الخاتمة
إن التنظيمات التي تهدف إلى القضاء على الاختلاف بين قواعد الحقوق المطبقة في نفس الدولة بقدر الإمكان وإلى تحقيق وحدة التشريع وبالتالي المنع من حدوث الفوضى التشريعية، وإن المبادئ والتصورات من مثل مبدأ " لا جريمة ولا عقوبة بلا نص " الذي يؤكد على لزوم معرفة الأفراد مقدمًا كيفية معاملة القانون لهم منذ ارتكابهم للأفعال التي يعتبرها القانون من الجرائم ولزوم عدم ترك هذه القضية إلى التقديرات الشخصية المتكونة عقب حدوث تلك الأفعال، وكذلك مبدأ " الحكم العادي " القائل بوجوب النظر في القضية في المحاكم العادية وليس في المحاكم الاستثنائية المشكلة بعد ارتكاب الشخص للجريمة، كل ذلك يعتبر من فروع فكرة "الأمن الحقوقي" بشكل عام. إن الفكرة الأساسية التي تعتمد عليها مثل هذه الأفكار وفكرة " دولة القانون" التي يهتم بها الباحثون في القانون العام في يومنا هذا اهتمامًا بالغًا هي فكرة المشروعية (الشرعية) . وبعبارة أخرى فإن النقطة التي تركزت فيها الجهود الفكرية للبشرية بغية توصيل القانون (الحقوق) الذي هو مجموعة القواعد المنظمة لحياة المجتمع المؤيدة بقوة الدولة إلى الصورة المثلى كانت فكرة المشروعية.
أما الشريعة الإسلامية فهي نظام لا يكتفي بتنظيم علاقات أفراد المجتمع فيما بينهم بل يتجاوز ذلك إلى تنظيم واجبات الفرد نحو خالقه. كما لا تقتصر الشريعة على دعم قواعدها بقوة الدولة بل تهدف من جانب آخر إلى الحفاظ على هذه القواعد بالمؤيدات الأخروية.
وفي هذه الحالة يمكن التحدث عن تصرفات للشخص (القيام ببعض الأفعال واجتناب بعض الأفعال الأخرى) سيحاسب عليها أمام خالقه تعالى وإن لم تكن تلك التصرفات موضوعًا للدعوى في الدنيا. ومؤيدات مثل هذه التصرفات ذات صبغة دينية.
فكما تحمل فكرة المشروعية المتعلقة بتطبيق القواعد الموضوعة قيد التنفيذ في حياة المجتمع أهمية عظمى فكذلك من المهم وجود تنظيم للأحكام المتعلقة بحياة الأفراد قائم على أساس المشروعية ومريح لضمير الفرد.
стр. 12182
وهكذا فإن العلماء المسلمين الذين أولوا اهتمامًا كبيرًا لفكرة المشروعية، أرادوا أن يقعدوا التغيرات الحاصلة في بعض الحالات في وصف أفعال المكلف التي توصف داخل نظام معين بالفرض أو الواجب والمندوب والحرام والمكروه (أحكام العزيمة) أرادوا أن يقعدوا تلك النظريات بالفكرة نفسها ضمن نظام معين وحاولوا تكوين نظرية متعلقة بهذا الموضوع بتناول هذه الحالات في إطار مفهوم الرخصة.
ويمكن اعتبار موقف العلماء المسلمين من هذه المسألة في نفس الوقت ضرورة ونتيجة للتمسك بفكرة التناسق وعدم التناقض التي تلهمها وتوجه إليها نصوص كثيرة من مثل الآية الكريمة ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] نتيجة لاعتقادهم بأن الشريعة الإسلامية نظام يحتوي على كل فكر ولا ينطوي على تناقضات داخلية.
عندما ندرس هذه الحالات الخاصة وأحكامها نرى أنه ليس للشخص صلاحية الإخلال بأحكام الأحوال العادية مهما كانت الظروف، فمثلاً لا يجوز للشخص أن يقتل غيره لينقذ حياة نفسه. إن القيام ببعض الأفعال التي تحرم في الأحوال العادية في حالة الاضطرار (كأكل لحم الخنزير) واجب عند جمهور العلماء بينما يرى فريق من العلماء أن حالة العذر هذه لا تخرج الفعل عن كونه حرامًا بل يسقط العقوبة فقط، ولذلك فارتكاب هذا الفعل إنما هو مباح وليس بواجب، كما أوضحنا في بحثنا هذا فإن هناك اختلافًا في تقويم بعض الحالات الواقعية وتطبيق المبادئ على الأحداث كهذا الاختلاف وأمثاله.
من الممكن اعتبار التزام مذهب معين لشخص ليست عنده القدرة على الاطلاع على أدلة الأحكام وتقويمها، يمكن اعتباره طريقة أكثر أمانًا لتحقيق انتظام الحياة الدينية وتناسقها لدى ذلك الشخص. إلا أن العلماء المحققين لم يروا بأسًا بتطبيق أحكام مذاهب مختلفة عند الحاجة إلى ذلك دون أن يؤدي ذلك إلى تصرف الأشخاص حسب أهوائهم ومع الأخذ بعين الاعتبار مبدأ الأخذ بالأحوط في مسائل الحرام. إن هناك وظائف هامة تقع على عاتق الأشخاص والمؤسسات التي تتولى القيام بعملية الإفتاء وواجب البحث الإسلامي من حيث القيام بالتوصيات اللازمة وإنارة أفكار المجتمعات الإسلامية وذلك بالتوصل إلى الآراء التي تستجيب لحاجات المجتمع حسب ظروف الحياة المعاصرة أحسن استجابة والأكثر موافقة لمقاصد الشارع والأقوى دليلاً للوجوه المذكورة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
سعادة الدكتور إبراهيم كافي دونمز
كلية الإليهات – جامعة مرمرة – استنبول
стр. 12183
المراجع
* ابن عاشور (محمد الطاهر)
- مقاصد الشريعة الإسلامية، تونس، ١٩٧٨.
* أبو النور زهير (محمد)
- أصول الفقه، القاهرة، ١٤١٢ – ١٩٩٢.
* الآمدي (سيف الدين)
- الإحكام في أصول الأحكام، القاهرة، ١٩٦٨.
* البخاري (عبد العزيز)
- كشف الأسرار، استانبول، ١٣٠٨ هـ.
* البزدوي (علي بن محمد)
- كنز الوصول إلى علم الأصول، استانبول، ١٣٠٨هـ.
* الدهلوي (أحمد بن عبد الرحيم)
- حجة الله البالغة، ١٣٢٢ هـ. (المطبعة الخيرية) .
- الإنصاف في بيان سبب الاختلاف، مصر ١٣٧٢.
* الزحيلي (وهبة) .
- نظرية الضرورة الشرعية، بيروت، ١٤٠٢ – ١٩٨٢.
* السرخسي (شمس الأئمة)
- أصول السرخسي، تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، حيدر أباد، ١٣٧٢ هـ.
* سليم (محمد حسني إبراهيم)
- الرخص وأسباب الترخيص في الفقه الإسلامي، القاهرة، ١٤٠٧ – ١٩٨٧.
* الشاشي (أبو علي) .
- أصول الشاشي، بيروت، ١٤٠٢ – ١٩٨٢.
* الشاطبي (أبو إسحق إبراهيم بن موسى) . - الموافقات في أصول الشريعة، دون تاريخ (المطبعة الرحمانية) .
* الطوفي (نجم الدين)
- شرح مختصر الروضة، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، ١٤٠٢ – ١٩٨٢.
* الغزالي (محمد بن محمد)
- المستصفى من علم الأصول، مصر، ١٣٢٤ هـ.
* محمد أحمد فرج السنهوري
- التلفيق بين أحكام المذاهب، مجلة البحوث.
* محمد بن عبد العظيم المكي
- القول السديد في بعض مسائل الاجتهاد والتقليد، مصر ١٤١٢ هـ – ١٩٩٢ م.
* محمصاني (صبحي)
- مقدمة في احياء علوم الشريعة، بيروت، ١٩٦٢.
* موسوعة الفقه الإسلامي، مادة " الاضطرار "، ١٤ / ٦١ – ١٠٥، مصر ١٩٧٥.
* الموسوعة الفقهية، مادة " الرخصة "، ٢٢/ ١٥١ – ١٦٥، الكويت ١٤١٢ – ١٩٩٢.
* النملة (عبد الكريم بن علي بن محمد)
- الرخصة الشرعية وإثباتها بالقياس، الرياض، ١٤١٠ هـ.
- (الاجتهاد في الفقه الإسلامي)
KARAMAN (Hayredding) , Islam Hukukunda Ictihad, Ankara ١٩٧٥.
стр. 12184
الأخذ بالرخصة
إعداد
أ. د. حمد عبيد الكبيسي
عميد المعهد الإسلامي لإعداد الدعاة
بغداد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الأخذ بالرخصة
١- تعريف الرخصة:
أما في اللغة: فالرخصة في الأمر خلاف التشديد، والرخص ضد الغلاء. ورخصت في كذا أذنت بعد نهي. والرخص الناعم اللين (١) .
ونقل الآمدي عن أهل اللغة أن الرخصة التيسير والتسهيل (٢) .
وأما في الاصطلاح: فهي: "الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر " (٣) .
فـ " الحكم ": جنس في التعريف.. و " الثابت على خلاف الدليل ": قيد أول، أشير فيه " بالثابت " إلى أن الترخيص لا بد له من دليل وراء العذر، وإلا لزمت مخالفة الدليل السالم من المعارض، وأريد بالدليل: الدليل الشرعي القائم، أي السالم من النسخ والمعارضة المسقطة. ويحترز بهذا القيد عن الحكم الذي لم يخالف دليلاً شرعيا أصلاً. أو يخالف دليلاً شرعيا لكنه منسوخ، أو عام لحقه تخصيص.
وتصوير النوع الأول بأن لم يرد دليل على المنع أصلاً لا عام ولا خاص. كحل المنافع التي ورد الشرع بإباحتها من أكل وشرب ولبس وما إليها بناء على الراجح من أن الأصل في المنافع الحل.
وتصوير النوع الثاني بأن يرد دليل على المنع لكنه منسوخ كما في جواز فرار الواحد من أكثر من مقاتلين في الجهاد. أو بأن يكون هناك عام معارض بخاص، كما في منع قتل المستأمن على خلاف ما يقضي به عموم الآية. ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] .
فهذا كله ليس ثابتًا على خلاف الدليل القائم بل على وفقه. فليس من الرخصة في شيء.
وورد في التعريف قيد ثان وهو "العذر " أعم من الضرورة كما في أكل الميتة. أو المشقة كما في فطر المسافر، أو الحاجة كما في بيع السلم.
стр. 12185
وقد احترز به عن:
أ- جميع التكاليف، فإنها ثابتة على خلاف الدليل. إذ الأصل عدم التكليف لكن ثبوتها لا لعذر بل للابتلاء.
ب- كل حكم ثبت لمانع لا لعذر. كما في ترك الحائض الصوم ونحوه، إذ العذر لدينا في المشروعية، كالسفر والمرض مع الصوم (١) .
وقد عرف بعض الأصوليين الرخصة بأنها: ما تغير من عسر إلى يسر لعذر مع قيام السبب للحكم الأصلي (٢) . أو: ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه (٣) . وهم بهذا إنما يريدون وضع تعريف يعم الرخصة الحقيقية والمجازية. وهل الرخصة من أقسام الحكم الوضعي؟ إلى هذا ذهب بعض الأصوليين (٤) . وذهب بعضهم إلى أنها من أقسام الحكم التكليفي، بينما ذهب فريق إلى أنها تدخل في تقسيم فعل المكلف.
والتحقيق أن الخلاف في هذا لفظي لا تترتب عليه ثمرة سوى المنهجية في الكتابة والتبويب (٥) .
فالعزيمة والرخصة ينقسم الحكم إليهما باعتبار كونه على وفق الدليل القائم أو على خلافه. وفي كل من الرخصة والعزيمة يوجد من الشارع جعل الشيء (العذر أو عدمه) سببًا في حكم تكليفي.
فمن نظر إلى الجعل ذهب إلى أن الرخصة قسم للحكم الوضعي، ومن نظر إلى الحكم المسبب ذهب إلى أنها قسم للحكم التكليفي.
وفي هذا يقول (الكمال بن الهمام) : "وقيل للشارع في الرخص حكمان: كونها وجوبًا أو ندبًا أو إباحة وهو من أحكام الاقتضاء والتخيير. وكونها مسببة عن عذر طارئ في حق المكلف يناسب تخفيف الحكم عليه مع قيام الدليل على خلافه؛ وهو من أحكام الوضع لأنه حكم بالمسببية ولا بدع في جواز اجتماعهما في شيء واحد من جهتين " (٦) .
