثته، ولورثة المشتري الأول أن يستردوه ويحسبوه بدين مورثهم إلى أن يقضوا الدين. ثانيًا - حق البائع في استرداد المبيع: يحق للبائع أن يسترد مبيعه إذا دفع الثمن للمشتري في حالتي التوقيت وعدمه. ثالثًا - أثر موت أحد المتعاقدين في بيع الوفاء: سبق قريبًا أنه إذا مات المشتري أو البائع بيع وفاء فإن ورثته يقومون مقامه في أحكام الوفاء نظرًا لجانب الرهن. رابعًا - اختلاف المتعاقدين في بيع الوفاء: من أهم الأحكام التي تتعلق باختلاف المتعاقدين في بيع الوفاء ما يلي: (أ) إذا اختلف المتعاقدان في أصل بيع الوفاء كأن قال أحدهما كان البيع باتًّا أو وفاء فالقول لمدعي الجد والبتات إلا بقرينة الوفاء، وهناك قول آخر عند الحنفية أن القول لمدعي الوفاء استحسانًا. (ب) إذا أقام كل من المشتري والبائع البينة تقدم بينة الوفاء، لأنها خلاف الظاهر. (ج) إذا لم يكن لأحدهما بينة فالقول قول مدعي البتات. قال ابن عابدين: فتحصل أن الاستحسان في الاختلاف في البينة ترجيح بينة الوفاء، وفي الاختلاف في القول ترجيح قول مدعي البتات، ومن القرائن الدالة على الوفاء نقصان الثمن كثيرًا، وهو ما لا يتغابن فيه الناس عادة إلا أن يدعي صاحبه تغير السعر.

стр. 11090

المحور الثالث: الانتفاع للاقتصاد بأوجه بيع الوفاء: أما مسألة انتفاع الاقتصاد المعاصر من البيع بالوفاء فمعقدة للغاية نظرًا إلى تعقيد المسائل الاقتصادية والمعاملات المالية والتجارية الحديثة والمتداولة على المستوى الدولي، وتتم معظم هذه المعاملات عن طريق البنوك التجارية التي تتعامل بالربا المحرم. ومن أجل التخلص من لعنة الربا في هذه المعاملات التي لا مفر منها للاقتصاد، يتوجب على طائفة من علماء العصر وفقهاء الأمة التفرغ للبحث في أوجه هذه المعاملات بكل تفاصيلها وتعقيداتها لإيجاد بدائل إسلامية لهذه المعاملات، ومن الممكن الاستفادة في هذا المجال بأوجه البيع بالوفاء الشرعية باعتبار البنك وسيطًا بين طرفي المعاملة، فيكون البنك راهنًا لطرف ومرتهنًا لطرف آخر ويبايع بالوفاء مع الطرفين على حدة بحيث يحقق البنك ربحه بدون ربط الثمن بنسبة مئوية من الفائدة. الشريف محمد عبد القادر

стр. 11091

بيع الوفاء إعداد فضيلة الشيخ المفتي محمد رفيع العثماني رئيس الجامعة لدار العلوم كراتشي والمفتي بها باكستان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا وشفيعنا ومولانا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أما بعد: تقديم: فقد أرسل الله تعالى الإنسان إلى الأرض، وخلق له ما في الأرض جميعًا، وأباح له تملك الأشياء بأسباب شتى شرعها الله تعالى من البيع والشراء والهبة والميراث والوصية وما إليها. وكان البيع والشراء من أهم أسباب التملك وأوسعها نطاقًا، وأكثرها وقوعًا، لا غنى للإنسان عنهما، فالحياة تدور بهما، وبهما تتم. ولذلك أباح الله تعالى البيع وأعلن بذلك في كتابه المبين، فقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] . للبيع صور شتى، وأقسام متنوعة تسمى بأسماء مختلفة، تختلف أحكامها من الصحة والفساد، والإباحة والحرمة وما إليها في ضوء الشريعة الإسلامية. ومن أقسام البيع، قسم حادث من البيوع يسمى ((بيع الوفاء)) وهو بيع استحدث بعد القرون الأربعة، لم يرد فيها نص صريح في القرآن والسنة بإباحته أو حرمته. ولذلك اختلفت فيه آراء الفقهاء ﵏، وهو الذي نحن بصدد تحقيقه. وقبل أن نخوض في بيان حكمه وآراء الفقهاء في ذلك نريد أن نبين أولًا تعريفه بما يوضح صورته، وأساميه المختلفة، ثم بيان حكمه واختلاف الفقهاء في ذلك. وجدير بالذكر أن سادة الفقهاء الحنفية المتأخرين ﵏ أكثروا من ذكره في كتبهم وفتاواهم، بعنوان واضح، وعبارات طويلة، بينما لم نجد عند غير الحنفية ذكر بيع الوفاء بعنوان واضح، إلا أن المالكية ﵏ ذكروه باسم ((بيع الثنيا)) كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ولذلك نبدأ بموقف الأحناف في ذلك ثم المالكية ثم الشافعية والحنابلة. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا للسداد، ويرينا الحق حقًّا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه. إنه الموفق للحق والسداد.

