← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 11341–11380 · переход к 11346.

стр. 11341

والآيات المطلِقة في القتال تحمل على المقيِّدة له وهو القتال في حال الاعتداء أو إزالة العقبات في وجه دعوة الإسلام (١) . كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) . يقول الدكتور محمد البهي: "ولأن جماعة المسلمين جماعة مستقلة، في هدفها وغايتها وفي منهجها في الحياة، وفي ترابط أفرادها بعضهم ببعض؛ ولأنه مطلوب منها أن تحرص على استقلالها، برد العدوان عليها، وعدم التهاون في ذلك ـ كان من المترقب لهذه الجماعة أن يحتك بها غيرها من الجماعات الإنسانية التي تطمع في التوسع، أو تتعصب لفكرتها، ومبدأها في الحياة، لذلك طلب الإسلام من " الجماعة الإسلامية " أن تكون دائما على حذر، واستعداد مادي وروحي معًا، لمقاومة من يحتك بها، قاصدًا إضعافها وإذهاب استقلالها، ولكن هذه التعبئة المادية والروحية التي يطلبها الإسلام من المؤمنين به يضعها دائمًا في خدمة السلام لا للغزو والاعتداء". (٣) ويقول أصحاب هذا الرأي: إن آية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (٤) ، لم تنسخها آية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ (٥) ، لاتفاق جمهور العلماء على إحكام هذه الآية، فقد حكى ابن تيمية اتفاق العلماء على أن آية الإكراه ليست منسوخة، ولا منصوصة وإنما النص عام فلا تكره أحدًا على الدين، والقتال لمن حاربنا". (٦) . يقول الإمام الرازي في تفسيره الكبير بعد أن ذكر أن الله تعالى بين دلائل التوحيد بيانًا شافيًا قاطعًا للمعذرة: "إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل عذر للكافر في الإقامة على كفره إلا أن يُقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء؛ إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والامتحان، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (٧) . وقال في سورة أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٨) . وقال في سورة الشعراء: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (٩) . ويستشهدون للسلم بالحديث الذي ذكرناه في أول البحث وهو أن النبي ﷺ كلما بعث بعثًا أو أرسل سرية قال: ((تألفوا الناس، وتأنوا بهم، ولا تغيروا عليهم حتى تدعوهم، فما على الأرض من أهل بيت من مدر ولا وبر إلا أن تأتوني بهم مسلمين أحب إلي من أن تأتوني بأبنائهم ونسائهم وتقتلوا رجالهم)) (١٠) .

стр. 11342

والذي أختاره هو أن الإسلام يجعل العلاقة الدولية بينه وبين الدول الأخرى وشعوبها هو السلم لكن على أساس أن يدعوهم إلى الإسلام، وعلى أساس أن لا يحولوا بين شعوبهم وبين رؤية الإسلام الحق مطبّقًا، فإذا حالوا بين شعوبهم وبين الإسلام، وعملوا على تشويه صورته وإيذاء دعاته، ومنعهم من الوصول إلى الشعوب، كان الجهاد والقتال، ومن هنا كان حض الإسلام على الجهاد والقتال في سبيل الله في الآيات والأحاديث الكثيرة، وهذا نص الآيتين الكريمتين: قال تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (١) . وقال: ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ (٢) . يقول الشيخ محمد الصادق عرجون: "فهو قتال مأمور به لرد الاعتداء، والدفاع عن النفس، ومقاومة الظلم، والقضاء على عوامل الفتنة ورد المؤمنين عن دينهم، وتخليص المستضعفين من النساء والولدان وعجزة الشيوخ من الرجال، والمرضى والضعفاء، وإنقاذهم من وطأة الاستبداد والظلم وتحريرهم من نير الطغيان، وربقة الفجور، وتأمين الطريق أمام كلمة الحق والهدى، وهي تسري إلى العقول والقلوب دون أن يعوق سيرها بإقامة العقاب بين يديها. وإذا لم يكن بدء قتال من المشركين للمؤمنين, وإذا لم يكن منهم اعتداء عليهم, وإذا لم يكن منهم ظلم لهم, وإذا لم تكن فتنة للمؤمنين عن دينهم بالإيذاء والتعذيب, وإذا لم يكن تعويق لسير الدعوة إلى الله تعالى, وإذا لم يكن صد عن الحق والهدى والخير والنور, وإذا ترك المستضعفون في أرض الله يتنسمون نسائم الحرية في تفكيرهم وعقائدهم وما يختارون لأنفسهم من عقيدة ودين لا تمتهن في ظله العقول الإنسانية, وإذا كف أعداء الله وأعداء دينه أيديهم عن قتال المؤمنين وألقوا إليهم السلم، وكان الدين كله لله؛ وجب على المؤمنين حينئذٍ أن يكفوا أيديهم عن القتال وأن يدخلوا في السلم ويشغلوا أنفسهم بطاعة الله وذكره، والدعوة إلى دينه بالحجة النيرة والبرهان الواضح والموعظة الحسنة". (٣) . على أن من يتابع تطورات الدول قديمها وحديثها، وتطور علاقاتها، يرى أنها ترتكز على ظاهرة النزاعات المسلحة، أكثر من ارتكازها على السلم، وأن التقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي زاد من التناقضات بين الدول، فتوسعت رقعة المنازعات، وسخر الإنسان كل طاقاته لتمكين نفسه من خوض الحروب وتدمير الشعوب (٤) . ولكننا في الإسلام على غير هذا، فالأصل السلام، والمنازعات ينبغي أن تفض بالطرق السلمية، وإلا فالحرب آخر الدواء.

стр. 11343

المعاهدات والاتفاقات المعاهدات: جمع معاهدة: والمعاهدة لغة: من عاهد، إذا أعطى عهدًا أي ميثاقًا فيكون معنى المعاهدة لغة: الميثاق يكون بين اثنين أو جماعتين. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (١) . أي إذا كان بينكم وبينهم معاهدة وميثاق وهي اصطلاحًا: "اتفاق دولتين أو أكثر لتنظيم علاقات بينهما، أو هي: الاتفاق الذي يعقد بين دولتين أو أكثر لتنظيم علاقات قانونية أو دولية وتحديد القواعد التي تخضع لها" (٢) . أو هي: "اتفاق دولي يبرم بين دول في صياغة مكتوبة، ويحكمه القانون الدولي سواء احتوته وثيقة واحدة أو أكثر وأيًّا كان مسماه" (٣) . والأصل في القانون الدولي أن المعاهدات تكون سياسية، أما إذا كانت غير سياسية فتسمى: "اتفاقًا أو اتفاقية ". والمعاهدات كانت قبل الإسلام في صورة أحلاف كحلف الفضول بين بني هاشم، وبني عبد المطلب وزهرة وتميم، وهو حلف تعاهدوا فيه على نصرة بعضهم بعضًا في الحق ونصرة المظلوم. أو في صورة اتحادات بين القبائل، أو في صورة مساندة في أعمال الغزو والحرب، أو في صورة موادعة وهي وفاق يتعهد فيه الطرفان بعدم الاعتداء أو الاستشارات بعضهم على بعض.

стр. 11344

مشروعية المعاهدات: المعاهدات في الإسلام مشروعة مع الأعداء التي ليس بيننا وبينها حرب، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ (١) . وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢) . ولقوله: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣) . فهذه الآيات وأمثالها تدل على جواز عقد المعاهدات بين الدولة الإسلامية وغيرها، وعلى ضرورة الوفاء بها والالتزام بما تضمنته من موضوعات وتعهدات. ولما روي أنه ﷺ عاهد أهل مكة عام الحديبية على أن توضع الحرب عشر سنين، جاء في سنن أبي دواود عن المسود بن مخرمة أن النبي ﷺ خرج عام الحديبية، وذكر الحديث بطوله وفيه ((هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو: على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض)) . (٤) . قال الصنعاني: "الحديث دليل على جواز المهادنة بين المسلمين وأعدائهم من المشركين مدة معلومة لمصلحة يراها الإمام" (٥) . وقال ﷺ : ((من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا)) (٦) . وقال ﷺ : ((ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة)) (٧) . وسواء أكانت معاهدات أو اتفاقيات أو أمانًا، أو صلحًا، فهذه الأدلة تشملها وتقع تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ . يضاف إلى ذلك قوله ﷺ في الأمان: ((ويسعى بذمتهم أدناهم)) (٨) ، وقوله ﵊ ((: ((أيما رجل من أقصاكم أو أدناكم، من أحراركم أو عبيدكم، أعطى رجلًا منهم أمانًا أو أشار إليه بيده، فأقبل بإشارته، فله الأمان حتى يسمع كلام الله، فإن قبل فأخوكم في الدين، وإن أبى فردوه إلى مأمنه، واستعينوا بالله)) )) (٩) والإجماع قائم على جواز المعاهدات، وطبيعة الحياة، ومنطق العقل السليم يقر اللجوء إليها تمكينًا للدعوة من الوصول إلى معانديها، أو حقنًا للدماء، أو نشرًا للسلم وإعطاء الفرصة للمسلمين لأخذ الحيطة والاستعداد.

стр. 11345

الوفاء بالعهد: إذا عقد الصلح أو أبرمت المعاهدة، أو أعطي الأمان أو غيره، فالالتزام بمضمون المعاهدات واجب والوفاء فرض، ولا يجوز نقض العهد إلا بسبب من خيانة، أو غدر أو مظاهرة علينا بمال أو سلاح أو برأي وتدبير، فإن العهد يفقد حرمته ويصبح المسلمون في حل من ذلك دون إنذار أو إعلان كما فعل النبي ﷺ في صلح الحديبية حين نقضت قريش معاهدة الصلح بإعانتها على حلفاء رسول الله ﷺ فتوجه إلى فتح مكة دون إنذار وفتحها بفضل الله، وذلك لقوله ـ تعالىـ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (١) . فإن الآية تدل بمفهومها على أن المسلمين في حل من مهاجمة الكافرين إذا نقضوا العهد بمخالفة بنوده أو المظاهرة عليهم (٢) ، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (٣) . وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (٤) . وقال سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ (٥) . وقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (٦) . وقال رسول الله ﷺ : ((لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له)) (٧) . وكتب أبو عبيدة بن الجراح إلى كل مدينة صالح أهلها ولم يستطع صد الروم عنهم، وفاء منه لما عاهدهم عليه:"إنما رددنا عليكم أموالكم؛ لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع وأنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم , وإنا لا نقدر على ذلك وقد رددنا عليكم ما أخذنا ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم" (٨) .

стр. 11346

أنواع المعاهدات: ١ ـ المعاهدات: تتنوع المعاهدات بحسب موضوعاتها وأهدافها، وكما يقول الدكتور وهبة الزحيلي:"فقد يكون الغرض منها تنظيم التجارة أو نشر الإسلام والثقافة أو لأغراض اجتماعية وإنسانية كتبادل الأسرى، ومعالجة المرضى، أو لتقرير السلم والأمن، وتثبيت دعائمه، أو لدعم روابط الجوار والتعاون مع المجاورين". (١) فمنها: (أ) المعاهدات التجارية: وهي تنظيم التجارة الخارجية، أي لتأمين التبادل التجاري بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى في حرية التجارة وعدم التعرض لها بالمصادرة أو السلب أو النهب أو القرصنة، وهذا مما يجيزه الإسلام. وقد تسمى هذه المعاهدات معاهدات الصداقة، وقد أوجب الإسلام على التجار المسلمين التقيد بأحكام الإسلام في عقود التجارة من حيث شروط الصحة وأنواع التجارة، فلا يجري فيها الربا ولا بيع الخمر والخنزير ولا يفرض عليهم العشر؛ لقول الرسول ﷺ : ((في العهود وفاء لا غدر، لا أحل لكم شيئًا من أموال المعاهدين إلا بحق)) (٢) . أما إذا كانوا أجانب أي غير مسلمين فيتقيدون كذلك بما يتقيد به تجار المسلمين ويؤخذ منهم ضريبة على تجارتهم معاملة بالمثل مع المسلمين. (٣) . (ب) المعاهدات السياسية: وأعني بها المعاهدات ذات الأجل الطويل كصلح الحديبية الذي حدد بعشر سنوات، أو الدائمة، وهي جائزة أخذًا من عموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ (٤) . ومن فعل النبي ﷺ في المعاهدات التي أبرمها مع عدد من الدول منها: معاهدته مع اليهود في المدينة وكانت معاهدة دائمة غير موقوتة ومنها معاهدته مع أهل أيلة وفيها ((هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليحنة بن رؤبة وأهل أيلة: سفنهم وسيارتهم في البر والبحر لهم ذمة الله ومحمد النبي، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وأنه طيب لمن أخذه من الناس. وأنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقًا يريدونه من بر أو بحر)) . (٥) ومعاهدته مع أهل جرباء وأذرح، وأهل مقنا (٦) ومعاهداته مع نصارى نجران (٧) . وأخذًا من فعل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ في المعاهدات ـ لتجديد أبي بكر العهد للنجرانيين ومعاهدة عمر بن الخطاب مع نصارى المدائن وفارس. ومعاهدة حذيفة بن اليمان مع أهل ماه دينار (بفارس) ومعاهدة النعمان بن مقرن مع أهل ماه بهراذان (بفارس) ومعاهدة عبد الله بن قيس مع أهل أصفهان (بفارس) ، وغيرها من المعاهدات (٨) . ويقول الشيخ محمد أبو زهرة: "ولقد ادعى بعضهم لهذا أن الصلح الدائم لا يجوز في الشرع الإسلامي، وما جاء به من النصوص يسوغ هذا الصلح بإطلاق قد نسخ وغير حكمه النبي ﷺ فقد جاء في شرح السير الكبير للسرخسي عند الكلام في قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ .

