← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11201–11240 · переход к 11206.

стр. 11201

- الطبيب الذي يعمل لصالح شركة أو مؤسسة يقوم بإبلاغ الشركة وأصحاب العمل بأمراض موظفي تلك الشركة ويكتب عنهم التقارير، ويذكر في تلك التقارير أسرارًا أفضى بها المريض إليه أو اكتشفها هو عند إجراء الفحوصات ويبلغها للشركة مما يؤدي في بعض الأحيان إلى الاستغناء عن خدمات الموظف وقطع رزقه. ومثله الطبيب الذي يضع تقاريره لشركات التأمين. - يطلع الطبيب على كثير من الأسرار وقد يكون أحد مرضاه خاطبًا لفتاة فيأتي أهلها ويستشيرونه حول أهلية ذلك الشخص من الناحية الصحية للزواج؟ وهل لديه أمراض معدية وبالذات الجنسية؟ وهل يعاني من أمراض قد تنتقل إلى الذرية؟ - قد يطلب الطبيب للقضاء للإدلاء بشهادته حول مريض معين، ويؤدي ذلك إلى إفشاء أسرار مريضه، وقد لا يكون السر ضروريًّا لإجراء أمر العدالة ولكنه لا يستطيع هو أن يقرر ذلك، وإنما الذي يقرره القاضي. وقد نص نظام مزاولة مهنة الطب البشري وطب الأسنان ولائحته التنفيذية في المملكة العربية السعودية (وزارة الصحة) على وجوب المحافظة على سر المهنة إلا في حالات محددة. وإليك نص المادة ٢٣: (يجب على الطبيب أن يحافظ على الأسرار التي علم بها عن طريق مهنته ولا يجوز له إفشاؤها إلا في الأحوال التالية: ١- إذا كان الإفشاء مقصودًا به الإبلاغ عن وفاة ناجمة عن حادث جنائي، أو الحيلولة دون ارتكاب جريمة ولا يجوز الإفشاء في هذه الحالة إلا للجهة الرسمية المختصة. ٢- إذا كان الإفشاء بقصد التبليغ عن مرض سار أو معد. ٣- إذا كان الإفشاء بقصد دفع الطبيب لاتهام موجه إليه من المريض أو ذويه يتعلق بكفايته أو بكيفية ممارسته لمهنته. ٤- إذا وافق صاحب السر كتابة على إفشائه أو كان الإفشاء لذوي المريض مفيدًا لعلاجه. ٥- إذا صدر له أمر بذلك من جهة قضائية.

стр. 11202

إذن المريض في حالات النشر: لا بد للحصول على إذن كتابي من المريض لنشر صوره. وللأسف نرى أجهزة الإعلام بالاتفاق مع بعض الأطباء تبادر إلى نشر صور المرضى. وذلك في الغالب للدعاية لمستشفى معين أو لطبيب معين أو باعتباره خبرًا جديدًا مثل إجراء عملية جديدة أو إجراء طبي جديد، وقد يكون هذا الإجراء يحدث لأول مرة في تلك المنطقة في العالم مثلًا زرع الكلى أو زرع القلب أو التلقيح الاصطناعي وطفل الأنبوب أو ولادة توائم متلاصقة. وفي هذه الحالات جميعًا يتم للأسف النشر في كثير من الأحيان دون إذن المريض أو وليه. وهو اعتداء على خصوصيات ذلك المريض ولا بد من إذنه أولًا وخاصة أن النشر يصحبه التصوير. أما النشر في المجلات الطبية والمجالات العلمية فلا يحتاج إلى إذن إذا لم يكن فيه أي إشارة إلى اسم المريض أو صورته أو إذا كانت الصورة لأعضاء داخلية أو أعضاء لا يمكن تمييزها أما إذا كان النشر تصحبه صور لوجه الشخص فلا بد من تغطية عينيه بحيث لا يمكن التعرف عليه إلا في حالات موافقة صاحب الصورة على ذلك كتابة. وكذلك الأمر بالنسبة لأفلام الفيديو التي تستخدم لتصوير المريض وتطور مرضه. إذن المريض في حالات إجراء البحوث والتجارب الطبية: إن الأبحاث الطبية وإجراء التجارب في الحقل الطبي أمر لا مندوحة عنه للتقدم الطبي ولا بد من توفر عدة شروط قبل إجراء هذه الأبحاث والتجارب على البشر ونوجزها فيما يلي: ١- أن يتم بحث هذه الطريقة الجديدة في التداوي سواء كانت بالعقاقير أو الجراحة أو الأشعة في حيوانات التجارب. وأن توضح هذه الأبحاث الفوائد المرجوة من هذا النوع الجديد من التداوي، كما توضح بصورة عامة مدى الأضرار والمخاطر. ٢- أن لا يكون في استعمال هذه الطريقة خطر على حياة المتبرع بإجراء التجارب ولا خطر على جسمه.. أما الأخطار البعيدة والمحتملة والتي عادة ما تكون نادرة الحدوث فيمكن قبولها إذ لا يوجد دواء ولا وسيلة من وسائل التداوي بالعقاقير أو الجراحة أو الأشعة أو غيرها إلا ولها بعض الأضرار المحتملة وإن كانت نادرة الوقوع. ٣- لا بد من إذن كتابي من الشخص المتبرع بإجراء الأبحاث الطبية عليه. ولا بد أن يعرف كافة الاحتمالات التي يمكن أن يتعرض لها أثناء هذه التجربة. ولا بد من شهود على موافقته. ٤- لا بد أن يكون المتبرع بإجراء الفحوصات عليه بالغًا عاقلًا راشدًا، ولا يواجه ضغوطًا خاصة تفرض عليه القبول كأن يكون مسجونًا أو أسيرًا، أو أنه في حالة عوز وفقر فيقبل إجراء التجارب على بدنه في مقابل مالي أو غيره. ٥- لا يجوز لأحد أن يجري التجارب على القاصر أو المجنون أو فاقد العقل ولا يقبل في ذلك موافقة وليه.

стр. 11203

أنواع الإذن: يكتفي بالإذن الشفوي لإجراء الفحص السريري والتحاليل المخبرية العادية مثل تحليل الدم والبول والبراز والبصاق والأشعة العادية التي ليس فيها أي تدخل في جسم المريض. ينبغي الحصول على إذن كتابي من المريض البالغ العاقل أو إذن ولي المريض القاصر أو المجنون أو المغمى عليه لإجراء الأمور التالية: ١- أي عملية جراحية ما عدا خلع الأسنان ومعالجة الفم التي تتم في العيادة ودون الحاجة لدخول المستشفى أو إعطاء المخدر. ٢- إعطاء أي مخدر وخاصة إذا كان التخدير عامًّا أو نصفيًّا. ٣- إجراء الفحوصات فيها تدخل في جسم المريض (Invasire) مثل المناظير للجهاز الهضمي أو البولي أو التناسلي، ومثل أخذ عينة من الكبد أو الكلى أو الأمعاء أو الرئتين ... إلخ. ومثل القسطرة لشرايين القلب أو غيرها من الأوعية الدموية ومثل إجراء الأشعة التي فيها تدخل في جسم المريض. ٤- إجراء أي علاج كيماوي لمعالجة السرطان أو علاج بالأشعة. ٥- تصوير المريض بالآلة التصوير أو الفديو وخاصة إذا كان التصوير يشمل الوجه أما تصوير العمليات الجراحية أو غيرها التي لا توضح الوجه الذي يستدل به على الشخص فلا تحتاج إلى إذن. ينبغي الإشهاد على إذن المريض باثنين من الشهود ولو كانا من ضمن الهيئة الطبية. ينبغي أن يتم شرح الإجراء المراد فعله للمريض شرحًا وافيًا وإذا كان المريض لا يستطيع فهم ذلك ينبغي أن يتم الشرح لولي أمره. ٦- إذن المريض في الاستفادة من الأجزاء والأنسجة التي تم إزالتها في أثناء عملية أو بعد ولادة، كالاستفادة من المشيمة أو من السقط الذي نزل ميتًا لاستعماله في زرع الأعضاء أو تحنيطه ووضعه في محلول الفورمالين لدراسته وتعليم طلبة الطب ليتعرفوا على أنواع الأمراض. ولا حاجة للإذن في الأنسجة والإفرازات التي قد تشكل خطرًا على الصحة العامة والتي يجب التخلص منها فينبغي الالتزام بالإجراءات التي تفرضها الأنظمة الصحية في هذه الحالة.

стр. 11204

علاج الحالات الميئوس منها: ذكرنا في أول المبحث جواز عدم التداوي وما ورد في ذلك من أحاديث نبوية صحيحة حتى أن الإمام أحمد ابن حنبل ﵀ جعل عدم التداوي أفضل لمن كمل يقينه وورد أن أبا بكر الصديق ﵁ رفض التداوي، وكذلك فعل أبو الدرداء ﵁. وذكرنا الحالات التي يجوز فيها عدم التداوي ومنها الحالات المرضية التي لا دواء لها معلوم أو أن دواءها فيه مخاطر كثيرة. أو أن فائدة التداوي مظنونة موهومة لا متيقنة ولا راجحة بغالب الظن. وفي هذه الحالات والحالات الأخرى التي فصلناها هناك يحق للمريض أن يرفض التداوي متى ما كان بالغًا عاقلًا. ولكن هل يحق لولي أمر ناقص الأهلية مثل الطفل أو المجنون أو المغمى عليه أن يقرر نيابة عن المصاب ترك التداوي؟! وهل يحق للأطباء في المستشفيات وغيرها أن يقرروا أن هذه الحالة ميئوس منها فعلى سبيل المثال طفل مصاب باستسقاء كبير جدًّا في دماغه (موه الدماغ) ومصاب بأنواع من الشلل ولا أمل في إجراء العملية لأن الدماغ قد ضمر فهل تجري لمثل هذا الطفل العملية؟ هل إذا أصيب مثل هذا الطفل بالتهاب رئوي حاد يبادر إلى علاجه ومعلوم أن الالتهاب الرئوي يمكن مداواته ولكن حالة المريض الخطيرة لا يمكن مداواتها وإذا ترك المريض دون علاج للالتهاب الرئوي فإن المتوقع وفاته بسبب ذلك الالتهاب؟ فهل إذا وافق أولياء أمر هذا الطفل يترك دون علاج؟ وهناك الشيخ الكبير المصاب بأنواع من الشلل وجلطة القلب وهبوط شديد بالقلب وفشل في وظائف الكلى فهل يدخل إلى برنامج الغسيل الكلوي؟ ... وعدد الآلات محدود ويحتاج لها عدد ممن هم في مقتبل العمر الذين يعانون من الفشل الكلوي؟! وهل إذا أصيب مثل هذا الشخص بتوقف مفاجىء لضربات قلبه يتم إسعافه بإجراء الإسعافات المعتادة في مثل هذه الحالات والتي قد تستدعي استخدام أجهزة القلب أو التنفس الاصطناعي أم يترك مثل هذا الشخص ليلاقي حتفه؟!