стр. 11092

تعريفه: جاء في المجلة: (بيع الوفاء هو بيع المال بشرط أن البائع متى رد الثمن يرد المشتري إليه المبيع) (١) . قال الشامي: (لا فرق بين أن يقول البائع على أن ترده علي أو أن تبيعه مني) (٢) . من صور بيع الوفاء: ١- أن يبيعه العين بألف على أنه إذا رد عليه الثمن رد عليه العين (٣) . ٢- أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذا العين بما لك علي من الدين على أني متى قضيت الدين فهو لي (٤) . ٣- أو يقول: بعت منك هذا العين بكذا على أني إن دفعت إليك الثمن تدفع العين إليَّ (٥) . ٤- أن يقول: بعت منك على أن تبيعه مني متى جئت بالثمن (٦) . أسماء أخرى لبيع الوفاء ووجوه التسمية: ١- بيع الوفاء. قال الشامي: (وجه تسميته بيع الوفاء أن فيه عهدًا بالوفاء من المشتري بأن يرد المبيع على البائع حين رد الثمن) (٧) . ٢- البيع الجائز. قال الشامي: (ولعله مبني على أنه بيع صحيح لحاجة التخلص من الربا حتى يسوغ المشتري أكل ريعه) (٨) . ٣- بيع المعاملة. قال الشامي: (وبعضهم يسمى بيع المعاملة، ووجهه أن المعاملة ربح الدين، وهذا يشتريه الدائن لينتفع به بمقابلة دينه) (٩) . ٤- بيع الأمانة. قال الشامي: (ووجهه أنه أمانة عند المشتري بناء على أنه رهن أي كالأمانة) (١٠) . ٥- بيع الإطاعة. وبيع الطاعة. قال ابن عابدين الشامي رحمه الله تعالى: (وهو المشهور الآن في بلادنا، ووجهه حينئذ أن الدائن يأمر المدين ببيع داره مثلًا بالدين فيطيعه فصار معناه بيع الانقياد) (١١) .

стр. 11093

مظان ذكر بيع الوفاء: فقهاء الحنفية يذكرون هذا البيع في موضع من ثلاثة، فمنهم من ذكره في البيع الفاسد، كالبزازي، ومنهم من ذكره عند الكلام على خيار النقد من كتاب البيوع كابن نجيم وقاضيخان، ومنهم من ذكره في كتاب الإكراه كالزيلعي والمرغيناني صاحب الهداية وأصحاب شروح الهداية. الفرق بين عامة البيوع وبيع الوفاء: يفترق بيع الوفاء عن عامة البيوع من ناحية خاصة، ولذلك سمي باسم خاص، ففي عامة البيوع حينما يتم البيع بين البائع والمشتري، ويقبض المشتري على المبيع والبائع على الثمن، ولم يكن لأحد خيار، يستبد كل واحد منهما بالتصرف في مملوكه كيف شاء. يستبد البائع بالتصرف في الثمن المملوك، والمشتري بالتصرف في المبيع الذي تملكه بالبيع، بخلاف بيع الوفاء، فإن المشتري يلتزم فيه أنه لا يبيع المشتري ولا يخرجه عن ملكه، بل يبقيه في ملكه إلى أن يجيء البائع، ويرد الثمن على المشتري، فيرد المشتري المبيع إلى البائع، ولذا يجتمع في بيع الوفاء ثلاثة محظورات: ١- بيع الوفاء بيع شرط فيه شرط لا يقتضيه العقد، وهو شرط رد المبيع إلى البائع إذا رد الثمن، فيلزم أن يكون بيعًا فاسدًا. ويكون فسخه واجبًا عند الأحناف، وكأن البائع في بيع الوفاء يحجر على المشتري، فيمنعه عن بيع المبيع لآخر مع أنه ملكه بالاشتراء، فكان حجرًا على المالك من أجنبي، ولا عهد لنا به في الشرع. ٢- بيع الوفاء بيع شرط فيه إقالة، وكل بيع شرط فيه إقالة يكون فاسدًا (١) فلزم أن يكون بيع الوفاء فاسدًا.