стр. 12186
٢- أنواع الرخص:
لما كانت الرخص مبنية على أعذار العباد، وأعذارهم مختلفة؛ اختلفت أنواع الرخص فانقسمت بالاستقراء لأنواع أربعة:
الأول: إباحة الفعل المحظور عند الضرورة أو الحاجة، كإباحة التلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان إذا أكره المؤمن على ذلك. لقول الله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] .
والعمل بالعزيمة في هذه الحالة أولى من العمل بالرخصة لقول النبي ﷺ في الأسيرين اللذين أخذهما مسيلمة الكذاب (١) : ((أما الأول فقد أخذ برخصة الله، وأما الثاني فقد صدع بالحق فهنيئًا له)) .
ومن هذا أيضًا: إباحة أكل الميتة عند الضرورة لدفع المخمصة لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
وقد اختلف الفقهاء في حكم الميتة والخمر والخنزير ونحوها في حالة الاضطرار أنها تصير مباحة أو تبقى على الحرمة ويرتفع الإثم.
فذهب بعضهم إلى أنها لا تحل ولكن يرخص الفعل في حالة الاضطرار إبقاء للمهجة كما في الإكراه على الكفر وأكل مال الغير. وهو رواية عن أبي يوسف وأحد قولي الشافعي. وذهب أكثر الأصوليين من الحنفية إلى أن الحرمة ترفع في هذه الحالة ويصير الأكل مباحًا (٢) .
الثاني: إباحة ترك الواجب وتأخير أدائه عن وقته، كإباحة الفطر في رمضان لمن كان مسافرًا أو مريضًا.
والعمل بالعزيمة في هذا النوع أولى. إلا أن يؤدي العمل بها إلى الضرر فيكون الأخذ بالرخصة أولى (٣) .
والإباحة المذكورة في هذين النوعين لا يراد بها الإباحة الاصطلاحية، بل يراد بها رفع الحرج وتجويز الفعل – أعم من أن يكون بطريق التساوي بين الفعل والترك أو بدونه، فيشمل الإباحة الاصطلاحية والوجوب والندب بطريق الرجوع إلى عزيمة أصلية لا إلى الرخصة بعينها (٤) .
وقد بين الإسنوي وجه الشمول فقال: " الرخصة واجبة ومندوبة ومباحة ".
стр. 12187
فالواجبة كأكل الميتة للمضطر على الصحيح المشهور في مذهبنا (الشافعي) .
والمندوبة فكالقصر للمسافر بشرطه المعروف.
وأما المباح فالصواب تمثيله بالسلم والعرايا والإجارة والمساقاة وشبه ذلك من العقود فإنها رخصة بلا نزاع، لأن السلم والإجارة عقدان على معدوم مجهول، والعرايا بيع الرطب بالتمر فجوزت للحاجة إليها، فهي مباحة لا طلب في فعلها ولا في تركها (١) .
الثالث: تصحيح بعض العقود والتصرفات بطريق الاستثناء من أصل كلي يقتضي المنع. كما في السلم. فبالرغم من أنه بيع لما ليس عند الإنسان الذي ورد النهي عنه بقوله ﵇: ((ولا يحل بيع ما ليس عندك)) (٢) فقد ورد الترخيص فيه استثناء من القاعدة العامة في البيوع لحاجة الناس إلى هذا النوع من العقود.
وهذا النوع عدة الحنفية مما يطلق عليه اسم الرخصة مجازًا وهو إلى حقيقة الرخصة أقرب (٣) .
الرابع: إطلاق الرخصة على ما وضع عن أمتنا من التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة التي كانت مشروعة على الأمم السالفة.
وهذا الإطلاق مجازي وهذا النوع بعيد عن حقيقة الرخصة الاصطلاحية (٤) . وفيه يقول البزدوي: " وأما أتم نوعي المجاز فما وضع عنا من الإصر والأغلال. فإن ذلك يسمى رخصة مجازًا. لأن الأصل ساقط لم يبق مشروعًا فلم يكن رخصة إلا مجازًا من حيث هو نسخ تمحض تخفيفًا " (٥) .
وقد قسم بعض الأصوليين من الحنفية الرخصة إلى قسمين: رخصة ترفيه ورخصة إسقاط. وفرقوا بينهما بأن رخصة الترفيه يكون حكم العزيمة فيها باقيًا ودليله قائمًا. مثل الفطر في رمضان بسبب السفر والتلفظ بعبارات الردة بسبب الإكراه.
أما رخصة الإسقاط فلا يكون حكم العزيمة معها باقيًا. بل إن الحال التي اقتضت الترخيص أسقطت حكم العزيمة وجعلت الحكم المشروع فيها هو الرخصة فقط. مثل قصر الصلاة في السفر. إذ المسافر سقطت عنه الأربع. ولو صلاها كانت الركعتان الأخيرتان نافلة (٦) .
стр. 12188
وإذا كنا في عرضنا لتقسيمات الرخصة عرضًا أوليًّا تختفي معه الاختلافات فإن هذا لا يعني أن المسألة اتفاقية وأن الخلاف معدوم؛ إذ قضية كهذه، للاصطلاح فيها دخل، وللمنهجية والذوق فيها اعتبار: لا يمكن إلا أن تكون محل خلاف وتفاوت.
وقد وجدنا الأصوليين تتفاوت طريقتهم في قضية تقسيم الرخصة وبيان أنواعها. وحسبي أن أستوفي طرائق أربعة منهم هم: البزدوي، والغزالي، والبيضاوي، والشاطبي.
فالبزدوي يرى أن الرخص أربعة:
نوعان من الحقيقة أحدهما أحق من الآخر.
ونوعان من المجاز أحدهما أتم من الآخر.
١- أما أحق نوعي الحقيقة فما استبيح مع قيام المحرم وقيام حكمه جميعًا. فهو الكامل في الرخصة مثل المكره على إجراء كلمة الكفر أنه يرخص له إجراؤها والعزيمة في الصبر. وكذلك الذي يأمر بالمعروف إذا خاف القتل.
٢- وأما الثاني فما يستباح بعذر مع قيام السبب موجبًا لحكمه غير أن الحكم متراخ. مثل المسافر رخص له أن يفطر بناء على سبب تراخي حكمه.
٣- وأما أتم نوعي المجاز فما وضع عنا من الإصر والأغلال، فإن ذلك يسمى رخصة مجازًا لأن الأصل ساقط لم يبق مشروعًا فلم يكن رخصة إلا مجازًا من حيث هو نسخ تمحض تخفيفًا.
٤- وأما القسم الرابع فما سقط عن العباد مع كونه مشروعًا في الجملة. فمن حيث سقط أصلاً كان مجازًا. ومن حيث بقي مشروعًا في الجملة كان شبيهًا بحقيقة الرخصة (١) . ومثل له برخصة السلم.
والغزالي يرى أن الرخصة تطلق حقيقة ومجازًا.
١- فالحقيقة في الرتبة العليا كإباحة النطق بكلمة الكفر بسبب الإكراه.
٢- وأما المجاز البعيد عن الحقيقة فتسمية ما حط عنا من الإصر والأغلال التي وجبت على من قبلنا في الملل المنسوخة رخصة.
٣- ويتردد بين هاتين الدرجتين صور بعضها أقرب إلى الحقيقة وبعضها أقرب إلى المجاز (٢) . وذكر منها القصر والفطر في حق المسافر.
والبيضاوي يرى أن الرخصة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: واجبة. ومندوبة، ومباحة. فالواجبة كأكل الميتة للمضطر. وأما المندوبة فكالقصر للمسافر بشرطه. وأما المباحة فكالفطر للمسافر. وعقب الإسنوي على التمثيل للمباح فقال: والصواب تمثيله بالسلم والعرايا (٣) .
стр. 12189
والشاطبي يرى أن الرخصة تطلق بإطلاقات أربعة:
الأول: ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه.
الثاني: ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا من غير اعتبار بكونه لعذر شاق.
الثالث: ما وضع عن هذه الأمة من التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة.
الرابع: ما كان من المشروعات توسعة على العباد مطلقًا مما هو راجع إلى نيل حظوظهم وقضاء أوطارهم. فإن العزيمة الأولى هي التي نبه عليها قول الله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فإذا وهب لهم حظًا ينالونه فذلك كالرخصة لهم لأنه توجه إلى غير المعبود، واعتناء بغير ما اقتضته العبودية (١) .
ولعل الفرق بين هذه التقسيمات يعود إلى أسباب مصلحية رآها المجتهدون في آحاد المسائل وأحكام النوازل (٢) ، واعتبارات فنية في التبويب ومنهجيته.
٣- ضوابط الأخذ بالرخصة:
تكمن هذه الضوابط في ثبوت دليل الرخصة وقيام أسبابها وعللها مع التثبت من تحقق دواعيها أعم من أن تكون هذه الدواعي ضرورة أو حاجة أو ترفيها.
ومن هذا السلم مثلاً. فإنه رخصة تستند إلى دليل من السنة بما رواه ابن عباس ﵄ قال: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال ((من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم)) (٣) . في مقابل النهي عن بيع ما ليس عند البائع الوارد في حديث حكيم بن حزام قال: قلت يا رسول الله، يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه ثم أبتاعه من السوق؛ فقال: ((لا تبع ما ليس عندك)) (٤) .
وما ورد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك)) (٥) .
ومثل هذه الرخص المنصوص عليها بأعيانها يقاس عليها عند أغلب القائلين بالقياس. فقد قاسوا صحة بيع العنب بالزبيب على بيع العرايا المرخص بها في الحديث. ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمر بالتمر ورخص في العرايا أن يشترى بخرصها يأكلها أهلها رطبًا)) (٦) .
стр. 12190
ومنع بعض الحنفية القياس على الرخص بأنها منح من الله تعالى فلا تتعدى فيها مواردها (١) .
والراجح جواز القياس إذا وجدت أركانه وشرائطه بأن الأدلة الدالة على حجية القياس غير مختصة بنوع من الأحكام دون نوع (٢) .
على أن الخلاف في حقيقة الأمر يعود إلى التسمية والتلقيب، حيث أجرى هؤلاء الحنفية القياس فيما يسميه الجمهور رخصة، وقالوا: هذا ليس من القياس، وإنما من باب ما في معنى الأصل (٣) .
ومن ضوابط العمل بالرخصة أن لا يكون الحرج الداعي لها ناتج عن معصية فإن الرخصة نعمة وتيسير، والنعمة لا تناط بالمعصية.
ومن أجل هذا الضابط اختلف الفقهاء في تناول المحرمات للضرورة وقصر الصلاة وفي الرخص بالفطر في سفر المعصية.
فذهب الحنابلة والشافعية وغيرهم إلى اعتبار هذا الضابط: قال ابن قدامة ليس للمضطر في سفر المعصية الأكل من الميتة كقاطع الطريق. وقال سعيد بن جبير: إذا خرج يقطع الطريق فلا رخصة له. فإن تاب وأقلع عن معصيته حل له الأكل (٤) .
ويقول ابن حزم: "ومن كان في سبيل معصية كسفر لا يحل أو قتال لا يحل فلم يجد شيئًا يأكله إلا الميتة لم يحل له أكله حتى يتوب" (٥) .
ويقول ابن قدامة في أبواب القصر: ولا تباح هذه الرخص في سفر المعصية. نص عليه أحمد. وهذا قول الشافعي (٦) .
والمالكية والحنفية لم يفرقوا بين سفر المعصية وغيره. وخالف ابن حزم مسلكه – الذي قدمناه في قصر الصلاة للعاصي بسفره؛ إذ القصر عنده واجب – ونص على أنه يقصر المسافر ولو كان لمعصية (٧) وذهب إلى فرض الفطر في السفر طاعة أو معصية (٨) .
والراجح اشتراط أن لا يكون في معصية. لأن الله سبحانه قال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
стр. 12191
ومن الضوابط أن لا يتوسع فيما يستند من تناول المحظور إلى الضرورة لأن الضرورة تقدر بقدرها (١) .
فذهب الحنفية والحنابلة وأكثر الشافعية وبعض المالكية إلى عدم إباحة ما زاد على ما تدعو إليه الحاجة ويسد به الرمق ويندفع الهلاك.
وذهب جمهور المالكية ورواية عند الحنابلة إلى إباحة التناول إلى الشبع.
يقول ابن قدامة: وفي الشبع روايتان: أظهرهما لا يباح وهو قول أبي حنيفة وإحدى الروايتين عن مالك وأحد القولين للشافعي ... لأنه بعد سد الرمق غير مضطر. والثانية يباح له الشبع ... ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال (٢) .