стр. 11347

واختلف المفسرون، فقال بعضهم: الآية منسوخة، وقال قوم: إنها غير منسوخة. وقد اعتبر الذين قالوا إن آية منع قتال المسالمين غير منسوخة هم الأكثرية" (١) ، وجاء في الهداية: "ولا يقتصر الحكم على المدة المروية (٢) لتعدي المعنى إلى ما زاد عليها" (٣) . قال الكمال بن الهمام في شرحه على الهداية: "وبهذا يندفع ما نقل عن بعض العلماء من منعه أكثر من عشر سنين وإن كان الإمام غير مستظهر وهو قول الشافعي، ولقد كان في صلح الحديبية مصالح عظيمة، فإن الناس لما تقاربوا انكشف ما سن الإسلام للذين كانوا متباعدين لا يعقلونها من المسلمين لما قاربوهم وتخالطوا بهم". (٤) والخلاف بين من يقول بجواز الصلح الدائم، ومن يقول بعدم جوازه، هو الخلاف في أساس العلاقات الدولية في الإسلام، هل هو السلم أو الحرب، فمن قال هو السلم أجاز المعاهدة الدائمة، ومن قال هو الحرب منع المعاهدة الدائمة. علمًا بأن قومًا قالوا بعدم جواز المعاهدة أصلًا مستشهدين بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٥) . وهذا مدفوع بما ذكرناه من آيات السلم وفعل النبي ﷺ والأوضاع الدولية في أيامنا هذه، واختلاف الزمان والأحوال يجعلنا نميل إلى اعتبار السلم هو أساس العلاقات الدولية وإلى جواز المعاهدات الدائمة ما كانت خيرًا للإسلام والمسلمين. ويشترط للمعاهدة الدائمة أن لا تكون مع مشركي العرب فإنه لا يقبل إلا الإسلام أو السيف، بقوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ (٦) . وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٧) . أما أهل الكتاب فالمعاهدة معهم جائزة على أساس دفع الجزية، ويلحق بهم المجوس "والفرق بين مشركي العرب ومشركي العجم أن مشركي العجم (ومثلهم أهل الكتاب) إنما تركوا بالذمة وقبول الجزية لا لرغبة في أن يؤخذ منهم أو طمع في ذلك، بل الدعوة إلى الإسلام، ليخالطوا المسلمين فيتأملوا في محاسن الإسلام وشرائعه، وينظروا فيها فيروها مؤسسة على ما تحتمله العقول وتقبله فيدعوهم ذلك إلى الإسلام، فيرغبون فيه، فكان عقد الذمة لرجاء الإسلام، وهذا المعنى لا يحصل بعقد الذمة لمشركي العرب" (٨) . ونقول بأن هذا الشرط لا معنى له في أيامنا هذه، وقد انتهى الشرك من جزيرة العرب، ومن العرب، وإن كان حل محله الإلحاد، ولذلك نقول: لا معاهدة مع عرب ملاحدة، ولا يقبل منهم إلا الإسلام، أو السيف، لما مر معنا من الآيات.

стр. 11348

ومنها: (ج) المعاهدات العسكرية: سبق أن بينا أن المعاهدة في الإسلام هي: عقد العهد بين فريقين على شروط يلتزمها كل منهم (١) . وأنها في القانون اتفاق مكتوب بين شخصين أو أكثر من الأشخاص الدولية مِن شأنِه أن ينشئ حقوقًا والتزامات متبادلة في ظل القانون الدولي (٢) . أو أنها اتفاقات تعقدها الدول بغرض إيجاد علاقات قانونية بينها أو تعديلها، أو إنهائها (٣) . وأن هذه المعاهدات قد تكون تجارية أو غيرها. غير أن من هذه المعاهدات ما هو عسكري، تعقد بين دولتين أو أكثر لغايات عسكرية كالدفاع عن أرض دولة أو مهاجمة دولة أخرى، أو لحماية الدولة من اعتداءات آخرين أو لدفع أذى إحدى هاتين الدولتين أو لأي مصلحة أخرى. وهذه المعاهدات إذا كانت لصالح المسلمين وتحت راية المسلمين، فهي جائزة، وإن كان الأصل أن يكون المسلمون في دولة واحدة وخلافة واحدة، لكن عند انقسامات تحصل بين المسلمين كما حصل في دول الأمراء والسلاطين في ظل الخلافة العباسية أو عندما تعددت الخلافات الإسلامية إلى ثلاث: الخلافة العباسية في بغداد، والخلافة الفاطمية في مصر، والخلافة الأموية في الأندلس، أو في تعدد الممالك الإسلامية كدولة المماليك في مصر، ودولة المغول في شرق آسيا والهند، وكدولة الصفويين في فارس، ودولة العثمانيين في تركيا، إن كانت المعاهدات العسكرية بين دول الإسلام لدفع العدوان أو للجهاد في سبيل الله فمثل هذه المعاهدات جائزة شرعًا؛ لأنها تعاون على البر والتقوى ولتقوية المسلمين، وإن كانت للتعاون مع الأجنبي ضد المسلمين أو أي دولة من دول الإسلام؛ فالمعاهدة غير جائزة لقوله ﷺ : ((لا تستضيئوا بنار المشركين)) ، والمعاهدات أو الاتفاقات في الإسلام يجب أن تخضع لأحكام الإسلام، فإذا خالفتها فليس لها إلزام على المسلمين بخلاف المعاهدات الدولية بين الدول الأخرى، فإنها تخضع لمبادئ القانون الدولي وأعرافه (٤) ، ومن هنا فإن الاتفاقات العسكرية التي تعقد بين المسلمين وغير المسلمين تنقسم إلى قسمين: (أ) المعاهدات التي تعقد بين المسلمين وبين غير المسلمين لدرء خطر متوقع أو اتقاء ضرر محتمل ولا يمكن أن يدفع ذلك إلا بمعاهدة مع غير المسلمين، فيجوز ذلك شريطة أن لا يكون المسلمون تحت راية الكفر، أو أن يقاتلوا مع الكفار، أخوة لهم من المسلمين والدليل على ذلك عقد النبي ﷺ المعاهدة مع بني قريظة لاتقاء شر هجوم قريش الكافرة، وذهب إلى هذا الرأي الحنفية والشافعية، بشرط أن تكون الاستعانة على قتال المشركين لا البغاة وقالوا: إن ما ورد عن عائشة ﵂ من رد النبي ﷺ لمشرك كان ذا جرأة ونجدة أراد أن يحارب مع النبي ﷺ يوم بدر، وقال له: ((ارجع فلن نستعين بمشرك)) منسوخ، بدليل استعانته ببني قينقاع، وقسم لهم من الغنيمة. واستعانته بصفوان بن أمية في حرب هوازن. (ب) المعاهدات العسكرية التي تقضي على قوة المسلمين، أو تجعلهم يخضعون لحكم الأعداء، أو يقاتلون من أجل مصلحة الأعداء، أو لقتال المسلمين الآخرين، فهذه معاهدات غير جائزة، لقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) . وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٦) .

стр. 11349

وقد ورد النهي عن القتال تحت راية الكفار، قال رسول الله ﷺ : ((لا تستضيئوا بنار المشركين)) (١) . والنار كناية عن الحرب. وقال: ((أنا بريء من كل مسلم مع مشرك)) ، فقيل: "لم يا رسول الله؟ " فقال: ((لا تراءى نارهما)) (٢) . والنهي ينصب على الاستعانة بالكفار دولة وكيانًا، وأما الاستعانة بالأفراد فجائزة، فقد قاتل قزمان من مشركي الأنصار مع النبي ﷺ في معركة أحد، أما عدم الاستعانة بأهل الكتاب، فلما ورد أن النبي ﷺ خرج يوم أحد فإذا كتيبة حسناء، فقال الرسول ﷺ : ((من هؤلاء؟)) ، قال أبو خشناء (أحد الصحابة) : يهود كذا وكذا، فقال ﵊: ((لا نستعين بالكفار)) ، وعن أبي حميد الساعدي قال: خرج ﷺ حتى إذا كان خلف ثنية الوداع إذا كتيبة، قال: ((من هؤلاء؟)) قالوا: بنو قينقاع رهط عبد الله بن سلام "قال: ((أو تسلموا!)) ! قالوا: لا"، فأمرهم أن يرجعوا، وقال: ((إنا لا نستعين بالمشركين على المشركين)) (٣) . والأحلاف العسكرية تدخل في حكم المعاهدات والاتفاقات العسكرية، من حيث الجواز وعدم الجواز. على أن من الفقهاء من يرى الاستعانة بالمشركين من غير اتفاق أو معاهدة أو حلف أي إذا خرجوا طوعًا مع المسلمين، قال الشافعي: "فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعًا" (٤) .

стр. 11350

شروط المعاهدات: يشترط في المعاهدات لصحتها من وجهة نظر الإسلام ما يلي: ١ ـ الأهلية: إن من يملك عقد المعاهدات هو الإمام أي رأس الدولة الإسلامية، أو من ينيبه، جاء في المغني:"ولا يجوز عقد الهدنة إلا من الإمام أو نائبه؛ لأنه عقد مع جملة الكفار، وليس ذلك لغيره؛ ولأنه يتعلق بنظر الإمام، وما يراه من المصلحة (١) . وجاء في الشرح الصغير "وجاز للإمام أو نائبه للكافرين" (٢) . وهذا عند جميع المذاهب. أما في الاتفاقات الجزئية فقد يبرمها قائد الجيش أو مع الأفراد كما سيأتي في موضوع "الأمان" لقوله ﷺ : ((ويسعى بذمتهم أدناهم)) . ويشترط أن يرد ذلك إلى الإمام فإن كان صحيحًا أمضاه وإلا لم يصح، إذ قد يكون فيه شرط يتعارض مع تعاليم الإسلام لقوله ﷺ : ((كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)) . (٣) . كأن يشترط نزع سلاح المسلمين أو التنازل عن إقليم من أقاليم بلاد المسلمين، أو اشترط بسط السيادة على إقليم من بلاد المسلمين. إلا أنه عند الضرورة القصوى يجوز أن يدفع المسلمون مالًا للعدو إذا خافوا على أنفسهم أو الخطر على بلد من بلادهم أو مقابل انسحاب العدو من أرض المسلمين، أو مقابل افتداء الأسرى (٤) . وشرط العاقد أن يكون مسلمًا مميزًا أو بالغًا. ٢ ـ الرضا: أن يتم عقد المعاهدة بالرضا، لا بالإكراه، وهو ارتياح النفس وانبساطها عن العمل ترغب فيه وتستحسنه (٥) وعادة ما يكون عقد المعاهدات بعد تحضير ذلك من المختصين وعرضه على الإمام وإن كان هناك مجلس شورى، أو مجلس نواب، فتعرض عليهم ثم يبرمها الإمام أو نائبه، أو مجلس الوزراء إن وجد.