стр. 11205

وهناك المريض الذي أصيب في دماغه إصابات بالغة أدت إلى فقدان الوعي فقدانًا كاملًا وهو يعيش عن طريق التغذية بالأنبوب عبر المعدة والأنابيب ليفرز البول (القسطرة) . وقد يحتاج إلى المنفسة من حين لآخر. أو يحتاج لها باستمرار ولا أمل في استعادته الوعي والإدراك ولا أمل في تحسين حالته ... ويتعرض مثل هذا الشخص لالتهاب رئوي حاد أو لجلطة في القلب وتوقف في نبض القلب فهل يتم إسعافه أو يترك؟ في كثير من المستشفيات في مختلف بلاد العالم لجان أخلاقية مكونة من الأطباء ورجال دين، ورجال بارزون في المجتمع ويوكل لهذه اللجان في كل مستشفى ليقرروا ما يفعلونه في كل حالة على حدة، لأن كل حالة تختلف عن الأخرى في تفاصيلها. وفي بعض المستشفيات يقرر الأطباء المسؤولون عن المريض ما إذا كانوا سيقومون بإجراءات الإسعاف والمعالجة إذا حدث توقف مفاجىء للقلب مثلًا. والأسئلة المطروحة هي: ١- هل من حق المريض العاقل البالغ أن يقرر كتابة أنه لا يريد إجراء نوع معين من التداوي فمثلًا بعد أن يعرف المريض حالته يكتب أو يقول أنه لا يريد أي تدخل طبي إذا توقف قلبه عن النبض ... إلخ؟ ويبدو أنه لا إشكال في هذه النقطة كما سبق تقريره. ٢- هل من حق ولي أمر المريض القاصر أو الفاقد الوعي أو المجنون أن يقرر ذلك بالنيابة عنه؟. ٣- هل من حق الأطباء أو لجنة منهم أو لجنة أخلاقية مكونة من الأطباء وغيرهم أن تقرر أن هذا المريض ميئوس من حالته وبالتالي لن يقوم الأطباء بإجراءات الإسعاف عند توقف قلبه عن النبض مثلًا؟ هذا مع العلم أن إنهاء حياة المريض الميئوس منه بصورة إيجابية أمر ترفضه الشريعة والقوانين ويعتبر من يجهز على المريض قاتلًا يستوجب القصاص. وقد جاء في المادة ٢١ من نظام مزاولة مهنة الطب في المملكة العربية السعودية ما يلي: (ولا يجوز بأي حال من الأحوال إنهاء حالة مريض ميئوس من شفائه طبيًا ولو كان بناء على طلبه أو طلب ذويه) . فهل هناك فرق بين ما يسمى قتل الرحمة الإيجابي (Positive Euthansia) وهو قتل فعلي للمريض الميئوس منه وبين قتل الرحمة السلبي (Passive Euthanasia) وهو ترك المريض بدون دواء لما يعرض له من حالات حتى ينتهي أجله؟! الدكتور محمد علي البار

стр. 11206

حكم التداوي في الإسلام إعداد الدكتور علي محمد يوسف المحمدي المدرس بقسم الفقه والأصول كلية الشريعة والدراسات الإسلامية جامعة قطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ لقد اهتم الإسلام بصحة المسلم اهتمامًا منقطع النظير، وظهر هذا الاهتمام في نواح شتى، فمثلًا: في الصلاة يبدأ بالطهارة التي يغسل فيها كل يوم خمس مرات الأعضاء التي تتعرض للأتربة والعرق، كما جعل من شروط صحتها نظافة الثوب والبدن والمكان فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) . وفي الصحيح ((الطهور شطر الإيمان)) (٢) . ولما كان الفم ممر العبور إلى البدن أوصى بنظافته فقال: ((السواك مطهرة للفم مرضاة للرب)) (٣) . وأوصى بإزالة ما يساعد على تراكم الأوساخ على الجسم فقال: ((خمس من الفطرة: الاستحداد والختان وقص الشارب ونتف الإبط وتقليم الأظافر)) (٤) . كما دعا إلى تقوية الأبدان بالرياضة والعمل، وحذر من الكسل وأنكر على من حرم على نفسه الاستفادة من الطيبات، سواء كان تدينًا أو شحًّا، فقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٥) . وفي مقابل ذلك حماه من الشره والإسراف في أنواع الملذات خوفًا من الإضرار بالبدن، فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٦) . كما نهى عن إرهاق البدن، ودعا إلى الاعتدال، وقال: ((أنا أعلمكم بالله وأتقاكم له، ولكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني)) (٧) . واعتنى بالرياضة، ومن صورها الصلاة التي تؤدى أركانها بأوضاع صحيحة تقي الجسم من المعصية الضارة بقوام الإنسان، إضافة إلى كونها عبادة خالصة لله تعالى. كما اعتنى الإسلام بالصحة النفسية، لأن الإنسان في الإسلام روح وجسد، وأن كليهما يؤثر في الآخر قوة وضعفًا، وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه القوة الروحية في قوله لعمار حينما كان يحمل حجرين عند بناء مسجده ﷺ قال له: ((إن عمارًا مليء إيمانًا من قرنه إلى قدمه)) (٨) . وبهذه القوة الروحية كان النبي ﷺ يواصل (٩) الصوم أيامًا عديدة (١٠) .

стр. 11207

وقال الحموي:.. وكان يديم التطبب في حالة صحته ومرضه، أما في صحته فباستعمال التدبير الحافظ لها من الرياضة، وقلة المتناول، وأكله الرطب بالقثاء والرطب بالبطيخ، ويقول: يدفع حر هذا برد هذا، وبرد هذا حر هذا، وإكحال عينيه بالإثمد كل ليلة عند النوم، وتأخير صلاة الظهر في زمن الحر القوي، ويقول: أبردوا بها وأما تداويه في حالة مرضه فثابت بما روي من ذلك في الأخبار الصحيحة، منها عن عروة عن عائشة قالت: (إن رسول الله ﷺ كثرت أسقامه، وكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم فيصفون له فنعالجه) (١) . ولكن مع هذه العناية بصحة البدن، والتي منها التداوي، لأن التداوي وسيلة من وسائل المحافظة عليه، إلا أن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة وسنعرض لبيان موقف الفقهاء من حكم التداوي مع عرض أدلتهم ومناقشتها قصدنا في ذلك الوصول إلى الحق، والوقوف في صف من يؤيده الدليل، وبما أن مسألة التداوي متشعبة فإني سأبذل قصارى جهدي في عرض جميع جوانبها مع تجنب الاختصار المخل والتطويل الممل. التعريف بالتداوي: رأيت أن من المناسب أن أذكر تعريف المصطلحات الطبية لنكون على علم بما يرد منها أثناء البحث. الطب: جاء في ((المحكم)) الطب: علاج الجسم والنفس، ورجل طب وطبيب، وقالوا: إن كنت ذا طب بكسر الطاء وطب وطب فطب وطب لعينك، وفي الصحاح وجمع القلة: أطبة، والكثير أطباء، تقول ما كنت طبيبًا ولقد طببت بالكسر، والمتطبب الذي يتعاطى علم الطب وفلان يستطب لوجعه أي يستوصف الدواء لما يصلح لدائه وفي ((المحكم)) : والطب والطبيب: الحاذق من الرجال، الماهر بعلمه (٢) . وقال ابن مفلح الطب بكسر الطاء في اللغة على معان: أحدهما: السحر والمطبوب المسحور. والثاني: الإصلاح، يقال: طببته إذا أصلحته، ويقال: له طب بالأمور أي لطف وسياسة. والثالث: الحذق، كل حاذق طبيب عند العرب، وأصل الطب الحذق بالأشياء والمهارة بها. الرابع: يقال: الطب لنفس الدواء. والخامس: العادة، يقال: ليس ذلك بطبي أي عادتي.

стр. 11208

والطب بفتح الطاء العالم بالأمور وكذلك الطبيب يقال له: طب (١) . والحاصل أن الطب بالكسر يقال بالاشتراك للمداوي وللتداوي وللداء أيضًا فهو من الأضداد وهو علم يعرف به أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح ويزول لتحفظ الصحة حاصلة وتسترد زائلة. وقال القسطلاني: الطب علاج الجسم والنفس والرفق والسحر، وبالكسر الشهوة والإرادة والشأن والعادة، وبالفتح الماهر الحاذق بعمله كالطبيب، والطبيب الحاذق في كل شيء، وخص بها المعالج في العرف. والطب نوعان: طب القلوب ومعالجتها بما جاء به النبي ﷺ عن الله تعالى. وطب الأبدان ومنه ما جاء عن الشارع ﷺ ومنه ما جاء عن غيره، وأكثره عن التجربة. وهو قسمان: ما لا يحتاج إلى نظر وفكر كدفع الجوع والعطش وما يحتاج إليهما كدفع ما يحدث في البدن مما يخرجه عن الاعتدال. المرض: خروج الجسم عن المجرى الطبيعي، والمرض يكون في البدن، وقد يطلق المرض على مرض القلب، إما للشبهة (في قلوبهم مرض) وإما للشهوة (فيطمع الذي في قلبه مرض) (٢) . اللدود: بفتح اللام الدواء الذي في أحد جانبي فم المريض وهما كديداه. وجمعه ألده، وقد لده به يلده لدًّا ولدودا بضم اللام ولده إياه (٣) . حكم التداوي: اختلف الفقهاء في حكم التداوي على عدة أقوال: القول الأول: لا يجوز التداوي وقال به غلاة الصوفية (٤) . وعللوا رأيهم: بأن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء، فالواجب على المؤمن أن يترك التداوي اعتصامًا بالله وتوكلًا عليه وثقة به، وانقطاعًا إليه، فإن الله قد علم أيام المرض وأيام الصحة فلو حرص الخلق على تقليل ذلك أو زيادته ما قدروا، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (٥) .

стр. 11209

فما دام كل شيء بقضاء وقدر فلا حاجة إلى التداوي (١) . ويمكن أن يستدل لهم بما روي من قوله ﷺ : ((من اكتوى أو استرقى فقد برىء من التوكل)) (٢) وبحديث المغيرة بن شعبة عن أبيه عن النبي ﷺ قال: ((لم يتوكل من أرقى واسترقى)) (٣) . كما استدلوا أيضًا بما روى ابن مسعود وغيره أن النبي ﷺ قال: ((إن الرقى والتمائم والتولة شرك)) (٤) وبحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما أبالي ما أتيت إن شربت ترياقًا تميمة أو قلت الشعر من قبل نفس)) (٥) . وقد أجاب العلماء عن هذه الأحاديث بعدة أجوبة منها أن هذا فيمن فعل معتمدًا عليه لا على الله أو لخطر الاكتواء، أو يحتمل أنه ﷺ قصد إلى نوع معين من الكي مكروه بدليل أن النبي ﷺ كوى أبيًّا يوم الأحزاب على أكحله لما رمي، أو يقصد به كى الصحيح لئلا يفعل، كما يرد على الصوفية بما سبق، وبقوله تعالى: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] فهو دليل على جواز التداوي بشرب الدواء، كما أن الأحاديث التي استدل بها القائلون بالتداوي صريحة في التداوي، وحجة على أصحاب هذا القول (٦) . القول الثاني: يباح التداوي وتركه أفضل، وهو المنصوص عن أحمد (٧) ، ونقل عنه أنه قال: أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي من شرب الدواء وغيره، وقد كانت تكون به علل فلا يخبر الطبيب بها إذا سأله. وفي رواية المروزي: العلاج رخصة وتركه درجة أعلى منه (٨) ، وبنحو هذا قال النووي (٩) . وعللوا رأيهم: بأن تركه تفضلًا واختيارًا لما اختار الله ورضي به وتسليمًا له.