وهناك ضابط انفرد الشاطبي بالتصريح به وهو طمأنينة نفس المترخص للعمل بالرخصة. فقال: إن الرخصة إضافية لا أصلية، بمعنى أن كل أحد في الأخذ بها فقيه نفسه ما لم يوجد فيها حد شرعي فيوقف عنده (٣) .
ويوضح الشاطبي مقصده بأن " المشاق تختلف بالقوة والضعف وبحسب الأحوال، وبحسب قوة العزائم وضعفها. وبحسب الأمان وبحسب الأعمال ...
ولذلك أقام الشرع في جملة منها (الرخص) السبب مقام العلة (ويقصد بالعلة الحكمة) فاعتبر السفر لأنه أقرب مظان وجود المشقة. وترك كل مكلف على ما يجد. وترك كثيرًا منها موكولاً إلى الاجتهاد ...
فإذًا ليست أسباب الرخص بداخلة تحت قانون أصلي ولا ضابط مأخوذ باليد، بل هو إضافي بالنسبة إلى كل مخاطب في نفسه. فمن كان من المضطرين معتادًا للصبر على الجوع ولا تختل حاله بسببه كما كانت العرب وكما ذكر عن الأولياء، فليست إباحة الميتة له على وزان من كان بخلاف ذلك " (٤) .
وهذا الذي رآه الشاطبي دقيق وسديد حيث أناط الأخذ بالرخصة وترك العزيمة إلى فقه الآخذ وطمأنينة قلبه وذمته ودينه.
وكأن الشاطبي في هذا الذي انفرد به إنما يأخذ مذهبه من فقه الحديث النبوي عن وابصة بن معبد قال: ((جئت إلى رسول الله ﷺ أسأله عن البر والإثم فقال: جئت تسأل عن البر والإثم؟ فقلت والذي بعثك بالحق ما جئت أسألك عن غيره، فقال: البر ما انشرح له صدرك، والإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك عنه الناس)) (٥) .
стр. 12192
٤- تتبع الرخص:
لم يختلف الفقهاء والأصوليون في جواز تتبع الرخص الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة إذا تحققت دواعيها:
لعمومات قول الله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وقول الله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٨] .
ولقول النبي ﷺ : ((إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه)) (١) .
وقول النبي ﷺ : من حديث ابن عباس: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يجب أن تؤتى عزائمه)) (٢) .
لكنهم اختلفوا في تتبع رخص المذاهب الاجتهادية وما يتصل بها من استحسانات وحيل شرعية جلبًا لليسر ودفعًا للعسر عن المكلفين.
فذهب بعضهم إلى الجواز، وبعضهم إلى المنع، وبعضهم إلى الجواز بشروط.
أ- مذهب جواز الرخص:
ذهب بعض الحنفية إلى جواز اتباع رخص المذاهب. لعدم وجود مانع شرعي يمنع منه، ولأن الإنسان له أن يسلك المسلك الأخف عليه إن كان له إليه سبيل. يقول ابن أمير الحاج: إن مثل هذه التشديدات التي ذكروها في المنتقل من مذهب إلى مذهب إلزامات منهم لكف الناس عن تتبع الرخص وإلا فأخذ العامي بكل مسألة بقول مجتهد يكون قوله أخف عليه لا أدري ما يمنع منه عقلاً وشرعًا (٣) .
وإلى الجواز ذهب العز بن عبد السلام من الشافعية. فهو يقول: لا يتعين على العامي إذا قلد إمامًا في مسألة أن يقلده في سائر مسائل الخلاف لأن الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب يسألون فيما يسنح لهم العلماء المختلفين من غير نكير، سواء اتبع الرخص في ذلك أو العزائم (٤) .
ب – مذهب منع تتبع الرخص:
ذهب جمهور الفقهاء إلى منع تتبع الرخص في المذاهب. يقول الإمام الغزالي: إن العامي ليس له أن ينتقي من المذاهب من كل مسألة أطيبها عنده (٥) .
ويرى ابن السبكي أنه: " يمتنع تتبع الرخص في المذاهب بأن يأخذ من كل منها ما هو الأهون فيما يقع من المسائل ". وحكى الجلال المحلي الخلاف في تنسيق هذا المتتبع (٦) .
ويقول الشوكاني: "أما لو اختار المقلد من كل مذهب ما هو الأهون عليه والأخف له فقال أبو إسحاق المروزي: يفسق، وقال ابن أبي هريرة: لا يفسق لأنه متأول " (٧) .
стр. 12193
والشاطبي أحد الأعلام الذين ذهبوا إلى منع تتبع الرخص حيث خصص صفحات من كتابه الموافقات لهذا الغرض. فيقول: ومتى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة. فلا يصح القول بالتخيير على حال (١) .
وكشف عن وجه المنع من تتبع رخص المذاهب فقال: وقد أدى إغفال هذا الأصل (منع المقلد من أن يتخير في الخلاف) إلى أن صار كثير من مقلدة الفقهاء يفتي قريبه أو صديقه بما لا يفتي به غيره من الأقوال اتباعًا لغرضه وشهوته أو لغرض ذلك القريب وذلك الصديق، ولقد وجد هذا في الأزمنة السالفة فضلاً عن زماننا، كما وجد فيه تتبع رخص المذاهب اتباعًا للغرض والشهوة فيما لا يتعلق به فصل قضية، وفيما يتعلق به ذلك " (٢) .
وأورد الشاطبي بعد ذلك نماذج ووقائع لهذين النوعين من تخير رخص المذاهب واتباع الحيل الشرعية (٣) .
ونقل عن رجل من فقهاء هذا الصنف أنه كان يقول: إن الذي لصديقي علي إذا وقعت له حكومة أن أفتيه بالرواية التي توافقه.
وذكر أن كثيرًا ما يسأل من تقع له مسألة من الأيمان ونحوها: لعل فيها رواية أو لعل فيها رخصة.
ثم قال بعد ذلك: " وهذا مما لا خلاف بين المسلمين ممن يعتد به في الإجماع أنه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل " (٤) .
ونقل الشاطبي اعتراض بعض المتأخرين على من منع من تتبع رخص المذاهب وأن قول النبي ﷺ : ((بعثت بالحنيفية السمحة)) يقتضي جواز ذلك لأنه نوع من اللطف بالعبد، والشريعة لم ترد بقصد مشاق العباد. فرد هذا الاعتراض بقوله: إن الحنيفية السمحة إنما أتى فيها السماح مقيدًا بما هو جار على أصولها، وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها. بل تتبع الرخص ميل مع أهواء النفوس والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى (٥) .
стр. 12194
ثم أعقب الشاطبي هذا كله بجملة مما في اتباع الرخص من المفاسد: كالانسلاخ من الدين بترك اتباع الدليل إلى اتباع الخلاف. وكالاستهانة بالدين إذ يصير بهذا الاعتبار سيالاً لا ينضبط. وكترك ما هو معلوم إلى ما ليس بمعلوم. وكانخرام قانون السياسة الشرعية بترك الانضباط إلى أمر معروف. وكإفضائه إلى القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم. وغير ذلك من المفاسد الأخرى (١) .
وإلى المنع من تتبع الرخص ذهب ابن القيم. فقال: وبالجملة فلا يجوز العمل والإفتاء في دين الله بالتشهي والتخير وموافقة الغرض، فيطلب القول الذي يوافق غرضه وغرض من يحابيه فيعمل به ويفتي ويحكم به. ويحكم على عدوه ويفتيه بضده، وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر (٢) .
ثم يقول: ولا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة. ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه. فإن تتبع ذلك فسق وحرم استفتاؤه (٣) . وحكى ابن حزم الإجماع على منع تتبع الرخص (٤) .
جـ – مذهب التفصيل في تتبع الرخص:
يرى أصحاب هذا المذهب أن الأخذ بالرخص لا يعني تتبعها والبحث عنها قصدًا للتحلل من التكاليف وإنما يعني الانتقال من تكليف أشد إلى تكليف أخف لسبب شرعي.
في ضوء هذا اختار العطار من الشافعية جواز تتبع الرخص لا على الإطلاق بل مع مراعاة ما اعتبره المجتهد في المسألة التي وقع التقليد فيها مما يتوقف عليه صحتها كي لا يقع في حكم مركب (ملفق) من اجتهادين، كما إذا توضأ ومسح بعض الرأس على مذهب الإمام الشافعي، ثم صلى بعد لمس مجرد عن الشهوة على مذهب الإمام مالك في عدم النقض. فهذا تلفيق في أجزاء الحكم " وهو ممنوع " (٥) .
стр. 12195
ونقل عن القرافي في شرح المحصول القول بجواز تتبع الرخص بشروط:
الأول: أن لا يكون التتبع موقعًا في أمر يجمع على إبطاله إمامه الأول وإمامه الثاني.
الثاني: أن يكون التتبع في المسألة المدونة للمجتهدين الذين استقر الإجماع عليهم دون من انقرضت مذاهبهم.
الثالث: أن لا تترك العزائم رأسًا بحيث يخرج عن ربقة التكليف الذي هو إلزام ما فيه كلفة (١) .
ومن هذا الفريق الإمام ابن تيمية، فإنه فرق بين حالتين:
الأولى: اعتقاد الشيء واجبًا أو حرامًا ثم يعتقده – بطريق تتبع الرخص – غير واجب ولا حرام. وقد مثل لهذه الحالة بما نص عليه بقوله: " مثل أن يكون طالبًا لشفعة الجوار فيعتقد أنها حق له، ثم إذا طلبت منه شفعة الجوار اعتقد أنها ليست ثابتة. أو مثل من يعتقد إذا كان أخًا مع جد أن الإخوة تقاسم الجد، فإذا صار جَدًّا مع أخ اعتقد أن الجد ينفرد بالميراث دونهم ... فمثل هذا ممكن في اعتقاده حل الشيء وحرمته، ووجوبه وسقوطه بحسب هواه. هو مذموم بخروجه، خارج عن العدالة. وقد نص الإمام أحمد وغيره على أن هذا لا يجوز " (٢) .
الثانية: أن يكون تتبع الرخص بطريق الانتقال من قول فقهي إلى قول فقهي آخر إذا تبين للمتتبع ما يوجب رجحان قول على قول: وهذا الرجحان يكون بأحد طريقين كما نص على ذلك الإمام ابن تيمية بقوله: " إما بالأدلة المفصلة إن كان يعرفها ويفهمها وإما بأن يرى أحد رجلين أعلم بتلك المسألة من الآخر وهو أتقى لله فيما يقوله، فيرجع عن قوله إلى قول هذا. فهذا يجوز، بل يجب. وقد نص الإمام أحمد على ذلك " (٣) .
стр. 12196
وزاد الإمام ابن تيمية الأمر توضيحًا بأن جعل أصل الانتقال من حكم اجتهادي إلى آخر يعود إلى أن العامي هل عليه أن يلتزم مذهبًا معينًا يأخذ بعزائمه ورخصه؟ وحكى الأوجه في المسألة عند الأئمة المجتهدين. ثم قال بعد ذلك: " لا ريب أن التزام المذاهب والخروج عنها إن كان لغير أمر ديني مثل أن يلتزم مذهبًا لحصول غرض دنيوي ... فهذا مما لا يحمد عليه، بل يذم عليه في نفس الأمر، ولو كان ما انتقل إليه خيرًا مما انتقل عنه. وهو بمنزلة من لا يسلم إلا لغرض دنيوي. وأما إن كان انتقاله من مذهب إلى مذهب لأمر ديني مثل إن تبين رجحان قول على قول فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الله ورسوله: فهو مثاب على ذلك " (١) .
وعلى العموم فإن قضية الانتقال من مذهب إلى مذهب مسألة هي ذاتها موضع خلاف الفقهاء.
والرأي الراجح أن العامي إذا عمل بقول مجتهد في حادثة فليس له الرجوع عنه في مثلها لأنه قد التزم ذلك القول بالعمل به بخلاف ما إذا لم يعمل به.
وقيل يلزمه العمل به بمجرد الإفتاء، وقيل يلزمه بالشروع بالعمل، وقيل يلزمه إن وقع في نفسه صحته بأن ينشرح له صدره وأن لا يكون قاصدًا للتلاعب وقيل لا يجب عليه التزام مذهب معين فله أن يأخذ فيما يقع له بهذا المذهب تارة وبغيره أخرى (٢) .
٥- التلفيق ورأي الفقهاء والأصوليين فيه:
بحث الأصوليون مسألة التلفيق في نطاق بحثهم لقضية التقليد والانتقال من مذهب إلى آخر.
