← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 12111–12150 · переход к 12116.

стр. 12111

وصورة المسألة: إذا صلى ظانًّا صحتها على مذهبه ثم تبين بطلانها في مذهبه وصحتها على مذهب غيره – فله تقليده – ويجزى بتلك الصلاة. على ما قاله في البزازية: روى الإمام الثاني وهو أبو يوسف ﵀ أنه صلى يوم الجمعة مغتسلا من الحمام وصلى من خلفه بصلاته وتفرقوا ثم أخبر بوجود فأرة في بئر الحمام فقال: إنا نأخذ بقول إخواننا أهل المدينة: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا. قلت: هذا تقليد مجتهد. ويؤخذ من قول أبي يوسف هذا، جواب حادثة لرجل من العوام طلق زوجته بلفظ الحرام وأراد عودها إلى عصمته فاستفتى فقيها مالكيًا فأفتاه بالجواز، وعقد عليها بناء على ما نقله بعض فقهاء المالكية أن العمل جرى بالمغرب بأنه يلزم طلقة واحدة بائنة. ثم أفتاه آخر بأن هذا القول لا يجوز به الفتوى في بلاد مصر فاستفتى حنفيا فأفتاه بصحة هذا العقد فإنه يستمر على معاشرتها. وجاء في (يتيمة الدهر) للخجدني: شافعي المذهب ترك صلاة سَنَةً أوْ سَنَتَيْنِ ثم انتقل إلى مذهب أبي حنيفة كيف يجب عليه القضاء؟ أيقضيهما على مذهب الشافعي أو على مذهب أبي حنيفة؟ فقال: يقضيهما على أي المذهبين قضى بعد أن يعتقد جوازها جاز (١) . قال الشرنبلالي: وهذا نص في صحة التقليد بعد العمل بخلاف ما عمل من جنسه. فتحصل مما ذكرناه أنه لا يجب على الإنسان التزام مذهب معين. وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدًا فيه غير إمامه مستجمعًا شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثين لا تعلق بواحد منهما، ليس للمقلد إبطال فعله بتقليد إمام آخر. وليس للمقلد إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر، لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض (٢) . وقال محمد في أماليه: لو أن فقيها قال لامرأته: أنت طالق البتة، وهو ممن يراها ثلاثا، ثم قضى قاض بأنها رجعية وسعه المقام معها.

стр. 12112

العامي الذي لم يلتزم مذهبا معينا قال الآمدي وابن الحاجب: لا يرجع المقلد فيما قلد أحد المجتهدين فيه، أي عمل به اتفاقًا. وجه هذا القول: أن المقلد العامي بالتزامه مذهب إمام مكلف به ما لم يظهر له غيره، والعامي لا يظهر له بخلاف المجتهد حيث ينتقل من إمارة إلى إمارة (١) . وقال الزركشي: خالف الآمدي وابن الحاجب فيما ذهبا إليه حيث قال: ليس كما قالا، وفي كلام غير الآمدي وابن الحاجب ما يقتضي جريان الخلاف بعد العمل أيضًا، وأضاف: كيف يمتنع الرجوع إذا اعتقد صحته. وفصل بعضهم فقال: التقليد بعد العمل – إن كان من الوجوب إلى الإباحة ليترك؛ كالحنفي يقلد في الوتر. أو كان التقليد بعد العمل من الحظر إلى الإباحة ويترك؛ كالشافعي يقلد في أن النكاح بغير ولي جائز – والفعل والترك لا ينافي الإباحة. واعتقاد الوجوب أو التحريم خارج عن العمل وحاصل قبله فلا معنى للقول بأن العمل فيه مانع من التقليد. وإن كان بالعكس: فإن كان يعتقد الإباحة يقلد في الوجوب أو التحريم فالقول بالمنع أبعد، وليس إلا هذه الأقسام (٢) . ورجح الإمام العلائي القول بالانتقال في صورتين: أحدهما: إذا كان مذهب غير إمامه أحوط: كما إذا حلف بالطلاق الثلاث على فعل شيء، ثم فعله ناسيًا أو جاهلاً، وكان مذهب إمامه عدم الحنث، فأقام مع زوجته عاملاً به ثم تخرج بقول من يرى فيه وقوع الحنث، فإنه يستحب الأخذ بالأحوط والتزام الحنث. الثانية: إذا رأى للقول المخالف لمذهبه دليلاً قويا وراجحًا، إذ المكلف مأمور باتباع نبيه ﷺ . وهذا موافق لما روي عن الإمام أحمد والقدوري وعليه مشى طائفة من العلماء، منهم ابن الصلاح وابن حمدان (٣) . قال الآمدي: مسألة: إذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث، وعمل بقوله فيها. اتفقوا على أن ليس له الرجوع عنه في ذلك الحكم بعد ذلك إلى غيره. سؤال: وهل لهذا العامي اتباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر؟. اختلفوا فيه: فمنهم من منع منه، ومنهم من أجازه وهو الحق، نظرًا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وإن لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعًا لما جاز من الصحابة إهماله والسكوت على الإنكار عليه، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها، فكما لم يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله فكذلك في المسألة الأخرى. - أما إذا عين مذهبًا معينًا كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره وقال: أنا على مذهبه وملتزم به، فهل له الرجوع إلى الأخذ بقول غيره في مسألة من المسائل؟

стр. 12113

اختلفوا فيه: فجوزه قوم نظرًا إلى أن التزامه لمذهب معين غير ملزم مذهبه في حكم حادثة معينة. والمختار، إنما هو التفصيل: وهو أن كل مسألة من المذهب الأول اتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره فيها (١) . وقال السبكي من الشافعية: وإذا عمل العامي بقول مجتهد في حادثة: هل له الرجوع عنه أم لا؟ . المذهب: ليس له الرجوع عنه إلى غيره في مثلها. وجه القول: لأنه قد التزم ذلك القول بالعمل به، بخلاف ما إذا لم يعمل. وقيل: يلزمه العمل به بمجرد الإفتاء فليس له الرجوع إلى غير المفتي فيما أفتاه فيه. وقيل: يلزمه العمل به بالشروع في العمل بخلاف إذا لم يشرع. وقضية ذلك: أنه لو شرع في العمل ثم أبطله جاز له الرجوع عنه كما أن قضية الاكتفاء بالشروع.. لو أبطله لم يجز له الرجوع لحصول الشروع. وقيل: يلزمه العمل به إن التزمه، أي صمم على التمسك به. وقال السمعاني: يلزمه العمل به إن وقع في نفسه صحته وإلا فلا. وقال ابن الصلاح: يلزمه العمل به إن لم يوجد مفت آخر، فإن وجد تخير. والأصح: جواز الرجوع إلى غيره في حكم آخر. وقيل لا يجوز: لأنه بسؤال المجتهد والعمل بقوله التزم مذهبه. والأصح: أنه يجب على العامي وغيره – ممن لم يبلغ مرتبة الاجتهاد – التزام مذهب معين من مذاهب المجتهدين يعتقده أرجح من غيره أو مساويًا له (٢) ...

стр. 12114

وقال العز بن عبد السلام: ومن قلد إمامًا من الأئمة ثم أراد تقليد غيره فهل له ذلك؟ فيه خلاف والمختار التفصيل: فإن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه مما ينقض فيه الحكم، فليس له الانتقال إلى حكم يجب نقضه فإنه لم يجب نقضه إلا لبطلانه. فإن كان المأخذان متقاربين جاز التقليد والانتقال، لأن الناس لم يزالوا من زمن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب الأربعة يقلدون من اتفق من العلماء من غير نكير من أحد يعتبر إنكاره، ولو كان ذلك باطلاً لأنكروه. وكذلك لا يجب تقليد الأفضل وإن كان هو الأولى، لأنه لو وجب تقليده لما قلد الناس الفاضل والمفضول في زمن الصحابة والتابعين من غير نكير. بل كانوا مسترسلين في تقليد الفاضل والأفضل، ولم يكن الأفضل يدعو الكل إلى تقليد نفسه. ولا المفضول يمنع من سأله عن وجود الفاضل، وهذا مما لا يرتاب فيه عاقل (١) . قال التفتازاني: ١- عمل العامي بقول مجتهد في حكم مسألة فليس له الرجوع عنه إلى غيره اتفاقا. ٢- وأما في حكم مسألة أخرى، فهل له أن يقلد غير المجتهد الذي استفتاه؟ المختار جوازه. لنا القطع بوقوعه في زمن الصحابة وغيره، فإن الناس في كل عصر يستفتون المفتين كيف اتفق، ولا يلتزمون سؤال مفت بغية هذا، وقد شاع وتكرر ولم ينكر. فلو التزم مذهبًا معينًا – وإن كان لا يلزمه كمذهب مالك ومذهب الشافعي وغيرهما – ففيه ثلاثة مذاهب. أولها: يلزم. وثانيها: لا يلزم. وثالثها: أنه كالأول وهو من لم يلتزم. فإن وقعت واقعة يقلده فيها فليس له الرجوع، وأما غيرها فيتبع فيها من شاء (٢) – اهـ القائلون بمنع التلفيق وأدلتهم استدل القائلون بمنع التلفيق مطلقًا بقاعدة أصولية مفادها أن الإجماع يمنع إحداث قول ثالث إذا اختلف الفقهاء في حكم مسألة على قولين. فعند الأكثرين لا يجوز إحداث قول ثالث ينقض ما كان محل اتفاق، كعدة الحامل المتوفى عنها زوجها فيها قولان: وضع الحمل، وأبعد الأجلين. أي وضع الحمل أو أشهر العدة المنصوص عليها في القرآن الكريم.. أو ثلاثة قروء..، فلا يجوز إحداث قول ثالث: إن عدتها بالأشهر فقط. الرد: بعد التأمل يتبين أن هذه القاعدة والمثال ليست محل النزاع، لأن موضوع إحداث القول الثالث يفترض اتحاد المسألة بينما في التلفيق المسألة متعددة. ثم بناء على الرأي المختار لم يكن في مسألة التلفيق ناحية متفق عليها، فالدلك في الوضوء مسألة كانت موضع اختلاف بين الأئمة، أما النقض باللمس فمسألة أخرى، ومع ذلك أن كلا المسألتين محل اختلاف.. وعليه فالتلفيق فيهما لا يؤدي إلى ما هو المحظور – وهو خرق الإجماع إذ لا إجماع تحقق حتى يقال بالتلفيق قد خرق.

стр. 12115

مسألة تقليد المفضول إذا تعدد المجتهدون وتفاضلوا فلا يجب على العامي تقليد الأفضل بل له أن يقلد المفضول. وعن أحمد وابن شريح منعه، بل يجب عليه النظر في الأرجح منهما، ويتعين الأرجح منهما عنده للتقليد. ولنا قد علم قطعًا أن المفضولين في زمن الصحابة وغيرهم كانوا يفتون، وقد اشتهر عنهم ذلك وتكرر ولم ينكر أحد، فدل على أنه جائز، وأيضا قال ﷺ ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)) . خرج العوام لأنهم المقتدون، وبقي معمولاً به في المجتهدين منهم من غير فصل. واستدل: بأن العامي لو كلفناه الترجيح لكان تكليفًا بالمحال لقصوره عن معرفة مراتب المجتهدين وترجيح الفاضل والمفضول منهم. الجواب: إن معرفة الترجيح ليست مستحيلة من العامي لأنه يظهر له بالتسامح من الناس وبرجوع العلماء إليه وعدم ورجوعه إليهم وغيره ككثرة المستفتين وتقديم سائر العلماء له والاعتراف بفضله (١) . مسألة إذا أمضى المستفتي قول المفتي: جاء في غير ما كتاب من الكتب المذهبية – أي الحنفية المعتبرة – أن المستفتي إن أمضى قول المفتي لزمه وإلا فلا. وقالوا: إذا لم يكن الرجل فقيها فاستفتى فقيها فأفتاه بحلال أو حرام ولم يعزم على ذلك – أي لم يعمل به – حتى أفتاه آخر بخلافه فأخذ بقوله وأمضاه، لم يجز له أن يترك ما أمضاه فيه ويرجع إلى ما أفتاه الأول. وجه هذا القول: لأنه لا يجوز له نقض ما أمضاه مجتهدا كان هذا المستفتي أو كان مقلدا، لأن المقلد متعبد بالتقليد، كما أن المجتهد متعبد بالاجتهاد. ثم كما لم يجز للمجتهد نقض ما أمضاه، فكذا اتصال الإمضاء. الأمثلة: من ذلك ما قاله محمد في أماليه: لو أن فقيها قال لامرأته: أنت طالق البتة، وهو ممن يراها ثلاثًا، ثم قضى عليه قاض بأنها رجعية – لا يدع المقام معها، وكذا كل قضاء يختلف فيه الفقهاء من تحريم أو تحليل أو أخذ مال أو غيره – ينبغي للفقيه المقضي عليه الأخذ بقضاء القاضي ويدع رأيه ويلزم نفسه ما ألزمه القاضي ويأخذ ما أعطاه ... وقال محمد: وكذلك رجل لا علم له ابتلي ببلية فسأل عنها الفقهاء فأتوه فيها بحلال أو بحرام، وقضى عليه قاضي المسلمين بخلاف ذلك وهو مما يختلف فيه الفقهاء، فينبغي أن يأخذ بقضاء القاضي، ويدع ما أفتاه الفقهاء.

