← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11306–11345 · переход к 11311.

стр. 11306

الدكتور أثار قضية في رأيي أنها لم تحسم في مسألة ترك علاج من كانت هذه حاله، وعقب على ذلك الدكتور الصقال، والحقيقة أنني أثني على ما ذكره الدكتور الصقال وما عقب عليه وأيده أيضًا كلام الشيخ رأفت، لأن هذه المسألة تتعلق بمقاصد الشريعة في الحفاظ على الأنفس من ناحية، ومن جانب آخر - أيضًا - لها علاقة بالجوانب الخلقية وبالجوانب التي اهتمت بها الشريعة من تكريم بني آدم كما ذكر الله ﵎ في كتابه الكريم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ﴾ ، [الإسراء: ٧٠] فإن من يطبق هذه الأمور، ومن ينظر في مسألة علاج الميؤوس منه من عدمه كما أشير إلى ذلك، وأن بعض الجهات تشكل لجنة للنظر في هذه الأمور، وبعض الجهات تتركها مفتوحة، هذه مسألة خطيرة في نظري، وأرى أن المجمع لا ينبغي أن يقول بحال من الأحوال بجواز هذه المسألة، ولا أن يجعلها محلًّا قابلًا للنظر، لأن من يطبقون هذه المسائل مختلفون، فيهم المتشدد وفيهم المتساهل، وفيهم صاحب الدين والخلق، وفيهم العاري من ذلك، والعياذ بالله، وفيهم المهتم وفيهم المتساهل، فإذا تركنا هذا الباب مفتوحًا على مصراعيه أفسدنا كثيرًا، وسنجد أن هناك حالات كثيرة يمكن أن تعالج، نجد أنها لسبب أو لآخر أو لأدنى ملابسة يترك علاجها، ونجد أيضًا في بعض الأحيان أن بني آدم يمتهنون لأقل الأسباب، قد يرى الممرض الذي ينقذ العلاج مثلًا أنه متعب أو منهك وأن هذا المريض الذي يقيم في المستشفى - مثلًا - قد أزعجهم وآذاهم وأنهم دائمًا في كل يوم يسهرون على راحته ويسهرون على علاجه، فقد يصل إلى ملل بسبب هذه الحال، وفيما لو فتحنا الباب فيترك علاجه، ومع اتساع مجال العلاج الطبي وكثرة المرضى وكثرة الطباء وكثرة الصيادلة وكثرة الممرضين، أخشى أننا نقع في مفسدة كبيرة، فلذلك نلتزم القول بعدم جواز ترك العلاج في مثل هذه الحالة حتى ينتهي هذا المريض إلى الموت الكلي الذي يعرفه الناس، وهو مفارقة الحياة ولهذا علامات ظاهرة، فأرجو أن نهتم بهذه القضية وألا نفتح الباب، ودرء المفاسد في الشريعة - كما يقولون - مقدم على جلب المصالح، وهذه قاعدة كلية. وقد جاء أيضًا في الحديث أن حرمة المسلم ميتًا كحرمته حيًا وكسر عظمه ميتًا ككسر عظمه حيًا، فلذلك لا ينبغي بحال من الأحوال أن نتساهل في مسألة علاج الميؤوس منه. هذه جوانب - ظاهرة عامة - لكن أريد - أيضًا - أن أضيف إليها ما أشار إليه كثير من الإخوة من أن الشفاء بيد الله وكثيرًا ما انتقلت حالات ميؤوس من علاجها إلى مرحلة الأمل، وخرج كثير من الناس من المراحل الحرجة الخطرة في العلاج بعد اليأس المطبق إلى مرحلة الأمل المشرق، وخرجوا من المستشفيات ونحن نعلم حوادث كثيرة في هذا، فلذلك لا ينبغي بحال من الأحوال فتح هذا الباب ولو لم نفتح الباب ولو لم نحصل من سده إلا على منع الفساد ودرئه، لكان هذا سببًا قويًّا يقتضي أن نقفل هذا الباب حتى لا يعم الفساد. وصلى الله على نبينا محمد.

стр. 11307

الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يتبين من خلال المناقشات التي جرت في موضوع (العلاج الطبي) أنها على قسمين، قسم تناولته المناقشات بإفاضة أو باقتضاب، وهو حكم العلاج الطبي، والمريض الميؤوس منه، بحكم إخباره، وعلاج الرجل للمرأة، وعلاج المرأة للرجل، والعلاج بالمحرمات. وقسم آخر وفيه قضايا مهمة جديدة وجديرة أن يعتني بها المجمع، كالطب التجميلي والتداوي بالروحيات، وحكم التداوي بالرقية من القرآن، أو من غير القرآن إلى غير ذلك من المسائل. وقد ترون مناسبًا أن تتألف لجنة من أصحاب الفضيلة المشائخ: الشيخ الخليلي، الشيخ عبد الستار، الشيخ عجيل، الشيخ حمزة، والطبيبان البار والصقال، وأن يأخذوا في الاعتبار هذين القالبين: الأول: ما جرت فيه المناقشة فيستخلصوا ما يمكن الوصول إليه في القرار من خلال ما دار فيها. والثاني: أن يجعلوا بيانًا في المسائل التي تعطى أولوية النقاش وإعداد البحوث فيها ومناقشتها في دورة أو في دورات لاحقة - إن شاء الله تعالى -. هذا وإن ما ذكر من أن حكم العلاج فيه أقوال استغرقت أحكام التكليف الخمسة بين التحريم - وهذا قول لا اعتبار له - أو الكراهة أو الوجوب أو الندب أو الإباحة، قد يبدو في هذا وفي حكم إخبار الميؤوس أن هذا مما يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والأزمان ولكل حالة لبوسها وهذا مما يتقدر بقدره. وبالنسبة للميؤوس منه فمعلوم أن الأطباء هم مجتهدون كغيرهم ممن يصدر الأحكام، وكالفلكيين الذين يصدرون الأخبار عن ولادة الشهر، والمجتهد معرض للخطأ والصواب، ولهذا طرق الفقهاء ضمان الطبيب على الخطأ، وكونت (لجان خطأ الأطباء) ومنها في المملكة لجنة قضائية في وزارة الصحة لخطأ الطبيب، وأذكر على سبيل المثال قضية مهمة كانت وقعت في إحدى الجهات، وهو أن طبيبًا قرر الأطباء فيه موت جذع المخ، من ثلاث لجان طبية متعاقبة على مستويات عالية، ثم بعد ذلك سأل الأطباء ورثته عن أن يأخذوا بعض أعضائه، فامتنعوا وأخذوا والدهم إلى بيتهم، وجلس قرابة شهر تحت علاجات بدون أجهزة إنعاش، ثم بعد ذلك شفاه الله وكنت على سبيل الصدفة دعيت إلى إلقاء محاضرة في زراعة الكلى - وبهذه المناسبة فاصلة بسيطة، لأنها كثيرًا ما دارت على ألسنة الإخوان: الكلية بضم الكاف وإن شئتم لضبطها هي كخصية، كلاهما بالضم - فقدر أن هذا المسؤول الكبير شفاه الله وأعرف أنه - خبري فيه من مدة عام - أنه لا يزال حيًّا سويًّا. فالطبيب كغيره هو مجتهد والأطباء - كما ذكر الشيخ حمزة - يختلفون في علمهم وفي أمانتهم إلى غير ذلك، فهذه الأمور ينبغي أن تؤخذ بالاعتبار عندما يقرر رأي في هذا وأنهم كغيرهم ممن يجتهد في إصدار الأحكام من الأطباء والقضاة والمفتين إلى غيرهم ممن يصدرون الأحكام الاجتهادية. وبهذا ترفع الجلسة. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11308

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه. قرار رقم: ٦٩/٥/٧ بشأن العلاج الطبي إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذو القعدة ١٤١٢هـ الموافق ٩ - ١٤ مايو ١٩٩٢م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: ((العلاج الطبي)) . وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر: أولًا - التداوي: الأصل في حكم التداوي أنه مشروع، لما ورد في شأنه في القرآن الكريم والسنة القولية والعملية، ولما فيه من ((حفظ النفس)) الذي هو أحد المقاصد الكلية من التشريع. وتختلف أحكام التداوي باختلاف الأحوال والأشخاص: - فيكون واجبًا على الشخص إذا كان تركه يفضي إلى تلف نفسه أو أحد أعضائه أو عجزه، أو كان المرض ينتقل ضرره إلى غيره، كالأمراض المعدية. - ويكون مندوبًا إذا كان تركه يؤدي إلى ضعف البدن ولا يترتب عليه ما سبق في الحالة الأولى. - ويكون مباحًا إذا لم يندرج في الحالتين السابقتين. - ويكون مكروهًا إذا كان بفعل يخاف منه حدوث مضاعفات أشد من العلة المراد إزالتها. ثانيًا - علاج الحالات الميؤوس منها: (أ) مما تقتضيه عقيدة المسلم أن المرض والشفاء بيد الله ، وأن التداوي والعلاج أخذ بالأسباب التي أودعها الله تعالى في الكون وأنه لا يجوز اليأس من روح الله أو القنوط من رحمته، بل ينبغي بقاء الأمل في الشفاء بإذن الله. وعلى الأطباء وذوي المرضى تقوية معنويات المريض، والدأب في رعايته وتخفيف آلامه والنفسية والبدنية بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه. (ب) إن ما يعتبر حالة ميؤوسًا من علاجها هو بحسب تقدير الأطباء وإمكانات الطب المتاحة في كل زمان ومكان وتبعًا لظروف المرضى. ثالثًا - إذن المريض: (أ) يشترط إذن المريض للعلاج إذا كان تام الأهلية، فإذا كان عديم الأهلية أو ناقصها اعتبر إذن وليه حسب ترتيب الولاية الشرعية ووفقًا لأحكامها التي تحصر تصرف الولي فيما فيه منفعة المولى عليه ومصلحته ورفع الأذى عنه. على أنه لا يعتبر بتصرف الولي في عدم الإذن إذا كان واضح الضرر بالمولى عليه، وينتقل الحق إلى غيره من الأولياء ثم إلى ولي الأمر.

стр. 11309

(ب) لولي الأمر الإلزام بالتداوي في بعض الأحوال، كالأمراض المعدية والتحصينات الوقائية. (ج) في حالات الإسعاف التي تتعرض فيها حياة المصاب للخطر لا يتوقف العلاج على الإذن. (د) لا بد في إجراء الأبحاث الطبية من موافقة الشخص التام الأهلية بصورة خالية من شائبة الإكراه (كالمساجين) أو الإغراء المادي (كالمساكين) . ويجب أن لا يترتب على إجراء تلك الأبحاث ضرر. ولا يجوز إجراء الأبحاث الطبية على عديمي الأهلية أو ناقصيها ولو بموافقة الأولياء. والله أعلم. ويوصي مجلس المجمع: الأمانة العامة للجميع بالاستكتاب في الموضوعات الطبية التالية لطرحها على دورات المجمع القادمة: - العلاج بالمحرمات وبالنجس، وضوابط استعمال الأدوية. - العلاج التجميلي. - ضمان الطبيب. - معالجة الرجل للمرأة، وعكسه، ومعالجة غير المسلمين للمسلمين. - العلاج بالرقي (العلاج الروحي) . - أخلاقيات الطبيب (مع توزيعها على أكثر من دورة إن اقتضى الأمر) . - التزاحم في العلاج وترتيب الأولية فيه. - بحث أنواع من المرض تنتهي غالبًا بعجز الأطباء أو ترددهم في العلاج، وأمثلة ذلك: * شخص قد استشرى السرطان في جسمه فهل تتم معالجته أم يكتفى بالمسكنات والمهدئات فقط؟

стр. 11310

* طفل مصاب باستسقاء كبير في الدماغ (موت الدماغ) مصحوب بأنواع من الشلل والدماغ قد ضمر (لا تزال مناطق من الدماغ تعمل) ، فهل تجري لمثل هذا الطفل العملية؟ وهل إذا أصيب هذا الطفل بالتهاب في الزائدة أو التهاب رئوي يتم علاجه أم يترك؟ * شيخ هرم قد أصيب بجلطة بالقلب ومصاب بنوع من الشلل ثم أصيب بفشل كلوي فهل تتم معالجة الفشل الكلوي بالديلزة (الإنقاذ) ؟ وهل إذا توقف قلبه فجأة تتم محاولة إسعافه أم يترك؟ وهل إذا أصيب بالتهاب رئوي يتم علاجه أم يترك؟ * الشخص الذي أصيب دماغه بإصابات بالغة ومع هذا لا تزال بقية من الدماغ تعمل (لم يدخل في تعريف موت الدماغ) وهو فاقد للوعي ولا أمل في تحسن حالته، فهل إذا أصيب مثل هذا الشخص بتوقف في قلبه يتم إسعافه أم يترك؟ وهل إذا أصيب بالتهاب رئوي يعالج؟ ومن هو الذي يقرر التوقف عن العلاج في مثل هذه الحالات أهي لجنة من الأطباء؟ أم لجنة أخلاقية أم الأطباء مع الأهل؟ - بيان موقف الشريعة والسنة من هذه الأحوال والأنواع. والله ولي التوفيق.