فذهب الشيخ عبد القادر الورديفي المغربي إلى " أن الانتقال من مذهب إلى آخر جار في سائر الأمصار وفيما تقدم من الأعصار إلا فيما قل من الأقطار. وحكمه الجواز ولا قائل بمنعه إلا جاهل أو متعصب " (٣) .
وذكر أن الأصوليين اختلفوا في تركيب مسألة من مذهبين أو أكثر. ورأى " أن الصحيح من جهة النظر جوازه. فمن ذلك ما ذكره الشعبي عن أصبغ من أن جميع ما يضطر الناس إليه ولا يجدون منه بدًّا ولا محيدًا – مثل حارس الزرع يستأجر من يحرسه بجزه منه ولا يجد من يحرس له إلا بذلك الوجه – فأرجو أن لا يكون به بأس (٤) .
стр. 12197
ونسب الخلاف في التلفيق إلى أصل مذهب الإمام مالك. وبين المقصود به نقلاً عن ابن عرفة، ونصه: إعمال دليل الخصم في لازم مدلوله الذي أعمل في نقيضه دليل آخر (الضمير في مدلوله يعود على الدليل، والضمير في نقيضه يعود على المدلول) .
وذلك كالعقد الباطل يحكم له بحكم الصحيح بعد الفوات. ومثاله: الإمام مالك يقول بفساد نكاح المرأة نفسها للحديث ((أيما امرأة نكحت ... )) وقال الإمام أبو حنيفة يجوز قياسًا على البيع. فأعمل مالك دليله في الحياة وهو الفسخ متى غير عليه الحاكم.
وأعمل دليل أبي حنيفة في لازم مدلوله بعد الممات فأوجب توارثهما. أو مثاله: إعمال الإمام مالك دليل مخالفه الإمام أبي حنيفة رحمهما الله القائل بعدم فسخ صريح الشغار في لازم مدلوله، ومدلوله عدم فسخه، ولازمه ثبوت الإرث بين الزوجين، وهذا المدلول، وهو عدم الفسخ، عمل في نقيضه دليل آخر وهو دليل فسخه.
فمالك يرى فسخه مطلقًا، وإن حدث موت أو كان ولد فإن الولد يلحق بأبيه ويثبت الإرث بين الزوجين ويفسخه بطلاق (١) .
ويخلص الشيخ المغربي إلى القول: فتحصل مما ذكر أن التلفيق موجود بشروطه وهو الانتقال من عزيمة إلى ما هو أعزم منها، أو مصلحة دينية دنيوية إلى ما هو أصلح منها أو إلى رخصة بشروطها. وما عدا ذلك كله مروق من الدين من شر الأنفس والأهواء والشياطين الملحدين (٢) .
وفسر العطار التلفيق في التقليد بالتلفيق في أجزاء الحكم. ومثل له بالمتوضئ يمسح بعض الرأس اتباعًا لمذهب الإمام الشافعي، ثم يصلي بعد لمس مجرد من الشهوة اتباعا لمذهب الإمام مالك. ففي هذا تلفيق في أجزاء حكم واحد وهو صحة صلاته التي أداها بهذا الوضوء وهذا غير جائز. أما تتبع الأحكام الاجتهادية في جزئيات المسائل فإنه جائز (٣) .
ويتبين من نص ابن عابدين وتمثيله أنه يريد بالتلفيق في التقليد التلفيق في أجزاء الحكم. إذ قال: وإن الحكم الملفق باطل بالإجماع. مثاله " متوضئ سال من بدنه دم ولمس امرأة ثم صلى، فإن صحة صلاته ملفقة من المذهب الشافعي والحنفي، والتلفيق باطل فصحته منتفية " (٤) .
стр. 12198
أما تتبع المذاهب في جزئيات المسائل فإن ابن عابدين لا يرى وجود مانع منه فهو يقول: أما لو صلى يومًا على مذهب وأراد أن يصلي يومًا آخر على غيره لا يمنع منه. فيحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان التزام مذهب معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدًا فيه غير إمامه مستجمعًا شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر، لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض " (١) .
بل إن ابن عابدين ذهب إلى أبعد من هذا في أمر الانتقال من مذهب إلى مذهب فأجازه بعد العمل إذا لم يؤد إلى نقضه. كما إذا صلى ظانًّا صحتها على مذهبه. ثم تبين بطلانها في مذهبه وصحتها على مذهب غيره، فله تقليده ويجتزئ بتلك الصلاة (٢) . ونسب إلى الشرنبلالي قوله: " لو أفتى مفت بشيء من هذه الأقوال الضعيفة في المذهب في مواضع الضرورة طلبًا لليسر كان حسنًا ".
ونسب ابن أمير حاج إلى الروياني القول بجواز تقليد المذاهب والانتقال إليها بشرط أن لا يجمع بينها على صورة تخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد. ووافق ابن دقيق العيد الروياني في هذا الاشتراط (٣) .
والآمدي اختار أن الشخص إذا حدثت له حادثة وأراد الاستفتاء عن حكمها فهو مخير في سؤال من شاء من العلماء سواء تساووا أو تفاضلوا (٤) .
وعرض الآمدي قضية من اتبع بعض المجتهدين في حكم حادثة وعمل بقوله فيها، فهل له اتباع غير ذلك المجتهد في حكم آخر.
فحكى الخلاف في هذا. ورأى أن الحق جوازه نظرًا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، وأنه لم ينقل عن أحد من السلف الحجر على العامة في ذلك، ولو كان ذلك ممتنعًا لما جاز من الصحابة إهماله أو السكوت عن الإنكار عليه. ولأن كل مسألة لها حكم نفسها (٥) .
أما إذا عين الشخص مذهبًا معينًا وقال أنا على مذهبه وملتزم به، فهل له الرجوع إلى الأخذ بقول غيره في مسألة من المسائل؟ فإن الآمدي ذكر فيها الخلاف فقال: جوزه قوم نظرًا إلى أن التزامه لمذهب معين غير ملزم له. ومنع من ذلك آخرون لأنه بالتزامه المذهب صار لازمًا له. والمختار إنما هو التفصيل: وهو أن كل مسألة من مذهب الأول اتصل عمله بها فليس له تقليد الغير فيها. وما لم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره فيها (٦) .
стр. 12199
ومنع الشاطبي القول بتلفيق المذاهب على وجه يخرق إجماعهم (١) .
والإمام ابن تيمية منع من التلفيق بمنعه تخير الأحكام بالهوى والتشهي واعتقاد الشيء واجبًا وغير واجب بالرجوع من قول إلى قول.. ومثل له بمن يعتقد إذا كان أخًا مع جد أن الإخوة تقاسم الجد فإذا صار جَدًّا مع أخ اعتقد أن الجد يحجبهم.
أما إذا تبين له ما يوجب رجحان قول على قول بالأدلة أو استفتاء الأعلم والأتقى فإن الرجوع جائز بل واجب (٢) .
٦- الترجيح:
بعد استعراض آراء الفقهاء والأصوليين في تتبع الرخص والتلفيق في الأحكام الشرعية، والرغبة في الوصول إلى ما هو أحق بالاتباع وخاصة في عصرنا الحاضر؛ ينبغي أن يفرق بين أمرين:
الأول: تتبع الرخص والتلفيق من آحاد الناس سواء كان فتوى للغير أو أن يعمل بها بنفسه.
الثاني: أن يكون التتبع والتلفيق في نطاق عمل المجامع الفقهية ولجان الفتوى. فبالنسبة لآحاد الناس نرى أن الراجح هو القول بمنع تتبع رخص المذاهب والقول بالمنع من التلفيق بين فتاوى المذاهب على وجه يخرق إجماعهم لما في ذلك من مفسدة اتباع الهوى والتخير بالتشهي والتحايل على حدود التكليف وخرم ضوابط التعبد بشرع الله، وهذا القسم هو الذي بحثه الأصوليون والفقهاء واختلفوا فيه، ورأى جمهرتهم منعه، منعًا للفساد والعدوان على شرع الله؛ خاصة في العصور التي يقل بها الفقهاء الورعون، والمفتون المؤهلون لهذا المنصب.
стр. 12200
وقد سجل الشاطبي موقفًا للمازري في الامتناع من الأخذ برخص المذاهب أو التلفيق بين الأحكام جديرًا بالاعتبار في عصرنا هذا. وذلك في قوله: ولست ممن يحمل الناس على غير المعروف المشهور من مذهب مالك وأصحابه، لأن الورع قل بل كاد يعدم وكثرت الشهوات وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى فيه. فلو فتح لهم باب في مخالفة المذهب لاتسع الخرق على الراقع وهتكوا حجاب هيبة المذاهب. وهذا من المفسدات التي لا خفاء فيها. " ويعقب الشاطبي على كلام المازري فيقول: " فانظر كيف لم يستجز – وهو المتفق على إمامته – الفتوى بغير مشهور المذهب ولا بغير ما يعرف منه، بناء على قاعدة مصلحية ضرورية، إذ قل الورع والديانة من كثير ممن ينتصب لبث العلوم والفتوى، فلو فتح لهم هذا الباب لانحلت عرى المذهب بل جميع المذاهب " (١) .
أما إذا كان تتبع رخص الفقهاء أو التلفيق بين فتاوى المذاهب في نطاق عمل المجامع الفقهية ولجان الفتوى: فإن الظاهر جوازه. بل وجوبه في عصرنا هذا. لأمن الفتنة من التخير بالأهواء والتشهي ولتوفر ضمانة الموضوعية. والحياد المجرد من فساد الغرض وسوء القصد، بوجود فقهاء أتقياء في المجامع ولجان الفتوى يحول اجتماعهم دون اللعب بالأحكام والعبث بشرع الله.
خاصة ونحن في عصر تشابكت فيه العلاقات وكثرت الوقائع وتداخلت التصرفات. فكلما أمكن ردها إلى حكم شرعي أو تخريجها عليه كان في ذلك خير وبركة لأمتنا وإبراز لشخصيتها وتحقيق لاستقلالها في تشريعها.
وقد وجدت ابن عابدين يذهب إلى أن المقلد لا ينفذ قضاؤه بخلاف مذهبه ولاسيما في زمانه حيث اعتاد السلطان أن ينص في منشوره على نهيه عن القضاء بالأقوال الضعيفة، فكيف بخلاف مذهبه. ولا يفرق ابن عابدين في هذا بين المفتي والقاضي.
فكان سند ابن عابدين في النهي هو توجيه السلطان (السلطة العليا) نحو وجهة معينة في القضاء (٢) .
وفي ضوء توجيه السلطات الآن في أكثر البلاد العربية والإسلامية أن لا يلتزم بمذهب معين، ولتحقيق شيوع الاحتكام إلى الفقه الإسلامي: يكون الاعتماد على فتاوى المذاهب أو تتبع الرخص – بتخير المجامع الفقهية ولجان الفتوى – أمرًا مطلوبًا لا مندوحة منه.
والله من وراء القصد ...
أ. د. حمد عبيد الكبيس
стр. 12201
الأخذ بالرخصة وحكمه
إعداد
الشيخ مجاهد الإسلام القاسمي
الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي بالهند
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الأخذ بالرخص وحكمه:
الحمد لله الذي شرح لنا الصدر، ووضع عنا الوزر، وأراد بنا اليسر ولم يرد بنا الحرج والعسر، والصلاة والسلام على سيدنا النبي الأمي الذي بعث إلينا بالحنيفية السمحة البيضاء النقية، والذي كان عزيزًا عليه ما عنتنا، حريصًا علينا، وبالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، أما بعد:
فقضية " الأخذ بالرخص " قضية مهمة من قضايا الشريعة فإن الإنسان خلق ضعيفًا، وربما لا يستطيع أن يتحمل المشاق، وله أعذار تعوقه عن أداء واجباته والتحرز عما حرم عليه، والدين دين الفطرة، والله يعلم القوي من الضعيف، والصحيح من المريض، والمستطيع من المعذور، فكان من فطرة دين الفطرة أن تراعي تلك الأحوال المختلفة، ويحكم في كل حال ما يناسبه لأن الله تعالى قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . فإذا لم يجد المكلف قدرة على عزائم الأمور أذن له أن يعمل بما فيه تخفيف ويسر، فهذا من نعمة الله تعالى على عباده الذي نظر إلى ضعفهم وأمرهم بما هو في وسعهم.
فحكم الله منه ما هو عزيمة ومنه ما هو رخصة والرخصة ضد العزيمة، ونحن ما دمنا بصدد دراسة الرخصة علينا أن نعرف العزيمة، لأنه بضدها تتبين الأشياء.