стр. 11351

ومنها: (د) الأمان: الأمان عقد يفيد ترك لقتال مع الحربيين، أو هو رفع استباحة دم الحربي، ورقِّّه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما (١) . والأمان: من الأمن، وهو نوعان: ـ باعتبار من يعطي الأمان ـ: خاص، وعام. (أ) فالأمان الخاص: بفرد من الحربيين يجوز لآحاد المسلمين أن يؤمِّنوا آحادًا من المحاربين الكفار بشرط أن لا يتعطل الجهاد بأمانهم في ناحية كالواحد والعشرة والمائة، وأهل حصن. لقوله ﵊: ((المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم)) (٢) . ويصح من كل مسلم مكلف مختار يستوي فيه الحر والعبد والغني والفقير والرجل والمرأة؛ لقوله ﵇ لأم هانئ: ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ)) (٣) ؛ ولأن زينب بنت النبي ﷺ أمنت زوجها أبا العاص، وأجازه الرسول ﷺ وقال ﷺ : ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)) (٤) ، وقالت عائشة ﵂: "إن كانت المرأة لتجير على المسلمين فيجوز". ويرى أن عبدًا مسلما أعطى أمانًا لأهل حصن تحصنوا به فأرسل أمير الجيش إلى عمر يستعينه، فكتب إليه عمر: "إن عبد المسلمين من المسلمين ذمته ذمتهم". (٥) .

стр. 11352

(ب) الأمان العام: وهو عقد مع العدو الذي لا يُحصر، وهذا الأمان لا يكون إلا من الدولة، من الإمام أو من نائبه، مع أن الإمام له أن يعطي الأمان للجميع وللآحاد؛ لأن ولايته على الأمة جميعها. قال محمد بن الحسن في كتابه (السير الكبير) : " لو حاصر المسلمون حصنًا فليس ينبغي لأحد منهم أن يؤمِّن أهل الحصن إلا بإذن الإمام؛ لأنهم أحاطوا بالحصن فعلًا، ولأن كل مسلم تحت طاعة الأمير.. ولأن ما يكون رجعة إلى عامة المسلمين في النفع والضرر فالإمام هو المنصوب للنظر فيه". (١) ، ومع ذلك، فلو أعطى أحد المسلمين الأمان العام بغير إذن الإمام فهو جائز لأن عليه صحة الأمان، وهو حق لكل مسلم لكن لضرورة التنظيم، ولضبط الأمور، ولتقدير الموقف العام للدولة؛ لا بد من الرجوع للإمام، وقد أعطي الحق للمسلم لعموم قوله ﷺ : ((ويسعى بذمتهم أدناهم)) . وركن الأمان: اللفظ الدال على الأمان مثل أجرتك وأمّنتك، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ (٢) . ولقوله ﷺ : ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)) (٣) . وتعتبر الإشارة كالعبارة، لما ورد عن عمر ﵁ قوله: "أيما رجل دعا رجلًا من المشركين وأشار إلى السماء فقد أمنه، وإنما نزل بعهد الله وميثاقه"، وقوله: " لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى مشرك فنزل بأمانه فقتله لقتلته به". (٤) . وحكم الأمان: ثبوت الأمن للحربي غير مسلم (٥) . وهذا خلاف ما عليه القانون الدولي العام، وما عليه الدول المعاصرة من قطع العلاقات السلمية بين الدولتين المتحاربتين إذ يحظر كل اتصال بينهما إلا لمصلحة ضرورية مثل تأمين الأطباء والمرضى لإغاثة الجرحى (٦) . والسبب في هذا الاختلاف، أن دولة الإسلام في حربها هي للدعوة الإسلامية فدخول الحربي بأمان إلى بلاد المسلمين واختلاطه بهم قد يؤدي به إلى اعتناق الإسلام، ولا يخشى على المسلمين من تجسسهم فعيونهم يقظة وتماسكهم وحرصهم على مصلحة الإسلام تمنع المتجسس من اختراق المسلمين ومعرفة أسرارهم الحربية. وصفة الأمان: أنه عقد غير لازم فلو رأى الإمام المصلحة في النقض نقضه (٧) لكن لا بد أن يخبر الحربي بذلك حتى لا يكون غدر في عهد الأمان. وإذا كان الأمان بوقت معلوم فصفته أن يستمر إلى نهاية المدة. ومدة الأمان للمستأمن غير محدودة إلا أن بعض الأئمة حددها بمدة أقصاها سنة، فإن تجاوزها أصبح ذميًّا متى قبل الجزية. وواجب المستأمن: أن يحافظ على الأمن والنظام العام وأن يتقيد بأحكام الإسلام، وأن لا يكون عينًا أو جاسوسًا علينا وإلا فيعاقب على ذلك بما يوازي جريمته. (٨) والأمان قد يكون مؤقتًا وغير مؤقت، فالأمان غير مؤقت هو عقد الذمة، وغير المؤقت هو الأمان الذي يعطى للحربي (ويدخل فيه المعاهد) ، لفترة من الوقت، لغرض من الأغراض التجارية أو لزيادة الأقارب، أو المطالبة بحق معين. وقد أصبح له الآن إجراءات أمنية كإعطاء تأشيرة الدخول من السفارات والإذن بالإقامة ومراجعة الشرطة، والإقامة المؤقتة، ويعتبر هذا الأمان أمانًا سلميًّا. وهناك أمان غير سلمي يعطى للمحاربين في أثناء الحرب للجند المحصورين للتسليم والأمان غير الموادعة والهدنة (٩) .

стр. 11353

الموادعة: الموادعة لغة: من وادع بمعنى صالح وسالم، وهي من ودع يدع ودعا سكن واستقر أي صار إلى الدعة، وهي السكون. يقال توادع الفريقان، أي تعاهدا على أن لا يغزو أحدهما الآخر. والموادعة شرعًا هي المعاهدة، والصلح على ترك القتال، وهي نوع من أنواع الأمان والمعاهدة، فهي أعم من الأمان المؤقت، وأخص من المعاهدة لأن المعاهدة تشمل أنواعًا أخرى من المعاهدة، ونستطيع أن نقول: إن الموادعة هي: "معاهدة صلح بين الفريقين المتحاربين على ترك القتال". والموادعة لها ركن، وشرط وحكم وصفة: أما ركنها: فهو لفظ الموادعة أو ما في معناها كالمسالمة أو المصالحة. وأما شرطها: فالضرورة؛ لأن ترك الجهاد وهو فرض لا يجوز إلا في حال أن يقع وسيلة إلى استئناف الجهاد، وذلك لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ . وقد وادع رسول الله ﷺ أهل مكة، ولا يشترط إذن الإمام بالموادعة، ولا بأس أن يأخذ المسلمون جُعْلًا مقابل الموادعة، والجعل: المال. وحكم الموادعة: الأمان على أنفس الموادعين وأموالهم وذراريهم ونسائهم وبلدانهم حتى لو خرجوا إلى بلد أخرى غير بلدتهم، فيبقى حكم الموادعة ساريًا عليهم، ولو دخل إلى دارهم رجل آمن بأمانهم فهو آمن منا بموادعتنا لهم. وأما صفة الموادعة: فهو عقد غير لازم محتمل للنقض، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ (١) . فيقاتلون بعد ذلك. هذا إذا كان النبذ منا، وإذا كان النبذ من الأعداء فيقاتلون كذلك. وإذا وادعهم الإمام على مال ثم بدا له أن ينقضه أرجعه إليهم بحصة ما بقي من المدة. وإذا كانت الموادعة على أن يجري عليهم أحكام الإسلام فالعقد لازم لا يحتمل النقض كما وادع النبي ﷺ أهل جرباء وأذرح والعقبة (٢) . ونقول: هل الموادعة هدنة؛ لأن معنى الهدنة الصلح المؤقت وتستمر حالة الحرب بين الطرفين المتحاربين حتى تعقد معاهدة دائمة، أو يستأنف القتال، والموادعة هي المعاهدة على ترك القتال لفترة معينة أو لمدة أطول؟ ورأيي أن الموادعة هدنة لاتفاقهما في المعنى.

стр. 11354

والموادعة قد تكون محددة بمدة وقد لا تكون: والمدة عند الشافعية، تكون أربعة أشهر إلى أقل من سنة، إذا كان بالمسلمين قوة، لقوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ (١) . ولأن الرسول ﷺ هادن صفوان بن أمية أربعة أشهر عام الفتح؛ ولأن الجزية تجب سنويًّا. فقد رأى الشافعي أن مدة الموادعة على سنة (٢) . وأما غير الشافعي من الجمهور، فإنهم لم يحددوا للموادعة مدة إنما تركوا لاجتهاد الإمام وبقدر الحاجة، والحاجة تقدر بقدرها. علمًا بأنه لا يجوز أن تكون الموادعة مطلقة إلى الأبد إلا إذا كانت الموادعة على الأموال، فتكون أبدية عند الشافعية، جاء في الفتاوى الهندية (العالمكيرية) : "وتجوز مدة الموادعة أكثر من عشر سنين على ما يراه الإمام من المصلحة " (٣) . وجاء في الاختيار لتعليل المختار، قوله: "وتجوز الموادعة أكثر من عشر سنين على ما يراه الإمام من المصلحة لأن تحقيق المصلحة والخير لا يوقت بمدة دون مدة". (٤) وذلك لقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ (٥) . والأصل في الموادعة أن لا تكون إذا كان بالمسلمين قوة، إلا لمصلحة يراها الإمام أو الدولة أما إذا لم يكن بالمسلمين قوة فالموادعة جائزة، وذلك لضعف يعجزون معه عن القتال، أو لكي يتفرغوا لأعداء آخرين، أو لقمع فتنة بين المسلمين، أو خشية من ضياع جزء من بلاد المسلمين، أو أي مصلحة معتبرة شرعًا (٦) . والله الموفق الهادي إلى سواء السبيل. الدكتور عبد العزيز الخياط

стр. 11355

قائمة المراجع بحسب ورودها في البحث ١ ـ النظم الإسلامية، للدكتور صبحي الصالح. ٢ ـ القرآن والقتال، للشيخ محمود شلتوت، طبع دار الكتاب العربي بمصر سنة ١٩٥١م. ٣ ـ أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد علي، الرازي الجصاص، طبع المطبعة البهية بمصر سنة ١٣٤٧هـ. ٤ ـ رد المحتار على الدر المختار، لمحمد أمين المعروف بابن عابدين، المطبعة الأميرية، سنة ١٣٢٦هـ. ٥ ـ شرح فتح القدير، لكمال الدين المعروف بابن الهمام، طبع دار إحياء التراث العربي، بالقاهرة. ٦ ـ الهداية شرح بداية المبتدي لأبي الحسن علي بن أبي بكر المرغيناني، مطبعة الحلبي، سنة ١٩٣٦م. ٧ ـ السياسة الشرعية لعبد الوهاب خلاف ـ المطبعة السلفية، بالقاهرة. ٨ ـ مبادئ نظام الحكم في الإسلام، لعبد الحميد متولي طبع دار المعارف سنة ١٩٦٦م. ٩ ـ تفسير القرآن العظيم، لابن كثير القرشي، طبع دار إحياء الكتب العربية. ١٠ ـ تفسير روح البيان، للآلوسي. ١١ ـ العلاقات الدولية في الإسلام، للدكتور وهبة الزحيلي، مؤسسة الرسالة، سنة ١٩٨١م.

стр. 11356

١٢ ـ الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، للدكتور محمد البهي، نشر مكتبة وهبة بالقاهرة، الطبعة الرابعة. ١٣ ـ مجموعة رسائل ابن تيمية. ١٤ ـ تفسير الرازي. ١٥ ـ شرح السير الكبير للإمام محمد بن الحسن الشيباني. ١٦ ـ الموسوعة في سماحة الإسلام، للشيخ محمد الصادق عرجون، نشر مؤسسة سجل العرب بالقاهرة، سنة ١٩٧٢م. ١٧ ـ العلاقات الدولية، للدكتور كاظم هاشم نعمة. طبع فرنسا، عام ١٩٧٩م. ١٨ ـ المعجم الوسيط. ١٩ ـ الشريعة الإسلامية والقانون الدولي العام، لعلي علي منصور، نشر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، سنة ١٩٦٥م. ٢٠ ـ دولة الإسلام والعالم، لمحمد حميد الله، طبع القاهرة، سنة ١٩٦٢م. ٢١ ـ قانون السلام في الإسلام، للدكتور محمد طلعت الغنيمي، طبع الإسكندرية، سنة ١٩٨٩م. ٢٢ ـ مبادئ القانون الدولي العام، للدكتور إبراهيم أحمد شلبي، نشر الدار الجامعية بالقاهرة، سنة ١٩٨٦م. ٢٣ ـ سبل السلام شرح بلوغ المرام، للصنعانيِ، طبع المكتبة التجارية الكبرى، بالقاهرة سنة ١٣٥٧هـ. ٢٤ ـ الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير، لشرف الدين السياغي، مكتبة المؤيد بالطائف. ٢٥ ـ النظم الإسلامية، للشيخ أبو الحمد موسى، دار الطباعة المحمدية بالقاهرة. ٢٦ ـ المعاهدات في الشريعة الإسلامية والقانون الدولي، للدكتور محمود الديك، طبع مطابع البيان، بدبي، سنة ١٩٨٣م.

