← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 12076–12115 · переход к 12081.

стр. 12076

الفصل السادس في ترجيح ما هو أحق بالاتباع في العصر الحاضر أهمية هذا النوع من التلفيق: إن الزمان تغير تغيرًا عظيمًا وإن الحياة الاجتماعية تطورت تطورًا واسعًا وإن المصالح قد تضاربت وتشابكت وإن الأوضاع المستحدثة قد كان من ورائها مشكلات متكاثرة، هي أحوج ما تكون إلى المواجهة السريعة التي ترعى المصالح أتم رعاية وترفع الحرج وتستنبط الحلول الميسرة في نطاق الفقه الإسلامي. وإن في الفقه الإسلامي كنوزًا عظيمة ترتفع فوق كل تقويم، وفيه ثروة ضخمة لا تدانيها أي ثروة فقهية أخرى، وفيها الكفاية وما هو فوق الكفاية للوصول إلى شتى المقاصد والغايات إذا أحسن استعمالها، ولن يتم ذلك إذا وقفنا عند أحكام مذهب بعينه، ولن يكون إلا إذا كان التخير من أحكام المذاهب المعتبرة فهذا يحقق المصالح ويهدي إلى الحلول الموفقة وهو في الوقت نفسه يقي الفقه الإسلامي شر المزاحمة العاتية والصراع العنيف مع الشرائع الوضعية، ويحمي الأقطار الإسلامية من الاستعمار التشريعي الذي تغلغل في أحشائها جميعها. وإن تخير الأحكام على النحو الذي ذكرت يختلف عن التلفيق في التقليد عملا وما ثار حوله من جدل حتى لو قيل إنه منه فإن المسألة خلافية، وليس العمل بقول المانعين أولى من العمل بقول المجوزين ولكل دليله، وإن رعاية المصلحة للأفراد والجماعة المسلمين مطلوبة وفيها الخير كل الخير للإسلام والمسلمين، وإن هذا التخير لا يكون له صفة الإلزام إلا إذا أمر ولي الأمر باتباعه وأمره مرجح قوي، ولذلك وجبت طاعته فيما يأمر به متى كان في صالح الرعية ووفق ضوابطها الشرعية. والله أعلم د. عبد الله محمد عبد الله

стр. 12077

خلاصة البحث اشتمل البحث على ستة فصول. تناولت في الفصل الأول التعريف من حيث اللغة والاصطلاح واشتمل التعريف الاصطلاحي على طائفة من تعريفات الفقهاء والأصوليين وما دار حولها من نقد ومناقشة وأخذت من بينها تعريف الإمام الشاطبي وتعريف الإمام البيضاوي وبين موقف الأصوليين من الرخصة، وهل هي من أقسام الحكم أو من أقسام الفعل، وهل هي من قبيل الحكم التكليفي أو الحكم الوضعي. وتناولت في الفصل الثاني أنواع الرخصة عند الحنفية وعند غيرهم واتجاهات هؤلاء في التقسيم حيث نظروا في تقسيم الرخصة من حيث الحكم فقسموه إلى الوجوب والندب والإباحة وخلاف الأولى وأضاف بعضهم الحرمة والكراهة واقتصر الشاطبي على الإباحة وبينت وجهة نظره في المراد من الإباحة وأنه لا يقصد إلا أحد معنيي الإباحة وهو رفع الحرج، وقد مثلت لكل قسم. أما الفصل الثالث فقد تناولت فيه ضوابط الأخذ بالرخصة وبينت القواعد التي بنى عليها الأصوليون والفقهاء وأنها ترجع إلى خمس قواعد تناولتها بالشرح مع التمثيل وأن الأصل فيها كما قرره الشاطبي أن الإنسان فقيه نفسه في الأخذ بالرخصة بقيودها وضوابطها. وبينت في الفصل الرابع تتبع الرخص وآراء الفقهاء والأصوليين واتجاهاتهم والشروط التي ينبغي تحققها عند الأخذ بالرخص. وفي الفصل الخامس: وهو الخاص بالتلفيق وقد بينت معناه في اللغة والاصطلاح، واتبعت طريقة بعض الفقهاء المعاصرين الذين قسموه إلى ثلاثة أقسام: الأول التلفيق في الاجتهاد، والثاني: التلفيق في التقليد، والثالث: التلفيق في التشريع، وبينت ما ينطوي عليه كل قسم من مسائل أصولية وفقهية مع التمثيل. وتناولت في الفصل الأخير في ترجيح ما هو أحق بالاتباع، وأهمية هذا النوع من التلفيق وأنه المناسب حسب ظروف العصر ومقتضياته.

стр. 12078

الأخذ بالرخصة وحكمه إعداد الشيخ خليل محيي الدين الميس مفتي البقاع ومدير أزهر لبنان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي المصطفى محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين. فإن موضوع (الرخص) وبالتالي التقليد، هما من مباحث الاجتهاد عند علماء الأصول، فكما أن الرخص هي الوجه المقابل للعزيمة. فإن التلفيق إحدى مظاهر وصور تتبع الرخص سواء من مسائل المذهب الواحد أو من مذاهب متعددة. وهنا يصل بنا الكلام إلى الاجتهاد والتقليد وما دام الأمر كذلك فإن نافذة الحوار لم تغلق، كما أن باب الاجتهاد لم ولن يوصد. كيف لا وإن جميع الأئمة الفقهاء كانوا يأمرون أتباعهم بالاجتهاد ويحذرونهم من التقليد. ولذلك نرى في مذهب الإمام أبي حنيفة قد خالفه أصحابه في العديد من المسائل. وكان للفقهاء المجتهدين في المذاهب ترجيحات واختيارات أكثر من أن تحصى. لا تقلدني ولا تقلد مالكا.. كذا قال الإمام الشافعي ﵁. وإذا كانت الرخصة مشروعة في الكتاب والسنة في مقابل العزيمة.. ففي الوضوء عزيمة ورخصة.. وفي الصلاة عزيمة ورخصة، بل في المحرمات عزيمة ورخصة.. وإذا كانت العزيمة أو الرخصة يلحظ فيها حال المكلف على وجه الانفراد كذلك يمكن النظر إلى مجموع المكلفين في زمن من الأزمان أو مكان من الأمكنة.. وهكذا يطرح الموضوع للنظر وعلى مستوى هذا المجمع الفقهي لينظر علماء الأمة في التماس الحلول المناسبة لمشاكل الأمة والتي ترى نفسها وجهًا لوجه أمام قضايا كبيرة لا بد من التماس الرخصة حينًا والتلفيق أحيانًا. مثلاً بمناسبة أداء مناسك الحج بالذات يتعذر لمجموع الحجيج أداء النسك على مذهب فقيه واحد. ولكن عندما يطالعنا قول الرسول ﷺ في تلك المناسبة (لاحرج) لكل من سأله بتقديم الحلق على الذبح، وترخيصه للرعاة والضعفة أن يتقدموا من سواهم بالنسك في طواف الإفاضة؛ نلحظ رفع الحرج حتى في عبادة العمر وهو الحج.. وكذلك الشأن في جمع الصلاة عند من يقول بها من الأئمة في السفر والمطر وغير ذلك أنها رخصة.. فالرخصة يقول بها جميع الفقهاء وإن اختلفت أقوالهم في محالها.. لكنها مجمع على مشروعيتها بالكتاب والسنة.. وهنا يأتي دور التلفيق وإن كان الفقهاء لم يتعاطوا معه بالمرونة التي نراها في الرخصة، بل كانوا أقرب إلى الحذر معه من الإقدام.. وبخاصة الفقهاء الذين لا يقولون أصلا بالتقليد لذلك أسقطوا هذه المسألة كلية من دائرة البحث.. ولكنها لم تسقط.. بل أدرجت كما ذكرنا في نطاق إحداث القول الثالث من مباحث الأصول، وأفتى بمقتضاها الفقهاء المتقدمون منهم والمتأخرون.. ولكل دليل ووجه استدلال.. والله تعالى نسأل التوفيق والسداد في القول والعمل.. عليه توكلنا إنه نعم المولى ونعم النصير.

стр. 12079

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الرخصة في اللغة: عبارة عن التوسعة واليسر والسهولة. والرخصة: ترخيص الله للعبد في أشياء خففها عنه، والرخصة في الأمر وهو خلاف التشديد ... (١) . الرخصة في الشريعة: أورد الأصوليون غير تعريف لها: منها: هي اسم لما تغير عن الأمر الأصلي لعارض، إلى تخفيف وتيسير ترفيهًا وتوسعة على أصحاب الأعذار.. (٢) . وقيل: هي ما بني أعذار العباد، أي ما استبيح للعذر مع قيام الدليل المحرم (٣) . وعرفها الشافعية بقولهم: هي الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر (٤) . وقيل: هي اسم لما شرع من الأحكام متعلقا بالعوارض. وقال صاحب التحرير: فالرخصة بهذا الاعتبار: ما شرع لعذر شاق، أو استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة. فكونه مشروعًا لعذر: الخاصية التي ذكرها علماء الأصول. وكونه شاقًّا: فإنه قد يكون العذر مجرد الحاجة من غير مشقة موجودة فلا يسمى ذلك رخصة شرعية، كالقراض والمساقاة، ونخلص من ذلك كله إلى القول: بأن الشريعة جاءت من حيث الأمر والنهي – على مرتبتي تخفيف وتشديد، لا على مرتبة واحدة؛ لأن جميع المكلفين لا يخرجون عن قسمين قوي وضعيف، من حيث إيمانه أو جسمه في كل عصر ومكان. فمن قوي منهم من حيث إيمانه وجسمه خوطب بالتشديد والأخذ بالعزائم. ومن ضعف منهم خوطب التخفيف والأخذ بالرخص. وكل منهما حينئذ على شريعة من ربه وتبيان. فلا يؤمر القوي بالنزول إلى الرخصة، ولا يكلف الضعيف بالصعود للعزيمة، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] خطابًا عامًّا، وقال ﷺ ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) أي كذلك، فلا يؤمر القوي المذكور بالنزول إلى مرتبة الرخصة والتخفيف وهو يقدر على العمل بالعزيمة والتشديد لأن ذلك كالتلاعب بالدين. وكذلك لا يكلف الضعيف المذكور بالصعود إلى مرتبة العزيمة والتشديد والعمل بذلك مع عجزه، ولكن لو تكلف وفعل ذلك لا نمنعه إلا بوجه شرعي. فليس لمن قدر على استعمال الماء حسا أو شرعًا أن يتيمم بالتراب، وليس لمن قدر على القيام بالفريضة أن يصلي جالسًا، وليس لمن قدر على الصلاة جالسًا أن يصلي على جنب وهكذا في سائر الواجبات.