стр. 11311

الحقوق الدولية في الإسلام إعداد فضيلة الشيخ محمد علي التسخيري عضو مجمع الفقه الإسلامي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أحكام الحرب والأسرى في الإسلام بين الرحمة والمصلحة مقدمة: الإسلام دين واقعي، بالمعنى الإيجابي للواقعية، ذلك أنها قد تعني التسليم الكامل للواقع، والرضوخ لمقتضياته دونما فاعلية، وهذا معنى سلبي. وقد تعني الاعتراف بالواقع، وأخذه بعين الاعتبار، مع الطموح للارتفاع به إلى المثل الأعلى، وهو ما كنا نعنيه عندما أطلقنا هذه الصفة على الإسلام. بل يمكننا أن ندعي ـ بكل اطمئنان ـ أن هذه الصفة هي أعم الصفات التي يتصف بها الإسلام، وربما كانت باقي الصفات مظاهر لها: كالشمولية والإيجابية، والخلود، والمرونة، والترابط، وغير ذلك. بل هي تعبير آخر عن فطرية الإسلام بمعنى أنه جاء منسجمًا ـ تمامًا ـ مع إمكانات الفطرة وأهدافها، عاملًا على إثارة دفائنها وطاقاتها، وهدايتها ـ على أفضل سبيل ـ لأفضل الأهداف الممكنة. ولسنا نحاول ـ هنا ـ شرح أبعاد هذه الصفة، بقدر ما نريد أن ننفذ من خلالها إلى تجلي هذه الصفة، في التخطيط التشريعي الإسلامي للحياة، فأنت تجد هذه الصفة في كل نظام، سواء في المجال الحقوقي، أو الاقتصادي أو المجال السياسي، أو المجال المعرفي، أو أي مجال آخر.

стр. 11312

ومن مظاهر الواقعية والمرونة الإسلامية؛ أنها عالجت الجانب المتأثر بمتغيرات الحياة علاجًا مرنًا إلى حد كبير. (ومن الجدير بالذكر أننا نفرق ـ تمامًا ـ بين المرونة والميوعة، فإن هذه ـ أي الميوعة ـ تعني تقريبًا عدم وجود أي نظام يوضح المعالم. في حين أن المرونة تعني وجود نظم مركزية وأضواء هادية. إلا أن هذه النظم لها القابلية المناسبة على الامتداد والتقلص، بمقتضى مقتضيات الواقع والمثل التي يجب أن يسمو إليها) . ونحن نعتبر أن كل الموارد التي يتم تسليم الأمر فيها إلى (ولي الأمر الشرعي) إنما هي من هذا القبيل. فعندما يتم إيكال أمر تنظيم التوازن الاقتصادي إلى وليّ الأمر، وعندما تتم إيكال بعض العقوبات إلى ولاة الأمر، وعندما يوكل أمر المباحثات ـ عمومًا ـ إلى ولي الأمر لينطلق فيها من منطلق المصالح الإسلامية العليا؛ فإن ذلك يقوم ـ أساسًا ـ على هذا المبنى الواقعي. وإذا أردنا أن نركز على مثال هو من صميم موضوعنا، أمكننا ملاحظة موضوع (الرق وموقف الإسلام منه) لنكتشف هذه المرونة وضروراتها، بشكل واضح، وسنجد في هذا أن الإسلام راعى التوازن المطلوب بين (الرحمة) وهي النزعة الإنسانية الأصلية، و (المصلحة) وهي ما يحقق المثل التي يطمح إليها الإسلام، ويحافظ على عنصر تحقيقها، من قبيل السلطة الإسلامية، ووجود الأمة الإسلامية، وهيبة القانون الإسلامي.

стр. 11313

الموقف من قضية الرق: كان الاستعباد سنة عالمية تعمل بها البشرية كلها، وتقرها كل المبادئ والأديان السائدة، بما فيها المسيحية واليهودية. وكان العبيد يشكلون العصب الحساس للمجتمع، وطبقة لها نفوذ لا بأس به في المجالات الحيوية، وكانت الطرق التي يتكون منها أفراد هذه الطبقة كثيرة، أهمها ما يلي: ١ ـ استرقاق العدو المحارب ومن ثم الأولاد. ٢ ـ استرقاق الولي الظالم لمن هم تحت ولايته، ومثله استرقاق كل متغلب على من هم تحت سيطرته. ٣ ـ تبعية الطفل للأم الرقيقة ولو كان الأب حرًّا. ٤ ـ الهروب من الجيش والامتناع عن دفع الضرائب. ٥ ـ الأشخاص الذين يعملون ضد الدولة، ويهربون إلى دولة أخرى فتسلمهم لدولهم. ٦ ـ ارتكاب جرائم القتل. ٧ ـ الغش في المعاملة. ٨ ـ الفقر الذي يدعو الإنسان لبيع نفسه. هذه بعض أسباب الرق: وجاء الإسلام، ونظر إلى الأمر نظرة واقعية غير متسرعة، واستهدف أن يحقق الحرية ويلغي نظام الرق ـ كما يبدو من تصرفاته طبعًا - مع عدم الإخلال بالنظام الاجتماعي المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعبيد ـ أولًا ـ وعدم الإخلال بالقانون العسكري الذي كان يقوم على استرقاق الطرف الآخر ـ ثانيًا ـ وهكذا نظر للأمر نظرة واقعية.

стр. 11314

أما الأمور التي اتبعها الإسلام من أجل المعالجة الواقعية لهذه الظاهرة فهي: أولًا: ـ انفتاح طريق التكامل المعنوي للجميع على حد سواء: وهذه الفكرة إسلامية واضحة، وضحتها الآية القرآنية الشريفة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] . فالتقوى هي تقدير السمو والمنزلة في الإسلام، والعمل الصالح يؤثر في رفع درجات الإنسان، أيًّا كان لونه ومقامه وجنسه: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] . ولقد رأينا أن المجتمع الإسلامي قدر أشخاصًا كانوا عبيدًا، وجعلهم قادة، واقتدى بالكثير من سلوكهم وحكمهم. وبتعبير مختصر، فقد أمات الإسلام تلك النظرة السخيفة إلى العبد كمخلوق حقير، وكحيوان لا أكثر، بعد أن كانت شائعة بين الناس، وركز على أن لا فضل لأبيضكم على أسودكم، كما لا فضل لعربي على عجمي. ثانيًا ـ الدعوة إلى جعل الخول كالإخوان، والمعاملة الحسنة: فقد ورد عن النبي ﷺ قوله: ((إخوانكم خولكم)) (١) وهو تعبير جميل عن الأخوة الإسلامية، وأسلوب المعاملة التي يجب أن يتبعها الناس تجاه العبيد، ولا يترفعوا عليهم، وقد جاءت بعض الروايات التي تبين حسن الاستيعاب من العبد، وأن المال المعطى ـ في قبال ذلك ـ يجب أن يبقى في ملكه. ففي الخبر عن الصادق (ع) كما رواه الصدوق عن إسحاق بن عمار: " قلت لأبي عبد الله (ع) : ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر، فيقول: حللني من ضربي إياك من كل ما كان مني إليك. . . ثم إن المولى بعد أن أصاب الدراهم التي أعطاه في موضع قد وضعها فيه العبد فأخذها المولى، أحلال هي؟ فقال (ع) : لا، فقلت له: أليس العبد وماله لمولاه؟ فقال (ع) : ليس هذا ذاك، ثم قال (ع) : قل له فليردها عليه، فإنه لا يحل له، فإنه افتدى بها نفسه من العبد مخافة العقوبة والقصاص يوم القيامة". (٢) والكتب التاريخية طافحة بما كان يعامل به القادة عبيدهم، فقد روى الكليني في (الكافي) عن رجل من أهل بلخ قال: (كنت مع الرضا (ع) في سفره إلى خرسان فدعا يومًا بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم، فقلت له: جعلت فداك، لو عزلت لهؤلاء مائدة، فقال: "مه إن الرب ﵎ واحد، والأم واحدة، والأب واحد، والجزاء بالأعمال") . (٣) . وقال نادر الخادم: كان أبو الحسن (ع) إذا أكل أحدنا لا يستخدمه حتى يفرغ من طعامه. (٤) .

стр. 11315

ثالثًا ـ إغلاق كل المنافذ إلا منفذ الحرب بشروط معينة: فقد رأينا أن العبيد كانوا يكثرون عن طرق عديدة، ولكن الإسلام أغلق كل الطرق إلا طريق الحرب. فالأسير في الغنيمة يقبل تطبيق أحد الأحكام التالية: إما العفو، وإما الإطلاق بفدية، وإما الاسترقاق، ولا معنى للاعتراض على الاسترقاق إذا عرفنا الحقائق التالية: ١ ـ إن ولي الأمر مسؤول عن تطبيق أفضل الحالات على الأسير، وأرفقها بالمصلحة العامة، كما صرح بذلك الفاضل والشهيد الثاني وغيرهما. ٢ ـ إن الحرب في سبيل حمل الدعوة إلى بلاد الكفر لم يسمح بها الإسلام سماحًا عامًّا، وإنما سمح بها في ظرف وجود قائد عادل واشترط البعض العصمة. (١) . ٣ ـ إن العدو ـ آنذاك ـ كان يتبع هذه الطريقة نفسها مع المسلمين فلا اعتراض أو نقد في معاملته بالمثل. ٤ ـ إن البديل عن الاسترقاق ـ في حالة لزومه ـ ليس إلا القتل أو السجن. والأول لا نتصور من يفضله على حياة الرق على الشكل الإسلامي، كما لا نتصور أن الإسلام يهدر دم الإنسان هكذا بمجرد وجود بارقة من الأمل في نجاته. أما السجين فيعني إهدار الكثير من الطاقات التي يتمتع بها الأسرى، بل وصرف الكثير من الأموال في سبيل الحفاظ على مثل هذه الطاقات المهدورة. أما والمجتمع حاضر لأن يتكفل بهذه المهمة فإن الاسترقاق سيبقى هو الطريقة الأنجح في علاج هؤلاء، لضمان مراقبتهم أولًا، وللاستفادة من طاقاتهم الاجتماعية ثانيًا، ولكي يختلطوا مع المجتمع المسلم، فيتشبعوا شيئًا فشيئًا بالتعاليم الإسلامية، مما يمهد لهم طريق الهداية، وعلى أي حال فقد كانت هناك ضرورة لهذا المنبع ولذلك المقدار من العبيد.