стр. 11210

كما استدلوا بما روي عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: ((يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)) (١) ولحديث ابن عباس عن الجارية التي كانت تصرع، وسألت النبي ﷺ أن يدعو لها، فقال: ((إن أحببت أن تصبري ولك الجنة، وإن أحببت دعوت الله أن يشفيك)) ، فقالت: (بل أصبر، ولكني أنكشف، فادع الله لي أن لا أنكشف، فدعا لها أن لا تنكشف) (٢) . كما استدلوا بأن خَلقا من الصحابة والتابعين لم يكونوا يتداوون، بل فيهم من اختار المرض، كأبي بن كعب، وأبي ذر، ومع هذا فلم ينكر عليهم ترك التداوي (٣) . ورد بأن ترك هؤلاء يعود - كما قال أبو طالب المكي - إلى الخشية من أن يهجس في نفوسهم أن الشفاء والنفع من فعل الدواء وذلك من الشرك (٤) . القول الثالث: هو القول باستحباب التداوي وأن فعله أفضل من تركه وبه قال الشافعية وجمهور السلف وعامة الخلف، وقطع به ابن الجوزي وابن هبيرة وهو قول الحنفية والمالكية (٥)

стр. 11211

واحتج هؤلاء لرأيهم بما وقع في أحاديث كثيرة من ذكره ﷺ لمنافع الأدوية والأطعمة كالحبة السوداء والقسط والصبر وغير ذلك، وبأنه ﷺ تداوى، وبإخبار عائشة ﵂ بكثرة تداويه، وبما علم من الاستشفاء برقاه (١) ، والأحاديث الدالة على التداوي كثيرة منها: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء)) (٢) . صحيح مسلم: عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ((لكل داء دواء، فإذا أصيب دواءُ الداءِ برىء بإذن الله ) (٣) . وفي الحديث أن الصحابة قالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ قال: ((تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء، غير الهرم)) (٤) . القول الرابع: هو القول بأن التداوي مباح مطلقًا وبه قال جمهور العلماء ومنهم مالك حيث نقل عنه أنه قال: (لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه) (٥) . واستدلوا بما روي عن أسامة بن شريك قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: ((نعم يا عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدًا)) ، فقالوا: يا رسول الله ما هو؟ قال: ((الهرم)) (٦) . وقالوا: إن في هذا الحديث إثبات الطب والعلاج، وأن التداوي مباح غير مكروه قاله الخطابي، وقال العيني: (فيه إباحة التداوي وجواز الطب) (٧) . وقال القرطبي: دليل على جواز التعالج بشرب الدواء وغير ذلك خلافًا لمن كره ذلك من جلة العلماء، ثم أورد عدة أحاديث في الجواز.. ثم ذكر تداوي بعض الصحابة، ثم قال: وعلى إباحة التداوي والاسترقاء جمهور العلماء (٨) . ويمكن حمل النقول المخالفة لهذا على حالة الاختيار، والجواز على حالة الاضطرار فيتفق النقلان (٩) .

стр. 11212

القول الخامس: هو القول بالوجوب حيث ذهبت طائفة من أصحاب الشافعي وبعض الحنابلة إلى أنه واجب. وزاد بعضهم: إن ظن نفعه (١) ، وبنحو هذا قال الحنفية: إن كان السبب المزيل للمرض مقطوعًا به كالماء المزيل لضرر العطش والخبز المزيل لضرر الجوع، فتركه حرام عند خوف الموت (٢) . روى الخلال في كتاب الطب بإسناده عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: (إن رسول الله ﷺ كثرت أسقامه، فكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم فيصفون له فنعالجه) (٣) . ولحديث أنس ﵁: (إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا) (٤) . الخلاصة والترجيح: وبعد عرض تلك الأدلة يتبين لنا رجحان قول القائلين بوجوب التداوي أو على الأقل باستحبابه لورود الأمر بذلك وأقل مراتب الأمر الاستحباب. ولا يمكن الأخذ بما ذهب إليه أصحاب القول الأول من القول بعدم جواز التداوي لأنه يخالف ما ورد عنه ﷺ من عموم الأمر بالتداوي، وترغيبه في ذلك في مواضع كثيرة، وأن الأخذ بالتداوي هو من باب الأخذ بالأسباب وحصول الشفاء بالدواء كدفع الجوع بالأكل وكدفع العطش بالشرب، وأن التداوي لا ينافي التوكل على الله تعالى لأن المسلم حين يتناول الدواء فإنه يعتقد بقلبه أن الشفاء لا يكون إلا بإذن الله تعالى وبتقديره، وإن الأدوية لا تنفع بذاتها بل بما قدره الله تعالى فيها، وإلا فكم من مريض انقلب دواؤه داء؟. كما أنه يمكن حمل النهي على سبيل الاحتياط والتنزيه أو عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء. ومما يشهد لعدم تنافي التداوي مع الإيمان بالقدر ما روى أبو خزامة عن أبيه قال: (سألت رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله ﷺ أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئًا؟ قال: هي من قدر الله) (٥) . فالحديث صريح في إثبات الأسباب والمسببات، ورد على المتعللين بمخالفته للتوكل لأن المؤمن ينطلق من معتقد أن المرض والشفاء بقدر الله تعالى وأن من أسباب الشفاء هو الأخذ بالتداوي.

стр. 11213

وقد يكون مرد القائلين بأولوية ترك التداوي إلى ما عهدوه في عصرهم حيث كان التداوي بالوسائل البدائية والطرق التقليدية التي لم تصل إلى مستوى يثق به الناس، بل أغلبها كانت ظنية، لذا جاء التردد عنهم في الأخذ بها وكذا ما ورد عن بعض السلف في تركه التداوي يعود إلى ظنه أنه وصل إلى مرحلة لا تجدي معها الأدوية (١) ، أو لعلمه أن هذا المرض لم يصل فيه الطب بعد إلى دواء ناجح، أو تحمل أقوالهم على أنها قيلت كرد على من اعتقد الشفاء في الأدوية وعلق قلبه بها، وتناسى الشافي الحقيقي وهو الله فجاءت أقوالهم تذكيرًا لأمثال هؤلاء أو قد يكون هذا التارك للتداوي متألمًا لذنوبه أكثر من تألم بدنه بالمرض. وها هو الرسول ﷺ في كمال التوكل على الله، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، فقد ظاهر بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وخندق حول المدينة.. وتعاطى أسباب الأكل والشرب وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو أحق الخلق أن يحصل له ذلك. فبين بسنته القولية والفعلية أن الاحتراز لا يدفع التوكل. ونجد الأمر بالتداوي والمحافظة على الدين واضحًا في قوله ﷺ تداووا لما فيه من الأخذ بالأسباب واقتداء به ﷺ ويتأكد الأمر أكثر في حق من يقومون على مصالح العباد. ولذا قال المباركفوري بعد إيراده الحديث (تداووا) فيه إثبات الطب والعلاج وأن التداوي مباح غير مكروه كما ذهب إليه بعض الناس، ونقل عن العيني قوله: فيه إباحة التداوي وجواز الطب وهو رد (٢) على الصوفية: أن الولاية لا تتم إلا إذا رضي بجميع ما نزل به من البلاء ولا يجوز له مداواته، وهو خلاف ما أباحه الشارع، إذ إنه لم يخلق داء إلا وضع له شفاء أو دواء، وإنزال الدواء أمارة جواز التداوي، وفي حديث زيد بن أرقم قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري والزيت (٣) .

стр. 11214

ولله در النووي حينما رجح القول بالتداوي وأنه قول جمهور السلف قال: (وحجة العلماء هذه الأحاديث ويعتقدون أن الله تعالى هو الفاعل، وأن التداوي هو أيضًا من قدر الله، وهذا كالأمر بالدعاء، وكالأمر بقتال الكفار، وبالتحصن ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة، مع أن الأجل لا يتغير والمقادير لا تتأخر ولا تتقدم عن أوقاتها ولا بد من وقوع المقدرات) (١) . ولما سئلت عائشة ﵂ عن علمها بالطب قالت: (إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره فكانت تقدم إليه وفود العرب من كل وجه فينعت لهم الإنعات، فكنت أعالجه) (٢) . وقد ثبت أنه ﷺ ((كان يديم التطبيب في حال صحته ومرضه، وأمر بالمداواة في عدة أحاديث صحيحة كما أمر أبي بن كعب أن يأتي الطبيب فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه)) (٣) . وكان يراعي صفات الأطعمة وطبائعها، ويراعي استعمالها على قاعدة الطب. وبلغ من اهتمامه بهذا الأمر أن منع ﷺ من ليس أهلًا لهذا العمل من التطبيب وجعله ضامنًا لما يحدث من ضرر بالمريض (٤) . وقد فهم الصحابة أن ضمان النفس مطلوبة ولذا امتنع عمرو بن العاص من الاغتسال بالماء البارد حين أجنب خوفًا على نفسه منه وتيمم ولما أخبر الرسول ﷺ قرر قوله (٥) . ثم أورد ابن القيم جملة من الأحاديث الصحيحة وقال: في هذه الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والبرد بأضدادها، بل لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يقدح في نفس المتوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا، ولا توكله عجزًا (٦) .

