هل يكره المريض على التطبيب؟
إن هذه المسألة - كما لا يخفى - متفرعة من الاختلاف السابق بين الفقهاء في حكم التداوي، وذلك لأن من قال بحرمة التداوي، لا شك أنه يقول بعدم جواز إكراه المريض على التطبيب، ومن قال بوجوب التداوي، فحينئذٍ لا يحتاج إلى الإذن، إذ أن عدم تداويه يكون محرمًا، وحينئذٍ يجب أن يعان على أداء الواجب، ومن هنا يأتي هذا السؤال على ضوء بقية المذاهب الأخرى.
ونرى من نصوص الفقهاء من يقول بعدم إكراه المريض على التداوي والتطبيب حيث يقولون: إن الأصل هو إذن المريض، ولذلك لا بد أن يكون التداوي بإذنه وأنه لا يكره على الدواء وغيره (فلو امتنع حتى مات لم يأثم) (١) .
وهذا القول نابع من أن التداوي مباح أو مستحب، ولذلك لا يأثم على ترك المباح أو المستحب كما هو معروف في الأصول.
ويمكن أن يستدل لهؤلاء بما رواه البخاري ومسلم بسندهما عن عائشة ﵂ لددناه في مرضه، فجعل يشير إلينا: لا تلدوني فقلنا: كراهية المريض للدواء. فلما أفاق، قال: (ألم أنهكم أن تلدوني؟ قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: لا يبقى في البيت أحد إلا لد وأنا أنظر إلا العباس فإنه لم يشهدكم) (٢) .
ويمكن أن يجاب عن هذا الحديث بأنه لا يدل على المطلوب، حيث يقول الحافظ ابن حجر (٣) : (لكن اللدود كان نهى عنه، ولذلك عاتب عليه، بخلاف الصب، فإن كان أمر به فلم ينكر عليهم، فيؤخذ منه أن المريض إذا كان عارفًا لا يكره على تناول شيء نهى عنه، ولا يمنع من شيء يأمر به) (٤) .
وقال القسطلاني: (وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه، لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب، فداووه بما يلائمها ولم يكن به ذلك) .
وذهب آخرون إلى أن الدواء المقطوع به محرم عند خوف الموت (٥) بناء على أنه بمثابة الانتحار المحرم الذي يمنع منه المسلم، بالإضافة إلى أنه إلقاء النفس في التهلكة دون تحقيق غرض منشود شرعًا: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
وبناء على هذا القول لا عبرة بإذن المريض.
стр. 11237
والذي يظهر لنا رجحانه هو القول بأن الإذن هو الأصل في التداوي ما دام المريض لم يصل إلى حالة الخطورة القصوى، أما إذا بلغ ذلك فلا عبرة بإذنه عملًا بقاعدة ((الضرورات تبيح المحظورات)) وكذلك تدل نصوص الشرع ومقاصده على حماية النفس والبدن من المهالك، وأن الإنسان لا يملك نفسه.
وكذلك لا عبرة بإذن المريض في حالات كون مرضه معديًا خطيرًا ينتشر، ويعدي الغير، فحينئذٍ يجبر على التداوي حماية للمصلحة العامة والمجتمع الإسلامي ودفعًا للضرر، وحسمًا لمادة الأذى والضر، وكذلك في حالات الإدمان على المخدرات إذ تستوجب إنقاذه.
هل وصفات الرسول ﷺ لازمة ومخالفتها مخالفة للسنة:
هذه المسألة فرع عن مسألة اختلف الفقهاء فيها قديمًا، وهي: هل السنة كلها تشريعية أم لا؟ وقد اختلف العلماء فيها على قولين:
القول الأول: وهو قول من يرى أن من السنة ما ليس تشريعًا، وقد انتصر لهذا القول جمع من العلماء منهم ابن القيم حيث بين أن كثيرًا من تلك الأحاديث الواردة في الطب مخصوصة بظرف معين أو مكان مخصوص، بل ربما صدرت عنه بمحض رأيه وتجربته البشرية (١) .
والقول الثاني: وهو قول من يرى أن السنة كلها تشريعية، إذ الحديث وحي غير متلو: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢) . ولقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (٣) . وهي السنة كما قال الشافعي، وقد انتصر لهذا الرأي صديقنا العلامة الدكتور القره داغي، وأطال النفس في الرد على المخالفين، يجمل بمن أراد الاستفادة الرجوع إليه (٤) .
стр. 11238
أنواع التداوي
إن الإسلام حافظ على صحة الإنسان من طريقتين:
أحدهما: الحمية، وذلك بتجنب الإنسان ما يضر بصحته، وتتبع قواعد الصحة عملًا بالحكمة القائلة: درهم وقاية خير من قنطار علاج، هذه الوقاية التي وردت في السنة بأشكال شتى، منها كما في قوله ﷺ : ((لا يوردن ممرض على مصح)) (١) . ومنها على شكل تحذير من مخالطة أصحاب الأمراض المعدية كما عبر عنه ﷺ بقوله: (( ... وفر من المجذوم فرارك من الأسد)) (٢) . ومنها ما يعمل على حصر المرض في موضعه والمنع من انتشاره بشكل جماعي، والذي إليه الإشارة في قوله ﷺ : ((فإذا وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها وإذا سمعتم به في أرض فلا تأتوها)) (٣) .
وثانيهما: أنه إذا ما قدر للإنسان أن تعتل صحته بعد تلك الاحتياجات فإنه يلجأ إلى التداوي لحماية النفس من المرض وتقصير طرقه وإعادة البدن إلى وضعه الطبيعي وذلك عن طريق التداوي، وهذا المرض الذي يصيب الإنسان نوعان (٤) .
النوع الأول: مرض القلوب، وهو قسمان: مرض شبهة وشك وهو الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (٥) .
أما القسم الثاني منه فهو: مرض الشهوات وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ (٦) .
وعلاج هذا المرض بنوعيه موكل إلى الرسل، لأن صلاح القلوب يتوقف على ربطها بخالقها لتتوفر لها أركان الإيمان، وما يتبع ذلك من اتباع الأوامر واجتناب مساخطه ولا صحة ولا حياة البتة إلا بذلك، فالمسلم يأخذ علاج هذا النوع بالرجوع إلى صيدلية الإيمان وهو القرآن الذي جعله الله شفاء لما في الصدور.
فإن اتصال القلب بخالق الداء والدواء من أكبر الأدوية على دفع الداء وقهره (٧) .
стр. 11239
وأما النوع الثاني: من الأمراض فهو: مرض الأبدان وإليه الإشارة في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (١) .
وأما طب الأبدان فنوعان:
الأول: نوع فطر عليه الإنسان والحيوان، فهذا لا يحتاج فيه إلى معالجة طبيب كطب الجوع والعطش والبرد والتعب بأضدادها وما يزيلها.
الثاني: ما يحتاج إلى فكر وتأمل واستدعاء أهل الاختصاص لمعالجته ومن يتتبع طريقة رسول الله ﷺ الطبية يجد أنه ﷺ كان علاجه للمرض، ثلاثة أنواع (٢) :
أحدها: بالأدوية الطبيعية وهي التي وضعها ﷺ لصحابها أو استعملها لنفسه كوصف الماء البارد لعلاج الحمى (٣) .
والثاني: بالأدوية الإلهية.
والثالث: بالمركب من الأمرين، وإليه الإشارة في قوله ﷺ : ((الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي)) .
ولكن ينبغي أن نعرف أن حصر طرق الشفاء في هذه الطرق الآنفة الذكر غير مراد للنبي ﷺ لأننا ضرورة نعلم أن هناك طرقًا وأدوية كثيرة جدًّا كما أن النبي ﷺ وصف في مناسبات أخرى غير هذه الثلاثة.
تؤيد هذا الرواية الثانية للحديث حيث وردت بلفظ: ((إن كان في شيء من أدويتكم أو يكون في شيء من أدويتكم، خير ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوي)) .
ولذا قال النووي عن بعض الأطباء في قوله ﷺ : شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار أنه إشارة إلى جميع ضروب المعافا (٤) .
النوع الأول: التداوي بالشراب ونحوه:
ثبت عن النبي ﷺ أنه تداوى بالعسل، والماء والزيت وألبان الإبل وغيرها (٥) .
стр. 11240
ففي الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يعجبه الحلواء والعسل) وقد ورد ذكر العسل في السنة كثيرًا وكذا في القرآن (١) واعتبره رسول الله ﷺ من أفضل الأدوية الشعبية في العرب.
وأما الأطباء فقد أجمعوا على أنه ذو فوائد علاجية في عديد من الأمراض، لاحتوائه على مواد مثبطة للجراثيم ومضادة للفطور العفنية (٢) .
وقد ثبت أن رجلًا استطلق بطن أخيه فجاء إلى النبي ﷺ فقال له: ((اسقه عسلًا)) فقال: إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقًا؟ فقال رسول الله ﷺ : ((صدق الله وكذب بطن أخيك، اسقه عسلًا. فسقاه فبرأ)) (٣) .
وهذا بالنسبة لما كان موجودًا في عصره ﷺ ويقاس عليه كل دواء شراب مما يصفه الطبيب بقصد العلاج.
ثانيًا - التداوي عن طريق العمليات الجراحية:
وهو ما عبر عنه النبي ﷺ بقوله: أو شرطة محجم. في حديث ابن عباس، أن النبي ﷺ قال: ((الشفاء في ثلاث: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار وأنا أنهى أمتي عن الكي)) (٤) .
ففي قوله: ((شرطة محجم)) إشارة إلى الحجامة (وهي عبارة عن مص الدم بعد تشريط الجلد بالمشرط بواسطة آلة مجوفة ذات فوهتين كقرن الثور مثلًا) وكانت الحجامة من وسائل المعالجة الشائعة عند العرب منذ الجاهلية، ولقد أقر رسول الله ﷺ قومه على المعالجة بها، فقد ثبت أنه احتجم وأوصى أصحابه بها ولكن نبههم إلى عدم المبالغة في استعمالهم للأدوية الشعبية، وأن تستعمل عند وجود الدواعي والحاجة إليها (٥) . كما روي أن جابر بن عبد الله أوصى رجلًا كان يشتكي من خراج شق عليه فدعا له بحجام، فلما رأى تبرم الرجل من ذلك قال له: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن كان في شيء من أدويتكم خير، ففي شرطة محجم أو شربة من عسل أو لذعة بنار، قال رسول الله ﷺ : وما أحب أن أكتوي)) ، قال: فجاء بحجام فشرطه فذهب عنه ما يجد (٦) .
ومن تلك العمليات الجراحية ما ثبت أن النبي ﷺ بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع عرقًا ثم كواه عليه (٧) .
ثالثًا - العمليات: ويلحق بتلك العمليات الجراحية الكي:
وقد كان التداوي بالكي من طرق المعالجة المعروفة عند العرب حتى جاء ذكرها في أشعارهم وأمثالهم، وطريقة التعالج بالكي أنهم يأتون بقضبان حديدية منتهية بأشكال مختلفة وبعد أن تحمى هذه القضبان على النار حتى تحمر، تكوى بها النواحي المختلفة، وقد تطورت المكاوي في عصرنا حتى اخترعت المكواة الكهربائية وهي أكثر تحكمًا فيها وأسهل استعمالًا (٨) .
وقد استعمل الكي في عهد رسول الله ﷺ في قطع النزيف الدموي كما في قصة سعد بن معاذ الذي أصيب في أكحله؛ فكوى النبي ﷺ مكان النزيف لإيقافه (٩) .
وكذلك بعث إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع منه عرقًا ثم كواه عليه (١٠) .