стр. 12116

التلفيق الممنوع القول بجواز التلفيق ليس على إطلاقه وفي جميع صوره ولكنه مقيد في دائرة معينة. فمنه ما هو باطل لذاته – كما إذا أدى إلى إحلال المحرمات كالخمر والزنى ونحوهما. ومنه ما هو محظور لا لذاته بل لما يعرض له من العوارض وهو ثلاثة أنواع. أولها: تتبع الرخص عمدًا، بأن يأخذ الإنسان من كل مذهب ما هو الأخف عليه بدون ضرورة ولا عذر، وهذا محظور سدا لذرائع الفساد بالانحلال من ربقة التكاليف الشرعية. قال الغزالي: ليس لأحد أن يأخذ بمذهب المخالف بالتشهي. وليس للعامي أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده (١) ويندرج تحت هذا النوع تتبع الرخص للتلهي والأخذ بالأقوال الضعيفة من كل مذهب اتباعًا للهوى واقتناصًا للملاذ. الثاني: - التلفيق الذي يستلزم نقض حكم الحاكم لأن حكمه يمنع الخلاف درءا للفوضى. الثالث: التلفيق الذي يستلزم الرجوع عن أمر مجمع عليه لازم لأمر قلده. فلو قلد رجل أبا حنيفة في النكاح بلا ولي – دخل فيه صحة إيقاع الطلاق، لأنها لازمة لصحة النكاح إجماعًا. فلو طلقها ثلاثًا ثم أراد تقليد الشافعي في عدم وقوع الطلاق لكون النكاح بلا ولي فليس له ذلك، لكونه رجوعا عن التقليد في اللازم الإجماعي، ومنع التلفيق المستلزم الرجوع عما عمل به تقليدًا أو في لازمه الإجماعي ضروري في نحو ما كان من هذا القبيل، إذ يحتاط في مسائل الفروج أكثر مما يحتاط في غيرها. وكما لا يسوغ التلفيق المستلزم الرجوع عما عمل به تقليدًا أو لازمه الإجماعي في قضايا الفروج والأنساب كذلك لا يسوغ في كل ما يكون وسيلة وعبثا بالدين، أو ذريعة لمضرة البشر أو الفساد في الأرض. وأما ما كان من قبيل العبادات والتكاليف التي لم يجعل الله تعالى بها حرجا على عباده – فلا يكون التلفيق فيها ممنوعًا ولو استلزم الرجوع المذكور لم يفض إلى الانحلال من ربقة التكاليف أو الذهاب بالحكمة الشرعية باقتراف الحيل التي تقلب الشريعة الإسلامية. هذا: ومن الصور التي يمتنع فيها التلفيق هو ما تتبعه الشرنبلالي في رسالته حيث قال: إذا بقي من آثار الفعل السابق أثر يؤدي إلى تلفيق العمل بشيء مركب من مذهبين لقول المحقق الشهاب ابن حجر في (شرح المنهاج) : يتعين حمل ما قاله ابن الحاجب والآمدي على مابقي من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني تركه حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين.

стр. 12117

صورة المسألة: كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس، والإمام مالك ﵁ في طهارة الكلب؛ في صلاة واحدة. ومن تلك الصور: لو أفتى ببينونة زوجته في نحو تعليق، فنكح أختها، ثم أفتي بأنه لا بينونة، فأراد أن يرجع الأولى ويعرض عن الثانية من غير إبانتها. ومن تلك الصور: إذا أخذ الشفعة بالجوار تقليدًا للإمام أبي حنيفة ﵀، ثم استحقت عليه فأراد أن يقلد الإمام الشافعي ﵀ في تركها – فيمتنع فيهما؛ لأن كلا من الإمامين لا يقول به حينئذ (١) . ومن تلك المسائل: ما جاء في شرح الرملي: كأن أفتي لشخص ببيونة بطلاقها. ثم نكح بعد انقضاء عدتها أختها مقلدًا أبا حنيفة بطلاق المكره، ثم أفتاه شافعي بعدم الحنث. الحكم: يمتنع عليه أن يطأ الأولى مقلدًا الشافعي، وأن يطأ الثانية مقلدًا لأبي حنيفة؛ لأن كلاً من الإمامين لا يقول به حينئذ. كما أوضح ذلك الرملي رحمه الله تعالى في فتاويه. ثم خلص الشرنبلالي إلى القول: إن المراد بالمنع، المنع في خصوص العين، أو بقاء أثر من الفعل السابق يؤدي إلى ما يقول به كل من الإمامين وهو المعبر عنه بالتلفيق. ثم قال: هكذا قد علمت به جواز التقليد بعد العمل في جنس ما عمل بخلافه. وأضاف: ثم رأيت موافقة هذا في مؤلف للسيد الإمام الشريف علي السمهودي الشافعي سماه (العقد الفريد في أحكام التقليد) (٢) . المختار: أن كل مسألة اتصل بها فلا مانع من اتباع غير مذهب الأول، وبه يعلم ما في حكاية إطلاق الاتفاق على المنع. ولعل المنع اتفاق الأصوليين. التلفيق الجائز: هو ما كان عند الحاجة والضرورة، وليس من أجل العبث أو تتبع الأيسر والأسهل عمدًا بدون مصلحة شرعية، وهو مقصور على بعض أحكام العبادات والمعاملات الاجتهادية، لا القطعية.. وهكذا فإن الضابط في جواز التلفيق وعدم جوازه هو: أن كل ما أفضى إلى تقويض الشريعة ودعائمها والقضاء على سياستها وحكمتها فهو محظور، وخصوصًا الحيل. وأن كل ما يؤيد دعائم الشريعة وما ترمي إليه حكمتها وسياستها لإسعاد الناس في الدارين بتيسير العبادات عليهم، وصيانة مصالحهم في المعاملات فهو جائز مطلوب (٣) .

стр. 12118

وخلاصة القول إن العلماء كانوا يفتون الناس بالمذاهب الأربعة لا سيما العوام منهم – على ما نقل السيوطي – ويقولون حيث وافق فعل هؤلاء العوام قول عالم فلا بأس به. أو كما قال الشعراني في ميزانه: تفتي كل واحد بما يناسب حاله ولو لم تفعل أنت به كذلك لأنه هو الذي خوطبت فيه. وهناك من الرخص ما يجب العمل بها كحل الميتة للمضطر إحياء للنفس.. وإن كانت الرخص بالجملة مشروع الأخذ بها لأن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصة كما يجب أن تؤتى عزائمه.. لينال العباد من رفق الله تعالى وتيسيره بحظ ولو لم يكن فيه مشقة (كما قال الشاطبي) كالجمع بعرفة والمزلفة، وإن كل أمر شاق جعل الشارع فيه للمكلف مخرجًا، وطالب المخرج من وجهه طالبه لما ضمن له الشارع النجاح فيه، والرجوع إلى الوجه الذي وصفه الشارع رجوع إلى وجه حصول المصلحة والتخفيف على الكمال. وتتبع الرخص مشروع بالجملة.. قال العز بن عبد السلام: للعامي أن يعمل برخص المذاهب، وإنكار ذلك جهل ممن أنكره، لأن الأخذ بالرخص محبوب، ودين الله يسر، وما جعل عليكم في الدين من حرج.. ولكن ليس ذلك على الإطلاق.. بل لابد من مراعاة ما اعتبره المجتهد في المسألة التي وقع التقليد فيها بما يتوقف على صحتها كي لا يقع في حكم مركب من اجتهادين – كذا في الجوامع للسبكي – حيث قال: التلفيق في أجزاء الحكم لا في جزئيات المسائل، وإنما المحظور ما يؤدي إلى انحلال ربقة التكليف. وجوز السيوطي الانتقال من المذهب مطلقًا فيما عمل به وما لم يعمل العامي. لكن الغزالي يحظر على العامل أن ينتقي من المذاهب في كل مسألة أطيبها عنده فيوسع، وبه قال ابن عبد البر، لكن تتبع ابن عبد البر بذلك. وأما القرافي المالكي فقد قال بجواز تقليد العامي غير إمامه على ألا يترتب على تقليده ما يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه والإمام الذي انتقل إليه. ولكن الكمال بن الهمام من فقهاء الحنفية قال: لا يمنع مانع شرعي من جواز اتباع المقلد رخص المذاهب، بأن يأخذ من كل منها ما هو الأهون عليه فيما يقع من المسائل.. وبه قال تلميذه ابن أمير حاج، وتبعه ابن بادشاه حيث منع من تفسيق متتبع الرخص وبين الصورة المحظورة منها.. لكن الإمام الشاطبي حمل لواء منع تتبع الرخص بالمطلق في الموافقات.. وقد بسطنا قوله ودليله.. لأن تتبع الرخص في رأيه يؤدي إلى إيجاب إسقاط التكليف جملة.. وخلاصة القول في المسألة ما أورده العز بن عبد السلام أن الأولى التزام الأشد والأحوط له في دينه أي من كل مذهب.. وأورد نماذج لتلك المسائل.. هذا في تتبع الرخص. أما في التلفيق: فليس على إطلاقه إجماعًا.. وإنما يشترط في المقلد الملفق ألا يترتب على تقليد من قلده أولًا ما يجتمع على بطلان كلا المذهبين ... وألا يكون التلفيق في المحظورات لكونها على الورع. والضابط في جواز التلفيق: أن كل ما أفضى إلى تقويض دعائم الشريعة والقضاء على سياستها وحكمتهما فهو محظور. وأما إذا كان التلفيق يؤيد دعائم الشريعة وما ترمي إليه حكمتها وسياستها الكفيلتان بسعادة الدارين تيسيرًا عليهم في العبادات وصيانة لمصالحهم في المعاملات فهو مطلوب. وهو ما أشار إليه العلماء بقولهم بأن التلفيق الممنوع ما خالف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي.. وهذا ما يجري على تتبع الرخص أيضًا. لأن ما ورد فيه النص فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله. وبالجملة فإن التلفيق يصدق عليه ما يصدق على الكلام حول مسألة إحداث القول الثالث. هذا وللتقليد بعد الفعل صلة بالتلفيق، بل التلفيق هو أحد صوره.. وصححه غير واحد من الفقهاء. والتلفيق الممنوع باتفاق هو الذي يستلزم نقض حكم الحاكم أو يستلزم الرجوع عن أمر مجمع عليه لازم لأمر قلده. والله أعلم بالصواب الشيخ خليل محيي الدين الميس

стр. 12119

التلفيق والأخذ بالرخصة وحكمهما إعداد حجة الإسلام الشيخ محمد علي التسخيري جمهورية إيران الإسلامية باسمه تعالى الأخذ بالرخص وحكمه معنى الأخذ بالرخص: تطلق الرخصة في قبال العزيمة.. ويراد بها كما قيل: ما شرعه الله من الأحكام تخفيفًا على المكلف في حالات خاصة تقتضي هذا التخفيف في قبال العزيمة (وهي ما شرعه الله أصالة من الأحكام العامة التي لا تختص بحال دون حال ولا بمكلف دون مكلف) (١) . ولا ريب في أن المراد من الرخصة في هذا البحث لا يركز على هذا المعنى، ذلك أن المقصود هنا من العزيمة هو الحكم المجعول للشيء بعنوانه الأولى، أما الرخصة فهي الحكم المجعول للشيء بعنوانه الثانوي (كما في حالة الاضطرار، والإكراه) . وهذا اصطلاح أصولي لا يمكننا أن نحمل عليه ما جاء في الحديث النبوي الشريف (إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه) (٢) أو ما جاء عن الإمام محمد ابن علي الجواد (ع) ((إن الله يغضب على من لا يقبل رخصته)) (٣) . وإنما المتبادر منها في الفهم العرفي الأحكام غير الإلزامية في قبال الأحكام الإلزامية وهذا هو المقصود من أكثر التعبيرات الواردة في الروايات وإن كان البعض منها يشير بقرينة ما إلى الأحكام الثانوية في قبال الأحكام الأولية. وعلى أي حال فلا ريب في أن المراد هنا هو المعنى العرفي، يقول الألباني: " لا يخفى أن المراد بالرخصة في هذا الباب هو المعنى العام وهو ما رخص الله للعبد فيما يخفف عنه وهذا أعم مما اصطلح عليه الأصوليون من التعريف والتقسيم، فيشمل ما يستباح مع قيام المحرم، وما انتقل من تشديد إلى تخفيف وتيسير ترفيها وتوسعة عن الضعفاء فضلاً عن أصحاب المعاذير، فكل تخفيف يقابل تشديدًا فهو رخصة شرعها الله لأربابها. كما شرع العزائم لأصحابها " (٤) .