стр. 12080

وليس من الأدب أن يفعل المفضول مع قدرته على الأفضل فيقدم الأفضل على المفضول ندبًا مع القدرة، ويقدم الأولى شرعًا على خلاف الأولى، وإن جاز ترك الأفضل والمفضول أصالة. ومن المعلوم ((أن رسول الله ﷺ كان يخاطب الناس على قدر عقولهم ومقامهم في حضرة الإسلام أو الإيمان أو الإحسان.)) تأمل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] وخطابه ﷺ للأكابر مع خطابه لأجلاف العرب، وأين مقام من بايعه ﷺ على السمع والطاعة في المنشط والمكره والمعسر والميسر ... فمن طلب أن يبايعه ﷺ على صلاة الصبح والعصر فقط دون غيرهما من الصلوات ودون الزكاة والحج والصيام والجهاد وغيرها. وقد تبع الأئمة المجتهدون ومقلدوهم رسول الله ﷺ على ذلك.. فما وجدوا رسول الله ﷺ شدد فيه عادة شددوا فيه أمرًا كان أو نهيًا، وما وجدوه خفف خففوا فيه. وإنما تكون الرخصة للعاجز عن فعل العزيمة - بل وتكون الرخصة في حقه عزيمة وعلى كل مقلد أن لا يعمل برخصة قال بها إمام مذهبه إلا إذا كان من أهلها وإن ذلك من فعل الرخصة بشرطها، أو المفضول بشرطه فهو على هدى من ربه في ذلك ولو لم يقل به إمامه (١) . وقال بدر الدين الزركشي في آخر كتابه القواعد: الأخذ بالرخص والعزائم في محل كل منها مطلوب راجح. فإذا قصد المكلف بفعل الرخصة قبول فضل الله تعالى عليه كان أفضل، كما أشار إليه الحديث الصحيح: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) (٢) .

стр. 12081

فإذا ثبت هذا الأصل فليعلم أن مطلوب الشرع الوفاق ورد الخلاف إليه ما أمكن كما عليه عمل الأئمة من أهل الورع والتقوى كأبي محمد الجويني وأضرابه.. فإنه صنف كتابه (المحيط) ولم يلتزم فيه المشي على مذهب معين، قال: وذلك في حق أهل الورع والتقوى من باب العزائم، كما أن العمل بالمختلف فيه عندهم من باب الرخص. فإذا وقع العبد في أمر ضروري وأمكنه الأخذ فيه بالعزيمة فله فعل ذلك وله تركه، وكان ذلك الفعل الشديد من باب القوة والأخذ بالعزائم إن كان راجحًا. ون لم يمكنه الأخذ فيه بالعزيمة أخذ بالرخصة، كما أن له الأخذ بالقول الضعيف في بعض المواطن فلا يكون ذلك من باب المخالفة المحضة. إذا علمت هذا، فحينئذ تعرف أن أحدًا من الأئمة الأربعة أو غيرهم لم يتقلد أمر المسلمين في القول برخصة أو عزيمة إلا على حد ما ذكرنا من هذه القاعدة، فينبغي لكل مقلد للأئمة أن يعرف مقاصدهم (١) . هذا وكان يفتي الناس بالمذاهب الأربعة كل من الشيخ الإمام الفقيه المحدث المفسر الأصولي الشيخ عبد العزيز الديراني صاحب كتاب: الدرر الملتقطة في المسائل المختلطة وشيخ الإسلام عز الدين ابن جماعة المقدسي، والشيخ العلامة الشيخ شهاب الدين البرلسي الشهير بابن الأقيطع، ﵏، والشيخ على النبتيتي الضرير. ونقل الشيخ الجلال السيوطي ﵀ عن جماعة كثيرة من العلماء أنهم كانوا يفتون الناس بالمذاهب الأربعة لاسيما العوام الذين لا يتقيدون بمذهب ولا يعرفون قواعده ونصوصه، ويقولون حيث وافق فعل هؤلاء العوام قول عالم فلا بأس به (٢) . وعقب الشعراني على ذلك بالقول: كانوا – أولئك العلماء – يأمرون قويا برخصة، لا ضعيفا بعزيمة. وإن الشيخ عز الدين بن جماعة كان إذا أفتى عاميًّا بحكم على مذهب إمام يأمره بفعل جميع شروط ذلك الإمام الذي أفتاه بقوله ويقول له: إن تركت شرطًا من شروطه لم تصح عبادتك على مذهبه ولا غيره. إذ الملفقة من عدة مذاهب لا تصح إلا إذا جمعت شروط تلك المذاهب كلها. وذلك منه احتياطًا للدين وخوفًا من أن يتسبب في نقض عبادة أحد من المسلمين. ومن حسن القول ما جاء في الميزان: ... تفتي كل أحد بما يناسب حاله ولو لم تفعل أنت به كذلك لأنه هو الذي خوطبت فيه فاعلم ذلك واعمل عليه.. وأفت غيرك بما هو أهله. فليس لمن قدر على سهولة الطهارة أن يمس فرجه إذا كان شافعيا ويصلي بلا تجديد طهارة تقليدًا لأبي حنيفة – كما أنه ليس له أن يصلي فرضًا أو نفلاً بغير فاتحة الكتاب مع قدرته عليها، أو أن يصلي بالذكر مع قدرته على القرآن (٣) .

стр. 12082

أنواع الرخص لما كانت الرخص مبنية على أعذار العباد، وأعذارهم مختلفة؛ اختلفت أنواع الرخص فانقسمت على أنواع أربعة. نوعان من الحقيقة، أحدهما أحق من الآخر. ونوعان من المجاز أحدهما أتم من الآخر. منشأ هذا التقسيم وحقيقته: لما كانت الرخصة ما تغير من عسر إلى يسر بعارض عذر، والرخصة الحقيقية هي التي تبقى عزيمته معموله. فكلما كانت العزيمة ثابتة، كانت الرخصة أيضا في مقابلتها حقيقة من جميع الوجوه. أما النوع الأول: وهو أحق نوعي الحقيقة: فهو ما استبيح مع قيام السبب المحرم وقيام حكمه جميعا وهو الحرمة، أي عومل معاملة المباح، لأن الحرمة لما كانت قائمة مع سببها ومع ذلك شرع للمكلف الإقدام عليه من غير مؤاخذة في الدار الآخرة – بناء على عذره – كان في أعلى درجات الرخص، لأن كمال الرخصة بكمال العزيمة. مثاله: الترخص بإجراء كلمة الكفر على اللسان بعذر الإكراه التام مع قيام التصديق بالقلب. حكمه: الأخذ بالعزيمة (في الصبر) والامتناع عن الكفر حتى يقتل أولى؛ لأن حرمة الكفر والتكلم به لا تحتمل الإباحة بحال. ويكون شهيدًا، هذا أبيح لمن خاف التلف على نفسه عند الإكراه إجراء كلمة الكفر على لسانه رخصة له. وجه المسألة: لأن في الامتناع حتى يقتل تلف نفسه صورة بتخريب البنية، ومعنى بزهوق الروح؛ فكان الامتناع عزيمة، لأن الممتنع مطيع ربه مظهر للصلابة في الدين وما ينقطع عنه طمع المشركين وهو جهاد يكون أفضل. والمترخص بإجراء كلمة الكفر يعمل لنفسه من حيث السعي في دفع سبب الهلاك عنها فهذه رخصة له – إن أقدم عليها لم يأثم، والأول عزيمة حتى إذا صبر حتى قتل كان مأجورا (١) . النوع الثاني: (من نوعي الحقيقة) هو ما استبيح بعذر مع قيام السبب المحرم موجبا لحكمه وهو الحرمة، غير أن الحكم متراخ عن السبب لمانع اتصل بالسبب فمنعه من أن يعمل عمله. فمن حيث إن السبب الموجب قائم كانت الرخصة حقيقة، والاستباحة ترخصا للعذر.

стр. 12083

ومن حيث إن الحكم متراخ عن السبب غير ثابت في الحال كان غيره أحق فكان هذا القسم دون الأول، فإن كمال الرخصة يبتنى على كمال العزيمة، فإذا كان الحكم ثابتًا مع السبب كان في العزيمة أقوى مما إذا كان الحكم متراخيًا عن السبب. بمنزلة البيع بشرط الخيار مع البيع البات، والبيع بثمن مؤجل مع البيع بثمن حالٍّ، فإن الحكم وهو الملك في المبيع، والمطالبة بالثمن ثابت في البيع البات المطلق، ولكن الحكم متراخ عن السبب في البيع بشرط الخيار أو الأجل. وبيان هذا النوع في الصوم في شهر رمضان للمسافر والمريض. فإن السبب الموجب شرعًا وهو شهود الشهر قائم، ولذا لو أديا كان المؤدى فرضا – لكن الحكم متراخ إلى إدراك عدة من أيام أخر، ولهذا لو ماتا قبل الإدارك لم يلزمهما شيء، ولو كان الوجوب ثابتا للزمهما الأمر بالفدية عنهما، لأن ترك الواجب بعذر يرفع الإثم ولكن لا يسقط الخلف وهو القضاء أو الفدية (١) . والتعجيل بعد تمام السبب مع تراخي الحكم صحيح كتعجيل الدين المؤجل. حكم هذا النوع: أن الأخذ بالعزيمة أولى لكمال سببه وهو شهود الشهر ولتردد في الرخصة، حتى صارت العزيمة تؤدي معنى الرخصة من وجه، إذ الرخصة لليسر، والصوم في السفر يسر من وجه لأجل موافقة المسلمين وشركته مع سائر الناس يصومون. أما إذا أضعفه الصوم فحينئذ الفطر أولى بالاتفاق. وأما النوع الثالث: وهو أتم نوعي المجاز، فما وضع عنا من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . فإن ذلك يسمى رخصة مجازًا لأن الأصل ساقط لم يبق مشروعًا فلم يكن رخصة إلا مجازًا من حيث هو فسخ لمحض تخفيفًا. وذلك لما وجبت على غيرنا فإذا قابلنا أنفسنا بهم كان السقوط في حقنا توسعة وتخفيفًا، فحسن إطلاق الرخصة عليه باعتبار الصورة تجوزًا لا تحقيقًا، لأن السبب الموجب للحرمة مع الحكم معدوم أصلاً بالرفع والفسخ والإيجاب على غيرنا لا يكون تضييقا في حقنا، والرخصة فسحة في مقابل التضييق.

стр. 12084

أما النوع الرابع: فما سقط عن العباد مع كونه مشروعا في الجملة. أي في بعض المواضع سوى موضع الرخصة. فمن حيث إنه لم يبق في موضع الرخصة أصلاً كان من قسم المجاز. ومن حيث إنه بقي في موضع آخر ... أي بقي السبب والحكم مشروعًا في الجملة. أخذ شبهًا في الحقيقة فضعف وجه المجاز فكان دون القسم الثالث، ولكن جهة المجاز غالبة على شبه الحقيقة لأن جهة المجاز بالنظر إلى محل الرخصة – وشبه الحقيقة بالنظر إلى غير محلها فكان جهة المجاز أقوى. وبيان هذا النوع في فصول: منها السلم: روي أنه ﷺ نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان حيث قال: ((لا تبع ما ليس عندك)) (١) ورخص بالسلم. والسلم نوع بيع واشتراط العينية في المبيع المشروع قائم في الجملة ثم سقط هذا الشرط في السلم أصلاً حتى كانت العينية في المسلم فيه مفسدة للعقد لا مصححة، وكان سقوط هذا الشرط للتيسير على المحتاجين حتى يتوصلوا إلى مقاصدهم من الأثمان قبل إدراك غلاتهم، ويتوصل صاحب الدراهم إلى مقصوده من الربح فكانت رخصة من حيث إخراج السبب من أن يكون موجبًا اعتبارا العينية فيه مع بقاء هذا النوع من السبب موجبًا له في الجملة. وكذلك المسح على الخفين رخصة مشروعة لليسر، وكذلك المكره على شرب الخمر أو الميتة أو المضطر إليهما رخصة مجازًا لأن الحرمة ساقطة، حتى إذا صبر حتى مات صار آثما لأن حرمته ما ثبتت إلا صيانة لعقله ودينه عن فساد الخمر ونفسه عن الميتة فإذا خاف به فوات نفسه لم يستقم صيانة البعض بفوات الكل فسقط المحرم وكان إسقاطا لحرمته (٢) . ومن ذلك قصر الصلاة في السفر، إنه رخصة إسقاطًا لا يصح أداؤه من المسافر وإنما جعلناها إسقاطًا استدلالاً بدليل الرخصة ومعناها. أما الدليل: فما روي عن عمر ﵁ قال: أنقصر ونحن آمنون؟ فقال ﵊: ((إن هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) ، سماه صدقة والتصدق بما لا يحتمل التمليك إسقاط محض لا يحتمل الرد وإن كان المتصدق ممن لا يلزم طاعته كولي القصاص إذا عفا فممن تلزم طاعته أولى.