стр. 11215

وأرى أن التداوي يدخل في جملة ما أمر به المسلم من الحفاظ على بدنه، حيث أبيحت له الميتة وهي حرام - في سبيل الإبقاء على حياته حتى قال الفقهاء: إن الأكل منها واجب فمن اضطر إلى الميتة ولم يأكل حتى مات دخل النار، وهذا وإن لم ينطبق على جميع الأدوية إذ لا يعلم حصول الشفاء بها، ولكن ما ثبت بالعلم والتجربة لا يجوز للمسلم أن يمتنع عن التداوي به وإلا ارتكب ظلمًا في حق نفسه بمنعها من الشفاء وعرضها فريسة للأمراض. ولا أوافق رأي الحنفية القائلين بأنه لو امتنع فمات لا يأثم لأنه مظنون (١) . لأن الدواء إذا تيقن طريقًا للعلاج تعين عليه حفظ صحته به، وقد يكون قولهم هذا مبنيًّا على ما كان عليه الطب في عصرهم حيث أن أغلب الأدوية كانت بدائية وكثيرًا منها كان وصفات متوارثة لا تعطي نتيجة فعالة في أغلب الأحيان وعلى هذا فلا أوافق ابن تيمية فيما ذهب إليه من أن (قول الأطباء: أنه لا يبرأ من هذا المرض إلا بهذا الدواء المعين. فهذا قول جاهل، لا يقوله من يعلم الطب أصلًا، فضلًا عمن يعرف الله ورسوله، فإن الشفاء ليس في سبب معين يوجبه في العادة كما للشبع سبب معين يوجبه في العادة، إذ من الناس من يشفيه الله بلا دواء) (٢) . بل أقول: إن كلامه مبني على ما كان عليه الطب في عصره، وفي قائمة الأدوية ما يقطع بكونها دواء لبعض الأمراض نتيجة التجربة والخبرة الطويلة، حتى أصبحت هذه الأدوية في حكم المقطوع بها والذي لا يعتبر تركه من التوكل، بل تركه حرام عند خوف الموت كما ذهب إليه كثير من الحنفية (٣) والشافعية (٤) ، ولذا أرجح ما ذهب إليه أصحاب القول الرابع وهم بعض الشافعية والحنفية لما ذكرت وأن المسلم في كل أحواله يعتقد أن الله تعالى هو الفاعل وأن التداوي أيضًا من قدر الله تعالى ولن يكون في ملكه إلا ما يريد. ولذا قال بعضهم: ولا ينقص التداوي توكل العبد، لأن النبي ﷺ أمر به وأخبر عن حكمة الله تعالى فيه، فقال ﷺ : ((ما من داء إلا وله دواء عرفه من عرفه، وجهله من جهله إلا السام يعني الموت)) . وقال ﷺ : تداووا عباد الله.. وكان يحتجم ويشرب الدواء، وربما كان المتداوي فاضلًا لمعنيين أحدهما: أن ينوي اتباع السنة والأخذ برخصة الله وقبول ما جاءت به الحنيفية السمحة، وقد أمر الرسول ﷺ غير واحد من الصحابة بالتداوي والحمية.. وهو أعلى المتوكلين..

стр. 11216

فإن قيل: إنما تداوى لغيره وليسن ذلك، قلنا: فلا نرغب عن سنته ولا نزهد في بغيته إذا كان فعل ذلك لنا لئلا يكون فعلًا لغوًا، وتكون الرغبة عن سنته إلى توهم حقيقة التوكل طعنًا في الشرع.. والمعنى الثاني الذي يفضل به المتداوي، أنه يحب سرعة البرء للطاعة، لأن العلل قاطعة عن التصرف في العمل ومشغلة للنفس، عن الشغل بالآخرة (١) . وسأذكر عند الكلام على طرق العلاج المختلفة عشرات الأحاديث التي تحث على التداوي وتدلنا على طرق العلاج المختلفة التي اتبعها الرسول ﷺ مع أصحابه ومن ذلك أنشئت المستشفيات في حواضر العالم الإسلامي وجعلوا فيها مئات الأطباء ووقفوا الأموال الكثيرة على الأبحاث الطبية. وقال بعضهم: الطب علم نظري وعملي، أباحت الشريعة تعلمه لما فيه من حفظ الصحة ودفع العلل والأمراض عن هذه البنية الشريفة (٢) . وكأني بابن تيمية يقف حكمًا بين أصحاب الأقوال المختلفة حين حقق القول من أن التداوي منه ما هو محرم، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو واجب، وهو ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره (٣) . حكم الاختلاف في الجنس أو العقيدة بين المريض والطبيب: والحديث عن هذا الموضوع يتناول: أولًا: عن حكم تطبيب الرجل للمرأة والعكس. ثانيًا: حكم تطبيب غير المسلم للمسلم والعكس وهذا ما أعني به الاختلاف في العقيدة، وسأبدأ حديثي بالكلام على النوع الأول وهو: حكم تطبيب المرأة للرجل: رغم أن الإسلام فتح المجال أمام المرأة للتعليم وسهل لها طرق الوصول إليه بدءًا من ارتياد المساجد للصلاة وسماع القرآن ومجالس العلم، ضمن الحدود الشرعية التي تشترط سلامة الوسيلة والغاية، إلا أن المتقنات لعلم الطب وأصوله كن قلة ولعل سبب ذلك يعود إلى اندراج مهنة الطب في فروض الكفاية لذا اكتفوا بذلك العدد القليل الذي قام بها من النساء كما أن لمكانة المرأة في الإسلام دورًا كبيرًا في انصرافها عن هذه المهنة. وذلك لشرف القرار في المنزل وعدم العمل ودلالة على دلال الزوج وإعزاز المزوج لها.

стр. 11217

فهذا الوضع الاجتماعي لم يكن يسمح لها أن تعرض نفسها إلى الصعوبات الموجودة في طلب العلم، كما أن تعلم المرأة لمثل هذه العلوم المختصة كان يتم عن طريق أحد ذويها أو على يد معلم خاص، وكلا هذين الأمرين لا يتيسران للجمهرة العظمى من النساء (١) ، ومع ذلك فقد برع في صناعة الطب عدد من النساء حفظ لنا التاريخ بعضهن ووجد في عصر النبوة طبيبات مسلمات، فقد كانت عائشة على علم بالطب، كما روى لنا عروة أنه كان يقول لعائشة ﵂ يا أمتاه لا أعجب من فقهك، أقول: (زوجة رسول الله ﷺ وابنة أبي بكر ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس، أقول:ابنة أبى بكر وكان من أعلم الناس، ولكن أعجب من علمك بالطب، قالت: أي عرية إن رسول الله ﷺ كان يسقم عند آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات، فكنت أعالجه، فمن ثم) (٢) . كما عرفت بالطب رفيدة الأسلمية التي كانت تداوي الجرحى، وهي التي داوت جرح سعد بن معاذ حين أصيب في أكحله (٣) ، ومن الطبيبات أيضًا الربيع بنت معوذ الأنصارية الصحابية، كانت تداوي الجرحى، وكذلك أم سنان وغيرهن كثيرات (٤) ، واستمر إسهام الطبيبات المسلمات عبر عصور الحضارة الإسلامية (٥) إلى اليوم. وأما فيما يتعلق بالأحكام الفقهية من حيث مداواة المرأة للرجل، فقد ذهبوا في الجملة إلى الجواز في ظل قاعدة ((الضرورات تبيح المحظورات)) مع اشتراط بعض القيود، كالأصل عدم جواز التداوي إلا بين المحارم، لما يترتب عليه من النظر المحرم أو الخلوة المحرمة بالأجنبية والأجنبي، لذا نص بعضهم على ذلك بقوله: (وإن لم يوجد من يطبه سوى امرأة فلها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره حتى فرجيه ... ) (٦) . ويمكن أن يستدل لهؤلاء القائلين بجواز تطبيب المرأة للرجل بحديث الربيع بنت معوذ قالت: (كنا مع النبي ﷺ نسقي ونداوي الجرحى، ونرد القتلي) (٧) ، وقد بوب عليه البخاري بقوله: باب مداواة النساء الجرحى في الغزو، ثم قال: وفيه جواز معالجة المرأة الأجنبية الرجل الأجنبي للضرورة (٨) . ويستدل لجواز مداواة المرأة للمحرم بما صح من مداواة فاطمة ﵍ للنبي ﷺ حين أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم (٩) .

стр. 11218

كما يستدل لهم بما روي من حديث عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان ينفث على نفسه في مرضه الذي قبض فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنا أنفث عليه بهن) (١) ، وقد بوب عليه البخاري بقوله: باب المرأة ترقي الرجل. وكذلك بما تقدم عن رفيدة الأسلمية وأنها كانت تداوي الجرحى وتحتسب بنفسها على خدمة من كان به ضيعة من المسلمين (٢) . ومن هؤلاء المجيزين من خص ذلك بذوات المحارم، ثم بالمتجالات (٣) منهن، معللًا بأن موضع الجرح لا يلتذ بلمسه، بل يقشعر منه الجلد، كما أضافوا أن تكون المداواة عند الضرورة بغير مس ولا مباشرة مستدلًا على ذلك بما اتفق عليه الفقهاء من أن المرأة إذا ماتت ولم توجد امرأة تغسلها، أن الرجل لا يباشر غسلها بالمس، بل يغسلها من وراء حائل في قول بعضهم، وفي قول الأكثر منهم (٤) . ومنهم من لم يشترط تلك الشروط، ورد عليهم بأن هناك فرقًا بين حال المداواة وتغسيل الميت، وهو أن الغسل عبادة، والمداواة ضرورة والضرورات تبيح المحظورات قاله ابن المنير (٥) . وذكر التلمساني في باب الرقي ما يدل على اشتغال النساء بمداواة الرجال (٦) . (أ) مداواة المرأة للمرأة: هناك أحاديث تدل على جواز مداواة المرأة للمرأة فمن ذلك ما رواه أبو داود عن الشفاء بنت عبد الله، قالت: دخل علي النبي ﷺ وأنا عند حفصة ﵂، فقال: (ألا تعلمين حفصة رقية النملة، كما علمتها الكتابة) (٧) . وفي الصحيحين أن أسماء كانت إذا أتيت بالمرأة قد حمت تدعو لها، أخذت الماء فصبت بينها وبين جيبها، وقالت: (كان رسول ﷺ يأمرنا أن نبردها بالماء) (٨) .

стр. 11219

(ب) مداواة الرجل للمرأة: وكذلك أجاز العلماء مداواة الرجل للمرأة وقد بوب عليه البخاري بقوله: باب هل يداوي الرجل المرأة، والمرأة الرجل (١) . ويستدل لهم بالقياس على ما سبق من حديث الربيع بنت معوذ، وإن النساء كن يداوين الجرحى ... فيؤخذ من هذا الحديث حكم مداواة الرجل المرأة منه بالقياس كما قال البخاري (٢) . وفي صحيح مسلم أن أم سلمة استأذنت رسول الله ﷺ في الحجامة فأمر النبي ﷺ أبا طيبة أن يحجمها (٣) . ومن هؤلاء من قال بجواز مداواة الأجانب عند الضرورة، وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد (٤) . وقال في الفتح (٥) : يجوز كشف العورة للمداواة، وقال ابن مفلح: فإن مرضت امرأة ولم يوجد من يطبها غير رجل جاز له منها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره حتى الفرجين، وكذا الرجل مع الرجل، وسئل أحمد عن وضع المجبر يده على يد المرأة للعلاج، قال: هذه ضرورة، ولم ير به بأسًا، وسئل عن الكحال يخلو بالمرأة، فقال: أليس هو على ظهر الطريق؟ قيل: نعم، قال: إنما الخلوة تكون في البيوت (٦) . وذكر الشوكاني في أبواب ستر العورة ما يفيد استثناء الطبيب من حرمة النظر (٧) . وكذا الزيدية أجازوا للطبيب النظر إلى موضع المعالجة من بدنها في أي موضع كان بشرط أن لا توجد امرأة تعالجها وأن يخشى عليها التلف أو الضرر، وأن يأمن الوقوع في المحظور (٨) ، وقال في البحر الزخار (٩) : (وللطبيب نظر ما يحرم نظره في المداواة للضرورة إجماعًا فلا يتعداه، فإن وجد الجنس والمحرم، حرم غيره) وبنحو ذلك قال الحنفية (١٠) والمالكية (١١) ، وأضافت الشافعية (١٢) ، أن يكون التداوي بحضور محرم أو زوج، وأن لا توجد امرأة تعالج المرأة، وأن لا يكون ذميًّا مع وجود مسلم. ونخلص مما سبق أن الفقهاء قالوا بجواز نظر الطبيب إلى الأجنبية بقصد العلاج لما سبق من حديث أم سلمة وبشروط معينة، مثل الاقتصار في الكشف على قدر الحاجة، وأن لا توجد طبيبة تعالجها، وأن تتم المعالجة بوجود محرم أو امرأة ثقة، وأن لا يكون الطبيب ذميًّا مع وجود مسلم وأن يكون ثقة مأمونًا (١٣) .