стр. 12120

والمقصود من مصطلح الأخذ بالرخص أو تتبع الرخص ليس ما يتبادر لأول وهلة وهو العمل بالرخصة الشرعية في مواردها فهذا أمر لا يختلف عليه أحد، بل هو مما يحبه الشارع ويندب إليه وربما كان ترك العمل به – أحيانا – حرامًا، كما في الترخيص في الإفطار بالسفر – إذا صح أن نطلق عليه (رخصة) . فإنه يحرم الصوم فيه على رأي بعض المذاهب كالمذهب الإمامي مثلاً. بل المقصود به هنا هو استعراض الفتاوى في الموارد المختلفة واتباع تلك التي تخلو من عنصر الإلزام في محاولة من المكلف للجمع بين أمرين. الأول: الالتزام بالإطار الشرعي والفرار من المعصية. الثاني: تسهيل الأمر على نفسه إلى أقصى ما يمكن؛ بملاحظة أي الفتاوى أخف وأسهل فيتبعها في مختلف الموارد. متى يمكن تصور النزاع: والحقيقة هي أن مسألة تتبع الرخص إنما تتم في إطار عملية أوسع منها هي عملية (التلفيق بين الفتاوى) ذلك أن التلفيق قد يتم بين إلزاميين أيضًا، بل وربما جلب على المكلف مؤنة أكبر تميل نفسه إليها فيتبع هذا المنهج لإلزام نفسه بها أو ربما كانت الفتويان منسجمتين في التعبير عن خط واحد، كما سيأتي في فوائد التلفيق إن شاء الله تعالى. فليستا إذن عمليتين متطابقتين. على أنه لا معنى لتصور التلفيق من قبل المجتهد؛ إذ لا ريب في أن المتجهد عندما يصل إلى تحديد مواقفه من المواضيع على ضوء استنباطاته فإنما يجب عليه العمل بما توصل إليه، ولا يجوز له حينئذ اتباع رأي الآخرين، وإنما يمكن تصور التلفيق وبالتالي تتبع رخص الفتاوى من قبل غير المجتهدين، ولا يتم هذا إلا إذا قلنا بجواز التقليد ولم نلتفت لما قيل في عدم جوازه من قبل الحشوية وغيرهم ومع جواز التقليد فإن مسألتنا هذه لا تتصور إذا قلنا بلزوم تقليد الأعلم بكل شروطه دون منافس، وحينئذ فلا مجال للرجوع إلى غيره ولا معنى حينئذ للتلفيق وتتبع الرخص. أما مجال القيام بذلك فهو فيما إذا لم نقل بضرورة تقليد الأعلم أيا كان، أو توفر هناك فردان أو أكثر مع التساوي في المرتبة العليا (الأعلمية) فالمجال واسع لهذه المسألة (١) . فلنسر إذن مع مقدمات الموضوع حتى نصل إلى المقصود. الاجتهاد والتقليد في الفروع ومعرفة التشريع: إن الاجتهاد إذا فسرناه بعملية استفراغ الوسع لاستنباط الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية (شرعية أو عقلية) من أدلتها التفصيلية، أو أنه عملية إرجاع الفروع إلى الأصول المعتمدة شرعًا أو ما يقرب من هذه المعاني دونما نظر إلى الاجتهاد بمعنى العمل بالآراء الظنية غير المعتبرة، إذا فسرناه كذلك فإنا لا نجدنا بحاجة للحديث مفصلا عن لزومه – باستمرار – بعد وضوح قيام الشريعة بوضعه انسجامًا مع خلودها والاجتهاد واجب كفائي – بلا ريب – حفاظًا على أحكام الإسلام من الاندراس والضياع حيث حثت الشريعة على تحصيل العلوم الشرعية؛ قال تعالى ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:] . والآية واضحة في الوجوب الكفائي للاجتهاد دون العيني منه – وهو ما نسب إلى علماء حلب – بالإضافة إلى ما في الواجب العيني من عسر عظيم، وكذلك قيام السيرة في الرجوع إلى فتوى الأصحاب والرواة. أما التقليد فجوازه لغير المجتهدين يكاد يكون بديهة حتى عبر صاحب (كفاية الأصول) أنها حالة فطرية جبلية (٢) وقد قامت عليه السيرة العقلانية وهذه هي حالة المجتمعات في صدر الإسلام مما يحقق الإمضاء الشرعي لهذه الحالة، وهناك أدلة من النصوص القرآنية والنبوية على ذلك.

стр. 12121

عدم جواز رجوع المجتهد إلى رأي غيره: وإذا حصل الباحث على رتبة الاجتهاد لم يجز له الرجوع إلى غيره وذلك لما أفاده الشيخ الأنصاري ﵀ في رسالته الموضوعة في الاجتهاد والتقليد من دعوى الاتفاق على عدم الجواز لانصراف الإطلاقات الدالة على جواز التقليد عمن له ملكة الاجتهاد واختصاصها بمن لا يتمكن من تحصيل العلم بها. وقد فصل المحقق القمي صاحب القوانين المحكمة بين القادر على إعمال الملكة وغير القادر فأجاز للثاني أن يقلد غيره فقال: " ودليل المانع (للمجتهد من التقليد مطلقًا) وجوب العمل بظنه إذا كان له طريق إليه إجماعًا، خرج العامي بالدليل وبقي الباقي وفيه منع الإجماع فيما نحن فيه ومنع التمكن من الظن مع ضيق الوقت فظهر أن الأقوى الجواز مع التضييق، واختصاص الحكم به " (١) . ويقول السيد الخوئي معلقًا على كلام المرحوم الشيخ الأنصاري ﵀ وما أفاده (قد) يكون هو الصحيح وذلك لأن الأحكام الواقعية قد تنجزت على من له ملكة الاجتهاد بالعلم الإجمالي أو بقيام الحجج والأمارات عليها في محلها وهو يتمكن من تحصيل بتلك الطرق، إذا لا بد له من الخروج من عهدة التكاليف المنتجزة في حقه ولا يكفي في ذلك أن يقلد الغير إذ لا يترتب عليه الجزم بالامتثال (٢) . والظاهر أن بناء العقلاء في مجال رجوع الجاهل إلى العالم يشمل حالة المجتهد الذي يمنعه مانع من الاستنباط كضيق الوقت وغيره ويتجلى هذا بشكل أكثر وضوحًا فيما لو افترضنا وجود مساحة كبرى لم يستطع استنباطها بعد.

стр. 12122

اعتبار الأعلمية في المقلد: والمراد بالأعلمية هو أن يكون صاحبها أقوى ملكة من غيره في مجالات الاستنباط (١) . وهذا الشرط هو المشهور بين علماء الشيعة وخصوصًا في العصور الأخيرة (٢) وهو مذهب أحمد وابن سريج والقفال من أصحاب الشافعي وجماعة من الأصوليين وقد اختاره الغزالي المستصفى ٢ / ١٢٥. كما نقل عن محمد بن الحسن (٣) . وقد ذهب جماعة من علماء الإمامية ممن تأخر عن الشهيد الثاني إلى عدم الاشتراط (٤) . وليس لنا في هذا المقام إلا الإشارة إلى بعض الأدلة في المقام ويترك البحث المفصل إلى محله. وقد استدل لعدم اشتراط الرجوع إلى الأعلم حتى في حالة العلم بالخلاف بينه وبين غيره بوجوه: منها: التمسك بإطلاق الأدلة الواردة في جواز الرجوع إلى الفقيه بل قد يقال: إن الغالب فيمن كان الناس يرجعون إليهم عدم الأعلمية مع العلم باختلاف الفتاوى بل شكل هذا سيرة عامة عبر القرون منذ صدر الإسلام. ومنها: أن هذا الأمر متعسر جدا. ومنها: بناء العقلاء. ومنها: تطابق الصحابة وإجماعهم على ذلك. وقد نوقش في هذه الأدلة: أما الأول: فلأن محل الكلام هو ما لو علم بالمخالفة بين العالم والأعلم ونحن لا نعلم أن الرجوع كان في هذه الصورة لتكون الروايات نصا في ذلك فلا يبقى إلا الإطلاق والإطلاق لا يشمل المتعارضين لأن شموله لهما يستلزم الجمع بين الضدين أو النقيضين، ولا مجال للقول بالتخيير باعتبار أن رفع اليد عن إطلاق الدليلين المتعارضين أولى من رفع اليد عن أصليهما، وذلك أن الدليلين هنا – كما يقول السيد الخوئي ﵀ – ليس لهما نص وظاهر بل دلالتهما بالظهور والإطلاق فلا مناص من الحكم بتساقطهما، بعد أن لم يكن الجمع العرفي بينهما، وقد نوقشت الأدلة الباقية بإنكارها.

стр. 12123

وقد استدل لوجوب الرجوع إلى الأعلم بأدلة: الدليل الأول – أن مشروعية التقليد إنما تم إثباتها بالكتاب والسنة أو بالسيرة. أما المطلقات الشرعية فهي لا تشمل المتعارضين (وهو موردنا إذ نتحدث في حالة ما إذا علمنا بالتنافي بين فتوى العالم وفتوى الأعلم) . وأما السيرة العقلائية فهي تجري على الرجوع للأعلم عند العلم بالمخالفة وهي ممضاة وإذا سقطت فتوى غير الأعلم عن الحجية تعين الرجوع إلى الأعلم بعد أن علمنا بعدم وجوب الاحتياط لأنه غير ميسور. وأما السيرة العقلائية فهي تجري على الرجوع إلى الأعلم عند العلم بالمخالفة وهي ممضاة وقد اعتمد المرحوم السيد الخوئي هذا الوجه وحده على الظاهر (١) . وربما يناقش في هذا الاستدلال بما سنذكره عند طرح مسألة التبعيض من أنه يمكن تصور شمول الإطلاقات للفتويين المتعارضتين. على أننا لا نعلم بوجود سيرة عقلائية ممضاة في هذا المجال بعد أن وجدنا العقلاء يرجعون إلى المتخصصين خصوصًا المتقاربين منهم – مع علمهم إجمالاً بوجود تخالف بينهم وبين من هم أشد منهم تخصصًا – باعتبارات منها موضوع التسهيل من جهة والاحتمال العقلائي بمطابقة الواقع وإن كانوا يرجحون ذلك. وبتعبير آخر ليس هناك علم بالإلزام العقلائي بالرجوع إلى الأعلم مع كون الطرف الآخر حائزًا للشروط المطلوبة (٢) ونحن نتحدث في مجال تشريعي علم فيه أن الاجتهاد هو طريق شرعي مقبول، وهو متوفر في كليهما حسب الفرض فلا معنى لتشبيه المورد بمجالات التردد الفردي بين المتخصصين في الأمور الخطيرة كما نراه عادة في كتابات العلماء. على أننا لا نعلم بالإمضاء الشرعي وخصوصًا إذا لاحظنا هذه السيرة المتشرعية العامة في الرجوع إلى الصحابة أيا منهم أو الرجوع إلى العلماء من أتباع الأئمة دونما نكير ودونما منع معتبر من مثل هذه الظاهرة المتسعة في عرض الزمان وطوله. بل كان الأئمة يرجعون إلى العلماء دونما اشتراط للأعلمية (٣) .