стр. 12085

وأما المعنى فوجهان: أحدهما: أن الرخصة لليسر وقد تعين اليسر في القصر بيقين فلا يبقى الإكمال إلا مؤنة محضة ليس فيها فضل ثواب، لأن الثواب في أداء ما عليه، فالقصر مؤنة السفر من الإكمال، كقصر الجمعة مع إكمال الظهر، فوجب القول بالسقوط أصلاً. الثاني: أن التخيير إذا لم يتضمن رفقًا كان ربوبية، وإنما للعباد اختيار الأرفق فإذا لم يتضمن رفقا كان ربوبية ولا شركة له فيها (١) . وجاء في المنثور في القواعد للزركشي: تنقسم الرخص إلى أقسام: أحدها – رخصة واجبة: كحل الميتة للمضطر، وقيل: لا يجب الأكل بل له الصبر حتى الموت. قال (الكيا الهراسي) الطبري في أحكام القرآن: الصحيح عندنا أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، كالإفطار في رمضان للمريض (أحكام القرآن ١ / ٧٤) وكذلك إساغه اللقمة بالخمر إن لم يجد غيرها. ومنه: استدامة لبس الخف إن لم يجد من الماء ما يكفيه، كما لو كان المحدث لابس خف بشرائطه ودخل وقت الصلاة ووجد من الماء ما يكفيه لو مسح على الخف، ولا يكفيه لو غسل رجليه فإنه يجب عليه المسح على الخف قطعًا – كما نقله صاحب البحر في باب التيمم – لأنه قادر على الطهارة من غير حذر.. ومنه التيمم لفقد الماء أو للخوف من استعماله إذا جعلناه رخصة، وهو ما أورده الإمام والرافعي. والثاني: أنه عزيمة وهو ما أورده البندنبجي. والثالث: التفصيل بين التيمم لعدم الماء فعزيمة، أو للمريض، أو بعد الماء عنه أو بيعه بأكثر من الثمن فرخصة وهو ما أورده الغزالي في المستصفى.. الثاني – رخصة فعلها أفضل: وقال النووي: مستحبة: كقصر الصلاة في السفر، والفطر لمن شق عليه الصوم. وعد بعضهم منه مسح الرأس في الوضوء أفضل في الغسل مع أنه رخصة. وعد النووي منه – في كتاب الأصول والضوابط – الإبراد بالظهر في شدة الحر.

стр. 12086

الثالث – رخصة تركها أفضل: كالمسح على الخف، والتيمم لمن وجد الماء يباح بأكثر من ثمن المثل وهو قادر عليه. والفطر لمن لم يتضرر بالصوم. وعد المتولي والغزالي من هذا – الجمع بين الصلاتين في السفر للخروج من الخلاف، فإن أبا حنيفة ﵀ يوجب القصر ولا يوجب الجمع إلا بعرفة والمزدلفة. قال الإمام الغزالي: وفرقوا بوجهين: أحدهما: أن في القصر خروجًا من الخلاف، وفي ترك الجمع خروجًا من الخلاف أيضًا. فإن أبا حنيفة وآخرين يوجبون القصر، ويبطلون الجمع. والثاني: أن الجمع يلزم منه إخلاء لوقت العبادة الأصلي عن العبادة - بخلاف القصر. قالوا: والأحاديث الواردة في الجمع ليست نصوصًا في الاستحباب بل فيها ما يجوز فعله، ولا يلزم منه الاستحباب. اهـ كيف ومتى يؤخذ بالرخص: لما كانت الرخصة إضافية لا أصلية، بمعنى أن كل أحد في الأخذ بها فقيه نفسه ما لم يجد فيها حدًّا شرعيًّا فيتوقف إذ ذاك عنده. بيانه: تقرر أن سبب الرخصة المشقة، هذا والمشاق تختلف بالقوة والضعف وبحسب الأحوال، وبحسب قوة العزائم وضعفها، كما تختلف بحسب الأزمان وبحسب الأعمال. مثلاً: إن سفر الإنسان راكبًا مسيرة يوم وليلة في رفقة مأمونة وأرض مأمونة، وعلى بطء وفي زمن الشتاء وقصر الأيام – ليس كالسفر على الضد من ذلك في الفطر والقصر.

стр. 12087

وليس للمشقة – المعتبرة في التحقيقات – ضابط مخصوص ولا حد محدود يطرد وفي جميع الناس، لذلك أقام الشرع في جملة منها السبب مقام العلة – فاعتبر السفر لأنه أقرب مظان وجود المشقة – وترك كل مكلف على ما يجد أي إن كان قصر أو أفطر في السفر. وترك كثيرًا منها موكولاً إلى الاجتهاد كالمرض، فكثير من الناس يقوى في مرضه على ما لا يقوى عليه الآخر – فتكون الرخصة مشروعة بالنسبة إلى أحد الرجلين دون الآخر. وبذلك يتحقق المبدأ بأن الرخص إضافية لا أصلية (١) . سؤال: هل الإباحة المنسوبة إلى الرخصة – هي من قبيل الإباحة بمعنى رفع الحرج، أم من قبيل الإباحة بمعني التخيير بين الفعل والترك. الجواب: الظاهر من نصوص الرخص، في الكتاب والسنة أن الإباحة بمعنى رفع الحرج، لا بالمعنى الآخر.. كما يظهر من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] نلاحظ أنه لم يذكر في ذلك بأن له الفعل والترك – إنما ذكر أن التناول في حال الاضطرار يرفع الإثم. وقال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٦] . فالتقدير: أن من أكره فلا غضب عليه، ولا عذاب يلحقه إن تكلم بكلمة الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، ولم يقل: فله أن ينطق، أو إن شاء فلينطق – وفي الحديث: أكذب امرأتي؟ قال: (( ((لاخير في الكذب)) )) . قال: أفأعدها وأقول لها؟ قال: لا جناح عليك. ولم يقل له نعم ولا افعل إن شئت. ويبتنى على ذلك: أن المترخص بالعذر يرفع عنه الإثم باختياره بانتقاله من العزيمة إلى الرخصة (٢) .

стр. 12088

الترخص المشروع الترخص المشروع ضربان: أحدهما: أن يكون في مقابلة مشقة لا صبر عليها (طبعًا أو شرعًا) . أما طبعًا: كالمرض الذي يعجز معه عن استيفاء أركان الصلاة على وجهها مثلا، أو عن الصوم لفوت النفس. وأما شرعًا: كالصوم المؤدي إلى عدم القدرة على الحضور في الصلاة أو على إتمام أركانها. الثاني: أن يكون الترخص في مقابلة مشقة بالمكلف قدرة على الصبر عليها وأمثلته ظاهرة: فأما الأول فهو راجع إلى حق الله تعالى والترخص فيه مطلوب ومن هنا جاء قوله ﷺ ((ليس من البر الصيام في السفر)) وكذلك النهي عن الصلاة بحضرة الطعام أو وهو يدافعه الأخبثان، قال ﷺ ((إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء)) أخرجه في التفسير عن الشيخين. وفي رواية أخرى عن الستة إلا النسائي ((إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء)) والرخصة هنا جارية مجرى العزائم (١) . وأما الثاني فراجع إلى حظوظ العباد لينالوا من رفق الله وتيسيره بحظ ولو لم يكن فيه مشقة كالجمع بعرفة والمزدلفة. هذا: وإن كل أمر شاق جعل الشارع فيه للمكلف مخرجًا، فقصد الشارع بذلك المخرج أن يتحراه المكلف إن شاء، كما جاء في الرخص شرعية المخرج من المشاق، فإذا توخى المكلف الخروج من ذلك على الوجه الذي شرع له كان متمثلاً لأمر الشارع، وإن لم يفعل خالف قصد الشارع وسد أبواب التيسير عليه. والشارع جاء بالشريعة لمصالح العباد، والمكلف في طلب التخفيف مأمور أن يطلبه من وجهه المشروع، ويكفيه في حصول التخفيف طلبه من وجهه والقصد إلى ذلك يمن وبركة، هذا وإن طالب المخرج من وجهه طالب لما ضمن له الشارع النجاح فيه، والرجوع إلى الوجه الذي وصفه الشارع رجوع إلى وجه حصول المصلحة والتخفيف على الكمال (٢) .

стр. 12089

تتبع الرخص إن هذه المسألة تتخرج على أصل واحد وهو: جواز الانتقال في آحاد المسائل والعمل فيها بخلاف مذهب إمامه الذي يقلد مذهبه. أي أخذه من كل مذهب ما هو الأهون عليه فيما يقع من المسائل ولا يمنع منه مانع شرعي، إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل، وذلك أن يأخذ بقول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، وما علمت من الشرع من ذمة عليه. ((لأنه ﷺ كان يحب ما خفف على أمته)) (١) . قلت: بل إن تتبع الرخص يتفرع على أصلين في مسائل الأصول وهما: (١) التلفيق بين المذاهب. (٢) هل يصح للعامي مذهب ولو تمذهب؟. أما قضية التلفيق بين المذاهب فقد أفردت بالبحث، لذلك ينبغي أن نقدم لمسألة تتبع الرخص بمبحث تحت عنوان: هل يجب الالتزام بمذهب معين أم لا؟ وهل يجوز للعامي أن يقلد غير إمامه أم لا؟ قال فقهاء الحنفية: قال ابن أمير حاج (٨٧٩) في التقرير على التحرير. قد انطوت القرون الفاضلة على عدم القول بوجوب الالتزام بمذهب معين، بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به، لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال ونظر بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابا في فروع ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأما من لم يتأهل لذلك البتة بل قال: أنا حنفي أو شافعي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد هذا القول. يوضحه: أن قائله يزعم أنه متبع لذلك الإمام، سالك طريقه في العلم والاستدلال؛ فأما مع جهله وبعده جدا عن سيرة الإمام وعمله بطريقته فكيف يصح الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة، والقول الفارغ من المعنى (٢) . وقال الإمام صلاح الدين العلائي: والذي صرح به الفقهاء مشهور في كتبهم: جواز الانتقال في آحاد المسائل والعمل فيها بخلاف مذهبه إذا لم يكن على وجه متبع الرخص (٣) .

стр. 12090

مذهب الحنابلة هل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء؟ إن كان العامي منتسبًا إلى مذهب معين انبنى على أن العامي هل له مذهب؟ فيه وجهان: حكاهما أبو الحسين: أحدهما: لا، فله أن يستفتي من شاء من أهل المذاهب. والثاني: وهو أصح عند القفال والمروزي – له مذهب فلا يجوز له إن كان شافعيًا أن يستفتي حنفيًا، ولا يخالف إمامه. قال أبو عمر: إن المفتي المنتسب لا يجوز له مخالفة إمامه، وإن لم يكن قد انتسب إلى مذهب معين – انبنى على أنه هل يلزمه التمذهب بمذهب معين؟ فيه وجهان ذكرهما ابن برهان. - أحدهما: لا يلزمه ذلك. - والثاني: يلزمه ذلك. ذهب بعض علماء الحنابلة وبعض الشافعية إلى أن العامي إذا انتحل مذهبًا لا يجوز له الانتقال عنه في سائر الأشياء. والذي عليه الجمهور (منا أي فقهاء الحنابلة) ومن سائر العلماء أن العامة أي الأقاويل أخذوا فلا حرج في ذلك.