стр. 11094

٣- حينما نتأمل في بيع الوفاء نجد أنه أشبه بالرهن من البيع، فكما أن في الرهن يأخذ الراهن الدين من المرتهن، ويعطيه المرهون، حتى إذا قضى دينه يأخذ المرهون من المرتهن كذلك البائع ههنا يأخذ المبلغ من المشتري ويعطيه المبيع حتى إذا رد عليه الثمن استرد منه المبيع. فكان بيع الوفاء رهنا في الحقيقة. ومن حكم الرهن حرمة الانتفاع بالمرهون للمرتهن عند جميع الفقهاء. وههنا ينتفع المشتري وهو المرتهن حقيقة بالمشتري الذي هو المرهون، فيلزم أن يكون حرامًا. ولكن تعارفه بعض الناس احتيالًا للربا كما ذكره ابن عابدين في رد المحتار وغيرهم من الحنفية في كتبهم. متى حدث هذا البيع: لا نجد ذكر بيع الوفاء في كتب المتقدمين من فقهاء الحنفية وأئمتهم في القرون الأربعة الأولى، ولذلك نرى أن هذا البيع حدث بعد القرن الرابع في أوائل القرن الخامس الهجري، فقد أظهر رأيه في هذا البيع الإمام القاضي الحسن الماتريدي والسيد الإمام أبو شجاع والإمام علي السغدي، وهم من فقهاء القرن الخامس. لماذا حدث هذا البيع: نقل القاضي ابن سماوة عن بعض الفقهاء: (البيع الذي تعارفه أهل زماننا احتيالًا للربا وسموه بيع الوفاء، وهو رهن في الحقيقة ... لا فرق عندنا بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام، لأن المتعاقدين وإن سمياه البيع، ولكن عرفهما الرهن والاستيثاق بالدين) (١) . وقال ابن نجيم بعدما ذكر موقف قاضيخان في ذلك: (جاز البيع ولزم الوفاء، وقد يلزم الوعد لحاجة الناس فرارًا من الربا، فبلخ (أي أهالي بلخ) اعتادوا الدين والإجارة، وهي لا تصح في الكروم، وبخارى (أي أهالي بخارى) الإجارة الطويلة ولا يكون ذلك في الأشجار، فاضطروا إلى بيعها وفاء، وما ضاق على الناس أمر إلا اتسع حكمه) (٢) .

стр. 11095

يظهر من كلام الفقهاء ومن العبارتين اللتين ذكرناهما آنفًا، أنه احتيج إلى بيع الوفاء لأمور: الأول: كان الناس يريدون أن يأخذوا الديون لحاجتهم، ويرهنوا أراضيهم لذلك. وكان المرتهن الدائن يأبى عن مبرة الإقراض المستحب إلا بأن يأخذ عليه منفعة لنفسه، وبما أن الشرع حرم على الدائن أن يأخذ على الدين ربحًا، لأن كل قرض جر منفعة فهو ربا. وبما أن الشرع حرم على المرتهن أن ينتفع بالمرهون، لكونه ربا. احتال الناس إلى بيع الوفاء، لكي ينتفع المرتهن بالمرهون، فإن المرتهن يصير بهذه الحيلة مشتريًا وللمشتري أن ينتفع بمملوكه كيف يشاء، إلا أنه وعد أن يرد على المشتري المبيع إذا رد عليه الثمن. الثاني: (كما فهمته من عبارة البحر الرائق) أن أهالي بلخ كانوا يأخذون القرض من أحد، وكانوا يجيرون في مقابلته إلى الدائن بستان الكروم على أن العنب للمستأجر، ولكن إجارة الكروم على هذا الشرط لا يجوز عند الفقهاء، فاحتالوا بيع الوفاء مكان الإجارة، لكي يكون هذا العقد تحت ضابط شرعي. الثالث: أن أهالي بخارى كانوا يأخذون القرض ويدفعون في مقابلته أشجار البستان إجارة، على أن الثمرة للمستأجر، ولكن إجارة الأشجار (١) على هذا الشرط لا يجوز عند الفقهاء، فاحتالوا بيع الوفاء، ليكون هذا العقد تحت أصل كلي مباح.