стр. 11220

ثانيًا - الطبيب غير المسلم: للعلماء في الاستعانة بالأطباء غير المسلمين رأيان: الرأي الأول: ذهب أتباع هذا الرأي إلى القول بجواز أن يستطب أهل الذمة فيما لا يتعلق بالدين. وهو قول الحنفية (١) ، والشافعية (٢) والحنابلة (٣) في رواية عندهم. واستدلوا لرأيهم بأن ذلك نوع من الانتفاع بآثار الكفار والمنافقين في أمور الدنيا، وأن هذا جائز، كما يجوز السكنى في ديارهم، ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض، كما عامل النبي ﷺ يهود خبير، وكما استأجر النبي ﷺ هاديًا خريتًا وأتمنه على نفسه وماله، كما أن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ (٤) . ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال، وجاز أن يستطب المسلم الكافر إذا كان ثقة، نص على ذلك أحمد وغيره، إذ ذلك من قبول خبرهم فيما يعلمونه من أمر الدينا، وائتمان لهم على ذلك وهو جائز، ولأن كتبهم الطبية لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة بل هي مجرد انتفاع بآثارهم (٥) . وقد روي أن الحارث بن كلدة وكان كافرًا أمرهم رسول الله ﷺ أن يستطبوه (٦) . وقد أيد ابن القيم اتجاه أصحاب الرأي الأول فقال بعد أن ذكر قصة استئجار النبي ﷺ عبد الله بن أريقط هاديًا وقت الهجرة وهو كافر، دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والكحل والأدوية والكتابة، والحساب والعيوب ونحوها، ولا يلزم من مجرد كونه كافرًا أن لا يوثق به في شيء أصلًا، فإنه لا شيء أخطر من الدلالة في الطريق ولا سيما مثل طريق الهجرة (٧) . واستدل أبو الخطاب من قصة صلح الحديبية وبعث النبي ﷺ عينًا له من خزاعة وقبول خبره، أن فيه دليلًا على جواز قول المتطبب فيما يخبر به عن صفة العلة، ووجه العلاج إذا كان غير متهم فيما يصفه، وكان غير مظنون به الريبة (٨) .

стр. 11221

وروى أبو داود في سننه أن امرأة ابن مسعود كانت تختلف إلى طبيب يهودي فيرقيها من ألم في عينها (١) ، ولذا ذهب الحنابلة في وجه إلى القول بجواز أن تستطب المسلمة ذمية إن لم تجد غيرها (٢) . والحنفية أجازوا للمريض أن يستطب بالكافر فيما عدا إبطال العبادة، وسئل الشافعي أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم، إذا رقوا بما يعرف من ذكر الله، وفي الموطأ أن أبا بكر قال لليهودية التي ترقي عائشة: ارقيها بكتاب الله (٣) . الرأي الثاني: القول بالكراهة وهو مروي عن أحمد فقد روي عنه أنه كره شرب دواء المشرك، وقال المروزي: كان يأمرني أن لا أشتري ما يصف له النصارى ولا يشرب من أدويتهم. وقد علل هؤلاء لرأيهم بأنه لا يؤمن أن يخلطوا بذلك شيئًا من النجاسات (٤) . وبالتأمل لا نجد فرقًا بين الرأيين إذ يحمل قول القائلين بالكراهة عند عدم الضرورة إلى الاستعانة بهم، وعدم الائتمان، أما عند الحاجة وثقة الناس في طبه فلا وجه للقول بالكراهة، ولذا قال الشيخ تقي الدين: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب، ثقة عند الإنسان، جاز له أن يستطب ثم ساق الأدلة السالفة الذكر من استعانة النبي ﷺ بالمشركين، كما بين أن استطبابه ليس من باب ولاية اليهود والنصارى المنهي عنهما (٥) .

стр. 11222

التداوي والتوكل: يرى البعض أن التداوي ينافي التوكل على الله تعالى فيرد عليه بأت التداوي لا يناقض التوكل لأن النبي ﷺ تداوى وأمر به غير واحد من أصحابه. وأخبر عن حكمة الله تعالى فيه فقال: "ما من داء إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام" يعني الموت (١) . وقال: ((ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء)) (٢) . وقال ﷺ : "تداووا عباد الله" وسئل عن الدواء والرقي هل يرد من قدر الله؟ فقال: "هو من قدر الله" (٣) . والتداوي رخصة وسعة وتركه ضيق وعزيمة والله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. وقد يؤجر المتداوي في ذلك إن نوى به اتباع السنة والأخذ برخصة الله وطلبًا لسرعة البدء للتفرغ لطاعة ربه سبحانه لأن العلل مشغلة للنفس عن الشغل بالآخرة. لأنه علم من سنته ﷺ أنه أمر أصحابه بالتداوي والحمية، وقطع لبعضهم عرقًا وكوى آخر وقال لعلي ﵁ وكان رمد العين: "لا تأكل من هذا- يعني الرطب- وكل من هذا فإنه أوفق لك" (٤) . يعني سلقًا قد طبخ بدقيق أو شعير، وقد تداوى رسول الله ﷺ في غير حديث من العقرب، وكان يغلف رأسه بالحناء (٥) من الصداع، وهو أعلى المتوكلين وليس من شرط التوكل ترك التداوي، بل هو كصب الماء على النار لإطفائها ودفع ضررها عند وقوعها في البيت، وليس من التوكل الخروج عن سنة الوكيل أصلًا.. وما روي في تداويه وأمره بذلك كثير خارج عن الحصر. ويتبين من ذلك أن الله تعالى أجرى سنته بربط المسببات بالأسباب إظهارًا للحكمة، والأدوية أسباب مسخرة بحكم الله تعالى كسائر الأسباب ... وعلم السلف ذلك حتى الذين تداووا منهم لا ينحصرون.

стр. 11223

لكن يشكل على هذا ما ورد من أن جماعة من العلماء تركوا التداوي مما يظن أن التداوي نقصان في الدين، ومن هؤلاء الذين تركوا التداوي جماعة من الصحابة والسلف وغيرهم، فقد روي عن الصديق أنه قيل له: لو دعونا لك طبيبًا؟ فقال: الطبيب قد نظر إليَّ وقال: إني فعال لما أريد، وقيل لأبي الدرداء أندعو لك طبيبًا؟ قال: الطبيب أمرضني، ونحو ذلك عن أبي ذر وابن خيثم.. وكذلك أحمد ابن حنبل كان به علل فلا يخبر الطبيب وكان يقول: أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي من شرب الدواء وغيره (١) . ووجه الجمع بين ما سبق من فعل النبي ﷺ من التداوي والأمر به، وبين أفعال هؤلاء يكون بمعرفة الصوارف عن التداوي. وقد حصر الغزالي أسباب تركهم للتداوي في ستة أسباب نوجزها فيما يلي: السبب الأول: أن يكون المريض قد علم بنهاية أجله إما بمكاشفة أو برؤيا صادقة وتارة بحدس وظن ويشبه أن يكون ترك الصديق (٢) . التداوي من هذا السبب فإنه كان من المكاشفين فإنه قال لعائشة ﵂ في أمر الميراث: إنما هن أختاك، وإنما كان لها أخت واحدة، ولكن كانت امرأته حاملًا فولدت أنثى، فعلم أنه كان قد كوشف بأنها حامل بأنثى فلا يبعد أن يكون قد كوشف أيضًا بانتهاء أجله وأن الدواء لا ينفعه وإلا فلا يظن به إنكار التداوي وقد شاهد رسول الله ﷺ تداوى وأمر به. السبب الثاني: أن يكون المريض مشغولًا بحاله وبخوف عاقبته فينسيه ألم المرض، وعليه يحمل كلام أبي ذر إذ قال: إني عنهما مشغول، وكلام أبي الدرداء. السبب الثالث: أن تكون العلة مزمنة والدواء الموصوف موهوم النفع جار مجرى الكي والرقية، فيتركها المتوكل لعدم الوثوق بالدواء، وأكثر من ترك التداوي من العباد والزهاد هذا مستندهم. السبب الرابع: أن يترك التداوي استبقاء للمرض لينال ثوابه بحسن الصبر على البلاء، أو ليجرب نفسه في القدرة على الصبر، وقد ورد في ثواب المرض أحاديث كثيرة. السبب الخامس: أن يكون العبد قد سبق له ذنوب وهو خائف منها عاجز عن تكفيرها فيرى المرض إذا طال تكفيرًا، فيترك التداوي خوفًا من أن يسرع زوال المرض.

стр. 11224

السبب السادس: أن يستشعر العبد في نفسه مبادي البطر والطغيان بطول مدة الصحة، فيترك التداوي خوفًا من أن يعاجله زوال المرض فتعاوده الغفلة والبطر والطغيان والتسويف في تدارك الفائت وتأخير الخيرات. فلما أن كثرت فوائد المرض رأى جماعة ترك الحيلة في زوالها، إذ رأوا لأنفسهم مزيدًا فيها، لا من حيث رأوا التداوي نقصانًا، وكيف يكون نقصانًا وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ (١) . والحاصل أن التداوي لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وبتقديره وأنها لا تنجع بذواتها بل بما قدره الله تعالى فيها، والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب ... (٢) بل لا يتم حقيقة التوحيد - كما قال القيم - إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفها من حيث يظن معطلها: أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته: اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا (٣) . ومما يدل على أن التداوي غير مناقض للتوكل - كما قال الغزالي - فعل الرسول ﷺ وقوله وأمره به ... ولأن القائلين باستحباب التداوي أوجبوا على المتعالج (أن يعتقد أن الله تعالى هو الفاعل، وأن التداوي أيضًا من قدر الله تعالى، وهذا كالأمر بالدعاء وكالأمر بقتال الكفار وبالتحصين ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة مع أن الأجل لا يتغير والمقادير لا تتقدم ولا تتأخر عن أوقاتها ولا بد من وقوع المقدرات) (٤) .

стр. 11225

والحاصل أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا، أمر مأمور به شرعًا لا ينافي التوكل على الله بحال، لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالًا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف، ومن ذلك قصة إبراهيم ﵇ ومحاولة حرقه بالنار وكيف تحولت إلى برد وسلام، فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير حقيقة إنما هو بمشيئة خالق السماوات والأرض، وأنه بسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا. وفي القرآن الكريم نصوص كثيرة تدل على أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله تعالى، كما في قوله تعالى عن يعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧] . حيث أمر بنيه بتعاطي السبب خوفًا عليهم من أذى الناس لهم، ومع هذا التسبب قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧] . فقد جمع بين التسبب ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧] وبين التوكل على الله ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ . [يوسف: ٦٧] . وفي قصة مريم ﵍ (أمرها بهز الجذع مع أنه تعالى قادر على إسقاط الرطب إليها، لكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع) (١) . وقد حسم الطبري مسألة التوكل والتداوي بقوله: (والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعًا لسنته وسنة رسول الله ﷺ ، فقد ظاهر في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال الذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: اعقلها وتوكل، فأشار إلى أن الاحتزاز لا يدفع التوكل) (٢) .