стр. 12091

الشافعية ومن قلد إماما من الأئمة ثم أراد تقليد غيره فهل له ذلك؟ فيه خلاف، والمختار التفصيل. فإن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه مما ينقض فيه الحكم فليس له الانتقال إلى حكم يجب نقضه، فإنه لم يجب نقضه إلا لبطلانه. فإن كان المأخذان متقاربين جاز التقليد والانتقال، لأن الناس لم يزالوا من زمن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب الأربعة يقلدون من اتفق من العلماء من غير نكير من أحد يعتبر إنكاره، ولو كان ذلك باطلاً لأنكروه. وكذلك لا يجب تقليد الأفضل وإن كان هو الأولى، لأنه لو وجب تقليده لما قلد الناس الفاضل والمفضول في زمن الصحابة والتابعين من غير نكير، بل كانوا مسترسلين في تقليد الفاضل والأفضل، ولم يكن الأفضل يدعو الكل إلى تقليد نفسه، ولا المفضول يمنع من سأله عن وجود الفاضل، وهذا مما لا يرتاب فيه عاقل (١) . ونقل الشيخ عليش عن العز بن عبد السلام قال: وللعامي أن يعمل برخص المذاهب، وإنكار ذلك جهل ممن أنكره. لأن الأخذ بالرخص محبوب، ودين الله يسر، وما جعل عليكم في الدين من حرج (٢) . وقال العز بن عبد السلام في فتاويه: لا يتعين على العامي إذا قلد إمامًا في مسألة أن يقلده في سائر مسائل الخلاف، لأن الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون فيما يسنح لهم العلماء المختلفين من غير نكير سواء تتبع الرخص في ذلك أو العزائم ... وأما ما حكاه بعضهم عن ابن حزم من حكايته الإجماع على منع تتبع الرخص من المذاهب فلعله محمول على تتبعها من غير تقليد لمن قال بها، أو على الرخص المركبة في الفعل الواحد، نقله عن السيد السمهودي. فيؤخذ من مجموع ما ذكرناه: جواز التقليد وجواز تتبع الرخص، لا على الإطلاق بل لابد من مراعاة ما اعتبره المجتهد في المسألة التي وقع التقليد فيها بما يتوقف على صحتها كي لا يقع في حكم مركب من اجتهادين، كما إذا توضأ ومسح بعض الرأس على مذهب الشافعي ثم صلى بعد لمس مجرد عن الشهوة عند مالك على عدم النقض – وهذا عمل من منع التلفيق في التقليد. فإن معناها التلفيق في أجزاء الحكم لا في جزئيات المسائل فإنه جائز (٣) .

стр. 12092

قال الإمام النووي في المجموع: مسألة: هل يجوز للعامي أن يتخير ويقلد أي مذهب شاء؟ قال القاضي حسين في العامي المنتسب إلى مذهب هل له مذهب أم لا؟ في المسألة قولان: أحدهما: لا مذهب له، لأن المذهب لعارف الأدلة؛ فعلى هذا: له أن يستفتي من شاء من حنفي وشافعي وغيرهما. والثاني: وهو الأصح عند القفال: له مذهب فلا يجوز له مخالفته.. وهنا سؤال طرحه العلماء وأجابوا عليه: في أن العامي هل يلزمه أن يمتذهب بمذهب معين يأخذ برخصه وعزائمه؟ قولان للعلماء: أحدهما: لا يلزمه كما لم يلزمه في العصر الأول أن يخص بتقليده علما يعينه. فعلى هذا: هل له أن يستفتي من شاء؟ أم يجب عليه البحث عن أشد المذاهب وأصحها أصلاً ليقلد أهله؟ فيه وجهان.. الثاني: يلزم العامي أن يمتذهب معين وبه قطع أبو الحسن الكيا (الهراسي) وهذا الحكم جار أيضا في كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء ... وجه هذا القول: أنه لو جاز اتباع أي مذهب شاء لأفضى إلى أن يلتقط رخص المذاهب متبعا هواه، ويتخير بين التحليل والتحريم والوجوب والجواز. ثم أشار إلى المحظور المترتب على ذلك بقوله: وذلك يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف ...

стр. 12093

ثم سارع إلى بيان الفرق بين عصر المؤلف وعصر الصحابة والتابعين حيث لا تمذهب إذ ذاك بقوله: بخلاف العصر الأول، فإنه لم تكن المذاهب وافية بأحكام الحوادث مهذبة.. وعرفت (١) . وقال السيوطي: الأصح جواز الانتقال مطلقا فيما عمل به وفيما لم يعمل به. كذا صححه الرافعي لكن بشرط عدم تتبع الرخص. فمقلد الشافعي إذا غسل نجاسة الكلب على مذهبه وأراد بعد ذلك أن ينتقل ويقلد غيره فيها فله ذلك، لكن بشرط مراعاة ذلك المذهب في جميع شروط الطهارة والصلاة من مسح كل الرأس أو الربع، والدلك ومراعاة الترتيب في قضاء الصلوات، فإن أخل بشيء من ذلك كانت صلاته باطلة باتفاق المذهب (٢) . الجواب: إن هذا الاعتراض مندفع لعدم اتحاد المسألة، لأن الإجماع على نفي القول الثالث إنما يكون إذا اتحدت المسألة حقيقة أو حكمًا، ولأنه لو تم لزم استفتاء مفت بعينه وإلا احتمل الوقوع فيما ذكر، هذا والله أعلم بحقيقة الحال (٣) . المالكية وقيد القرافي المالكي في شرح المحصول: جواز تقليد العامي غير إمامه، بأن لا يترتب على تقليده ما يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه، والإمام الذي انتقل إليه. صورته: من قلد الشافعي في عدم فرضية دلك الأعضاء المغسولة في الوضوء والغسل – وقلد مالكا في عدم نقض اللمس بلا شهوة – فتوضأ ولمس بلا شهوة وصلى. الحكم: إن كان الوضوء بدلك صحت صلاته عند مالك. وإن كان الوضوء بلا دلك بطلت صلاته عند كل من مالك والشافعي (٤) .

стр. 12094

القائلون بجواز تتبع الرخص قال الكمال بن الهمام: لا يمنع مانع شرعي من جواز اتباع المقلد رخص المذاهب، بأن يأخذ من كل منها ما هو الأهون عليه فيما يقع من المسائل، إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان إليه سبيل بأن لم يكن عمل بآخر فيه. والغالب أن مثل هذه الإلزامات من الفقهاء لكف الناس عن تتبع الرخص وإلا أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد قوله أخف عليه. وقال ابن أمير حاج معلقا: وأنا لا أدري ما يمنع هذا من العقل والسمع وكون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد – ما علمت من الشرع ذمه عليه. واستدل ابن الهمام بقوله: ((كان ﷺ يحب ما خفف عليهم – أي عن أمته.)) مقالة ابن عبد البر والرد عليها: قال ابن أمير حاج: قلت لكن ما عند ابن عبد البر: من أنه لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا – إن صح احتاج إلى جواب. ويمكن أن يقال: لا نسلم صحة دعوى الإجماع. نقول ... لماذا؟ بل ما يترتب على صحتها.. يجب: إذ في تفسيق المتتبع للرخص عند الإمام أحمد روايتان. قلت: ولا يخفى أن دعوى الإجماع بعد مقالة الإمام أحمد لا تصح.. وهنا يورد ابن أمير حاج: أن القاضي أبا يعلى حمل الرواية المفسقة على غير متأول. وذكر بعض الحنابلة: إن كان قوي الدليل، أو كان عاميا لا يفسق. ثم استدل ابن أمير حاج بما ورد عن الإمام النووي الشافعي في الروضة قال: وفي روضة النووي (الشافعي) وأصلها – أي تلك الرواية – عن حكاية الحناطي وغيره عن أبن أبي هريرة: أنه – أي متتبع الرخص – لا يفسق به.

стр. 12095

ثم لعله محمول على ما يجتمع له من ذلك ما لم يقل بمجموعه مجتهد. ثم قال الكمال بن الهمام: قيد جواز تقليد غير إمامه متأخر – وهو العلامة القرافي المالكي – بأن لا يترتب على تقليد غيره ما يجتمع على بطلانه كلا الإمامين. وصورته: من قلد الشافعي في عدم فرضية الدلك للأعضاء المغسولة في الوضوء بالغسل وقلد مالكًا في عدم نقض اللمس بلا شهوة للوضوء فتوضأ ولمس بلا شهوة وصلى: إن كان الوضوء بدلك صحت صلاته عند مالك. وإن كان الوضوء بلا دلك بطلت عند كل من الإمام مالك والشافعي. ثم خرج ابن باد شاه على هذه المسألة صورة مسألة أخرى قال: جاء في غير ما كتاب من الكتب المذهبية المعتبرة: إن المستفتي إن أمضى قول المفتي لزمه وإلا فلا، حتى قالوا: إذا لم يكن الرجل فقيهًا فاستفتى فقيهًا فأفتاه بحلال أو حرام ولم يعزم على ذلك حتى أفتاه فقيه آخر بخلافه فأخذ بقوله وأمضاه، لم يجز له أن يترك ما أمضاه فيه ويرجع إلى ما أفتاه به الأول؛ لأنه لا يجوز له نقض ما أمضاه مجتهدًا كان أو مقلدًا. وجه هذا القول: لأن المقلد متعبد بالتقليد. كما أن المجتهد متعبد بالاجتهاد. ثم كما لم يجز للمجتهد نقض ما أمضاه، فكذا لا يجوز للمقلد. لأن اتصال الإمضاء بمنزلة اتصال القضاء يمنع النقض فكذا اتصال الإمضاء (١) . وقال صاحب مسلم الثبوت في تتبع الرخص الممنوع (٢) : إنما يحظر تتبع الرخص للتلهي. مثاله: عمل حنفي بالشطرنج على رأي الشافعي – قصد اللهو. كشافعي شرب المثلث للتلهي به. ولعل هذا حرام بالإجماع، لأن التلهي حرام بالنصوص القاطعة. وعليه: اختلف العلماء في حكم تتبع الرخص: قال أبو إسحاق المروزي: يفسق. وقال ابن أبي هريرة: لا يفسق. قال الإمام أحمد بن حنبل: لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا.

стр. 12096

وخص القاضي من الحنابلة التفسيق بالمجتهد إذ لم يؤد اجتهاده إلى الرخصة واتبعها العامي العالم بها من غير تقليد لإخلاله بفرضه وهو التقليد. فأما العامي إذا قلد في ذلك فلا يفسق؛ لأنه قلد من سوغ اجتهاده. وقال ابن عبد السلام: ينظر إلى الفعل الذي فعله، فإن كان مما اشتهر تحريمه في الشرع أثم وإلا لا يأثم. وفي السنن للبيهقي عن الأوزاعي: من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام. وروي عنه أنه قال: يترك من قول أهل مكة المتعة والصرف، ومن قول أهل المدينة السماع وإتيان النساء في أدبارهن، ومن قول أهل الشام الحرب والطاعة، ومن قول أهل الكوفه النبيذ (١) . المانعون من تتبع الرخص لعل الإمام الشاطبي هو حامل لواء المنع مطلقًا ... وبسط القول في الموافقات شارحًا وجهة نظره ومستدلاً لها ومدافعًا عنها؛ حتى يخيل للقارئ أن الأبواب والنوافذ قد أوصدت جميعًا في وجه الترخيص والقائلين به. ولا غرو فقد انفرد دون سائر الأصوليين والفقهاء في بسط القول واستقصاء الأدلة وضرب الأمثلة؛ كيف لا والقسم الأكبر من كتابه الموافقات قد بناه على هذه المسألة. ويبدو واضحًا أنه في عرضه ذلك تراه مدافعًا عن الشريعة الإسلامية بالشريعة الإسلامية.. وكأني به لاحظ شطر القضية ألا وهي الشريعة.. وبقي أن نلاحظ الشطر الثاني ألا وهو المكلف بالشريعة. فيا ترى ونحن نوصد الباب في وجه تتبع الرخص بقطع النظر عن أحوال المكلفين.. كأننا قد واجهنا أيضا نصًا شرعيًا ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وما دام الأمر منوطًا بالمجتهدين قبولاً وردًا.. استدلالاً ومناقشة.. فلنتوجه إليهم لنقف على أقوالهم في المسألة.. ولنبدأ بالإمام الشاطبي حيث يقول: ١- متى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار وهذا مناقض لقصد الشريعة.