стр. 11316

رابعًا ـ التصرف الواسع للعبيد والتحرير السريع لهم: وفي قبال هذا الباب فتح الإسلام الأبواب على مصراعيها للتحرير. التحرير المستحب: وقد جعل الإسلام هذا من أعظم المستحبات، فتحرير رقبة يعني رفعًا للعقبة في طريق الجنة، وما أكثر الروايات الواردة في هذا السبيل، ونحن نذكر بعضها: قال رسول الله ﷺ : ((من أعتق مسلمًا أعتق الله العزيز الجبار بكل عضو منه عضوًا من النار)) (١) . وفي الخبر الصحيح الذي رواه الشيخ عن الإمام الصادق (ع) أنه قال في الرجل يعتق المملوك: "يعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار". (٢) . وفي خبر آخر عن الصادق (ع) : "ولقد أعتق علي (ع) ألف مملوك لوجه الله دبرت فيهم يداه". (٣) والأخبار كثيرة في شراء العبيد وإعتاقهم. وقد جعلت بعض الروايات لتأكد استحباب العتق أوقاتًا خاصة. ففي الخبر الصحيح عن الصادق (ع) : (يستحب للرجل أن يتقرب إلى الله عشية عرفة ويوم عرفة بالعتق والصدقة) . (٤) كما يستحب عتق العبد إن خدم سبع سنين، ويستحب إعطاؤه ما يكتسب به. (٥) التحرير الواجب: فلم يكتف الإسلام بالدعوة إلى تحرير العبيد، وخصوصًا الذين اعتنقوا المبدأ الإسلامي، وأصبحوا من المؤمنين. فقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ((من أعتق رقبة مؤمنة كان له بكل عضو فكاك عضو منه من النار)) . (٦) لم يكتف الإسلام بذلك، وإنما أدخل ذلك في صميم النظام، كواجب يترتب على الإنسان أن يقوم به في ظروف خاصة، وهذه بعض المنافذ التي فتحها الإسلام للتحرير، وهي: ١ ـ عتق الكفارة: فقد ورد لزوم تحرير العبد في الموارد التالية: الظهار والإيلاء (أي الحلف على عدم وطء الزوجة الدائمة أبدًا، أو أكثر من أربعة أشهر) ، والإفطار، وخلف النذر، والعهد، واليمين، والجزع المحرم في المصاب، والقتل. ٢ ـ عتق المرضى: لحالات الإقعاد، العمى، والجذام، قال الصادق (ع) : "إذا عمي المملوك فقد عتق". (٧) ٣ ـ عتق الاستيلاد: فإن أم الولد تتحرر بموت المولى ولا يجوز له بيعها. ٤ ـ عتق السراية: فلو عتق بعضه سرى العتق إلى الكل. ٥ ـ إسلام المملوك في دار الحرب قبل مولاه. ٦ ـ عتق التنكيل. ٧ ـ العتق لتملك الذكر أحد العمودين أو المحارم من النساء. ٨ ـ العتق لتملك الأنثى أحد العمودين. ٩ ـ تبعية أشرف الأبوين. ١٠ ـ عتق التدبير: وهو تعليق عتق بعض عبده أو كله بوفاته. ١١ ـ عتق المكاتبة: المشروط والمطلقة. ١٢ ـ وهناك قوانين أخرى لشراء العبيد وإعتاقهم. فالزكاة يشترى بها الأرقاء وهو قوله : ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] وغير ذلك.

стр. 11317

التوازن بين الرحمة والمصلحة: الإسلام دين التوازن الحكيم (١) في مختلف المجالات، ولكننا نستطيع القول ـ كما أسلفنا ـ بأن التوازن بين (الواقع) و (المثال) هو من أشملها جميعًا. و (الواقع) في موضوعنا يتمثل في توفير كل المظاهر الإنسانية، والحقوق البشرية، من (الكرامة، والحرية، والحياة المستقلة) لا بل يتجاوز ذلك إلى مجالات الإيثار واللطف العميم. إلا أن (المثال) ـ هنا ـ يتطلب تحقيق المصلحة الإسلامية العليا، لكي نضمن للمنطلق الإسلامي وجوده القوي المتكامل الفاعل، على طريق تغيير الحياة الإنسانية كلها إلى حياة عابدة، مخلصة، تعبد ربها لا تشرك به شيئًا، آمنة مطمئنة، ويعني ذلك أن تقتلع كل الأشواك، وتحذف كل العقبات، وتصادر كل الموانع التي تقف عثرة أمام تحقق هذا الهدف الكبير. وأين يتم التعارض بين هذا الواقع، الذي نعبر عنه فيما يلي بـ (الرحمة) ، وهذا المثال الذي نعبر عنه بـ (المصلحة) ؟ إنه يتم عندما يدفع الجهل، والتعصب، والطاغوت؛ أناسًا لمحاربة النبتة الإسلامية، والمسيرة الصاعدة، للقضاء عليها، ومصادرة الأمل الكبير، ربما دون وعي لما يفعلون، ويحدق الخطر بالوجود، وبالتالي يحدق الخطر بالمثال كله، أمام واقع مرير، جاهل طاغ، فماذا العمل؟ هنا ندعي أن الإسلام ـ رغم اهتمامه الكبير بـ (المصلحة) ـ لم ينس مطلقًا الواقع الإنساني، والحقوق البشرية (الرحمة) ، وإنما حاول ـ بكل ما في وسعه ـ أن يحقق التوازن بينهما، وإن كان الأهم هو المقدم بلا ريب، وهذا هو حكم منطق الوجدان. والآن: لنعد إلى أحكام الحرب والأسرى لنجد تطبيق هذا التوازن: التطبيق الذي لم تشهد البشرية له من سابقة، وحتى إنها لم تستطع أن تصل إليه في عصورنا الحاضرة التي تدعي التمدن.

стр. 11318

وهذا ما يمكن أن نلحظه في كثير من أحكامه ونصوصه، ونحن نقتطف منها ما يلي كأمثلة فقط على ما نقوله: ١ ـ التعليمات الحربية المسبقة: فقد كانت عادة الرسول ﷺ والقادة المسلمين أنهم إذا بعثوا سرية أو كتيبة حربية خصوها بالتعليمات اللازمة. فرسول الله ﷺ كان إذا بعث سرية دعا أميرها فأجلسه إلى جنبه، وأجلس أصحابه بين يديه ثم قال: (سيروا باسم الله، وبالله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله، لا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تغدروا، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا، ولا صبيًّا ولا امرأة، ولا تقطعوا شجرًا إلا أن تضطروا إليها، وأيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين فهو جار حتى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه، واستعينوا بالله عليه) (١) . وكان أمير المؤمنين علي (ع) يوصي أصحابه إذا صافوا العدو قائلًا: "عباد الله! اتقوا الله، وغضوا الأبصار، وأخفضوا الأصوات، وأقلوا الكلام؛ ووطنوا أنفسكم على المنازلة والمجاولة، والمبارزة والمنابذة، والمعانقة والمكارمة، وأنيبوا إلى ربكم، واذكروا الله لعكم تفلحون. إن الله ـ تعالى ـ دلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، وتسعى بكم إلى الخير، الإيمان بالله والجهاد في سبيله، وجعل ثوابه مغفرة الذنب، ومساكن طيبة في جنات عدن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ فسووا صفوفكم كالبنيان، وقدموا الدرّاع، وأخروا الحاسر، وعضوا على النواجذ، فإنه أنبى للسيوف، والتووا على أطراف الرماح، فإنه أمرأ للأسنة، وغضوا الأبصار، فإنه أربط للجأش وأسكن للقلوب، وأميتوا الأصوات؛ فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار، ولا تميلوا براياتكم، ولا تجعلوها إلا مع شجعانكم، ولا تمثلوا بقتيل، وإذا وصلتم إلى رجال القوم فلا تهتكوا سترًا، ولا تكشفوا عورة، ولا تدخلوا دارًا، ولا تأخذوا شيئًا من أموالهم، إلا ما وجدتم في عسكرهم، ولا تهيجوا امرأة بأذى، وإن شتمن أعراضكم، وسببن أمراءكم وصلحاءكم، فإنهن ضعاف القوى والأنفس والعقول. رحم الله امرءًا واسى أخاه بنفسه، ولم يكل قرنه إلى أخيه، فيجتمع عليه قرنه وقرن أخيه، فيكتسب بذلك اللائمة، ويأتي بدناءة. . ." (٢) .

стр. 11319

٢ ـ الدعوى والتوعية أولًا، وعدم الهجوم المباغت دونما تثبت: ـ كان النبي ﷺ يأمر بانتظار المجموعات التي يحاربها، فإذا سمع الأذان منها امتنع، وإلا حمل عليها. وكان يحمل عند صلاة الصبح، ليعرف هل يصلونها أم لا، وإذا حاصر انتظر حتى الصباح. (١) ـ وقال علي (ع) : (( ((بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقال: يا علي! لا تقاتلن أحدًا حتى تدعوه إلى الإسلام، وايم الله، لأن يهدي الله على يديك رجلًا خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت، ولك ولاؤه يا علي)) .)) (٢) ـ وقد روي أن عليًّا (ع) كان يقول في كل موطن يتم فيه لقاء العدو: "لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم، فإنكم بحمد الله على حجة، وترككم إياهم حتى يبدؤوكم حجة أخرى لكم، فإذا هزمتموهم فلا تقتلوا مدبرًا، ولا تجهزوا على جريح، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثلوا بقتيل" (٣) وهذا وقد تضافرت الروايات التي تؤكد هذه الحقيقة (٤) . وقد جيء لرسول الله ﷺ ببعض الأسرى، وعلم إنهم أسروا قبل الدعوة فأمر بإطلاق سراحهم (٥) . كما أن كتب الفقه كلها ـ تقريبًا ـ تشير إلى ضرورة الدعوة والتوعية والانتظار حتى تتم الحجة، نذكر مثلًا: ـ قول الحلبي في (الكافي) : "ولا تبدأ العدو بالحرب بعد الإعذار، حتى يكونوا هم الذين يبدؤون به، لتحق الحجة، ويتقلدوا البغي" (٦) . ـ ويقول الشيخ الطوسي في (النهاية) : "ولا يجوز قتال أحد من الكفار، إلا بعد دعائهم إلى الإسلام، وإظهار الشهادتين، والإقرار بالتوحيد والعدل، والتزام جميع شرائع الإسلام، فمتى دُعوا إلى ذلك فلم يجيبوا حل قتالهم، ومتى لم يُدعوا لم يجز قتالهم، والداعي يجب أن يكون الإمام أو من يأمره الإمام". (٧) ـ ويقول الصهرشتي في (إصباح الشريعة) : "وكيفيته: أن يؤخر لقاء العدو، إلى أن تزول الشمس وتصلى الصلاتان، وأن يقدم قبل الحرب الإعذار والإنذار، والاجتهاد وفي الدعاء إلى الحق، وأن يمسك عن الحرب ـ بعد ذلك ـ حتى يبدأ بها العدو، لتحق الحجة عليه ويتقلد بذلك البغي". (٨) ـ ويقول القاضي الطرابلسي في (المهذب) : "ومن لم تبلغه الدعوة فلا يجوز له قتاله، إلا بعد الإنذار والتعريف بما تتضمنه الدعوة". (٩) ـ ويقول الرواندي في (فقه القرآن) : "وإذا قوتل البغاة فلا يبتدؤون بالقتال، إلا بعد أن يُدعوا إلى ما ينكرون من أركان الإسلام" (١٠) . ـ ويقول حمزة بن علي الحلبي في (غنيمة النزوع) : "وأن يقدم قبل الحرب الإعذار والإنذار والاجتهاد في الدعاء إلى الحق" (١١) . ولا نستطيع أن نستقصي الآراء، فالإجماع قائم على ذلك، وهي صفة حميدة تجعل الطرفين على بينة، وتتم الحجة والمنطقية في البين، وعلى هذا الأساس منعوا من التبييت (وهو الهجوم ليلًا) ولما فيه من فزع.