كما استعمل أيضًا في معالجة الألم الجنبي، أو ما يسمى قديمًا (بذات الجنب) وقد استعملها الصحابة ومنهم أنس بن مالك حيث قال: (كويت من ذات الجنب ورسول الله حي، وشهدني أبو طلحة، وأنس بن النضر وزيد بن ثابت، وأبو طلحة كواني) (١١) .
ففي هذا الحديث أن ذات الجنب عولج بالكي فهو نوع من الجراحة الصغرى، كما عولجت اللقوة بالكي، وهي شلل العصب الوجهي والغالب في أحداثها هو البرد (١٢) .
стр. 11241
ومما سبق يتبين لنا أن المعالجة بالكي جائزة للحاجة لقوله ﷺ : ((إن كان في شيء من أدويتكم شفاء.. أو لذعة نار..)) حيث نسب الشفاء إليه. والأولى تركه إذا لم يتعين لقوله ﷺ في الحديث: ((وما أحب أن أكتوي)) ، ولذا قال ابن حجر: وحاصل الجمع (بين أحاديث النهي والجواز) أن الفعل يدل على الجواز، وعدم الفعل لا يدل على المنع، بل يدل على أن تركه أرجح من فعله، وكذا الثناء على تاركه، وأما النهي عنه فإما على سبيل الاختيار والتنزيه، وإما عما لا يتعين طريقًا إلى الشفاء (١) .
ونحو هذا قال الخطابي في تعليل الأحاديث التي ظاهرها النهي ومنها حديث عمران بن الحصين قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الكي فاكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا) ، وبيّن أن النهي يحتمل وجوهًا:
منها: أن يكون من أجل أنهم كانوا يعظمون أمره ويقولون آخر الدواء الكي ويرون أنه يحسم الداء ويبرئه، وإذا لم يفعل ذلك عطب صاحبه وهلك، فنهاهم عن ذلك، إذا كان على هذا الوجه، وأباح لهم استعماله على معنى التوكل على الله سبحانه. فيكون الكي والدواء سببًا لا علة، وبين أن كثيرًا من الناس يخطئون في ظنونهم، فيقولون لو لم يخرج من بلده لم يهلك، ولو شرب الدواء لم يسقم ونحو ذلك من تجريد إضافة الأمور إلى الأسباب، وتعليق الحوادث بها دون تسليط القضاء عليها، وتغليب المقادير فيها، فتكون الأسباب أمارات لتلك الكوائن لا موجبات لها، وقد بين الله في كتابه حيث قال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ (٢) .
وقال حكاية عن الكفار: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٣) .
стр. 11242
أو يكون معنى نهيه عن الكي هو أن يفعله احترازًا عن الداء قبل وقوع الضرورة ونزول البلية، وذلك مكروه، وإنما أبيح العلاج والتداوي عند وقوع الحاجة ودعاء الضرورة إليه، ألا ترى أنه إنما كوى سعدًا حينما خاف عليه الهلاك من النزف.
وقد يحتمل أن يكون إنما نهى عمران خاصة عن الكي في علة بعينها لعلمه أنه لا ينجع، ألا تراه يقول فما أفلحنا ولا أنجحنا، والكي في بعض الأعضاء يعظم خطره وليس كذلك في بعض الأعضاء فيشبه أن يكون النهي منصرفًا إلى النوع المخوف منه (١) . وعلل ابن العربي النهي لأنهم كانوا يعظمون أمره، ورأوا أنه يبرىء ولا بد، ولأنهم كانوا يستعملونه على العموم بينما الأصل أنه يستعمل في داء مخصوص (٢) .
وهكذا يتضح أن الكي يعتبر طريقًا من طرق العلاج، وقد عالج به النبي ﷺ أصحابه عند الحاجة، وعندما كان يتعين طريقًا للشفاء.
وأن النهي كان عن المغالاة في استعماله، أو أن يجري على يد غير الأطباء أو الاعتقاد بأنه يقي صاحبه من المرض أو التوهم بأنه يحسم العلة ويمنع تفاقمها أو لاعتقاد أن الشفاء يمنع النكس، ووضح لهم أن استعماله مشروط بموافقته للداء مع الاعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى (٣) ، وبهذا الاعتبار أجازه الجميع (٤) .
وقد أحسن ابن القيم في التوفيق بين أحاديث الكي حيث قال: (فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع، أحدها: فعله، والثاني: عدم محبته له، والثالث: الثناء على من تركه، والرابع: النهي عنه، ولا تعارض بينها، بحمد الله تعالى، فإن فعله يدل على جوازه، وعدم محبته له لا يدل على المنع منه، وأما الثناء على تاركه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهة، أو عن النوع الذي لا يحتاج إليه. بل يفعل خوفًا من حدوث الداء) (٥) .
ومن أنواع التعالج بالجراحات الصغرى أيضًا ما ثبت من أن فاطمة ﵍ لما رأت الدم الذي ينزف من وجهه ﷺ يزيد على الماء كثرة، عمدت إلى حصير فأحرقتها وألصقتها على جرح رسول الله ﷺ فرقأ الدم (٦) . وفي رواية للترمذي: فأخذ حصير فأحرق وحشي به جرحه.
стр. 11243
وسائل التداوي الروحي
في الجاهلية والبديل الإسلامي
نعلم أن البدن يمرض ووقايته تكون باتخاذ الأسباب التي تمنع طروء المرض من الخارج كما في المحاجر الصحية، وكذلك بتقوية البدن بالأغذية الجيدة والنظافة وبالأدوية إذا ألم به المرض.
وكذلك الأرواح تمرض، ويكون حمايتها بتقويتها بالإيمان بالله تعالى، لأن روح المؤمن بالله لا تؤثر فيه الوسوسة، وهذا هو معنى نفي سلطان الشيطان عنه ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] كما أن الميكروبات لا تجد لها مأوى في الأجساد النظيفة القوية، وإذا مرضت النفس فإنها تعالج كما يعالج الجسد بعد حدوث المرض فيه بتأثير الميكروبات فيه، بالأدوية التي تقتلها وتمنع امتدادها، ومن طرق معالجة النفس الأدوية الإلهية.
غير أن أكثر المؤمنين بالطب الروحي لا يقفون فيها عند حدود ما أنزل الله تعالى على رسوله، وما فهمه منه حملته من السلف الصالح بل زادوا عليه من الخرافات والبدع مثل اتباعهم الدجالين الذين يعتقدون بصلتهم بالشياطين وتأثيرهم على الروح والبدن وقدرتهم على شفاء المرضى وغير ذلك من الحب والبغض (١) بين الأزواج. ومثل هذه المعتقدات كانت شائعة عند العرب قديمًا ولما جاء الإسلام حارب كل هذه الوسائل من خلال العقيدة الحقة القائمة على تفويض الأمر كله خيره وشره إلى الله تعالى، وإن الجن أو الإنس ليسوا قادرين على النفع والضر إلا إذا كتب الله شيئًا من ذلك. فبذلك قضى على هذه الخرافات، وحرم الاستعانة بكل وسيلة تشم منها رائحة الشرك أو الاعتماد على غير الله.
ولكن مع ذلك أبقى الإسلام كعادته من الوسائل الروحانية ما لا يتعارض مع العقيدة الحقة، فأجاز الاستشفاء بالقرآن، وبأسماء الله تعالى وصفاته وبذلك أوجد بديلًا صحيحًا عن كل ذلك.
ونحن في هذه العجالة نتحدث عن هذين الأمرين وهما: وسائل التداوي الروحي المحرمة، والاستشفاء بالقرآن وذلك في فرعين:
الفرع الأول: وسائل التداوي المحرمة:
ونتحدث فيها عن المسائل الآتية:
стр. 11244
المسألة الأولى:
الكهانة والكاهن هو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان ويدعي معرفة الأسرار (١) .
فكان الناس في الجاهلية يتعقدون أن الأمراض تحدث بسبب غضب الآلهة عليهم أو بسبب سيطرة الأرواح الشريرة عليهم، فكانوا يستعينون بمن لهم القربة من الآلهة أو لهم القدرة على طرد تلك الأرواح وهم الكهنة، وقال القرطبي: ( ... وقد انقطعت الكهانة بالبعثة المحمدية، لكن بقي في الوجود من يتشبه بهم) (٢) .
ولما جاء الإسلام (جرد علم الطب من خرافاته وتعاويذه وسحرته وكهنته) (٣) .
وجاءت آيات القرآن مقوية لإرادته مطمئنة لقلبه، دون أن نجد فيه ألفاظًا سحرية أو آيات تشير إلى اللجوء إلى التعزيمات وأقوال الكهنة لدفع الأمراض، وإنما بين لنا أن العلاج بالدواء لا بالكهان والمعزمين قال في وصف العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (٤) . وقال النبي ﷺ : ((تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء)) . وبينت السنة أن الرسول ﷺ كان يتطبب، ويسأل عن أعلم الأطباء وأفضلهم، وشرع ﷺ التداوي واستعمله في نفسه وأمر به غيره.
وهكذا ميز الإسلام بين الطب وبين الدجل الذي يدعيه بعض المشعوذين لاستدرار أموال الناس بالباطل (٥) .
فمنع الرسول ﷺ تلك الطرق ومنها الكهانة، فقد صح في الحديث أن النبي ﷺ سئل عن الكهان فقال: ليس بشيء، فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحيانًا بشيء فيكون حقًّا، فقال رسول الله ﷺ : ((تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه، فيخلطون معها مائة كذبة)) (٦) ، فبين لهم بطلان قولهم وأنه لا حقيقة له. كما نهاهم عن التكسب بمثل هذه الطرق حيث نهى ﷺ ((عن حلوان الكاهن)) (٧) بل منعهم من التعلق بالطرق الوهمية والاعتماد عليها. واعتبر ذلك كفرًا بالله تعالى، كما في حديث أبي هريرة رفعه: (من أتى كاهنًا أو عرافًا فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد) (٨) . وفي رواية لمسلم بلفظ: (من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) (٩) . وهذا دليل على أن إتيان الكهنة ومن شابههم مذموم شرعًا، إذ أكذبهم كلهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإثباتهم (١٠) . كما قال القرطبي: (وثبت النهي عن إتيانهم فلا يحل إتيانهم ولا تصديقهم) (١١) .
стр. 11245
المسألة الثانية:
العرافة والعراف هو المنجم الذي يدعي علم الغيب الذي استأثر الله تعالى به - ويزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات أسباب يستدل بها على مواقعها، من كلام من يسأله أو فعله أو حاله (١) .
وعن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من أتى عرافًا لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) (٢) .
المسألة الثالثة:
التميمة: وهي خرزات كانت العرب تعلقها على الصبيان يتقون بها العين بزعمهم (٣) . ويقال: قلادة تعلق فيها العودة، ويرون أنها تدفع عنهم الآفات، فلما أرادوا دفع المقادير بذلك كان شركًا (٤) .
وعن عقبة بن عامر قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من يعلق تميمة فلا أتم الله له)) (٥) . وفي رواية: ((من علق تميمة فقد أشرك)) (٦) . وعن عمران بن الحصين أنه دخل على النبي ﷺ وفي عنقه حلقة من شعر، فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة، قال: أيسرك أن توكل إليها؟ انبذها) (٧) .
وفي رواية: قال النبي ﷺ : ((من تعلق شيئًا وكل إليه)) (٨) . وفي رواية: إن الرقي والتمائم والتولة شرك (٩) .
وأما من تعلقها متبركًا بذكر الله تعالى فيها وهو يعلم أن لا كاشف إلا الله ولا دافع عنه سواه فلا بأس بها (١٠) ، ولذا كان سعيد بن المسيب يأمر بتعليق القرآن، ويقول لا بأس به (١١) . وكذا جاءت الرخصة بتعليقه على الصبيان عن الباقر وابن سيرين مطلقًا، وقال الألوسي: وهو الذي عليه الناس قديمًا وحديثًا في سائر الأمصار (١٢) .