стр. 12097

فلا يصح القول بالتخيير على حال، فاختيار أحد المذهبين بالهوى والشهوة مضاد للرجوع إلى الله تعالى ورسوله ﷺ وذلك يفضي إلى تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل شرعي، وقد حكى ابن حزم الإجماع على أن ذلك فسق لا يحل، وأيضا فإنه مؤد إلى إسقاط التكليف في كل مسألة مختلف فيها. وجه هذا القول: لأن حاصل الأمر مع القول بالتخيير – أن للمكلف أن يفعل إن شاء ويترك إن شاء، وهو عين إسقاط التكليف. بخلاف ما إذا تقيد بالترجيح فإنه متبع للدليل فلا يكون متبعا للهوى ولا مسقطًا للتكليف (١) . - إن الفقيه لا يحل له أن يتخير بعض الأقوال بمجرد التشهي والأغراض من غير اجتهاد، ولا أن يفتي به أحدًا. - والمقلد في اختلاف الأقوال عليه مثل هذا المفتي الذي ذكر. إن المتخير بالقولين بمجرد موافقة الفرض: إما أن يكون حاكمًا به، أو مفتيًا، أو مقلدًا عاملاً بما أفتاه به المفتي. ١- أما الحاكم المتخير بين القولين: لا يصح له ذلك على الإطلاق. وجه هذا القول: لأن الحاكم إن كان متخيرًا بلا دليل لم يكن أحد الخصمين بالحكم له أولى من الآخر. إذ لا مرجع عنده بالغرض إلا للتشهي، فلا يمكن إنفاذ حكم على أحدهما إلا مع الحيف على الآخر. ٢- وأما المفتي: إذا أفتى بالقولين معًا على التخيير فقد أفتى في النازلة بالإباحة وإطلاق العنان له أن يعمل بأحدهما وهذا قول ثالث غير نفس القولين الدائرين بين النفي من قائل: والإثبات من القائل الآخر، وهذا لا يجوز له.

стр. 12098

ثانيًا: أن المفتي أقام المستفتي مقام الحاكم على نفسه، إلا أنه لا يلزمه المفتي ما أفتاه به، فكما لا يجوز للحاكم التخيير كذلك هذا. أما إن كان المتخير عاميًا: فبتخييره بين القولين قد استند بفتوى نفسه حيث تتبع الرخص إلى شهوته وهواه، واتباع الهوى عين مخالفة الشرع. وجه هذا القول: لأن العامي إنما حكم العالم على نفسه ليخرج عن اتباع هواه، ولهذا بعثت الرسل وأنزلت الكتب، فإذا عرض العامي نازلته على المفتي فهو قائل له: أخرجني عن هواي ودلني على اتباع الحق – فلا يمكن والحال هذه أن يقول له: في مسألتك قولان فاختر لشهوتك أيهما شئت، فإن معنى هذا تحكم الهوى دون الشرع، وتسليط المفتي العامي على تحكيم الهوى – بعد أن طلب منه إخراجه عن هواه – رمي في عماية وجهل بالشريعة، وغش في النصيحة، وهذا المعنى جار في الحاكم وغيره (١) . وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي ثابتًا من أصول الشريعة؛ بل تتبع الرخص ميل مع أهواء النفوس، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى ومضاد لقوله تعالى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] فلا يصح أن يرد إلى أهواء النفوس، وإنما يرد إلى الشريعة وهي تبين الراجح من القولين فيجب اتباعه. ومن المفاسد في اتباع رخص المذاهب: - الانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] إلى اتباع الخلاف. - الاستهانة بالدين: إذ يصير بهذا الاعتبار سيالاً لا ينضبط فلا يحجز النفوس عن هواها ولا يقفها عند حد. - ترك ما هو معلوم إلى ما ليس بمعلوم. - احترام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى أمر معروف. - إفضاؤه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم. يؤدي إلى إيجاب إسقاط التكليف جملة، فإن التكاليف كلها شاقة ثقيلة ولذلك سميت تكليفًا من الكلفة وهي المشقة. فإذا كانت المشقة حيث لحقت في التكليف تقتضي الرفع بهذه الدلائل لزم ذلك في الطهارات والصلوات والزكوات والحج والجهاد وغير ذلك، ولا يقف عند حد إلا إذا لم يبق على العبد تكليف، وهذا محال (٢) . الشيخ خليل محيي الدين الميس

стр. 12099

وخلاصة القول ما قاله العز بن عبد السلام: إن الأولى التزام الأشد والأحوط له في دينه، أي من كل مذهب (١) . وكذا في الإفصاح لابن هبيرة. واتفق العلماء على الاستحباب للخروج من الخلاف. وإن كان بين التحريم والجواز فالاجتناب أفضل. وإن كان في الإيجاب والاستحباب فالفعل أفضل. وإن كان في المشروعية وعدمها فالفعل أفضل. كقراءة البسملة في الفاتحة، فإنها مكروهة عند الإمام مالك، واجبة عند الشافعي، سنة عند أبي حنيفة وأحمد ﵄: وعند الإمام مالك ﵁، السنة تركها. ففي مثل هذا: " الأولى اتباع الأكثر. وعلى هذا أرى ما استمر من الخلفاء الراشدين من ترك الجهر بها في الجوامع، مع أن الخطباء قد يكون منهم من يعتقد مذهب الشافعي، إلا أنهم استمروا على الإسرار بها كما ذكر، وهو المانع من الجهر، لأني مع الأكثر فلولا ذلك لجهرت ". انتهى كلام ابن هبيرة (٢) .

стр. 12100

الرخصة (التلفيق) إعداد الشيخ خليل محيي الدين الميس مفتي البقاع ومدير أزهر لبنان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (التلفيق) جاء في تعريف التلفيق: بأنه الإتيان بكيفية لا يقول فيها مجتهد. بيانه: بأن يلفق في قضية واحدة بين قولين أو أكثر يتولد منهما حقيقة مركبة لا يقول فيها أحد، سواء الإمام الذي كان على مذهبه أو الإمام الذي انتقل إليه، فكل واحد منهم يقر ببطلان تلك الحقيقة الملفقة في العبادة. قلت باستقراء المسائل التي عرض فيها الأصوليون والفقهاء لصور مسألة التلفيق أمكن حصرها في الصور التالية: أولًا: التقليد بعد الفعل. ويقصدون بهذه العبارة: إذا عمل العامي بقول مجتهد في حادثة، هل الرجوع عنه أو لا؟ أو بعبارة أخرى: إذا قلد العامي إمامًا من الأئمة ثم أراد تقليد غيره فهل له ذلك؟. ثانيًا: إذا تعدد المجتهدون وتفاضلوا هل يجب على العامي تقليد الأفضل أو المفضول؟ ثالثًا: هنالك مسألة أصولية مفادها: إذا اختلف الفقهاء في مسألة على قولين هل يجوز إحداث قول ثالث؟ رابعًا: التلفيق الذي يترتب عليه نقض حكم الحاكم هل يجوز أم لا؟ خامسًا: جواز الانتقال في آحاد المسائل والعمل فيها بخلاف مذهب إمامه (١) . بعد هذا كله هل مبدأ التلفيق يقول به العلماء؟ وما هي الصور التي يجوزون فيها التلفيق – إن إجازوه – ومتى يمتنع التلفيق مطلقا؟ وهنا تختلف أقوال الفقهاء والأصوليين: فمن حيث المبدأ.. ترى الفقهاء الذين لا يقرون التقليد لا في الأصول ولا في الفروع أسقطوا هذه المسألة من حسابهم جملة وتفصيلاً.. كالشوكاني ومن سار على نهجه، لأن التلفيق ضرب من التقليد المذهبي، وهذا ما نراه واضحا في غير مصنف لهم، ومن ذلك على سبيل المثال في (إرشاد الفحول) (والقول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد) كما لا نرى لهذه المسألة ذكرًا في كتب الظاهرية. (وأما القائلون بجواز التقليد هم الذين أوردوا هذه المسألة في كتبهم.. وبخاصة كتب أصول الفقه بمناسبة بحث (الاجتهاد أو المفتي والمستفتي) .

стр. 12101

ولذلك يمكن إجمال أقوالهم في المسألة على الوجه التالي: - أكثر المتأخرين اشترطوا لصحة التقليد عدم التلفيق. - وأجازه قوم مطلقًا. - وقيد بعضهم بشرط عدم تتبع الرخص المفضية إلى الانحلال والفجور. وهنا يصل بنا الكلام أن موقف المجتهدين من التقليد الذي يبتني عليه التلفيق فنقول: الاجتهاد على قسمين: اجتهاد مطلق، واجتهاد مقيد. - أما أهل الاجتهاد المطلق: فلا يجوز لهم تقليد غيرهم مطلقًا، وإنما الواجب عليهم العمل باجتهادهم (١) . - أما أهل الاجتهاد المقيد: فيجب عليهم تقليد أهل الاجتهاد المطلق في أصول مذاهبهم فقط دون الفروع. - أما غير المجتهدين: فهم عامة الناس، فلا يجب عليهم التزام العمل بمذهب معين من المذاهب الأربعة على القول الراجح. إنما مذهبه مذهب مفتيه فأي فقيه أفتاه جاز له العمل بقوله (٢) . لمحة تاريخية لم يكن التلفيق بهذا الوصف معهودًا عند السلف ليقرروا أحكامه، كما أن الأئمة وأصحابهم لم يدرجوه في مدوناتهم وأمهات كتبهم. وإنما هو من مخترعات الخلف ومحدثاتهم، ولا يبعد أن يكون حدوث هذا البحث في القرن الخامس حيث اشتد التعصب المذهبي. قال ابن أمير حاج: انطوت القرون الفاضلة على عدم التمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده في دينه في كل ما يأتي ويذر دون غيره، حتى قال ابن حزم: أجمعوا أنه لا يحل لحاكم ولا مفت تقليد رجل فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله؛ بل لا يصح للعامي مذهب ولو تمذهب به؛ لأن المذهب إنما يكون لمن له نوع نظر واستدلال وبصر بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتابا في فروع ذلك المذهب وعرف ذلك المذهب وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال أنا حنفي أو شافعي أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول.