стр. 11320

٣ ـ وسائل الحرب وأساليبها: ويختار من بين هذه الوسائل والأساليب ما يحقق الغرض، ويتجنب إصابة الأبرياء والضعفاء ـ مهما أمكن ـ. فقد جاء المنع عن استعمال المواد الكيميائية السامة، إلى حد يتصور معه المرء أنها ممنوعة مطلقًا، أي حتى في حالات الاضطرار، وحينئذ فإذا أضيفت لها معاهدات دولية تمنع منها على أي حال فإن المنع سوف يكون أشد وأقوى. ـ عن الصادق (ع) عن الباقر (ع) عن علي (ع) : ((أن النبي ﷺ نهى أن يلقى السم في بلاد المشركين)) (١) . وهكذا نهى الفقهاء عن اللجوء إلى وسائل من قبيل: الغارة، وفتح الماء لإغراق العدو، ما دامت هناك وسائل أخرى: ـ يقول الشيخ الطوسي في (النهاية) : "ويجوز قتال الكفار بسائر أنواع القتل وأسبابه، إلا السم؛ فإنه لا يجوز أن يلقى في بلادهم السم، ومتى استعصى على المسلمين موضع منهم كان لهم أن يرموهم بالمنجنيق والنيران، وغير ذلك مما يكون فيه فتح لهم" (٢) . ـ ويقول ابن أبي المجد الحلبي في (إشارة السبق) : "وكل ما يرجى به فتح يجوز قتال الأعداء به إلا إلقاء السم في ديارهم" (٣) . ـ ويقول ابن إدريس في (السرائر) : "ويجوز قتال الكفار بسائر أنواع القتل، إلا تغريق المساكن، ورميهم بالنيران، وإلقاء السم في بلادهم؛ فإنه لا يجوز أن يلقى في بلادهم السم" (٤) . والنصوص في هذا الباب كثيرة: وربما منعوا ـ على هذا الأساس ـ من التبييت، وهو الغارة الليلية: ـ يقول ابن البراج: "وإذا كان المسلمون مستظهرين على المشركين كره تبييتهم ليلًا والإغارة عليهم" (٥) . ـ ويقول ابن إدريس في (السرائر) : "وروى أصحابنا كراهية تبييت العدو حتى يصبح" (٦) . ـ ويقول العلامة الحلبي في القواعد: "ويكره التبييت والقتال قبل الزوال لغير حاجة" (٧) . وهناك نصوص أخرى تنهى عن مثل هذه الأساليب: فعن أبي هريرة أنه قال: ((بعثنا رسول الله ﷺ في بعث فقال: إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار. ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما)) (٨) . بل روي أن إحراق جسد الحيوان غير جائز: ففي حديث المناهي: ((ونهى ـ أي رسول الله ﷺ أن يحرق شيء من الحيوان بالنار)) (٩) .

стр. 11321

ـ وذكر ابن قدامة في (المغني) ما يدل على منع إحراق العدو بالنار بعد النصر، بل وقبل النصر، إن كانت هناك وسيلة أخرى؛ لأنها قد تحرق النساء والأطفال (١) . ومما منعت منه النصوص، وتابعها الفقهاء؛ مسألة (التخريب) وقد ذكرنا بعض النصوص فيما يخص ذلك: ـ يقول أبو الصلاح الحلبي في (الكافي) : "ولا يجوز قتل الشيخ الفاني، إلا أن يكون من أهل الرأي كدريد بن الصمة، ولا المرأة، ولا الصبي، ولا المريض المدنف، ولا الزَمِن، ولا الأعمى، ولا المؤوف العقل، ولا المتبتل في شاهق؛ إلا أن يُقاتِلوا فيحل قتلهم. . ولا يجوز حرق الزرع، ولا قطع شجرة الثمر، ولا قتل البهائم، ولا خراب المنازل، ولا التهتك بالقتلى" (٢) . كل هذا مع الإمكان ـ طبعًا ـ وإذا توقف الفتح على ذلك فللضرورات أحكامها ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـ. وكما رأينا، فإن قتل الضعفاء ـ ومنهم النساء ـ منهي عنه، بل حتى لو قاتلن فإنه يمسك عنهن، ما لم يحدث خلل. فقد روي عن الإمام الصادق قوله في رواية: ((أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل النساء الولدان في دار الحرب، إلا أن يقاتلن، وإن قاتلت ـ أيضًا ـ فأمسك عنها ما أمكنك ولم تَخَفْ خللًا)) (٣) . وقد استثنى الفقهاء ـ على خلاف كثير ـ من ذلك: ـ ما لو أقدمت امرأة على قتل مسلم. ـ ما لو اشتركن في الحرب وأعن على المسلمين. وربما أفتى بعض العلماء بعدم جواز القتل مطلقًا، بل حرم المنجنيق لأن فيه ذلك (٤) . ـ يقول الشيخ الطوسي في (النهاية) : "ولا يجوز قتال النساء، فإن قاتلن المسلمين، وعاون أزواجهن ورجالهن أمسك عنهن، فإن اضطروا إلى قتلهن جاز حينئذ قتلهن، ولم يكن به بأس" (٥) . ـ ويقول العلامة الحلي في (القواعد) : "لا يجوز قتل المجانين، ولا الصبيان، ولا النساء منهم، وإن أعن إلا مع الحاجة" (٦) .

стр. 11322

٤ ـ أحكام الأسرى وحقوقهم: وهو باب واسع الأبعاد، إلا أننا نختار منه بعض اللقطات، بما يحقق لنا الغرض من هذا البحث، ونركز على الجوانب التالية: (أ) الموارد التي يجوز فيها التأسير. (ب) كيفية الاستئسار. (ج) إطلاق سراح الأسرى. (د) حقوق الأسرى. (أ) الموارد التي يجوز فيها الاستئسار: ويذكر فيها الفقهاء ـ عادة نوعين من المحاربين: الكافرين، والبغاة. الكافرون: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧ ـ ٦٩] . ويقول تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤] . والآيتان واضحتان في حكم واقعي هو التفريق بين حالتين: الحالة الأولى: فيما لو لم يتم الإثخان والتمكن في الأرض فإنه تقتضي المصلحة؛ القضاء على كل عنصر يمكنه أن يقلب الموازين لصالح العدو، ولا معنى ـ حينئذ ـ للتأسير، وإذا كانت الآية الكريمة تلوم المسلمين على تأسير بعض الكفار في هذه الحالة فهي تشير إلى المصلحة الآنفة، والتي لا يعدلها رجاء الفدية التي تتوقع بعد الأسر، وهي عرض دنيوي لا قيمة له في قبال النصر. الحالة الثانية: وهي ما لو تم التمكن، وبدرت بوادر النصر، (حتى قبل انتهاء الحرب) فحينئذ يجوز الأسر بشد الوثاق، لئلا يهربوا. وحينئذ يختلف الفقهاء في موضوع الأسير بعد أسره والحرب قائمة فيرجح بعضهم أن الإمام مخير فيهم بين الفداء أو المن فقط، في حين يجيز بعضهم الآخر له القتل ـ أيضًا ـ إذا رأى المصلحة في ذلك، استنادًا للآيات الآمرة بقتل المشركين. (١) . والحقيقة؛ أن الأمر في ذلك يتبع الخطر المحدق بالجيش الإسلامي، وليس هناك ما يمنع من قتله إذا كان فيه الخطر على المسلمين. أما إذا تم الأسر بعد الحرب (فإن الإمام مخير في المن عليه، أو أخذ الفداء، أو الاستفادة من عمله. ولا يجوز ـ في هذه الحالة ـ قتل الأسير) (٢) . وفي الرواية عن الصادق (ع) : "كان أبي يقول:. . . إذا وضعت الحرب أوزارها، وأثخن أهلها، فكل أسير أُخذ على تلك الحال فكان في أيديهم فالإمام فيه بالخيار؛ إن شاء مَنَّ عليهم، وإن شاء فاداهم بأنفسهم، وإن استعبدهم فصاروا عبيد" (٣) .

стр. 11323

البُغاة: والملاحظ هنا أن الأحكام تختلف ـ تمامًا ـ مع البغاة، باعتبارهم مسلمين خارجين على الإمام، فرغم أنهم يهددون كيان الدولة الإسلامية كله، إلا أن قبولهم (ولو لفظًا) للإسلام بغير الحكم عليهم، وخصوصًا في مجال الأسر. فهؤلاء البغاة لا يمكن قتالهم إلا بشروط: منها: أن يعتصموا بقلعة وأمثالها، مما لا يتيسر معه تفريقهم، إلا بإرسال قطعات حربية إليهم. وقد أشار صاحب الجواهر إلى هذا الشرط ـ بعد ذكر بعض النصوص ـ قائلًا: "ولعله لهذه النصوص ونحوها قال الشيخ وابنا إدريس وحمزة ـ فيما حكي عنهم ـ: أنه يعتبر في جريان الحكم كونهم في منعة، وكثرة، لا يمكن كفهم، وتفريق جمعهم، إلا بالاتفاق، وتجهيز الجيوش والقتال. فأما إن كانوا نفرًا يسيرًا ـ كالواحد والاثنين والعشرة ـ وكيدهم ضعيف، لم يجر عليهم حكم أهل البغي، وهو المحكي عن الشافعي، مستدلين بأن ابن ملجم لما جرح عليًّا ـ (ع) ـ وقبض عليه، أوصى أمير المؤمنين ـ (ع) ـ بالإحسان إليه، وقال: "إن برئت فأنا أولى بأمري، وإن مت فلا تمثلوا به". ولكن عن بعض الجمهور جريان حكم البغاة حتى على الواحد، إذا خرج بالسيف، بل في المنتهى والتذكرة أنه قوي، بل قيل إنه مقتضى إطلاق المتن (شرائع الإسلام والقواعد والإرشاد) وغيرها. وإن كان قد يناقش بانسياق غير ذلك من الإطلاق المذكور، خصوصًا بعد ذكرهم الفئة ونحوها، مما يظهر منه الاجتماع المعتد به، ولا أقل من الشك، فيبقى الأصل ـ حينئذ ـ بحاله. نعم يجري عليه حكم المحارب لو فرض إشهاره للسلاح أو غيره مما يندرج فيه". (١) ومن هذا النص يظهر أنه يرى فعلية هذا الشرط، رغم ما نسب إلى الآخرين من الخلاف فيه. ومنها: أن لا يكونوا تحت سيطرة الإمام، وإلا لم يعودوا من البغاة، واستند في ذلك إلى رواية جاء فيها: "إن عليًّا (ع) كان يخطب، فقال رجل بباب المسجد: لا حكم إلا لله، ـ تعريضًا بعلي (ع) أنه حكم في دين الله الرجال ـ فقال علي (ع) : كلمة حق أريد بها باطل، لكم علينا ثلاث: ـ لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا اسم الله فيها، ـ ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم معنا، ـ ولا نبدأكم بقتال". (٢) ورغم تشكيك صاحب جواهر الكلام في حجية هذه الرواية، إلا أنه يقول: "قد يقال: إن حكم البغاة لم يعلم إلا من فعله (ع) كما اعترف به الشافعي وغيره، ولم يثبت لنا شيء من فعله، فيما عدا الفرق الثلاث وقد كانوا كذلك" (٣) . ومنها: أن يكونوا ينطلقون ـ في انفصالهم عن السلطة الإسلامية ـ من معتقد يعتقدونه: وربما استند في هذا إلى نصوص منها قول علي ـ (ع) ـ في نهج البلاغة: "لا تقتلوا الخوارج بعدي؛ فليس من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه". (٤) .