стр. 11226

هل يكره المريض على التطبيب؟ إن هذه المسألة - كما لا يخفى - متفرعة من الاختلاف السابق بين الفقهاء في حكم التداوي، وذلك لأن من قال بحرمة التداوي، لا شك أنه يقول بعدم جواز إكراه المريض على التطبيب، ومن قال بوجوب التداوي، فحينئذٍ لا يحتاج إلى الإذن، إذ أن عدم تداويه يكون محرمًا، وحينئذٍ يجب أن يعان على أداء الواجب، ومن هنا يأتي هذا السؤال على ضوء بقية المذاهب الأخرى. ونرى من نصوص الفقهاء من يقول بعدم إكراه المريض على التداوي والتطبيب حيث يقولون: إن الأصل هو إذن المريض، ولذلك لا بد أن يكون التداوي بإذنه وأنه لا يكره على الدواء وغيره (فلو امتنع حتى مات لم يأثم) (١) . وهذا القول نابع من أن التداوي مباح أو مستحب، ولذلك لا يأثم على ترك المباح أو المستحب كما هو معروف في الأصول. ويمكن أن يستدل لهؤلاء بما رواه البخاري ومسلم بسندهما عن عائشة ﵂ لددناه في مرضه، فجعل يشير إلينا: لا تلدوني فقلنا: كراهية المريض للدواء. فلما أفاق، قال: (ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: لا يبقى في البيت أحد إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم) (٢) . ويمكن أن يجاب عن هذا الحديث بأنه لا يدل على المطلوب، حيث يقول الحافظ ابن حجر (٣) : (لكن اللدود كان نهى عنه، ولذلك عاتب عليه، بخلاف الصب، فإن كان أمر به فلم ينكر عليهم، فيؤخذ منه أن المريض إذا كان عارفًا لا يكره على تناول شيء نهى عنه، ولا يمنع من شيء يأمر به) (٤) . وقال القسطلاني: (وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه، لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب، فداووه بما يلائمها ولم يكن به ذلك) . وذهب آخرون إلى أن الدواء المقطوع به محرم عند خوف الموت (٥) بناء على أنه بمثابة الانتحار المحرم الذي يمنع منه المسلم، بالإضافة إلى أنه إلقاء النفس في التهلكة دون تحقيق غرض منشود شرعًا: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وبناء على هذا القول لا عبرة بإذن المريض.

стр. 11227

والذي يظهر لنا رجحانه هو القول بأن الإذن هو الأصل في التداوي ما دام المريض لم يصل إلى حالة الخطورة القصوى، أما إذا بلغ ذلك فلا عبرة بإذنه عملًا بقاعدة ((الضرورات تبيح المحظورات)) وكذلك تدل نصوص الشرع ومقاصده على حماية النفس والبدن من المهالك، وأن الإنسان لا يملك نفسه. وكذلك لا عبرة بإذن المريض في حالات كون مرضه معديًا خطيرًا ينتشر، ويعدي الغير، فحينئذٍ يجبر على التداوي حماية للمصلحة العامة والمجتمع الإسلامي ودفعًا للضرر، وحسمًا لمادة الأذى والضر، وكذلك في حالات الإدمان على المخدرات إذ تستوجب إنقاذه. هل وصفات الرسول ﷺ لازمة ومخالفتها مخالفة للسنة: هذه المسألة فرع عن مسألة اختلف الفقهاء فيها قديمًا، وهي: هل السنة كلها تشريعية أم لا؟ وقد اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: وهو قول من يرى أن من السنة ما ليس تشريعًا، وقد انتصر لهذا القول جمع من العلماء منهم ابن القيم حيث بين أن كثيرًا من تلك الأحاديث الواردة في الطب مخصوصة بظرف معين أو مكان مخصوص، بل ربما صدرت عنه بمحض رأيه وتجربته البشرية (١) . والقول الثاني: وهو قول من يرى أن السنة كلها تشريعية، إذ الحديث وحي غير متلو: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) . ولقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٣) . وهي السنة كما قال الشافعي، وقد انتصر لهذا الرأي صديقنا العلامة الدكتور القره داغي، وأطال النفس في الرد على المخالفين، يجمل بمن أراد الاستفادة الرجوع إليه (٤) .

стр. 11228

أنواع التداوي إن الإسلام حافظ على صحة الإنسان من طريقتين: أحدهما: الحمية، وذلك بتجنب الإنسان ما يضر بصحته، وتتبع قواعد الصحة عملًا بالحكمة القائلة: درهم وقاية خير من قنطار علاج، هذه الوقاية التي وردت في السنة بأشكال شتى، منها كما في قوله ﷺ : ((لا يوردن ممرض على مصح)) (١) . ومنها على شكل تحذير من مخالطة أصحاب الأمراض المعدية كما عبر عنه ﷺ بقوله: (( ... وفر من المجذوم فرارك من الأسد)) (٢) . ومنها ما يعمل على حصر المرض في موضعه والمنع من انتشاره بشكل جماعي، والذي إليه الإشارة في قوله ﷺ : ((فإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها وإذا سمعتم به في أرض فلا تأتوها)) (٣) . وثانيهما: أنه إذا ما قدر للإنسان أن تعتل صحته بعد تلك الاحتياجات فإنه يلجأ إلى التداوي لحماية النفس من المرض وتقصير طرقه وإعادة البدن إلى وضعه الطبيعي وذلك عن طريق التداوي، وهذا المرض الذي يصيب الإنسان نوعان (٤) . النوع الأول: مرض القلوب، وهو قسمان: مرض شبهة وشك وهو الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٥) . أما القسم الثاني منه فهو: مرض الشهوات وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (٦) . وعلاج هذا المرض بنوعيه موكل إلى الرسل، لأن صلاح القلوب يتوقف على ربطها بخالقها لتتوفر لها أركان الإيمان، وما يتبع ذلك من اتباع الأوامر واجتناب مساخطه ولا صحة ولا حياة البتة إلا بذلك، فالمسلم يأخذ علاج هذا النوع بالرجوع إلى صيدلية الإيمان وهو القرآن الذي جعله الله شفاء لما في الصدور. فإن اتصال القلب بخالق الداء والدواء من أكبر الأدوية على دفع الداء وقهره (٧) .

стр. 11229

وأما النوع الثاني: من الأمراض فهو: مرض الأبدان وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (١) . وأما طب الأبدان فنوعان: الأول: نوع فطر عليه الإنسان والحيوان، فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب كطب الجوع والعطش والبرد والتعب بأضدادها وما يزيلها. الثاني: ما يحتاج إلى فكر وتأمل واستدعاء أهل الاختصاص لمعالجته ومن يتتبع طريقة رسول الله ﷺ الطبية يجد أنه ﷺ كان علاجه للمرض، ثلاثة أنواع (٢) : أحدها: بالأدوية الطبيعية وهي التي وضعها ﷺ لصحابها أو استعملها لنفسه كوصف الماء البارد لعلاج الحمى (٣) . والثاني: بالأدوية الإلهية. والثالث: بالمركب من الأمرين، وإليه الإشارة في قوله ﷺ : ((الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي)) . ولكن ينبغي أن نعرف أن حصر طرق الشفاء في هذه الطرق الآنفة الذكر غير مراد للنبي ﷺ لأننا ضرورة نعلم أن هناك طرقًا وأدوية كثيرة جدًّا كما أن النبي ﷺ وصف في مناسبات أخرى غير هذه الثلاثة. تؤيد هذا الرواية الثانية للحديث حيث وردت بلفظ: ((إن كان في شيء من أدويتكم أو يكون في شيء من أدويتكم، خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي)) . ولذا قال النووي عن بعض الأطباء في قوله ﷺ : شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار أنه إشارة إلى جميع ضروب المعافا (٤) . النوع الأول: التداوي بالشراب ونحوه: ثبت عن النبي ﷺ أنه تداوى بالعسل، والماء والزيت وألبان الإبل وغيرها (٥) .

стр. 11230

ففي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يعجبه الحلواء والعسل) وقد ورد ذكر العسل في السنة كثيرًا وكذا في القرآن (١) واعتبره رسول الله ﷺ من أفضل الأدوية الشعبية في العرب. وأما الأطباء فقد أجمعوا على أنه ذو فوائد علاجية في عديد من الأمراض، لاحتوائه على مواد مثبطة للجراثيم ومضادة للفطور العفنية (٢) . وقد ثبت أن رجلًا استطلق بطن أخيه فجاء إلى النبي ﷺ فقال له: ((اسقه عسلًا)) فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا؟ فقال رسول الله ﷺ : ((صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا. فسقاه فبرأ)) (٣) . وهذا بالنسبة لما كان موجودًا في عصره ﷺ ويقاس عليه كل دواء شراب مما يصفه الطبيب بقصد العلاج. ثانيًا - التداوي عن طريق العمليات الجراحية: وهو ما عبر عنه النبي ﷺ بقوله: أو شرطة محجم. في حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((الشفاء في ثلاث: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار وأنا أنهى أمتي عن الكي)) (٤) . ففي قوله: ((شرطة محجم)) إشارة إلى الحجامة (وهي عبارة عن مص الدم بعد تشريط الجلد بالمشرط بواسطة آلة مجوفة ذات فوهتين كقرن الثور مثلًا) وكانت الحجامة من وسائل المعالجة الشائعة عند العرب منذ الجاهلية، ولقد أقر رسول الله ﷺ قومه على المعالجة بها، فقد ثبت أنه احتجم وأوصى أصحابه بها ولكن نبههم إلى عدم المبالغة في استعمالهم للأدوية الشعبية، وأن تستعمل عند وجود الدواعي والحاجة إليها (٥) . كما روي أن جابر بن عبد الله أوصى رجلًا كان يشتكي من خراج شق عليه فدعا له بحجام، فلما رأى تبرم الرجل من ذلك قال له: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شرطة محجم أو شربة من عسل أو لذعة بنار، قال رسول الله ﷺ : وما أحب أن أكتوي)) ، قال: فجاء بحجام فشرطه فذهب عنه ما يجد (٦) . ومن تلك العمليات الجراحية ما ثبت أن النبي ﷺ بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع عرقًا ثم كواه عليه (٧) . ثالثًا - العمليات: ويلحق بتلك العمليات الجراحية الكي: وقد كان التداوي بالكي من طرق المعالجة المعروفة عند العرب حتى جاء ذكرها في أشعارهم وأمثالهم، وطريقة التعالج بالكي أنهم يأتون بقضبان حديدية منتهية بأشكال مختلفة وبعد أن تحمى هذه القضبان على النار حتى تحمر، تكوى بها النواحي المختلفة، وقد تطورت المكاوي في عصرنا حتى اخترعت المكواة الكهربائية وهي أكثر تحكمًا فيها وأسهل استعمالًا (٨) . وقد استعمل الكي في عهد رسول الله ﷺ في قطع النزيف الدموي كما في قصة سعد بن معاذ الذي أصيب في أكحله؛ فكوى النبي ﷺ مكان النزيف لإيقافه (٩) . وكذلك بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه (١٠) . كما استعمل أيضًا في معالجة الألم الجنبي، أو ما يسمى قديمًا (بذات الجنب) وقد استعملها الصحابة ومنهم أنس بن مالك حيث قال: (كويت من ذات الجنب ورسول الله حي، وشهدني أبو طلحة، وأنس بن النضر وزيد بن ثابت، وأبو طلحة كواني) (١١) . ففي هذا الحديث أن ذات الجنب عولج بالكي فهو نوع من الجراحة الصغرى، كما عولجت اللقوة بالكي، وهي شلل العصب الوجهي والغالب في أحداثها هو البرد (١٢) .