стр. 11096

حكم بيع الوفاء عند فقهاء الحنفية: اضطربت آراء فقهاء الحنفية في حكم بيع الوفاء. وذكر ابن نجيم في البحر الرائق، وابن البزاز الكردي في الفتاوى البزازية أن لفقهاء الحنفية في بيع الوفاء ثمانية آراء. [راجع لتفصيل تلك الآراء: البحر الرائق: ٦/٨ و ٩؛ والفتاوى البزازية على هامش الهندية: ٤/٤٠٥؛ وجامع الفصولين: ١/٢٣٤] . لكن العمدة في بيع الوفاء أربعة أقوال. الأول: قال بعض الفقهاء أنه رهن في الحقيقة، لا يملكه (أي المشتري) ولا ينتفع به إلا بإذن مالكه (١) ، وللبائع استرداده إذا قضى دينه، لا فرق بينه وبين الرهن في حكم من الأحكام، لأن المتعاقدين وإن سمياه البيع، ولكن عرفهما الرهن والاستيثاق بالدين، إذا العاقد يقول لكل أحد بعد هذا العقد: رهنت ملكي فلانًا، والمشتري يقول: ارتهنت ملك فلان، والعبرة في التصرفات للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني، فإن الحوالة بشرط أن لا يبرأ كفالة والكفالة بشرط البراءة حوالة. وهذا هو مذهب الإمام الحسن الماتريدي، والسيد أبي شجاع وابنه، والإمام علي السغدي (٢) . الثاني: أنه بيع غير صحيح، واختاره صاحب الهداية وأولاده أعني لا يملك المشتري عندهم بيعه من الغير كما في بيع المكره، لا كالبيع الفاسد بعد القبض (٣) . الثالث: ما اختاره قاضيخان وهو من طبقة المجتهدين في المسائل عند الأحناف، فقال: (والصحيح أن العقد الذي جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنًا، ثم ينظر إن ذكرا شرط الفسخ في البيع فسد البيع وإن لم يذكرا ذلك في البيع وتلفظا بلفظة البيع بشرط الوفاء، أو تلفظا بالبيع الجائز، وعندهما هذا البيع عبارة عن عقد غير لازم فكذلك، وإن ذكرا البيع من غير شرط، ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة، جاز البيع، ويلزمه الوفاء بالوعد لأن المواعدة قد تكون لازمة فتجعل لازمة لحاجة الناس) (٤) . الرابع: القول الجامع لبعض المحققين أنه فاسد في حق بعض الأحكام، حتى ملك كل منهما الفسخ، صحيح في حق بعض الأحكام، كحل الإنزال ومنافع المبيع، ورهن في حق البعض، حتى لم يملك المشتري بيعه من آخر ولا رهنه، وسقط الدين بهلاكه، فهو مركب من العقود الثلاثة، جوز لحاجة الناس إليه، بشرط سلامة البدلين لصاحبهما. قال ابن نجيم: (وينبغي أن لا يعدل في الإفتاء عن القول الجامع) (٥) . والذي نراه أن القول الثالث والرابع لا يتنافيان، بل يجتمعان في أن القول الثالث يبين كيفية صحة هذا العقد، والقول الرابع يبين الأحكام التي تنبني على صحة هذا العقد.