стр. 11357

٢٧ ـ كتاب الخراج لأبي يوسف، طبع المطبعة السلفية. سنة ١٣٩٢هـ. ٢٨ ـ مجموع الوثائق السياسية، لحميد الله، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، سنة ١٩٤١م. ٢٩ ـ بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للكاساني، نشر زكريا يوسف سنة ١٩٧٢م. ٣٠ ـ القانون الدولي العام، للدكتور محمد عزيز شكري. ٣١ ـ الدولة والسيادة في الفقه الإسلامي، للدكتور فتحي عبد الكريم مكتبة وهبي بالقاهرة. ٣٢ ـ المغني، لابن قدامة. ٣٣ ـ الأم، للشافعي، طبعة دار الشعب. ٣٤ ـ الشرح الصغير على أقرب المسالك، للشيخ الدردير، طبع دار المعارف، بمصر سنة ١٣٩٢هـ. ٣٥ ـ المبسوط، للسرخسي. ٣٦ ـ مواهب الجليل شرح مختصر خليل. ٣٧ ـ مغني المحتاج. ٣٨ ـ الاختيار شرح المختار، للمودودي. ٣٩ ـ الفتاوى الهندية.

стр. 11358

أصول العلاقات الدولية بين الإسلام والتشريعات الوضعية إعداد الدكتور محمد الدسوقي أستاذ الفقه والأصول بكلية الشريعة جامعة قطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد: يختلف الإسلام عن سائر الأديان السماوية بأنه دعوة عالمية، بُعث بها محمد ﷺ لإخراج الناس من الظلمات إلى النور. وقد وردت في الكتاب العزيز آيات كثيرة، ونقل الرواة الثقات أحاديث عدة، وكل هذه الأحاديث وتلك الآيات بيان صريح عن عالمية الإسلام، وأنه رسالة عامة خالدة، جاءت لتخاطب في الإنسان فطرة الله التي فطر الناس عليها، ومن ثَمَّ كانت صالحة للتطبيق الدائم إلى يوم الدين. وفضلًا عما ورد في القرآن الكريم من آيات تتحدث عن عالمية الإسلام وأيضًا عما اشتملت عليه كتب السنة من أحاديث تبين أن محمدًا ﷺ خاتم النبيين، ورحمة الله للعالمين، فإن هناك مسألتين تؤكدان عموم رسالة الإسلام، وأنها آخر الرسالات الإلهية، وهما: أولًا: طبيعة المعجزة التي جاء بها محمد ﷺ . ثانيًا: تعاليم الإسلام. أما المسألة الأولى فإن معجزة محمد ﷺ التي تحدى بها العرب هي القرآن الكريم، وقد اقتضت مشيئة الله أن يكون لكل نبي معجزة تثبت أنه رسول الله صادق فيما يدعو إليه، وليس دَعِيًّا أو متنبئًا، وكانت معجزات الأنبياء الذين بعثوا قبل محمد ﷺ حسية مادية، كما أنها معجزات شخصية بمعنى أن وجودها وبقاءها مرتبطة بشخصية الرسول، فإذا توفاه الله أصبحت هذه المعجزة خبرًا يروى، وأثرًا ينقل كمعجزات عيسى وموسى وإبراهيم وغيرهم من الأنبياء عليهم جميعًا صلوات الله وسلامه، ولكن معجزة القرآن ليست كذلك، فهي عقلية غير حسية، وهي أيضًا غير شخصية , فهي باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والناس بعد محمد ﷺ يرون معجزته كمن شاهدوا محمدًا وخاطبوه. (١) فهي من ثم معجزة الدهر وصوت الحق إلى الخلق، حتى يقوم الناس لرب العالمين. وتؤكد تعاليم الإسلام عالمية هذا الدين، فهذه التعاليم تخاطب الفترة الإنسانية، وتنظر إلى الإنسان نظرة واقعية، وتحترم العقل البشري، وتسوي بين الناس كافة في الحقوق والواجبات، لهذا لا تعرف الإقليمية أو العنصرية، فهي إنسانية عامة، تلبي حاجة كل المجتمعات على اختلاف الأزمان والبلدان.

стр. 11359

إن بقاء معجزة الإسلام، وحفظها من التحريف والتبديل، واشتمالها على تلك التعاليم التي صلح عليها أمر الدنيا والآخرة، لدليل واضح على أن دعوة الإسلام دعوة عالمية، وأنها خاتمة الرسالات الإلهية، ومهيمنة عليها , ولا ينكر هذا أو يماري فيه إلى من ألغى عقله، أو سيطر التعصب عليه، وبغى علوًّا في الأرض وفسادًا. وما دام الإسلام دعوة عالمية ورسالة الله الخاتمة إلى الناس جميعًا فإنه في أحكامه لا يعرف حدودًا مكانية أو زمانية، ولكن لأن هذا الدين القويم لا يعرف الإكراه في الإيمان به اقتضت الظروف أن يكون الإسلام إقليميًّا من حيث التطبيق، وإن كان في الأساس عالميًّا لا يخص قومًا دون قوم، ولا عصرًا دون عصر، فالعالم كله مخاطب به، وهكذا يصبح الإسلام رسالة عالمية إذا نظرنا إليه من الوجهة العلمية، وإقليميًّا إذا نظرنا إليه من الوجهة العملية (١) . على أن إقليمية الإسلام من الوجهة العملية لا تأثير لها عليه من الوجهة العلمية؛ لأن لهذا الدين مبادئه العادلة التي تحكم علاقته بغير المؤمنين به سواء أكانوا مقيمين في دياره أم كانوا مقيمين في ديار خاصة بهم، وهذه المبادئ التي أصبحت تعرف في العصر الحديث بالقانون الدولي، تؤكد عالمية الإسلام، وأنه أقوم منهاج لحياة الإنسان في كل مكان، وأن الفكر البشري مهما يبدع من آراء ونظريات فإنه لن يبلغ مبادئ الإسلام وتعاليمه: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (٢) . وعن تلك المبادئ التي تحكم علاقة المسلمين بغيرهم تعرض هذه الدراسة في إيجاز مع الاهتمام بالأصول الكلية والقواعد العامة دون تشقيق القول في الفروع والجزئيات. ويقوم منهج هذه الدراسة على ما يلي: أولًا: أصول القانون الدولي في التشريعات الوضعية. ثانيًا: أصول القانون الدولي في الإسلام. ثالثًا: الموازنة بين الإسلام وتلك التشريعات حول هذه الأصول. وأخيرًا خاتمة تحتوي على أهم نتائج الدراسة وبعض ما ترشد إليه من توصيات.

стр. 11360

أولًا: أصول القانون الدولي في التشريعات الوضعية يراد بالقانون الدولي في التشريعات التي تنظم علاقة الدول بعضها ببعض، كما تنظم علاقة الأفراد المختلفي الجنسية في دولة من الدول، ومن هنا ينقسم هذا القانون قسمين: القانون العام، والقانون الدولي الخاص، ولكل منهما عدة تعريفات تختلف من حيث الصياغة، بيد أنها لا تختلف غالبًا من حيث المضمون. ومن التعريفات التي وضعت للقانون الدولي العام أنه "مجموعة من القواعد التي تنظم العلاقات بين الدول، وتحدد حقوق كل منها وواجباتها في حالتي السلم والحرب" (١) . وهذا التعريف وإن امتاز بعدم النص على مسائل هي محل جدل بين فقهاء القانون وشراحه، ومنها وصف تلك القواعد بأنها ملزمة للدول، وأنهاعرفية أو اتفاقية، وأن الدول التي تأخذ بها هي المتمدنة (٢) دون غيرها، أغفل الإشارة إلى الهيئات الدولية التي تتولى الإشراف على تنفيذ مبادئه، ولذلك عرفه بعض فقهائه بأنه القانون الذي يحتوي من ناحية على القواعد والمبادئ التي تحكم التزامات الدول في علاقاتها المتبادلة، وهو يبين لنا من جهة أخرى القواعد الخاصة بالتنظيم الدولي؛ أي بنظام وكيفية سير الهيئات التي أنشئت لمصلحة الجماعة الدولية، وحدد سلطاتها واختصاصاتها، وذلك مثل هيئة الأمم ومكتب العمل الدولي. (٣) وأما القانون الدولي الخاص فمن التعريفات الجامعة لهذا القانون أنه "مجموع القواعد القانونية التي يطبقها القضاء بأمر صريح أو ضمني من المشروع لتحديد اختصاص محاكم الدولة إزاء محاكم الدول الأخرى بالحكم في القضايا المدنية ذات العنصر الأجنبي التي تقع بين الأفراد، وإسنادها إلى القانون الذي يجب أن يحكم فيها بمقتضاه". (٤) .

стр. 11361

من تاريخ القانون الدولي في التشريعات الوضعية: يجدر بنا قبل الحديث عن أصول القانون الدولي بقسميه الإشارة إلى طرف من تاريخ هذا القانون، وكيف تطور عبر التاريخ حتى وصل إلى ما وصل إليه في العصر الحديث. مما لا جدال فيه أن الدول تقوم بينها علاقات مختلفة منذ أقدم العصور وأن هذه العلاقات كانت تخضع لبعض القواعد والضوابط بصرف النظر عن مصدرها، أو عدم الأخذ بها في أغلب الأحيان. وقد سجل التاريخ في عهد الفراعنة معاهدة صلح بين رمسيس الثاني فرعون مصر، وبين أمير الحيثيين في أسيا الصغرى بعد حرب طاحنة بين الدولتين، ويمكن أن تكون شروط هذه المعاهدة أقدم ما عرف من القواعد الدولية التي أخذت بها الدول في بعض علاقاتها (١) . ولم تعرف أوروبا حتى نهاية القرن الخامس عشر الميلادي قانونًا دوليًّا ينظم العلاقات بين الدول، وذلك أن الحاجة إلى هذا القانون لم تظهر إلا بعد انهيار الإمبراطورية الجرمانية الرومانية، وانتهائها بوفاة آخر أباطرتها فردريك الثالث سنة ١٤٩٣م، فقد تفرقت أوروبا بعد انتهاء هذه الإمبراطورية التي ظلت زهاء خمسمائة عام إلى دول كثيرة مستقلة، وقامت بين هذه الدول الناشئة علاقات وخلافات متباينة بسبب الحدود والحروب، ومن ثم ظهرت الحاجة ملحة إلى قانون دولي ينظم هذه العلاقات. واتجه العلماء نحو القانون الروماني يستوحونه، ونشأت حركة علمية ـ شجعتها ملابسات عصر النهضة وحركة الإصلاح الديني ـ غرضها بيان ما يجب على الدول وعلى رؤسائها اتباعه من قواعد في شأن قيام العلاقات بينهم، وتزعم هذه الحركة الرعيل الأول من علماء القانون الدولي (٢) ، ويذكر في مقدمة هؤلاء ميكافيلي الإيطالي، وجرتيوس الهولندي، لأثرهما الكبير في تطور القانون الدولي الوضعي.