стр. 11324

وعلى أي حال، فإن البغاة إن رجعوا إلى طاعة الإمام، ووضعوا أسلحتهم، أو هزموا، ولم ينحازوا إلى فئة مناوئة أخرى، لم يجز قتالهم، ولم يتعقب الفار منهم، ولا يقتل أسيرهم، ويداوى الجرحى منهم، والعلماء يجمعون على ذلك. وبدون ذلك، فالأمر يعود للإمام ليقوم فيهم بما يراه مصلحة للمسلمين. وهنا ننبه إلى أن أحكام البغاة مأخوذة من سيرة علِيّ في الباغين، وها نحن نذكر طرفًا من ذلك: ـ يقول عبد الرحمن بن الحجاج سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: "كان في قتال علي (ع) أهل قبلة بركة، ولو لم يقاتلهم علي (ع) لم يدر أحد بعده كيف يسير فيهم". (١) ـ روى أبو أمامة أنه شهد صفين، فلم ير جريحًا يقتل، ولا مولى يقتل، ولا قتيلًا يسلب (٢) . ـ سأل أحد أصحاب أمير المؤمنين (ع) الإمام عما هو فاعل بأهل الجمل , فقال (ع) : بالمن كما سار رسول الله ﷺ في أهل مكة (٣) . ـ وأتي علي بأسير يوم صفين، فبايعه، فقال علي: "لا أقتلك إني أخاف الله رب العالمين". فخلى سبيله، وأعطاه سلبه الذي جاء به (٤) . ـ وعن أبي حمزة الثمالي قال: قلت لعلي بن الحسين (ع) : إن عليًّا (ع) سار في أهل القبلة بخلاف سيرة رسول الله ﷺ في أهل الشرك، قال: فغضب، ثم جلس، ثم قال: "سار والله فيهم بسيرة رسول الله ﷺ يوم الفتح؛ إن عليًّا (ع) كتب إلى مالك ـ وهو على مقدمته في يوم البصرة ـ بأن لا يطعن في غير مقبل، ولا يقتل مدبرًا، ولا يجيز (يجهز) على جريح، ومن أغلق بابه فهو آمن" (٥) . والروايات هنا مفصلة. والواقع أن سيرة علي ـ (ع) ـ رسمت أروع صورة للحاكم المسلم الذي يقيم ذلك التوازن المشار إليه في بحثنا بين الرحمة والمصلحة العليا. وربما أمكنا ـ بالاستناد إلى الرواية التي ذكرناها للتو ـ القول إن الإمام يتعامل في حربه مع الكفار والبغاة على ضوء هذا التوازن، إلا أن الحرب مع الكفار فيها الخطر الكامن لإفناء الوجود الإسلامي كله، فتعصب الإجراءات، ولكن حينما ينتفي الخطر ـ كما في فتح مكة ـ يأتي المن العظيم. ولكن إذا كان البغاة يفرون إلى تجمع آخر لهم فخطرهم كبير، لذلك فهم يتابَعون بكل شدة.

стр. 11325

(ب) كيفية الاستئسار: تشير الآية الكريمة إلى شد الوثاق، وليس المراد إلا التأكد منه، لئلا يفر، وقد كانت هناك أساليب أخرى تستخدم لضمان عدم فرار الأسير؛ كأن يقسموا بين المسلمين، أو يوثقوا إلى أسطوانات المسجد، وما إلى ذلك. ومع ذلك نجد الرسول العظيم ﷺ أحيانًا ـ يتألم، لأن أحد أسراه ـ وهو عمه العباس ـ موثق يئن (١) . (ج) إطلاق سراح الأسرى: وتتفق كتب الأحاديث، والتاريخ، والمغازي، على أنه ﷺ كان يمن على الأسرى، فيطلقهم دونما فدية، أو مع فدية، ويبادلهم بأسرى المسلمين: ـ فمن المشهورات قولته ﷺ لأهل مكة: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)) (٢) . ـ وهبط ثمانون من أهل مكة، من جبال التنعيم ـ صباحًا ـ على النبي ﷺ ليقتلوه، ولكنه أسرهم دون حرب، ثم أطلق سراحهم (٣) . وروي أنه ﷺ كان يطلق كل الأسرى عند حلول شهر رمضان (٤) . ـ وقد أرسل رجالًا إلى نجد، وعادوا إليه بأسير من بني حذيفة، يدعى ثمامة بن أثال، وأوثقوه إلى المسجد فأطلقه رسول الله ﷺ (٥) . ـ وقد أطلق سراح مجموعة من أسرى بدر، شريطة أن يعلم كل منهم مسلمًا القراءة والكتابة (٦) . ـ ومنّ على أسرى هوازن في حنين ـ بعد القسمة ـ وطلب من المسلمين أن يطلقوا سراح أسراهم (٧) . والنصوص في هذا الباب كثيرة جدًّا. هذا بالنسبة لأسرى الكفار. أما بالنسبة لأسرى البغاة فالأمر فيهم أكثر حنانا، ولطفًا. وقد قال أصحاب علي (ع) له بعد معركة الجمل: اقسم بيننا أهل البصرة فنجعلهم رقيقًا، فقال: لا، فقالوا: كيف تحل لنا دماؤهم وتحرم علينا سبيهم؟ فقال (ع) : " كيف يحل لكم ذرية ضعيفة في دار هجرة وإسلام، أما ما أجلب به القوم في معسكرهم عليكم فهو لكم مغنم، وأما ما وارت الدور وأغلقت عليه الأبواب فهو لأهله، ولا نصيب لكم في شيء منه ". (٨) . وهذا من أروع النصوص الدالة على رحمة الإسلام. (د) حقوق الأسرى (٩) : يمكننا أن نلخص أهم هذه الحقوق بالنقاط التالية: أولًا ـ العطف والرحمة بالأسير: ـ ذلك أن رسول الله ﷺ حين أقبل بالأسارى من بدر فرقهم بين أصحابه، وقال ﷺ : ((استوصوا بهم خيرًا)) . ـ وكان أبو عزيز بن عمير، أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه، في الأسارى، قال أبو عزيز: "مر بي أخي مصعب بن عمير ورجل من الأنصار يأسرني، فقال: شد يديك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديك. قال أبو عزيز: فكنت في رهط من الأنصار حين أقبلوا بي من بدر، فكانوا إذا قدموا غداءهم وعشاءهم خصوني بالخبز وأكلوا التمر، لوصية رسول الله ﷺ إياهم بنا، ما تقع في يد رجل منهم كسرة خبز إلا نفحني بها، فأستحيي فأردها فيردها عَلَيَّ ما يمسها". (١٠) . وقال أبو العاص بن الربيع: كنت مستأسرًا مع رهط من الأنصار ـ جزاهم الله خيرًا ـ كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثرونا بالخبز وأكلوا التمر، والخبز عندهم قليل، والتمر زادهم حتى أن الرجل لتقع في يده الكسرة فيدفعها إليَّ، وكان الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد، قال: وكانوا يحملوننا ويمشون (١١) . ـ وقد روي ((أن رسول الله ﷺ كان يبعث الأسارى من المشركين ليحفظوا، وليقام بحقهم)) (١٢) . وقد عاتب رسول الله بلالًا؛ لأنه مر بأسيرات يهوديات على أجساد أعزائهن، قائلًا له: ((أنزعت منك الرحمة يا بلال حتى تمر بامرأتين على قتلى رجالهن)) (١٣) . ثانيًا ـ إطعام الأسير وسقيه: ـ فعن أبي بصير قال: سألت الصادق (ع) عن قول الله : ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ فقال (ع) : هو الأسير. وقال: الأسير يطعم، وإن كان يقدم للقتل. وقال: إن عليًّا كان يطعم من خلد في السجن من بيت مال المسلمين (١٤) .

стр. 11326

ثالثًا ـ وجوب تأمين الظل للأسير: ـ روى زرارة عن الصادق (ع) قوله: إطعام الأسير حق على من أسره، وإن كان يريد من الغد قتله فإنه ينبغي أن يطعم، ويسقى، (ويظل) ، ويرفق به كافرًا كان أو غيره (١) . ويستفيد الشيخ الأحمدي من ذلك تأمين كل ضروريات الحياة. ـ وقد ورد عنه ﷺ أنه عندما رأى أسرى بني قريظة في يوم حار أمر برشهم بالماء، لئلا يجتمع عليهم حر السلاح وحر الصيف (٢) . رابعًا ـ توفير اللباس اللائق بالأسير: وهو ما يستفاد من عموم الإحسان بهم وما طبقه رسول الله ﷺ بالنسبة للعباس، حيث جلب الأصحاب له ثوب عبد الله بن أبي (٣) . خامسًا ـ احترام الأسير ذي المرتبة ومراعاة كرامته ومنزلته: وهذا ما نرى رسول الله ﷺ قد فعله مع ابنة حاتم طيء (٤) . وكما تعامل المسلمون مع نساء يزدجرد ملك فارس (٥) . سادسًا ـ توفير الدواء والعلاج اللازم: وذلك بمقتضى عموم الإحسان: وقد نُقل أنه ﷺ أمر بالمن على جرحى الكفار وإطلاق سراحهم (٦) . كما ذُكر أن عليًّا أمر بمعالجة أربعين رجلًا من جرحى النهروان في الكوفة، ثم فسح لهم المجال ليذهبوا أينما يشاءون أو سلمهم إلى قبائلهم (٧) . سابعًا ـ هدايته إلى الحق: يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠] .

стр. 11327

ثامنًا ـ تحريم قتل النساء والأطفال: وقد مر بنا تحريم قتل النساء والأطفال والضعفاء: تاسعًا ـ عدم قتل الأسير من البغاة: كما مر بنا أنه لا يجوز قتل الأسير الباغي عند انكساره، وعدم عودته إلى فئة، بل يمكن للإمام أن يعفو عمن له فئة. عاشرًا ـ أخذ البيعة من الأسير القوي: وإن كان الأسير الباغي قويًّا جلدًا، وأهلًا للقتال تُطلب منه البيعة، فإن بايع قبل انتهاء الحرب أطلق سراحه (١) . وإن لم يبايع يسجن، فإن انتهت الحرب وتاب العدو وألقى سلاحه، أو لم يلجأ هو إلى فئة يطلق سراحه. حادي عشر ـ عدم معاملة أسرى البغاة بالمثل: لا معنى للمعاملة بالمثل بالنسبة لأسرى البغاة، فلو أنهم قتلوا أسرى المسلمين؛ لأنه لا يجوز قتل أسراهم. ثاني عشر ـ عدم قتل الأسير إن أسلم قبل النصر: إذا أسلم الأسير قبل النصر لم يجز قتله بالإجماع، بلا فرق بين كون إسلامه عن خوف أو رغبة. وقد قال ﷺ : ((أمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبائحنا؛ فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها)) (٢) .

стр. 11328

الخاتمة وفي ختام هذا البحث، لا بد من الإشارة لبعض النقاط، لكي يمكن أن تكتمل الصورة ـ إلى حدٍّ ما ـ في الأذهان: النقطة الأولى: إننا نلاحظ أن الموقف ـ في النهاية ـ يعود إلى قائد الأمة الإسلامية، والمفروض به أنه يمتلك أسمى درجات الالتزام بالشريعة الإسلامية، وهي شريعة الرحمة واليسر، لكي يقرر أفضل الحالات المطروحة أمامه، موازنًا بين عنصري الرحمة والمصلحة العليا، فيرفض أي تعذيب أو تخريب، أو تفريق بين الأم وولدها، أو تبييت للإغارة وأمثال ذلك، وليغتنم كل الفرص لتقوية الجبهة الإسلامية، ويسد كل ثغرات الضعف فيها، محققًا الهدف الكبير وهو خدمة مصالح الأمة الإسلامية العليا، والحفاظ على وجودها، محترمًا للعهود والمواثيق، وملاحظًا مدى تطبيقها، مائلًا إلى السلام والصلح ـ مهما أمكن ـ وإلى الاحتفاظ بالطاقات النافعة لمستقبل الإسلام، متجنبًا أي تفريط بها، مهتمًا بالإسلام، وهداية الآخرين، بل ويكفيه الإسلام الظاهري؛ لأنه لا سبيل للتعرف على حقيقته، وأخيرًا مهتمًا بتعميق أهداف الحرب في قلب الجندي المسلم ـ كما رأينا في مطلع البحث ـ.