العزيمة والرخصة لغة واصطلاحًا:
العزيمة: لغة " الجد والإرادة الجادة للعمل " قال ابن منظور: العزم: الجد، عزم على الأمر عزما وعزيمة: أراد فعله، وقال الليث: العزم ما عقد عليه قلبك من أمر أنك فاعله ... وفي الحديث قال لأبي بكر: متى توتر؟ فقال: أول الليل، وقال لعمر: متى توتر؟ قال: من آخر الليل، فقال لأبي بكر: أخذت بالحزم، وقال لعمر: أخذت بالعزم. أراد أن أبا بكر ﵁ حذر فوات الوتر بالنوم، فاحتاط وقدمه، وأن عمر ﵁ وثق بالقوة على قيام الليل فأخر، ولا خير في عزم بغير حزم، فإن القوة إذا لم يكن معها حذر أورطت صاحبها ... وتقول ما لفلان عزيمة أي لا يثبت على أمر يعزم عليه.. إلخ (١) .
стр. 12202
وقال الآمدي في الأحكام:
العزيمة في اللغة: الرقية، وهي مأخوذة عن عقد القلب المؤكد على أمر ما، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (١) [طه: ١١٥] .
وقال الغزالي في المستصفى:
اعلم أن العزم عبارة عن القصد المؤكد، قال الله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ أي قصدًا بليغًا، وسمى بعض الرسل أولي العزم لتأكيد قصدهم في طلب الحق (٢) .
فالحاصل أن العزيمة فيها الجد والقوة والصبر والوكادة،
أما الرخصة:
فهي في اللغة النعومة والخفة، وقال ابن منظور:
الرخص الشيء الناعم اللين، والرخص: ضد الغلاء، رخص السعر يرخص رخصًا. والرخصة: ترخيص الله للعبد في أشياء خففها عنه (٣) .
وقال في المصباح:
" رخصة وزان " غرفة " وتضم الخاء للإتباع، ومثله " ظلمة " و " قربة" و " جمعة ". والرخصة: التسهيل في الأمر والتيسير – يقال: رخص الشرع لنا في كذلا ترخيصًا وأرخص إرخاصًا إذا يسره وسهله (٤) .
وقال الآمدي:
التيسير والتسهيل، ومنه يقال رخص السعر إذا تيسر وسهل، وبفتح الخاء عبارة عن الأخذ بالرخص (٥) .
وقال السبكي:
الرخصة بإسكان الخاء وضمها مع ضم الراء: التسهيل: فرخصة الله تسهيله على عباده، هكذا يقتضيه كلام أهل اللغة (٦) .
وقال القرافي:
الرخصة مشتقة من الرخص، والرخص هو اللين فهو من حيث الجملة من السهولة والمسامحة واللين (٧) .
فالحاصل أن الرخصة لغة هي جانب السهولة والمسامحة واليسر والعزيمة هي جهة الأحوال العادية يقتضي الجد والجلادة والصبر والوكادة.
стр. 12203
العزيمة في الاصطلاح:
المعنى اللغوي مراعى في الإطلاق الاصطلاحي الشرعي لهذين اللفظين.
قال الآمدي:
العزيمة عبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى كالعبادات الخمس ونحوها (١) .
وقال ابن أمير حاج في شرح تحرير الأصول:
والعزيمة ذلك الحكم المعبر عنه بقوله تخفيفًا لحكم (فيتقيد) ذلك الحكم (بمقابلة رخصة، وقد لا يتقيد بمقابلة رخصة فيقال) أي حكم (شرع ابتداء غير متعلق بالعوارض) أي غير مبني على أعذار العباد، وهو إيضاح لابتدائية شرعية الحكم (٢) .
وقال الغزالي معرفًا للعزيمة " عبارة عما لزم العباد بإيجاب الله تعالى " (٣) .
فالحاصل أن ما شرع الله تعالى من الأحكام لعباده ابتداء كقانون عام للمكلفين بدون ملاحظة الأحوال المتجددة والعوارض الحادثة والأعذار الناشئة والحاجات الملجئة هو عزيمة كفرضية الصلاة والزكاة وغيرهما من المأمورات وكحرمة الخمر والميسر والزنا وغيرها من المناهي، وما شرعه الله تعالى من معاملات الناس كالبيع والإجارة والمضاربة وغيرها، وما شرع من الحدود والكفارات وغيرها من الزواجر.
أما الرخصة اصطلاحًا:
فالأصل أنه معروف ومعلوم بداهة، وقد يكون اللفظ بديهيًا يدل على معناه دلالة واضحة جلية، حتى أنه يفهمه كل أحد ولا يمكن أن يعرف تعريفًا علميًا واحدًا منطقيًا، كما قال محب الله بن عبد الشكور البهاري أن لفظ " العلم " من أجلى البديهيات، كذلك قال القرافي في بيان حد الرخصة:
" وهاهنا إني عاجز عن ضبط الرخصة بحد جامع مانع، أما جزئيات الرخصة من غير تحديد فلا عسر فيه إنما الصعوبة في الحد على ذلك الوجه " (٤) .
ومع هذا عرف الأصوليون الرخصة بتعريفات مختلفة فحكى الآمدي عدة تعريفات، فقال:
قيل: إنه ما أبيح فعله مع كونه حرامًا.
وقيل: ما رخص فيه مع كونه حراما.
وقيل: إن الرخصة ما جاز فعله لعذر مع قيام السبب المحرم (٥) .
стр. 12204
واعترض الآمدي على التعريف الأخير أنه غير جامع، فقال: " إن التعريف الأخير غير جامع، لأن الرخصة قد تكون بالفعل وقد تكون بالترك " واختار الآمدي أن "الرخصة ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام السبب المحرم " (١) .
وقال الشاطبي:
" الرخصة ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه " (٢) .
وأما البيضاوي فقد قال في المنهاج:
" الحكم إن ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة، كحل الميتة للمضطر والقصر والفطر للمسافر واجبًا ومندوبا ومباحًا وإلا فعزيمة (٣) .
وقال الإمام فخر الدين الرازي في المحصول:
إن ما جاز فعله مع قيام المقتضي للمنع رخصة (٤) .
وللعلماء انتقادات على هذا التعريف وقد أجاب عنها الأصفهاني في كتابه الكاشف عن المحصول.
وقال الشاشي في أصوله:
" الرخصة: صرف الأمر من عسر إلى يسر بواسطة عذر في المكلف " (٥) .
وقد حكى الإمام عبد العزيز البخاري عن الإمام علاء الدين أبي بكر محمد بن أحمد السمرقندي من كتابه " ميزان الأصول في نتائج العقول في الفقه " أنه قال: الرخصة اسم لما تغير من الأمر الأصلي إلى تخفيف ويسر ترفيهًا وتوسعة على أصحاب الأعذار" (٦) .
وقال في تيسير التحرير حكاية عن بعض الحنفية: إن الرخصة ما تغير من عسر إلى يسر من الأحكام (٧) .
стр. 12205
فكل هذه التعريفات وإن اختلفت ألفاظها لكنها كلها متقاربة المعنى ولكن التعريف الذي اختاره البيضاوي هو أحسن وأجمع عندي لأن لفظ " الحكم " المذكور في التعريف " جنس" يدخل فيه الرخصة والعزيمة، وأما لفظ " الثابت" فالثبوت يحتاج إلى دليل فالمراد أن الرخصة لابد لها من ثبوت ودليل، وأما قوله: " على خلاف الدليل " فالدليل عام يشمل المحرم والموجب وما يدل على الندب – فخرج منه العزيمة لأن العزيمة ما يقتضيه الدليل الأصلي، وأيضا يخرج منه كل ما ثبت موافقًا للدليل ولم يوجد دليل على منعه فلا تكون إباحتها ثابتة على خلاف الدليل وأيضا خرج منه الحكم الثابت بدليل ناسخ لحكم منسوخ، لأن المنسوخ ليس بدليل فليس هذا الحكم الثابت بدليل ناسخ حكمًا ثابتًا على خلاف الدليل وأيضا لم يدخل في هذا التعريف الحكم الثابت بدليل راجح على خلاف المرجوح لأن المرجوح ليس بدليل، وأيضا قول البيضاوي " لعذر" لفظ عام يتناول الضرورة والحاجة كلتيهما وهذا على خلاف ما اشترطه الشاطبي " بعذر شاق" وهذا أصح، لأن الرخصة كما تكون في حالة الضرورة قد تكون في الحاجة أيضًا، وأيضا قد خرج منها الموانع الشرعية كالحيض لأن هذه الموانع تمنع المشروعية فلا يسمى إسقاطًا.
مشروعية الرخصة:
الأصل الكلي أن الله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها وهو خبير بعباده بصير بأحوالهم – فما جعل في الدين من حرج، وهذا التسامح واليسر في الدين هو المبدأ الذي يبتنى عليه حكم الرخصة ولذلك أجمع العلماء على اعتبار الرخصة في الشريعة، وكتاب الله تعالى يدل على اعتبار الحرج كسبب للتخفيف والتيسير، فيقول الله تعالى:
١- ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] .
٢- ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٨٧] .
٣- ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٨] .
٤- ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] و [الفتح: ١٧] .
٥- ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] .
стр. 12206
فهذه الآيات لها دلالات واضحة على أن رفع الحرج في الدين معتبر عند الشرع، وأيضا على أن التيسير والتخفيف أمر مشروع ومطلوب، قال تعالى:
١- ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
٢- ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] .
وايضًا، السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام – تدل على اعتبار هذا المبدأ العظيم، فقال النبي ﷺ ((بعثت بالحنيفية السمحة)) (١) .
وقالت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها:
((ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا)) (٢) .
قال ﷺ : ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) (٣) .
ونهى النبي ﷺ عن الغلو في الدين، فقال: ((إن هذا الدين يسر ولا يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا)) (٤) وأيضًا: قال النبي ﷺ في مواضع عديدة آمرًا بالتيسير وناهيًا عن التعسير، " فقال: ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)) (٥) و ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) (٦) .
فالحاصل أن مشروعية الرخصة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
أنواع الرخصة وأمثلتها:
الأصوليون بينوا أنواع الرخصة وقسموها باعتبارات شتى، منها تقسيمها باعتبار تنوع أحكامها الشرعية – ومنها تقسيمها باعتبار الحقيقة والمجاز، ومنها تقسيم الرخصة من حيث الكمال والنقص، والرابع تقسيمها باعتبار كونه اختياريا أو اضطراريا، والخامس تقسيمها باعتبار أنواع التخفيف من حيث كونه إسقاطًا أو إبدالاً أو غير ذلك؛ فهذا بيان هذه التقسيمات مفصلاً مع ذكر الأمثلة.
التقسيم الأول
أنواع الرخصة باعتبار أحكامها الشرعية:
هذا ما اختاره عامة الأصوليين من السادة الشافعية والمالكية والحنابلة ويسمى تقسيم الشافعية – ولكن حينما اتفقوا على تقسيمها باعتبار الأحكام اختلفوا في التفصيل – فذهب بعضهم إلى أنها على ثلاثة أقسام: واجب، ومستحب، ورخصة تركها أفضل من العمل بها.
стр. 12207
فقال النووي:
المسألة السابعة في بيان أقسام الرخص، وهي ثلاثة أقسام: أحدها رخصة يجب فعلها كمن غص بلقمة ولم يجد ما يسيغها به إلا خمرًا، يجب إساغتها بها، وكالمضطر إلى أكل الميتة وغيرها من النجاسات يلزمه أكلها على الصحيح الذي قطع به الجمهور، وقال بعض أصحابنا: يجوز ولا يجب. الثاني: رخصة مستحبة كقصر الصلاة في السفر، والفطر لمن شق عليه الصوم، وكذا الإبراد من شدة الحر على الأصح. الثالث: رخصة تركها أفضل من فعلها كمسح الخف والتيمم لمن وجد الماء يباع بأكثر من ثمن مثله، والفطر لمن لا يتضرر بالصوم – وعد أبو سعيد المتولى والغزالي في البسيط من هذا القسم الجمع بين الصلاتين في السفر ونقل الغزالي الاتفاق على أن ترك الجمع أفضل بخلاف القصر (١) .
والقاضي البيضاوي ﵀ اختار التقسيم الثلاثي كما يظهر من عبارته فإنه قال:
السادس: الحكم إن يثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة كحل الميتة للمضطر والقصر والفطر للمسافر واجبًا ومندوبًا ومباحًا وإلا فعزيمة (٢) .
الإمام النووي والقاضي البيضاوي مع اتفاقهما على التقسيم الثلاثي اختلفا في أنواع التقسيم – فالنووي ﵀ جعل " خلاف الأولى " النوع الثالث، والقاضي البيضاوي ذكر مكانه " المباح " وليس هذا الاختلاف اختلافًا لفظيا، لأن المباح لا يرادف " خلاف الأولى " كما لا يخفى على أصحاب الفقه والإفتاء، وبعضهم زاد قسمًا رابعًا فقال إنها واجبة – أو مندوبة – أو مباحة أو خلاف الأولى.
