وربما استجاز هذا بعضهم في مواطن يدعي فيها الضرورة وإلجاء الحاجة بناء على أن الضرورات تبيح المحظورات فيأخذ عند ذلك بما يوافق الغرض، حتى إذا نزلت المسألة على حالة لا ضرورة فيها ولا حاجة إلى الأخذ بالقول المرجوح والخارج عن المذهب أخذ فيها بالقول المذهبي أو الراجح في المذهب؛ فهذا أيضا من ذلك الطراز المتقدم، فإن حاصله الأخذ بما يوافق الهوى الحاضر ومحال الضرورات معلومة من الشريعة فإن كانت هذه المسألة منها فصاحب المذهب قد تكفل ببيانها أخذًا عن صاحب الشرع فلا حاجة إلى الانتقال عنها، وإن لم تكن منها فزعم الزاعم أنها منها خطأ فاحش ودعوى غير مقبولة (١) .
فما يظهر من تتبع أقوال الفقهاء والأصوليين أنهم في هذه القضية على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: منع تتبع رخص المذاهب مطلقًا سواء كان هذا التتبع للتشهي والتخفيف أو كان لأعذار وأمراض.
المذهب الثاني: تسويغ تتبع الرخص مطلقًا بدون قيد أو شرط.
المذهب الثالث: منع تتبع الرخص في عامة الأحوال وتسويغه في أحوال خاصة للضرورة أو المرض أو عذر آخر، فالمذهب السائد بين عامة الفقهاء هو عدم جواز تتبع الرخص حتى أن بعضهم ادعى الإجماع على هذا – ودليلهم أن تتبع الرخص ليس إلا للتشهي واتباع الهوى، وحرمة اتباع الهوى والتشهي مصرحة في الكتاب والسنة ومجمع عليها بين الفقهاء، وعلاوة على ذلك لو أبحنا تتبع الرخص ارتفع التكليف مع أن الشريعة كلفت الإنسان بأحكام تشق على نفسه. قال الشاطبي في الموافقات: تتبع الرخص ميل مع أهواء النفوس والشرع جاء بالنهي عن اتباع الهوى فهذا مضاد لذلك الأصل المتفق عليه.
المحظور الثاني في إباحة تتبع الرخص مطلقًا أن الدين يكون لعبة للاعبين وعبثًا للعابثين، ولو عم هذا المرض في المجتمع الإسلامي يؤدي إلى الانحلال والفجور وتعطل مصالح الشريعة بل مقاصدها الكلية.
وجماعة من الفقهاء والأصوليين ذهبوا إلى إباحة تتبع الرخص مطلقًا وحجتهم أن تتبع الرخص ليس إلا طلب اليسر والسهولة في الشريعة وأن الكتاب والسنة حافلان بأدلة طلب السهولة واليسر ولا مانع من أن يقلد الإنسان مجتهدًا في مسألة ويقلد مجتهدًا آخر في أخرى، وأدلة طلب اليسر والسهولة أكثر من أن تحصى – الفقيه الأصولي ابن الهمام رأس هذا المذهب، فإنه في كتابه " فتح القدير " أباح تتبع الرخص مطلقًا، وفي كتابه " التحرير " قيد هذه الإباحة بأنه " لم يكن عمل بقول إمام آخر في ذلك المحل الذي يريد فيه التخفيف ".
стр. 12217
القول الراجح:
القول الذي أميل إليه هو التفصيل في هذه المسألة وهو أن تتبع الرخص لا يجوز في عامة الأحوال للتشهي أو التلهي أو اتباع الهوى، أما لو كان تتبع الرخصة في أحوال خاصة للضرورة أو العذر أو المرض يجوز بشروط مخصوصة؛ تفصيل هذا الرأي أن الشريعة كما أنها نهت عن اتباع الهوى والتلهي، هكذا راعت جانب اليسر والسهولة في الأحكام ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وبعث النبي ﷺ بالحنيفية السمحة، فلا بد من رعاية هذين الجانبين في هذه المسألة والذي يظهر لي – والله أعلم – أن تتبع الرخص الممنوع الذي ادعى البعض الإجماع على منعه أن يأخذ الإنسان من كل مذهب ما هو الأخف عليه لمحض اتباعه هوى نفسه بدون ضرورة وعذر؛ لأنه لو فتح هذا الباب يكون ذريعة للانحلال من التكاليف الشرعية ويصير الدين هزؤا، ويدخل في هذا النوع من تتبع الرخص أن يختار الإنسان أقوال مختلف الفقهاء في مختلف المسائل للتشهي والتهلي:
مثلاً: رجل أراد الفجور مع امرأة لكنه خاف إقامة حد الزنا عليه فنكح هذه المرأة بدون ولي ولا شهود فأخذ بقول أبي حنيفة في صحة نكاح المرأة البالغة بدون إذن ولي، وأخذ بقول مالك في صحة النكاح بدون شهود ولا شك أن مثل هذه الأعمال من تتبع الرخص تلاعب بالشريعة واستهزاء بها، لا يرضاها أحد من العقلاء فضلاً عن الفقهاء، فإنهم أعقل الناس وأدراهم بمقاصد الشريعة – أما الاستفادة برخص المذاهب في أحوال خاصة مثلاً: اختيار فقهاء الأحناف قول الإمام مالك ﵀ في مسألة المفقود وفي بعض المسائل الأخرى – واختيار فقهاء الشافعية بعض الآراء من الفقه المالكي أو الفقه الحنفي فلا بأس به، فإن المعضلات المتجددة والقضايا المعاصرة لا يمكن حلها إذا قيدنا العمل بقول مجتهد واحد – خاصة في المعاملات التجارية الحديثة، ولا ينبغي أن يرخص لكل مكلف أن يختار ما شاء من أقوال على ما تشتهيه نفسه في مجال حياته حتى أنه يعمل يومًا في مسألة واحدة بقول الشافعي ﵀ حينما وافق غرضه، ويختار قول أبي حنيفة ﵀ غدا في عين هذه المسألة لما رأى أن قول الشافعي ﵀ لا يوافق غرضه المطلوب اليوم، ولا يخفى أن اتباع الشريعة هو تكليف وتحمل المشاق – فلا يخلو أي حكم من أحكام الشريعة من المشقة كليًّا – بل شيء من الكلفة موجود في كل حكم – نعم ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فالحرج والعسر والمشقة مرفوعة.
стр. 12218
فعلينا أن نقرر ضابطًا لاختيار الأسهل من أقوال الأئمة لئلا يصل هذا إلى الإباحية الهالكة – أو إلى تضييق منفر – فنقول:
١- الأصل أن الأمر إذا ضاق اتسع، فإذا ظهر للمبتلى به ضيق وحرج وعسر لا يستطيع تحمله فيجوز له أن يختار قولاً لإمام آخر فيه دفع الحرج والمشقة.
٢- وعليه أن يستفتي أهل الذكر وأصحاب العلم وأرباب الفتوى الذين هم عمدة الدين وأعمق الناس علمًا وأورعهم قلبًا لئلا يقع في كيد الشيطان وما زينه له هوى النفس؛ لأن المكلف العامي كثيرًا ما لا يميز بين الضرورة واتباع الهوى.
٣- وعليه أن لا يخرج من مذاهب الأئمة الأربعة المدونة المنقحة المخدومة من القرون لأن مذاهب غيرهم المنقولة في ثنايا الكتب عامتها ليست مروية برواية الثقات أو متواترة قرنًا بعد قرن على ألسنة العلماء والفقهاء الثقات الأثبات – ولا يعرف الشروط والقيود المعتبرة عندهم.
٤- أما إذا صارت القضية اجتماعية لعموم البلوى بها أو قضية نشأت بسبب تغير الأحوال وتجدد العوائد وحدوث العرف الجديد، خاصة في معاملات الناس من التجارة والصنعة وعادات التجار والصناعيين وأهل الحرف خاصة في المعاملات في ما بين الدول فيجوز بل يجب على العلماء الراسخين وأصحاب العلم والتقوى من الفقهاء، الاجتهاد الجماعي في مثل تلك القضايا وحل تلك القضايا المعضلة طبقًا لمقاصد الشريعة وقواعدها الكلية ووفقًا لما تقتضيه الأحوال المتجددة والعوائد الحادثة، ويجوز لهم العدول من قول إمام بعينه إلى قول إمام آخر من أئمة الهدى بشرط:
- أن لا يكون قولاً شاذًّا.
- وأن لا يكون مصادمًا للنص.
стр. 12219
مسألة التلفيق وحكمه
التلفيق لغة واصطلاحًا:
التلفيق مأخوذ من " لفقت الثوب ألفقه لفقًا وهو أن تضم شقة إلى أخرى فتخيطها ولفق الشقتين يلفقهما لفقًا ولفقهما – ضم إحداهما إلى الأخرى فخاطهما (١) والتلفيق مصدر لفق ضم شقة إلى أخرى (٢) . أما في اصطلاح الفقهاء والأصوليين فالتلفيق كما قال الرواس قلعجي هو " القيام بعمل يجمع فيه بين عدة مذاهب، حتى لا يمكن اعتبار هذا العمل صحيحًا في أي مذهب من المذاهب " (٣) فالتلفيق هو " الإتيان بكيفية لا يقول بها مجتهد " وذلك بأن يلفق في قضية واحدة بين قولين أو أكثر يتولد منها حقيقة مركبة لا يقول بها أحد كما لو توضأ فمسح بعض شعر رأسه مقلدًا للإمام الشافعي ﵀ وبعد الوضوء مس أجنبية مقلدًا للإمام أبي حنيفة ﵀ فإن وضوءه على هذه الهيئة حقيقة مركبة لم يقل بها كلا الإمامين (٤) .
حكم التلفيق:
الأصل أن هذه القضية الهامة التي صارت مثار بحث بين العلماء المتأخرين مرتبطة بمسألة التقليد بجوازه أو منعه، وأيضا بمسئلة التزام مذهب معين، فمن أجاز التقليد وأوجب الالتزام بمذهب معين منع التلفيق، ومن لم يوجب الالتزام جوزه – ولذلك اختلف الفقهاء في الحكم فذهب أكثر الفقهاء إلى أن التلفيق ممنوع لأن التقليد لا يصح مع التلفيق، وطائفة من الفقهاء ذهب إلى جواز التلفيق مطلقًا مستدلين بأنه ليس هنا أي مانع من الكتاب والسنة – وبعض من الفقهاء قد اختار القول الثالث وهو أنه يجوز التلفيق بشرط أن لا يتأدى إلى تتبع الرخص المفضي إلى الانحلال والفجور، والذين جوزوه بشروط ذكروا له شروطًا شتى.