стр. 12124

على أن مسألة العسر تبدو صحتها يومًا بعد يوم خصوصًا مع افتراض سعة المساحة الإسلامية وتكاثر العلماء إلى حد كبير، والإسلام ينظر للأمور نظرته العامة الشاملة. وذلك يتضح بالخصوص إذا لاحظنا التصوير الذي نقلناه عن صاحب العروة عن الأعلمية. ومن المناسب أن ننقل ما ذكره العلامة الكبير النجفي في هذا الصدد؛ إذ يقول: إنما الكلام في نواب الغيبة بالنسبة إلى المرافعة إلى المفضول منهم وتقليده مع العلم بالخلاف وعدمه، والظاهر الجواز لإطلاق أدلة النصب المقتضي حجية الجميع على جميع الناس، وللسيرة المستمرة في الإفتاء والاستفتاء منهم مع تفاوتهم في الفضيلة ودعوى الرجحان بظن الأفضل يدفعها.. (مع إمكان منعها في كثير من الأفراد المنجبر نظر المفضول فيها في زمانه بالموافقة للأفضل في الأزمنة السابقة وبغيرها) . إنه لا دليل عقلاً ونقلاً في وجوب العمل بهذا الرجحان في خصوص المسألة، إذ لعل الرجحان في أصل شرعية الرجوع إلى المفضول وإن كان الظن في خصوص المسألة بفتوى الفاضل أقوى نحو شهادة العدلين. ومع فرض عدم المانع – عقلاً فإطلاق أدلة النصب بحاله ونفوذ حكمه في خصوص الواقعة يستلزم حجية ظنه في كليها وأنه من الحق والقسط والعدل وما أنزل الله فيجوز الرجوع إليه تقليدًا أيضًا. بل لعل أصل تأهل المفضول وكونه منصوبًا يجري على قبضه وولايته مجرى قبض الأفضل، من القطعيات التي لا ينبغي الوسوسة فيها خصوصًا بعد ملاحظة نصوص النصب الظاهرة في نصب الجميع الموصوفين بالوصف المذكور لا الأفضل منهم وإلا وجب القول انظروا إلى الأفضل منكم لا (رجل منكم) كما هو واضح بأدنى تأمل. ومن ذلك يعلم أن نصوص الترجيح أجنبية عما نحن فيه من المرافعة ابتداءً أو التقليد لذلك مع العلم بالخلاف وعدمه ومن الغريب اعتماد الأصحاب عليها في إثبات هذا المطلب حتى أن بعضًا منهم جعل مقتضاها ذلك مع العلم بالخلاف الذي عن جماعة دعوى الإجماع على تقديمه حينئذ لا مطلقًا فجنح إلى التفصيل في المسألة بذلك.

стр. 12125

وأغرب من ذلك الاستناد إلى الإجماع الحكمي عن المرتضى في ظاهر الذريعة والمحقق الثاني في صريح حواشي الجهاد من الشرائع على وجوب الترافع ابتداءً إلى الأفضل وتقليده بل ربما ظهر من بعضهم أن المفضول لا ولاية له أصلاً مع وجود الأفضل ضرورة عدم إجماع نافع في أمثال هذه المسائل، بل لعله العكس فإن الأئمة (ع) مع وجودهم كانوا يأمرون الناس بالرجوع إلى أصحابه من زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير وغيرهم، ورسول الله ﷺ ولى لقضاء بعض أصحابه مع حضور أمير المؤمنين (ع) الذي هو أقضاهم قال في الدروس " لو حضر الإمام في بقعة وتحوكم إليه فله رد الحكم إلى غيره إجماعًا ". على أنه لم نتحقق الإجماع عن المحقق الثاني وإجماع المرتضى مبتنى على مسألة تقليد المفضول الإمامة العظمى مع وجود الأفضل. وأخيرًا يقول: (فيجوز حينئذ نصبه والترافع إليه وتقليده مع العلم بالخلاف وعدمه) (١) . ويقول المرحوم الحر العاملي وهو إخباري في معرض رده على الأصوليين: " إنه – أي القول بالتقليد – يستلزم وجوب معرفة المقلد بأن الذي يقلده مجتهد مطلق ولا سبيل له إلى ذلك كما لا يخفى فيلزم تكليفه بما لا يطيق وكذلك تكليفه بمعرفة الأعلم بين المجتهدين مع التعدد" (٢) . يقول صاحب كتاب ولاية الفقيه " وللقائل بعدم الاعتبار (للأعلمية) أن يستدل بـ ... استقرار السيرة في زمان النبي ﷺ والأئمة على الرجوع والإرجاع إلى آحاد الصحابة من غير لحاظ الأعلمية مع وضوح اختلافهم في الفضيلة" (٣) .

стр. 12126

ويقول الفاضل التوني ﵀ المتوفى سنة ١٠٢١هـ في الوافية: التقليد: وهو قبول قول من يجوز عليه الخطأ (١) من غير حجة ولا دليل ويعتبر في المفتي الذي يستفتى منه، بعد الشرائط المذكورة، على النحو المذكور، وأن يكون مؤمنًا ثقة (٢) ولم يتعرض مطلقًا لشرط الأعلمية. الدليل الثاني – مما استدلوا به على وجوب الرجوع إلى الأعلم دليل الإجماع وهذا الاستدلال باطل على أي نحو فسرنا الإجماع، فسواء أردنا به اتفاق الآراء أو أردنا به الاتفاق الكاشف عن رأي المعصوم فإنه هنا غير تام بعد وضوح عدم اتفاق الآراء فيه بل ربما يدعى الاتفاق على عدمه في بعض العصور وكذلك وضوح عدم كشفه عن رأي المعصوم ﵇ . الدليل الثالث – بعض الروايات منها مقولة عمر بن حنظلة (٣) الدالة على تقديم حكم الأفقه، ولكنها واردة في مقام القضاء لا الفتوى. ومنها ما جاء في عهد الإمام علي (ع) لمالك الأشتر (اختر للحكم بين الناس أفضل عريتك) (٤) وهي أيضا في باب القضاء. ومنها: ما في كتاب الاختصاص من قوله ﷺ ((إن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها فمن دعى الناس إلى نفسه وفيهم من هو أعلم منه لم ينظر الله إليه يوم القيامة)) (٥) . ولكنها مرسلة بالإضافة إلى أنها تتحدث عن مجال الولاية والحكومة. ومنها: ما جاء عن الإمام محمد بن علي الجواد من قوله لعمه " يا عم إنه لعظيم عند الله أن تقف غدًا بين يديه فيقول لك / لما تفتي عبادي بما لم تعلم وفي الأمة من أعلم منك " (٦) . وهي مرسلة لا يحتج بها بالإضافة إلى تركيزها على عدم علم المفتي.

стр. 12127

الدليل الرابع – أن فتوى الأعلم أقرب إلى الواقع فلا مناص من الأخذ بها. وأجاب عنها السيد الخوئي ﵀ بأن الأقربية إن أريد منها أن فتواه بالفعل أقرب فهذا لا نسلمه وإن أريد أن من شأن فتاواه أن تكون أقرب قلنا إن الأقربية الطبيعية لم تجعل ملاكًا للتقليد ولا لوجوبه (١) . الدليل الخامس – هو الرجوع إلى الأصل العقلي في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير (بين الأعلم وغيره) . ولكن بعد أن تم لدينا الدليل الاجتهادي (السيرة) فإنه ليس هناك مجال للرجوع إلى الأصل العقلي في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير باعتبار ما له من رتبة متأخرة. والغريب أن البعض من العلماء رجعوا إليه مباشرة وقبل مناقشة أي من الأدلة الاجتهادية المدعاة على أن في كون إنتاج هذا الأصل هو التعيين (للأعلم مثلا) كلاما لا مجال للتفصيل فيه (٢) . على أي حال فقد قلنا إن المشهور شهرة عظيمة بين المتأخرين من علماء الإمامية هو القول بالاشتراط (٣) . حكم التبعيض والتلفيق: ونقصد بالتلفيق: عدم التقيد بفتوى مجتهد واحد والرجوع في مقام العمل إلى فتوى أكثر من واحد سواء كان ذلك في العمل المركب الارتباطي أو في الأعمال المستقلة عن بعضها.

стр. 12128

وقد عرفه الألباني بأنه (هو الإتيان بكيفية لا يقول بها مجتهد. وذلك بأن يلفق في قضية واحدة بين قولين أو أكثر يتولد منها حقيقة مركبة لا يقول بها أحد كمن توضأ فمسح بعض شعر رأسه مقلدًا للإمام الشافعي وبعد الوضوء مس أجنبية مقلدًا للإمام أبي حنيفة فإن وضوءه على هذه الهيئة حقيقة مركبة لم يقل بها كل من الإمامين) (١) ومن الواضح أنه يتحدث عن عمل واحد في هذا المثال دون أن يكون التلفيق في الأجزاء الارتباطية وإنما قلد فردًا في جزء الوضوء وآخر في عدم ناقضية مس الأجنبية، ومن الطبيعي أن القائل بجواز التلفيق في عمل مركب ارتباطي يقول به – من باب الأولى – في أعمال مستقلة. وقد عبر عن عملية التلفيق هذه في كتب الفقه الإمامي بالتبعيض وهو ما أرجحه باعتبار ما في مصطلح التلفيق من إيحاءات سلبية. يقول المرحوم اليزدي في (العروة الوثقى) : مسألة ٣٣: " إذا كان هناك مجتهدان متساويان في العلم كان للمقلد تقليدًا أيهما شاء ويجوز التبعيض في المسائل ". ويقول في المسألة ٤٥: " في صورة تساوي المجتهدين يتخير بين تقليد أيهما شاء كما يجوز له التبعيض حتى في أحكام العمل الواحد حتى أنه لو كان – مثلاً – فتوى أحدهما وجوب جلسة الاستراحة واستحباب التثليث في التسبيحات الأربع، وفتوى الآخر بالعكس؛ يجوز أن يقلد الأول في استحباب التثليت والثاني في استحباب الجلسة ". ويقول الإمام الخميني ﵀ إذا كان المجتهدان متساويين في العلم يتخير العامي في الرجوع إلى أيهما، كما يجوز له التبعيض في المسائل يأخذ بعضها من أحدهما وبعضها من الآخر (٢) .

стр. 12129

الآراء في المسألة وتاريخها: حاول الشيخ الألباني استعراض جملة من الآراء فأكد على أن التلفيق وإن لم يكن في عصره ﷺ باعتباره من العوارض التي لا يمكن وجودها حين التبليغ والتشريع، ولكنه كان ساريًا في عصر الصحابة والتابعين ﵃، فقد كان المرء يستفتي بعضهم في مسألة ثم يستفتي غيره في غيرها، ولم ينقل عن أحد منهم قوله بوجوب مراعاة أحكام مذهب من قلده، ولم يؤثر ذلك عن الأئمة الأربعة وغيرهم من المجتهدين بل نقل عنهم ما يشير إلى خلاف ذلك. ويستطرد فيقول " فظهر من هذا أن أخذ المستفتي في عهد السلف بقول أحد علماء الصحابة في مسألة وأخذه بقول غيره من الصحابة أو التابعين في مسألة ثانية لا يقال له تلفيق، ولو أدى إلى تركب حقيقة لم يقل بها المفتيان؛ بل هو من قبيل تداخل أقوال المفتين بعضها في بعض تداخلا طبيعيًّا غير ملحوظ ولا مقصود، وكتداخل اللغات بعضها ببعض في لسان العرب" (١) . وهكذا اعتبر طرح مسألة التلفيق بهذا النحو أمرًا مستحدثًا. ونقل عن العلامة الكواكبي في كتابه (أم القرى) الإنكار على منكري جواز التلفيق وقوله: " والحال ليس ما يسموه التلفيق إلا عين التقليد " وأضاف " وكل مقلد عاجز طبعًا عن الترجيح بين مراتب المجتهدين فبناء عليه يجوز له أن يقلد في كل مسألة دينية مجتهدًا ما، ويضيف: وهل يتوهم مسلم أن أبا حنيفة كان يمتنع أن يأتم بمالك أو يأبى أن يأكل ذبيحة جعفر، كلا بل كانوا أجل قدرًا من أن يخطر لهم هذا التعصب على بال ". ثم نقل عن ابن تيمية ما ملخصه (إن تكليف العامي بتقليد الأعلم في الأحكام فيه حرج وتضييق، ثم ما زال عوام كل عصر يقلد أحدهم لهذا المجتهد في مسألة، وللآخر في أخرى، ولثالث في ثالثة، وكذلك إلى ما لا يحصى. ولم ينقل إنكار ذلك عليهم ولم يؤمروا بتحري الأعلم والأفضل في نظرهم) . ثم إنه استند إلى ما هو الشائع من أنه لا يجب التزام مذهب معين وهكذا استمر في تأييد هذا المنحى بنقل مختلف الأقوال. ومن المناسب أن ننقل هنا نصا للشيخ عبد العلي الأنصاري في فواتح الرحموت في شرح مسلم الثبوت لابن عبد الشكور إذ يقول " وقيل: لا يجب الاستمرار ويصح الانتقال، وهذا هو الحق الذي ينبغي أن يؤمن به ويعتقد به لكن لا ينبغي أن يكون الانتقال للتلهي، فإن التلهي حرام قطعًا في التمذهب كان أو في غيره؛ إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله تعالى والحكم له، ولم يوجب على أحد أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة، فإيجابه تشريع جديد. ولك أن تستدل عليه بأن اختلاف العلماء رحمة بالنص وترفيه في حق الخلق) .