стр. 12102

يوضحه: أن قائله يزعم أنه متبع لذلك الإمام سالك طريقه في العلم والمعرفة والاستدلال.. فأما مع جهله وبعده جدًا عن سيرة الإمام وعلمه بطريقته فكيف يصح الانتساب إليه إلا بالدعوى المجردة والقول الفارغ من المعنى؟! (١) والحال ليس ما سموه بالتلفيق إلا عين التقليد من كل الوجوه، لذلك كان لابد لكل من أجاز التقليد أن يجيز التلفيق. والصحابة رضوان الله عليهم مع اجتهادهم وتخالفهم في الأحكام كان يصلي بعضهم خلف بعض مع حكم المؤتم منهم – حسب اجتهاده بعدم صحة صلاة إمامه واشتراطه صحة صلاة المأموم بصحة صلاة الإمام. وهذا مجتهد يصلي خلف مجتهد.. وجريًا على منهج العلماء في تصنيف المجتهدين.. يعتبر كل صحابي مجتهدًا مطلقًا، كما يوصف كل من الأئمة الأربعة ومن في مرتبتهم بأنه مجتهد مطلق.. وإذا كان كذلك.. فقد قلد المجتهد المجتهد فيما يرى خلافه. وهل يتوهم مسلم أن أبا حنيفة كان يمتنع أن يأتم بالإمام مالك، بل كانوا أجل قدرًا من أن يخطر لهم هذا التعصب على بال (٢) . وهذا أبو حنيفة ومثاله رحمهم الله تعالى كانوا أفضل من أن يعتقدوا في أنفسهم الأفضلية على أبي بكر وعمر ﵄ ومع ذلك خالفوهما في كثير من الأحكام الاجتهادية. وفقهاء كل مذهب من المذاهب لم يزالوا يجوزون الأخذ تارة بقول الإمام وتارة بقول أحد أصحابه مع أن ذلك هو عين التلفيق. ثم ما زال عوام كل عصر يقلد أحدهم لهذا المجتهد في مسألة، وللآخر في أخرى ولثالث في ثالثة وكذلك إلى ما لا يحصى. ولم ينقل إنكار ذلك عليهم ولم يؤمروا بتحري الأعلم والأفضل في نظرهم. وقال الكمال بن الهمام: يجوز لكل أحد من العامة أن يعمل في عبادة أو معاملة مع أي مذهب شاء، لكن بعد استيفاء جميع الشروط التي يشترطها ذلك المذهب، وإلا كان عمله باطلًا. والعامي لا عبرة لما يقع في قلبه من صواب الحكم وخطئه، ويخرج على هذا الأصل إذا استفتى مجتهدين فاختلفا عليه فالأولى أن يأخذ بما يميل إليه قلبه منهما. وقال: وعندي – لو أخذ بقول الذي لا يميل إليه قلبه جاز لأن ميله وعدمه سواء.

стр. 12103

وأضاف: إن مثل هذه إلزامات من الفقهاء لكف الناس عن تتبع الرخص، وإلا أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد قوله أخف عليه. وأنا لا أدري ما يمنع هذا من النقل أو العقل، وكون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، ما علمت من الشرع الذم عليه، ((وكان ﷺ يحب ما خفف عن أمته)) (١) . وقال الشرنبلالي في صحة جواز التلفيق (٢) : يجوز التقليد من غير تقييد بالعذر مجانبا للتلفيق. صورة المسألة: يصح تقليد الإمام مالك ﵁ في عدم النقض للوضوء بما يسيل من الدم والقيح؛ سواء كان من المخرج أو غيره، وسواء كان التقليد بعد العمل بما يخالفه من مذهب أبي حنيفة، أو كان قبل العمل به. لكن شرط لصحة ذلك: أن يأتي المقلد بما هو مسنون أو مستحب عند الإمام أبي حنيفة وهو شرط عند مالك: كأن يتوضأ ناويًا، مرتبًا، مواليًا غسله، مدلكًا جسده. بذلك صدر رسالته الفقهية (العقد الفريد) ثم أورد اعتراضا مفاده: فإن قلت: كيف هذا مع قول العلامة – الشيخ الكمال بن الهمام في تحريره: سأله: لا يرجع فيما قلد فيه – أي عمل فيه اتفاقا (٣) . أجاب: قلت: لا يمنع ذلك ما قلته من صحة التقليد، بمجمل المنع على خصوص الجنس وهذه المسألة ذكرها الآمدي وابن الحاجب وتبعه صاحب جمع الجوامع.. ثم استقصى الأقوال والأدلة مما سنعرض له في حينه إن شاء الله تعالى. ولكن هل يجوز التلفيق عند القائلين به على الإطلاق أم لهم شروط..؟ القائلون بجواز التلفيق قالوا: إن لصحة تقليد المذهب المخالف شروطًا: الأول: ما ذكره ابن الهمام في تحريره: أنه إن عمل المقلد بحكم من أحكام مذهبه الذي تقلده لا يرجع عنه ويقلد مذهبًا أخر، وفي غير ما عمل به له أن يقلد غيره من المجتهدين (٤) . الثاني: ما نقله ابن الهمام عن القرافي واعتمد عليه في تحريره: أن لا يترتب على تقليد من قلده أولاً ما يجتمع على بطلان كلا المذهبين (٥) . وصورته: أن من قلد الشافعي رحمه الله تعالى في عدم فرضية الدلك للأعضاء المغسولة في الوضوء والغسل، وقلد مالكًا في عدم نقض اللمس بلا شهوة للوضوء، فتوضأ ولمس بلا شهوة وصلى؛ إن كان الوضوء بدلك صحت صلاته عند مالك رحمه الله تعالى. وإن كان بلا دلك بطلت عندهما (مالك والشافعي) (٦) .

стр. 12104

الثالث: أن لا يتبع الرخص ويلتقطها. وهذا الشرط اعتبره الإمام النووي وغيره. لكن ابن الهمام لم يعتبره ولم يلتفت إليه. وبعضهم شرط: أن يكون ما قلده مخالفًا للكتاب والسنة وإن قال به مجتهد. وأضاف بعضهم: أن لا يجتمع من تقليده حالة مركبة ممتنعه الإجماع، أي ما يجتمع على بطلانه كلا المذهبين، وهذا ما قاله جمهور الفقهاء. مثاله: كمن صلى بخروج الدم من غير السبيلين تقليدا للإمام الشافعي والمقلد حنفي المذهب ولم يزل النجاسة القليلة عن بدنه أو ثوبه بناءً على مذهبه، فصلاته باطلة اتفاقًا. أما على مذهبه فلخروج النجاسة من البدن، وأما على مذهب من قلده، فقليل النجاسة مانعة عند الشافعي ﵀ (١) . هذا وإن المبتلى ديان نفسه وحكمها وأعلم بها من غيره، لهذا كثيرًا ما يفوض العلماء المسائل إلى رأي المبتلى. والمستفتي إذا كان من أرباب العزائم وتحمل المشاق والتفرع للعبادات يفتى بالأحوط أخذًا بالورع والكمال ما لم تحق به نازلة تقتضي التخفيف، فإنه حينئذ يفتى بالأخف عليه من كل مذهب خشية العجز عن أداء التكليف فيما إذا شدد عليه بالمنع من التلفيق. ثم إن كل طبقة من طبقات العوام المتفاوتة تفتى بما يناسبها تشديدًا أو تخفيفًا وفاقًا لمقتضى اتساع الشريعة وحكمتها، وأجرد الناس بالتسامح الضعفاء بدنًا كالمصابين بالعلل، ويلحق بهم أرباب الأعمال الشاقة ومن على شاكلتهم ... قال العيني في شرح البخاري في حديث ((يسروا ولا تعسروا)) ما نصه: وكذلك من قارب البلوغ من الصبيان، ومن بلغ وتاب من المعاصي، يتلطف بجميعهم بأنواع الطاعة قليلاً قليلاً، كما كانت أمور الناس على التدريج في التكليف شيئًا بعد شيء؛ لأنه متى يسر على الداخل في الطاعة المريد للدخول فيها سهلت عليه وتزايد فيها غالبًا، ومتى عسر عليه أوشك أن لا يدخل فيها، وإن دخل أوشك أن لا يدوم أو يستحملها (٢) .

стр. 12105

هذا وفي المحظورات لا يسوغ للعلماء التلفيق بها سواء كان بالنسبة لهم، أو من يستفتيهم إلا في مواطن الضرورة، إذ الضرورات تبيح المحظورات، لكن ما أبيح للضرورة يتقدر بقدرها.. وإنما لم يسغ التلفيق في المحظورات لكونها على الورع لحديث ابن مسعود (ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام الحلال) (١) وقد بنى الفقهاء عليه قاعدتين: الأولى: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام الحلال. والثانية: إذا اجتمع المحرم والمبيح غلب المحرم. أما المحظورات العائدة إلى حقوق العباد: فمبناها صيانة الحق ومنع الإيذاء لذلك لا محل فيها للتلفيق بها لأنه ضرب من الاحتيال للعدوان على الحق، وتطرق إلى إيذاء العباد، وذلك للحديث ((لا ضرر ولا ضرار)) وحديث ((كل مسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) . أما في المناكحات والمفارقات: فالأصل في الأبضاع التحريم صيانة للفروج والأنساب، لذلك لا يسوغ أن يتخذ التلفيق ذريعة لتلاعب الناس بأقضية النكاح والطلاق؛ وقد مر بعض وجوه المنع في هذا الباب. وأما أحكام المعاملات وأداء الأموال وإنزال العقوبات وغير ذلك من التكاليف: ينبغي الرجوع فيه إلى أصول الشرعية وقواعدها العامة في استنباط أحكامها.. فيؤخذ من كل مذهب ما هو أقرب إلى مصلحة العباد وسعادتهم ولو لزم من ذلك التلفيق لما فيه من السعي وراء تأييد المصلحة التي يقصدها الشارع وهي كما قال غير واحد من العلماء خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم. فكل ما يضمن صيانة هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يضيعها فهو مفسدة ودفعه مصلحة.

стр. 12106

الضابط في جواز التلفيق ونخلص إلى القول بأن ضابط جواز التلفيق وعدم جوازه هو: أن كل ما أفضى إلى تقويض دعائم الشريعة والقضاء على سياساتها وحكمتها فهو محظور. وأما إذا كان التلفيق يؤيد دعائم الشريعة وما ترمي إليه حكمتها وسياساتها الكفيلتان بسعادة الدارين تيسيرًا عليهم في العبادات وصيانة لمصالحهم في المعاملات فهو مطلوب (١) . قال يحيى الزناتي والروياني: " يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال من مذهب إلى مذهب بثلاثة شروط: ١- أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع. مثاله: من تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود. فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد. ٢- أن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه ولا يقلد أميًا في عماية. ٣- أن لا يتتبع رخص المذاهب. ثم قال: والمذاهب كلها مسالك إلى الجنة، وطرق إلى الخيرات فمن سلك منها طريقا وصله " (٢) . ثم عقب على ذلك بقول غيره (الزناتي) : يجوز تقليد المذاهب في النوازل والانتقال إليها في كل ما لا ينقض فيه حكم الحاكم وهو أربعة: ما خالف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي. فإن أراد – ﵀ – بالرخص هذه الأربعة فهو حسن متعين، فإن ما لا نقره مع تأكده بحكم الحاكم فأولى أن لا نقره قبل ذلك ... (٣) . وإن أراد بالرخص: ما فيه سهولة على المكلف كيفما كان، يلزمه أن يكون من قلد مالكًا في المياه والأرواث، وترك الألفاظ في العقود – مخالفًا لتقوى الله تعالى وليس كذلك. قال الإسنوي: وتعقب الأول: بأن الجمع المذكور ليس بضائر. فإن مالكًا لم يقل: من قلد الشافعي في عدم الصداق أن نكاحه باطل، وإلا لزم أن تكون أنكحة الشافعي عنده باطلة. ولم يقل الشافعي: إن من قلد مالكًا في عدم الشهود أن نكاحه باطل، وإلا لزم أن تكون أنكحة المالكية بلا شهود باطلة.