فقال في الدر المختار: " وإن الحكم الملفق باطل بالإجماع، وإن الرجوع عن التقليد بعد العمل باطل اتفاقًا – وهو المختار في المذهب – وإن الخلاف خاص بالقاضي المجتهد، وأما القاضي المقلد فلا ينفذ قضاؤه بخلاف مذهبه أصلاً كما في القنية (٥) .
مثاله: متوضئ سال من بدنه دم ولمس امرأة ثم صلى، فإن صحة هذه الصلاة ملفقة من مذهب الشافعي والحنفي، والتلفيق باطل فصحته منتفية (٦) .
стр. 12220
وقال ابن عابدين في حاشيته رد المحتار على الدر المختار:
(قوله: وإن الرجوع......إلخ) صرح بذلك المحقق ابن الهمام في تحريره، ومثله في أصول الآمدي وابن الحاجب وجمع الجوامع، وهو محمول كما قال ابن حجر والرملي في شرحيهما على المنهاج وابن قاسم في حاشيته على ما إذا بقي من آثار الفعل السابق أثر يؤدي إلى تلفيق العمل بشيء لا يقول به أحد من المذهبين، كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة، وكما لو أفتى ببينونة زوجته بطلاقها مكرها ثم نكح أختها مقلدًا للحنفي بطلاق المكره – ثم أفتاه شافعي بعدم الحنث، فيمتنع عليه أن يطأ الأولى مقلدًا للشافعي والثانية مقلدًا الحنفي – أو هو محمول على منع التقليد في تلك الحادثة بعينها لا مثلها كما صرح به الإمام السبكي وتبعه عليه جماعة ... على أن في دعوى الاتفاق نظر فقد حكي الخلاف فتحصل مما ذكرناه أنه ليس على الإنسان التزام مذهب معين وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدًا فيه غير إمامه مستجمعًا شروطه – ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر (١) .
فالحاصل أن القول ببطلان الرجوع عن التقليد بعد العمل ليس بمتفق عليه بل فيه خلاف – وأن التزام مذهب معين ليس بلازم. وحكى الزركشي مذاهب العلماء في هذه المسألة فقال:
هل يجب على العامي التزام تقليد مذهب معين في كل واقعة فيه وجهان – قال الكيا: يلزمه – وقال ابن برهان –: لا – ورجحه النووي في (أوائل القضاء) وهو الصحيح، فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم من غير تقليد ... وقد رام بعض الخلفاء زمن مالك حمل الناس في الآفاق على مذهب مالك فمنعه مالك، واحتج بأن الله فرق العلم في البلاد بتفريق العلماء فيها فلم الحجر على الناس ... وذكر بعض الحنابلة أن هذا مذهب أحمد فإنه قال لبعض أصحابه: لا تحمل الناس على مذهبك فيحرجوا – دعهم يترخصوا بمذاهب الناس ... وقد كان السلف يقلدون من شاؤوا قبل ظهور المذاهب الأربعة، وقد قال النبي ﷺ ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه)) .
стр. 12221
وتوسط ابن منير فقال: الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأئمة الأربعة لا قبلهم – والفرق أن الناس كانوا قبل الأئمة الأربعة لم يدونوا مذاهبهم ولا كثرت الوقائع عليهم (١) .
وبعد ذلك قال الزركشي:
فلو التزم مذهبًا معينا كمالك والشافعي واعتقد رجحانه من حيث الإجمال فهل يجوز أن يخالف إمامه في بعض المسائل ويأخذ بقول غيره من مجتهد آخر؟ فيه مذاهب:
أحدها: المنع، وبه جزم الجيلي في الإعجاز لأن قول كل إمام مستقل بآحاد الوقائع، فلا ضرورة إلى الانتقال إلى التشهي، ولما فيه من اتباع الترخص والتلاعب بالدين.
والثاني: يجوز – وهو الأصح في (الرافعي) ، لأن الصحابة لم يوجبوا على العوام تعيين المجتهدين؛ لأن السبب وهو أهلية المقلد للتقليد عام بالنسبة إلى أقواله، وعدم أهلية المقلد مقتض لعموم هذا الجواب – ووجوب الاقتصار على مفت واحد بخلاف سيرة الأولين (٢) .
وحينما ذكر هذا القول وقال: إن الانتقال إلى مذهب الغير يقوى في صورتين: الأولى إذا كان مذهب الغير فيه شدة، فانتقال يدعو إليه الورع والاحتياط – والثانية إذا رأى أن للقول المخالف لمذهبه دليلاً صحيحًا، ولم يجد في مذهب إمامه دليلاً قويا عنه ولا معارضًا راجحًا عليه؛ فلا وجه لمنعه من التقليد. ثم قال:
واعلم أنا حيث قلنا بالجواز فشرطه أن يعتقد رجحان ذلك المذهب الذي قلد في هذه المسألة، وعلى هذا فليس للعامي ذلك مطلقًا، إذ لا طريق له إليه.
стр. 12222
والثالث: أنه كالعامي الذي لم يلتزم مذهبًا معينًا، فكل مسألة عمل فيها بقول إمامه ليس له تقليد غيره، وكل مسألة لم يعمل فيها بقوله فلا مانع فيها من تقليد غيره.
والرابع: إن كان قبل حدوث الحوادث فلا يجب التخصيص بمذهب، وإن حدث وقلد إمامًا في حادثة وجب عليه تقليده في الحوادث التي يتوقع وقوعها في حقه، واختاره إمام الحرمين؛ لأن قبل تقرير المذاهب ممكن، وأما بعد فلا، للخبط وعدم الضبط.
والخامس: إن غلب على ظنه أن بعض المسائل على مذهب غير مقلده أقوى من مقلده جاز – قاله القدوري الحنفي.
والسادس: واختاره ابن عبد السلام في القواعد، التفصيل بين أن يكون المذهب الذي أراد الانتقال عنه بما ينقض الحكم أو لا – فإن كان الأول فليس له الانتقال إلى حكم يجب نقضه لبطلانه، وإن كان المأخذان متقاربين جاز التقليد والانتقال، لأن الناس لم يزالوا كذلك في عصر الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب الأربعة، من غير نكير من أحد يعتبر إنكاره.
والسابع: واختاره ابن دقيق العيد – الجواز بشروط:
أحدها: أن لا يجتمع في صورة يقع الإجماع على بطلانها.
والثاني: أن لا يكون ما قلد فيه مما ينقض الحكم ولو وقع به.
والثالث: انشراح صدره للتقليد المذكور (١) .
فهذا ما قاله العلماء في مسألة التزام مذهب معين والعدول عن مذهب إمام معين إلى مذهب إمام آخر، ومما سرد من الأقوال في هذه المسألة يفهم أن الأصل أن الالتزام لتقليد إمام معين ليس بواجب، ولكن قد منعه العلماء سدا لباب الذريعة، لما أن الماجنين يتفحصون كل آن ما يحلون به الحرام، فيختارون الأقوال الشاذة أو ما كان من رخص المذاهب موافقًا لأغراضهم الفاسدة – وكما عرف أن مسألة التلفيق لها علاقة بمسألة التقليد، أولاً نقدم لنصوص الفقهاء على مسألة التلفيق ثم نستخلص المذاهب ثم نبين الراجح من آراء الفقهاء.
стр. 12223
قال العلامة محمد أمين الشهير بابن عابدين في كتابه: "العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ": " لو فرضنا أن حاكمًا حنفيا حكم بصحة وقف الدراهم على النفس، هل ينفذ حكمه؟ فنقول: النفاذ مبني على القول بصحة الحكم الملفق، وبيان التلفيق أن الوقف على النفس لا يقول به إلا أبو يوسف وهو لا يرى وقف الدراهم، ووقف الدراهم لا يقول به إلا زفر، وهو لا يرى الوقف على النفس؛ فكان الحكم بجواز وقف الدراهم على النفس حكمًا ملفقًا من قولين، كما ترى، وقد مشى شيخ مشائخنا العلامة زين الدين قاسم في ديباجة تصحيح القدوري على عدم نفاذه، ونقل فيها عن كتاب " توفيق الحكام في غوامض الأحكام" أن الحكم الملفق باطل بإجماع المسلمين. ومشى الطرطوسي في كتابه " أنفع الوسائل " على النفاذ مستندًا في ذلك لما رآه في قنية المفتى فلينظر من أراد (أقول) رأيت بخط شيخ مشائخنا منلا على التركماني في مجموعته الكبيرة ناقلاً عن خط الشيخ إبراهيم السوالاتي بعد هذه المسألة المنقولة عن فتاوى الشلبى ما نصه: أقول وبالجواز أفتى شيخ الإسلام أبو السعود في فتاواه وأن الحكم ينفذ وعليه العمل والله تعالى الموفق، أو ما رأيته بخطه عن الشيخ إبراهيم المذكور (وأقول أيضًا) قد يوجه ذلك بأنه ليس من الحكم الملفق الذي نقل العلامة قاسم أنه باطل بالإجماع لأن المراد بما جزم ببطلانه ما إذا كان من مذاهب متباينة كما إذا حكم بصحة نكاح بلا ولي بناء على مذهب أبي حنيفة وبلا شهود بناء على مذهب مالك بخلاف ما إذا كان ملفقًا من أقوال أصحاب المذهب الواحد فإنها لا تخرج عن المذهب فإن أقوال أبي يوسف ومحمد وغيرهما مبنية على قواعد أبي حنيفة ﵀ أو هي أقوال مروية عنه فإنما نسبت إليهم لا إليه لاستنباطهم لها من قواعده أو لاختيارهم إياها" (١) .
قال العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه " الفتاوى الكبرى ":
ثم شرط الانتقال أن لا يعلم بمذهب في واقعة مع بقائه على تقليد إمام آخر في تلك الواقعة وهو يرى فيها خلاف ما يريد العمل به، وأن يكون ذلك الحكم مما ينقض فيه قضاء القاضي – قاله ابن عبد السلام وتابعه عليه ابن دقيق العيد، وألحق بما ينقض ما خالف ظاهر النص، بحيث يكون التأويل مستكرها، وزاد شرطين آخرين كما في الخادم: أحدهما أن لا تجتمع صورة يقع الإجماع على بطلانها كما إذا افتصد ومس الذكر وصلى، الثاني انشراح صدره للتقليد وعدم اعتقاده لكونه متلاعبًا بالدين لحديث ((الإثم ما حاك في نفسك)) قال: بل أقول إن هذا شرط جميع التكاليف وهو أن لا يقدم إنسان على ما يعتقده مخالفًا لأمر الله ؛ وبالأول عزم القرافي، ومثله من قلد مالكًا في عدم النقض باللمس بلا شهوة فلا بد أن يكون قلد مالكًا في تلك الطهارة التي مس فيها ويمسح جميع رأسه وإلا فصلاته باطلة عند الإمامين، ونقله عنه الإسنوي وأقره وذكر من فروعه ما لو نكح بلا ولي ولا شهود فإنه يحد – كما قاله الرافعي – لاتفاق أبي حنيفة ومالك على بطلان النكاح (٢) .