стр. 12130

أما الإمامية: فرغم أننا نقلنا عن إمام كبير من فقهائهم جواز التبعيض وهو منقول عن غيره أيضًا. إلا أنه لم يكن معروفًا لديهم باعتبار مشهورية فتوى ضرورة تقليد الأعلم شهرة عظيمة، وقلة الموارد التي يعلم فيها بالتساوي في المرتبة العلمية حتى ينطرح مثل هذا الموضوع. وعلى أي حال فالمهم هو الاستدلال للأمر والرجوع إلى أدلة الاجتهاد والتقليد لمعرفة الحق في البين، أما الأقوال فإنما يستأنس بها إذا لم تصل إلى حد الإجماع الكاشف عن نظر الشارع (١) . رأي المرحوم السيد الحكيم ﵀ : فالإمام الحكيم يقول في مستمسكه في ذيل المسألة ٣٣ من مسائل (العروة الوثقى) ما يلي: " قد عرفت أنه مع اختلاف المجتهدين في الفتوى تسقط إطلاقات أدلة الحجية عن المرجعية، وينحصر المرجع بالإجماع، فمشروعية التبعيض تتوقف على عموم الإجماع على التخيير بينهما لصورة التبعيض ولم يتضح عموم الإجماع ولم أقف عاجلاً على من ادعاه، بل يظهر من بعض أدلة المانعين عن العدول في غير المسألة التي قد قلد فيها المنع عن التبعيض، فراجع كلماتهم ومثلها دعوى السيرة عليه في عصر المعصومين، فالتبعيض إذًا لا يخلو من إشكال. نعم بناء على كون التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين لا مانع من التبعيض لإطلاقه أدلة الحجية " (٢) . وقد وضح هذا في موضع آخر فقال ما ملخصه: إن التقليد هو العمل اعتمادًا على رأي الغير، فإن اتفق المجتهدون أمكن تقليدهم جميعًا ولا يشترط التعيين، وإن اختلفوا امتنع أن يكون الجميع حجة للتكاذب الموجب للتنقاض ولا واحد معين لأنه بلا مرجح ولا التساقط لأنه خلاف الإجماع والسيرة، فالحجة ما يختاره وهو الالتزام فالالتزام مقدمة للتقليد لا عينه (٣) .

стр. 12131

وذكر في ذيل المسألة ٤٥ من (العروة الوثقى) : " إنه قد يشكل في العمل الواحد الارتباطي الذي تم العمل فيه بفتويين فهو أمر تخالفه الفتويان معًا. وأجاب: إننا بعد البناء على جواز التبعيض لا نقدح مخالفة كل مجتهد على حدة في غير مورد التقليد لهما " وأضاف: " فإن قلت: المجتهد المفتي بعدم وجوب جلسة الاستراحة إنما يفتي بذلك في الصلاة المشتملة على التسبيحات الثلاث، كما أن المفتي بالاقتصار على تسبيحة واحدة إنما يفتي بذلك فيما اشتمل على جلسة الاستراحة، فترك جلسة الاستراحة والاقتصار على تسبيحة واحدة ليس عملاً بفتوى المجتهدين ولو على نحو الانضمام. قلت: الارتباط بين الأجزاء في الثبوت والسقوط لا يلازم الارتباط بينهما في الفتوى ". فالمرحوم السيد الحكيم لا يجد هذا إشكالاً وإنما الإشكال في نظره هو سقوط الأدلة عن شمول الفتويين المتعارضتين من المجتهدين المتساويين ولا إجماع أو سيرة تشملهما فتمنحهما الحجية. وهذا المعنى يمكن إسراؤه إلى حالة ما لو أفتينا بعدم اشتراط الأعلمية في التقليد وتعارضت فتويا العالمين. إلا أننا حتى لو قبلنا مبناه في أن التقليد هو العمل وليس الالتزام بالعمل، أمكننا أن نقول بشمول الأدلة لحالتي التعارض بين الفتويين من باب ما أشرنا إليه من السيرة الجارية في كل العصور الأولى على الرجوع إلى المجتهدين والإرجاع إليهم. وطبيعي أن ذلك كان يتم مع العلم بالمخالفة بينهم؛ الأمر الذي يقرر الشمول لهذا المورد أيضًا. رأي المرحوم السيد الخوئي: وهو يرى أن التقليد هو الاستناد إلى رأي الغير في مقام العمل مستندًا في ذلك إلى أنه الذي تؤكده اللغة وما يتبادر من الأخبار (١) . وعندما يعالج ﵀ مسألة المجتهدين المتساويين المختلفين في الفتوى وموضوع شمول أدلة الحجية لكلتا الفتويين يؤكد أن التخيير بينهما – رغم أنه المعروف بين الأصحاب – مرفوض.

стр. 12132

فالإطلاقات لا يمكنها أن تشمل المتعارضين. والسيرة العقلائية الجارية على التخيير بينهما غير ثابتة؛ بل العقلاء يعتمدون الاحتياط وسيرة المتشرعة لم يحرز كونها متصلة بزمان الشارع، والإجماع منقول بخبر الواحد، ولا يمكننا الاعتماد عليه من جهة، ومن جهة أخرى فإنها مسألة مستحدثة لم يتعرض لها الفقهاء في كلماتهم. هذا وقد قلنا بإمكان ادعاء السيرة المتشرعية؛ بل القطع بها لمن يلاحظ هذه الحالة الشائعة في كل العصور وخصوصًا في عصر صدر الإسلام. على أنه من الممكن أن نتصور شمول أدلة الحجية للفتويين المتعارضتين، لا من باب اعتبار المكلف عالمًا بمضمون الفتويين معًا ليلزم منه الجمع بين الضدين أو النقيضين؛ بل من باب الجامع بين الفتويين. ولا مانع من تعلق الشوق المولوي بأحد فردين يحقق كل منهما غرضه، أو يقال: إن مصلحة التسهيل على المكلفين بإرجاعهم إلى المجتهدين – رغم العلم باختلافهم – تولد شوقًا إجماليا لعمل المكلفين بإحدى الفتاوى التي تمت من خلال عملية مشروعة، ولا نجد في هذا ضيرًا ومخالفة لأي أمر عقلي. فقد توجه الدولة مثلاً مراكز متنوعة لتصدير الأوامر، وهي تعلم أن اجتهادات هذه المراكز قد تختلف في تفسيرها للقوانين واكتشاف مرادات الحاكم؛ إلا أنها تتغاضى عن ما يحدث نتيجة ذلك من مخالفات غير مقصودة تحقيقًا للمصلحة العليا وهي تطبيق قوانينها إلى أقصى حد ممكن. ولكي يتوضح هذا الأمر لنلاحظ إمكان أن يصرح الحاكم بهذا الموضوع دونما إحساس بأي نقص أو مشكلة في تقبل ذلك. أما لغة الاحتياط فقد لا نجد لها مجالاً في كثير من الأحوال القانونية العامة خصوصًا إذا لاحظنا الأمر على الصعيد البشري العام. وقد أشار السيد الخوئي ﵀ في نهاية بحثه هنا إلى أننا قد نتصور جعل الحجية لكل منهما مشروطًا بالأخذ به، وهو أمر معقول ثبوتًا؛ إلا أنه ناقش فيه إثباتًا بأن الأدلة جعلت الحجية لفتوى الفقيه دون تقييد بعنصر الالتزام بها. وهنا نقول بإمكان أن يدعي أحد بأنه رغم عدم التقييد بالالتزام في الموارد العادية فقد يمكن أن يدعي أن الفهم العرفي الذي يواجه حالة التخالف بين الموردين يلجأ إلى هذا التقييد. ويتوضح هذا الفهم العرفي عندما نلاحظ ما جاء في الأخبار الدالة على التوسعة في الخبرين المتعارضين، وأن المكلف له أن يأخذ بأيهما شاء من باب التسليم طبعًا؛ إذا تغاضينا عن ما في سندها وعممنا دلالتها لغير الروايتين المتعارضتين؛ بل حتى لو لم نعمم ولم يتم إسنادها فإنها تكشف عن حالة عرفية في الفهم.

стр. 12133

وعلى أي حال، فقد يقال إن القائلين بأن التقليد هو الالتزام لا يواجهون هذه المشكلة وفيهم من أمثال صاحب الكفاية (رحمة الله عليه) وصاحب العروة حيث يقول " التقليد هو الالتزام بالعمل بقول مجتهد معين وإن لم يعمل بعد ". إلا أنه قد يقال هنا: إن الملحوظ في البين هو الطريقية – حتى على رأي هؤلاء – وليس المراد أخذ الالتزام بنفسه موضوعًا حتى يمكن أن تشمله الإطلاقات. ثم إنه على رأي غالب علماء المذاهب الأربعة لابد من الصيرورة إلى جواز التلفيق أو التبعيض بعد أن لم يشترطوا الأعلمية من جهة، وبعد أن اعتبروا أنها جميعًا موصلة إلى الحق، ولم نعثر على حجة قوية للقائلين برفض التبعيض. ثم إن السيد الخوئي ﵀ في ذيل هذا البحث فرق بين حالتين: حالة عدم العلم باختلاف الفتويين، وحالة العلم بالاختلاف في مجال العمل بهما في عمل مركب واحد ارتباطي، فأجازها في الأولى ولم يجزها في الثانية حتى على تقدير التعميم في الدليل باعتبار أن صحة الأجزاء الارتباطية ارتباطية أيضًا، فإذا أتى بجزء طبق فتوى واحتمل بطلان ما أتى به واقعًا، وأتى بالجزء الآخر طبق فتوى الآخر واحتمل البطلان؛ فهو يشك في صحة صلاته ولا حجة معتبرة لديه في صحتها، ولا يفتي أي من المجتهدين بصحتها فلا بد من الإعادة وهو معنى البطلان. والظاهر أن ما قاله المرحوم السيد الحكيم أمتن في البين. ولم نستطع أن نتبين الفرق بين الحالتين بالنسبة لهذا المورد. تتبع الرخص: قلنا: إن هذه المسألة فرع لمسألة التلفيق، فإذا تم ما قيل في جوازه كان هناك مجال للحديث عن موضوع تتبع الرخص، يقول صاحب فواتح الرحموت: " ويتخرج منه، أي مما ذكر أنه لا يجب الاستمرار على مذهب، جواز اتباعه رخص المذاهب. قال في فتح القدير: لعل المانعين للانتقال إنما منعوا لئلا يتتبع أحد رخص المذاهب وقال هو رحمه الله تعالى: ولا يمنع منه مانع شرعي إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان إليه سبيل بأن لم يظهر من الشرع المنع والتحريم ... " (١) . وأضاف صاحب الفواتح: " لكن لابد أن لا يكون اتباع الرخص للتلهي، كعمل حنفي بالشطرنج على رأي الشافعي قصد إلى اللهو، وكشافعي شرب المثلث للتلهي به. ولعل هذا حرام بالإجماع لأن التلهي حرام بالنصوص القاطعة" (٢) .

стр. 12134

فما هو الموقف من هذه الحالة؟ إن مقتضى جواز التلفيق جواز اتباع الرخص حتى ولو كان ذلك عن قصد، فما الداعي الذي دعى بعض العلماء إلى رفضه؟. ما يمكن أن يذكر من دواعي الرفض هو: أولاً: أن فتح هذا الباب يؤدي إلى التحلل فالإنسان ميال لتخفيف أعباء التكاليف، فإذا ما تتبع الرخص فقد صفة المؤمن الملتزم. ثانيًا: إنه يؤدي إلى التحايل على الشرع وفتح منافذ لتطبيق الحرام بالتركيب بين ترخيصين مثلاً. ثالثًا: أنه يؤدي إلى مخالفة حكم الحكم الشرعي. رابعًا: أنه يؤدي إلى المضرة والمفسدة. خامسًا: أنه يؤدي إجمالاً إلى حالة مقطوع بفسادها وحرمتها. سادسًا: تفسيق متتبع الرخص على المرسل على ما جاء عن الإمام أحمد في رواية عنه. سابعًا: أنه لا ينسجم مع حصر المذاهب بالمذاهب الأربعة والإجماع على لزوم اتباع أحدها بمفرده. ومن الجدير بالذكر أن ما جاء في الأمر السابع أمر غريب جدًّا، فإن تتبع الرخص لا يتنافى في نفسه مع حصر المذاهب، ولا إجماع على لزوم اتباع أحد المذاهب الأربعة بمفرده؛ بل ليس هناك إجماع على لزوم حصر المذاهب بالأربعة. على أن كل الدواعي التي دعت إلى حصرها لا تجد لها ما يبررها إن قبلنا أنها كانت مبررة سابقًا – وهذا ما نرفضه أيضًا" كما رفضه الكثير من العلماء والمحققين (١) . والذي أعتقد بأن هذه الدوافع المذكورة توجد بنحو الإجمال في بعض الحالات. الأمر الذي دفع العلماء إلى تحريم أصل هذا التتبع من باب سد الذرائع وتحريم مقدمة الحرام؛ بل إن بعض هذه الدواعي والموانع يشكل دليلاً – لو تحقق – على رد كل الموارد، وهو ما ذكر في الداعي الثالث حيث يتشكل علم إجمالي يمنع من العمل بأطرافه. والحق هو أننا لا نستطيع أن نغلق بابًا ينسجم مع القواعد الشرعية – لو تمت – لمجرد أنه أمر يسهل فيه التحايل، أو قد يؤدي إلى المفسدة، أو مخالفة الحكم الشرعي إلا إذا غلبت هذه الأمور عليه وبشكل استثنائي.