стр. 11329

النقطة الثانية: الملاحظ: أن الفقهاء ـ على اختلاف مشاربهم ـ حاولوا أن يستنبطوا كثيرًا من الأحكام، على ضوء تقرير أو تعامل خاص قام به الرسول أو أحد القادة الإسلاميين، تجاه موقف معين، والحقيقة هي: أن هناك خطرًا يسميه المرحوم الإمام الصدر (خطر التجريد في دليل التقرير) ويتلخص في تجريد السلوك المعاصر لعهد التشريع عن خصائصه وقرائنه، واستنباط موقف إسلامي عام (مع أن من الضروري ـ لكي يكون الاستدلال بدليل التقرير موضوعيًّا ـ أن ندخل في حسابنا كل حالة من المحتمل تأثيرها في موقف الإسلام من ذلك السلوك، فحين تتغير بعض تلك الحالات والظروف يصبح الاستدلال بدليل التقرير عقيمًا، فإذا قيل لك مثلًا: إن شرب الفقاع في الإسلام جائز، بدليل أن فلانًا ـ حين مرض على عهد النبي ﷺ شرب الفقاع، ولم ينه النبي ﷺ عن ذلك، كان لك أن تقول: إن دليل التقرير هذا ـ وحده ـ لا يكفي دليلًا على سماح الإسلام بشرب الفقاع لكل فرد، ولو كان سليمًا؛ لأن من الممكن أن تكون بعض الأمراض مجوزة لشربه بصورة استثنائية، فمن الخطأ أن نعزل السلوك المعاصر لعهد التشريع عن ظروفه وخصائصه" (١) . والحقيقة أننا نستطيع أن نعبر بهذه الحقيقة: عن مجال دليل التقرير إلى مجال الأوامر الإدارية والعسكرية بكل وضوح، بل ربما أمكننا القول بأن العبور هنا أولى؛ باعتبار أن الأوامر الولائية موقتة تمامًا، يلاحظ فيها ولي الأمر المصلحة المطلوبة، اللهم إلا أن يصرح بقاعدة عامة يكنها أن تشكل قانونًا عامًا، وللبحث هذا تفاصيله. ومن هنا نرى أن الكثير من الموارد التي استند إليها الفقهاء لا يمكنها أن تشكل بنفسها أدلة مقنعة، إلا أن هناك حقيقة أخرى هي: أننا نستطيع من خلال استقراء المواقف المتنوعة (حتى ولو كانت ولائية) ، أن نستنبط حكمًا يقينًا؛ أو ـ على الأقل ـ نكتشف (مورد إضاءة) وحكمًا يقدم إلى ولي الأمر ليلاحظه، ويأخذه بعين الاعتبار، في تعامله مع المواقف المشابهة. فالأمر ـ إذن ـ يتوقف على تعدد الحالات ووضوحها، ليكشف لنا ـ يقينًا ـ عن موقف عام تتبناه الشريعة، بعد إلغاء الخصوصيات التي نطمئن بعدم دخلها في الموضوع. والذي نريد أن نخلص إليه هو أننا نعتقد أن منطق التوازن بين النزعة الإنسانية والمصلحة العليا والروح السائدة التي يمكن أن نستنبطها من مجمل ما مر من نصوص وأحكام، وهي التي يجب أن يلحظها الإمام في تعامله مع المواقف المتنوعة، ومنها المواقف التي تنتجها الحرب.

стр. 11330

النقطة الثالثة: إنه كثيرًا ما يبدو التزاحم بين النزعتين آنفتي الذكر، وحينئذ فالذي تشير إليه النصوص هو ترجيح النزعة الإنسانية مهما أمكن، إلا أن يتوجه خطر كبير للمصلحة العليا، وحينئذٍ فهي المقدمة. فمن الأحكام المشهورة والمسلم بها، أن الأسير إذا عجز عن المشي ولم تكن هناك وسيلة لحمله أطلق سراحه؛ لأنه لا يعلم رأي الإمام فيه. وقد روي عن الإمام علي بن الحسين السجاد قوله: "وإذا أخذت أسيرًا فعجز عن المشي، ولم يك معك محمل، فأرسله ولا تقتله، فإنك لا تدري ما حكم الإمام فيه، والأسير إذا أسلم فقد حقن دمه وصار فيئًا " (١) . وقد صرح به الكثير من الفقهاء؛ كالطوسي في (المبسوط) و (النهاية) ، والحلي في (السرائر) و (المختصر النافع) ، وابن قدامة في (المغني) (٢) . والملاحظ هنا أن هناك تزاحمًا بين الجانب الإنساني (الرحمة) ، والجانب المصلحي (وهو الاحتفاظ بالأسير) ، بعد أن لم يمكن الجمع بينهما، وتم تغليب جانب الرحمة وإطلاق الأسير، وعلى هذا الغرار نلاحظ مسألة الامتناع عن قتل النساء، حتى ولو عاونَّ أزواجهن، إلا أننا نجد ـ في قبال ذلك ـ أحكامًا أخرى: منها: أنه لا يقبل الاستئسار قبل أن تتم السيطرة الإسلامية على الموقف، خوفًا من تغير الموقف لصالح العدو. ومنها: أنه لو تترس الكفار بالمسلمين الأسرى، أو حتى لو تترسوا بالنساء والأطفال، وتوقف الفتح النهائي ـ تمامًا ـ على اقتحام هذه العقبة، وجب الإقدام ـ مهما كانت النتائج ـ إذعانًا للمصلحة العليا: ـ يقول الشيخ الطوسي في (النهاية) : "ومتى استعصى على المسلمين موضع منهم؛ كان لهم أن يرموهم بالمناجيق، والنيران، وغير ذلك مما يكون فيه فتح لهم، وإن كان في جملتهم قوم من المسلمين النازلين عليهم، ومتى هلك المسلمون فيما بينهم، أو هلك لهم من أموالهم شيء لم يلزم المسلمين ولا غيرهم غرامتهم من الدية والأرش، وكان ضائعًا " (٣) . ـ ويقول القاضي عبد الجبار بن البراج في (المهذب) : "وإذا تترس المشركون بأسارى المسلمين، وكانت الحرب ملتحمة لم يقصد الأسرى بالرمي، فإن أصيب لم يكن على من رماه شيء، وإن لم تكن الحرب ملتحمة لا يجوز رميه، فإن رماه ـ ولم يقصده ـ فإن أصابه كان ذلك خطأ وعليه ديته" (٤) . ـ ويقول ابن إدريس في (السرائر) : "وإذا تترس المشركون بأطفالهم، فإن كان ذلك حال التحام القتال جاز رميهم، ولا يقصد الطفل، بل يقصد من خلفه؛ لأنه لو لم يفعل ذلك لأدى إلى بطلان الجهاد، وكذلك الحكم إذا تترسوا بأسارى المسلمين، وكذلك إذا تترسوا بالنساء. . ." (٥) . والملحوظ هنا تقديم المصلحة العليا على النزعة الإنسانية ولكن هذه نظرة ابتدائية. ذلك أن المصلحة العليا للمسلمين هي مصلحة الإنسانية جمعاء ـ كما يراها الإسلام ـ وإن الإسلام هو صوت العدالة الإنسانية كلها، وبه يمكن إنقاذها من براثين الوثنية، والضياع، والكفر. فكل عمل لصالح الإسلام هو لصالح الإنسانية ـ في الحقيقة ـ فلا يمكن التفريط بهذه المصلحة الإنسانية العليا لصالح رحمة موقتة.

стр. 11331

النقطة الرابعة: ونقصد هنا أن ننبه إلى أن اختلاف بعض الأحكام في مجال الحرب ضد الكفر، عنها في مجال مكافحة البغي، ربما أمكن تعليله بأن حاكمية الكفر أشد خطرًا ـ بلا ريب ـ من حاكمية البغي، رغم ما فيه من انحراف وأخطار جسيمة. النقطة الخامسة: من الطبيعي أن نشير هنا ـ أيضًا ـ إلى تركيز الإسلام على عنصر العقد والعهد، كمنبع أساسي للالتزام. فإذا افترضنا أن الدولة الإسلامية دخلت مع المجتمع الدولي ـ أو مع دولة أخرى ـ في معاهدة دولية أو ثنائية، أو وقّعت بروتوكولًا معينًا فهي ـ في الواقع ـ تضيف إلى تعهداتها الأصلية تعهدات قانونية، عليها الالتزام بها، على أي وجه كان، حتى أنه يمكن القول بأن للمعاهدة نفسها موضوعيتها، دون النظر إلى مقتضيات المصلحة العامة. والحمد لله رب العالمين.

стр. 11332

الخلاصة وخلاصة ما قلناه حول أحكام الحرب والأسرى في الإسلام هي: أننا تحدثنا في المقدمة عن واقعية الإسلام ومرونته وضربنا لذلك مثلًا موقفه من قضية (الرقيق) , واستعرضنا بإجمال خطواته لإلغائها، ولكن دون الإخلال بالنظام الاجتماعي والقانون العسكري. ثم انتقلنا إلى صميم الموضوع لنجد أن عملية التوازن بين خطي (الرحمة) و (المصلحة) يمكنها أن تؤطر كل أحكام الإسلام في قضية الحرب والأسرى بل إننا نستطيع أن نمتد بهذا الأصل ليشمل مجمل الأحكام الإسلامية وللتدليل على هذا الأصل استعرضنا ما يلي: ١ ـ التعليمات الحربية المسبقة للرسول الأكرم والقادة الإسلاميين وكلها تؤكد هذه الحقيقة. ٢ ـ التأكيد على عنصر الدعوة والتوعية أولًا وعدم الهجوم المباغت دون تثبت. ٣ ـ ملاحظة وسائل الحرب وأساليبها الإنسانية كما يجيزها الإسلام حيث نهى الفقهاء ـ مثلًا ـ عن اللجوء إلى وسائل من قبيل: الغارة وفتح الماء لإغراق العدو ما دامت هناك وسائل أخرى. ٤ ـ ملاحظة أحكام الأسرى وحقوقهم وقد شملت هذه الملاحظة بيان: (أ) الموارد التي يجوز فيها الأسر. (ب) كيفية الأسر. (ج) أساليب إطلاق سراح الأسرى. (د) حقوق الأسرى. وهذه الحقوق يمكن تلخيصها بما يلي: ١ ـ العطف والرحمة بالأسير. ٢ ـ إطعام الأسير وسقيه. ٣ ـ تأمين الظل للأسير. ٤ ـ توفير اللباس اللائق به. ٥ ـ احترام الأسير ذي المرتبة ومراعاة كرامته ومنزلته. ٦ ـ توفير الدواء والعلاج اللازم. ٧ ـ هدايته إلى الحق. ٨ ـ تحريم قتل النساء والأطفال. ٩ ـ عدم قتل الأسير من السفلة. ١٠ ـ أخذ البيعة من الأسير القوي. ١١ ـ عدم معاملة البغاة بالمثل. ١٢ ـ عدم قتل الأسير إن أسلم قبل النصر.