وأما ما أجاب به الإمام مالك عندما سئل عن تعليق التمائم والخرز، وقوله بأن ذلك شرك، وقال: بلغني أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((ما يبالي ما أتى من شرب ترياقًا أو تعلق تميمة)) (١٣) . فإنه يحمل على ما كان بغير لسان العربية ولعله قد يدخله كفر، أو فيمن يعلقها وهو يرى تمام العافية وزوال العلة منها كالتي في الجاهلية (١٤) .
стр. 11246
المسألة الرابعة:
التولة: ما يحبب المرأة إلى زوجها وهي من أنواع السحر (١) .
قال أبو عبيد: وذلك لا يجوز (٢) .
وفي حديث ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك (٣) .
قال القاري: والتِوَلَة بكسر التاء وبضم وفتح الواو نوع من السحر أو خيط يقرأ فيه من السحر، أو قرطاس يكتب فيه شيء من السحر للمحبة أو غيرها.
وسماها النبي ﷺ شركًا لأنها قد تفضي إلى الشرك لاعتقادهم أن ذلك يؤثر، ويفعل خلاف ما قدره الله تعالى، وإما لأن المتعارف منها في عهده ما كان معهودًا في الجاهلية وكان مشتملًا على ما يتضمن الشرك (٤) .
المسألة الخامسة:
النشرة: وهي ضرب من الرقية والعلاج، يعالج من كان يظن أن به سحرًا أو مسًّا من الجن، سميت بذلك لأنه يكشف عنه المرض (٥) . وعرفها ابن الجوزي: بأنها حل السحر عن المسحور. وقال ابن الأثير: النشرة كالتعويذ والرقية، يقال: نشرته تنشرًا: إذا رقيته وعوذته، وإنما سميت نشرة، لأنها ينشر بها عن المريض، أي يحل عنه ما خامره من الداء (٦) .
ومن طرقها ما ورد في قصة اغتسال العائن وهناك طرق أخرى ذكرها الحافظ في الفتح (٧) .
وممن صرح بجواز النشرة المزني صاحب الشافعي وأبو جعفر الطبري وغيرهما، وسئل سعيد بن المسيب عن رجل به طب أخذ عن امرأته أيحل له أن ينشر؟ قال: (لا بأس، إنما يريد به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه) (٨) .
стр. 11247
وممن قال بجوازها أيضًا الإمام أحمد (١) .
ويؤيد مشروعية النشرة حديث ((العين حق)) (٢) . ولما في الصحيح عن عائشة أنها قالت للنبي ﷺ لما سحره لبيد بن الأعصم: هلا تنشرت؟ فقال: ((أما والله فقد شفاني وكرهت أن أثير على الناس شرًا)) . والنفس تميل إلى رأي القائلين بأن ((استخراج السحر إن كان بالقرآن كالمعوذتين وآية الكرسي ونحو ذلك مما تجوز الرقيا به فلا مانع من ذلك وإن كان بسحر أو ألفاظ عجمية، أو بما لا يفهم معناه أو بنوع آخر مما لا يجوز فإنه ممنوع)) (٣) . ومما أورده الحافظ في الشرح من قصة سهل بن حنيف وعامر بن ربيعة وأنه أمره النبي ﷺ أن يغتسل وأن يصب ذلك الماء على سهل، ففعل، فشفي سهل.
ثم نقل الحافظ قول المازري من أنه لا يجوز رد مثل هذا لعدم إمكان تعليله ومعرفة وجهه من جهة العقل، وكذلك قول ابن العربي: إن توقف فيه متشرع، قلنا له: قل الله ورسوله أعلم، وقد عضدته التجربة، وصدقته المعاينة، أو متفلسف فالرد عليه أظهر، لأن عنده أن الأدوية تفعل بقواها، وقد تفعل بمعنى لا يدرك، ويسمون ما هذا سبيله الخواص (٤) . وما ورد من النهي عن النشرة كما في قوله ﷺ : ((النشرة من عمل الشيطان)) (٥) ، فهو إشارة إلى أصلها (٦) ، (أي النوع الذي كان عليه الجاهلية يعالجون به ويعتقدون فيه وأما ما كان من الآيات القرآنية والأسماء والصفات الربانية والدعوات المأثورة النبوية فلا بأس به) (٧) .
стр. 11248
المسألة السادسة:
السحر: وهو صرف الشيء عن وجهه، وقال القسطلاني: أمر خارق للعادة، صادر عن نفس شريرة لا تتعذر معارضته، وهو بتأثيره نوع من الأمراض، كما قال القرطبي: الحق أن لبعض أصناف السحر تأثيرًا في القلوب كالحب والبغض وإلقاء الخير والشر، وفي الأبدان بالألم والسقم (١) .
وفي قصة اليهودي الذي سحر الرسول ﷺ ما يدل على حصول الضرر له ﷺ بالسحر وأن ذلك الضرر ليس نقصًا فيما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما يجوز عليه من سائر الأمراض (٢) .
وقد سبق أن قدمنا أن النبي ﷺ نهى عن التداوي بالمحرم سواء كان هذا العلاج روحيًّا أو بدنيًّا، ومن طرق العلاج الروحي المحرم ما كان بالاستعانة بالسحرة والشياطين والمشعوذين، ولما كانت هذه الطرق وسيلة لإفساد النفوس وتشويش العقيدة، وتشتيت الأذهان، حرم الإسلام هذا النوع من العلاج وما يلحق به مما كان معروفًا لدى العرب قديمًا من الكهانة والعرافة والطيرة (٣) ، والطرق (٤) ، والتنجيم (٥) حماية لعقيدة المسلم من الدخل، وحفاظًا على عقله من أن يكون أسير الأوهام وإبعادًا لبدنه عن أن يكون موطنًا للشيطان، فحرم الإسلام السحر، وبين أنه من الكبائر (٦) . وأن مستحله كافر، وأن المؤمن به محروم من الجنة وفي الحديث: (ثلاثة لا يدخلون الجنة) وعدَّ منهم: (ومصدق بالسحر) (٧) ، ونفى الرسول ﷺ أن يكون الساحر من جماعة المسلمين وفي الحديث (وليس منا.. من تكهن له أو سحر أو سحر له) (٨) . ولحديث (من أتى عرافًا أو ساحرًا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٩) وفي ذلك تحذير شديد للمسلم من إتيان الساحر وتصديقه ومنع له من الوقوع في شراكه، ولأن السحر عقد بين الشيطان والساحر، ويترتب عليه الكفر بالله تعالى، فالتعالج به حرام (١٠) .
стр. 11249
كيفية التعالج منه:
فمنه ما صح عنه ﷺ أنه قال: ((من تصبح سبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر)) (١) وقد يكون باستخراجه وتبطيله كما في الخبر (٢) فهو كإزالة المادة الخبيثة بالاستفراغ، في المحل الذي يصل إليه السحر (٣) وكذلك يكون علاجه بالقرآن كالمعوذتين، وآية الكرسي، والدعوات والأدعية المأثورة ونحو ذلك فما يجوز الرقيا به، فلا مانع من ذلك (٤) ، وقال عنها ابن القيم: فهذا جائز بل مستحب (٥) .
وقد تقدم في تعريف النشرة أنها ضرب من العلاج يعالج به من يظن أن به سحرًا أو شيئًا من الجن، وأن ابن المسيب قال: لا بأس به إنما يريدون به الإصلاح فأما ما ينفع الناس فلم ينه عنه، وعن قتادة: إنما نهى الله تعالى عما يضره ولم ينه عما ينفعه (٦) . وفي حديث جابر عند مسلم مرفوعًا (من استطاع أن ينفع أخاه فليفعل) (٧) .
وقال الحافظ قلت: سلك النبي ﷺ في هذه القصة (٨) ، مسلكي التفويض وتعاطي الأسباب ففي أول الأمر فوض وسلم لأمر ربه، فاحتسب الأجر في صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك، وخشي من تماديه أن يضعفه عن فنون عبادته جنح إلى التداوي (٩) ، ثم إلى الدعاء، وكل من المقامين غاية في الكمال (١٠) .
стр. 11250
وأما الممنوع فهو حل سحر بسحر مثله وهو الذي قال عنه الرسول ﷺ من عمل الشيطان وعلى هذا النوع يحمل قول الحسن: (لا يحل السحر إلا ساحر) (١) .
وهناك طرق أخرى لعلاج المسحور ذكرها بعض المفسرين - تعتمد على المنامات - لم تقتنع نفسي إلى الأخذ بها (٢) .
الفرع الثاني: الاستشفاء بالقرآن الكريم:
ثبت في الصحيحين (٣) وغيرهما أن النبي ﷺ عالج بالقرآن الكريم، لأنه شفاء ورحمة كما بين الله تعالى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ﴾ (٤) .
ولفظ ((شفاء)) مطلق لم يقيد بكونه شفاء للقلوب فقط.
والاستشفاء إما أن يكون من الأمراض الروحانية وإما أن يكون من الأمراض البدنية.
أما عن الاستشفاء بالقرآن من الأمراض الروحانية فقد اتفقوا جميعًا على ذلك (٥) . وعللوا رأيهم بأن الأمراض الروحانية نوعان: الاعتقادات الباطلة والأخلاق المذمومة، أما الاعتقادات الباطلة فأشدها فسادًا الاعتقادات الفاسدة في الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر. والقرآن كتاب مشتمل على دلائل المذهب الحق في هذه المطالب، وإبطال المذاهب الباطلة فيها، ولما كان أقوى الأمراض الروحانية هو الخطأ في هذه المطالب والقرآن مشتمل على الدلائل الكاشفة عما في هذه المذاهب الباطلة من العيوب الباطنة لا جرم كان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض الروحاني، وأما الأخلاق المذمومة فالقرآن مشتمل على تفصيلها وتعريف ما فيها من المفاسد والإرشاد إلى الأخلاق الفاضلة الكاملة والأعمال المحمودة فكان القرآن شفاء من هذا النوع من المرض فثبت أن القرآن شفاء من جميع الأمراض الروحانية (٦) .
وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية، فإن للعلماء في هذه المسألة اتجاهين:
الاتجاه الأول:
وهو رأي القائلين بأن القرآن يتضمن شفاء الأبدان كما تضمن شفاء الأرواح.
وقال الرازي في نصرة هذا الرأي (٧) :
وأما كونه شفاء من الأمراض الجسمانية فلأن التبرك بقراءته يدفع كثيرًا من الأمراض ولما اعترف الجمهور من الفلاسفة وأصحاب الطلسمات بأن لقراءة الرقى المجهولة والعزايم التي لا يفهم منها شيء آثارًا عظيمة في تحصيل المنافع ودفع المفاسد، فلأن تكون قراءة هذا القرآن العظيم المشتمل على ذكر جلال الله وكبريائه وتعظيم الملائكة المقربين وتحقير المردة والشياطين سببًا لحصول النفع في الدين والدنيا كان أولى ويتأكد ما ذكرنا بما روي أن النبي ﷺ قال: ((من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله تعالى)) (٨) .
стр. 11251
وأكثر من أيد هذا الاتجاه ابن القيم حيث قال: وأما تضمنها لشفاء الأبدان: فنذكر منه ما جاءت به السنة، وما شهدت به قواعد الطب، ودلت عليه التجربة.