стр. 11362

أما ميكافيلي فقد ظهر له كتاب "الأمير" في سنة ١٥١٣م، وجاءت فيه عبارته الشهيرة "لا محل للأخذ بقواعد الأخلاق في أمور الدول"، وهذه العبارة اتخذت قاعدة لدى الأمراء والقواد فاتسمت العلاقات بين الدول بالقسوة والهمجية في حالة الحرب، والخداع والوقيعة في حالة السلم. ومع أن ميكافيلي توفي سنة ١٥٢٧م فقد ظلت نظرياته وتعاليمه تحظى باهتمام من حكام أوروبا؛ استجابة لمآربهم الشخصية، وقد نجم من ذلك وقوع حروب كثيرة أثارت الفزع والفوضى بين الناس، بيد أنها مع هذه أثارت المفكرين والعلماء لمقاومة تلك التعاليم والنظريات، محاولين إخراج العلاقات الدولية من الفوضى التي كانت تحيط بها. وتبلورت تلك النزعة المضادة لكتاب ميكافيلي في كتاب "في قانون الحرب والسلم" للعالم الهولندي جروتيوس، وقد ظهر هذا الكتاب في سنة ١٦٢٥م وتضمن تنظيمًا يكاد يكون كاملًا لما قد يكون بين الدول من روابط وعلاقات وامتاز بالدراسة المنطقية المنظمة، وبالنظريات التي لاقت احترامًا وتقديرًا من المفكرين في ذلك العصر. وقد هاجم مؤلفه آراء ميكافيلي ونظرية الرئاسة العليا في الشؤون الدينية التي كانت للبابا. ولأهمية هذا الكتاب وأثره في العلاقات الدولية التزمته الدول دستورًا لعلاقاتها الخارجية مدى قرنين من الزمان، واعتبر مؤلفه أبا القانون الدولي، وارتبط اسم جروتيوس بنشأة هذا العلم لدى فقهاء هذا القانون الغربيين. وفي سنة ١٦٤٨م وقعت معاهدة وستنغاليا التي يؤرخ الأوروبيون فيها بدء العصر الحديث للقانون الدولي؛ لأنها وضعت آراء جروتيوس موضع التنفيذ الفعلي بين الدول، ولكن ظروفًا شتى جدت بعد هذه المعاهدة ساعدت على نمو القانون الدولي، وانفساح مجاله، فذاعت مبادئه وتأكدت ضرورة وجوده، ورسخت في حكم علاقات الدول قواعده (١) , ومن ذلك ظهور عدة دول جديدة بعد الثورة الفرنسية في سنة ١٧٨٩م بسبب انتشار الحركات القومية، واستقلال كثير من الشعوب الأوروبية خلال القرن التاسع عشر، وقد ترتب على ذلك أن أصبحت العائلة الدولية تنظم عددًا كثيرًا من الدول المستقلة المتساوية، لكل منها سيادتها وجيوشها وأساطيلها مما دعا إلى ازدياد الشعور بالحاجة إلى إيجاد قواعد خاصة بتنظيم علاقات الدول في وقت السلم والحرب. وأدت كثرة استقلال الدول والحاجة إلى قانون ينظم علاقاتها إلى عقد مؤتمرات دولية من أجل تنظيم قواعد قانونية وتدوينها في اتفاقيات دولية كما حدث في مؤتمر جنيف في سنة ١٨٦٤م الذي وضع قواعد الحرب البرية، وفي مؤتمر لاهاي المنعقد في سنتي ١٨٨٩م، ١٩٠٧م الذي توصل إلى وضع ست عشرة اتفاقية دولية في مختلف المسائل ومنها حقوق الأسرى، هذا بالإضافة إلى بعض المعاهدات التي نظمت حقوق المحايدين وواجباتهم مثل معاهدة باريس المنعقدة في سنة ١٨٥٦م (٢) .

стр. 11363

ولما كانت النهضة الصناعية في أوروبا قد أتاحت للدول ألوانًا جديدة من الأسلحة الحربية، وهيأت لبعضها فرصة احتلال الشعوب الضعيفة واستغلالها، ولما كانت الدول القوية قد حدث بينها صراع حول مناطق النفوذ والاحتكار، بحيث يمكن القول بأن الحروب العديدة التي عرفها العصر الحديث العالمية منها والمحلية تكمن أسبابها الجوهرية كلها وراء نزعات الاستعمار وبسط النفوذ، ونهب خيرات الشعوب وثرواتها وبخاصة المتخلفة منه في آسيا وأفريقيا، لما كان كل ذلك لجأت الدول القوية إلى عقد اتفاقات ومعاهدات دولية جديدة تتلاءم مع ظروف العصر، وأهمها معاهدة فرساي المنعقدة في سنة ١٩١٩م عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، وقد تمخضت هذه المعاهدة عن إنشاء أول تجمع دولي أطلق عليه عصبة الأمم. وحاولت الجمعية العامة لهذه العصبة تدوين القانون الدولي فشكلت لجنة لهذه الغاية، وقدمت اللجنة تقريرها إلى العصبة في سنة ١٩٢٧م، وتضمن التقرير موضوعات مختلفة ذكرت اللجنة أنها صالحة للتدوين وهي: الجنسية، المياه الإقليمية، مسؤولية الدولة عن الأضرار التي تلحق بأشخاص الأجانب وأموالهم في إقليمها، والامتيازات والحصانة الدبلوماسية، وإجراءات المؤتمرات الدولية، وإجراء عقد المعاهدات وصياغتها، واستغلال منتجات البحار (١) . وقرر مجلس العصبة وجوب الدعوة إلى مؤتمر يعقد في لاهاي تكون مهمته تدوين الموضوعات الثلاثة الأولى الواردة في تقرير اللجنة، وعقد هذا المؤتمر في سنة ١٩٣٠م، ولكنه لم يصل إلى اتفاق بشأن المياه الإقليمية ومسؤولية الدولة عن الأجانب في إقليمها. وبعد الحرب العالمية الثانية عقدت اتفاقية سان فرنسيسكو في سنة ١٩٤٥م وبمقتضاها أنشئت هيئة الأمم المتحدة التي حلت محل عصبة الأمم، وقد نصت المادة: ١٣ في الفقرة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة على ما يأتي: تنشئ الجمعية العامة دراسات وتشير بتوصيات بقصد إنماء التعاون الدولي في الميدان السياسي، وتشجيع التقدم المطرد للقانون الدولي وتدوينه، ولذلك عهدت الجمعية العامة إلى لجنة القانون الدولي ببحث موضوعات شتى تتعلق بالشؤون الدولية. ويبدو أن اشتباك مصالح الدول وتعارضها في عصر الذرة والصواريخ العابرة للقارات، وما يسمى بحرب النجوم جعل الأحداث الدولية تتوالى بسرعة، وتتناقض تناقضًا بينًا متلاحقًا، بالإضافة إلى وجود قوتين عالميتين تتنازعان السيطرة على العالم فكرًا واقتصادًا ونفوذًا، وهذا كله جعل من العسير إن لم يكن من المستحيل وضع قانون دولي عام ملزم لجميع الدول قبل أن يكون هناك قوة دولية كوسيلة لإلزام من يخرق القانون باحترامه، وتنفيذ كل ما يصدر عن الهيئات الدولية من قرارات وأحكام (٢) .

стр. 11364

أصول القانون الدولي العام: بعد هذه اللمحة التاريخية عن نشأة القانون الدولي في الفكر الإنساني وتطوره، ما هي أصوله التي انتهى إليها فقهاؤه، والتي يرون أنها تحمي الحقوق، وتمنع الاعتداء وتصون السلام؟ وقبل الإجابة عن هذا أود الإشارة إلى أن هؤلاء الفقهاء يختلفون من حيث الأسس التي تقوم عليها أصول هذا القانون، ولذلك جدت نظريات متباينة، فكل فقيه نظر إلى الموضوع من زاوية خاصة، فهناك نظرية قواعد الأخلاق، ونظرية المجاملات الدولية، ونظرية الرضا العام الفردي، والرضا العام الجماعي، ونظرية القانون الطبيعي، ومذهب القانون الوضعي الناشئ عن شروط المعاهدات المكتوبة، ونظرية القومية والجنسية التي تمخضت عن حق تقرير المصير، ونظرية الديانة المسيحية (١) . ومع تباين آراء الفقهاء في هذا يكاد ينعقد الإجماع (٢) بينهم على أن العرف والمعاهدات هما المصدران المهمان للقانون الدولي العام، وذلك لأن القاعدة القانونية تنشأ وليدة الحاجة، فإن ثبت وجودها عن طريق تكرر استعمالها أصبح العرف مصدرها، وإن ثبت وجودها عن طريق تدوينها في اتفاق أو معاهدة فإنه يكون مصدره في هذه الحالة. وقد دعت لجنة القانون الدولي التابعة لهيئة الأمم المتحدة في ٢١ نوفمبر سنة ١٩٤٧م إلى إعداد مشروع إعلان حقوق الدول وواجباتها؛ ليصبح القانون الذي تأخذ به الدول في علاقاتها في أوقات السلم والحرب. وقدمت هذه اللجنة مشروعها إلى الجمعية العامة سنة ١٩٤٨م فقررت صلاحيته، وأحالته إلى الدول الأعضاء لتبدي كل منها رأيها فيه، وضربت لذلك موعدًا غايته شهر يوليو سنة ١٩٥٠م، ولكن الدول جميعها أمسكت عن الرد عليه. ولأن هذا المشروع يمثل أحدث ما وصل إليه الفكر القانون الدولي في تنظيم العلاقات بين الدول، وتحديد حقوقها وواجباتها رأيت الاكتفاء به في بيان الأصول الوضعية للقانون الدولي العام. لقد بين المشروع حقوق الدول في أربع مواد، على حين خصص عشر مواد للحديث عن واجبات الدول، وكأنه بهذا يؤكد أن السلام الدولي يفرض واجبات كثيرة، وأن على الدول أن تبذل وتضحي من أجل أمن المجتمع الدولي واستقراره.

стр. 11365

والمواد التي تضمنت حقوق الدول هي: مادة (١) : لكل دولة الحق في الاستقلال وفي ممارسة اختصاصاتها، ومنها اختيار شكل حكوماتها بمنتهى الحرية. مادة (٢) : لكل دولة الحق في ممارسة قضائها على كل ما على إقليمها من أشخاص وأشياء. مادة (٥) لكل دولة حق المساواة القانونية مع الدول الأخرى. مادة (١٢) لكل دولة حق الدفاع الشرعي الفردي والجماعي ضد كل اعتداء مسلح (١) . فهذه المواد تقرر لكل دولة حق الاستقلال، وحق ولاية القضاء في إقليمها، وحق المساواة مع الدول الأخرى، وحق الدفاع الشرعي، حماية لاستقلالها وسيادتها، ودفعًا لكل اعتداء يقع عليها، وهذه الحقوق الأربعة هي المجمع عليها بين علماء القانون الدولي سواء أكانوا طبيعيين أم وضعيين (٢) . وأما المواد التي حددت واجبات الدول فهي: مادة (٣) : مراعاة الدولة لأحكام القانون الدولي في علاقاتها مع الدول الأخرى. مادة (٤) فض الخلاقات الدولية بالوسائل السلمية، وطبقًا لأحكام القانون الدولي. مادة (٦) الامتناع عن التدخل في الشؤون الداخلية والخارجية للدول الأخرى. مادة (٧) الامتناع عن مساعدة أية دولة تلجأ إلى الحرب، أو استخدام آخر غير مشروع للقوة، وكذلك أية دولة تتخذ الأمم المتحدة ضدها إجراءات القسر أو الإكراه. مادة (٨) : الامتناع عن الاعتراف بأية زيادات إقليمية قد تحصل عليها إحدى الدول، نتيجة للحرب، أو أي استخدام غير مشروع للقوة. مادة (٩) : الامتناع عن تشجيع الثورات الأهلية في أقاليم الدول الأخرى. مادة (١٠) : ضمان أن تكون الأحوال في إقليمها على نحو لا يهدد السلام والنظام الدوليين. مادة (١١) : جميع الأشخاص الخاضعين لولايتها على أساس احترام حقوق الإنسان والحريات الرئيسية لهم جميعًا دون تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين، وبدون تفريق بين الرجال والنساء. مادة (١٣) : تنفيذ الدولة بحسن نية لالتزاماتها الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي. مادة (١٤) : عدم الالتجاء للحرب أو أي استخدام غير مشروع للقوة (٣) . ويلاحظ أن هذه المواد تركز على أمرين هما: أولًا: رفض اتخاذ الحرب وسيلة للسيطرة أو التوسع، والدعوة إلى حل المشكلات الدولية بالطرق السلمية. ثانيًا: احترام سيادة كل دولة، واحترام الإنسان دون نظر إلى جنسيته أو عقيدته.