стр. 11333

وفي خاتمة البحث لاحظنا النقاط التالية: الأولى: أن الموقف يعود في النهاية إلى قائد الزحف الإسلامي والمفروض أنه يمتلك أسمى درجات الالتزام بالشريعة الرحيمة الميسرة لكي يقرر أفضل الحالات المطروحة أمامه. الثانية: أن الكثير من الموارد التي استند إليها الفقهاء لا يمكنها أن تشكل بنفسها أدلة مقعنة؛ لأنها اعتمدت على دليل التقرير مع فقدان بعض شرائطه. الثالثة: عند التعارض بين حالتي المصلحة والرحمة نجد الإسلام يرجح الجانب الإنساني مهما أمكن كما إذا عجز الأسير عن المشي ولم تكن هناك وسيلة لحمله فإنه يطلق سراحه؛ لأنه لا يعلم رأي الإمام فيه. الرابعة: ملاحظة اختلاف بعض الأحكام في مجال الحرب ضد الكفار عنها في مجال محاربة البغاة. الخامسة: ملاحظة أن الإسلام ركز تمامًا على عنصر العهد كأساس للالتزام فإذا دخلت الدولة الإسلامية مع المجتمع الدولي أو مع دولة أخرى في عقد كان عليها الالتزام على أي وجه كان. الشيخ محمد علي التسخيري

стр. 11334

المعاهدات والاتفاقات من العلاقات الدولية في أثناء السلم إعداد سماحة الدكتور عبد العزيز الخياط بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخير المعلمين المبعوث رحمة للعالمين وبعد: فهذا بحث في موضوع من موضوعات " العلاقات الدولية في الإسلام" وهو مع مقدمته "العلاقات الدولية في أثناء السلم ـ المعاهدات والاتفاقات". وأدعو الله أن يوفق لما فيه الخير، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأرجو أن يجد لدى أخوتنا الأساتذة الفضلاء في مجمع الفقه الإسلامي قبولًا حسنًا. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 11335

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة: المقصود بالعلاقات الدولية (١) . ما يكون بين الدول من روابط تقوم على أساس من قواعد عامة، وضوابط تحكم تعاملها فيما بينها باعتبارها مستقلة ذات سيادة. والعلاقات الدولية تتناول: (أ) حالات السلم. (ب) حالات الحرب. أما حالات السلم، فتتناول ما يلي: ١ ـ السيادة الداخلية للدولة: وتشمل: حكم الإسلام لبلاد المسلمين، أي تدبير شؤون الدولة لرعاياها المسلمين وغير المسلمين في رقعة الأرض التي تحكم بالإسلام، ولذلك كان مفهوم السياسة عند المسلمين واضحًا كل الوضوح، سواء ضيقنا مشمولاتها ومضامينها، أو وسعناها، فهي تتناول قواعد الحكم الإسلامي، وقوانينه، وتنظيماته وشؤون الخلافة والوزارة، والقضاء وإقامة الحدود، وتنظيم المعاملات والفصل بين الخصومات، وعلاقة الدولة مع الناس، والحسبة والطاعة، والمراقبة الأمنية، ويجمعها شؤون الحكم والتنفيذ وشؤون التشريع وشؤون القضاء. كما تشمل تعامل الدولة مع غير المسلمين (أهل اذمة) . ٢ ـ السياسة الخارجية: وتشمل مظاهر السياسة في المجال الدولي وعلاقة الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى في التجارة، والمعاهدات، والتمثيل الدبلوماسي، ونظرة الإسلام في تسمية بلاده بدار الإسلام، وتسمية البلدان الأخرى التي تحكمها دول لا تحكم بالإسلام بدار الحرب أو دار الكفر، أو دار العهد. كما تتناول العلاقات الإنسانية. وسنقتصر في هذا البحث على ما يتعلق بالمعاهدات والاتفاقات. وأما حالات الحرب فتشمل موضوع الجهاد وأحكامه، وهو ما يطلق عليه الفقهاء "أحكام السير أو أحكام المغازي". كما يشمل توضيح الفرق بين معنى الجهاد ومعنى الحرب، ويتناول موضوع الصلح والهدنة والمعاهدات الحربية، ومعنى الجزية والغنائم، والفيء، والخراج، وآداب الحرب، ومعاملة المدنيين، وأحكام الأسرى.

стр. 11336

القواعد الإسلامية العامة التي تحكم القواعد الدولية: للإسلام قواعد عامة تقوم عليها العلاقات في الإسلام نذكرها فيما يلي: ١ ـ كل الناس سواسية في الحقوق الإنسانية بغض النظر عن اختلاف الدين أو القومية، أو الجنس وليس في الإسلام نظرة عرقية ولا تمييز شعب قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) . وقال النبي ﷺ : ((الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى)) (٢) . ٢ ـ العدالة: ففي وقت السلم تحترم كل الحقوق التي تكتسبها الدول الأخرى ويكتسبها رعاياها، وأما في الحرب فلا يجوز تعدي ضرورات الحرب سواء في صد العدوان أو الهجوم، فلا يجوز التمثيل بالجثث ولا قتل الأسرى ولا سفك دماء المدنيين، ولا تخريب العامر أو قتل الحيوان إلا لمنع تمويل العدو، كما لا يجوز التعرض لغير المقاتلين. ٣ ـ احترام المعاهدات بين الدولة الإسلامية وغيرها فهي عقود ملزمة يجب الوفاء بها. ٤ ـ لا يجوز إعلان الحرب فجأة قبل توجيه الإنذار للعدو، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (٣) . ٥ ـ عدم السماح بإنشاء تكتلات حزبية أو عسكرية ضد دولة أخرى، أو لصالح دولة أخرى، في داخل الدولة الإسلامية، لقوله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (٤) . ٦ ـ المعاقبة بالمثل، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٥) . وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٦) . ٧ ـ الدوران مع مصلحة الأمة الإسلامية القائمة على تحقيق الدعوة الإسلامية، وعلى ذلك فللإمام أن يطالب إعادة حالة السلام مع الأعداء، أو عقد هدنة إذا رأى ذلك أكثر تحقيقًا للمصلحة الإسلامية من حالة استمرار القتال.

стр. 11337

٨ ـ حقوق العباد مقدمة على حقوق الله، فلا تشترك المرأة في القتال مثلًا إلا بإذن الزوج، أو الولي إلا في حالة النفير العام. ٩ ـ يختار أخف الضررين في المجال الدولي، فإذا تقدم الأعداء ضد المسلمين متترسين بأفراد مسلمين، فلقائد الجيش الإسلامي أن يطلق النار على الأعداء ولو أصابت المسلمين. ١٠ ـ حجر الرحى في العلاقات الدولية هو الدعوة الإسلامية؛ لأن الدولة الإسلامية مهمتها أن تحمل الدعوة الإسلامية للناس كافة، والرسالة الإسلامية رسالة إنسانية عامة شاملة للناس أجمعين، لكل الناس في كل زمان، وكل مكان، بما فيها من ثبات الأصول وحركة الفروع، وقدرة على مواجهة التطور وحلول المشكلات المستجدة. وعلى ضوء هذه الرسالة يكون عمل الأمة في الداخل والخارج وتكون علاقاتها مع الدول أو الشعوب، ومن خلالها تنظر إلى الناس أجمع وتعالج المسائل الدولية والمحلية. وهذا مستوحى من سياسة الرسول ﷺ وتوجيهه الرسائل المتعددة إلى دولتي الفرس والروم والدول العربية والقبائل العربية المجاورة يدعوهم فيها إلى الإسلام. ١١ ـ التزام القيم الإسلامية العليا، وأعلاها رضوان الله فأي عمل يقوم به المسلم إنما يبتغي به مرضاة الله قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ (١) . وقال تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ (٢) . أي ذلك الرضوان لمن خشي ربه. وعن هذا الرضوان تنشأ قيم الطمأنينة والأمن والتحرر من الخوف والاستقرار، وطلب الشهادة في سبيل الله، ثم القيم الأخرى كالحرص على الحياة والأولاد والمال وغيرها، وهي تتبع القيمة العليا، ويضحى بها من أجل القيمة العليا وهي رضوان الله. قال : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٣) .

стр. 11338

١٢ ـ أساس العلاقات الدولية في الإسلام (السلم) ، والحرب أمر طارئ على البشرية، وهذا هو رأي جمهور الفقهاء ومنهم الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي، وأحمد بن حنبل وقد كان رسول الله ﷺ إذا بعث بعثًا أو سرية قال لهم: ((تألفوا الناس، وتأنوا بهم، ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل مدر ولا وبر، إلا أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلي من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم)) (١) . قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٢) . وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٣) . وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٤) . ١٣ ـ الحرب مشروعة في الإسلام وهي جهاد في سبيل الله، لنشر دعوة الإسلام، ودفع الظلم وإقامة الحق والعدل، وحفظ التوازن، وتمكين أرباب العقائد والعبادات من أداء عباداتهم والبقاء على عقيدة التوحيد، وهذا الذي أخذ من قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٥) . فهذه الآية صريحة في أن الجهاد له غاية وأن سنة الله في الكون درءُ الظلم ومنع الفساد ونشر العقيدة السمحة، والفضيلة، ولا يتم ذلك إلا بالجهاد قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ (٦) . وقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (٧) . فهذه الآية واضحة في أن الجهاد والقتال مشروع لغاية هي دفع الفتنة ونشر الدين الحق، وتمكين الحرية الدينية للآخرين وأننا لا نقاتل معتدين ولا ظالمين (٨) . لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٩) . ولقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (١٠) . ولقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (١١) .

стр. 11339

العلاقات في أثناء السلم: يرى بعض الفقهاء أن الأصل في العلاقات الدولية هو الحرب أي أن الإسلام ذو نزعة حربية باعتبار أن الجهاد مشروع؛ لأنه طريق الدعوة إلى الإسلام، ما لم يطرأ ما يوجب السلم والأمان، واستندوا إلى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (١) . لأن هذه الآية متضمنة رفع العهود والذمم التي كانت بين النبي والمشركين (٢) . ولذلك سميت بآية السيف، وإلى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) , وإلى قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤) . ويستفاد من هذه الآيات وغيرها ومما قرره الفقهاء أن الجهاد فرض كفاية على المسلمين لنشر الدعوة ابتداء من غير انتظار لبدء العدو بالحرب لأننا مأمورون بنشر الدعوة وحملها إلى الناس كافة؛ ولأن الجهاد شرعًا هو الدعاء إلى دين الحق وقتال من لم يقبله (٥) . أو هو بذل الوُسع في القتال في سبيل الله مباشرة أو معاونة بمال أو تكثير سواد أو غير ذلك (٦) . وقد قرر هؤلاء الفقهاء أن قتال الكفار واجب وإن لم يبدأوا للعمومات (٧) . في الآيات الواردة في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٨) . ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٩) . وقوله ﵊: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)) (١٠) .