стр. 12107

قال الإسنوي: لكن في هذا التوجيه نظر غير خاف. ووافق ابن دقيق العيد الروياني على اشتراط أن لا يجتمع في صورة يقع الإجماع على بطلانها، وأبدل الشرط الثالث، بأن لا يكون ما قلده فيه ممما ينقض فيه الحكم لو وقع. واقتصر الشيخ عز الدين بن عبد السلام على اشتراطه قال: وإن كان المأخذان متقاربين جاز. والشرط الثاني: انشراح صدره للتقليد المذكور وعدم اعتقاده لكونه متلاعبًا بالدين متساهلاً فيه. دليل هذا الشرط: قوله ﷺ ((والإثم ما حاك في الصدر)) فهذا التصريح بأن ما حاك في النفس ففعله إثم، اهـ. قال الإسنوي: أما عدم اعتقاد كونه متلاعبًا بالدين متساهلاً فيه فلا بد منه. وأما انشراح صدره للتقليد فليس على إطلاقه، كما أن الحديث كذلك أيضا وهو بلفظ (والاثم ماحاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس) في صحيح مسلم، وفي مسند أحمد بلفظ (والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك) (١) . قال الحافظ المتقن ابن رجب في الكلام على هذا الحديث مشيرًا للأول: إنه إشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرجًا وضيقًا وقلقًا واضطرابًا فلم ينشرح له الصدر، ومع هذا فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه وهو ما استنكر الناس فاعله وغير فاعله. ومن هذا قول ابن مسعود (ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المسلمون قبيحًا فهو عند الله قبيح) . ومشيرًا إليه باللفظ الثاني (ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيره بأن ليس بإثم فهذه مرتبة ثانية، وهو أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره، وقد جعله أيضا إثمًا، وهذا إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شرح صدره للإيمان. وكان المفتي له يفتي بمجرد الظن أو ميل إلى هوى من غير دليل شرعي.

стр. 12108

فأما ما كان مع المفتي به دليل فالواجب على المستفتي الرجوع إليه وإن لم ينشرح له صدره، وهذا كالرخص الشرعية مثل الفطر في السفر والمرض وقصر الصلاة ونحو ذلك مما لا ينشرح به صدر كثير من الجهال فهذا لا عبرة فيه. ((وقد كان ﷺ أحيانا يأمر أصحابه بما لا ينشرح به صدور بعضهم فيمتنعون فغضب من ذلك، كما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فكره من كرهه منهم.)) وكما أمرهم بنحر هديهم والتحلل من عمرة الحديبية فكرهوه، وكرهوا مفاوضته لقريش على أن يرجح من عامه وعلى أن من أتاه منهم يرده إليهم. وبالجملة: فما ورد به النص فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] وينبغي أن يتلقى ذلك بانشراح الصدر والرضى، فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الرضى والإيمان به والتسليم له كما قال تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥] . وأما ما ليس فيه نص عن الله ورسوله ولا عمن يقتدى بقوله من الصحابة وسلف الأمة – فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبه بالإيمان المنشرح صدره بنور المعرفة واليقين شيء وحاك في صدره لشبهة موجودة ولم يجد من يفتي فيه بالرخصة إلا من يخبر عن رأيه وهو ممن لا يوثق بعمله ولا دينه بل هو معروف باتباع الهوى – فهنا يرجع المؤمن إلى ما حاك في صدره وإن أفتاه هؤلاء المفتون، وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا (١) . اهـ. (جامع العلوم والحكم ٢٤٠ الحديث السابع والعشرون) . والحق في مسألة التلفيق أنها كمسألة إحداث قول ثالث فيما إذا اختلفوا على قولين فقط – فكما أن الحق أن المجتهد لا يجوز أن يحدث قولاً ثالثًا إذا خرق إجماع المجتهدين في عصر، كمسألة الجد مع الإخوة، حيث اختلفوا في أن يشارك الأخوة أو يختص هو بالميراث ويحجب الأخوه، فهذا إجماع منهم على عدم حرمانه. كذلك الحق هنا أن المقلد إذا قلد لا يجوز أن يلفق بين مذهبين في صورة لا يقول بها أحد من المجتهدين كافة، بأن تكون المسألة واحدة، حقيقة أو حكما، أي بحيث لو لفق العمل بصورة لا يقول بها أحد منهم ويكون العمل فيها على خلاف إجماعهم. ولذلك قال في مسلم الثبوت وشرحه بعد أن نقل جواز تتبع رخص المذاهب ما نصه: إنه لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا. فأجيب بمنع هذا الإجماع إذ في تفسيق متتبع الرخص عن الإمام أحمد روايتان فلا إجماع، ولعل رواية التفسيق إنما هو فيما إذا قصد التلهي فقط لا غيره (٢) .

стр. 12109

وقال في (التقرير على التحرير) : وحمل القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول ولا مقلد (١) . وذكر بعض الحنابلة: إن قوي الدليل أو كان عاميا لا يفسق. وفي روضة النووي: واصلها عن حكاية الحناطي وغيره عن ابن أبي هريرة أن لا يفسق به. ثم لعله محمول على نحو ما يجتمع له من ذلك ما لم يقل بمجموع مجتهد. فأين الإجماع بعد هذا؟ ! وما أورد أنه يلزم على تقدير جواز الأخذ بكل مذهب احتمال الوقوع في خلاف المجمع عليه إذ ربما يكون المجموع الذي عمل به لم يقل به أحد فيكون باطلاً إجماعًا.. كمن تزوج بلا صداق عملاً بقول الإمامين أبي حنيفة والشافعي: ولا شهود، اتباعًا لقول الإمام مالك ولا ولي، على قول الإمام أبي حنيفة – فهذا النكاح باطل اتفاقًا. أما عندنا فلانتفاء الشهود، وأما عند غيرنا فلانتفاء الولي، فهو مندفع لعدم اتحاد المسألة، وإن الإجماع على نفي القول الثالث إنما يكون إذا اتحدت المسألة حقيقة أو حكمًا. ولأنه لو تم لزم استفتاء مفت معين وإلا احتمل الوقوع فيما ذكر. فأنت ترى أن يؤخذ من هذا أن مسألة التلفيق مبنية على مسألة إحداث قول ثالث، فهو إنما يمتنع إذا تحقق أن المجموع الذي عمل به مخالف لإجماع جميع المجتهدين بحيث لو وجد مجتهد لم يجز له أن يقول بهذا المجموع، وهيهات أن يتحقق ذلك. (فصل) التقليد بعد الفعل قال ابن الهمام: (لا يرجع فيما قلد فيه (أي عمل فيه) اتفاقا) . قال الشرنبلاني: قلت: لا يمنع ذلك ما قلته من صحة التقليد بحمل المنع على خصوص الجنس، معناها الرجوع في خصوص العين لا خصوص الجنس بما فعله مقلدًا في فعله إمامًا كصلاة ظهر يمسح ربع الرأس له إبطالها باعتقاده بعدم إتمام للزوم مسح كل الرأس. وهذه المسألة ذكرها ابن الحاجب والآمدي وتبعه في جمع الجوامع وغيره ونصه: (المراد بالعامي من لم يكن مجتهدًا) . أي العامي غير المجتهد إذا عمل بقول مجتهد في حكم مسألة فليس له الرجوع اتفاقا. وجه هذا القول: لأن المقلد قد التزم ذلك القول بالعمل به، أما قبل العمل فله الرجوع إلى غيره من المجتهدين.

стр. 12110

الرد: لكن شارح التحرير (ابن أمير حاج) وابن بادشاه في الحاشية نقلا عن الزركشي تعقبه على الآمدي وابن الحاجب حيث قال: ليس كما قالا، ففي كلام غيرهما ما يقتضي جريان الخلاف بعد العمل أيضا (١) . وهنا يقول الشرنبلالي: وعليه نقول باتباع القائل: يجوز التقليد بعد العمل بقول من قلده وعمل به. له إبطالها باعتقاده بعدم التمام للزوم مسح كل الرأس. وجه القول: لأن الرجوع بمعنى منع الشخص من تقليد غير إمامه في شيء يفعله مخالفًا لما صدر منه، كصلاة يوم على مذهب أبي حنيفة، وصلاة يوم آخر على مذهب غيره. وإن كان المراد بالرجوع، العمل في نظير ما مضى بخلاف معتقد من قلده كما يتراءى من متن التحرير وشرحه ففي كليهما خلافه. ومع ذلك فقد قيده بأن يبقى أثر يمنع من الفعل لا مطلقا. وعلى كل من الأمرين يثبت المدعى وهو: جواز تقليد الإمام مالك ﵁ أو غيره فيما يفعل مخالفًا لما فعله على مذهب أبي حنيفة. وقال الكمال بن الهمام في باب التحكيم: قال: وفي الفتاوى الصغرى يحكم المحكم في الطلاق والمضاف ينفذ لكن لا يفتى به، وفيها روى عن أصحابنا ما هو أوسع من هذا وهو أنه إذا استفتى أولاً فقيهًا فأفتاه ببطلان اليمين وسعه إمساك المرأة. فإن تزوج أخرى وكان حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها فاستفتى فقيهًا آخر فأفتاه بصحة اليمين فإنه يفارق الأخرى ويمسك الأولى عملا بفتواهما (٢) . وفي الذخيرة: فيمن تزوج امرأة بغير ولي فطلقها ثلاثًا، فبعث القاضي إلى شافعي ليحكم بينهما ببطلان ذلك النكاح وببطلان الثلاث يجوز، وكذا لو حكما بذلك حكمًا يجوز، ولا يفتي به خشية تجاسر العوام على هدم المذهب. وكذا من غاب عن امرأته غيبة منقطعة ولم يخلف لها نفقة، فبعث إلى شافعي ليحكم بفسخ النكاح لعجز النفقة يجوز (٣) . قال: الشرنبلالي: واعلم أنه يصح التقليد بعد الفعل.

стр. 12111

وصورة المسألة: إذا صلى ظانًّا صحتها على مذهبه ثم تبين بطلانها في مذهبه وصحتها على مذهب غيره – فله تقليده – ويجزى بتلك الصلاة. على ما قاله في البزازية: روى الإمام الثاني وهو أبو يوسف ﵀ أنه صلى يوم الجمعة مغتسلا من الحمام وصلى من خلفه بصلاته وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة في بئر الحمام فقال: إنا نأخذ بقول إخواننا أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا. قلت: هذا تقليد مجتهد. ويؤخذ من قول أبي يوسف هذا، جواب حادثة لرجل من العوام طلق زوجته بلفظ الحرام وأراد عودها إلى عصمته فاستفتى فقيها مالكيًا فأفتاه بالجواز، وعقد عليها بناء على ما نقله بعض فقهاء المالكية أن العمل جرى بالمغرب بأنه يلزم طلقة واحدة بائنة. ثم أفتاه آخر بأن هذا القول لا يجوز به الفتوى في بلاد مصر فاستفتى حنفيا فأفتاه بصحة هذا العقد فإنه يستمر على معاشرتها. وجاء في (يتيمة الدهر) للخجدني: شافعي المذهب ترك صلاة سَنَةً أوْ سَنَتَيْنِ ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة كيف يجب عليه القضاء؟ أيقضيهما على مذهب الشافعي أو على مذهب أبي حنيفة؟ فقال: يقضيهما على أي المذهبين قضى بعد أن يعتقد جوازها جاز (١) . قال الشرنبلالي: وهذا نص في صحة التقليد بعد العمل بخلاف ما عمل من جنسه. فتحصل مما ذكرناه أنه لا يجب على الإنسان التزام مذهب معين. وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدًا فيه غير إمامه مستجمعًا شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثين لا تعلق بواحد منهما، ليس للمقلد إبطال فعله بتقليد إمام آخر. وليس للمقلد إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر، لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض (٢) . وقال محمد في أماليه: لو أن فقيها قال لامرأته: أنت طالق البتة، وهو ممن يراها ثلاثا، ثم قضى قاض بأنها رجعية وسعه المقام معها.