فقال صاحب شرح الجلال:
والرخصة إما أن تكون وجوبًا، أو ندبًا، أو إباحة أو خلاف الأولى؛ فالأول: نحو وجوب أكل الميتة للمضطر والحكم الأصلي الحرمة وسببها خبث الميتة وهو لا يزال قائمًا عند الاضطرار الذي هو العذر، ووجوب أكلها حينئذ أسهل من حرمته لأنه وإن كان مثل الحرمة في الإلزام لكن فيه بقاء النفس وفي الحرمة تلفها، وبقاء النفس موافق للغرض فكان أسهل ... والثاني: كندب القصر للمسافر سفرًا يبلغ ثلاثة أيام فصاعدًا وإلا كان الإتمام أولى خروجًا من خلاف أبي حنيفة ﵀ بالقول بوجوبه، والحكم الأصلي حرمة القصر وسببه دخول وقت الصلاة وهو قائم في السفر، والعذر مشقة السفر، والثالث: كإباحة السلم الذي هو بيع غائب موصوف في الذمة وحكمه الأصلي الحرمة، وسببه الغرر وهو قائم، والعذر الحاجة إلى ثمن الغلات قبل إدراكها، والرابع: كمخالفة الأولى في فطر المسافرين في رمضان، وحكمه الأصلي الحرمة وسببه شهود الشهر وهو قائم، والعذر مشقة السفر (٣) . والسيوطي ﵀ زاد قسمًا خامسًا وهو المكروه – حيث قال: " الرخص أقسام، ما يجب فعلها كأكل الميتة للمضطر لمن خاف الهلاك بغلبة الجوع والعطش، وإن كان مقيمًا صحيحًا، وإساغة الغصة بالخمر، وما يندب كالقصر في السفر والفطر لمن يشق عليه الصوم في السفر أو المرض، والإبراد بالظهر والنظر إلى المخطوبة. وما يباح كالسلم. وما الأولى تركها، كالمسح على الخف، والجمع والفطر لمن لا يتضرر والتيمم لمن وجد الماء يباع بأكثر من ثمن المثل وهو قادر عليه. وما يكره فعلها كالقصر في أقل من ثلاثة مراحل (٤) .
стр. 12208
واعلم أن هذا التقسيم للرخصة باعتبار أحكامها الشرعية والخلاف في عدد أنواع هذا التقسيم لا يبتنى على أسس عميقة فالذين ذكروا خمسة أنواع استوعبوا في القسمة، والذين ذكروا ثلاثة أنواع أو أربعة أنواع ليس عندهم هذا الاستيعاب بل اكتفوا على الأنواع الهامة وتركوا بعض الأنواع التي يندر وجودها.
وبعض المحققين من الشافعية ذهبوا إلى أن الواجب ليس من أنواع الرخصة لأن الرخصة حقيقة هي الإباحة والتسهيل – والوجوب فيه وكادة تقتضي أن يكون عزيمة وهذا ما أشار إليه إمام الحرمين وتردد في كون الوجوب رخصة – وصرح الكيا الهراسي بكونه عزيمة وقال: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا، وقال: وليس تناول الميتة من رخص السفر أو متعلق بالسفر، بل هو من نتائج الضرورة سفرًا كان أو حضرًا، وهو كالإفطار للعاصي المقيم إذا كان مريضًا – وكالتيمم للعاصي المسافر عند عدم الماء وهو الصحيح عندنا (١) .
وبحث الزركشي هذه القضية مفصلاً فقال:
وقال ابن دقيق العيد، وهذا يقتضي أن تكون عزيمة لوجود اللزوم والتأكيد، قال: لا مانع أن يطلق عليه " رخصة " من وجه، و "عزيمة " من وجه، فمن حيث قام الدليل المانع نسميه " رخصة "، و – من حيث الوجوب نسميه "عزيمة " (٢) . وهذه نكتة دقيقة من ابن دقيق العيد – فإن الحقيقة أن ارتفاع حكم الحرمة وإباحة ما حرم فيه تغير العسر إلى اليسر مع أن الدليل لحرمة قائم، وهذا هو عين الرخصة – وأما وجوب أكل الميتة للمضطر حذرًا من تلف النفس – فهذا مبني على أصل آخر فما صار مباحًا الآن تغير إلى الوجوب صيانة للنفس – فصارت عزيمة.
قال الزركشي بعد حكاية قول ابن دقيق العيد: وهذا التردد الذي أشار إليه، سبقه إليه إمام الحرمين في " النهاية " وتردد في أن الواجبات هل يوصف شيء منها بالرخصة، قال في باب صلاة المسافر من " النهاية ": يجوز أن يقال إن أكل الميتة ليس برخصة فإنه واجب، ولأجله قال صاحبه الكيا الهراسي في "أحكام القرآن": الصحيح عندنا أن أكل الميتة للمضطر عزيمة لا رخصة، كالفطر للمريض في رمضان، يتحصل بذلك في مجامعة الرخصة للوجوب ثلاثة أقوال، والظاهر أن الوجوب والاستحباب يجامعها، ولا يكون داخلاً في مسماها (٣) .
стр. 12209
وكما قلنا أولاً: إن ارتفاع حكم الحرمة فيه رفع الحرج وتغير العسر إلى اليسر ثم بعد ذلك إذا لم يتناول المحرم فمات فلم يؤد ما كان عليه واجبًا من صيانة النفس فصار عاصيًا ومعاقبًا، وجزى الله الإمام الغزالي ﵀ فقال في " المستصفى " ما هو القول الأعدل في هذه القضية فقال: فإن قيل فالرخص تنقسم إلى ما يعصى بتركه كترك أكل الميتة والإفطار عند خوف الهلاك، وإلى ما لا يعصى كالإفطار والقصر وترك كلمة الكفر وترك قتل من أكره على قتل نفسه، فكيف يسمى ما يجب الإتيان به الرخصة وكيف فرق بين البعض والبعض، قلنا: أما تسميته رخصة وإن كانت واجبة فمن حيث إن فيه فسحة، إذ لم يكلف إهلاك نفسه بالعطش وجوز له تسكينه بالخمر وأسقط عنه العقاب، فمن حيث إسقاط العقاب عن فعله هو فسحة ورخصة، ومن حيث إيجاب العقاب على تركه هو عزيمة (١) .
التقسيم الثاني
تقسيم الرخصة باعتبار الحقيقة والمجاز:
قسم الحنفية الرخصة إلى قسمين: رخصة حقيقية، والثاني رخصة مجازية، ثم قسموا الرخصة الحقيقة إلى نوعين، والمجازية إلى نوعين، فتفصيل الأنواع أربعة؛ قال الإمام جلال الدين أبو محمد عمرو بن محمد بن عمرو الخبازي الحنفي في كتابه المغني في أصول الفقه: وأما الرخص فأربعة أنواع، نوعان من الحقيقة أحدهما أحق من الآخر، ونوعان من المجاز أحدهما أتم من الآخر فأما أحق نوعي الحقيقة فما يرخص ارتكابه مع قيام المحرم والحرمة بمنزلة العفو عن الجناية بعد استحقاق العقوبة كإجراء المكره كلمة الكفر على اللسان، وإفطاره في رمضان، وإتلافه مال الغير، وجنايته على الإحرام، وتناول المضطر مال الغير، وترك الخائف على نفسه الأمر بالمعروف، وإنما يرخص في هذا القسم لأن في الامتناع إتلاف نفسه صورة ومعنى، وفي الارتكاب إتلاف حق الشرع أو حق العبد صورة لا معنى ... بخلاف النوع الثاني وهو ما يرخص فيه مع قيام السبب وتراخي حكمه بمنزلة تأجيل الدين كفطر المريض والمسافر، وحكمه أن الصوم أفضل عندنا لكمال سببه وتردد في الرخصة، فالعزيمة تؤدي معنى الرخصة من حيث تضمنها يسر موافقة المسلمين ...
стр. 12210
وأما أتم نوعي المجاز فما وضع عنا من الإصر والأغلال لانعدام سببه فلم يكن رخصة إلا مجازًا من حيث هو نسخ تمحض تخفيفًا، وأما النوع الرابع فما سقط عن العبد بخروج السبب من أن يكون موجبًا لحكمه في حقه مع بقائه موجبًا لذلك في الجملة كسقوط حرمة تناول الخمر والميتة عن المكره والمضطر للاستثناء حتى لا يسعهما الصبر عنهما، وسقوط اشتراط العينية في المسلم فيه أصلاً صار مفسدًا له بعد أن كان مصححًا في الجملة (١) .
هذا هو التقسيم السائد عند الحنفية في الكتب الأصولية – فالإمام حافظ الدين النسفي ﵀ المتوفى ٧١٠ ذكر في كتابه " المنار" وشرحه كشف الأسرار " هذه الأنواع الأربعة مع بيان أحكامه فقال: " ورخصة وهي أربعة أنواع، نوعان من الحقيقة، أحدهما أحق من الآخر، ونوعان من المجاز، أحدهما أتم من الآخر ... أما أحق نوعي الحقيقة فما استبيح مع قيام المحرم وقيام حكمه كالمكره على إجراء كلمة الكفر ... وإفطاره وجنايته على الإحرام ... وتناول المضطر مال الغير ... وحكمه أن الأخذ بالعزيمة أولى، حتى لو صبر وقتل كان شهيدًا.. والثاني ما استبيح مع قيام السبب لكن الحكم تراخى عنه كالمسافر رخص له الفطر ... وحكمه أن الأخذ بالعزيمة أولى، لكمال سببه، وتردد في الرخصة، فالعزيمة تؤدي معنى الرخصة من وجه ... إلا أن يضعفه الصوم.. وأما أتم نوعي المجاز فما وضع عنا من الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا ... فيسمى ذلك رخصة مجازًا لأن الأصل لم يبق مشروعًا ... والنوع الرابع ما سقط عن العباد مع كونه مشروعًا في الجملة كقصر الصلاة في السفر....
اعلم أن النوع الرابع، وهو الثاني من نوعي الرخصة، ما سقط عن العباد مع كونه مشروعًا في الجملة، فمن حيث أن السبب لم يبق موجبًا للحكم وسقط الوجوب أصلاً – كان مجازًا ومن حيث إنه بقي مشروعًا في الجملة كان شبيهًا بحقيقة الرخصة، وذلك مثل قصر الصلاة في السفر، فإنه إسقاط للواجب حقيقة لما لم يبق له حكم بوجه، وسمي رخصة مجازًا حتى لا يجوز للمسافر أن يصلي الظهر أربعًا، ولو صلى أربعًا كان كمن صلى الفجر أربعًا لأن السبب لم يبق في حقه موجبًا إلا ركعتين فكانت الأخريان نفلاً (٢) .
الأصوليون من الأحناف كلهم متفقون على هذا التقسيم الرباعي باعتبار الحقيقة والمجاز، ليس بينهم خلاف في أصل هذا التقسيم ولا في أنواعه، إلا في بعض الأمثلة، أما تقسيم الرخصة باعتبار الأحكام الشرعية فلا يوجد عند الأحناف بالاستقلال، بل يذكرون أحكام الرخصة ضمن الأمثلة للتقسيم الرباعي السائد بينهم.
стр. 12211
خلاصة القول أن الأصوليين الشافعية وتبعهم الحنابلة والمالكية اهتموا اهتمامًا بالغًا بالتقسيم الأول، أعني تقسيم الرخصة باعتبار أحكامها الشرعية من الوجوب والندب، والإباحة والكراهة ثم بعضهم ثلث القسم كالنووي في الأصول والضوابط، وبعضهم ربع القسم كالجلال في شرحه على الجمع، وبعضهم خمس القسم كالسيوطي في "الأشباه والنظائر " واختلافهم في عدد أنواع هذا التقسيم نشأ من استقصاء التتبع وعدمه، وهذا التقسيم للرخصة يوجد عند الأحناف أيضًا، لكن لا مستقلاً بل في ضمن الأمثلة المتقدمة في بحث الرخصة، فعندهم أيضا بعض أفراد الرخصة واجب وبعضها مندوب، وبعضها مباح وبعضها خلاف الأولى كما هو ظاهر من تتبع كتبهم وما اطلعت على مثال للمكروه ضمن أمثال الرخصة عند الأحناف، وأما الحرام فليس من أنواع الرخصة عند أحد كما هو الظاهر لأن الحرمة تنافي الرخصة.