стр. 11366

ولا مراء في أن تنفيذ هذه المبادئ بإخلاص وإيمان صادق بها يجنب البشرية كثيرًا من المشكلات والأخطار، ويقضي على كل ألوان الاستغلال والامتهان لكرامة الإنسان , فلماذا مسكت الدول عن الإعراب عن رأيها فيه، وكأن هذا رفض منها له، وبخاصة أنها كانت حديثة العهد بحرب طاحنة كلفت البشرية الملايين من الأنفس والأموال؟ إن موقف الدول من هذا المشروع يدل على أن الرغبة الصادقة في السلام الدولي العادل لا تتوافر لدى بعض الدول، ولا سيما الدول الكبرى؛ لأنها لو شاءت قبوله لقادت الدول الصغرى إلى الموافقة عليه. على أن ذلك المشروع في نصه على عدم استخدام القوة في المنازعات الدولية إنما يحاول وضع ميثاق الأمم المتحدة موضع التنفيذ، فقد جاء الميثاق بمبادئ جديدة كل الجدة في العلاقات الدولية، كمبدأ عدم استخدام القوة، ومبدأ الأمن الجماعي (١) . وقد نصت الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على ما يلي: يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي، أو الاستقلال السياسي لأية دولة أو على أي وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة. كذلك نصت الفقرة الأولى من المادة الأولى من هذا الميثاق على ما يلي: والغرض الأول من مقاصد الأمم المتحدة هو: حفظ السلام والأمن الدوليين وتحقيقًا لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة والفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم ولإزالتها، وتقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم، وتتذرع بالوسائل السلمية، وفقًا لمبادئ العدل والقانون الدولي لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها. (٢) . وهذا يعني أن الحرب التي كانت مشروعة في القانون قبل الحرب العالمية الثانية قد أصبحت محظورة بعد هذه الحرب من الناحية القانونية، ولكن البشرية ما زالت تصطلي بنار الحروب العدوانية في مختلف بقاع العالم، وما زال منطق القوة هو السائد في فض المنازعات بين الدول، وما زالت الدول الضعيفة أو الصغيرة تتعرض للإرهاب والضغط، وما زال الخوف من نشوب حرب عالمية ثالثة لا تدع حيوانًا ولا نباتًا إلا أتت عليه يسيطر على الجميع، ومرد هذا كله إلى الحضارة المادية المعاصرة التي جعلت الحياة صراعًا بين الدول من أجل الاستغلال والنفوذ , وإلى أن القوانين الوضعية مبتوتة الصلة بضمائر الساسة والقادة ولا تلقى منهم احترامًا أو تقديرًا، ولا ينزلون على أحكامها إلا إذا اقتضت مصلحتهم ذلك.

стр. 11367

القانون الدولي الخاص: وأما القانون الدولي الخاص فهو كما أسلفت في تعريفه يتناول القضايا ذات العنصر الأجنبي، وهي التي يتصل أحد عناصرها بأي شكل من الأشكال ببلد أجنبي كأن يتخاصم مصريان مثلًا على مال موجود في إيطاليا، أو مصري وأجنبي أو أجنبيان من جنسية واحدة، أو من جنستين مختلفتين أمام محكمة مصرية (١) . وهناك خلاف بين العلماء حول نوعية القضايا التي تخضع للقانون الدولي الخاص، فيرى البعض أنه خاص بالمسائل المدنية دون الجنائية، لأن هذه من اختصاص القانون الدولي العام، ويرى غيرهم أن هذه المسائل تدخل في نطاق القانون الدولي الخاص (٢) . وهناك خلاف أيضًا حول النظرة إلى هذا القانون واعتباره علمًا مستقلًا بذاته، فيذهب بعض الفقهاء إلى أن القانون الدولي الخاص علم مستقل بذاته، على حين يذهب آخرون إلى غير ذلك، فالإنجليز مثلًا لا يرون أنه يوجد قانون دولي خاص واحد مشترك لكل الدول، ولهذا فهو لديهم معتبر من القوانين الداخلية. وهذا القانون حديث العهد، وإن كانت له جذور قديمة ترجع في رأي بعض فقهائه إلى العصر الروماني وإلى العصور الوسطى. وقد ازدادت أهمية القانون الدولي الخاص في العصر الحديث، بسبب سهولة المواصلات، واتساع نطاق التجارة بين الأمم، وكذلك السياحة، وهجرة العقول والأيدي العاملة. وكل قواعد أو أصول هذا القانون تدور في نطاق شخصية القوانين ومحليتها، بمعنى أن القانون في سريانه هل يطبق بالنسبة للأشخاص الخاضعين له دون سواهم كأن يطبق القانون المصري مثلًا على المصريين وليس على الأجانب الذين يقيمون في مصر، أو أن تطبيق القانون مرتبط أولًا بالمكان الذي ينتمي إليه القانون دون نظر إلى الأشخاص الذين يقيمون فيه، فالقانون المصري يطبق على جميع الموجودين في مصر سواء كانوا مصريين أو غير مصريين. وهناك سوى نظرية شخصية القوانين ومحليتها مسائل يهتم بها هذا القانون مثل الجنسية وطرق الحصول عليها، والموطن وأنواعه، إلى غير ذلك مما لا مجال هنا لتفصيل القول فيه (٣) . ولكن قواعد هذا القانون وموضوعاته ما زالت حتى الآن موضع خلاف بين الفقهاء على العكس من قواعد القانون الدولي العام.

стр. 11368

ثانيًا: أصول القانون الدولي في الإسلام أومأت في مستهل هذه الدراسة إلى عالمية الإسلام، وأن هذه العالمية تثبتها المعجزة القرآنية، والأحكام التي اشتملت عليها هذه المعجزة. وقد أسلفت أيضًا أن الإسلام يقرر الحرية الدينية، وأنه يرفض مبدأ الإكراه في اعتناقه، وقد تمخض عن هذا إن كان الإسلام إقليميًّا في تطبيق أحكامه، وإن كان عالميًّا من حيث أصوله وتعاليمه، وذلك أن المسلمين الأوائل لإيمانهم الصادق بعموم دينهم ومسؤوليتهم عن تبليغه إلى الناس قاطبة حملوا أرواحهم على أكفهم وانساحوا في الأرض لا يخشون إلا الله، لقد جاهدوا في الله حق جهاده، فنصرهم الله نصرًاعزيزًا، وفتح عليهم بلادًا كثيرة، ولهذا انتشر الإسلام في فترة زمنية وجيزة في بقعة شاسعة من العالم، ومع هذا ظلت هناك شعوب وجماعات وأفراد لا ترتضي الإسلام دينًا. وقد نجم عن هذا الانتشار السريع للإسلام، وبقاء أمم وأفراد أبت أن تؤمن به مشكلات مختلفة تتعلق بالعلاقة بين هؤلاء الذين رفضوا الإسلام دينًا وبين المؤمنين به. وإذا كانت هذه المشكلات تختلف من حيث الزمان والمكان فإن أصول معالجتها كما قررها الإسلام واحدة. ويقتضي بيان هذه الأصول الحديث في إيجاز عما يلي: (أ) الحرب في الإسلام. (ب) أنواع الديار. (ج) أصول العلاقات الدولية الإسلامية.

стр. 11369

الحرب في الإسلام: إذا كانت الإسلام دعوة عالمية، وكان مع هذا ينهى عن الإكراه في الدين، فلماذا أباح الحرب، وحض على الجهاد، وأعد في سبيله الأجر الجزيل، والنعيم المقيم؟ إن الحرب في الإسلام ليست أصلًا من أصوله، ولا يمكن أن تكون وسيلة لحمل الناس على الإيمان به؛ لأن الإقناع الصادق القائم على الوجدان والبرهان عماد اليقين الراسخ، ولا يتسنى لأية قوة في الأرض أن تفرض على إنسان عقيدة يأباها قلبه وينفر منها عقله، فما هي الغاية إذن من الحرب في الإسلام؟ إن من رحمة الله بعباده أنه لا يسألهم عما كتبه عليهم إلا بعد الإنذار إليهم: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ (١) . وقد بلغ محمد ﷺ رسالة ربه إلى قومه، كما بلغها إلى الأمراء والملوك في عصره عن طريق رسله وكتبه، وفي هذا تأكيد لمبدأ عالمية الإسلام، وأنه رسالة الله الخاتمة إلى الناس كافة. وتوفي ﵊ بعد أن ترك قومه على المحجة البيضاء، وكان على هؤلاء العرب الذين اصطفى الله منهم خاتم رسله أن يحملوا هذا الدين إلى غيرهم من الأمم، فالشرائع لا تلزم إلا بعد السماع (٢) ، ومن ثم فإن غير العرب إذا لم تصل إليهم دعوة الإسلام فلا حجة عليهم، وإنما تقع الحجة على الذين بلغتهم هذه الدعوة، ثم قصروا في تبليغها إلى سواهم. فمن أجل تبليغ الإسلام إلى الناس في كل زمان ومكان، وحماية الدعوة إليه من القاسطين والمفسدين فرض الجهاد، وكان ماضيًا إلى يوم القيامة، إنه جهاد من أجل حماية التبليغ، فمن شاء بعد ذلك فليؤمن، ومن شاء فليكفر، فقد برهنت أحداث التاريخ على أن الطغاة لا يتركون الناس أحرارًا فيما يدينون به، أو يسمعون له، وفي حياة الرسول ﷺ المثل الحي على ذلك فقد دعا قومه إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام فآذوه واضطهدوه، وعذبوا من صدقه واتبعه، ثم أخرجوه وأصحابه من مكة. إن مشركي مكة أرادوا الحجر على القلوب والعقول، وأبوا أن يدعوا للناس الحرية في التفكير والاختيار، فهم بهذا يحمون مبدأ الإكراه في الدين، فلو ترك هؤلاء الكفار وشأنهم لطغى الباطل على الحق، ولطمس النورَ الظلامُ، فكان الإذن بالقتال وإعداد القوة لدفع هذا الظلم الذي تعرض له المؤمنون لأنهم قالوا ربنا الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) . فغاية الحرب الأولى في الإسلام تنحصر في تحرير الناس من الطغاة، وحماية الضعفاء من الأقوياء، حتى لا يكون في الأرض سلطان غير سلطان الحق ﵎، فلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. ولأن غاية الحرب في الإسلام هي تحقيق الحرية الدينية، وإنقاذ المستضعفين من براثن المتجبرين فإن هذا الدين قد لطف من حدتها وجعل لها قانونًا عادلًا ونظامًا محكمًا وآدابًا لم تعرفها البشرية في تاريخها الطويل، وأكبر ما يسجل له من أمرها أنه لم يشرعها لنيل المغانم وفرض المغارم، ولكنه جعلها وسيلة عند الضرورة لتبليغ كلمة الله ونشرها بين الأمم، كما جعلها وسيلة لرد الاعتداء والدفاع عن عقيدة الأمة وحريتها وعزة المؤمنين واستقلال وسلامة أوطانهم.

стр. 11370

وما دامت الحرب ليست أصلًا من أصول الإسلام، وليست غاية في ذاتها فإن أول ما يجب على المسلمين إذا ساروا إلى غيرهم هو البدء بالدعاء إلى الإسلام، وهذا الدعاء قد يكون (١) موجهًا لقوم لم تبلغهم الدعوة فيجب إعلامهم حتى يكونوا على بينة من أمرهم، وقد يكون موجهًا لقوم بَلَغَتْهُم الدعوة، ودعاؤهم مرة ثانية أمر مطلوب، ففيه مبالغة في الإنذار بما ينفع، وإشارة إلى أن الإسلام يؤثر السلم على الحرب في تبليغ دعوته، فإذا استجاب هؤلاء طوعًا واختيارًا لما دعاهم إليه المسلمون فهم إخواننا لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإن أبوا ولم يستجيبوا فإن على المسلمين أن يدعوهم إلى الدخول معهم في عهد وميثاق؛ ليصبحوا أهل ذمة لا يتعرض لهم في عقائدهم الدينية، ويتمتعون بكل حقوق الحماية والرعاية في مقابل ضريبة مالية يسيرة لا تجب إلا على الرجال البالغين الأصحاء القادرين ماديًّا، وذلك لغاية واحدة، وهو أن يأمن المسلمون لهؤلاء، فلا يظاهروا غير المسلمين على المسلمين، فإن أبوا أن يدخلوا مع المسلمين في عهد وميثاق فقد جاهروا بهذا الرفض بالعداء، وأعلنوا وقوفهم ضد رسالة التبليغ، فكان قتالهم في هذه الحالة لتحرير الناس من التسلط والقهر، ولتأمين طريق الدعوة إلى الله، روي عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله ﵌ إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: ((اغزوا باسم الله في سبيل الله من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ... فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله عليهم وقاتلهم ... )) (٢) .