فأما ما دلت عليه السنة: ففي الصحيح من حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري: ((أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ مروا بحي من العرب فلم يقروهم، ولم يضيفوهم. فلدغ سيد الحي فأتوهم. فقالوا: هل عندكم من رقية، أو هل فيكم من راق؟ فقالوا: نعم، ولكنكم لم تقرونا فلا نفعل حتى تجعلوا لنا جعلًا، فجعلوا لهم على ذلك قطيعًا من الغنم، فجعل رجل منا يقرأ عليه بفاتحة الكتاب. فقام كأن لم يكن به قلبه. فقلنا: لا تعجلوا حتى نأتي النبي ﷺ فأتيناه، فذكرنا له ذلك، فقال: ما يدريك أنها رقية؟ كلوا واضربوا لي معكم بسهم)) (١) . فقد تضمن هذا الحديث حصول شفاء هذا اللديغ بقراءة الفاتحة عليه. فأغنته عن الدواء. وربما بلغت من شفائه ما لم يبلغه الدواء.
هذا مع كون المحل غير قابل، إما لكون هؤلاء الحي غير مسلمين، أو أهل بخل ولؤم. فكيف إذا كان المحل قابلًا. ثم بين أنه جرب هذا الدواء شخصيًّا حينما أقام بمكة واستفاد منه فقال: (فإنه كان يعرض لي آلام مزعجة، بحيث تكاد تقطع الحركة مني. وذلك في أثناء الطواف وغيره. فأبادر إلى قراءة الفاتحة، وأمسح بها على محل الألم فكأنه حصاة تسقط. جربت ذلك مرارًا عديدة، وكنت آخذ قدحًا من ماء زمزم فأقرأ عليه الفاتحة مرارًا. فأشربه فأجد به من النفع والقوة ما لم أعهد مثله في الدواء والأمر أعظم من ذلك. ولكن بحسب قوة الإيمان، وصحة اليقين، والله المستعان (٢) . وقال في زاد المعاد (٣) : فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة وبنحو هذا ذهب البرسوي عند تفسيره هذه الآية ثم ذكر شواهد من التجربة تدل على ذلك، فقال:
واعلم أن القرآن شفاء للمرض الجسماني أيضًا روي أنه مرض للأستاذ أبي القاسم القشيري، قدس سره، ولدٌ مرضًا شديدًا بحيث أيس منه فشق ذلك على الأستاذ فرأى الحق سبحانه في المنام فشكا إليه فقال الحق تعالى: اجمع آيات الشفاء واقرأها عليه واكتبها في إناء واجعل فيه مشروبًا واسقه إياه ففعل ذلك فعوفي الولد وآيات الشفاء في القرآن ست: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤] ، ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس:٥٧] ، ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل:٦٩] ، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] ، ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٨٠] ، ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت:٤٤] . (قال تاج الدين السبكي ﵀ في طبقاته (٤) : ورأيت كثيرًا من المشايخ يكتبون هذه الآيات للمريض ويسقاها في الإناء طلبًا للعافية وقوله ﵇: ((من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله)) يشمل الاستشفاء به للمرض الجسماني والروحاني) .
стр. 11252
قال الشيخ التميمي ﵀ في خواص القرآن: إذا كتبت الفاتحة في إناء طاهر ومحيت بماء طاهر وغسل المريض وجهه عوفي بإذن الله فإذا شرب من هذا الماء من يجد في قلبه تقلبًا أو شكًّا أو رجفًا أو خفقانًا يسكن بإذن الله وزال عنه ألمه وإذا كتبت بمسك في إناء زجاج ومحيت بماء ورد وشرب ذلك الماء البليد الذي لا يحفظ بشربه سبعة أيام زالت بلادته وحفظ ما يسمع، فعلى العاقل أن يتمسك بالقرآن ويداوي به مرضه وقد ورد (القرآن يدلكم على دائكم ودوائكم أما داؤكم فذنوبكم وأما دوؤكم فالاستغفار) فلا بد من معرفة المرض أولًا فإنه ما دام لم يعرف نوعه لا تتيسر المعالجة وأهل القرآن هم الذين يعرفون ذلك فالسلوك بالوسيلة أولى (١) .
واختار الألوسي أن تكون "مِنْ" في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ [الإسراء: ٨٢] للتبعيض أي أنه باعتبار الشفاء الجسماني وهو من خواص بعض دون بعض، ومن البعض الأول الفاتحة وفيها آثار مشهورة (٢) ، ولكن الأكثرية على خلاف رأيه.
والطب النفساني أو الروحاني لا ينكر أهمية المعالجة الروحية، إذ هي فرع من الطب يبحث في العلاقات المتبادلة بين الجسم والنفس، لأن الحالة النفسانية كثيرًا ما تؤثر في البدن (٣) . لذا قال سقراط: ( ... وأن الخطأ الكبير في معالجة الجسم الإنساني في أيامنا هذه، هو أن الأطباء يفرقون بين الجسم والنفس) (٤) .
ولقد سمي علم الأمراض النفسية في تراثنا الإسلامي القديم ((بطب القلوب)) ووصف ابن القيم (٥) هذا النوع في وصفه للطبيب قائلًا: (أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، وذلك أصل عظيم في علاج الأبدان) .
وهكذا نجد أن علماءنا يربطون بين علل القلب والبدن، أي العلاقة بين الأمراض النفسية والأمراض العضوية، بل أدركوا أن المصاب بعلة بدنية حقيقية تتحسن حالته إذا ما رفعنا روحه المعنوية، وبشرناه بالشفاء العاجل، ولذا جاء في الحديث أنه ﷺ قال: ((إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإن ذلك لا يرد شيئًا وهو يطيب بنفس المريض)) (٦) . وقد شاهد الناس كثيرًا من المرضي تنتعش قواه بعيادة من يحبونه ورؤيتهم لهم ولطفهم ومكالمتهم إياهم، وقد كان الرسول ﷺ يزور المريض ويسأله عن شكواه وعما يشتهيه ويضع يده الشريفة على جبهته ويدعو له ويصف ما ينفعه ويدخل السرور على قلبه.
стр. 11253
وفي الدراسات النفسية الحديثة أثبت الدكتور تالبوت (أن هناك نسبة عالية من حالات الصداع سببها نفسي، ويكفي مثالًا لتلك الصلة بينهما أن تكون قرحة المعدة أو الاثني عشر بتأثير الانفعال ويبين الطب الحديث أن كثيرًا من أمراض التوتر العصبي؛ أو سوء الهضم أو الإمساك أو الصداع أو الشلل أو فقد حاسة ما، أو نوبات صرعية.. أو غيرها تعرف هذه الأعراض باسم ((الأعراض المحولة)) لأن أسبابها الحقيقية أسباب غير جسمية، بل انفعالية أو عقلية، ثم تحولت إلى أمراض جسمية) (١) . وهكذا نجد أن الأطباء - كما قال الألوسي - (معترفون بأن من الأمور والرقى ما يشفى بخاصية روحانية، ومن ينكر فلا يعبأ به) (٢) .
وقد أجاز كثير من العلماء الاستشفاء بالقرآن بأن يقرأ على المريض أو الملدوغ الفاتحة، أو يكتب في ورق ويعلق عليه أو في طست ويغسل ويسقى، وعن النبي ﷺ ((أنه كان يعوذ نفسه، وكذلك أجازوا أن يشد الجنب والحائض التعاويذ على العضد، إذ كانت ملفوفة ... )) (٣) . ومع هذا الرأي - كما سبق - ابن المسيب وابن سيرين ومالك وهو مروي عن عائشة ﵂ (فقد روي أنها كانت تقرأ بالمعوذتين في إناء، ثم تأمر أن يصب على المريض) (٤) .
وأما الاتجاه الثاني:
فقد ذهبوا إلى القول بأنه شفاء للقلوب فقط بزوال الجهل عنها وذهاب الريب وكشف الغطاء عن الأمور الدالة على الله سبحانه، المقررة لشرعه (٥) ، ومع هذا الاتجاه الحسن والنخعي ومجاهد (٦) وأيدهم من المعاصرين الشيخ شلتوت ﵀ وقال: (إن القرآن لم ينزل دواء للأمراض البدنية، لأن الله خلق لها عقاقير طبية فيها خاصية الشفاء، وأرشد إلى البحث عنها والتداوي بها، وأرشد النبي ﷺ أمته إلى أن التداوي من الأمراض البدنية إنما يكون من طريق الطب البشري الذي يعرف الدواء، أما القرآن فلم ينزله الله دواء لأمراض الأبدان، وإنما أنزله كما قال دواء لأمراض القلوب، لأنها أمراض معنوية، وشفاؤها بأدوية معنوية، والقرآن قد عالج هذه الأمراض المعنوية وما التداوي في الأمراض البدنية بالقرآن إلا كقراءة البخاري والختمات للنصر على الأعداء في ميدان القتال، وهو وضع للعلاج المعنوي مكان العلاج المادي، وهو قلب لنظام الله تعالى في خلقه، وعروج بالقرآن عما أنزل لأجله) (٧) .
стр. 11254
كما أنكر ما يفعله البعض من كتابة الآيات القرآنية في إناء، ثم تمحى بالماء ثم يؤمر المريض بشربه، أو تعلق حجابًا وقال: إن هذا عبث بالقرآن وبالعقول الضعيفة (١) ، ويمكن أن يستدل لهم بما روى أبو داود من حديث جابر ﵁ أن الرسول ﷺ قال حين سئل عن النشرة: ((هي من عمل الشيطان)) (٢) . وبما روي عن النخعي أنه كان يقول: أخاف أن يصيبه من شرب ما محى به القرآن بلاء.
وبما قاله الحسن من أنه سأل أنسًا عن ذلك، فقال: ذكروا عن النبي ﷺ أنها من الشيطان.
وقد تولى ابن عبد البر (٣) الرد على ما استدل به هؤلاء، وقال: (وهذه آثار لينة ولها وجوه محتملة، وقد قيل: إن هذا محمول على ما إذا كانت خارجة عما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﵊، وعن المداوة المعروفة، والنشرة من جنس الطب فهي غسالة شيء له فضل، فهي كوضوء رسول الله ﷺ . قال ﷺ : ((لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، ومن استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل)) (٤) .
وإن النفس لتميل مع رأي القائلين يكون القرآن شفاء للأمراض الروحانية والجسمانية ولكن نقول كما قال المناوي: (لا يحسن التداوي به إلا الموفقون) (٥) .
والذي يظهر لنا رجحانه هو القول الأول لما ذكرناه من الأدلة، وذلك لأنه لا يلزم من هذا القول سلب كون القرآن كتاب هداية فهو بلا شك كتاب هداية للبشرية جمعاء، ولكنه مع ذلك لا مانع من أن يستشفى به لأمراض البدن.
ولكن ينبغي أن نعلم أن القراءة التي تشفي هي التي تكون مع الإخلاص وفراغ القلب من الأغيار والإقبال على الله تعالى بالكلية وعدم تناول الحرام، وعدم الآثام، فقراءة من هذا حاله مبرىء للأمراض وإن أعيت الأطباء، ولذا قال بعض الأئمة: متى تخلف الشفاء، (فهو إما لضعف تأثير الفاعل أو لعدم قبول المحل المنفعل أو لمانع قوي يمنع تخلفه أن ينجع فيه الدواء كما تكون في الأدوية الحسية شفاء لما في الصدور: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ [الإسراء: ٨٢] فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية لكن لا يحسن التداوي به إلا الموفقون ولله حكمة في إخفاء سر التداوي به عن نفوس أكثر العالمين كما له حكمة بالغة في إخفاء كنوز الأرض عنهم ... ) اهـ (٦) .
стр. 11255
التداوي بالمحظورات
اختلف الفقهاء في حكم التداوي بالمحرمات على ثلاثة أقوال:
القول الأول: وهو القول بعدم جواز التداوي بالمحرمات - المطعوم والمشروب في ذلك سواء وهو قول المالكية (١) والحنابلة (٢) والشافعية (٣) في أحد القولين عندهم وفي وجه عند الحنفية (٤) والزيدية (٥) وهو قول جمهور العلماء (٦) .