стр. 12112

العامي الذي لم يلتزم مذهبا معينا قال الآمدي وابن الحاجب: لا يرجع المقلد فيما قلد أحد المجتهدين فيه، أي عمل به اتفاقًا. وجه هذا القول: أن المقلد العامي بالتزامه مذهب إمام مكلف به ما لم يظهر له غيره، والعامي لا يظهر له بخلاف المجتهد حيث ينتقل من إمارة إلى إمارة (١) . وقال الزركشي: خالف الآمدي وابن الحاجب فيما ذهبا إليه حيث قال: ليس كما قالا، وفي كلام غير الآمدي وابن الحاجب ما يقتضي جريان الخلاف بعد العمل أيضًا، وأضاف: كيف يمتنع الرجوع إذا اعتقد صحته. وفصل بعضهم فقال: التقليد بعد العمل – إن كان من الوجوب إلى الإباحة ليترك؛ كالحنفي يقلد في الوتر. أو كان التقليد بعد العمل من الحظر إلى الإباحة ويترك؛ كالشافعي يقلد في أن النكاح بغير ولي جائز – والفعل والترك لا ينافي الإباحة. واعتقاد الوجوب أو التحريم خارج عن العمل وحاصل قبله فلا معنى للقول بأن العمل فيه مانع من التقليد. وإن كان بالعكس: فإن كان يعتقد الإباحة يقلد في الوجوب أو التحريم فالقول بالمنع أبعد، وليس إلا هذه الأقسام (٢) . ورجح الإمام العلائي القول بالانتقال في صورتين: أحدهما: إذا كان مذهب غير إمامه أحوط: كما إذا حلف بالطلاق الثلاث على فعل شيء، ثم فعله ناسيًا أو جاهلاً، وكان مذهب إمامه عدم الحنث، فأقام مع زوجته عاملاً به ثم تخرج بقول من يرى فيه وقوع الحنث، فإنه يستحب الأخذ بالأحوط والتزام الحنث. الثانية: إذا رأى للقول المخالف لمذهبه دليلاً قويا وراجحًا، إذ المكلف مأمور باتباع نبيه ﷺ . وهذا موافق لما روي عن الإمام أحمد والقدوري وعليه مشى طائفة من العلماء، منهم ابن الصلاح وابن حمدان (٣) . قال الآمدي: مسألة: إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث، وعمل بقوله فيها. اتفقوا على أن ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره. سؤال: وهل لهذا العامي اتباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر؟. اختلفوا فيه: فمنهم من منع منه، ومنهم من أجازه وهو الحق، نظرًا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وإن لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعًا لما جاز من الصحابة إهماله والسكوت على الإنكار عليه، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها، فكما لم يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة الأخرى. - أما إذا عين مذهبًا معينًا كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره وقال: أنا على مذهبه وملتزم به، فهل له الرجوع إلى الأخذ بقول غيره في مسألة من المسائل؟

стр. 12113

اختلفوا فيه: فجوزه قوم نظرًا إلى أن التزامه لمذهب معين غير ملزم مذهبه في حكم حادثة معينة. والمختار، إنما هو التفصيل: وهو أن كل مسألة من المذهب الأول اتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره فيها (١) . وقال السبكي من الشافعية: وإذا عمل العامي بقول مجتهد في حادثة: هل له الرجوع عنه أم لا؟ . المذهب: ليس له الرجوع عنه إلى غيره في مثلها. وجه القول: لأنه قد التزم ذلك القول بالعمل به، بخلاف ما إذا لم يعمل. وقيل: يلزمه العمل به بمجرد الإفتاء فليس له الرجوع إلى غير المفتي فيما أفتاه فيه. وقيل: يلزمه العمل به بالشروع في العمل بخلاف إذا لم يشرع. وقضية ذلك: أنه لو شرع في العمل ثم أبطله جاز له الرجوع عنه كما أن قضية الاكتفاء بالشروع.. لو أبطله لم يجز له الرجوع لحصول الشروع. وقيل: يلزمه العمل به إن التزمه، أي صمم على التمسك به. وقال السمعاني: يلزمه العمل به إن وقع في نفسه صحته وإلا فلا. وقال ابن الصلاح: يلزمه العمل به إن لم يوجد مفت آخر، فإن وجد تخير. والأصح: جواز الرجوع إلى غيره في حكم آخر. وقيل لا يجوز: لأنه بسؤال المجتهد والعمل بقوله التزم مذهبه. والأصح: أنه يجب على العامي وغيره – ممن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد – التزام مذهب معين من مذاهب المجتهدين يعتقده أرجح من غيره أو مساويًا له (٢) ...

стр. 12114

وقال العز بن عبد السلام: ومن قلد إمامًا من الأئمة ثم أراد تقليد غيره فهل له ذلك؟ فيه خلاف والمختار التفصيل: فإن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه مما ينقض فيه الحكم، فليس له الانتقال إلى حكم يجب نقضه فإنه لم يجب نقضه إلا لبطلانه. فإن كان المأخذان متقاربين جاز التقليد والانتقال، لأن الناس لم يزالوا من زمن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب الأربعة يقلدون من اتفق من العلماء من غير نكير من أحد يعتبر إنكاره، ولو كان ذلك باطلاً لأنكروه. وكذلك لا يجب تقليد الأفضل وإن كان هو الأولى، لأنه لو وجب تقليده لما قلد الناس الفاضل والمفضول في زمن الصحابة والتابعين من غير نكير. بل كانوا مسترسلين في تقليد الفاضل والأفضل، ولم يكن الأفضل يدعو الكل إلى تقليد نفسه. ولا المفضول يمنع من سأله عن وجود الفاضل، وهذا مما لا يرتاب فيه عاقل (١) . قال التفتازاني: ١- عمل العامي بقول مجتهد في حكم مسألة فليس له الرجوع عنه إلى غيره اتفاقا. ٢- وأما في حكم مسألة أخرى، فهل له أن يقلد غير المجتهد الذي استفتاه؟ المختار جوازه. لنا القطع بوقوعه في زمن الصحابة وغيره، فإن الناس في كل عصر يستفتون المفتين كيف اتفق، ولا يلتزمون سؤال مفت بغية هذا، وقد شاع وتكرر ولم ينكر. فلو التزم مذهبًا معينًا – وإن كان لا يلزمه كمذهب مالك ومذهب الشافعي وغيرهما – ففيه ثلاثة مذاهب. أولها: يلزم. وثانيها: لا يلزم. وثالثها: أنه كالأول وهو من لم يلتزم. فإن وقعت واقعة يقلده فيها فليس له الرجوع، وأما غيرها فيتبع فيها من شاء (٢) – اهـ القائلون بمنع التلفيق وأدلتهم استدل القائلون بمنع التلفيق مطلقًا بقاعدة أصولية مفادها أن الإجماع يمنع إحداث قول ثالث إذا اختلف الفقهاء في حكم مسألة على قولين. فعند الأكثرين لا يجوز إحداث قول ثالث ينقض ما كان محل اتفاق، كعدة الحامل المتوفى عنها زوجها فيها قولان: وضع الحمل، وأبعد الأجلين. أي وضع الحمل أو أشهر العدة المنصوص عليها في القرآن الكريم.. أو ثلاثة قروء..، فلا يجوز إحداث قول ثالث: إن عدتها بالأشهر فقط. الرد: بعد التأمل يتبين أن هذه القاعدة والمثال ليست محل النزاع، لأن موضوع إحداث القول الثالث يفترض اتحاد المسألة بينما في التلفيق المسألة متعددة. ثم بناء على الرأي المختار لم يكن في مسألة التلفيق ناحية متفق عليها، فالدلك في الوضوء مسألة كانت موضع اختلاف بين الأئمة، أما النقض باللمس فمسألة أخرى، ومع ذلك أن كلا المسألتين محل اختلاف.. وعليه فالتلفيق فيهما لا يؤدي إلى ما هو المحظور – وهو خرق الإجماع إذ لا إجماع تحقق حتى يقال بالتلفيق قد خرق.

стр. 12115

مسألة تقليد المفضول إذا تعدد المجتهدون وتفاضلوا فلا يجب على العامي تقليد الأفضل بل له أن يقلد المفضول. وعن أحمد وابن شريح منعه، بل يجب عليه النظر في الأرجح منهما، ويتعين الأرجح منهما عنده للتقليد. ولنا قد علم قطعًا أن المفضولين في زمن الصحابة وغيرهم كانوا يفتون، وقد اشتهر عنهم ذلك وتكرر ولم ينكر أحد، فدل على أنه جائز، وأيضا قال ﷺ ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) . خرج العوام لأنهم المقتدون، وبقي معمولاً به في المجتهدين منهم من غير فصل. واستدل: بأن العامي لو كلفناه الترجيح لكان تكليفًا بالمحال لقصوره عن معرفة مراتب المجتهدين وترجيح الفاضل والمفضول منهم. الجواب: إن معرفة الترجيح ليست مستحيلة من العامي لأنه يظهر له بالتسامح من الناس وبرجوع العلماء إليه وعدم ورجوعه إليهم وغيره ككثرة المستفتين وتقديم سائر العلماء له والاعتراف بفضله (١) . مسألة إذا أمضى المستفتي قول المفتي: جاء في غير ما كتاب من الكتب المذهبية – أي الحنفية المعتبرة – أن المستفتي إن أمضى قول المفتي لزمه وإلا فلا. وقالوا: إذا لم يكن الرجل فقيها فاستفتى فقيها فأفتاه بحلال أو حرام ولم يعزم على ذلك – أي لم يعمل به – حتى أفتاه آخر بخلافه فأخذ بقوله وأمضاه، لم يجز له أن يترك ما أمضاه فيه ويرجع إلى ما أفتاه الأول. وجه هذا القول: لأنه لا يجوز له نقض ما أمضاه مجتهدا كان هذا المستفتي أو كان مقلدا، لأن المقلد متعبد بالتقليد، كما أن المجتهد متعبد بالاجتهاد. ثم كما لم يجز للمجتهد نقض ما أمضاه، فكذا اتصال الإمضاء. الأمثلة: من ذلك ما قاله محمد في أماليه: لو أن فقيها قال لامرأته: أنت طالق البتة، وهو ممن يراها ثلاثًا، ثم قضى عليه قاض بأنها رجعية – لا يدع المقام معها، وكذا كل قضاء يختلف فيه الفقهاء من تحريم أو تحليل أو أخذ مال أو غيره – ينبغي للفقيه المقضي عليه الأخذ بقضاء القاضي ويدع رأيه ويلزم نفسه ما ألزمه القاضي ويأخذ ما أعطاه ... وقال محمد: وكذلك رجل لا علم له ابتلي ببلية فسأل عنها الفقهاء فأتوه فيها بحلال أو بحرام، وقضى عليه قاضي المسلمين بخلاف ذلك وهو مما يختلف فيه الفقهاء، فينبغي أن يأخذ بقضاء القاضي، ويدع ما أفتاه الفقهاء.
следующие страницы →