стр. 11231

وروى أبو داود في سننه أن امرأة ابن مسعود كانت تختلف إلى طبيب يهودي فيرقيها من ألم في عينها (١) ، ولذا ذهب الحنابلة في وجه إلى القول بجواز أن تستطب المسلمة ذمية إن لم تجد غيرها (٢) . والحنفية أجازوا للمريض أن يستطب بالكافر فيما عدا إبطال العبادة، وسئل الشافعي أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ قال: نعم، إذا رقوا بما يعرف من ذكر الله، وفي الموطأ أن أبا بكر قال لليهودية التي ترقي عائشة: ارقيها بكتاب الله (٣) . الرأي الثاني: القول بالكراهة وهو مروي عن أحمد فقد روي عنه أنه كره شرب دواء المشرك، وقال المروزي: كان يأمرني أن لا أشتري ما يصف له النصارى ولا يشرب من أدويتهم. وقد علل هؤلاء لرأيهم بأنه لا يؤمن أن يخلطوا بذلك شيئًا من النجاسات (٤) . وبالتأمل لا نجد فرقًا بين الرأيين إذ يحمل قول القائلين بالكراهة عند عدم الضرورة إلى الاستعانة بهم، وعدم الائتمان، أما عند الحاجة وثقة الناس في طبه فلا وجه للقول بالكراهة، ولذا قال الشيخ تقي الدين: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرًا بالطب، ثقة عند الإنسان، جاز له أن يستطب ثم ساق الأدلة السالفة الذكر من استعانة النبي ﷺ بالمشركين، كما بين أن استطبابه ليس من باب ولاية اليهود والنصارى المنهي عنهما (٥) .

стр. 11232

التداوي والتوكل: يرى البعض أن التداوي ينافي التوكل على الله تعالى فيرد عليه بأت التداوي لا يناقض التوكل لأن النبي ﷺ تداوى وأمر به غير واحد من أصحابه. وأخبر عن حكمة الله تعالى فيه فقال: "ما من داء إلا وله دواء عرفه من عرفه وجهله من جهله إلا السام" يعني الموت (١) . وقال: ((ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء)) (٢) . وقال ﷺ : "تداووا عباد الله" وسئل عن الدواء والرقي هل يرد من قدر الله؟ فقال: "هو من قدر الله" (٣) . والتداوي رخصة وسعة وتركه ضيق وعزيمة والله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه. وقد يؤجر المتداوي في ذلك إن نوى به اتباع السنة والأخذ برخصة الله وطلبًا لسرعة البدء للتفرغ لطاعة ربه سبحانه لأن العلل مشغلة للنفس عن الشغل بالآخرة. لأنه علم من سنته ﷺ أنه أمر أصحابه بالتداوي والحمية، وقطع لبعضهم عرقًا وكوى آخر وقال لعلي ﵁ وكان رمد العين: "لا تأكل من هذا- يعني الرطب- وكل من هذا فإنه أوفق لك" (٤) . يعني سلقًا قد طبخ بدقيق أو شعير، وقد تداوى رسول الله ﷺ في غير حديث من العقرب، وكان يغلف رأسه بالحناء (٥) من الصداع، وهو أعلى المتوكلين وليس من شرط التوكل ترك التداوي، بل هو كصب الماء على النار لإطفائها ودفع ضررها عند وقوعها في البيت، وليس من التوكل الخروج عن سنة الوكيل أصلًا.. وما روي في تداويه وأمره بذلك كثير خارج عن الحصر. ويتبين من ذلك أن الله تعالى أجرى سنته بربط المسببات بالأسباب إظهارًا للحكمة، والأدوية أسباب مسخرة بحكم الله تعالى كسائر الأسباب ... وعلم السلف ذلك حتى الذين تداووا منهم لا ينحصرون.

стр. 11233

لكن يشكل على هذا ما ورد من أن جماعة من العلماء تركوا التداوي مما يظن أن التداوي نقصان في الدين، ومن هؤلاء الذين تركوا التداوي جماعة من الصحابة والسلف وغيرهم، فقد روي عن الصديق أنه قيل له: لو دعونا لك طبيبًا؟ فقال: الطبيب قد نظر إليَّ وقال: إني فعال لما أريد، وقيل لأبي الدرداء أندعو لك طبيبًا؟ قال: الطبيب أمرضني، ونحو ذلك عن أبي ذر وابن خيثم.. وكذلك أحمد ابن حنبل كان به علل فلا يخبر الطبيب وكان يقول: أحب لمن اعتقد التوكل وسلك هذا الطريق ترك التداوي من شرب الدواء وغيره (١) . ووجه الجمع بين ما سبق من فعل النبي ﷺ من التداوي والأمر به، وبين أفعال هؤلاء يكون بمعرفة الصوارف عن التداوي. وقد حصر الغزالي أسباب تركهم للتداوي في ستة أسباب نوجزها فيما يلي: السبب الأول: أن يكون المريض قد علم بنهاية أجله إما بمكاشفة أو برؤيا صادقة وتارة بحدس وظن ويشبه أن يكون ترك الصديق (٢) . التداوي من هذا السبب فإنه كان من المكاشفين فإنه قال لعائشة ﵂ في أمر الميراث: إنما هن أختاك، وإنما كان لها أخت واحدة، ولكن كانت امرأته حاملًا فولدت أنثى، فعلم أنه كان قد كوشف بأنها حامل بأنثى فلا يبعد أن يكون قد كوشف أيضًا بانتهاء أجله وأن الدواء لا ينفعه وإلا فلا يظن به إنكار التداوي وقد شاهد رسول الله ﷺ تداوى وأمر به. السبب الثاني: أن يكون المريض مشغولًا بحاله وبخوف عاقبته فينسيه ألم المرض، وعليه يحمل كلام أبي ذر إذ قال: إني عنهما مشغول، وكلام أبي الدرداء. السبب الثالث: أن تكون العلة مزمنة والدواء الموصوف موهوم النفع جار مجرى الكي والرقية، فيتركها المتوكل لعدم الوثوق بالدواء، وأكثر من ترك التداوي من العباد والزهاد هذا مستندهم. السبب الرابع: أن يترك التداوي استبقاء للمرض لينال ثوابه بحسن الصبر على البلاء، أو ليجرب نفسه في القدرة على الصبر، وقد ورد في ثواب المرض أحاديث كثيرة. السبب الخامس: أن يكون العبد قد سبق له ذنوب وهو خائف منها عاجز عن تكفيرها فيرى المرض إذا طال تكفيرًا، فيترك التداوي خوفًا من أن يسرع زوال المرض.

стр. 11234

السبب السادس: أن يستشعر العبد في نفسه مبادي البطر والطغيان بطول مدة الصحة، فيترك التداوي خوفًا من أن يعاجله زوال المرض فتعاوده الغفلة والبطر والطغيان والتسويف في تدارك الفائت وتأخير الخيرات. فلما أن كثرت فوائد المرض رأى جماعة ترك الحيلة في زوالها، إذ رأوا لأنفسهم مزيدًا فيها، لا من حيث رأوا التداوي نقصانًا، وكيف يكون نقصانًا وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ (١) . والحاصل أن التداوي لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وبتقديره وأنها لا تنجع بذواتها بل بما قدره الله تعالى فيها، والتداوي لا ينافي التوكل كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش بالأكل والشرب ... (٢) بل لا يتم حقيقة التوحيد - كما قال القيم - إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرًا وشرعًا وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفها من حيث يظن معطلها: أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته: اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلًا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا (٣) . ومما يدل على أن التداوي غير مناقض للتوكل - كما قال الغزالي - فعل الرسول ﷺ وقوله وأمره به ... ولأن القائلين باستحباب التداوي أوجبوا على المتعالج (أن يعتقد أن الله تعالى هو الفاعل، وأن التداوي أيضًا من قدر الله تعالى، وهذا كالأمر بالدعاء وكالأمر بقتال الكفار وبالتحصين ومجانبة الإلقاء باليد إلى التهلكة مع أن الأجل لا يتغير والمقادير لا تتقدم ولا تتأخر عن أوقاتها ولا بد من وقوع المقدرات) (٤) .

стр. 11235

والحاصل أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا، أمر مأمور به شرعًا لا ينافي التوكل على الله بحال، لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالًا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه ولو شاء الله تخلف تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف، ومن ذلك قصة إبراهيم ﵇ ومحاولة حرقه بالنار وكيف تحولت إلى برد وسلام، فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير حقيقة إنما هو بمشيئة خالق السماوات والأرض، وأنه بسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا. وفي القرآن الكريم نصوص كثيرة تدل على أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله تعالى، كما في قوله تعالى عن يعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ [يوسف: ٦٧] . حيث أمر بنيه بتعاطي السبب خوفًا عليهم من أذى الناس لهم، ومع هذا التسبب قال: ﴿وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [يوسف: ٦٧] . فقد جمع بين التسبب ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ [يوسف: ٦٧] وبين التوكل على الله ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ . [يوسف: ٦٧] . وفي قصة مريم ﵍ (أمرها بهز الجذع مع أنه تعالى قادر على إسقاط الرطب إليها، لكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع) (١) . وقد حسم الطبري مسألة التوكل والتداوي بقوله: (والحق أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعًا لسنته وسنة رسول الله ﷺ ، فقد ظاهر في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال الذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: اعقلها وتوكل، فأشار إلى أن الاحتزاز لا يدفع التوكل) (٢) .