стр. 12224
قال الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي:
اعلم أنه قد ذهب كثير من العلماء إلى منع جواز التقليد، حيث أدى إلى التليفق من كل مذهب، لأنه حينئذ كل من المذهبين أوالمذاهب يرى البطلان، كمن توضأ مثلاً ومسح شعرة من رأسه مقلدًا للشافعي ثم لمس ذكره بيده مقلدًا لأبي حنيفة فلا يصح التقليد حينئذ، وكذا لو مسح شعرة وترك القراءة خلف الإمام مقلدًا للأئمة الثلاثة، أو افتصد مخالفًا للأئمة الثلاثة ولم يقرأ مقلدًا لهم، وهذا وإن كان ظاهرًا من حيث العقل، والتعليل فيه واضح؛ لكنه فيه الحرج والمشقة على المسلمين خصوصًا على العوام الذين نص العلماء على أنه ليس لهم مذهب معين، وقد قال غير واحد: لا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب معين كما لو يلزم في عصر أوائل الأمة. والذي أذهب إليه واختاره القول بجواز التقليد في التلفيق لا بقصد تتبع ذلك، لأن من تتبع الرخص فسق، بل من حيث وقع ذلك اتفاقًا، خصوصًا من العوام الذين لا يسعهم غير ذلك فلو توضأ شخص مثلاً ومسح جزءًا من رأسه مقلدًا للشافعي فوضوؤه صحيح بلا ريب، فلو لمس ذكره بعد ذلك فقلد أبا حنيفة جاز ذلك؛ لأن وضوء هذا المقلد صحيح بالاتفاق، ولمس الفرج غير ناقض عند أبي حنيفة، فإذا قلده في عدم نقض ما هو صحيح عند الشافعي استمر الوضوء على حاله بتقليده لأبي حنيفة، وهذه هي فائدة التقليد، وحينئذ فلا يقال: الشافعي يرى بطلان هذا الوضوء بسبب مس الفرج والحنفي يرى البطلان لعدم مسح ربع الرأس فأكثر لأنهما قضيتان منفصلتان لأن الوضوء قد تم صحيحًا بتقليد الشافعي ويستمر صحيحًا بعد اللمس بتقليد الحنفي، فالتقليد لأبي حنيفة إنما هو في استمرار الصحة لا في ابتدائها (١) .
انتقد العلامة الفاريني الحنبلي تلميذ الشيخ العلامة الحنبلي على رأي أستاذه انتقادًا شديد فقال:
والذي أراه وأقول به معتمدًا على ما قرره الأشياخ، والعقل والنقل يساعده ببطلان ذلك كله لأن فيه مفاسد كثيرة، وموبقات غزيرة، وهذا باب لو فتح لأفسد الشريعة الغراء ولأباح جل المحرمات، وأي باب أفسد من باب يبيح الزنا وشرب الخمر وغير ذلك، فإن قلت: فما وجه إباحة الزنا؟ قلنا: يمكن أن يصدق الرجل امرأة لازوج لها ولا عدة أو بنتًا بالغة عاقلة فيراودها عن نفسه فتجيبه لذلك فيقلد أبا حنيفة في صحة عقدها على نفسها فإنه لا يشترط الولي فقد صحت ولاية هذه على رأي أبي حنيفة، ثم يقلد الإمام مالكًا في عدم اشتراط الشهود، فإنه لا يشترط الشهود كما نقل عنه، فهذا الرجل قد أمكنه أن يزني بامرأة ولا جرم عليه، كما قرره الأستاذ طيب الله ثراه، وهذا لا يمكن أن يقول به عاقل، فإن قلت: هذا ليس كالذي قرره الشيخ، قلت: بل عينه من غير نزاع، وكل من نازع سفسطة، ولقد كان بعض أشياخي أعزهم الله تعالى توقف في بطلان التلفيق فنازعته في ذلك ثم إني أتيته بعد بهذه الصورة فرجع عن قوله، وقال. التلفيق باطل. والقاعدة أن كل ما أدى إلى محظور فهو محظور وكل قول يلزم فيه إباحة محرم فهو مردود، والشيخ قدس الله تعالى سره وإن كان عظيم الشأن ثاقب الذهن والفطنة التامة لكنه قد يكبو الجواد، ومن خصائص هذه الأمة أن لا يوقر الصغير الكبير في الحق (٢) .
стр. 12225
قال الإمام جوار الدين الإسنوي الشافعي في كتابه " نهاية السول في شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول:
إذا قلد مجتهدًا في مسألة فليس له تقليد غيره فيها اتفاقًا، ويجوز ذلك في حكم آخر على المختار، فلو التزم مذهبًا معينًا كالطائفة الشافعية والحنفية ففي الرجوع إلى غيره من المذهب ثلاثة أقوال؛ ثالثها: يجوز الرجوع فيما لم يعمل به – ولا يجوز في غيره (فائدتان) إحداهما: ذكر القرافي في شرح المحصول أن تقليد مذهب الغير حيث جوزناه فشرطه أن لا يكون موقعًا في أمر مجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه والإمام الذي انتقل إليه. فمن قلد مالكًا مثلاً في عدم النقض باللمس الخالي عن الشهوة فصلى فلابد أن يدلك بدنه ويمسح جميع رأسه وإلا فتكون صلاته باطلة عند الإمامين (١) .
وقال العلامة المحقق ابن أمير الحاج في كتابه التقرير والتحبير شرح التحرير لابن همام:
(مسألة لا يرجع المقلد فيما قلد) المجتهد (فيه) أي عمل به (اتفاقًا) ذكره الآمدي وابن الحاجب؛ لكن قال الزركشي: وليس كما قالا ففي كلام غيرهما ما يقتضي جريان الخلاف بعد العمل أيضًا، وكيف يمتنع إذا اعتقد صحته؟ ! لكن وجه ما قالاه أنه بالتزامه مذهب إمام مكلف به، ما لم يظهر له غيره، والعامي لا يظهر له، بخلاف المجتهد حيث ينتقل من أمارة إلى أمارة، وفصل بعضهم فقال: التقليد بعد العمل إن كان من الوجوب إلى الإباحة ليترك كالحنفي يقلد في الوتر، أو من الحظر إلى الإباحة ليترك كالشافعي يقلد في أن النكاح بغير ولي جائز والفعل والترك لا ينافي الإباحة، واعتقاد الوجوب أو التحريم خارج عن العمل وحاصل قبله، فلا معنى للقول بأن العمل فيها مانع من التقليد ... وقال أيضًا: وهل يقلد غيره، أي غير من قلده أولاً في شيء (في غيره) أي غير ذلك الشيء؛ كأن يعمل أولاً في مسألة في قول أبي حنيفة وثانيًا في أخرى بقول مجتهد آخر (المختار) كما ذكره الآمدي وابن الحاجب (نعم للقطع) بالاستقراء التام (بأنهم) أي المستفتين في كل عصر من زمن الصحابة وهلم جرّا (كانوا يستفتون مرة واحدًا ومرة غيره غير ملتزمين مفتيًا واحدًا، فلو التزم مذهبًا معينًا لأبي حنيفة أو الشافعي) فهل يلزمه الاستمرار عليه فلا يعدل عنه في مسألة من المسائل (فقيل يلزم) لأنه بالتزامه يصير ملزمًا به كما لو التزم مذهبه في حكم حادثة معينة (وقيل لا) يلزم وهو الأصح كما في الرافعي وغيره (٢) .
стр. 12226
قال العلامة زين العابدين إبراهيم الشهير بابن نجيم المصري الحنفي المتوفى ٩٧٠هـ في رسالته " في صورة بيع الوقف ":
أما مسألة بيعه بغبن فاحش فقال مولانا قاضيخان في فتاواه: ولو باع أرض الوقف بثمن فيه غبن فاحش لا يجوز بيعه في قول أبي يوسف وهلال لأن القيم بمنزلة الوكيل فلا يملك البيع بغبن فاحش ولو كان أبو حنيفة يجوز الوقف بشرط الاستبدال لا يجيز بيع القيم إذا كان بغبن فاحش كالوكيل بالبيع، ويمكن أن تؤخذ صحة الاستبدال من قول أبي يوسف وصحة البيع بغبن فاحش من قول أبي حنيفة بناء على جواز صحة التلفيق في الحكم من قولين؛ قال في الفتاوى البزازية من كتاب الصلاة من فصل زلة القارى: ومن علماء خوارزم من اختار عدم الفساد بالخطأ في القراءة آخذًا بمذهب الإمام الشافعي فقال الباقوهجي: مذهبه من غير الفاتحة، فقال: أخذت من مذهبه الإطلاق وتركت القيد لما تقرر في كلام محمد أن المجتهد يتبع الدليل إلى القائد حتى صح القضاء بصحة النكاح بعبارة النساء على الغائب.
وما وقع في تقرير أن همام منع التلفيق فإنما عزاه إلى بعض المتأخرين وليس هذا المذهب (١) .
فقضية التلفيق نشأت في عصر التقليد، فإن الفقهاء من المذاهب المعروفة لما رأوا في المجتمع الإسلامي قلة الورع واتباع الهوى وميلاً شديدًا إلى أهواء النفوس ذهب كثير منهم إلى إيجاب التقليد الشخصي سدًا للذريعة ومنعًا للتشهي والفجور والانحلال، وللأصوليين والفقهاء في قضية التلفيق ثلاثة مذاهب، كما ظهر من نصوص الفقهاء التي قدمناها في هذا البحث.
المذهب الأول: جواز التلفيق مطلقًا.
المذهب الثاني: منع التلفيق مطلقًا.
المذهب الثالث: إباحة التلفيق بشروط.