واستدلوا لقولهم بأدلة منها ما رواه مسلم عن طارق بن سويد الجعفي أنه سأل النبي ﷺ عن الخمر يصنعها للدواء؟ فقال: ((إنه ليس بدواء ولكنه داء)) (٧) . وفي الصحيح عن ابن مسعود أن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم (٨) . وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث (٩) .
وتمسكوا بظاهر هذه الأحاديث في القول بمنع التداوي بالمحرم لعموم النهي ولأن بعضها يدعو إلى بعض حتى أجاب ابن تيمية بالمنع لمن سأله عن التداوي بالخمر عند الضرورة كما أنهم لم يجعلوا المرض من الضرورات التي تبيح المحظورات، كما في تناول المضطر للميتة في المخمصة معللين قولهم بالافتراق بينهما بأن المضطر في حالة المخمصة يتعين الأكل طريقًا لإنقاذ حياته بخلاف حالة المرض فإن هذه المحرمات لا يتعين تناولها طريقًا للشفاء، والحاصل أن الضرورة عندهم لا تتحقق هنا.
القول الثاني: وذهب أصحابه إلى القول بجواز التداوي بالمحرمات وبه قالت الظاهرية (١٠) وبعض الفقهاء (١١) ، وفي الأصح عند الشافعية جواز التداوي بجميع النجاسات سوى المسكر (١٢) ومجمل تعليلهم أن التداوي يعتبر من حالات الضرورة، والضرورات تبيح المحظورات واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (١٣) .
فما اضطر المرء إليه فهو غير محرم عليه، كإباحته ﷺ للعرنيين أبوال الإبل على سبيل التداوي من المرض وأول ما صح من أدلة خصومةٍ بأن المحرمات في حالى الاضطرار إلى التداوي بها تكون مباحة فلا تكون من الخبائث فلا يصدق عليها اسم الدواء الخبيث المحرم الممنوع التداوي به.
стр. 11256
القول الثالث: وهو القول بجواز التداوي بالمحرم إذا تيقن طريقًا للشفاء وإلا فلا يباح التداوي به، وهو قول بعض الحنفية (١) وقول بعض الشافعية (٢) وبعض المالكية (٣) . ويستدل لهم بما ثبت من أن النبي ﷺ أباح للعرنيين أن يتداووا بأبوال الإبل، وأن النبي ﷺ عرَّف شفاء أولئك بها على الخصوص، لذا قالوا بجوازه عندما يتعين المحرم طريقًا للشفاء، ولا يجد المريض دواء طاهرًا يقوم مقام الدواء المحرم، وأن يكون بإخبار الطبيب المسلم العدل (٤) وبهذا يمكن الجمع بين أحاديث النهي وبين حديث العرنيين.
والراجح هو القول بجواز التداوي بالمحرم عند الضرورة وبالشروط التي ذكرها هؤلاء (لأن النبي ﷺ أباح للعرنيين التداوي بأبوال الإبل وهي محرمة إلا أنها لما كانت مما يستشفى بها في بعض العلل رخص لهم في تناولها) (٥) .
الدكتور علي محمد يوسف المحمدي
стр. 11257
المصادر والراجع
١- أحكام القرآن، للجصاص، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت.
٢- إحياء علوم الدين للغزالي، طبعة عيسى الحلبي، مصر.
٣- الآداب الشرعية لابن مفلح، طبعة بدون تاريخ.
٤- إرشاد الساري للقسطلاني، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت.
٥- الإصابة لابن حجر، طبعة دار صادر، بيروت.
٦- أضواء البيان للشنقيطي، طبعة من مطبوعات المدرسة السلفية، مصر.
٧- أعلام الموقعين بتحقيق محمد محيي الدين.
٨- الإفصاح لابن هبيرة، طبعة المؤسسة السعيدية، الرياض.
٩- البحر الزخار، للإمام أحمد بن المرتضي، مؤسسة الرسالة، بيروت.
١٠- البحر المحيط، لأبي حيان، الناشر مكتبة مطابع النصر الحديثة، الرياض.
١١- بدائع الصنائع للكساني، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت.
١٢- بدائع الفوائد لابن القيم، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت.
١٣- بهجة النفوس للأندلسي، طبعة دار الجيل.
١٤- التاج الجامع الأصول، للشيخ منصور على ناصف، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
١٥- تخريج الدلالات السماعية للتلمساني، طبعة المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة.
١٦- تحفة الأحوذي للمباركفوري، الناشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
١٧- التراتيب الإدارية للكتاني، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
١٨- تربية الأولاد في الإسلام، د. عبد الله علوان، طبعة دار السلام، طبعة الثالثة.
١٩- ترتيب القاموس المحيط، طبعة عيسى الحلبي.
٢٠- تفسير فتح القدير للشوكاني، طبعة مصطفى الحلبي.
стр. 11258
٢١- التفسير الكبير للرازي، طبعة دار الفكر، بيروت.
٢٢- تفسير المنار، طبعة الهيئة المصرية.
٢٣- التمهيد لابن عبد البر، طبعة وزارة الأوقاف المغربية.
٢٤- تهذيب التهذيب لابن حجر، طبعة دار صادر، بيروت.
٢٥- جامع الأصول لابن الأثير، تحقيق الأرناؤوط.
٢٦- الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٢٧- حاشية ابن عابدين، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٢٨- حاشية الدسوقي، طبعة عيسى الحلبي، مصر.
٢٩- حواشي الشرواني وابن القاسم، طبعة بدون.
٣٠- الدر المنثور للسيوطي، طبعة دار المعرفة، بيروت.
٣١- روح البيان للبرسوي، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٣٢- روح المعاني للألوسي، طبعة إحياء التراث العربي، بيروت.
٣٣- الروضة الندية للقنوجي، طبعة دار إحياء التراث الإسلامي، الدوحة.
٣٤- زاد المعاد لابن القيم، طبعة مؤسسة الرسالة.
٣٥- زاد المسير، لابن الجوزي، طبعة المكتب الإسلامي.
٣٦- الزواجر للهيثمي، طبعة دار المعرفة، بيروت.
٣٧- سنن ابن ماجه، طبعة عيسى الحلبي.
٣٨- السنن الكبرى للبيهقي، طبعة دار المعرفة، بيروت.
٣٩- سنن النسائي، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت.
٤٠- شرح الأزهار، لابن مفتاح، مكتبة اليمن، صنعاء.
٤١- شرح الزرقاني على الموطأ، طبعة دار المعرفة، بيروت.
٤٢- الشفاء للقاضي عياض، طبعة مكتبة الفارابي، دمشق.
٤٣- صحيح مسلم بتحقيق فؤاد عبد الباقي، طبعة عيسى الحلبي، مصر.
٤٤- صفة الصفوة لابن الجوزي، نشر دار الوعي، حلب.
٤٥- صفوة البيان للشيخ مخلوف، طبعة دار الكتاب العربي، مصر.
٤٦- الطب عند العرب والمسلمين، د. محمود الحاج، الدار السعودية للنشر والتوزيع.
٤٧- الطب النبوي لابن القيم.
стр. 11259
٤٨- الطب النبوي والعلم الحديث، د. محمود النسيمي، طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت.
٤٩- طرح التثريب، للحافظ العراقي، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٥٠- عارضة الأحوذي، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.
٥١- عون المعبود للمباركفوري، الناشر المكتبة السلفية، بالمدينة المنورة.
٥٢- غريب الحديث لابن الجوزي، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت.
٥٣- فتاوى الشيخ شلتوت، طبعة دار الشروق، ١٩٨٠م.
٥٤- الفتاوى الكبرى لابن تيمية، مكتبة ابن تيمية، مصر.
٥٥- فتاوى معاصرة للقرضاوي، طبعة المطبعة السلفية، مصر، الطبعة الأولى.
٥٦- الفتاوى الهندية، طبعة باكستان.
٥٧- فتح الباري لابن حجر، طبعة المطبعة السلفية، مصر.
٥٨- الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي، طبعة دار الفكر.
٥٩- الفقه على المذاهب الأربعة للجزيري، الناشر دار الإرشاد.
٦٠- الفواكه الدواني، طبعة مصطفى الحلبي.
٦١- فيض القدير للمناوي، طبعة دار المعرفة، بيروت.
٦٢- قواعد الأحكام للعز بن عبد السلام، طبعة دار الجيل، بيروت.
٦٣- قليوبي وعميرة، طبعة عيسى الحلبي.
٦٤- قوت القلوب لأبي طالب المكي، دار صادر، بيروت.
٦٥- كشاف القناع للبهوتي، دار الفكر، بيروت.
٦٦- لامع الدراري، طبعة مكة المكرمة.
٦٧- المبسوط للسرخسي، طبعة دار المعرفة، بيروت.
٦٨- مجمع الزوائد للهيثمي، طبعة دار مكتبة القدسي، مصر.
٦٩- مجموعة بحوث فقهية، عبد الكريم زيدان، طبعة مؤسسة الرسالة، ١٩٧٦م.
٧٠- المجموع للنووي، توزيع المكتبة العالمية.
٧١- المحلى لابن حزم، طبعة المكتب التجاري، بيروت.
٧٢- مختصر الفتاوى المصرية للبعلي، طبعة دار الجيل.
стр. 11260
٧٣- مدارج السالكين لابن القيم، طبعة دار الكتاب العربي، بيروت.
٧٤- مرقاة المفاتيح للقاري، طبعة دار إحياء التراث.
٧٥- مسند أحمد، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت.
٧٦- المصنف، لعبد الرزاق، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت.
٧٧- معالم السنن للخطابي، طبعة الأولى، المكتبة العلمية، بيروت.
٧٨- معالم القربة في أحكام الحسبة، للشيخ محمد بن محمد القرشي، طبعة الهيئة المصرية للكتاب.
٧٩- الموطأ، طبعة عيسى الحلبي.
٨٠- النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، الناشر المكتبة الإسلامية.
٨١- نيل الأوطار للشوكاني، طبعة مصطفى الحلبي.
стр. 11261
العلاج الطبي
إعداد
الدكتور محمد عدنان صقال
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
إن علاقة المريض بالطبيب هي علاقة ثقة متبادلة وموقف الطبيب تجاه صحة المريض هو موقف شخصية ملتزمة تقدم النصح والدواء فالمطلوب من الطبيب ليس فقط معاينة العضو المصاب والاهتمام به حصرًا بل كذلك عليه أن يهتم ويعتني بكامل الحالة الصحية العامة لمريضه، أي أن المطلوب هو وجود شخصية إنسانية تقف أمام كلية المريض وليس أن يتصرف إزاء عضو المريض فقط ولا حتى إزاء الحالة كطبيب نفساني فقط.
إن ثمة سؤالاً يطرح نفسه دائمًا كيف يمكن للطبيب أن تكون مهمته عادلة ومنطقية أمام كثير من الأمراض وخاصة المستعصية منها، وذلك يقودنا بشكل منطقي إلى التساؤل ماذا تعني هذه الإنسانية الكاملة التي يجب على الطبيب أن يتعامل معها؟ ما هي الوسائل التي يمتلكها الطبيب لتمكنه من مساعدة هذا الإنسان المريض؟.
إن حياة الإنسان منذ بدايتها حتى نهايتها تكون مرتبطة بالأمل، الأمل في أن يأخذ مكانه تحت الشمس، الأمل الذي يجعله يكد ويعمل، الأمل الذي يجعله يؤمن بالشفاء، أما إذا فقد هذا الأمل فستكون الحياة عذابًا وشقاء.