стр. 11097

ما هو الراجح من تلك الأقوال: قد تبين مما حررنا سابقًا أن المقصود من بيع الوفاء كان في الحقيقة رهنًا غيروه إلى بيع حتى ينتفع الدائن بمقبوضه. فلو نظرنا إلى المعنى والمقصود لوجب لنا أن نقول بما قاله أصحاب القول الأول، ونجري عليه أحكام الرهن، أما إذا نظرنا إلى الألفاظ والمباني نجد أن القول الثالث الذي اختاره قاضيخان هو الراجح، وبه أفتى مشائخ الحنفية من المتأخرين. فالترجيح للقول الثالث كما يظهر مما يلي: ١- ذكر ابن قاضي سماوة في جامع الفصولين: (قال النسفي: اتفق مشايخ زماننا على صحته بيعًا على ما كان عليه بعض السلف، لأنهما تلفظا بلفظ البيع بلا ذكر شرط فيه، والعبرة للملفوظ دون المقصود، فإن من تزوج امرأة على نية أن يطلقها بعد ما جامعها، صح العقد. أقول أن الانتفاع به مقصود كما أن الاستيثاق به مقصود، فلا وجه لجعله رهنًا مع رضاه بالانتفاع، فعلى هذا لا يكون رهنًا لا لفظًا ولا غرضًا) (١) . ٢- قال علاء الدين الحصكفي في كتابه الدر المختار في شرح تنوير الأبصار: (وقيل إن بلفظ البيع لم يكن رهنًا، ثم إن ذكر الفسخ فيه أو قبله، أو زعماه غير لازم كان بيعًا فاسدًا، ولو بعده على وجه الميعاد جاز، ولزم الوفاء به، لأن المواعيد قد تكون لازمة لحاجة الناس، وهو الصحيح كما في الكافي والخانية، وأقره "خسرو" هنا والمصنف في باب الإكراه، وابن الملك في باب الإقالة) (٢) . ٣- وفي مجلة الأحكام العدلية: (الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة أو خاصة، ومن هذا القبيل تجويز بيع الوفاء، فإنه لما كثرت الديون على أهالي بخارى مست الحاجة إلى ذلك، فصار مرعيًّا) (٣) . ٤- وبه أفتى المشايخ من أهل الفتاوى في شبه القارة الهندية (باكستان والهند) منهم فضيلة الشيخ أشرف علي التهانوي (٤) وفضيلة والدي الشيخ المفتي محمد شفيع (٥) وغيرهم من العلماء والمفتين.

стр. 11098

الأصل المستند إليه في التحليل أو المنع: ربما يتوهم ظاهرًا من تحليل بيع الوفاء أن هذه حيلة لأخذ ما كان ربا. ولكن حينما نتأمل نجد أن هذا الوهم ليس في محله، فإنه لو أخذ المرتهن من الراهن الشيء المرهون، وانتفع به لكان ربا وحرامًا داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] .لأن كل قرض جر منفعة فهو ربا. أما إذا اشترى رجل أو مرتهن ذلك الشيء من رجل أو راهن، وتملكه ببيع وانتفع به فهو بيع داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] . أما كون هذا من الحيل فليست كل حيلة ممنوعة شرعًا. فقد ذكر أخي العزيز الشيخ المفتي القاضي محمد تقي العثماني في كتابه ((تكملة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم)) تحت حديث ((قاتل الله اليهود، حرم الله عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها)) ما نصه: (والحق كما قال الآلوسي في تفسير روح المعاني: ٢٣/٢٠٩، تحت قوله تعالى: ﴿فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] . إن الحيلة كلما أوجبت إبطال حكمة شرعية لا تقبل، كحيلة سقوط الزكاة وسقوط الاستبراء. وأما إذا توصل بها الرجل إلى ما يجوز فعله، ودفع المكروه، بها عن نفسه وعن غيره فلا بأس بها. وقال السرخسي ﵀ في كتاب الحيل من المبسوط: ٣٠/٢١٠، (فالحاصل أن ما يتخلص به الرجل من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال من الحيل فهو حسن، وإنما يكره ذلك أن يحتال في حق الرجل حتى يبطله أو في باطل حتى يموهه، أو في حق حتى يدخل فيه شبهة، فما كان على هذا السبيل فهو مكروه، وما كان على السبيل الذي قلنا أولًا فلا بأس به) واستدل على جواز الحيلة المشروعة بقوله تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] . فإن ذلك تعليم حيلة، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ [يوسف: ٧٠] . فإنه حيلة. وجاء السرخسي رحمه الله تعالى بعدة أحاديث وآثار تدل على جوازها. قال العبد الضعيف عفا الله عنه: ومن أقوى ما يدل على جواز الحيلة المشروعة ما أخرجه الشيخان والنسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله ﷺ استعمل رجلًا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: إنا لنأخذ الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاث، قال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا. الحديث.