стр. 11371

وجاء في شرح السير الكبير للإمام السرخسي: "إن الكفر وإن كان من أعظم الجنايات فهو بين العبد وربه جل وعلا، وجزاء مثل هذه الجناية يؤخر إلى دار الجزاء، فأما ما عجل في الدنيا ـ وهو قتال الكفار ـ فهو مشروع لمنفعة تعود إلى العباد". (١) وما قاله الإمام السرخسي يشير إلى أن القتال في الإسلام ليس للإكراه في الدين، ولكن لتحقيق مصالح العباد بإنقاذهم من الطغاة المستبدين؛ حتى يكون الطريق أمام دعوة الله خاليًا من الأشواك والعقبات يسلكه من يشاء، ويعرض عنه من أبى. وإذا كان القتال في الإسلام لدفع فتنة الكفر وشر الكفار فإنه لا يجوز قتال إلا هؤلاء الذين يمثلون الفتنة، ويمكنون للشر بالفعل أو بالقول، ولهذا لا ينبغي قتل النساء والأطفال والمجانين والذين لا يخالطون الناس وترهبوا في الأديرة وكذلك الشيوخ الفانين، لقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ . وهؤلاء لا يقاتلون، فإذا شارك أحد منهم برأيه أو فعله في الحرب فقد أصبح مقاتلًا يجوز قتاله وقتله فيما عدا المعتوه ونحو فإن على المسلمين أخذه ومنعه من المشاركة في الحرب (٢) . وكما جاء النهي عن قتل غير المحاربين جاء النهي أيضًا عن الغدر والمثلة وحمل الرؤوس وقطع الأشجار وتخريب الديار، وذبح المواشي إلا لضرورة إطعام الجند. قال أبو بكر الصديق ﵁ في وصيته لجيش أسامة: "لا تمثلوا ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له". (٣) إن وصية الخليفة الأول تعبير عن مبادئ الإسلام وآدابه في الحرب، الحرب الإنسانية الخالصة لله، الحرب التي لا تعرف ظلمًا ولا قسوة ولا دمارًا، ولا غدرًا ولا غلولًا، الحرب التي تكفل حرية العقيدة للناس جميعًا، وتحمي أماكن العبادة لكل الديانات، إنها حرب العدل والرحمة والوفاء (٤) .

стр. 11372

والحرب إذا وضعت أوزارها وانتهت فإنها تنتهي بأحد أمرين: إما الصلح (١) , وإما النصر، أما الصلح فالعهود فيه محترمة، والوفاء بما تضمنته واجب ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (٢) وأما النصر فهو انتصار الجماعة التي غضبت للحق، واستشهدت في سبيله فلن تفعل حين انتصارها إلا ما يوطد أركان الحق في الأرض، ويمنع البغي والفساد بين الناس: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٣) . إن الانتصار نعمة تقابل بالشكر عليها، وذلك بإقامة شرع الله في دنيا الناس، شرع الطاعة الموصولة، والتعاون على البر والخير، ومكافحة الفساد والشر، وكفالة العدالة للجميع. ومن إقامة شرع الله في الأرض احترام آدمية الإنسان، ومن ثم لا يلقى المهزوم عنتًا وإهدارًا لكرامته، فالفار لا يتبع، والجريح لا يذفف عليه بل يعالج ولا تساء معاملته، والأسير لا يقتل، ولا يكره بوسائل غير مشروعة للاعتراف بما لديه من معلومات عن العدو، ويخير ولي الأمر فيه بما يراه أوفق لمصلحة المسلمين (٤) , وأكثر انسجامًا مع العرف الدولي في شأن الأسرى، ما دام هذا العرف لا يتعارض مع المقررات الإسلامية في رعاية المصلحة العامة، وحماية العزة والكرامة، وتحقيق الوئام والسلام بين الناس. وبهذا يتضح أن الحرب في الإسلام ضرورة، وأنها تخضع لقانون العدل والإنصاف واحترام آدمية الإنسان، وليست لإكراه الناس على الإيمان، وما يذهب إليه جمهور المستشرقين ومن سلك سبيلهم من الباحثين من أن الإسلام دين انتشر بالسيف زعم باطل يرده انتشار الإسلام في بلاد كثيرة لم تدخلها الجيوش الإسلامية، ثم انتشاره في العصر الحاضر في كل دول العالم. إن الحرب في الإسلام حرب تعمير لا تدمير، وهي في جوهرها ترسي دعائم السلم الدائم بين الناس؛ لأنها تنقذهم من تجار الحروب، والطامعين في خيرات الشعوب، وأولئك الذين يكرهون سواهم على ما لا يبتغون.

стр. 11373

(ب) أنواع الديار: تواضع الفقهاء على تقسيم الديار ثلاثة أقسام (١) : دار الإسلام، ودار العهد، ودار الحرب، وهذا التقسيم هو بحكم الواقع لا بحكم الشرع؛ لأن الإسلام لم يقيد الدولة الإسلامية بحدود جغرافية أو مكانية، فهو كما ذكرت من قبل دعوة عالمية، ولكن تطبيق أحكامه مرتبط بسلطان المسلمين، فكلما اتسعت دار الإسلام اتسع تطبيق أحكام هذا الدين، ومن هنا اقتضت الظروف أن يكون الإسلام إقليميًا حتى تعم دار الإسلام العالم بأسره (٢) . والذي لا خلاف عليه بين الفقهاء أن الدار التي تحكم بسلطان المسلمين، وهم حماتها وأهل المنعة فيها هي دار الإسلام، وأن دار العهد هي غير دار المسلمين ارتبطوا مع المسلمين بعهد (٣) . وأما تعريف دار الحرب فقد اختلف فيه الفقهاء على رأيين: أحدهما أن دار الحرب هي الدار التي لا يكون فيها السلطان للحاكم المسلم، ولا تنفذ فيها أحكام الإسلام، وليس بين المسلمين وأهلها عهد، وهذا رأي الصاحبين وجمهور الفقهاء. والرأي الثاني يذهب إلى أن كون السلطان لغير المسلمين لا يجعل الدار دار حرب، بل لا بد من تحقيق شروط ثلاثة مجتمعة لتصير الدار دار حرب وهي: أولًا: ظهور الأحكام غير الإسلامية: ثانيًا: أن يكون الإقليم متاخمًا للديار الإسلامية بحيث يتوقع منه الاعتداء على دار الإسلام (٤) . ثالثًا: ألا يأمن المسلم ولا الذمي فيها بحكم الإسلام، بل يأمن فيها بعهد يعقده، وهذا رأي أبي حنيفة والزيدية وبعض الفقهاء (٥) .

стр. 11374

ويرى بعض المعاصرين (١) أن رأي الإمام أبي حنيفة أرجح من رأي الصاحبين وجمهور الفقهاء؛ لأنه ناط الحكم على الدار بأنها دار حرب بزوال أمن المسلمين فيها ويتوقع الاعتداء عليهم منها، وهذا يوافق الأصل في فكرة الحرب الإسلامية وأنها لدفع الاعتداء، وحماية الضعفاء ونشر الأمن والسلام. ويبدو ذلك من التقسيم أن الدار تكون دار إسلام بسيطرة المسلمين عليها وظهور أحكام دينهم فيها، فلا تحكم بغير ما شرعه الله، ولا يكون لغير المسلمين سبيل عليها، فإذا لم يتوافر لها الاستقلال والحكم بما أنزل الله فإنها لا تكون دار إسلام بالمعنى الصحيح. ولا فرق بين دار العهد ودار الحرب إلا من حيث إن الأولى بينها وبين المسلمين معاهدة سلام، على حين لا يوجد هذا بالنسبة للثانية فكانت دار الحرب يتوقع منها الاعتداء في أي وقت، وهما عدا هذا دار واحدة تقابل دار الإسلام، فهما لا يعترفان بهذا الدين، ولا عبرة بما يكون من تفاوت في العقائد بين أهل دار العهد ودار الحرب، فهذا لا يؤثر في أنهما دار واحدة غير إسلامية. وإذا كان الإسلام يحمي الحرية الدينية، ولا يكره أحدًا على الإيمان به فإن دار الإسلام قد تضم غير مسلمين، وهؤلاء قد يقيمون في هذه الدار إقامة دائمة، وقد يقيمون فيها إقامة مؤقتة. والذين يقيمون إقامة دائمة في دار الإسلام هم أهل الذمة، وهم يتمتعون بهذه الإقامة؛ طوعًا لعقد يتم بناءً على توافق إرادتي ولي الأمر، ومن يرغب في الإقامة مع المسلمين، وبمقتضاه يحصل الذمي على جنسية الدولة الإسلامية، ويصبح رعية إسلامية له كل حقوق المواطنة في هذه الدولة وعليه من مقابل ذلك بعض الالتزامات والواجبات، ويجمعها الشرطان التاليان: أولهما: أن يلتزم الذميون إعطاء التكليفات المالية على القادرين؛ لكي يسهموا في بناء الدولة، ويشتركوا في تكوين ميزانها المالي. ثانيهما: أن يلتزموا أحكام الإسلام في المعاملات المالية، وفي الخضوع للعقوبات الإسلامية، ليكون لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. (٢) قال السرخسي: "الذمي ملتزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى المعاملات". (٣) ، وجاء في مقدمة ابن رشد الجد: "ولا يجوز بين المسلم والذمي في التعامل إلا ما يجوز بين المسلمين". (٤) .

стр. 11375

فأهل الذمة إذن يخضعون للأحكام الإسلامية في الحدود والمعاملات المالية، وما سوى هذا لا يسألون عنه مثل الشعائر الدينية الخاصة بهم وأحكام النكاح فيما بينهم. وما دام أهل الذمة رعية إسلامية، أو جزء من المجتمع الإسلامي (١) ، ولهم ما للمسلمين من حقوق الرعاية والحماية والإنصاف مع ضمان الحرية الدينية لهم، فإنهم لهذا خارجون عن نطاق المعاملات الدولية بمفهومها الخاص والعام. أما الذين يقيمون في دار الإسلام إقامة مؤقتة فهم المستأمنون الذين يدخلون البلاد الإسلامية على غير نية الإقامة المستمرة فيها، ويسمح لهم بذلك لمدة معلومة يجوز تجديدها، فالقاعدة هي عدم الإقامة الدائمة، وإلا تحول المستأمن إلى ذمي، وأصبح رعية إسلامية (٢) . والإسلام وهو دين الإخاء الإنساني، ودين العدل والحرية والسلام، عامل المستأمن الوافد على دياره معاملة كريمة لا تعرفها القوانين الوضعية، فهو ما دام محافظًا على عقد الأمان، أو شروط الإذن بالإقامة لمدة محددة في دار الإسلام له الحرية الكاملة في التنقل ومباشرة نشاطه الذي وفد من أجله كالتجارة أو السياحة أو الدراسة، وهو آمن على نفسه وماله حتى ولو كان ينتمي إلى دولة نشب القتال بينها وبين المسلمين. ويذهب جمهور الفقهاء إلى أكثر من هذا فيرون أن مال المستأمن الذي اكتسبه في دار الإسلام يبقى على ملكه، ولا تزول عنه ملكيته، ولو عاد إلى دار الحرب وقاتل المسلمين (٣) .