لا شك أن المذهب الأول – إباحة التلفيق بإطلاق – خطير جدًّا خاصة في عصرنا هذا الذي قد تغلب فيه الهوى وقل فيه الورع، ولو اخترنا هذا المذهب في هذا العصر عصر الإباحية والفوضى – لأدى إلى تعطيل الشريعة وجعله للناس ذريعة للتلاعب بالدين وانجر إلى الاستهزاء بالدين.
стр. 12227
وعلى ضد ذلك اختيار المذهب الثاني – منع التلفيق بإطلاق – مع كونه غير ثابت من الكتاب والسنة لا يلائم مقتضيات هذا العصر، لأن القضايا الفقهية المتجددة لا يمكن لنا أن ننجح بحلها الشرعي إذا تقيدنا بمذهب فقهي خاص – فإن هذا التقييد كثيرًا ما يؤدي إلى ضيق وحرج – وإن تعدد المذاهب الفقهية رحمة وفسحة من الله، وكل هذه المذاهب مصدرها الكتاب والسنة فلا مانع من أن نستفيد في حل القضايا العصرية المعقدة سواء كانت في مجال الاقتصاد أو السياسة أو في أي ميدان سواهما من آراء مختلف الفقهاء والمجتهدين لا لتتبع الرخص بل لدفع الحرج والمشقة عن الأمة.
خلاصة القول: أن التلفيق ممنوع للتخلص من الواجبات وتجاوز المحرمات أو للتشهي والتلهي، ولكنه مباح لأغراض صحيحة بشروط آتية:
الأول: أن لا يستلزم الرجوع عما عمل به تقليدًا مثلاً: لو قال لامرأته أنت طالق البتة وهو يراها ثلاثًا فأمضى رأيه فيها بينه وبينها وعزم على أنها حرمت عليه ثم رأى بعد ذلك أنها تطليقة رجعية فأراد أن يراجعها ويبقيها في زوجتيه.
الثاني: لا يستلزم الرجوع عن لازمه الإجماعي – أي عن لازم ما عمل به تقليدًا – مثلاً: لو قلد رجل أبا حنيفة في النكاح بلا ولي ونكح امرأة بالغة بلا ولي فلا شك أن صحة النكاح يستلزم صحة إيقاع الطلاق عليها فلو طلق هذا الرجل هذه " المرأة المنكوحة بدون ولي " ثلاثًا ثم أراد تقليد الشافعي في عدم وقوع الطلاق لكون النكاح بلا ولي فليس له ذلك لأنه رجوع عن التقليد في اللازم الإجماعي.
الثالث: أن لا يختار قولاً من نوادر العلماء وشواذهم؛ فإن نوادر العلماء وشواذهم التي رفضتها الأمة وما تلقتها بالقبول، الأخذ بها لا يجوز، قال الإمام الأوزاعي: من أخذ بنوادر العلماء خرج عن الإسلام، وقال سليمان التيمي: " إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله " والمراد بشواذ العلماء ونوادرهم الأقول التي تدعى بالزلات – والحاصل أنا لو أبحنا التلفيق وتتبع الرخص مطلقًا لكان فتنة وابتلاء للأمة وهتكت هيبة الشريعة، لأنهما يؤديان إلى الإباحية والانحلال والتشهي والتلهي، نعم لو احتاج الفقهاء المعتمدون لحل القضايا المعقدة المتجددة إلى اختيار الرخصة أو إلى التلفيق حسب شروطه المعتبرة لإزالة الضيق والحرج عن الأمة فلا يكون فيه بأس كما أرى؛ خصوصًا إذا كان هذا العمل باجتهاد جماعي من العلماء الراسخين، والله أعلم.
مجاهد الإسلام القاسمي
стр. 12228
قائمة المصادر
١- لسان العرب لابن منظور.
٢- المصباح.
٣- الأحكام للآمدي.
٤- المستصفى للغزالي.
٥- الإبهاج في شرح المنهاج.
٦- شرح تنقيح الفصول للقرافي.
٧- التقرير والتحبير شرح تحرير الأصول.
٨- الموافقات للشاطبي.
٩- المحصول للرازي.
١٠- أصول الشاشي.
١١- كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري.
١٢- تيسير التحرير لأمير بادشاه.
١٣- مسند أحمد بن حنبل.
١٤- الجامع الصحيح للبخاري.
١٥- الصحيح لمسلم.
١٦- السنن لأبي داود.
١٧ – الموطأ لمالك.
١٨- السنن للبيهقي.
١٩- الطبراني.
٢٠- سنن النسائي.
٢١- الأصول والضوابط للنووي.
٢٢- شرح الجلال على الجمع.
٢٣- الأشباه والنظائر للسيوطي.
٢٤- أحكام القرآن للكيا الهراسي.
٢٥- البحر المحيط للزركشي.
٢٦- المغني في أصول الفقه للخبازي.
٢٧- كشف الأسرار على المنار.
٢٨- الأشباه والنظائر لابن نجيم.
٢٩- فتح القدير شرح الهداية لابن همام.
٣٠- إرشاد الفحول للشوكاني.
٣١- معجم لغة الفقهاء وضع محمد رواس قلعجي وحامد صادق.
٣٢- عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق محمد سعيد الباني.
٣٣- الدر المختار للحصكفي.
٣٤- رد المحتار لابن عابدين الشامي.
٣٥- العقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية.
٣٦- الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيثمي.
٣٧- نهاية في شرح منهاج الوصول.
٣٨- رسائل ابن نجيم.
стр. 12229
الأخذ بالرخصة وحكمه
إعداد
أ. د. عبد العزيز عزت الخياط
نائب رئيس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية
(مؤسسة آل البيت) عمان – الأردن
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على اشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فقد اخترت أن أكتب في الموضوع الأول من موضوعات الدورة الثامنة، وهو الأخذ بالرخص وحكمه. وقد تناول بحثي الموضوعات التالية:
١- العزيمة، تعريفها ومعناها وأحكامها.
٢- الرخصة، تعريفها لغة وشرعًا.
٣- أنواع الرخص مع بيان فقهي لأمثلة من كل نوع.
٤- ضوابط الأخذ بالرخصة.
٥- تتبع الرخص ورأي الأصوليين والفقهاء فيه.
٦- التلفيق ورأي الفقهاء والأصوليين فيه.
٧- ترجيح ما هو أحق بالاتباع وخاصة في عصرنا الحديث.
стр. 12230
الرخصة
لابد عند بيان معنى الرخصة من بيان معنى العزيمة لغة وشرعًا: أما لغة: فالعزيمة: القصد المؤكد ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] . قال الجوهري: عزمت على كذا عزمًا (بفتح العين) وعزمًا (بضم العين) وعزيمة وعزيمًا، إذا أردت فعله وقطعت عليه (١) ، قال الله تعالى ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] ، أو جد في الأمر، وعزم الأمر نفسه عزم عليه، وعلى الرجل أقسم، وأولو العزم من الرسل: الذين عزموا على أمر الله فيما عهد إليهم، أو هم أولو الجد والثبات والصبر، وعزائم الله: فرائضه (٢) ، ويقال: عزم الأمر إذا جد ولزم، قال تعالى ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [محمد: ٢١] (٣) .
والرخصة في الأمر: خلاف التشديد (٤) ، والتشديد لا يحصل إلى من الواجب فعلاً أو كفًّا كما قال ابن منظور. والرخصة: السهولة، ومنه رخص السعر إذا سهل ولم يبق في السعر تشديد، وهو من رخص يرخص رخصًا ورخوصة ورخاصة ورخصانًا، والرخصة (بضمة وبضمتين) ترخيص الله للعبد فيما يخففه عليه، وأيضا بمعنى التسهيل (٥) .
ورخص له في الأمر: سهله ويسره، وأذن له فيه بعد النهي عنه، والرخصة: التسهيل في الأمر والتيسير (٦) .
وللعزيمة والرخصة لغة معان أخرى لم نذكرها لعدم صلتها بالمعنى الشرعي، بل ذكرنا المعنى اللغوي المتصل بالمعنى الشرعي كما سنرى.
الرخصة شرعًا:
للرخصة معان شرعية متعددة، وإطلاقات مختلفة بحسب الموضوع وبحسب تنوعها، وبحسب اختلاف الفقهاء في تعريفها:
فالرخصة عند المحدثين نوعان: الأول: الإجازة والمناولة، فإن كان عالمًا بما في الكتاب يجوز، والمستحب أن يقول أجاز، ويصح أن يقول أيضا: " أجيز "، وإن لم يكن عالمًا بما في الكتاب لا يجوز عند أبي حنيفة ومحمد، خلافًا لأبي يوسف، ورأي أبي حنيفة أصح، لأن أمر السنة أمر عظيم مما لا يتساهل فيه، وتصحيح الإجازة من غير علم فيه من الفساد ما فيه، وفيه فتح لباب التقصير في طلب العلم (٧) .
والنوع الثاني: الرخصة كتابة الحديث، وقد كانت العزيمة في ضبط الحديث حفظه، ثم أصبحت الرخصة عزيمة صيانة للعلم (٨) .
стр. 12231
الرخصة عند الأصوليين والفقهاء:
الرخصة عند الأصوليين مقابل العزيمة، ولابد من بيان معنى العزيمة قبل الخوض في معنى الرخصة وأنواعها وأحكامها مما هو مطلوب بحثه في الدورة الثامنة لمجمع الفقه الإسلامي.
فالعزيمة عند الأصوليين الأحناف: " الأخذ بالحكم الأصلي غير مبني على أعذار العباد "، وهي إما فرض، أو واجب، أو سنة ونفل ومندوب، أو حرام، أو مكروه، أو مباح
فالعزيمة: ما إذا كان الفعل أولى من الترك مع عدم جواز الترك بدليل قطعي. مثل فرض الصلاة والجهاد والزكاة.
والعزيمة الواجبة: هي ما إذا كان الفعل أولى من الترك مع جواز الترك بدليل ظني (وهذا عند الحنفية، وإلا فعند غيرهم الفرض والواجب بمعنى واحد) .
والعزيمة النفل أو المندوبة أو السنة وهي ما إذا كان الفعل أولى من الترك مع جواز الترك.
والعزيمة لترك الحرام هي: ما إذا كان الترك أولى من الفعل مع منع الفعل.
والعزيمة لترك المكروه هي: ما إذا كان الترك أولى من الفعل مع جواز الفعل.
وإذا استوى الأمران: الترك والفعل، كانت العزيمة في المباح.
والحكم في كل هذه حكم أصلي والأخذ به عزيمة على أي وجه كان (١) .
والعزيمة عند الحنابلة هي " الحكم الثابت لدليل شرعي خال عن معارض " أو " هي الحكم الثابت من غير مخالفة دليل شرعي " (٢) .