стр. 12135

والحقيقة هي أنه يقل من يتتبع الرخص شخصيًّا وبقصد التلهي.. ودعنا من شعر الشعراء وقصص القاصين.. فالباب بنفسه مفتوح. بعض الفوائد التي تتصور لانفتاح باب التبعيض والاستفادة من الرخص: وما يمكن أن يذكر هنا من فوائد لانفتاحه يمكن تصويره بما يلي: أولاً: ليس لنا أن نغلق بابًا للتسهيل تفتحه القواعد، فلماذا نمنع فردًا يستطيع الاستفادة من رخصة مذهب يعتبر بشرعيته إجمالاً، وربما كانت هناك حالات تؤثر فيها هذه الرخصة أثرًا كبيرًا كما في أمور الزواج والطلاق مثلاً. ثانيًا: قد يتطلب التخطيط لبرنامج إسلامي موحد لتنظيم شؤون جانب حياتي اللجوء إلى فتوى معينة – ولا نصر على كونها ترخيصية – تنسجم مع المصلحة العامة وتشكل مع غيرها مجموعة متكاملة، وهو ما يسمى أحيانا بالدافع الذاتي في انتقاء الفتوى، وهذا ما يمكن أن يطرح مثلاً في مسألة توحيد أوائل الشهور القمرية أو مسألة عدم الاعتبار بطلاق الغضبان وغيرها. ثالثًا: ربما يجد الباحث المسلم لكي يكتشف مذهبًا حياتيًّا كالمذهب الاقتصادي الإسلامي، أو المذهب الاجتماعي فتاوى منسجمة مع بعضها لدى مفتين متعددين لكنها تشكل وجهًا واحدًا لخط عام، فإنه يستطيع أن يطرح ذلك الخط كصورة اجتهادية عن المذهب المذكور؛ وهذا ما فعله المرحوم الشهيد الصدر – وهو من كبار المجتهدين – في كتابه (اقتصادنا) وقال مبررًا ذلك: " إن اكتشاف المذهب الاقتصادي يتم خلال عملية اجتهاد في فهم النصوص وتنسيقها والتوفيق بين مدلولاتها في اطراد واحد وعرفنا أن الاجتهاد يختلف ويتنوع تبعًا لاختلاف المجتهدين في طريقة فهمهم للنصوص وعلاجهم للتناقضات التي قد تبدو بين بعضها والبعض الآخر، وفي القواعد والمناهج العامة للتفكير الفقهي التي يتبنونها. كما عرفنا أيضا أن الاجتهاد يتمتع بصفة شرعية وطابع إسلامي ما دام يمارس وظيفته، ويرسم الصورة ويحدد معالمها ضمن إطار الكتاب والسنة ووفقًا للشروط العامة التي لا يجوز اجتيازها ... وينتج عن ذلك كله ازدياد ذخيرتنا بالنسبة إلى الاقتصاد الإسلامي، ووجود صور عديدة له كلها شرعي وكلها إسلامي، ومن الممكن حينئذ أن نتخير في كل مجال أقوى العناصر التي يجدها في تلك الصورة وأقدرها على معالجة مشاكل الحياة وتحقيق الأهداف العليا للإسلام، وهذا مجال اختيار ذاتي يملك الباحث فيه حريته ورأيه " ويضيف: " إن ممارسة هذا المجال الذتي ومنح الممارس حقًّا في الاختيار ضمن الإطار العام للاجتهاد في الشريعة قد يكون أحيانا شرطًا ضروريًّا من الناحية الفنية لعملية الاكتشاف". ويضيف متسائلًا: " هل من الضروري أن يعكس لنا اجتهاد كل واحد من المجتهدين – بما يتضمن من أحكام – مذهبًا اقتصاديًا متكاملاً وأسسًا موحدة منسجمة مع بناء تلك الأحكام وطبيعتها؟ ونجيب على هذا السؤال بالنفي لأن الاجتهاد الذي يقوم على أساسه استنتاج تلك الأحكام معرض للخطر. وما دام كذلك فمن الجائز أن يضم اجتهاد المجتهد عنصرًا تشريعيًّا غريبًا على واقع الإسلام.. ولهذا يجب أن نفصل بين واقع التشريع الإسلامي كما جاء به النبي ﷺ وبين الصورة الاجتهادية كما يرسمها مجتهد معين (١) . وهكذا يقول بأن فتح باب التبعيض وحتى باب اتباع الرخص – ولكن بشكل يبعده عن الابتذال – أمر مرغوب فيه. والله أعلم محمد علي التسخيري

стр. 12136

الأخذ بالرخص الشرعية وحكمه إعداد محمد رفيع العثماني رئيس جامعة دار العلوم – كراتشي – والمفتي بها باكستان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله الذي رفع الحرج بهذا الدين؛ الإسلام، فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، والصلاة والسلام على نبينا محمد المصطفى المبعوث بالشريعة الحنيفية السمحة، وعلى آله وصحبه الذين قال لهم نبيهم الكريم – ﵊: ((إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين)) (١) وعلى من حذا حذوهم واتبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فيلائم لنا قبل الخوض في البحث أن نقدم شيئًا من استحباب اليسر والرفق والتخفيف عند الله الكريم وعند نبيه الرؤوف الرحيم – ﵊. بيان يسر هذا الدين وسماحته ورفع الحرج عنه: فاعلم أن الله – – يحب الرفق واليسر في الأمر كله، ورد به كثير من نصوص الآيات والأحاديث نذكر بعضها نحو ما يلي: ١- آيات اليسر ورفع الحرج: أما الآيات، فقال الله تعالى في القرآن العظيم: ١- ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . ٢- ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . ٣- ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [المؤمنون: ٦٢] . ٤- ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] . ٥- ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] . ٦- ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] . ٧- ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . ٨- ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] . ٩- ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .

стр. 12137

٢- أحاديث الرفق واليسر: وأما الأحاديث فمنها ما يأتي: ١- عن عائشة – رضي الله تعالى عنها – قالت: قال النبي ﷺ : ((يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله)) (١) . ٢- وعنها أيضًا، قالت: قال رسول الله ﷺ : ((ارفقي، فإن الرفق لم يكن في شيء قط إلا زانه، ولا نزع من شيء قط إلا شانه)) (٢) . ٣- وروى عبد الله بن مغفل – رضي الله تعالى عنه – أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله رفيق يحب الرفق)) (٣) . ٤- وروى أبو هريرة – رضي الله تعالى عنه – قال: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن ... ثم قال: ((يسرا ولا تعسرا، بشرا ولا تنفرا)) (٤) . ٥- وعن عائشة – رضي الله تعالى عنها – أنها كانت تقول: قال رسول الله ﷺ : ((سددوا وقاربوا ويسروا)) (٥) . ٦- وعن أنس بن مالك – رضي الله تعالى عنه – يقول: قال النبي ﷺ : ((يسروا ولا تعسروا)) (٦) . ٧- وعن عائشة – ﵂ – قالت: ((ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه)) (٧) . ٨- وعن أبي هريرة – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، وبشروا)) (٨) إلخ. ٩ – وعن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما – عن النبي ﷺ ((أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)) (٩) . ١٠- وعن محجن بن الأدرع – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره)) ثلاث مرات (١٠) . ١١- وعنه أيضًا، قال: قال رسول الله ﷺ : ((إنكم أمة أريد بكم اليسر)) (١١) . ١٢- وعن أبي هريرة –ر ضي الله عه عنه – قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن دين الله – – في يسر)) ثلاثًا (١٢) . ١٣- وعن جابر بن عبد الله – ﵁ – قال: قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا)) (١٣) .

стр. 12138

فهذه النصوص من الآيات والأحاديث كلها تنادي بأعلى نداء أن الدين الإسلامي يسر لا عسر فيه ولا حرج، وليس في أحكامه ما يجاوز قوى الإنسان، أو ما يعنته. ومن ضوء هذه النصوص استنبط الفقهاء – رحمهم الله تعالى – القواعد المشهورة المعروفة المذكورة في كتب " القواعد الفقهية " وجعلوها بمثابة نبراس يستضيئون به عند النوازل والوقائع، ويعالجون كثيرًا من المسائل والقضايا على أساسها – وهي كما يلي: القواعد الفقهية الدالة على اليسر ورفع الحرج: ١- " المشقة تجلب التيسير " (١) . ٢- " لا ضرر ولا ضرار " (٢) . ٣- " الضرر يزال " (٣) . ٤- " الضرورات تبيح المحظورات " (٤) . ٥- " يختار أهون الشرين " (٥) . ٦- " يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام " (٦) . ٧- " الضرر الأشد يزال بالأخف " (٧) . ٨- " إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما " (٨) . ٩- "درء المفاسد أولى من جلب المنافع " (٩) . ١٠- " إذا ضاق الأمر اتسع " (١٠) . ١١- " إن ما عمت بليته خفت قضيته " (١١) . ١٢- " لو كان أحدهما أعظم ضررًا من الآخر، فإن الأشد يزال بالأخف " (١٢) . فهذا بعض ما تيسر لي إيراده من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والقواعد الفقهية، فيه ما يبين أن الدين يسر ورحمة لنا، قد رفع عنا العسر والحرج، كيف وقد سمى الله – – نفسه بـ " الرحمن " و "الرحيم " وسمى نبيه – ﵊ – بـ " الرؤوف " وأرسله رحمة للعالمين، وأنزل كتابه بالرحمة، فقال خطابًا لنبيه ﷺ : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] . وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) ﴾ [النمل: ٧٦] . معنى رفع الحرج: فوضح أن الشرع لم يأت ولم يكلف بما لا يطيقه الإنسان أو يعنته؛ بل شرع من الأحكام الأصلية ورخص ما يناسب أحوال المكلفين. ولكن ليس معنى أن الشرع أطلق العنان للمكلفين، ومنح لكل أحد الحرية لأن يترك كل عمل يحسبه عسيرًا، وإنه لو كان كذلك لانفتح باب الإباحة، وانغلق باب التكليف، وتعطلت الشرائع، وانسد باب العمل الذي خلق له الإنسان، قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . والظاهر أن المقصود من الشرع تزكية النفس، وانتظام الأمور الدنيوية والأخروية، ورضى الحق – – وذلك لا يحصل إلا بالعمل بالشريعة، ويعلم كل من له أدنى شعور أنه لا يخلو عمل مطلوب شرعًا من نوع كلفة، ومن هنا سمي تكليفًا، لأن فيه نوع مشقة، ولو لم يكن فيه إلا مخالفة الهوى لكن كافيًا في كونه شاقًّا على النفس، لكن هذا القدر من المشقة ليس مانعًا من التكليف. فالكلفة والمشقة التي توجد في كثير من المطلوبات الشرعية هي كلفة معتادة لا يمنع التكليف معها، وهي داخلة في حدود الاستطاعة والوسع المذكور في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . كما أن الأعمال الدنيوية ككسب المعاش فيها كلفة، بل كثير من أعمال النزهة والتفرج لا يخلو من مشقة وكلفة أيضًا: ومع هذا لا يعد شاقا، ولا يتقاعس الناس من أجلها عن ذلك العمل لكون الكلفة والمشقة فيه عادية، بل أهل العقول يعدون المنقطع عنه كسلان، والناس يذمونه بذلك، فكذلك المعتاد في التكاليف. وهذا كما قاله العلامة الشاطبي – رحمه الله تعالى -: " وإلى هذا المعنى يرجع الفرق بين المشقة التي لا تعد مشقة عادة والتي تعد مشقة، وهو أنه إن كان العمل يؤدي الدوام عليه إلى الانقطاع عنه أو عن بعضه، أو من وقوع الخلل في صاحبه في نفسه أو ماله، أو حال من أحواله، فالمشقة هنا خارجة عن المعتاد، وإن لم يكن فيها شيء من ذلك في الغالب فلا يعد في العادة مشقة، وإن سميت كلفة (١٣) . فعلى هذا ليس كل مشقة تجلب التيسير والتخفيف والرخص، بل المشقة غير المعتادة هي التي تجلب التيسير والتخفيف، وهذه هي المرادة من النصوص والقواعد الفقهية التي ذكرناها آنفًا.