стр. 11376

قال ابن قدامة في المغني: "وإذا دخل حربي دار الإسلام بأمان فأودع ماله مسلمًا أو ذميًّا أو أقرضهما إياه، ثم عاد إلى دار الحرب، نظرنا فإن دخل تاجرًا أو رسولًا أو متنزهًا أو لحاجة يقضيها ثم يعود إلى دار الإسلام فهو على أمانه في نفسه وماله؛ لأنه لم يخرج عن نية الإقامة في دار الإسلام فأشبه الذمي لذلك، وإن دخل مستوطنًا بطل الأمان في نفسه وبقي في ماله؛ لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان ثبت الأمان في ماله الذي معه، فإذا بطل الأمان في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله، لاختصاص المبطل بنفسه فيختص البطلان به" (١) . وإذا كان هذا هو موقف الفقه الإسلامي من المستأمن وماله فإن التشريعات الدولية الوضعية كانت قبل القرن الثامن عشر تبيح للدول اعتقال رعايا العدو الموجودين في إقليمها بمجرد قيام الحرب، وتحجزهم كأسرى حرب، كما كانت تصادر أموالهم، ثم جنحت تلك التشريعات إلى منع أسر رعايا العدو، وكذلك إلى منع مصادرة أمولهم، ولكن ظل القانون الدولي يجيز طرد رعايا العدو من إقليم الدولة بمجرد نشوب الحرب، وإن لم تكن هناك جريرة منهم. (٢) . والمستأمن الذي يتمتع بحريته في التنقل في دار الإسلام، وممارسة نشاطه الذي وفد من أجله، كما يتمتع بحرمة ماله يخضع لأحكام الشريعة فيما يتعلق بالمعاملات المالية، سواء جرت هذه المعاملات بينه وبين مسلم أو بينه وبين ذمي، أو مستأمن مثله، وهذا لا خلاف فيه بين الفقهاء. أما ما يتعلق بالحدود فقد اختلف فيه الفقهاء، فيرى بعضهم إقامة جميع الحدود عليه (٣) . ويذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه لا يقام من الحدود على المستأمن إلا ما فيه من حق العباد، وذلك لأنا ندبنا إلى معاملته معاملة تحمله على الدخول في دارنا ليرى محاسن الإسلام فيسلم، وهو بالأمان التزام حقوق العباد، فالتزم أن يُنْصِفَهم كما يُنْصَف وأن لا يُؤْذِيَ أحدًا كما لا يُؤْذَى. وأما حقوق الله فلا تلزم؛ لأنه لم يلتزمها، ألا ترى أنه لم يضرب عليه الجزية، ولم يمنع من رجوعه إلى دار الحرب (٤) . والرأي الذي أخذ به جمهور الفقهاء هو عدم التفريق بين حقوق الله وحقوق العباد وأن المستأمن يخضع لأحكام الشريعة في جميع الحدود، وهذا الرأي أكثر اتساقًا مع المبادئ الإسلامية، لأنه يتفق مع ما ينبغي أن تكون أمور الدولة من منع الفساد وكمال السيادة على كل من يقيم في ربوعها. (٥) . على أن رأي أبي حنيفة في عدم تطبيق الحدود الشرعية على المستأمن والمستأمنة إلا حد القذف كان سندًا للامتيازات الخاصة للأجانب في عصر الاحتلال، وكم جرت هذه الامتيازات على المسلمين من نكبات (٦) .

стр. 11377

ومن المستأمنين طائفة تتمتع ببعض المزايا الخاصة التي تكفل لها القيام بمهمتها التي وفدت من أجلها، وهي طائفة الممثلين السياسيين، أو ما كان يطلق عليهم قديمًا الرسل. هذه الطائفة أعطاها القانون الدولي المعاصر حصانة في أمور ثلاثة: أولها: الحصانة لشخص الممثل فلا يتعرض له، ولا يعتدى عليه، حتى يستطيع أداء عمله السياسي من غير حرج، ولا يتعرض لسكنه أو أمتعته الشخصية. ثانيها: حصانة تتعلق بالمال فيعفى من الضرائب والرسوم في حدود معينة. ثالثها: الحصانة القضائية، ومن شأنها حماية المبعوث من الملاحقات الجنائية ومن الملاحقات المدنية الخاصة بعمله الرسمي. (١) . فهل هذه الأمور الثلاثة التي أعطاها القانون الدولي المعاصر للممثلين السياسيين يقبلها الإسلام أو يرفضها؟ إن تقرير العرف في الشرع في استنباط الأحكام يقضي بأن كل ما يتعارف عليه المجتمع الدولي من وسائل التعاون والتآلف لا يرفضها الفكر القانوني الإسلامي ما لم تعارض نصًّا أو قاعدة، فالحصانة الشخصية والمالية ما دامت تقوم على أساس المعاملة بالمثل ولا يوجد من أحكام الشريعة ما يعارضها فإن تطبيقها على الممثلين السياسيين لا حرج فيه. ولكن الحصانة القضائية ليست كالحصانة الشخصية والمالية، فكل من يرتكب حدًّا في دار الإسلام ينبغي أن يعاقب، وفقًا للأحكام الشرعية، ولا يجوز أن يحاكم على أساس قانون آخر، ففي هذا تعطيل لأحكام الله في أرض الإسلام.

стр. 11378

أما الذين يرتكبون ما يوجب عقوبة تعزيرية، وهي العقوبة غير المقدرة في الكتاب والسنة، ويتولى ولي الأمر تقدير العقاب فيها، أو يترك تقديرها للقاضي المختص، فهذه العقوبة في نظر بعض المعاصرين يصح أن تدخل في ضمن حصانة الممثلين السياسيين، وحجته أن تقديرها من حق ولي الأمر، فيجوز له أن يدع العقاب عليها لدولة الممثل أو الرسول. ولكن ما الذي يضمن أن تطبق دولة المممثل هذه العقوبة، وهل تطبيقها سيكون وفقًا لأحكام الله؟ إن التفاوت بين القوانين وكذلك التفاوت في النظر إلى أنواع الجرائم والعقوبات يمكن أن يجعل ما هو جريمة في دار الإسلام ليس بجريمة في غير هذه الدار، وأن يكون العقاب مختلفًا في حالة وحدة الجريمة في الإسلام والقوانين الوضعية، ولهذا أرجح الرأي الذي يذهب إلى أن الحصانة القضائية لا ينبغي أن تكون على حساب شرع الله، وأن العرف الدولي لا ينبغي أن يكون حاكمًا على هذا الشرع، وإنما يجب أن يكون محكومًا به. (١) ويبدو من الحديث عن غير المسلمين في دار الإسلام أنهم جميعًا سواء لا فرق بين ذمي ومستأمن في وجوب تطبيق أحكام الشريعة عليهم فيما يتعلق بالمعاملات المالية والحدود، والفرق بينهما أن الذمي أمانه مؤبد أو يحمل جنسية الدولة الإسلامية على حين أن المستأمن أمانه مؤقت وليس رعية إسلامية، وبديهي أن هذا كالذمي في التمتع بالحرية الكاملة فيما يدين به دون أن يكون في هذا فتنة للمسلمين. هذا ما يتعلق بالعلاقات الإسلامية بالنسبة لغير المسلمين في دار الإسلام. أما دار العهد أو الموادعة فإن أول فقيه إسلامي تحدث عنها هو الإمام محمد بن الحسن الشيباني (ت: ١٨٩هـ) الذي كتب في العلاقات الدولية الإسلامية كتابة علمية جامعة لم يُسبق بها، وذلك أن كل من كتب قبله من الفقهاء في موضوع السير كانوا يتحدثون عن دار الإسلام ودار الحرب فقط، وكانت العهود تبرم إما بين المسلمين وأهل الذمة الخاضعين لهم، أو بينهم وبين الحربيين المستأمنين، ولكن الإمام الشيباني تحدث (٢) عن دار لا تخضع لحكم المسلمين فأهلها إذن ليسوا بأهل ذمة، ثم هم دخلوا مع المسلمين في عهود موادعة ومسالمة فخرجوا بهذا عن أن يكونوا حربيين.

стр. 11379

وإذا كان بين الفقهاء اختلاف حول الأسباب التي تدعوا إلى موادعة غير المسلمين فإنه مهما تكن الظروف التي تدفع بالمسلمين إلى مسالمة سواهم فإن العلاقة بينهم وبين أهل دار الموادعة تقوم على احترام العهود المكتوبة وغير المكتوبة إلى أقصى حد، وعدم الغدر والخيانة مطلقًا، والتعاون المتبادل في كل شيء إلا فيما يكون سببًا لتقوية غير المسلمين من السلاح ونحوه فإن على المسلمين ألا يمكنوا غيرهم موادعين أو حربيين من الحصول على ما يزيدهم قوة وبأسًا (١) . والكلام في وجوب احترام العهود والتحرز عن الغدر مع الموادعين ذو شجون، وتكفي الإشارة إلى أن الفكر الإسلامي الدولي قد شقق القول في هذا الموضوع على نحو إنساني (٢) بديع أبرز سمو النظرة الإسلامية في معاملة غير المسلمين، وأن هذه النظرة تفردت بقيم الأخوة والمساواة والعدالة والفضيلة. وأما غير الموادعين الذين ليست بينهم وبين المسلمين حرب فعلية ولا تربطهم بالمسلمين رابطة ما فإنهم ما داموا لا يؤذون المسلمين ولا يحرضون على إيذائهم فإن العلاقة التي تربط المسلمين بهم تقوم على نفس الأسس التي تقوم عليها العلاقة بين المسلمين والموادعين من الإحسان إليهم والبر بهم، وتبادل المنافع معهم إلا فيما يكسبهم قوة ومنعة، وإذا أردنا السير إليهم لتبليغهم دعوة الإسلام فلا بد من إعلامهم وعدم الاعتداء عليهم أو الغدر بهم وأخذهم على غرة (٣) . وقد بينت في الكلام عن الحرب في الإسلام ما يجب على المسلمين من القيام به نحو هؤلاء الذين ساروا إليهم قبل أن يشهروا السلاح عليهم، ويدخلوا معهم في قتال وجهاد.

стр. 11380

(ج) أصول العلاقات الدولية الإسلامية: يتضح بجلاء من الحديث عن الحرب في الإسلام وأنواع الديار أن نظرة الإسلام إلى غير المسلمين لا تعرف العداء والتعصب والاستعلاء، وإنما تقوم على التسامح والتعاون والإخاء واحترام العهود والوفاء بها مهما تكن الظروف والأسباب , وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) . فهاتان الآيتان تلخصان الدستور الإسلامي في العلاقات الدولية. وهو دستور يقوم على السلم ويؤثر المودة على العداوة، حتى مع من عادوه ما ضمن كفهم من الاعتداء، استحياء للمودة الإنسانية، وتوثيقًا للروابط البشرية، فقبل الآيتين قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . والحاصل أن أصول العلاقات الدولية الإسلامية تقوم على ما يلي: أولًا ـ المساواة بين الناس: يقرر الإسلام أن الناس جميعًا أمة واحدة وأن المساواة بينهم في الكرامة الإنسانية وفي المسؤولية، مصدرها وحدة النشأة ووحدة المصير: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (٢) . وما دامت المساواة حقيقة لا مراء فيها؛ لأنها ترجع إلى هذا المصدر الواحد، ((فكلكم لآدم وآدم من تراب)) . فإن كل الأبحاث والدراسات التي يقوم بها علماء الاجتماع والأجناس وغيرهم ممن يصنفون الناس تصنيفًا عرقيًّا، وما يتمخض عن هذا التصنيف من أن يكون لبعض الناس من الامتيازات ما ليس لغيرهم، ليست عملًا علميًّا صحيحًا، لأنه غفل عن الأصل الذي يرجع إليه الجميع، وأن ما بينهم من تفاوت أيًّا كان لونه لا يعني على الإطلاق تقسيمًا عرقيًّا يجعل منهم طبقات يستعبد بعضها بعضًا. إن النزاعات العرقية، أو ما يسمى بالتفرقة العنصرية قد جلبت على البشرية في الماضي والحاضر الويلات والمشكلات، والإسلام بمبادئه التي تقرر المساواة في الإنسانية بين الناس جاء لإنقاذ البشرية من تلك النزاعات الفاسدة، وبين أن التفاوت في الألوان والألسن والطاقات ليس سبيلًا لاستعلاء الأقوياء، وامتهان الضعفاء، فهذا التفاوت آية من آيات الله في خلقه، ومظهر من مظاهر حكمته في كونه، ووسيلة من وسائل الابتلاء لعباده، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (٣) . ثانيًا ـ السلم أصل العلاقة بين الناس: يتفرع على تقرير مبدأ المساواة، وأنه لا طائفية ولا عنصرية ولا مفاضلة بالألوان والأجناس والأوطان وإنما بتقوى الله والعمل الصالح، قيام العلاقة بين الناس على المحبة والمودة والسلام والوئام، لأن معنى المساواة يفقد مدلوله إذا لم يلغ كل أسباب الاستغلال والامتهان لكرامة الإنسانية. إن خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلهم شعوبًا وقبائل من أجل أن يتعارفوا ويتعاطفوا ويتعاونوا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٤) . وبذلك كان السلم هو العلاقة الطبيعية بين الشعوب ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ (٥) .
следующие страницы →