فالحكم الثابت لدليل شرعي يتناول الواجب (الفرض) والمندوب وتحريم الحرام وكراهة المكروه وذكر الدليل الشرعي احترازا عن الدليل العقلي.
والعزيمة عند المالكية هي " طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه منع شرعي"، قال القرافي " وإنما قلت طلب الفعل ليخرج أكل الطيبات ونحوها الداخل في تعريف الإمام فخر الدين الرازي الذي يعرف العزيمة بجواز الإقدام مع عدم المانع، فإنه يقتضي أن أكل الطيبات ولبس الثياب ونحوها عزيمة، لأن الإقدام عليه جائز والمانع منه منتف (٣) .
стр. 12232
وعرف الآمدي من الشافعية العزيمة بأنها " عبارة عما لزم العباد بإلزام الله تعالى، فهي ما لزم بإيجاب الله تعالى (١) ، وهي على هذا تختص بما هو أشبه بالواجبات كما يقول الطوفي (٢) . كما عرفها البزدوي بأنها اسم لما هو أصل من الأحكام غير متعلق بالعوارض" (٣) .
والشاطبي عرف العزيمة بأنها " ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء" ومعنى الكلية أنها لا تختص ببعض الملكفين من حيث هم مكلفون دون بعض، كالصلاة مثلاً فإنها مشروعة على الإطلاق والعموم في كل شخص وفي كل حال، ومثلها سائر شعائر الإسلام الكلية (٤) . ومعنى كونها شرعية ابتداء، أن الشارع قصد بها إنشاء الأحكام التكليفية على العباد من أول الأمر من غير أن يسبقها حكم شرعي قبل ذلك (٥) .
وقد تطلق العزيمة على الأخذ بالتكاليف الغليظة والأعمال الشاقة.
ومما سبق يتضح أن العزيمة منها ما يتعلق بالفعل مثل العبادات، وهي أربعة أنواع:
١- فريضة: وهي ما لا يحتمل زيادة ولا نقصانًا: وهي ما ثبت بدليل شرعي قطعي (لا شبهة فيه) كالإيمان والأركان ويكفر جاحدها ويفسق تاركها بلا عذر.
٢- واجب: وهو ما ثبت بدليل فيه شبهة كصدقة الفطر والأضحية، فإن كلا منهما ثبت بخبر الواحد، وحكمه اللزوم عملا لا اعتقادًا فإن جاحدها لا يكفر، ويفسق تاركه إذا استخف بأخبار الآحاد جملة.
٣- سنة: وهي الطريقة المسلوكة في الدين، ويطالب المكلف بإقامتها من غير افتراض ولا وجوب، وهي عند الشافعي طريقة النبي ﷺ لأنه هو المتبع على الإطلاق، والسنة نوعان: سنة هدي كالجماعة والأذان والإقامة، وتاركها يستوجب الإساءة، وسنة زوائد وهي التي لا يستوجب تاركها أي إساءة كسير النبي ﷺ في لباسه وقيامه وقعوده.
٤- وهو العبادة المشروعة لنا لا علينا، وهو ما يثاب المرء على فعله ولا يعاقب على تركه (٦) .
ومن العزيمة ما يتعلق بالترك، وهي ترك الحرام، فيثاب تاركه ويعاقب فاعله، وترك المكروه، فيثاب تاركه ولا يعاقب فاعله.
стр. 12233
الرخصة
عرف الأحناف الرخصة تعريفات مختلفة، فمنها ما ذكره صدر الشريعة بأنها " ما لا يكون حكمًا أصليا، أي يكون مبنيا على أعذار العباد، وذلك مثل إباحة الكفر على اللسان للمكره (١) ، ومنها تعريف السرخسي بأنها " ما استبيح للعذر مع بقاء الدليل المحرم " (٢) ، ومنها تعريف الكمال بن الهمام " ما شرع تخفيفًا لحكم مع اعتبار دليله " (٣) ، ومثل تعريف الأحناف تعريف فخر الإسلام البزدوي حيث قال " الرخصة اسم لما بني على أعذار العباد ".
وعند الشافعية الرخصة: " ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام المحرم لولا العذر لثبتت الحرمة" وبهذا يخرج المباح فليس برخصة أي هو عزيمة. وهذا معنى تعريف الآمدي لها وهو " ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام السبب المحرم " (٤) ، وعرفها أبو اليسر من الشافعية بأنها " ترك المؤاخذة بالفعل مع قيام المحرم، وحرمة الفعل وترك المؤاخذة بترك الفعل مع وجود الموجب والوجوب " (٥) .
وعرفها الشعراني في الميزان بأنها " اسم لما تغير عن الأمر الأصلي إلى تخفيف ويسر ترفها وتوسعها على أصحاب الأعذار " (٦) .
وعرف الحنابلة الرخصة بأنها " ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح" وهذا خلاف ما ثبت على وفق الدليل فلا يكون رخصة بل عزيمة كالصوم في الحضر (٧) .
وقيل: إن الرخصة هي " استباحة المحظور مع قيام الحاظر " مثل أكل الميتة في المخمصة، فإنه استباحة للميتة المحرمة شرعًا مع قيام السبب المحرم وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ، وهذا الدليل راجح على سبب التحريم وهو قوله سبحانه ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] ، فإن هذا خاص، وسبب التحريم عام، والخاص مقدم على العام (٨) .
والمالكية عرفوا الرخصة بأنها " جواز الإقدام على الفعل مع اشتهار المانع منه شرعًا " (٩) ، كما عرفها الشاطبي بأنها " ما شرع لعذر شاق، استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه " (١٠) ، ويتضح من هذه التعريفات أن من الأصوليين من جعل الرخصة اسمًا على الحكم نفسه، أي جعلها من أقسام الحكم، ومنهم القرافي والشاطبي والبيضاوي والغزالي، ومنهم من أطلقها على الفعل نفسه ومنهم ابن الحاجب والرازي.
стр. 12234
أنواع الرخصة:
من العلماء من جعل الرخصة أنواعًا كالأحناف، ومنهم من سمى أنواع الرخصة إطلاقات كالشاطبي، ومنهم من جعل بعضها واجبًا وبعضها الآخر غير واجب، ومنهم من جعلها رخصة فعل، ورخصة ترك، مما نبينه تفصيلاً فيما يلي:
جعل الأحناف الرخصة أنواعًا من حيث كونها حقيقية أو مجازًا، ومعنى كونه حقيقة: أنه أبيح مع وجود الحرمة في فعله أو تركه، ومعنى كونه مجازًا أنه سهل علينا ما شدد على الأمم السابقة، رفقًا من الله بنا، مع جواز إيجابه علينا كما أوجبه عليهم، ولأنه بعيد عن حقيقة الرخصة لأن الأصل لم يكن مفروضًا علينا، كما أن بعض هذه التعريفات اقتصر على الدليل المحرم مع أنه قد يكون دليلاً على الوجوب كالصوم، كما قيد بعضهم الرخصة بجواز الفعل مع أنها قد تكون بجواز الترك.
أ- النوع الأول:
١- أن يكون رخصة حقيقة، وهو " ما استبيح مع قيام المحرم والحرمة " كإجراء كلمة الكفر تحت الإكراه الملجئ، أي الذي يخشى منه فوات النفس كالقتل، أو فوات العضو كقطع اليد، وهو الإكراه التام؛ فيجوز له أن ينطق بكلمة الكفر تقاة من المكرهين الظالمين مع بقاء قلبه مطمئنًا بالإيمان، وذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٠٥) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٥ – ١٠٦] فحرمة الكفر قائمة أبدًا، للأدلة الموجبة للإيمان، وهذا أعلى أنواع الرخص، لأنه لو أخذ بالعزيمة لكان حسبة لله تعالى، ولو قتل لكان شهيدًا (١) ، ومثله الكره على إتلاف مال الغير أو المكره على الإفطار في رمضان (٢) .
٢- أن يكون رخصة حقيقة وهو " ما استبيح مع قيام المحرم دون الحرمة " كإباحة إفطار المسافر، فإن المحرم للإفطار قائم، لكن حرمة الإفطار غير قائمة، فالرخصة كانت بناء على سبب تراخي كلمة وهو شهود الشهر، وحكمه وجوب الصوم وقد تراخى حكمه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
стр. 12235
وهذا النوع أدنى من النوع الأول، لأن الحكم فيه متراخ، ففيه شبهة كونه حكمًا أصليًا في حق فاعله كالمسافر في رمضان، بخلاف النوع الأول فإن المحرم والحرمة قائمان، والحكم الأصلي ليس فيه شبهة، كونه حكمًا أصليا مثل استباحة الكفر للمكره (١) ، والأخذ بالعزيمة أولى لقوله تعالى ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] .
٣- ما كان رخصة مجازًا، وهو ما وضع عنا من الإصر والأغلال، فالإصر مثل اشتراط قتل النفس في صحة التوبة، الذي كان على بني إسرائيل كما ذكر تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ، ومثل الأغلال وهي الأحكام الشاقة التي كانت في شرائع ما قبل الإسلام، كالقصاص للقاتل العمد أو الخطأ، ومثل قطع الأعضاء الخاطئة، ومثل قرض موضع النجاسة من الثوب دون غسله. وهذه كانت واجبة على بعض من سبقنا، ولم تجب علينا، فالحكم في حقنا ليس مشروعًا أصلاً. والمجازية فيه بعيدة عن حقيقة الرخصة، لأن أصله لم يبق مشروعًا، وهو أتم في المجازية (٢) .
٤- ما سقط حكمه مع كونه مشروعًا في الجملة، فهو بهذا شبيه بحقيقة الرخصة وأقرب إليها، فهو أقل مجازية من النوع الثالث، ومثاله ترخيص بيع السلم، فيما روي عن النبي ﷺ ((أنه نهى عن بيع ما ليس عند الإنسان ورخص في السلم)) (٣) . ومثل أكل الميتة وشرب الخمر ضرورة، فإن حرمتهما ساقطة هنا، مع كونها ثابتة في الجملة وذلك لقوله تعالى ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، فإنه استثناء من الحرمة، والنص غير محرم في حال الضرورة والمحرم غير قائم عند وجودها كذلك، وهذا فرق ما بينه وبين النوع الثاني، ومثل قصر الصلاة في السفر في حالة الأمن، مع أن الآية الكريمة تنص على أن القصر إنما يكون في حالة الخوف، قال تعالى ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] . وقد روى مسلم عن يعلى بن أمية قال: " قلت لعمر بن الخطاب ﵁ قول الله تعالى ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] ، فقال: " عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) (٤) ، فقد فهم عمر ﵁ أن التعليق بالشروط يوجب انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، فأخذ الأحناف من ذلك أن التعليق بالشرط لا يدل على العدم عند عدم الشرط، خلافًا لغيرهم كفخر الإسلام البزدوي الذي قال: " إن انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط لازم ألبتة" (٥) .