стр. 12139

الأخذ بالرخص وحكمه قبل أن ندخل في صلب الموضوع يجدر بنا أن نذكر تعريف الحكم الشرعي وأقسامه فإن الحكم الشرعي هو الذي يتضمن العزيمة والرخصة الحكم الشرعي: فالحكم الشرعي هو ما ثبت بخطاب الله تعالى المتعلق بفعل العباد بالاقتضاء (كوجوب الصلاة وحرمة الخمر) أو التخيير (كإباحة أكل اللحم) أو الوضع (ككون الزنى سببًا لوجوب الحد) . لا يقال هذا التعريف لا يشمل ما ثبت بالسنة والإجماع والقياس. لأنه لا يصدق عليه أنها خطاب الله، ولأنا نقول: إن كلا من السنة والإجماع والقياس كاشف ومظهر عن خطاب الله تعالى، فالثابت بها ثابت بخطاب الله تعالى، وهو معنى كون كل منهما دليل الحكم. والحكم الشرعي على قسمين: الحكم الوضعي، والحكم التكليفي (١) . الحكم الوضعي وأقسامه: فالحكم الوضعي هو ما وضعه الشارع لإضافة الحكم إليه، لتعرف به الأحكام تسهيلاً علينا، فهو لا يتعلق بطلب فعل أو ترك له، وهو ثلاثة: ١- السبب؛ كجعل الزنا سببًا لوجوب الحد، والوقت المخصوص لوجوب الصلاة والصوم. ٢- والشرط؛ كجعل القدرة على تسليم المبيع شرطًا لصحة البيع، والطهارة لصحة الصلاة. ٣- والمانع؛ كجعل الأبوة مانعة للقصاص مع وجوب السبب، وهو القتل العمد ظلمًا. الحكم التكليفي واقسامه: والحكم التكليفي ما ثبت بخطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، والمراد بالاقتضاء طلب الفعل مع المنع عن الترك، وهو الإيجاب أو بدونه، وهو الندب، أو طلب الترك مع المنع من الفعل وهو التحريم، أو بدونه وهو الكراهة. ومعنى التخيير إباحة الفعل والترك. وتنقسم الأحكام التكليفية التي شرعها الله تعالى لعباده إلى عزيمة ورخصة (٢) .

стр. 12140

العزيمة وأقسامها: أما العزيمة: فهي لغة: القصد المؤكد، كما قال الله تعالى عن آدم – على نبينا وعليه الصلاة والسلام – ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] . أي: قصدًا مؤكدًا، وسمى بعض الرسل " أولي العزم " لتأكد قصدهم في طلب الحق (١) ، وقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] . أي: أولو الجد والثبات والصبر.. إلخ (٢) . وشرعًا: فهي ما شرع ابتداء غير مبني على أعذار العباد، سواء كان متعلقًا بالفعل، كالمأمورات، أو متعلقًا بالترك، كالمحرمات. وهي على ستة أنواع عند الحنفية: الفرض، والواجب، والسنة، والنفل (المندوب) ، ووالحرام، والمكروه تحريمًا. قال النسفي – رحمه الله تعالى – في شرحه على المنار: وقيل: إن النفل ليس بعزيمة، لأنه شرع جبرًا لنقصان ما يمكن في العزيمة، وهي الفريضة – قلنا: ذاك في قصد الأداء لا في الشرعية فهو مشروع ابتداءً كسائر العزائم. والمراد بالعزيمة ما يترتب عليه الجزاء من العزائم، فليس المياه منها، والمكروه تنزيهًا أدخله بعضهم في المباح (٣) . الرخصة في اللغة: والنوع الثاني من الأحكام التكليفية، الرخصة، وهي بضم الراء المهملة وتسكين الخاء، وحكي بضمتين مشتقة من الرخص، (بضم الراء المهملة وسكون الخاء) وهو ضد الغلاء والعزيمة. فهي عبارة عن اليسر والسهولة، يقال: "رخص السعر " إذا اتسعت السلع وكثرت، وسهل وجودها، وتيسرت إصابتها (٤) لكثرة وجود الأشكال وقلة الرغائب فيها (٥) و " رخص الشارع لنا في كذا " إذا يسره وسهله (٦) .

стр. 12141

الرخصة في عرف اللسان: والرخصة في عرف اللسان تستعمل في الإباحة على طريق التيسير، يقول الرجل لغيره: " رخصت لك في كذا " أي: أبحته لك تيسيرًا عليك (١) . الرخصة في الاصطلاح: وأما الرخصة في الاصطلاح فعرفها الأصوليون بعبارات مختلفة لكنها متقاربة المعنى، كما يأتي: ١- قال المحقق ابن الهمام – رحمه الله تعالى- في التحرير آخرًا: " الرخصة ما تغير من عسر إلى يسر من الأحكام " (٢) . ٢- ويقول العلامة نظام الدين الشاشي – رحمه الله تعالى -: " الرخصة في الشرع: صرف الأمر من عسر إلى يسر بواسطة عذر في المكلف " (٣) . ٤- وقيل: " هي ما بني على أعذار العباد " (٤) . ٤- " ما تغير من عسر إلى يسر " (٥) . ٥- وقال في رد المحتار: " هي ما بني على أعذار العباد، ويقابلها العزيمة، وهي ما كان أصلها غير مبني على أعذار العباد " – وقال -: " وهو الأصح في تعريفهما " (٦) . ٦- وقيل: " إن الرخصة اسم لما تغير عن الأمر الأصلي إلى تخفيف ويسر ترفيهًا وتوسعة على أصحاب الأعذار " (٧) . ٧- ويقول العلامة الشاطبي – رحمه الله تعالى -: " وأما الرخصة فما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه " (٨) . ٨- وعرفها البيضاوي – رحمه الله تعالى – بقوله: " الحكم إن ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة، وإلا فعزيمة " (٩) . ٩ – وقال ابن السبكي – رحمهما الله تعالى -: " الحكم الشرعي إن تغير إلى سهولة لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي فرخصة، وإلا فعزيمة " (١٠) . ١٠ - ويقول المحلاوي – رحمه الله تعالى -: " وأما الرخصة ... اصطلاحًا (فهي) السهولة في الحكم المتغير إليه لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي المتغير" (١١) . ١١- وعرفها المحقق ابن الهمام – رحمه الله تعالى – " بما شرع تخفيفًا لحكم مع اعتبار لدليله قائم الحكم لعذر، أو متراخيًا عن محلها، كفطر المسافر " (١٢) .

стр. 12142

١٢- وعرفها السيرفي – رحمه الله تعالى – " بما تغير من عسر إلى يسر لعذر مع بقاء الأصل مشروعًا " (١) . ١٣- وقال الجرجاني: " إن الرخصة في الشريعة اسم لما شرع متعلقًا بالعوارض، أي: بما استبيح بعذر مع قيام الدليل المحرم " (٢) . وبه عرفها المفتي عميم الإحسان الداكوي – رحمه الله تعالى – أيضا (٣) . ١٤- ويقول الإمام فخر الإسلام البزدوي – رحمه الله تعالى – " إن الرخصة اسم لما بني على أعذار العباد، وهو ما يستباح بعذر مع قيام المحرم " (٤) .. وزاد عليه الإمام السرخسي – رحمه الله تعالى -: " وللتفاوت فيما هو أعذار العباد يتفاوت حكم ما هو رخصة " (٥) . ١٥- وعرفها الآمدي – رحمه الله تعالى – بقوله: " الرخصة ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام الدليل المحرم " (٦) . وبه عرفها العلامة ابن الحاجب (٧) والتفتازاني (٨) – رحمهما الله تعالى. تنبيهات: ١- المراد بقيام الدليل كونه سالمًا من النسخ والمعارضة المسقطة. ٢- إن الرخصة لابد لها من دليل شرعي فوق العذر، وإلا لزمت مخالفة الدليل الشرعي القائم من غير دليل. ٣- ذهبت طائفة من الأصوليين إلى أن الرخصة من أقسام الحكم التكليفي، كما فعلناه فيما سبق حيث قسمنا التكليفي إلى عزيمة ورخصة، وذهبت طائفة منهم إلى أنها من أقسام الحكم الوضعي. والذي فهمته من كلامهم أن الرخصة من أقسام الحكم التكليفي من وجه، ومن أقسام الحكم الوضعي من وجه، فمن حيث كونها واجبة، أو مندوبة، أو مباحة هي من الحكم التكليفي، ومن حيث كونها مسببة عن عذر طارئ في حق المكلف هي من الحكم الوضعي، ولا مانع من اجتماع التكليف والوضع في الرخصة من جهتين، كما حققه ابن أمير الحاج في شرحه على التحرير (٩) . فإن إيجاب الجلد للزاني مثلاً من أحكام التكليف من وجه وهو ظاهر، ومن أحكام والوضع من حيث كونه مسببًا عن الزنا (١٠) . فالخلاف في هذا لفظي لا يترتب عليه ثمرة.

стр. 12143

حاصل ما مر من تعريفات الرخصة: إذا نظرنا فيما مر من تعريفات الرخصة لدى العلماء ظهر لنا أنهم متفقون على معنى الرخصة اصطلاحًا، وإن اختلفت عباراتهم. وحاصله: " أن الرخصة هي الحكم الذي تغير من عسر إلى يسر توسعة على أصحاب الأعذار مع قيام الدليل للحكم الأصلي " إلا أن طائفة منهم سكتوا عن قيد: " مع قيام الدليل للحكم الأصلي " وما في معناه، كما رأيته في التعريفات الثمانية الأول، وطائفة منهم ذكروا هذا القيد، كما في التعريفات الباقية. ولعل سبب هذا أن من أراد إدخال الرخصة المجازية في التعريف لم يقيده بهذا القيد، ومن لم يرد إدخالها فيه وخص التعريف بالرخصة الحقيقية فقط قيده بهذا، كما سيتضح لك في بيان أنواع الرخصة الآتية عند الحنفية. أنواع الرخصة: للأصوليين في بيان أنواع الرخصة منهجان: منهج الحنفية، ومنهج الشافعية وموافقيهم. أنواع الرخصة عند الحنفية: أما الحنفية فقسموها إلى نوعين: رخصة حقيقية، ورخصة مجازية، ثم قسموا الحقيقية أيضا إلى نوعين، أحدهما أحق من الآخر، أي: أقوى في كونه رخصة حقيقية. وكذا المجازية عندهم نوعان، أحدهما أتم من الآخر، أي: أكمل في كونه مجازا، فالرخصة عندهم أربعة أنواع (١) .

стр. 12144

النوع الأول: وهو أحق نوعي الحقيقة، أي: أقوى وأثبت في كونها رخصة حقيقية، وهي ما عوملت معاملة المباح في سقوط المؤاخذة عن من عمل بها (١) مع أن الحكم الأصلي، وهو الحرمة قائم، لقيام الدليل. مثاله: سقوط المؤاخذة عن من أكره بما يخاف على نفسه بالقتل أو على عضو منه بالقطع (٢) على إجراء كلمة الكفر، فإنه يرخص له إجراء قول الكفر على لسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، فالحكم الأصلي، وهو حرمة قول الكفر قائم لم ينسخ، ودليله قائم أيضًا، وهو النصوص الدالة على حرمة الكفر، سواء كان باللسان أو بالقلب، لكن جاء العذر، وهو الإكراه بالقتل أو القطع، فرخص له إجراء كلمة الكفر إذا كان قلبه مطمئنًا بالإيمان، ودليل الرخصة قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] . ولأن حقه في نفسه يفوت بالامتناع من إجراء كلمة الكفر صورة ومعنى، أما صورة فبتخريب البنية، وأما معنى فبزهوق الروح، وفي الإجراء لا يفوت حقه تعالى لقيام الركن الأصلي، وهو التصديق بالقلب، واستدامة الإقرار باللسان في كل وقت ليس بركن إلا أن في إجراء كلمة الكفر هتك حرمة حق الله تعالى صورة، وفي الامتناع من الإجراء مراعاة لحقه صورة ومعنى. فحرمة إجراء كلمة الكفر عزيمة، فلو صبر وامتنع من الإجراء حتى قتل، أو قطع عضو منه كان مأجورًا، وسقوط المؤاخذة بإجراء كلمة الكفر على لسانه مع كونه حرامًا رخصة بمعنى أنه لا يعاقب فاعله إذا أكره عليه، لا بمعنى أنه صار مباحًا، لأن حرمة الكفر قائمة أبدًا، لقيام الدليل المحرم، فلا يلزم من سقوط المؤاخذة ثبوت الإباحة وسقوط الحرمة، كمن ارتكب كبيرة فعفي عنه، فإن العفو لا يصير الكبيرة مباحة (٣) . فهذه الرخصة تشبه المباح في سقوط المؤاخذة عن من عمل بها، ويخالفه في كون التارك لها مأجورًا، لأن حقيقة المباح ما استوى طرفاه، أي: فاعله وتاركه سواء لا يعاقب ولا يثاب.