التقسيم الثالث
الرخصة باعتبار الكمال والنقصان:
حينما لاحظنا الرخصة من حيث الكمال والنقص فوجدنا أن بعض الرخص لها حكم خاص باعتبار أن الشرع حينما رخص في تلك المسألة وأباح الترك فلم يوجب قضاء هذا العمل في وقت آخر، يعني هذا عفو كامل من الشرع كما أن الشرع أباح ترك الوضوء لفقد الماء وأمر بالتيمم فذهبت فرضية الوضوء من الأصل بخلاف ما إذا أباح الشرع ترك الصوم للمريض والمسافر في شهر رمضان وأباح لهما الإفطار ولكن لم تذهب فرضية الصيام بأصلها بل بقي وجوب القضاء في أيام أخر فالرخصة التي لم يبق فيها شيء، هي " رخصة كاملة" مثاله مسح الخف والتيمم، والرخصة التي بقي معها شيء كرخصة الإفطار فهذه رخصة ناقصة.
قال الإمام بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الشافعي الزركشي (المتوفى ٧٩٤هـ) :
تنقسم الرخصة إلى: كاملة وهي التي لا شيء معها كالمسح على الخف، وناقصة، وهي بخلافه، وهذا تلمحته من كلام الشافعي في "الأم"، فإنه قال: والمسح رخصة كمال؛ وعلى هذا فالتيمم لعدم الماء فيما لا يجب معه القضاء رخصة كاملة، ومع ما يجب فيه القضاء رخصة ناقصة (١) .
стр. 12212
التقسيم الرابع للرخصة
باعتبار كون سبب الرخصة اختياريًا أو اضطراريًا، ذكر الزركشي أن سبب الرخصة قد يكون اختياريًا كالسفر، وقد يكون اضطراريًا كالاغتصاص باللقمة الذي يبيح شرب الخمر.
التقسيم الخامس للرخصة
للرخصة تقسيم خامس، وعبر عنها ابن نجيم بالتخفيفات، فقال: تخفيفات الشرع أنواع، ويمكن لنا أن نسميها أنواع الرخص الشرعية.
الأول: تخفيف الإسقاط كإسقاط العبادات عند وجود أعذارها.
الثاني: تخفيف التنقيص كالقصر في السفر على القول بأن الإتمام أصل.
الثالث: تخفيف إبدال كإبدال الوضوء والغسل بالتيمم، والقيام في الصلاة بالقعود، والاضطجاع والركوع والسجود بالإيماء، والصيام بالإطعام.
الرابع: تخفيف التقديم، كالجمع بعرفات، وتقديم الزكاة على الحول، وزكاة الفطر في رمضان.
الخامس: تخفيف التأخير، كالجمع بمزدلفة، وتأخير رمضان للمريض والمسافر وتأخير الصلاة عن وقتها في حق مشتغل بإنقاذ غريق ونحوه.
السادس: تخفيف ترخيص كصلاة المستجمر مع بقية النجو، وشرب الخمر للغصة.
السابع: تخفيف تغيير كتغيير نظم الصلاة للخوف (١) .
стр. 12213
مسألة تتبع الرخص:
قبل الخوض في قضية تتبع الرخص لابد أن نعرف أن " الرخصة " في هذا البحث ليس في معنى " الرخصة المعروفة عند الأصوليين " التي هي ضد العزيمة، فإن تلك الرخصة المعروفة عند الأصوليين ثابتة بالكتاب والسنة وليس فيها خلاف بين الأصوليين والفقهاء فإنها منصوصة ومصرحة في الكتاب والسنة وكتب الفقهاء والأصوليين، بل المراد " بتتبع الرخص " "أن يختار الإنسان من أقوال الفقهاء والمجتهدين ومذاهبهم في كل مسألة ما يكون أسهل وأخف وأيسر " ولا يتقيد بمذهب إمام من الأئمة المعروفين، ولا يكون مدار اختياره قوة الدلائل أو التورع والاحتياط بل يكون مدار اختياره الأقوال والآراء، التخفيف واليسر والسهولة.
فالفقهاء القدامى والمتأخرون جعلوا هذه القضية موضوع أبحاثهم في ثنايا كتبهم، فبعضهم رأوا أن الأمور الاجتهادية والمسائل المجتهد فيها، فيها ما هي متقارب المدارك وليس فيها شذوذ فلم يمنع من العمل بقول واحد من الأئمة أو آخر لأن المجتهدين ليس منهم من يدعي أن الحق محدود في قوله – بل القول الحق هو أن كل رأي محتمل الخطأ والصواب ولكن كل مجتهد يظن أن ما هو عليه حق بغلبة الظن مع احتمال كونه خطأ – والرأي المخالف له خطأ على غالب الظن مع احتمال كونه صوابًا – أما أن المبتلى به قد اختار الأسهل والأيسر له فليست في هذا الاختيار أي مندوحة؛ لأن الله تعالى هو الذي رفع الحرج وأراد بعباده السهولة واليسر.
وبعض الفقهاء ذهبوا إلى أن تتبع الرخص ممنوع قطعًا لأن المقصود به التشهي واتباع هوى النفس فلا يريد المبتلى به اتباع الشرع بل يقصد به ما تشتهيه النفس، والقول الثالث لبعض العلماء هو أنه لا يجوز في عامة الأحوال، نعم إذا كانت الضرورة داعية أو العذر القوي قائمًا فيجوز للمبتلى به أن يختار قولاً فيه يسر وسهولة.
стр. 12214
هذه هي خلاصة أقوال الفقهاء في هذه المسألة على الإجمال – الآن نذكر أقوال الفقهاء والأصوليين في هذه المسألة بالتفصيل. قال الإمام ابن الهمام الفقيه الأصولي الحنفي:
وإذا أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد قوله أخف عليه وأنا لا أدري ما يمنع هذا من النقل أو العقل، وكون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، ما علمت من الشرع ذمه عليه، ((وكان ﷺ يحب ما خفف عن أمته)) (١) .
وقال الشوكاني ناقلاً أقوال الفقهاء في تتبع رخص المذاهب:
أما لو اختار المقلد من كل مذهب ما هو الأهون عليه والأخف له فقال أبو إسحاق المروزي: يفسق، وقال ابن أبي هريرة: لا يفسق، قال الإمام أحمد بن حنبل: لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ وأهل المدينة في السماع وأهل مكة في المتعة كان فاسقًا، وخص القاضي من الحنابلة التفسيق بالمجتهد إذا لم يؤد اجتهاده إلى الرخصة واتبعها العامي العامل بها من غير تقليد لإخلاله بفرضه وهو التقليد، فأما العامي إذا قلد في ذلك فلا يفسق لأنه قلد من سوغ اجتهاده، وقال ابن عبد السلام: ينظر إلى الفعل الذي فعله، فإن كان مما اشتهر تحريمه في الشرع أثم، وإلا لم يأثم (٢) .
قال محمد أمين المعروف بأمير بادشاه الحسيني الحنفي في كتابه تيسير التحرير شرح كتاب التحرير لابن الهمام: (يتخرج) أي يستنبط (منه) أي من جواز اتباع غير مقلده الأول وعدم التضييق عليه (جواز اتباعه رخص المذاهب) أي أخذه من المذاهب ما هو الأهون عليه فيما يقع من المسائل (ولا يمنع منه مانع شرعي، إذ للإنسان أن يسلك) المسلك (الأخف عليه إذا كان له) أي للإنسان (إليه) أي ذلك المسلك الأخف (سبيل) ؛ ثم بين السبيل بقوله: (بأن لم يكن عمل بآخر) أي بقول آخر مخالف لذلك الأخف (فيه) ، أي في ذلك المحل المختلف فيه ((وكان ﷺ يحب ما خفف عليهم)) . في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ بلفظ ((عنهم)) ، وفي رواية بلفظ ((ما يخفف عنهم)) : أي أمته، وذكروا عدة أحاديث صحيحة دالة على هذا المعنى، وما نقل عن ابن عبد البر: من أنه لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعًا، فلا نسلم صحة النقل عنه ولو سلم فلا نسلم صحة دعوى الإجماع، كيف وفي تفسيق المتتبع للرخص روايتان عن أحمد، وحمل القاضي أبو يعلى الرواية المفسقة على غير متأول ولا مقلد (وقيده) أي جواز تقليد غير مقلده (متأخر) وهو العلامة القرافي (بأن لا يترتب عليه) أي على تقليد الغير (ما يمنعانه) بإيقاع الفعل على وجه يحكم ببطلانه المجتهدان معًا لمخالفته الأول فيما قلد فيه غيره ... والثاني في شيء فيما يتوقف عليه صحة ذلك العمل عنه، (فمن قلد الشافعي في عدم) فرضية (الدلك) للأعضاء المغسولة في الوضوء والغسل (و) قلد (مالكًا في عدم نقض اللمس بلا شهوة) للوضوء (وصلى إن كان الوضوء بذلك صحت) صلاته عند مالك (وإن لا) أي وإن لم يكن بذلك (بطلت عندهما) أي مالك والشافعي (٣) .
стр. 12215
بعد ذلك ناقش محمد أمين المعروف بأمير بادشاه الشرط الذي اشترطه القرافي وانتقد عليه، وذلك الاعتراض على قول القرافي، وقال: إن القول بالبطلان في الصورة المذكورة عند الإمامين كليهما غير مسلم؛ لأن مالكًا مثلاً لم يقل إن من قلد الشافعي في عدم الصداق، أن نكاحه باطل " وكذلك لم يقل الشافعي: " إن من قلد مالكًا في عدم الشهود أن نكاحه باطل ". وأجيب عنه أن في ما ذكر القرافي " الرجل قلد الإمامين وخالف كلًّا منهما في شيء " بخلاف ما في الصورة المذكورة في الاعتراض؛ لأن في هذه الصورة قلد الرجل إمامًا وراعى مذهبه في جميع ما يتوقف عليه صحة العمل، فبينهما فرق واضح فلا يوجب الحكم بالصحة في صورة، والحكم بالصحة في صورة أخرى.
ثم نقل أقوال بعض العلماء في قضية انتقال المقلد إلى مذهب غير إمامه فقال:
ورجح الإمام العلائي القول بالانتقال في صورتين أحدهما: إذا كان مذهب غير إمامه أحوط.. ,الثانية: إذا رأى للقول المخالف لمذهب إمامه دليلاً قويا راجحًا، إذ المكلف مأمور باتباع نبيه ﷺ وهذا موافق لما روي عن الإمام أحمد والقدوري وعليه مشى طائفة من العلماء منهم ابن الصلاح وابن حمدان (١) .
الإمام الشاطبي لا يبيح بحال تتبع رخص المذاهب وينهى عنها أشد النهي ويقول:
واعترض بعض المتأخرين على من منع تتبع رخص المذاهب وأنه إنما يجوز الانتقال إلى مذهب بكماله، فقال: إن أراد المانع ما هو على خلاف الأمور الأربعة التي ينقض فيها قضاء القاضي فمسلم، وإن أراد ما فيه توسعة على المكلف فممنوع إن لم يكن على خلاف ذلك، بل قوله ﵊ ((بعثت بالحنيفية السمحة)) يقتضي جواز ذلك، لأنه نوع من اللطف بالعبد، والشريعة لم ترد بقصد مشاق العباد بل بتحصيل المصالح، وأنت تعلم بما تقدم ما في هذا الكلام لأن الحنيفية السمحة إنما أتى فيها السماح مقيدًا بما هو جار على أصولها، وليس تتبع الرخص ولا اختيار الأقوال بالتشهي بثابت من أصولها، فما قاله عن الدعوى، ثم نقول: تتبع الرخص ميل مع أهواء النفوس، والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى، فهذا مضاد لذلك الأصل المتفق عليه ومضاد أيضا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩] وموضع الخلاف موضع تنازع فلا يصح أن يرد إلى أهواء النفوس " وإنما يرد إلى الشريعة وهي تبين الراجح من القولين الذي يجب اتباعه لا الموافق للغرض ".
стр. 12216
وربما استجاز هذا بعضهم في مواطن يدعي فيها الضرورة وإلجاء الحاجة بناء على أن الضرورات تبيح المحظورات فيأخذ عند ذلك بما يوافق الغرض، حتى إذا نزلت المسألة على حالة لا ضرورة فيها ولا حاجة إلى الأخذ بالقول المرجوح والخارج عن المذهب أخذ فيها بالقول المذهبي أو الراجح في المذهب؛ فهذا أيضا من ذلك الطراز المتقدم، فإن حاصله الأخذ بما يوافق الهوى الحاضر ومحال الضرورات معلومة من الشريعة فإن كانت هذه المسألة منها فصاحب المذهب قد تكفل ببيانها أخذًا عن صاحب الشرع فلا حاجة إلى الانتقال عنها، وإن لم تكن منها فزعم الزاعم أنها منها خطأ فاحش ودعوى غير مقبولة (١) .