стр. 12236
إطلاقات الرخصة:
سمى الشاطبي أنواع الرخصة إطلاقات وجعلها إطلاقات أربعة بناها على الأسباب الموجبة للرخصة، وهي إطلاقات أربعة:
أولها: ما استثنى من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا من غير اعتبار لكونه بعذر شاق، وهو ما استند إلى أصل الحاجيات كالقرض والقراض والمساقاة وبيع العرية بخرصها تمرا، وضرب الدية على العاقلة، ويدل عليه قوله ((: نهى عن بيع ما ليس عندك وأرخص في السلم)) أو ما استند إلى أصل التكميلات كصلاة المأمومين جلوسًا اتباعًا للإمام المعذور، وصلاة الخوف المشروعة بالإمام كذلك (١) .
ثانيها: قد تطلق الرخصة على ما وضع عن هذه الأمة من التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة كما دل عليها قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وقد سبق وذكرنا أمثلة لهذه التكاليف والأعمال الشاقة. ويدخل في الإطلاق كل ما جاء في ملة الإسلام من المسامحة واليسر (٢) .
وثالثها: ما كان من المشروعات توسعة على الناس مما هو راجع إلى قضاء مآربهم ونيل حظوظهم وتحقيق مصالحهم، والعزيمة هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي إطلاقًا، فالإذن بأخذ الحظ توسعة يعتبر رخصة هي حظ العباد من لطف الله. وهنا يدخل الشاطبي المباحات من الرخص لما فيه من التيسير والتوسعة ورفع الحرج (٣) (خلافًا للحنفية الذين يجعلون المباح عزيمة) .
ورابعها: ما شرع من الأحكام لعذر شاق كصلاة الإنسان جالسًا لأنه لا يقدر على الصلاة قائمًا إلا بمشقة. وكأكل الميتة للمضطر في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، ويقتصر بالرخصة على موضع الحاجة فقط، وهو من خواص الرخص. ويفترض بهذا عما شرع من الحاجيات الكلية فإنها مشروعة مستثمرة، بينما الرخصة هنا إذا زال سببها زالت مشروعيتها في حق المرخص له (٤) .
стр. 12237
الرخصة بين الوجوب وعدم الوجوب:
الرخصة تتنوع من حيث حكمها إلى نوعين:
الأول: الوجوب، وذلك عند الضرورة أو الحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، مثل أكل الميتة، فلا يجوز للمسلم المضطر أن يتأبى عن أكل الميتة، لأن النفس حق الله، وهي أمانة يجب حفظها للقيام بالعبادات والتكاليف، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (١) .
الثاني: عدم الوجوب، فله أن يأتي بالرخصة، إما تقية كالنطق بكلمة الكفر عند الإكراه حفظًا لنفسه مع طمأنينة الإيمان، وإما تخييرًا كالفطر في السفر، وإما أفضلية كقصر الصلاة في السفر عند الجمهور، وقد يأخذ بالعزيمة في عدم نطق كلمة الكفر عند الإكراه، أو بالصوم في السفر أو إتمام الصلاة عند الجمهور (٢) .
أنواع الرخصة من حيث أداؤها:
والرخصة من حيث أداؤها تنقسم إلى قسمين:
الأول: رخصة فعل، وذلك بحسب حكم العزيمة، فإن كان فعل العزيمة يوجب تركًا، فالرخصة رخصة فعل، مثل ما إذا كان الحكم الأصلي نهيًا يفيد التحريم، وتكون الضرورة أو الحاجة تسوغ فعله رخصة، مثل أكل لحم الميتة أو الخنزير عند الضرورة أو شرب الخمر عند الغصة أو الإكراه الملجئ، ومثل المكره على نطق الكفر لأن فيه تلف النفس.
الثاني: رخصة ترك، إذا كان حكم العزيمة يوجب فعلاً، فالرخصة رخصة ترك مثل ترك الصيام للمريض في رمضان، ومثل ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان الحاكم بطاشًا ظالمًا فالرخصة السكوت، ومثل سقوط فرض الصلاة على المعذور (٣) .
стр. 12238
أنواع الرخصة من حيث التخفيف:
قسم بعض الأصوليين الرخصة من حيث التيسير على الناس والتخفيف عنهم إلى قسمين:
الأول: رخصة إسقاط، عندما يكون الأخذ بالرخصة واجبًا كأكل الميتة أو رفع التكاليف الشاقة التي كانت على الأمم قبلنا؛ فقد أسقط الحكم عنا.
الثاني: رخصة ترفه، عندما يكون الحكمان ثابتين، فله أن يأخذ بالرخصة وله أن يأخذ بالعزيمة كأكل المتولي من مال الوقف إذا كان محتاجًا أو أكل ولي الأيتام من مالهم إذا نمَّى أموالهم وكان محتاجًا، فلكل منهما أن يأكل من مال الوقف أو اليتيم أو لا يأكل، قال تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢] .
وقد تكون الرخصة عامة للناس كلهم وهي في الأنواع الثلاثة التي بيناها، تكون خاصة لبعض الناس كما في النوع الرابع (١) .
دليل إباحة الرخص:
استدل لإباحة الرخص بالأدلة التالية:
أولاً – من النصوص:
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، وقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] ، وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] ، وقوله ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، فكل هذه الآيات وغيرها دالة على إباحة الرخصة ورفع الحرج والجناح وجواز الإقدام على فعلها.
وقوله ﷺ ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) (٢) ، وورد في الحديث ((كنا نسافر مع رسول الله ﷺ فمنا المقصر ومنا المتم)) (٣) ، وروي عن عائشة ((أن النبي ﷺ كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم)) (٤) .
وثانيًا:
التسهيل، التخفيف على المكلفين ورفع الحرج عنهم والتيسير عليهم، فيكون المكلف مخيرًا بين الأخذ بالرخصة أو العزيمة، وهذا أصله الإباحة في قوله تعالى ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، وقوله ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، وقوله ﴿وفَاكِهَةً وأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَّكُمْ ولأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٣١ – ٣٢] ، وقال سبحانه ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] (٥) .
стр. 12239
أسباب الرخص:
تعددت الأسباب التي أبيحت من أجلها الرخصة، فمنها:
١- الضرورة: كأن يكون في حالة مخمصة ويخشى على نفسه الهلاك مثل أكل الميتة أو النطيحة أو شرب البول ولا يجد ما يأكله أو يشربه، لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] .
٢- رفع الحرج والمشقة: كإفطار العجوز الفاني في رمضان أو رؤية الطبيب عورة المرأة لمعالجتها؛ والحرج المعتبر في مشروعية الرخصة أن يكون مؤثرًا في المكلف، أو أن لا يكون له صبر عليها كالمرض الذي يعجزه عن استيفاء أركان الصلاة على وجهها.
استنادًا إلى قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، والقاعدة الشرعية تقول " المشقة تجلب التيسير" (١) .
والمشقة – كما يقول ابن نجيم – قسمان: مشقة الصوم في شدة الحر وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، ومشقة ألم الحد ورجم الزنا، وقتل الجناة، وقتال البغاة " فلا أثر لها في إسقاط العبادات في كل الأوقات". ومشقة عظيمة فادحة كمشقة الخوف على النفوس والأطراف ومنافع الأعضاء فهي موجبة للتخفيف (٢) . ولكننا نقول بأن المشقة التي ذكرها يمكن أن تكون فيها الرخص في الإفطار عند عدم الإطاقة في الحر والسفر، قال ﷺ : ((ليس من البر الصيام في السفر)) (٣) . وعند من اعتبر التيمم رخصة فهو بدل الوضوء في حالة الضرر من الغسل في البرد أو الغسل عند الجراحة.
حكم الرخصة:
وحكم الرخصة جواز العمل بها في مواضع الجواز، والإنسان مخير بين الأخذ بالعزيمة، كالصبر على العذاب وعدم النطق بكلمة الكفر، وبين الأخذ بالرخصة كالنطق بكلمة الكفر، ومثل الأخذ بالعزيمة في الصوم في السفر أو الإفطار.
والحديث النبوي الشريف وهو قوله ﷺ ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) (٤) ، وما روي عنه ﷺ ((إنه ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما)) (٥) ، جعل الرخصة في موضع الإباحة والتخيير بعد الطلب الجازم بالفعل، تيسيرًا على الناس، ورحمة بهم وهو مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية، كما استشهدنا بآيات اليسر ورفع الحرج (٦) .
стр. 12240
ضوابط الأخذ بالرخص:
١- أن لا يكون الأخذ بالرخصة لغرض فاسد، ومن هنا جاء منع تتبع الرخص (عند جماعة من العلماء كما سنذكر) لكف الناس عن الجري وراء الأسهل من غير دليل، والأصل أنه يجوز للعامي أن يأخذ في كل مسألة بقول مجتهد هو أخف عليه، لما روي عن عائشة ((أن النبي ﷺ كان يحب ما خفف على الناس)) (١) .
٢- أن لا يجمع بين الرخص على صورة تخالف الإجماع كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقبل بها أحد من العلماء.
٣- أن لا يأخذ برخص متناقضة في الأمر الواحد (من اختلاف الفقهاء في اجتهاداتهم) كأن يأخذ بعدم نقض الوضوء بلمس المرأة (وهو رأي أبي حنيفة) ويأخذ بعدم نقض الوضوء بنزول الدم (وهو رأي الشافعي) الذي يرى انتقاض الوضوء باللمس، ويرى أبو حنيفة انتقاض الوضوء بنزول الدم عن موضعه.
٤- لا يجوز الأخذ بالأهون من كل مذهب مجتهد بحيث تنحل ربقة التكليف من عنق المكلف (٢) .
تتبع الرخص في المذاهب ورأي الفقهاء والأصوليين فيه
هل يجوز تتبع الرخص في المذاهب؟
والرخصة هي الأخذ بالأسهل والأيسر، وتتبعها هو أن يأخذ من كل مذهب أخف الأحكام وأسهلها.
اختلف العلماء في ذلك:
١) فبعضهم ذهب إلى تحريمه: فقد نقل ابن حجر في تحفته الإجماع على منع تتبع الرخص.