стр. 11340

ويرى فقهاء آخرون أن الأصل في العلاقات الدولية هو السلم وأنه لا يُجنح للحرب إلا في حالة الضرورة والدفاع عن النفس وحماية الدولة والنظام، وأنه لا يبيح للمسلمين قتال مخالفيهم في الدين وإنما يسمح بقتالهم، إذا اعتدوا على المسلمين فحينئذٍ يصبح الجهاد فرض عين دفعًا للعدوان، وكذلك إذا وقفوا في وجه الدعوة الإسلامية وحالوا دون نشرها وإقناع الناس , واعتبروا أن حالة السلم تجعل موضوع التعاون وتبادل المنافع والمصالح والتجارة مع الدول الأخرى قائمًا، واحتجوا بالنصوص من القرآن والسنة، ومعظمها يبين السبب الذي من أجله فرض القتال، إما لدفع ظلم، أو لحماية الدعوة وقطع الفتنة، لا سيما وأن الكفار في عهد رسول الله ﷺ مشركون وأهل كتاب ـ أمعنوا في إيذاء المسلمين بألوان من العذاب، وقاطعوهم وأخرجوهم من ديارهم وصادروا ممتلكاتهم، وغايتهم إخماد الدعوة ومنع انتشارها وإقامة دولتها (١) . قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢) . وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٣) . وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٤) . وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (٥) . ويقول : ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٦) . ويقول تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ (٧) . ويقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (٨) . ويقول: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (٩) . ويقول: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (١٠) . ويفهم من هذه الآيات جميعًا ما ذهب إليه أصحاب الرأي بأن السلم هو الأصل في العلاقات الدولية بأن آيات القتال منسجمة مع هذا الأصل، فقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ متصل بقوله: ﴿كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ فنحن نقاتلهم كما يقاتلوننا فإن كفوا عن قتالنا كافة، كففنا عن قتالهم بالمقابل، وقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ الآية، وهذا أمر بقتال أهل الكتاب الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ... إلخ" فمن لم يؤمن برسول الله ﷺ لا يكون له إيمان صحيح بأحد من الرسل ولا بما جاءوا به، وإنما يتبعون أهواءهم وآراءهم (١١) . وهذا لا يتنافى مع أصل السلم؛ لأن قتالهم هو قتال من أجل تحقيق السلم وتوحيد الناس وجعلهم مع المسلمين أمة واحدة، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ومعناها في قوله: حتى يدفعوا الجزية "أي مقابل الزكاة" إذا لم يسلموا ويخضعوا لأحكام الإسلام (١٢) . وهذا ينسحب على بقية الآيات التي تأمر بالقتال، فالقتال لمنع الفتنة، والقتال لدعوة الإيمان، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحماية الدعوة لا يتنافى مع أصل السلم في العلاقات الدولية، فإذا أقروا بذلك كانوا مسلمين، وإلا كانوا أهل ذمة أو معاهدين، وهذا استقرار وسلام، والذمة بمعنى العهد والأمان فتشمل المواطنين الذين يقيمون مع المسلمين في سلام في بلاد المسلمين، وتشمل المستأمنين، وهم أصحاب الأمان المؤقت الذي يعطي للحربيين لكي يتمكنوا من الدخول إلى دار الإسلام لتجارة أو زيادة أو أي حاجة مشروعة، وذلك بشروط خاصة (١٣) .

стр. 11341

والآيات المطلِقة في القتال تحمل على المقيِّدة له وهو القتال في حال الاعتداء أو إزالة العقبات في وجه دعوة الإسلام (١) . كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) . يقول الدكتور محمد البهي: "ولأن جماعة المسلمين جماعة مستقلة، في هدفها وغايتها وفي منهجها في الحياة، وفي ترابط أفرادها بعضهم ببعض؛ ولأنه مطلوب منها أن تحرص على استقلالها، برد العدوان عليها، وعدم التهاون في ذلك ـ كان من المترقب لهذه الجماعة أن يحتك بها غيرها من الجماعات الإنسانية التي تطمع في التوسع، أو تتعصب لفكرتها، ومبدأها في الحياة، لذلك طلب الإسلام من " الجماعة الإسلامية " أن تكون دائما على حذر، واستعداد مادي وروحي معًا، لمقاومة من يحتك بها، قاصدًا إضعافها وإذهاب استقلالها، ولكن هذه التعبئة المادية والروحية التي يطلبها الإسلام من المؤمنين به يضعها دائمًا في خدمة السلام لا للغزو والاعتداء". (٣) ويقول أصحاب هذا الرأي: إن آية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٤) ، لم تنسخها آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٥) ، لاتفاق جمهور العلماء على إحكام هذه الآية، فقد حكى ابن تيمية اتفاق العلماء على أن آية الإكراه ليست منسوخة، ولا منصوصة وإنما النص عام فلا تكره أحدًا على الدين، والقتال لمن حاربنا". (٦) . يقول الإمام الرازي في تفسيره الكبير بعد أن ذكر أن الله تعالى بين دلائل التوحيد بيانًا شافيًا قاطعًا للمعذرة: "إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل عذر للكافر في الإقامة على كفره إلا أن يُقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء؛ إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٧) . وقال في سورة أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٨) . وقال في سورة الشعراء: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (٩) . ويستشهدون للسلم بالحديث الذي ذكرناه في أول البحث وهو أن النبي ﷺ كلما بعث بعثًا أو أرسل سرية قال: ((تألفوا الناس، وتأنوا بهم، ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل بيت من مدر ولا وبر إلا أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلي من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم)) (١٠) .

стр. 11342

والذي أختاره هو أن الإسلام يجعل العلاقة الدولية بينه وبين الدول الأخرى وشعوبها هو السلم لكن على أساس أن يدعوهم إلى الإسلام، وعلى أساس أن لا يحولوا بين شعوبهم وبين رؤية الإسلام الحق مطبّقًا، فإذا حالوا بين شعوبهم وبين الإسلام، وعملوا على تشويه صورته وإيذاء دعاته، ومنعهم من الوصول إلى الشعوب، كان الجهاد والقتال، ومن هنا كان حض الإسلام على الجهاد والقتال في سبيل الله في الآيات والأحاديث الكثيرة، وهذا نص الآيتين الكريمتين: قال تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (١) . وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (٢) . يقول الشيخ محمد الصادق عرجون: "فهو قتال مأمور به لرد الاعتداء، والدفاع عن النفس، ومقاومة الظلم، والقضاء على عوامل الفتنة ورد المؤمنين عن دينهم، وتخليص المستضعفين من النساء والولدان وعجزة الشيوخ من الرجال، والمرضى والضعفاء، وإنقاذهم من وطأة الاستبداد والظلم وتحريرهم من نير الطغيان، وربقة الفجور، وتأمين الطريق أمام كلمة الحق والهدى، وهي تسري إلى العقول والقلوب دون أن يعوق سيرها بإقامة العقاب بين يديها. وإذا لم يكن بدء قتال من المشركين للمؤمنين, وإذا لم يكن منهم اعتداء عليهم, وإذا لم يكن منهم ظلم لهم, وإذا لم تكن فتنة للمؤمنين عن دينهم بالإيذاء والتعذيب, وإذا لم يكن تعويق لسير الدعوة إلى الله تعالى, وإذا لم يكن صد عن الحق والهدى والخير والنور, وإذا ترك المستضعفون في أرض الله يتنسمون نسائم الحرية في تفكيرهم وعقائدهم وما يختارون لأنفسهم من عقيدة ودين لا تمتهن في ظله العقول الإنسانية, وإذا كف أعداء الله وأعداء دينه أيديهم عن قتال المؤمنين وألقوا إليهم السلم، وكان الدين كله لله؛ وجب على المؤمنين حينئذٍ أن يكفوا أيديهم عن القتال وأن يدخلوا في السلم ويشغلوا أنفسهم بطاعة الله وذكره، والدعوة إلى دينه بالحجة النيرة والبرهان الواضح والموعظة الحسنة". (٣) . على أن من يتابع تطورات الدول قديمها وحديثها، وتطور علاقاتها، يرى أنها ترتكز على ظاهرة النزاعات المسلحة، أكثر من ارتكازها على السلم، وأن التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي زاد من التناقضات بين الدول، فتوسعت رقعة المنازعات، وسخر الإنسان كل طاقاته لتمكين نفسه من خوض الحروب وتدمير الشعوب (٤) . ولكننا في الإسلام على غير هذا، فالأصل السلام، والمنازعات ينبغي أن تفض بالطرق السلمية، وإلا فالحرب آخر الدواء.

стр. 11343

المعاهدات والاتفاقات المعاهدات: جمع معاهدة: والمعاهدة لغة: من عاهد، إذا أعطى عهدًا أي ميثاقًا فيكون معنى المعاهدة لغة: الميثاق يكون بين اثنين أو جماعتين. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (١) . أي إذا كان بينكم وبينهم معاهدة وميثاق وهي اصطلاحًا: "اتفاق دولتين أو أكثر لتنظيم علاقات بينهما، أو هي: الاتفاق الذي يعقد بين دولتين أو أكثر لتنظيم علاقات قانونية أو دولية وتحديد القواعد التي تخضع لها" (٢) . أو هي: "اتفاق دولي يبرم بين دول في صياغة مكتوبة، ويحكمه القانون الدولي سواء احتوته وثيقة واحدة أو أكثر وأيًّا كان مسماه" (٣) . والأصل في القانون الدولي أن المعاهدات تكون سياسية، أما إذا كانت غير سياسية فتسمى: "اتفاقًا أو اتفاقية ". والمعاهدات كانت قبل الإسلام في صورة أحلاف كحلف الفضول بين بني هاشم، وبني عبد المطلب وزهرة وتميم، وهو حلف تعاهدوا فيه على نصرة بعضهم بعضًا في الحق ونصرة المظلوم. أو في صورة اتحادات بين القبائل، أو في صورة مساندة في أعمال الغزو والحرب، أو في صورة موادعة وهي وفاق يتعهد فيه الطرفان بعدم الاعتداء أو الاستشارات بعضهم على بعض.

стр. 11344

مشروعية المعاهدات: المعاهدات في الإسلام مشروعة مع الأعداء التي ليس بيننا وبينها حرب، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) . ولقوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) . فهذه الآيات وأمثالها تدل على جواز عقد المعاهدات بين الدولة الإسلامية وغيرها، وعلى ضرورة الوفاء بها والالتزام بما تضمنته من موضوعات وتعهدات. ولما روي أنه ﷺ عاهد أهل مكة عام الحديبية على أن توضع الحرب عشر سنين، جاء في سنن أبي دواود عن المسود بن مخرمة أن النبي ﷺ خرج عام الحديبية، وذكر الحديث بطوله وفيه ((هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو: على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض)) . (٤) . قال الصنعاني: "الحديث دليل على جواز المهادنة بين المسلمين وأعدائهم من المشركين مدة معلومة لمصلحة يراها الإمام" (٥) . وقال ﷺ : ((من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا)) (٦) . وقال ﷺ : ((ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة)) (٧) . وسواء أكانت معاهدات أو اتفاقيات أو أمانًا، أو صلحًا، فهذه الأدلة تشملها وتقع تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ . يضاف إلى ذلك قوله ﷺ في الأمان: ((ويسعى بذمتهم أدناهم)) (٨) ، وقوله ﵊ ((: ((أيما رجل من أقصاكم أو أدناكم، من أحراركم أو عبيدكم، أعطى رجلًا منهم أمانًا أو أشار إليه بيده، فأقبل بإشارته، فله الأمان حتى يسمع كلام الله، فإن قبل فأخوكم في الدين، وإن أبى فردوه إلى مأمنه، واستعينوا بالله)) )) (٩) والإجماع قائم على جواز المعاهدات، وطبيعة الحياة، ومنطق العقل السليم يقر اللجوء إليها تمكينًا للدعوة من الوصول إلى معانديها، أو حقنًا للدماء، أو نشرًا للسلم وإعطاء الفرصة للمسلمين لأخذ الحيطة والاستعداد.

стр. 11345

الوفاء بالعهد: إذا عقد الصلح أو أبرمت المعاهدة، أو أعطي الأمان أو غيره، فالالتزام بمضمون المعاهدات واجب والوفاء فرض، ولا يجوز نقض العهد إلا بسبب من خيانة، أو غدر أو مظاهرة علينا بمال أو سلاح أو برأي وتدبير، فإن العهد يفقد حرمته ويصبح المسلمون في حل من ذلك دون إنذار أو إعلان كما فعل النبي ﷺ في صلح الحديبية حين نقضت قريش معاهدة الصلح بإعانتها على حلفاء رسول الله ﷺ فتوجه إلى فتح مكة دون إنذار وفتحها بفضل الله، وذلك لقوله ـ تعالىـ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (١) . فإن الآية تدل بمفهومها على أن المسلمين في حل من مهاجمة الكافرين إذا نقضوا العهد بمخالفة بنوده أو المظاهرة عليهم (٢) ، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (٣) . وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٤) . وقال سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (٥) . وقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (٦) . وقال رسول الله ﷺ : ((لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له)) (٧) . وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى كل مدينة صالح أهلها ولم يستطع صد الروم عنهم، وفاء منه لما عاهدهم عليه:"إنما رددنا عليكم أموالكم؛ لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم , وإنا لا نقدر على ذلك وقد رددنا عليكم ما أخذنا ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم" (٨) .
следующие страницы →