فما يظهر من تتبع أقوال الفقهاء والأصوليين أنهم في هذه القضية على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: منع تتبع رخص المذاهب مطلقًا سواء كان هذا التتبع للتشهي والتخفيف أو كان لأعذار وأمراض.
المذهب الثاني: تسويغ تتبع الرخص مطلقًا بدون قيد أو شرط.
المذهب الثالث: منع تتبع الرخص في عامة الأحوال وتسويغه في أحوال خاصة للضرورة أو المرض أو عذر آخر، فالمذهب السائد بين عامة الفقهاء هو عدم جواز تتبع الرخص حتى أن بعضهم ادعى الإجماع على هذا – ودليلهم أن تتبع الرخص ليس إلا للتشهي واتباع الهوى، وحرمة اتباع الهوى والتشهي مصرحة في الكتاب والسنة ومجمع عليها بين الفقهاء، وعلاوة على ذلك لو أبحنا تتبع الرخص ارتفع التكليف مع أن الشريعة كلفت الإنسان بأحكام تشق على نفسه. قال الشاطبي في الموافقات: تتبع الرخص ميل مع أهواء النفوس والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى فهذا مضاد لذلك الأصل المتفق عليه.
المحظور الثاني في إباحة تتبع الرخص مطلقًا أن الدين يكون لعبة للاعبين وعبثًا للعابثين، ولو عم هذا المرض في المجتمع الإسلامي يؤدي إلى الانحلال والفجور وتعطل مصالح الشريعة بل مقاصدها الكلية.
وجماعة من الفقهاء والأصوليين ذهبوا إلى إباحة تتبع الرخص مطلقًا وحجتهم أن تتبع الرخص ليس إلا طلب اليسر والسهولة في الشريعة وأن الكتاب والسنة حافلان بأدلة طلب السهولة واليسر ولا مانع من أن يقلد الإنسان مجتهدًا في مسألة ويقلد مجتهدًا آخر في أخرى، وأدلة طلب اليسر والسهولة أكثر من أن تحصى – الفقيه الأصولي ابن الهمام رأس هذا المذهب، فإنه في كتابه " فتح القدير " أباح تتبع الرخص مطلقًا، وفي كتابه " التحرير " قيد هذه الإباحة بأنه " لم يكن عمل بقول إمام آخر في ذلك المحل الذي يريد فيه التخفيف ".
стр. 12217
القول الراجح:
القول الذي أميل إليه هو التفصيل في هذه المسألة وهو أن تتبع الرخص لا يجوز في عامة الأحوال للتشهي أو التلهي أو اتباع الهوى، أما لو كان تتبع الرخصة في أحوال خاصة للضرورة أو العذر أو المرض يجوز بشروط مخصوصة؛ تفصيل هذا الرأي أن الشريعة كما أنها نهت عن اتباع الهوى والتلهي، هكذا راعت جانب اليسر والسهولة في الأحكام ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وبعث النبي ﷺ بالحنيفية السمحة، فلا بد من رعاية هذين الجانبين في هذه المسألة والذي يظهر لي – والله أعلم – أن تتبع الرخص الممنوع الذي ادعى البعض الإجماع على منعه أن يأخذ الإنسان من كل مذهب ما هو الأخف عليه لمحض اتباعه هوى نفسه بدون ضرورة وعذر؛ لأنه لو فتح هذا الباب يكون ذريعة للانحلال من التكاليف الشرعية ويصير الدين هزؤا، ويدخل في هذا النوع من تتبع الرخص أن يختار الإنسان أقوال مختلف الفقهاء في مختلف المسائل للتشهي والتهلي:
مثلاً: رجل أراد الفجور مع امرأة لكنه خاف إقامة حد الزنا عليه فنكح هذه المرأة بدون ولي ولا شهود فأخذ بقول أبي حنيفة في صحة نكاح المرأة البالغة بدون إذن ولي، وأخذ بقول مالك في صحة النكاح بدون شهود ولا شك أن مثل هذه الأعمال من تتبع الرخص تلاعب بالشريعة واستهزاء بها، لا يرضاها أحد من العقلاء فضلاً عن الفقهاء، فإنهم أعقل الناس وأدراهم بمقاصد الشريعة – أما الاستفادة برخص المذاهب في أحوال خاصة مثلاً: اختيار فقهاء الأحناف قول الإمام مالك ﵀ في مسألة المفقود وفي بعض المسائل الأخرى – واختيار فقهاء الشافعية بعض الآراء من الفقه المالكي أو الفقه الحنفي فلا بأس به، فإن المعضلات المتجددة والقضايا المعاصرة لا يمكن حلها إذا قيدنا العمل بقول مجتهد واحد – خاصة في المعاملات التجارية الحديثة، ولا ينبغي أن يرخص لكل مكلف أن يختار ما شاء من أقوال على ما تشتهيه نفسه في مجال حياته حتى أنه يعمل يومًا في مسألة واحدة بقول الشافعي ﵀ حينما وافق غرضه، ويختار قول أبي حنيفة ﵀ غدا في عين هذه المسألة لما رأى أن قول الشافعي ﵀ لا يوافق غرضه المطلوب اليوم، ولا يخفى أن اتباع الشريعة هو تكليف وتحمل المشاق – فلا يخلو أي حكم من أحكام الشريعة من المشقة كليًّا – بل شيء من الكلفة موجود في كل حكم – نعم ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فالحرج والعسر والمشقة مرفوعة.
стр. 12218
فعلينا أن نقرر ضابطًا لاختيار الأسهل من أقوال الأئمة لئلا يصل هذا إلى الإباحية الهالكة – أو إلى تضييق منفر – فنقول:
١- الأصل أن الأمر إذا ضاق اتسع، فإذا ظهر للمبتلى به ضيق وحرج وعسر لا يستطيع تحمله فيجوز له أن يختار قولاً لإمام آخر فيه دفع الحرج والمشقة.
٢- وعليه أن يستفتي أهل الذكر وأصحاب العلم وأرباب الفتوى الذين هم عمدة الدين وأعمق الناس علمًا وأورعهم قلبًا لئلا يقع في كيد الشيطان وما زينه له هوى النفس؛ لأن المكلف العامي كثيرًا ما لا يميز بين الضرورة واتباع الهوى.
٣- وعليه أن لا يخرج من مذاهب الأئمة الأربعة المدونة المنقحة المخدومة من القرون لأن مذاهب غيرهم المنقولة في ثنايا الكتب عامتها ليست مروية برواية الثقات أو متواترة قرنًا بعد قرن على ألسنة العلماء والفقهاء الثقات الأثبات – ولا يعرف الشروط والقيود المعتبرة عندهم.
٤- أما إذا صارت القضية اجتماعية لعموم البلوى بها أو قضية نشأت بسبب تغير الأحوال وتجدد العوائد وحدوث العرف الجديد، خاصة في معاملات الناس من التجارة والصنعة وعادات التجار والصناعيين وأهل الحرف خاصة في المعاملات في ما بين الدول فيجوز بل يجب على العلماء الراسخين وأصحاب العلم والتقوى من الفقهاء، الاجتهاد الجماعي في مثل تلك القضايا وحل تلك القضايا المعضلة طبقًا لمقاصد الشريعة وقواعدها الكلية ووفقًا لما تقتضيه الأحوال المتجددة والعوائد الحادثة، ويجوز لهم العدول من قول إمام بعينه إلى قول إمام آخر من أئمة الهدى بشرط:
- أن لا يكون قولاً شاذًّا.
- وأن لا يكون مصادمًا للنص.
стр. 12219
مسألة التلفيق وحكمه
التلفيق لغة واصطلاحًا:
التلفيق مأخوذ من " لفقت الثوب ألفقه لفقًا وهو أن تضم شقة إلى أخرى فتخيطها ولفق الشقتين يلفقهما لفقًا ولفقهما – ضم إحداهما إلى الأخرى فخاطهما (١) والتلفيق مصدر لفق ضم شقة إلى أخرى (٢) . أما في اصطلاح الفقهاء والأصوليين فالتلفيق كما قال الرواس قلعجي هو " القيام بعمل يجمع فيه بين عدة مذاهب، حتى لا يمكن اعتبار هذا العمل صحيحًا في أي مذهب من المذاهب " (٣) فالتلفيق هو " الإتيان بكيفية لا يقول بها مجتهد " وذلك بأن يلفق في قضية واحدة بين قولين أو أكثر يتولد منها حقيقة مركبة لا يقول بها أحد كما لو توضأ فمسح بعض شعر رأسه مقلدًا للإمام الشافعي ﵀ وبعد الوضوء مس أجنبية مقلدًا للإمام أبي حنيفة ﵀ فإن وضوءه على هذه الهيئة حقيقة مركبة لم يقل بها كلا الإمامين (٤) .
حكم التلفيق:
الأصل أن هذه القضية الهامة التي صارت مثار بحث بين العلماء المتأخرين مرتبطة بمسألة التقليد بجوازه أو منعه، وأيضا بمسئلة التزام مذهب معين، فمن أجاز التقليد وأوجب الالتزام بمذهب معين منع التلفيق، ومن لم يوجب الالتزام جوزه – ولذلك اختلف الفقهاء في الحكم فذهب أكثر الفقهاء إلى أن التلفيق ممنوع لأن التقليد لا يصح مع التلفيق، وطائفة من الفقهاء ذهب إلى جواز التلفيق مطلقًا مستدلين بأنه ليس هنا أي مانع من الكتاب والسنة – وبعض من الفقهاء قد اختار القول الثالث وهو أنه يجوز التلفيق بشرط أن لا يتأدى إلى تتبع الرخص المفضي إلى الانحلال والفجور، والذين جوزوه بشروط ذكروا له شروطًا شتى.
فقال في الدر المختار: " وإن الحكم الملفق باطل بالإجماع، وإن الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل اتفاقًا – وهو المختار في المذهب – وإن الخلاف خاص بالقاضي المجتهد، وأما القاضي المقلد فلا ينفذ قضاؤه بخلاف مذهبه أصلاً كما في القنية (٥) .
مثاله: متوضئ سال من بدنه دم ولمس امرأة ثم صلى، فإن صحة هذه الصلاة ملفقة من مذهب الشافعي والحنفي، والتلفيق باطل فصحته منتفية (٦) .
стр. 12220
وقال ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار:
(قوله: وإن الرجوع......إلخ) صرح بذلك المحقق ابن الهمام في تحريره، ومثله في أصول الآمدي وابن الحاجب وجمع الجوامع، وهو محمول كما قال ابن حجر والرملي في شرحيهما على المنهاج وابن قاسم في حاشيته على ما إذا بقي من آثار الفعل السابق أثر يؤدي إلى تلفيق العمل بشيء لا يقول به أحد من المذهبين، كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة، وكما لو أفتى ببينونة زوجته بطلاقها مكرها ثم نكح أختها مقلدًا للحنفي بطلاق المكره – ثم أفتاه شافعي بعدم الحنث، فيمتنع عليه أن يطأ الأولى مقلدًا للشافعي والثانية مقلدًا الحنفي – أو هو محمول على منع التقليد في تلك الحادثة بعينها لا مثلها كما صرح به الإمام السبكي وتبعه عليه جماعة ... على أن في دعوى الاتفاق نظر فقد حكي الخلاف فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان التزام مذهب معين وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدًا فيه غير إمامه مستجمعًا شروطه – ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر (١) .
فالحاصل أن القول ببطلان الرجوع عن التقليد بعد العمل ليس بمتفق عليه بل فيه خلاف – وأن التزام مذهب معين ليس بلازم. وحكى الزركشي مذاهب العلماء في هذه المسألة فقال:
هل يجب على العامي التزام تقليد مذهب معين في كل واقعة فيه وجهان – قال الكيا: يلزمه – وقال ابن برهان –: لا – ورجحه النووي في (أوائل القضاء) وهو الصحيح، فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم من غير تقليد ... وقد رام بعض الخلفاء زمن مالك حمل الناس في الآفاق على مذهب مالك فمنعه مالك، واحتج بأن الله فرق العلم في البلاد بتفريق العلماء فيها فلم الحجر على الناس ... وذكر بعض الحنابلة أن هذا مذهب أحمد فإنه قال لبعض أصحابه: لا تحمل الناس على مذهبك فيحرجوا – دعهم يترخصوا بمذاهب الناس ... وقد كان السلف يقلدون من شاؤوا قبل ظهور المذاهب الأربعة، وقد قال النبي ﷺ ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه)) .