وأباحه بعضهم بقيود كالقرافي الذي قال: إنما يجوز تقليد غير من قلده أولاً بشروط: كما إذا لم يترتب على تقليد ذلك الغير ما يجتمع على بطلانه عند الأول والثاني، مثال ذلك لو قلد الشافعي في عدم فرضية الدلك للأعضاء المغسولة في الوضوء والغسل، وقلد مالكًا في عدم نقض اللمس بلا شهوة للضوء فتوضأ ولمس بلا شهوة وصلى، إن كان الوضوء بدلك صحت صلاته عند مالك وإن كان بدونه بطلت عندهما (٣) .
٢) والروياني اشترط في التقليد ثلاثة شروط كما نقل القرافي في تنقيح الفصول:
١- أن لا يجمع بينها على صورة تخالف الإجماع كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد من المجتهدين، وإلى هذا ذهب العز بن عبد السلام (٤) .
٢- أن يعتقد فيمن يقلده الفضل.
٣- عدم تتبع الرخص، وقد تعقب العلماء دعوى الإجماع بأنها غير صحيحة لأنها إجماع المتأخرين، وهم غير مجتهدين، وإجماع غير المجتهدين غير معتبر؛ على أن دعوى إجماع المتأخرين فيه نظر لأنهم لم يجمعوا جميعهم، والمجتهدون لم يصرحوا بشيء من هذا، ثم إن هذا الإجماع منقول بالآحاد وهو لا يوجب العمل عند الأحناف وعند بعض الشافعية، كما ذكر ذلك ابن ملك في شرح المنار (٥) .
стр. 12241
وتعقب القرافي قول الروياني بأنه إذا أراد بالرخص ما ينقض فيه قضاء القاضي وهو ما خالف الإجماع أو القواعد أو النص أو القياس الجلي فهو حسن، أما إذا أراد بالرخص ما فيه سهولة على المكلف كيف كان، يلزمه أن يكون من قلد مالكًا في المياه والأرواث وترك الألفاظ في العقود مخالفًا لتقوى الله، وليس كذلك، ثم الشرط الأول ليس بضائر فإن مالكًا لم يقل فيمن قلد الشافعي في عدم الصداق إن نكاحه باطل، وإلا لزم أن تكون أنكحة الشافعية بلا صداق باطلة عنده، ولم يقل الشافعي أن من قلد المالكية في عدم الشهود في النكاح باطلة أنكحتهم. وكيف نقول بصحة أنكحة الكفار إذا اعتقدوا صحتها في دينهم الباطل، ولا يقول الشافعي أو المالكي بصحة نكاح من قلد أحدهما.
وأما اعتقاد الفضل فمبني على منع تقليد المفضول، وهو مردود، لأنه ليس على العامي البحث على الأرجح من المجتهدين، إذ ليس له القدرة على ذلك، إلا إذا كان الرجحان من حيث ميل العامي إليه (١) ، قال الكمال بن الهمام " إن أخذ العامي بما يقع في قلبه أنه صواب أولى " (٢) .
٣) والرأي الثالث إباحة تتبع الرخص وهو ما ذهب إليه جمهور العلماء والمحققين كالكمال بن الهمام والقرافي وغيرهما، قال العز بن عبد السلام: " لا يتعين على العامي إذا قلد إمامًا في مسألة أن يقلد غيره في سائر مسائل الخلاف لأن الناس من لدن الصحابة إلى أن ظهرت المسائل يسألون فيما يسنح لهم العلماء المحققين من غير نكير، وسواء اتبع في ذلك الرخص أو العزائم " (٣) .
стр. 12242
وذلك للآيات والأحاديث الواردة في قوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، وقوله ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وحديث عائشة في البخاري ((كان ﷺ يحب ما خفف عنهم)) (١) ، وحديث ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) (٢) .
قال العلماء: ولا يمنع من ذلك مانع شرعي لأن للإنسان أن يسلك الأخف الأسهل فيما يقع له من المسائل إذا وجد إليه سبيلاً بأن لم يكن عمل بآخر فيه.
ويحمل المنع على تتبع الرخص لغرض فاسد، وقد روي عن أحمد ابن حنبل في إحدى روايتيه جواز ذلك، ولا يلتفت إلى رأي من فسق متتبع الرخص فهو تشديد لا مبرر له وليس عليه من دليل. إذ المفروض أن يتبع الإنسان من القول أحسنه.
وقال ﵇ فيما رواه الشيخان وغيرهما: ((إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)) ، ولأحمد حديث بسند صحيح ((دينكم أيسره)) . وروى الشيخ نصر المقدسي في كتاب" الحجة " مرفوعًا ((اختلاف أمتي رحمة)) ، وفي المنهل عن البيهقي عن القاسم بن محمد أنه قال: " اختلاف أمة محمد رحمة "، وللبيهقي في " المدخل " عن عمر بن عبد العزيز قال: " ما يسرني أن أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم يكن رخصة "، وأخرج البيهقي من حديث ابن عباس ﵁ ((.. أن أصحابي بمنزلة النجوم فبما أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة)) .
وقد روى السيوطي في الجامع الصغير عن عمر مرفوعًا: ((أفضل أمتي الذين يعملون بالرخص)) . وقد رد شارح التحرير (السيد بادشاه) على دعوى ابن عبد البر الإجماع على عدم تتبع الرخص.
стр. 12243
التلفيق
التلفيق لغة: هو ضم شقتي الثوب إلى الأخرى وخياطتها، يقال: لفق الثوب (من باب ضرب) يلفقه لفقًا وهو أن يضم شقة إلى أخرى فيخيطهما، وقد لفقت بين ثوبين ولفقت أحدهما بالآخر إذا لاءمت بينهما بالخياطة، والتلفيق أعم. كما جاء في لسان العرب والصحاح للجوهري والقاموس للفيروزأبادي.
وهذا المعنى اللغوي هو أقرب المعاني للكلمة ما يوافق ما أراده الاصطلاحيون " بالتلفيق " فهو عند علماء الحديث (كما في كشف الظنون) " علم يبحث فيه عن الملاءمة والتوفيق من الأحاديث المتنافية ظاهرًا، إما بتخصيص العام تارة وإما بتقييد المطلق تارة أخرى، أو بالحمل على تعدد الحادثة، إلى غير ذلك من وجوه التأويل. وشراح الحديث يرددون كثيرًا لفظة التلفيق، قد يريدون بها التلفيق بين متون لأحاديث مختلفة ليتكون من مجموعها خبر واحد، كما صنع كل من البخاري وابن إسحاق في حديث الإفك " (١) .
وهو عند الفقهاء والأصوليين: " أن يأتي بكيفية لا يأتي بها مجتهد " (٢) ، أو الجمع بين تقليد إمامين أو أكثر في فعل له أركان وجزئيات لها ارتباط ببعضها، لكل منها حكم خاص كان موضع اجتهادهم وتبيان آرائهم فيقلد أحدهم في حكم وآخر في حكم آخر فيتم التلفيق.
وهو ضربان: أحدهما:
تخير الأحكام الكلية للعمل والمعرفة والاطمئنان إلى الأرجحية من غير نظر إلى جزئيات تلك الأحكام وما يمكن أن يترتب عليها في النوازل المختلفة. وقد أجيز هذا النوع من غير تقييده بشرط (٣) .
والنوع الثاني تلفيق التقليد في العمل وهو:
أن يكون هذا التخير للعمل به في نازلة معينة، وهو النوع الذي تكلم العلماء في جوازه أو عدم جوازه، وهو نوع من التقليد ومن شرط جوازه أن لا يلفق بين قولين تتولد منهما حقيقة واحدة مركبة لا يقول كل من الإمامين بها (٤) .
وقد جاء في الدر المختار أن الحكم الملفق باطل بالإجماع (٥) .
وأكثر العلماء على جواز التلفيق ودعوى الإجماع غير واردة فالبيجوري على جوهرة التوحيد وابن الهمام على أنه لم يثبت نص في تحريم التلفيق.
صورة التلفيق أن يقلد إمامًا في رأي في نازلة معينة، ويقلد إمامًا آخر في نفس النازلة كأن يقلد الشافعي في وضوئه من حيث عدم فريضة الدلك ويقلد مالكًا في لمس المرأة بشهوة فلا يصح وضوءه على مذهبيهما، وكأن يقلد أبا حنيفة في صحة الزواج بعبارة النساء، وحال قيام الزوجية طلق الزوجة بلفظ من ألفاظ الكنايات التي يقع بها البائن عند أبي حنيفة وقلد الشافعي في وقوعه طلقة رجعية فيكون عاملاً بقولين معًا في قيام زوجية واحدة. وكمن قلد أبا حنيفة في التزوج بلا ولي، ثم قلد الشافعي في ضرورة التزويج بولي يبقى عقد نكاح الأول صحيحًا.
فالتلفيق العملي لا يتحقق إلا حين العمل بالقولين أو بأحدهما مع بقاء الآثار اللازمة للآخر.
стр. 12244
والتلفيق مسألة نشأت عند المتأخرين ولم تكن عند الأئمة المجتهدين ولا عند أهل التخريج، وأول من تكلم بها كما يقول الشيخ محمد أحمد فرج السنهوري هو القاضي نجم الدين بن علي الطرسوسي سنة ٧٥٨ هـ إذ نقل أنه وقف على حكم لحسام الدين الراوي المنفي في سنة ٦٨١هـ حكم فيه بصحة وقف المحجور للسفه، ونفذ هذا قضاة من الحنابلة، وأن هذا الحكم أشكل عليه لأن القضية صارت مركبة من مذهبي أبي حنيفة وأبي يوسف. وأنه رأى في " منية المفتي " مثل هذا الواقعة المركبة من مذهبين وقد مضى فيها على الجواز، ثم أجازه العلامة أبو السعود العمادي سنة ٩٨٣هـ وهو مفتي الروم ثم تبعهم العلماء في ذلك، وقد أجازه الكمال بن الهمام، والسيد الشريف محمد أمين الشهير بأمير بادشاه شارح التحرير المتوفى سنة ٩٧٢ هـ.
وعندي رسالة مخطوطة للشيخ منيب هاشم مفتي مدينة نابلس، انتهى من تأليفها سنة ١٣٠٧هـ عرضها على شيخ الشيوخ عبد الرحمن البحراوي الحنفي الذي كتب عليها " إن المؤلف قد بين الحق على الوجه الصحيح "، وهي مخطوطة بدار الكتب المصرية برقم ٤٠٣ وقد وجدها الشيخ السنهوري وبين أنه انتصر فيها للتقليد انتصارًا موفقًا.