стр. 11099

هذا هو حيلة للتوصيل إلى طريق حلال، فما كان من هذا القبيل فهو جائز قطعًا، وأما حيلة اليهود في تحليل السبت وبيع الشحوم وأكل ثمنها، فكانت من قبيل إبطال الحكمة الشرعية، فإن الشريعة قصدت منعهم عن الصيد يوم السبت وعن أكل الشحوم وبيعها، ففعلوا ما حصل منه ذلك بعينه، وإنما غيروا الطريق أو التعبير، وقدمنا أن مجرد تغيير الاسم لا يؤثر في حل الشيء وحرمته حتى تتغير حقيقته) (١) . وفي مسألتنا أي مسألة بيع الوفاء تغيرت حقيقة العقد، فإن حقيقة بيع الوفاء كانت رهنًا في الأصل، ثم غيروا الرهن إلى البيع. ولا شبهة في جواز البيع فكان جائزًا كما ذكرنا أولًا. والله سبحانه أعلم. أحكام بيع الوفاء: إذا ثبت أن القول الثالث والرابع من أقوال الفقهاء هو مختار الحنفية المتأخرين، نريد أن نذكر جملة من أحكامه، ونوزعها على قسمين: ١- صحة هذا العقد. ٢- الأحكام التي تنبني على صحة هذا العقد. صحة هذا العقد: يمكن تصوير هذا العقد على أربع صور: الصورة الأولى: تبايعا بيعًا بدون شرط، وأضمرا في القلب بأن البائع إذا جاء ورد الثمن يرد المشتري إليه المبيع ويأخذ الثمن، فلا نزاع في جوازه. الصورة الثانية: تبايعا بيعًا، وذكرا شرط الفسخ في صلب البيع، أو ذكرا لفظة بيع الوفاء أو البيع الجائز، أرادا به عقدًا غير لازم يكون بيعًا فاسدًا. لأن هذا البيع شرطت فيه إقالة فاسدة، لجهالة المدة، ولو شرطت الإقالة الصحيحة في البيع يكون فاسدًا، فكان فساد هذا أولى. الصورة الثالثة: تبايعا بيعًا بدون شرط، ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة، جاز البيع ويلزمهما الوفاء بالعهد.

стр. 11100

التفصيل: يجب هنا (في الصورة الثالثة) أن نبحث عن أمرين لا بد من ذكرهما، وإيراد ما يرد عليهما. الأول: جواز البيع، يرد عليه أنه كيف جاز هذا البيع عند الحنفية مع أن ذكر الشرط بعد العقد يلتحق بالعقد عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ولو بعد مجلس العقد، فيصير بيع الوفاء كأنه شرط في العقد، وإن ذكراه بعد انتهاء المجلس. والجواب أن هذا مذهب الإمام أبي حنيفة، وقد خالفه صاحباه (الإمام أبو يوسف والإمام محمد بن الحسن) في ذلك، وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة أيضًا. فعندهما لا يلتحق الشرط بعد العقد، وهو الراجح عند الأحناف. قال الشامي: قيل يلتحق عند أبي حنيفة، وقيل لا، وهو الأصح كما في جامع الفصولين في الفصل رقم ٣٩، لكن في الأصل أنه يلتحق عند أبي حنيفة، وإن كان الإلحاق بعد الافتراق عن المجلس. وتمامه في البحر. قلت: هذه الرواية الأخرى عن أبي حنيفة، وقد علمت تصحيح مقابلها، وهي قولهما (١) . الثاني: مسألة لزوم الوعد والوفاء بالعهد. قال الطيبي: (واعلم أن الوعد أمر مأمور الوفاء به في جميع الأديان، حافظ عليه الرسل المتقدمون، قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] ومدح ابنه اسماعيل يعني جد نبينا ﵈ بقوله : ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] يقال: إنه وعد إنسانا في موضع، فلم يرجع إليه فأقام عليه حتى حال عليه الحول) (٢) . فكان إيفاء الوعد أمرًا مأمورًا به في جميع الشرائع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ . [الإسراء:٣٤] - وهذا كله ديانة، ولكن اختلف الفقهاء في أنه هل يجب على الواعد الوفاء بالوعد قضاءً أيضًا، فالمشهور أن الوعد عند فقهاء الحنفية لا يكون ملزمًا في القضاء، ولكن قد صرح كثير من متأخري فقهاء الحنفية أن المواعدة قد تكون لازمة، فتجعل لازمة لحاجة الناس. قال قاضيخان رحمه الله تعالى: (وإن ذكرا البيع من غير شرط، ثم ذكرا الشرط على وجه المواعدة، جاز البيع، ويلزم الوفاء بالوعد، لأن المواعدة قد تكون لازمة، فتجعل لازمة لحاجة الناس) (٣) . وقال الشامي: (وفي جامع الفصولين أيضًا: لو ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكرا الشرط على وجه العقد، جاز البيع، ولزم الوفاء بالوعد، إذ المواعيد قد تكون لازمة فيجعل لازمًا لحاجة الناس) (٤) .
следующие страницы →