إن الخطوة الأولى والتي تقود إلى اللقاء بين المريض والطبيب تحصل عادة بمبادرة من المريض عندما يذهب ((بطلب)) إلى الطبيب وأغلب المرضى يبحثون عن الطبيب الذي يساعدهم في العودة إلى صحتهم الجيدة ومضمون هذا ((الطلب)) رغم وضوح وعلنية صياغته فإنه يختلف من مريض إلى آخر وذلك حسب مفهوم كل مريض عن الصحة التي يبحث عنها.
لقد عرف ميثاق منظمة الصحة العالمية (WHO) الصحة بما يلي: ((هي حالة الاستقرار الكامل والشعور بالرضى التام في الحالات الجسمية والنفسية والاجتماعية)) .
وفي هذه الحالة فمن يستطيع منا أن يعتبر نفسه معافى. فحسب هذا التعريف فإن كل الناس دائمًا مرضى أي ((الإنسانية مريضة)) .
стр. 11262
إن أصعب الأمور على الطبيب عندما يقف حائرًا أمام مريضه هو يرى أن إمكانية إنقاذ هذا المريض تبدو وكأنها مستحيلة ولكنه رغم ذلك لا يستطيع أن يبوح بهذه المعلومة المدفونة بصدره، وما أكثر مثل هذه الحالات الميؤوس منها.
كان لي زميل أصيب بتشمع الكبد زرته في بيته وكان هو رئيس أطباء المستشفى الذي كنت أعمل فيه بألمانيا قلت له: كيف حالك؟ فأجابني بابتسامة ملؤها السخرية تعلو شفتيه أتسألني أنت عن حالتي، لو سألني غيرك لأجبته بالجواب المعهود إنني بصحة جيدة، أما أنت، أنت الذي تعرف مرضي وتعرف عاقبة دائي، أما سمعت بتشمع الكبد، شكرًا على مجاملتك. كانت يداه ترتجفان، لن أنسى منظره ولن أنسى صوته المرتجف المتقطع ولم أنس تمتمته الأخيرة ((إنني أتمنى الموت)) .
مسكين أيها الطبيب ومسكين أيها المريض، كم سيكون المشوار صعبًا وكم سيكون الحوار عقيمًا وما أصعب على الإنسان من أن يقول غير ما يعتقد وأن يمنع من إظهار ما يعتلج بصدره.. فالمريض ينظر إلى الطبيب أنه الملاذ الأخير لإنقاذه ويبني الآمال والمعنويات عليه، وفي حقيقة الأمر لا يستطيع الطبيب فعل أي شيء تجاهه.
مريض آخر شاب أصيب بما يعرف عن موت الدماغ وبقي فترة طويلة يعيش هذا الإنسان على الأجهزة الاصطناعية كان كل شيء ساكنًا لا حراك ولا منعكس فيه إلا ذلك القلب الذي كان يدق ويدق ويدق، ومرت الأيام، ولن أنسى تلك الأم المسكينة التي كانت تزرع في كل زاوية من زوايا المستشفى دمعة وآهة وحسرة، أما الوالد المفجوع فكان ثمة سؤال يتردد على شفتيه، إلام سيبقى ولدي هكذا، إلام سنبقى معذبين؟ إنني أشعر أننا نسير إلى الهلاك قبله، وفي يوم من الأيام حضر والد المصاب لعيادتي وأخبرني أنه أصبح مقتنعًا أن حالة ابنه ميؤوس منها ووافق على نزع الأجهزة حتى تنتهي هذه المأساة.
مرت لحظات وكأنني أصبت بوجوم عميق أجل ولكن من هذا الفارس الذي سيطلق ما يسمونه خطأ رصاصة الرحمة، ولا أكتمكم سرًّا أنني كنت جبانًا كلما تقدمت لاقتلاع الأجهزة، شعرت برهبة وخوف شديدين ولن أنسى ذلك الصباح الذي دخلت غرفة المريض لأجد أن كل الأجهزة قد انتزعت منه وأن قلب هذا الشاب قد توقف ولم أعرف من الذي قام بهذا العمل وأن الذي أراحني فيما بعد هو القرار رقم (٥) الذي صدر عن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الذي جاء فيه:
((إذا تعطلت جميع وظائع دماغه تعطلًا نهائيًّا وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا العطل لا رجعة فيه وأخذ دماغه في التحلل وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء كالقلب مثلًا لا يزال يعمل آليًا بفعل الأجهزة المركبة والله أعلم)) .
стр. 11263
أيها الأخوة الأفاضل:
هناك أمثلة كثيرة على حالات كثيرة ميؤوس علاجها وقد تضيق الصفحات إذا استرسلت بسرد كثير من الأوراق، فالسرطان المنتشر مثلًا مرض ميؤوس منه والإيدز (نقص المناعة المكتسبة) مرض ميؤوس منه أيضًا على الأقل حتى يومنا هذا.
ماذا سيفعل الطبيب، إن الأمر شائك وأن هناك تساؤلات عديدة قد يحار المرء في أن يجد الجواب وقلبه مطمئن كل الاطمئنان، ثم ما هو حكم الشرع، هل يجب الاستمرار بالعلاج رغم الحكم بانتهاء الأمل في الشفاء ((تداووا عباد الله فإن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له الدواء)) صدق رسول الله أو كمال قال.
أليس التداوي واجبًا أمن أنه مباح يجوز تركه وبذلك نكون قد حكمنا عليه - أي الجسد - بالذبول والفناء، وتركنا شرطًا شرعيًّا، حيث إننا لم نحافظ على هذا الجسم الذي خلقه الله في أحسن تقويم.
ماذا يستطيع الطبيب أن يفعل أمام هذه الحالات التي تمر أمامه كل يوم ليس لديه إلا مجال واحد أن يترك المريض يعيش بقناعات يوحيها إليه على أن مرضه بسيط وأن الشفاء قادم لا محالة ومن ثم يضطر لإعطائه صنفًا من الدواء حتى تكتمل الناحية الطبية والنفسية معًا، كما أن هناك أمرًا يجب أن لا نغفل عنه وأن يؤخذ بعين الاعتبار ألا وهو الشروط المادية والمعنوية التي يجب أن تنسجم مع قرار المجتمع الذي نعيش فيه.
فمثلًا بالغرب وعلى الأخص بأمريكا عندما تلد المرأة طفلًا مشوهًا، فتراهم جميعًا متفقين حتى يتخلصوا من هذا الوليد وأن لا يكون عالة عليهم، أما المجتمع الإسلامي فهو مؤمن بقدره مع الله وهو يعلم أنه إن أقدم على ذلك فجزاؤه النار ومن هنا كانت الطمأنينة والرضا بقدر الله.
стр. 11264
ولن أنسى ذلك الأب لطفل أصيب بداء عضال حتى أوشك على الموت وأصبح ميؤوسًا منه، قلت له: إن ولدك يشرف على الهلاك فتبسم وقال: إنني على يقين أن الشافي هو الله وإنكم معشر الأطباء لن تستطيعوا أن تفعلوا شيئًا عندما تكون إرادة الله قد قضت وهو فعال لما يريد.
ومن هنا كانت نعمة الإيمان والتسليم لقضاء الله في المجتمع الإسلامي أمرًا يحل كثيرًا من الأمور التي يعاني منها كثير من المرضى والأطباء على سواء، في مجتمعات ثانية، إن التصرف في مثل هذه القضايا الحساسة يتطلب إلى جانب السند العلمي القاطع، الطمأنينة العاطفية والرضا الوجداني وقد كان هناك طبيب مرموق ومختص كان يرقد في مشفاه إنسان جَزَمَ هو وشلة من الأطباء بأنه قد مات موتًا دماغيًّا بالأدلة العلمية التي لا ريب فيها واتجه إلى أهله ينعاه لهم ويؤكد ذلك لهم بالأدلة العلمية المقنعة، ثم حاول أخذ موافقتهم للاستفادة من قلبه لإسعاف مريض آخر واقتنع الأهل ووافقوا، ولكن الأطباء ما أن باشروا بتهيئة الأسباب لاستخراج قلب قريبهم المتوفى دماغيًّا حتى ارتفع العويل والصراخ، وثار الأهل وهاجموا، ومن ثم حيل بين الأطباء وتنفيذ ما اتفقوا عليه. ذلك لأن هذه الدلائل العلمية للموت أقنعت عقول أقارب الميت ولكنها لم تهيمن على عواطفهم ووجدانهم. إن الناس كانوا ولا يزالون يعتدون بموت القلب دون أن يكتفوا بموت الدماغ الذي لا يدركه إلا أصحاب الاختصاص والشارع يؤيدهم في هذا الاحتياط والتأكد حتى لا تشيع أنها ميتة ظالمة بين الناس فتنبثق من ذلك الفتنة والظنون السيئة. وهذا كما هو واضح ليس تكذيبًا لقرار الأطباء كما أن القول بالموت الدماغي ليس تطورًا علميًّا لمعنى الموت بحيث تطور الأحكام الشرعية وفقًا لذلك ولكنه إيثار من الشارع لاتباع القناعات العامة إغلاقًا لباب الفتنة ودرءًا للظنون السيئة أن تشيع في الناس بعضهم البعض.
ويجب أن لا ننسى أن الأساس في كل ذلك هو مراقبة الله في تنفيذ مثل هذه الأحكام والحرص على ممارستها وتطبيقها على الوجه الذي يتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية والحكمة التي يتوخاها الشارع من شرع لعباده، فإن لم يتحقق هذا الأساس التنفيذي، فإن جهود الباحثين والمجتهدين تظل على الغالب نظرية، هذا إن لم نقل إنها قد تصبح وسائل تحت سلطان الكثيرين لتحقيق المآرب الدنيوية والوصول إلى كثير من المبتغيات غير المشروعة.
стр. 11265
لقد قالوا إن الموت هو مفارقة الروح للبدن مفارقة تامة وبكلمة أهم هو انقطاع الحياة عن البدن انقطاعًا تامًّا (١) .
ولا شك في أن محاولة تحديد اللحظة التي تنتهي فيها حياة الإنسان في الدنيا تحديدًا دقيقًا من الناحية الشرعية أصعب من البحث في معرفة الزمن الذي تبدأ منه تلك الحياة ومن هنا نرى أن قضيتنا هذه ليس فيها نص من قرآن أو سنة يمكن اتخاذه منطلقًا للبحث (٢) .
أيها الأخوة المحترمون:
هناك أمر آخر يجب أن يكون خاتمة بحثنا هذا وهو ((مدى توقف العلاج مع إذن المريض)) .
هل نحن الأطباء ملزمون بتحقيق رغبة المريض في إنهاء العلاج له أو الاستمرار فيه وبصورة أعم من ذلك هل يجب أن نحصل على إذن من المريض بتطبيق العلاج والكف عنه متى شاء؟ إن هناك أمورًا قد تكون خطيرة جدًّا فمثلًا طفل في السابعة من عمره تبين لنا بعد إجراء خزعة على ورم في ساقه بأنه مصاب بسرطان العظام ومن الناحية الطبية يجب استئصال الطرف قبل أن ينتشر الداء وعندها لا دواء له إن هذا المريض طفل لم يبلغ سن البلوغ وعليه فيتحتم علينا أخذ موافقة الأهل وعندما فوجئوا بالحقيقة تحكمت العاطفة على العقل ورفضوا بتر الطرف وبعد سنتين عم المرض وانتشر وتوفي هذا الطفل المسكين من هو المسؤول يا ترى؟ هل الطبيب الذي كان مقصرًا بإقناع الأهل، أو الأهل؟ كيف لنا أن نحدد المسؤول على التتابع عند اشتراك الجناة مع التتابع؟ إنني أرى أن المسؤول الأول والوحيد هو ذاك الأب الجاهل المسكين.