стр. 11236

هل يكره المريض على التطبيب؟ إن هذه المسألة - كما لا يخفى - متفرعة من الاختلاف السابق بين الفقهاء في حكم التداوي، وذلك لأن من قال بحرمة التداوي، لا شك أنه يقول بعدم جواز إكراه المريض على التطبيب، ومن قال بوجوب التداوي، فحينئذٍ لا يحتاج إلى الإذن، إذ أن عدم تداويه يكون محرمًا، وحينئذٍ يجب أن يعان على أداء الواجب، ومن هنا يأتي هذا السؤال على ضوء بقية المذاهب الأخرى. ونرى من نصوص الفقهاء من يقول بعدم إكراه المريض على التداوي والتطبيب حيث يقولون: إن الأصل هو إذن المريض، ولذلك لا بد أن يكون التداوي بإذنه وأنه لا يكره على الدواء وغيره (فلو امتنع حتى مات لم يأثم) (١) . وهذا القول نابع من أن التداوي مباح أو مستحب، ولذلك لا يأثم على ترك المباح أو المستحب كما هو معروف في الأصول. ويمكن أن يستدل لهؤلاء بما رواه البخاري ومسلم بسندهما عن عائشة ﵂ لددناه في مرضه، فجعل يشير إلينا: لا تلدوني فقلنا: كراهية المريض للدواء. فلما أفاق، قال: (ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: لا يبقى في البيت أحد إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم) (٢) . ويمكن أن يجاب عن هذا الحديث بأنه لا يدل على المطلوب، حيث يقول الحافظ ابن حجر (٣) : (لكن اللدود كان نهى عنه، ولذلك عاتب عليه، بخلاف الصب، فإن كان أمر به فلم ينكر عليهم، فيؤخذ منه أن المريض إذا كان عارفًا لا يكره على تناول شيء نهى عنه، ولا يمنع من شيء يأمر به) (٤) . وقال القسطلاني: (وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه، لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب، فداووه بما يلائمها ولم يكن به ذلك) . وذهب آخرون إلى أن الدواء المقطوع به محرم عند خوف الموت (٥) بناء على أنه بمثابة الانتحار المحرم الذي يمنع منه المسلم، بالإضافة إلى أنه إلقاء النفس في التهلكة دون تحقيق غرض منشود شرعًا: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . وبناء على هذا القول لا عبرة بإذن المريض.

стр. 11237

والذي يظهر لنا رجحانه هو القول بأن الإذن هو الأصل في التداوي ما دام المريض لم يصل إلى حالة الخطورة القصوى، أما إذا بلغ ذلك فلا عبرة بإذنه عملًا بقاعدة ((الضرورات تبيح المحظورات)) وكذلك تدل نصوص الشرع ومقاصده على حماية النفس والبدن من المهالك، وأن الإنسان لا يملك نفسه. وكذلك لا عبرة بإذن المريض في حالات كون مرضه معديًا خطيرًا ينتشر، ويعدي الغير، فحينئذٍ يجبر على التداوي حماية للمصلحة العامة والمجتمع الإسلامي ودفعًا للضرر، وحسمًا لمادة الأذى والضر، وكذلك في حالات الإدمان على المخدرات إذ تستوجب إنقاذه. هل وصفات الرسول ﷺ لازمة ومخالفتها مخالفة للسنة: هذه المسألة فرع عن مسألة اختلف الفقهاء فيها قديمًا، وهي: هل السنة كلها تشريعية أم لا؟ وقد اختلف العلماء فيها على قولين: القول الأول: وهو قول من يرى أن من السنة ما ليس تشريعًا، وقد انتصر لهذا القول جمع من العلماء منهم ابن القيم حيث بين أن كثيرًا من تلك الأحاديث الواردة في الطب مخصوصة بظرف معين أو مكان مخصوص، بل ربما صدرت عنه بمحض رأيه وتجربته البشرية (١) . والقول الثاني: وهو قول من يرى أن السنة كلها تشريعية، إذ الحديث وحي غير متلو: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) . ولقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٣) . وهي السنة كما قال الشافعي، وقد انتصر لهذا الرأي صديقنا العلامة الدكتور القره داغي، وأطال النفس في الرد على المخالفين، يجمل بمن أراد الاستفادة الرجوع إليه (٤) .

стр. 11238

أنواع التداوي إن الإسلام حافظ على صحة الإنسان من طريقتين: أحدهما: الحمية، وذلك بتجنب الإنسان ما يضر بصحته، وتتبع قواعد الصحة عملًا بالحكمة القائلة: درهم وقاية خير من قنطار علاج، هذه الوقاية التي وردت في السنة بأشكال شتى، منها كما في قوله ﷺ : ((لا يوردن ممرض على مصح)) (١) . ومنها على شكل تحذير من مخالطة أصحاب الأمراض المعدية كما عبر عنه ﷺ بقوله: (( ... وفر من المجذوم فرارك من الأسد)) (٢) . ومنها ما يعمل على حصر المرض في موضعه والمنع من انتشاره بشكل جماعي، والذي إليه الإشارة في قوله ﷺ : ((فإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها وإذا سمعتم به في أرض فلا تأتوها)) (٣) . وثانيهما: أنه إذا ما قدر للإنسان أن تعتل صحته بعد تلك الاحتياجات فإنه يلجأ إلى التداوي لحماية النفس من المرض وتقصير طرقه وإعادة البدن إلى وضعه الطبيعي وذلك عن طريق التداوي، وهذا المرض الذي يصيب الإنسان نوعان (٤) . النوع الأول: مرض القلوب، وهو قسمان: مرض شبهة وشك وهو الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٥) . أما القسم الثاني منه فهو: مرض الشهوات وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (٦) . وعلاج هذا المرض بنوعيه موكل إلى الرسل، لأن صلاح القلوب يتوقف على ربطها بخالقها لتتوفر لها أركان الإيمان، وما يتبع ذلك من اتباع الأوامر واجتناب مساخطه ولا صحة ولا حياة البتة إلا بذلك، فالمسلم يأخذ علاج هذا النوع بالرجوع إلى صيدلية الإيمان وهو القرآن الذي جعله الله شفاء لما في الصدور. فإن اتصال القلب بخالق الداء والدواء من أكبر الأدوية على دفع الداء وقهره (٧) .

стр. 11239

وأما النوع الثاني: من الأمراض فهو: مرض الأبدان وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (١) . وأما طب الأبدان فنوعان: الأول: نوع فطر عليه الإنسان والحيوان، فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب كطب الجوع والعطش والبرد والتعب بأضدادها وما يزيلها. الثاني: ما يحتاج إلى فكر وتأمل واستدعاء أهل الاختصاص لمعالجته ومن يتتبع طريقة رسول الله ﷺ الطبية يجد أنه ﷺ كان علاجه للمرض، ثلاثة أنواع (٢) : أحدها: بالأدوية الطبيعية وهي التي وضعها ﷺ لصحابها أو استعملها لنفسه كوصف الماء البارد لعلاج الحمى (٣) . والثاني: بالأدوية الإلهية. والثالث: بالمركب من الأمرين، وإليه الإشارة في قوله ﷺ : ((الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي)) . ولكن ينبغي أن نعرف أن حصر طرق الشفاء في هذه الطرق الآنفة الذكر غير مراد للنبي ﷺ لأننا ضرورة نعلم أن هناك طرقًا وأدوية كثيرة جدًّا كما أن النبي ﷺ وصف في مناسبات أخرى غير هذه الثلاثة. تؤيد هذا الرواية الثانية للحديث حيث وردت بلفظ: ((إن كان في شيء من أدويتكم أو يكون في شيء من أدويتكم، خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي)) . ولذا قال النووي عن بعض الأطباء في قوله ﷺ : شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار أنه إشارة إلى جميع ضروب المعافا (٤) . النوع الأول: التداوي بالشراب ونحوه: ثبت عن النبي ﷺ أنه تداوى بالعسل، والماء والزيت وألبان الإبل وغيرها (٥) .

стр. 11240

ففي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يعجبه الحلواء والعسل) وقد ورد ذكر العسل في السنة كثيرًا وكذا في القرآن (١) واعتبره رسول الله ﷺ من أفضل الأدوية الشعبية في العرب. وأما الأطباء فقد أجمعوا على أنه ذو فوائد علاجية في عديد من الأمراض، لاحتوائه على مواد مثبطة للجراثيم ومضادة للفطور العفنية (٢) . وقد ثبت أن رجلًا استطلق بطن أخيه فجاء إلى النبي ﷺ فقال له: ((اسقه عسلًا)) فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا؟ فقال رسول الله ﷺ : ((صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا. فسقاه فبرأ)) (٣) . وهذا بالنسبة لما كان موجودًا في عصره ﷺ ويقاس عليه كل دواء شراب مما يصفه الطبيب بقصد العلاج. ثانيًا - التداوي عن طريق العمليات الجراحية: وهو ما عبر عنه النبي ﷺ بقوله: أو شرطة محجم. في حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((الشفاء في ثلاث: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار وأنا أنهى أمتي عن الكي)) (٤) . ففي قوله: ((شرطة محجم)) إشارة إلى الحجامة (وهي عبارة عن مص الدم بعد تشريط الجلد بالمشرط بواسطة آلة مجوفة ذات فوهتين كقرن الثور مثلًا) وكانت الحجامة من وسائل المعالجة الشائعة عند العرب منذ الجاهلية، ولقد أقر رسول الله ﷺ قومه على المعالجة بها، فقد ثبت أنه احتجم وأوصى أصحابه بها ولكن نبههم إلى عدم المبالغة في استعمالهم للأدوية الشعبية، وأن تستعمل عند وجود الدواعي والحاجة إليها (٥) . كما روي أن جابر بن عبد الله أوصى رجلًا كان يشتكي من خراج شق عليه فدعا له بحجام، فلما رأى تبرم الرجل من ذلك قال له: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شرطة محجم أو شربة من عسل أو لذعة بنار، قال رسول الله ﷺ : وما أحب أن أكتوي)) ، قال: فجاء بحجام فشرطه فذهب عنه ما يجد (٦) . ومن تلك العمليات الجراحية ما ثبت أن النبي ﷺ بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع عرقًا ثم كواه عليه (٧) . ثالثًا - العمليات: ويلحق بتلك العمليات الجراحية الكي: وقد كان التداوي بالكي من طرق المعالجة المعروفة عند العرب حتى جاء ذكرها في أشعارهم وأمثالهم، وطريقة التعالج بالكي أنهم يأتون بقضبان حديدية منتهية بأشكال مختلفة وبعد أن تحمى هذه القضبان على النار حتى تحمر، تكوى بها النواحي المختلفة، وقد تطورت المكاوي في عصرنا حتى اخترعت المكواة الكهربائية وهي أكثر تحكمًا فيها وأسهل استعمالًا (٨) . وقد استعمل الكي في عهد رسول الله ﷺ في قطع النزيف الدموي كما في قصة سعد بن معاذ الذي أصيب في أكحله؛ فكوى النبي ﷺ مكان النزيف لإيقافه (٩) . وكذلك بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه (١٠) . كما استعمل أيضًا في معالجة الألم الجنبي، أو ما يسمى قديمًا (بذات الجنب) وقد استعملها الصحابة ومنهم أنس بن مالك حيث قال: (كويت من ذات الجنب ورسول الله حي، وشهدني أبو طلحة، وأنس بن النضر وزيد بن ثابت، وأبو طلحة كواني) (١١) . ففي هذا الحديث أن ذات الجنب عولج بالكي فهو نوع من الجراحة الصغرى، كما عولجت اللقوة بالكي، وهي شلل العصب الوجهي والغالب في أحداثها هو البرد (١٢) .
следующие страницы →