стр. 12145

ومثاله أيضًا: سقوط المؤاخذة بالإفطار في رمضان عن الصائم إذا أكره عليه، مع أن الحكم الأصلي، وهو حرمة الإفطار قائم لم ينسخ، لقيام الدليل، وهو قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . لكن جاء العذر، وهو الإكراه، فرخص له في الإفطار، ودليل الرخصة: أن حق الله تعالى لا يفوت لإمكان تداركه بالقضاء، وحق المكره في نفسه يفوت بالامتناع من الإفطار، لا يمكن تداركه، فجاز له الإفطار بمعنى أنه سقط المؤاخذة عنه. وكذلك إذا أكره على إتلاف مال الغير، فإنه يرخص له ذلك مع أن الحكم الأصلي قائم، وهو حرمة الإتلاف، لقيام الدليل المحرم، وهو النصوص الدالة على حرمة مال الغير، كقوله ﷺ : ((إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا)) (١) ودليل الرخصة أن حق المكره في نفسه يفوت، ولا يمكن تداركه، وحق الغير يمكن تداركه بضمان المثل أو القيمة. وكذا إذا ترك الخائف على نفسه الأمر بالمعروف جاز له ذلك بشرط أن يكون كارهًا لذلك بقلبه، مع أن الحكم الأصلي قائم، وهو حرمة ترك الأمر بالمعروف، لقيام الدليل، وهو النصوص الدالة على حرمة الترك، كقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣) ﴾ [العصر] .

стр. 12146

ودليل الرخصة قوله ﷺ : ((ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (١) ولأن حق المكره يفوت رأسًا إذا أقدم على الأمر بالمعروف. وحق الله تعالى باق غير فائت تداركه اعتقاد حرمة الترك (٢) ، ولهذا النوع أمثلة كثيرة (٣) . وهذا القسم الرخصة فيه أكمل، لأن العزيمة في مقابلتها أكمل، فإن الحكم الأصلي، وهو الحرمة، ودليله قائمان، وأكملية الرخصة لأكملية العزيمة، وهذا كما قيل: " وبضدها تتبين الأشياء ". حكم هذا النوع: حكم هذا النوع من الرخصة أن الأخذ بالعزيمة أولى مطلقًا، لبقاء الدليل المحرم والحرمة، حتى لو تحمل ما أكره به وامتنع عما هو الرخصة وقتل كان شهيدًا، لكونه باذلاً نفسه لإقامة حق الله تعالى، وقد روي (٤) أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي ﷺ – فقال لأحدهما: " ما تقول في محمد "؟ قال: " رسول الله " قال: " فما تقول في "؟ قال: " أنت أيضا " فخلاه، وقال لآخر: " ما تقول في محمد "؟ قال: " رسول الله " قال: " فما تقول في؟ " قال: " إنما أنا أصم " فأعاد عليه ثلاثًا، فأعاد جوابه، فقتله، فبلغ ذلك النبي ﷺ – فقال: ((أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئًا له ")) (٥) . النوع الثاني: أما النوع الثاني من الرخصة فما استبيح فعله مع قيام السبب المحرم الموجب لحكمه إلا أن الحكم، وهو الحرمة، متراخ عن السبب إلى زمان زوال العذر، فقد اتصل بالسبب عذر مانع منعه أن يعمل عمله في الحال. فهذا النوع أهون من الأول، لأنه من حيث إن سبب الحرمة قائم فهو من الرخص الحقيقية، ومن حيث أن حكم السبب، وهو الحرمة تراخى عنه كان غيره أحق، لأن كمال الرخصة مبني على كمال العزيمة المقابلة لها، فإذا كان الحكم الأصلي وهو العزيمة ثابتًا مع سببه؛ أي من غير تراخ كان في كونه عزيمةً أقوى مما إذا كان متراخيًا عن السبب، كالبيع بشرط الخيار مع البيع الثابت، فحكم البيع وهو الملك في المبيع للمشتري ثابت في الحال من غير تراخ بالبيع الثابت، متراخ عن السبب، وهو العقد، في البيع بشرط الخيار.

стр. 12147

مثاله رخصة الإفطار للمسافر والمريض في رمضان، فإن السبب الموجب للصوم المحرم للفطر قائم، وهو شهود الشهر، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، لكن تراخى حكمه في حقها – وهو وجوب أداء الصوم وحرمة الإفطار – إلى إدراك عدة من أيام أخر ترخيصًا لهما وتيسيرًا، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . ولقيام السبب الموجب صح أداؤهما لو صاما، ولتراخي الحكم لو ماتا قبل إدراك عدة من أيام أخر لم يكن عليهما شيء من القضاء أو الفدية، كما لو ماتا قبل رمضان. ولو كان وجوب أداء الصوم ثابتًا للزمهما الوصية بالفدية، لأن ترك الواجب لعذر وإن كان رافعًا للإثم ولكنه لا يسقط الخلف، وهو القضاء أو الفدية. بخلاف المكره على الإفطار في رمضان، إذا أفطر ومات قبل إدراك زمان القضاء، فإنه يلزمه الوصية بالفدية قبل موته، لأن الحكم وهو وجوب أداء الصوم وحرمة الإفطار قائم في حقه غير متراخ، لكن سقوط المؤاخذة عنه رخصة له كما قدمناه في النوع الأول (١) . حكم هذا النوع: ١- إن الأخذ ب العزيمة أولى إذا لم يضعفه الصوم، فالصوم أفضل من الإفطار. ٢- والأخذ بالرخصة أولى إذا ضعف عن الصوم في السفر أو فات منه أمر أهم كالجهاد، فالإفطار أولى. ٣- والأخذ بالرخصة واجب إن خاف الهلاك على نفسه، فيلزمه الفطر. لأنه لو صبر وصام فمات كان قتيل الصوم، وهو المباشر لفعل الصوم فيصير قاتلاً نفسه، تحري عدم التناقض. فيأثم، لأنه يجب عليه الاحتراز عن قتل نفسه، بخلاف ما إذا أكرهه ظالم على الفطر فلم يفطر حتى قتله فإنه يثاب؛ لأن القتل هنا مضاف إلى الظالم، وبصبره أظهر الطاعة لله تعالى، وذلك عمل المجاهدين. واعلم أن النوع الأول والثاني هو ما يطلق عليه اسم الرخصة حقيقة، لأن الرخصة الحقيقية هي التي تكون العزيمة المقابلة لها ثابتة معمولاً بها في الشريعة، وهذا ظاهر في النوعين المتقدمين، والنوع الأول أثبت وأقوى من النوع الثاني في صدق لفظ الرخصة عليه حقيقة (٢) .

стр. 12148

وأما النوع الثالث: فهو ما وضع عنا ولم يشرع في حقنا من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا في الشرائع كما قال الله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، وذلك كالقضاء بالقصاص عمدًا كان أو خطأ من غير شرع الدية والعفو، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض الثوب إذا أصابه نجاسة، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم، وتحريم السبت، وأداء ربع المال للزكاة، وعدم جواز الصلاة إلا في المسجد، وحرمة الجماع في أيام الصوم بعد العتمة والنوم، وحرمة الطعام بعد النوم. فيسمى ذلك رخصة مجازًا، لأن الحكم الأصلي لم يبق مشروعًا في حقنا (١) وإنما أطلق عليه اسم الرخصة باعتبار ما فيه من التخفيف واليسر عند مقارنة حالنا بحالهم، فحسن إطلاق اسم الرخصة عليه باعتبار الصورة تجوزًا لا تحقيقًا، فإن حقيقة الرخصة في الاستباحة إنما تتحقق إذا ثبتت مع قيام السبب المحرم وهو هنا معدوم أصلاً بالرفع والنسخ (٢) . حكم النوع الثالث: وحكم هذا النوع أننا إذا عملنا بالحكم الأصلي المنسوخ، وتركنا هذا النوع من الرخصة التي شرعت لنا في مقابلته أثمنا وعوتبنا (٣) . النوع الرابع: أما النوع الرابع وهو الثاني من نوعي الرخصة المجازية فهو ما سقط عن العباد بإخراج سببه من أن يكون موجبًا للحكم في محل الرخصة مع كون الساقط مشروعًا في بعض الأوقات، أي في غير صورة العذر، فهو غير مشروع لأهل الأعذار من هذه الأمة، ومشروع في حق من ليس له عذر منها.

стр. 12149

فهو من حيث انعدام السبب الموجب للحكم الأصلي يشبه النوع الثالث، فكان مجازًا، لأن العزيمة لم تكن في مقابلتها، ومن حيث إنه بقي مشروعًا علينا في الجملة يشبه النوع الثاني، فكان معنى الرخصة فيه حقيقة من وجه دون وجه (١) بخلاف النوع الثالث لأن الحكم سقط فيه ولم يبق مشروعًا في حقنا بوجه من الوجوه، فكان في غاية البعد عن حقيقة الرخصة (٢) فكان أتم في كونه مجازًا من النوع الرابع. ومثلوا لهذا النوع من الرخصة بأكل الميتة وشرب الخمر إذا خاف الهلاك على نفسه من الجوع أو العطش، أو أكره على ذلك، فإنه يجب عليه التناول ولا يسعه الامتناع في ذلك، حتى لو صبر حتى مات، أو قتل أثم، لأن السبب غير موجب للحكم عند الضرورة للاستثناء المذكور في قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، فالمستثنى، لا يتناوله الكلام موجبًا لحكمه، ولكن السبب بهذا الاستثناء لم ينعدم أصلاً، فكانت الرخصة ثابتة باعتبار عذر العبد خرج به السبب من أن يكون موجبًا للحكم في حقه ويلتحق الحرام في هذه الحالة في حقه بالحلال، لما انعدم سبب الحرمة في حقه، فكأنه قال إنها محرمة في حالة الاختيار، مباحة في حالة الاضطرار، ومن امتنع من تناول الحلال حتى يتلف نفسه يكون آثمًا. يوضحه: أن سبب الحرمة وجوب صيانة عقله عن الاختلاط أو الفساد بشرب الخمر، وصيانة بدنه عن ضرر تناول الميتة، وصيانة البعض لا يتحقق في إتلاف الكل، فكان الامتناع في هذه الحالة إتلافًا للنفس من غير أن يكون فيه تحصيل ما هو المقصود بالحرمة، فلا يكون مطيعًا لربه، ويكون متلفًا نفسه بترك الترخص، فيكون آثمًا. ولهذا النوع أمثلة غيرها ذكرها السرخسي في أصوله، إن شئت التفصيل فراجعه (٣) .

стр. 12150

أقسام الرخصة عند الشافعية وغيرهم: قسم الشافعية الرخصة بحسب ورود العذر وقوة الطلب فيها إلى أربعة أقسام: ١- رخصة واجبة: كأكل الميتة للمضطر في حالة المخمصة لمن خاف الهلاك على نفسه بغلبة الجوع، فإن ذلك واجب لحفظ النفس، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] . ولذلك فلو صبر ولم يأكل حتى مات يكون تاركًا للواجب، آثمًا. ٢- رخصة مندوبة: كقصر الصلاة الرباعية في السفر إذا بلغ ثلاثة أيام فصاعدًا عند من يقول بندبية القصر. ٣- رخصة مباحة: كالسلم والإجارة والعرايا ونحو ذلك من العقود الثابتة على خلاف القياس، لأن القياس يقتضي عدم جواز مثل هذه العقود، لما فيها من الجهالة والغرر، ولكنها جوزت للحاجة إليها، وقد جاء التصريح بذلك في بعض الأحاديث كقوله (أي الراوي) : " وأرخص في السلم وأرخص في العرايا (١) " ونحوها. ٤- رخصة على خلاف الأولى: كما في الجمع بين الصلاتين في السفر في غير عرفة ومزدلفة، إن الإفراد أولى خروجًا من خلاف من لا يجوز الجمع الحقيقي إلا في عرفة ومزدلفة. ومن هذا القبيل التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه، فإن الأفضل عدمه والتزام الثبات والمصابرة على الدين (٢) .
следующие страницы →