стр. 11266
فعندما يكون الإنسان لا يتمتع بأهلية كاملة يستقل بها بإدارة شؤون نفسه كالطفل والمجنون، فمن الثابت أن هذا الصنف من الناس لا يملك أن يستقل بالتصرف في هذا الأمر الذي هو أخطر شؤونه الشخصية. ثم ما هو موقف الشرع من هذا الأب الذي كان سببًا في موت ابنه. وإنني هنا لست بموطن المدافع عن الأطباء، فقد يخطئون وقد تكون الشهوة المادية دافعًا خطيرًا لاستعجال القرار. ولكن عندما يكون هناك إجماع من قبل عدد من الأطباء المختصين وأصدروا حكمًا بالإجماع فيجب أن يكون ثمة قوانين تدين مثل هؤلاء الناس الذين لا ينصاعون لأوامر الأطباء ويتسببون في حدوث ما لا يحمد عقباه، بل وأمر من ذلك عندما يكون المريض بالغًا وليس مجنونًا وخرج من إجماع الأطباء ثم كانت الكارثة، هل هذا يختلف عن الذي يلقي بنفسه في أتون من النار قصد الانتحار مع الفارق في القصد والهدف والجريمة والوضع النفسي.
إننا بحاجة يا أخوتي إلى طبيب مسلم يخشى الله كما أننا بحاجة إلى مجتمع يرقى بتفكيره إلى الشعور بالمسؤولية وأن يتمتع بقوة روحية عالية تبعده عن الجهل وتجعل منه فردًا يميز الخبيث من الطيب عندها يبقى المجال مفتوحًا لأن يلتقي الإنسان بأخيه الإنسان وعندها يتم تبادل مثل هذه العلاقة الإنسانية بشكلها المتكافىء والالتزام والشعور بالمسؤولية من كلا الطرفين عندها يحق للمرء أن يتساءل فيما إذا كانت الشخصية الطبية في حد ذاتها تتطور بشكل بشري ومبرر لتصبح قوة مخلصة بدون أن تتقمص شخصية الساحر العجيب أو حتى دون أن تقوم بأية إيحاءات موجبة أو تقدم أي تضليل وتزييف للحقائق.
والله المستعان أن يوفقنا باحثين ومنفذين لرعاية هذه الأسس على خير وجه، إنه نعم المستعان ونعم النصير والحمد لله رب العالمين.
الدكتور محمد عدنان صقال
стр. 11267
العلاج الطبي
١– علاج الحالات الميئوس منها.
٢– مدى توقف العلاج على إذن المريض.
جمع وترتيب
الدكتور عبد الله محمد عبد الله
الكويت – محكمة التمييز
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أولًا – علاج الحالات الميؤوس منها:
اليأس كما في لسان العرب القنوط وقيل: نقيض الرجاء وقيل: اليأس إحدى الراحتين (١) وعلى هذا فإن المفهوم من العنوان أن المطلوب هو حكم علاج من وصل إلى هذه المرحلة التي يئس فيها المريض من الشفاء أو يئس الطبيب نفسه من جدوى علاجه: هل يسوغ له ترك علاجه؟ وهل يعتبر الطبيب مقصرًا إن هو لم يقم بأي عمل إجابي نحوه؟ وأرى أن لهذه الحالات ثلاث صور:
الأولى: أن يصل المريض بسبب مرضه إلى هذه الحالة التي يعبر عنها الفقهاء بأنها حركة مذبوح فلا يبقى معه سمع ولا إبصار ولا حركة اختيار بالأسباب العادية من غير جناية عليه.
الثانية: أن يصل إلى حركة مذبوح بأن لم يبق فيه إبصار ونطق وحركة اختيار بالجناية عليه.
الثالثة: بالنسبة للأمراض التي لم يصل الطب إلى علاج لها.
والكلام عليها ينبغي أن تقدم لها مقدمة فتبين أولًا مذاهب العلماء في التداوي ثم نذكر مذاهب العلماء وأقاويلهم على الصور المشار إليها.
أولًا – مذاهب العلماء في التداوي:
١– التداوي جائز أي مباح.
٢– فعل التداوي أفضل من تركه وبه قال بعض الشافعية، قال النووي في شرح مسلم إنه مذاهب الشافعية وجمهور السلف وعامة الخلف (٢) وقطع به ابن الجوزي والقاضي وابن عقيل.
٣– مذهب أبي حنيفة أنه مؤكد حتى يدانى به الوجوب.
٤– مذهب مالك يستوي فعله وتركه.
وفى الحديث قال ﷺ : عباد الله تداووا فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء أو دواء إلا داء واحدًا، فقالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: الهرم، رواه أبو داود والترمذي وصححه.
стр. 11268
وفى مسند الإمام أحمد عن عروة بن الزبير عن خالته عائشة الصديقة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ كثرت أسقامه فكان يقدم عليه أطباء العرب والعجم فيصفون له فنعالجه.
وفى المسند أيضًا عن أنس مرفوعًا: إن الله حيث خلق الداء خلق الدواء فتداووا.
وقيل: فعل التداوي واجب. زاد بعضهم: إن ظن نفعه.
قال شيخ الإسلام: ليس بواجب عند جماهير الأمة إنما أوجبه طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد.
وأحاديث الأمر بالتداوي للإباحة والإرشاد دون الوجوب كما فيه علة غير واحد.
وحرم الدواء بمحرم أو كان في مفرداته شيء محرم أبو حنيفة ومالك وكذا الشافعي في المسكر (١) .
ثانيًا: أما بالنسبة لمذاهب الفقهاء وأقوالهم فيمن وصل حالة يئس فيها المريض والطبيب من جدوى العلاج.
فقد فرق العلماء بين الصورتين الأولى والثانية المشار إليهما، فبالنسبة لمن أوصله مرضه إلى حالة اليأس فقد قالوا: إن من وصل إلى سكرات الموت وبدت أمارته عليه وتغيرت أنفاسه لا يحكم له بالموت فلا تشرع زوجته في العدة ولا تنتهى عدتها ولو ولدت حينئذ ولا تجب مؤنة تجهيزه ولا يجوز تجهيزه ولا تصح الصلاة عليه ولا يجوز دفنه ولا ينتقل ماله للوراث (٢) .
أما من وصل إلى تلك الحالة بسبب الجناية عليه فقد نص الشافعية على أن من وصل إلى حركة مذبوح بأن لم يبق فيه إبصار ونطق وحركة اختيار بالجناية عليه أعطي حكم الأموات مطلقًا فيجوز تجهيزه ودفنه ويجوز تزوج زوجته حينئذ إذا انقضت عدتها كأن ولدت عقب صيرورته إلى هذه الحالة وأنه لا يرث من مات عقب هذه الحالة وتقسم تركته قبل موته (٣) .
ورتبوا على ذلك أن من اعتدى على حياة الأول يعتبر قاتلًا يجب عليه القصاص وأن من اعتدى على الثاني لا يعتبر قاتلًا، بل يعتبر الأول الذي أوصله إلى هذه الحالة هو القاتل، أما الثاني فيعزر.
стр. 11269
واختلف المالكية: فيمن وصل إلى حركة المذبوح على قولين:
الأول: يرث ويورث.
الثاني: لا يرث ولا يورث.
وقالوا: لو أجهز شخص على منفوذ القاتل من غيره فقيل يقتل به الأول ولا يرث ولا يورث.
والثاني يقتل به الثاني ويرث ويورث.
والثالث يقتص من الأول ويرث ويورث وهو أحسن الأقوال.
وفي سماع أبي زيد أنه يقتل به الثاني ولا يكون على الأول إلا الأدب لأنه من جملة الأحياء ويرث ويورث إلى أن قال: ولو قيل يقتلان به جميعًا لأنهما قد اشتركا في قتله لكان له وجه (١) .
الخلاصة:
أنت ترى أن المسألة خلافية سواء في التداوي وتعاطي العلاج أو في مدى جدوى العلاج فيمن وصل الحال به إلى درجة القنوط واليأس من علاجه ولكن الذي يظهر لي على ضوء ما كتب فيه الأئمة من الآداب التي ينبغي مرعاتها عند من وصل إلى حالة الاحتضار وذلك في الصورة الأولى أن تتبع معه تلك الآداب، منها:
أن يحضره إذ ذاك أحسن أهله وأصحابه هديًا وخلقًا ودينًا وسمتًا ووقارًا فيلقنه كلمتي التوحيد برفق بأن يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله جهرًا ثم يسكت ساعة ثم يعيدها ثم كذلك إلى أن يقضي.
ومنها أن يكثر الدعاء له وللحاضرين لكن بخفض صوت وحسن سمت ووقار لأن الملائكة يحضرون ويؤمنون على دعاء الداعي وهذا من المواطن التي يرجى فيها قبول الدعاء. قالوا: وينبغي لمن يلقنه أن لا يضجر ولا يقلق إن طال الأمر عليه، وأنه لا يحسن البكاء بحيث يسمعه المحتضر.
стр. 11270
فإذا قضى الميت فليشتغل من حضره بحقه ويأخذ في إصلاح شأنه فمن ذلك أن يغمض عينيه إلى غير من الأمور التي ذكروها في كتبهم (١) .
الثالثة - أما بالنسبة للأمراض الأخرى التي لم يصل الأطباء إلى علاج لها عدا الحالتين المشار إليهما فإنه لا ينبغي للطبيب أن يدخل اليأس في نفس المريض فقد ذكر ابن الحاج في آداب الطبيب أنه وقع له مع بعض الأطباء أنه كان يتردد عليه في مرض كان به ويصف له أشربة وأدوية ينفق فيها نفقة جيدة فطال الأمر عليه قال: فقطعته وعوضت موضوع تلك النفقة خبزًا أتصدق به بنية امتثال الشفاء في دفع ذلك المرض فما كان إلا قليل وفرج الله عني وحصلت العافية فلما أن خرجت لقيت الطبيب فسألته عما كان يكتبه من الأشربة والأدوية وأي منفعة كانت فيها لذلك المرض فقال: والله ما فيها شيء إلا أنه يقبح بالطبيب أن يخرج من عند المريض ولا يصف له شيئًا لئلا يوحشه بذلك (٢) .
أما بالنسبة للصورة الثانية وهي من وصل إلى حالة اليأس من علاجه لسبب جناية وقعت عليه وقرر الأطباء ذلك لا حرج على الطبيب ولا على ذويه أن كفوا عن علاجه لأنه في حكم الأموات كما سبق. والله أعلم.
ثانيًا – مدى توقف العلاج على إذن المريض:
إن الإجابة على هذا الاستفسار يتوقف على ما كتبناه في الموضوع السابق خاصة فيما يتعلق في حكم العلاج وقد ذكر صاحب منظومة الآداب في هذا الشأن قوله:
وترك الدواء أولى وفعلك جائز
ولم يتقن فيه حرمة مفرد
قال شارحها السفاريني: إن ترك التداوي أفضل من التداوي.
ونقل في رواية المروزي: العلاج رخصة وتركه أعلى درجة منه وأن تعاطي المريض الدواء جائز أي مباح لا حرام ولا مكروه وقد سبق أن بينا خلاف العلماء في هذه المسألة وأن الرأي الذي عليه جماهير العلماء أن فعل التداوي أفضل من تركه وعند مالك يستوي فعله وتركه. وعلى هذا فإن المريض أو وليه إذا طلب من الطبيب توقف العلاج فإنه لا شيء على الطبيب إن هو استجاب لهذه الرغبة. والله أعلم.
الدكتور عبد الله محمد عبد الله
стр. 11271
المناقشة
العلاج الطبي
الرئيس:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
العلاج الطبي بمسائله التي طرقت بحثًا هو موضوع هذه الجلسة المسائية - بإذن الله تعالى - والعارض هو الأستاذ الدكتور محمد علي البار، والمقرر هو الشيخ يوسف المحمدي. فليتفضل الطبيب محمد علي البار.
أحدهم يقول:
المحمدي غير موجود.
الرئيس:
إذن المقرر هو الدكتور عدنان الصقال.
الدكتور محمد علي البار:
بسم الله الحمن الرحيم
أصحاب السماحة والفضيلة والسعادة
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
الحمد لله خالق الداء والدواء ومصرف الأسباب كيف يشاء، والصلاة والسلام على نبي الهدى وآله ومن اهتدى والقائل: ((ما أنزل الله داء إلا وأنزل له الشفاء)) [أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁] ، وفي رواية عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: ((ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علم ذلك من علمه وجهله من جهله إلا السام)) [أخرجه الحاكم] ، وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وأحمد والنسائي عن أسامة بن زيد ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ وجاءت الأعراب فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال: ((نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا ووضع له الشفاء غير داء واحد. قالوا ما هو؟ قال: الهرم)) . وتداوى رسول الله ﷺ وأمر أصحابه بالتداوي والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومستفيضة، ورغم ورود الأحاديث الكثيرة في الحث على التداوي وأن رسول الله ﷺ قد تداوى وأمر صحابته وأهل بيته بالتداوي إلا أن الأمة مجمعة على جواز ترك التداوي في بعض الحالات، قال الإمام الذهبي في الطب النبوي: فصل: التداوي أفضل أم تركه؟ أجمعوا على جوازه - أي التداوي - وذهب قوم إلى أن التداوي أفضل لعموم قوله ﷺ : ((تداووا)) ، ولأنه كان يديم التطبب في صحته ومرضه، ثم قال: فالمنصوص عن أحمد أن تركه - أي التداوي - أفضل. نص عليه في رواية المروزي، فقال: العلاج رخصة وتركه درجة.
стр. 11272
ثم قال: والدليل عليه ما رواه ابن عباس أن امرأة جاءت إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله: ادع الله أن يشفيني. فقال: ((إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت صبرت فلك الجنة، فقالت: يا رسول الله أصبر)) [أخرجه البخاري ومسلم] . وقال ﷺ ((سبعون ألفًا يدخلون الجنة لا حساب عليهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون)) ، وفي رواية: ((هم الذين لا يتطببون ولا يسترقون)) [أخرجه البخاري] .
قال الذهبي: ونقل علاء الدين بن البيطار ﵀: أجمع المسلمون أن التداوي لا يجب.. وعن أحمد وجه في الوجوب نقله أحمد ابن تيمية. ويحمل الحديث ((تداووا)) على الإباحة، وعن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قيل له: ألا ندعو لك طبيبًا؟ قال: قد رآني، قالوا فما قال؟ قال: إني فعال لما أريد، وقيل لأبي الدرداء: ما تشتكي؟ فقال: ذنوبي، قيل: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قيل: أفلا ندعو لك طبيبًا؟ قال: الطبيب بطبه ودوائه لا يستطيع دفع مقدوراتي، قال الإمام الذهبي معلقًا على ذلك: التوكل اعتماد القلب على الله وذلك لا ينافي الأسباب ولا التسبب بل التسبب ملازم للتوكل فإن المعالج الحاذق يعمل ما ينبغي ثم يتوكل على الله في نجاحه، وكذلك الفلَّاح يحرث ويبذر ثم يتوكل على الله في نمائه ونزول الغيث. قال الله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ، وقال ﵊: ((اعقلها وتوكل)) ، وقال ﷺ : ((أغلقوا الأبواب)) وقد اختفى الرسول ﷺ في الغار ثلاثًا، ثم قد تكون العلة مزمنة ودواؤها موهومًا قد ينفع وقد لا ينفع. انتهى كلام الإمام الذهبي. وقد أجيب أن ما فعله أبو بكر الصديق وأبو الدراء ﵄ كان في مرض الموت وقد علما أن الطب لا يغني في ذلك شيئًا.
стр. 11273
متى يجب التداوي؟
يبدو - والله أعلم - أن هناك بعض الحالات التي يجب فيها التداوي ونضرب لها بعض الأمثلة:
الأول: الأمراض الوبائية المعدية التي ينتقل ضررها إلى الآخرين والتداوي منها ممكن، ويغلب على الظن حصول البرء والشفاء، ومثال ذلك مرض السل الذي يمكن أن يقضي على المريض وينتقل للآخرين، بينما علاجه ممكن وخاصة في المراحل الأولى والمتوسطة، بل يمكن علاج كثيرٍ من الحالات المتقدمة وعلى أقل تقدير يمكن إيقاف المرض عند حده ومنع العدوى، وكذلك الجذام حيث يمكن إيقاف المرض عند حده ومنع العدوى، وهناك العديد من الأمراض التي تفرض الدول والمجتمعات القيود على المصاب بها، وتفرض عليه التداوي ومثالها الدفتريا (الخناق) والتيتانوس (الكزاز) والكوليرا والتيفوئيد والحمى الشوكية وغيرها، وتفرض الدول الغربية وبعض الدول الأخرى وجوب التبليغ عن الأمراض الجنسية التي كانت تسمى الزهرية، وفي هذه الحالات يتم التبليغ عمن اتصل بهم المريض جنسيًّا، وتقوم السلطات الصحية بالاتصال بهؤلاء لمداواتهم، وإذا تركنا جانبًا موضوع الأمراض الجنسية وأن هذه القوانين الغربية تكشف بعض الأسرار الخاصة لغرض الوصول إلى جميع الأفراد الذين اتصل بهم المصاب، ومحاولة مداواتهم ثم معرفة الأفراد الآخرين الذين كانت لهم علاقة جنسية بهؤلاء المصابين حتى تتسع الدائرة، فإننا لا نجد صعوبة في فهم القوانين والمراسيم الخاصة بالأمراض المعدية، والتي تفرض الدول التداوي والتبليغ عنها لوقاية المجتمع بأسره، ويجب التداوي في الحالات للأسباب التالية:
١- أن عدم التداوي في الحالات التي توفر دواؤها هو نوع من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة وهو أمر منهي عنه لقوله تعالى ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ . [البقرة: ١٩٥] .
٢- أن الضرر سينتقل إلى الآخرين وخاصة الأهل والمحيطين بالمريض حيث ينتقل الميكروب من المريض إلى السليم المخالط، وقد ورد النهي عن ذلك بقوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) ، وبقوله: ((لا يورد ممرض على مصح)) .
стр. 11274
٣- المشقة التي تحصل له ولأهله ولذويه بتمريضه وتلبية حاجاته.
٤- خسارة المجتمع لعضو عامل في المجتمع، وفقدان أيام العمل وإطالة أمد المريض.
كذلك يجب التداوي في الأمراض غير المعدية والتي يمكن التداوي منها، مثال ذلك: التهاب الزادة الدودية إذ أن تركها قد يؤدي إلى انفجارها وإلى حدوث ما لاتحمد عقباه مع أن إجراء العملية الجراحية أمر ميسر والبرء شبه متيقن، والمضاعفات من العملية والتخدير نادرة الحدوث، وهكذا كل مرض يمكن مداواته بالجراحة أو بالعقاقير أو غيرها من وسائل العلاج إذا تيقن أو غلب على الظن حصول البرء والشفاء بالتداوي، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير.
متى يجوز عدم التداوي؟
١- الأمراض التي لا دواء لها: هناك مجموعة من الأمراض التي ربما يظهر أنه يجوز فيها عدم التداوي، الأمراض التي لا دواء لها وأن دوائها فيه مخاطر كثيرة وأن فائدة التداوي مظنونة، ولا يغلب على الظن حصول الشفاء، بل إن الأمل في حصول الشفاء ضئيل، ومثالها حالات السرطان والأورام الخبيثة بعد انتشارها في الجسم، فإن التداوي بالجراحة أو العقاقير الكيماوية أو الأشعة لا يؤدي في هذه الحالات إلى الشفاء، بل ربما لا يؤدي ذلك إلى تخفيف المرض ولإيقافه عند حده، ولا منع الإعاقة وإيقاف الألم، وقد تكون كلفة التداوي على المريض وأهله مما يزيد في معاناتهم وحرجهم، وقد لا يستفيد من هذه المحاولات إلا المستشفيات وأصحابها.
٢- الأمراض التي لا تضر إلا صاحبها ولا تؤدي في الغالب إلى إعاقة أو زمانة أو تعطيل وظائف الشخص، وبالتالي لا تشق على من حوله، فيتحملها راضيًا مطمئنًا محتسبًا للأجر والثواب ومثالها الشقيقة والصداع.
стр. 11275
٣- الأمراض التي لا تستطيع الوسائل الطبية المتاحة أن تقضي عليها، والتداوي بالتالي مشكوك الفائدة، وغاية الطبيب أن يخفف من الأعراض والآلام، ومع هذا فإن العقاقير المستخدمة ذات أضرار مع إدمان استخدامها، والمريض بالخيار في الصبر على الألم والبعد عن أضرار العقاقير أو تعاطي الدواء، مع توقع حدوث بعض الأضرار نتيجة الاستمرار في تعاطي هذه العقاقير، مع العلم أن حصول الشفاء أمر مستبعد وغير متوقع ومثالها الأمراض الرثية أي الروماتزمية والأمراض المناعية الذاتية.
من الذي يقرر التداوي من عدمه؟
١- في الأمراض المعدية والسارية التي يتعدى ضررها إلى الآخرين تحدد الدولة متمثلة في وزارة الصحة الأمراض التي يجب التبليغ عنها ومداواتها ومتابعتها، ويحتاج بعضها إلى الحجر الصحي في مستشفيات خاصة مثل مستشفيات الحميات.
٢- حالات الجنون التي يتعدى فيها الضرر إلى الآخرين، أو أن المصاب قد يضر نفسه دون أن يعقل، ويلقي بها إلى التهلكة، وفي هذه الحالة هناك مراسيم خاصة لإدخال هذا المصاب مستشفى الأمراض العقلية.
٣- في الحالات المرضية التي لا يتعدى ضررها إلى المخالطين للمجتمع فإن الذي يقرر قبول التداوي من عدمه هو المريض نفسه، إذا كان بالغًا، عاقلًا راشدًا ولا يجوز الاعتداء على هذا الحق بأي شكل من الأشكال إلا في حالات فقدان الوعي وحالات الإسعاف.
٤- إذا كان المريض قاصرًا أو مختلًّا عقليًّا أو فاقدًا للوعي والإدراك، فإن هذا الحق ينتقل إلى وليه، ومع ذلك لا يجوز للولي أن يمنع القاصر أو المجنون أو المغمى عليه من تلقي العلاج إذا كان في ذلك إنقاذ لحياته.
٥- يتعين على الطبيب أو الهيئة الطبية أن تقدم الشرح الكافي للمريض أو ولي أمره عن طبيعة العمل الطبي أو الجراحي الذي ينوي القيام به، وللأسف فإن الواقع العملي في معظم الحالات في العالم الثالث لا تلتزم بهذه النقطة، بل نجد أن الإجراءات الطبية بل والعمليات الجراحية تتم دون إذن المريض في بعض الأحيان، دون إذن المريض البالغ العاقل الراشد، ولا يتم تقديم الشرح الكافي للمريض أو ولي أمره عن طبيعة العمل الطبي أو الجراحي إلا فيما ندر، وعن أخذ التوقيع للموافقة على إجراء العملية أو التخدير فإن المريض يمضي على ورقة معدة سلفًا دون أن يذكر فيها نوع العملية ولا تفصيلها ولا نوعية التخدير وهو أمر مخالف للأنظمة.