وقد أثار مسألة التلفيق من المالكية الشيخ الزناتي ونقل عنه القرافي المتوفى سنة ٦٨٠هـ وكذلك الشاطبي وقد ذهبوا إلى منع التلفيق وتتبع الرخص، والشافعية تناولوا التلفيق كالقفال والمروزي والماوردي والشيرازي والغزالي والرافعي والنووي والسبكي، واختلفوا بين المنع والإجازة، فابن دقيق العيد أجازه شرط أن لا يقع في صورة يجمع على أنها باطلة.
وعز الدين بن جماعة المتوفى سنة ٧٦٧ هـ يرى أن العبادة الملفقة من عدة مذاهب لا تجوز، وإلى ذلك ذهب الغزالي وأحمد بن حجر سنة ٩٧٤هـ وادعى الإجماع على منعه (وهو غير صحيح) ، وإلى ذلك ذهب شهاب الدين أحمد بن عماد الدين الأقفهي في كتابه " تنبيه الحكام إلى أن التلفيق باطل بإجماع المسلمين".
والباجوري من الشافعية (شيخ الأزهر السابق) يقول في حاشيته على جوهرة التوحيد: فإن قلت: هل يجوز الانتقال من مذهب إلى مذهب؟ قلت: فيه ثلاثة أقوال: "يمتنع مطلقًا"، وقيل: " يجوز مطلقًا "، وقيل: " إن لم يجمع بين المذهبين على صفة تخالف الإجماع كمن تزوج بلا صداق ولا ولي ولا شهود فإن هذه الصورة لا يقول بها أحد " (١) .
стр. 12245
وقد ناقش العلماء دعوى الإجماع وانتهوا إلى جواز التلفيق لعدم دليل يدل على المنع (١) من نص أو إجماع، وإلى هذا الرأي مال العلماء الكثيرون من الحنفية، ومن المتأخرين الشيخ السنهوري والشيخ عبد الرحمن القلهود من علماء مجمع البحوث الإسلامية؛ مستندين إلى إجازات العلماء في ذلك وإلى أن التلفيق أمر ضروري لاسيما ونحن على أبواب عمل تشريعي لتقنين الفقه والأخذ فيه بأيسر الآراء اعتمادًا على قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، قال القلهود: " ومما تقدم يتضح أن تقليد أئمة المذاهب المعتبرة وعدم التقيد بتقليد مذهب أو قول معين أمر جائز، كما أن التلفيق بين أقوال المذاهب لا محذور فيه؛ وهذا بلا شك من اليسر في الدين " (٢) .
ترجيح ما هو أحق بالاتباع
الترجيح: إثبات الفضل في أحد جانبي المتقابلين أو جعل الشيء راجحًا، ونحن بعد استعراض أقوال العلماء وأدلتهم في موضوع تتبع الرخص أو عدم تتبعها، وموضوع التلفيق بين الأحكام الاجتهادية أو عدم التلفيق؛ بين أمرين: التتبع أو عدم التتبع، وجواز التلفيق أو عدم جواز التلفيق؛ أرى الذهاب إلى جواز تتبع الرخص وهو الأخذ من كل مذهب بما هو الأخف والأسهل فيما يقع من المسائل، للأسباب والشروط التالية:
١- أن يكون تتبع الرخص للعامي لا للمجتهد أو المرجح.
٢- أن لا يرتكب ما اشتهر تحريمه في الشرع فإن فعل يأثم، وأن لا يكون قد عمل بحكم آخر في نفس المسألة.
٣- أن لا يجمع بين الآراء التي يؤدي العمل بها إلى أن يكون عمله باطلاً في كل مذهب كأن يتزوج من غير ولي ولا شهود ولا إعلان. أو يأخذ بالآراء المتناقضة والنوادر كأن يعمل بالمتعة على رأي الشيعة، وبالسماع على رأي أهل المدينة، وإتيان النساء في أدبارهن على رأي بعض الفقهاء، وبأن يشرب النبيذ على رأي أهل الكوفة (٣) .
٤- الحكمة من الرخصة التخفيف والتيسير والتوسعة على العباد شرعًا، وقد جاءت الأحكام الكثيرة المقررة لهذا، استنادًا إلى الآيات والأحاديث التي تقرر هذه الحكمة، وقد تعرضنا لها في أثناء البحث، بل إن الأحناف اعتبروا الترفيه على الناس من حكم الرخصة (٤) .
стр. 12246
٥- الضرورة اقتضت تشريع أحكام تخفيفية على الناس كالتيمم، أو ترخيصًا كإفطار المسافر، وذلك تيسيرًا على الناس ولا سيما ذوي الأعذار منهم.
٦- أسقط الله ﵎ المؤاخذة على من أخذ بالرخصة مع قيام الحرمة أو الوجوب، أو قيام السبب المحرم أو الموجب، فالأخذ بالرخص وتتبعها للتسهيل على الناس، لاسيما في أيامنا هذه، وقد خف فهم الناس للقواعد والأصول، وتأثروا بالثقافات الأجنبية فمالوا إلى التخفف من أحكام الشرع، وأصبحوا يعتمدون على العقل في الحكم على الأشياء، فإجراء أعمالهم على مقتضى الاجتهادات والأحكام الشرعية المخففة أولى.
٧- أجاز الفقهاء الاتباع للعالم (وهو التقليد عن دليل) وأجازوا التقليد للعامي، والعامي يعرف الحكم بسؤال العلماء ولا يعرف الدليل، ويأخذ برأي مفتيه ويعمل به، وقد يتعدد المفتون في الموضوع الواحد، وقد يفتي بما هو رخصة في كل مذهب ولا ضير عليه، شريطة ما ذكرنا من عدم ارتكاب ما هو مشهور بالتحريم.
٨ – أجاز الكمال بن الهمام تتبع الرخص وهي جزئيات المسائل لا أجزاؤها (١) ، واعتمد في إجازته ذلك على أنه لم يرد أي نص من أي مجتهد على منع ذلك، والكمال بن الهمام من أهل الترجيح بل قد بلغ رتبة الاجتهاد، وهو أدرى بمذاهب المجتهدين، ولو كان هناك نص في مذهب أبي حنيفة لنسبه إليه، ويبعد كل البعد أن يكون كذلك ويجهله (٢) ، وقد جاء في كتاب التحرير: "ولا يمنع منه مانع شرعي بأن كان في غير ما عمل به، إذ للإنسان أن يسلك الأخف عليه إذا كان إليه سبيل، إن لم يكن عمل بآخر فيه، وكان ﵇ يحب ما خفف عليهم " (٣) ، وقال في فتح القدير " وأخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه، لا أدري ما يمنعه من العقل والنقل " (٤) .
стр. 12247
٩- ما نقل عن ابن عبد البر أنه لا يجوز تتبع الرخص إجماعًا، غير مسلم به، إذ شك العلماء في صحة ما نقل عنه، كما لم يسلم له بصحة الإجماع (١) وقد سبق أن ذكرنا أن للإمام أحمد روايتين في الموضوع، ولسنا مع ما ذهب إليه الروياني من أن شرط التقليد أن لا يتتبع الرخص إذا كان المقصود بها اتباع ما فيه سهولة على المكلف لا في مسائل القضاء.
وأما التلفيق فإني أرى جوازه اتباعًا لمن قال به من العلماء للأسباب التالية:
١- لم يثبت نص في منع التلفيق من أحد المجتهدين أو أهل التخريج.
٢- الذين منعوا التلفيق هم عدد من العلماء المتأخرين، ولم يوافقهم على ذلك عدد آخر من العلماء كشيخ الإسلام أبو السعود، والكمال بن الهمام، وصاحب تنقيح الحامدية، وابن نجيم الذي جزم في رسالته في بيع الوقف بجواز التلفيق، ويشترط فيه ما اشترط في تتبع الرخص، أن لا يرتكب ما اشتهر بحرمته عند جمهور العلماء أو ما هو باطل في جميع المذاهب إذا ترك كل تقييدات وشروط المذاهب كلها.
وأختم بحثي بقول صاحب (القول السديد في أحكام التقليد) بعد أن استعرض أقوال المخالفين وأدلتهم: " وحيث لم يقم للمخالف على التقليد بعدم التلفيق استدلال، فاتق الله في تحريم ما دل إطلاق الدليل على أنه حلال، وكن ممن يعرف الرجال بالحق لا ممن يعرف الحق بالرجال، فماذا بعد الحق إلا الضلال " (٢) .
وهذا هو الأوفق الأيسر في زمننا هذا، من جواز تتبع الرخص، وجواز التلفيق.
والله الموفق الهادي إلى سواء السبيل والحمد لله رب العالمين.
أ. د. عبد العزيز عزت الخياط
стр. 12248
الرخصة
إعداد
الشيخ محمد الشيباني بن محمد بن أحمد
المفتي الشرعي بدائرة القضاء الشرعي – أبو ظبي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من أرسله رحمة للعالمين القائل: ((إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا)) (١) . صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فإن الله قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وإن الرسول ﷺ قال: ((إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا..)) (٢) وقال ﷺ : ((بعثت بالحنيفية السمحة)) (٣) .
ومن هذا المنطلق شرعت الرخصة التي هي موضوع بحثنا وعنوانه الأخذ بالرخصة وحكمه.
ويتضمن هذا البحث النقاط الآتية:
١- تعريف الرخصة لغة واصطلاحًا، مع تعريف العزيمة التي هي في مقابلها.
٢- أنواع الرخص عند الأصوليين مع بيان فقهي بالأمثلة لكل نوع منها.
٣- ضوابط الأخذ بالرخص.
٤- تتبع الرخص ورأي الفقهاء والأصوليين فيه.
٥- التلفيق بين المذاهب ورأي الفقهاء والأصوليين فيه.
٦- خاتمة البحث وتتضمن ملخصًا وجيزًا للبحث، وذكر ما هو المرجح عند الفقهاء والأصوليين في تتبع الرخص والتلفيق وما هو أحق بالاتباع.
стр. 12249
أولاً: تعريف الرخصة:
الرخصة في اللغة تطلق على معان منها أنها ضد الغلاء، ومنها النعومة والتسهيل، قال في تاج العروس: (الرخص – بالضم – ضد الغلاء وقد رخص السعر ككرم رخصًا: انحط) قال: (والرخص – بالفتح – الشيء الناعم اللين.
وقال عن ابن دريد: امرأة رخصة البدن إذا كانت ناعمة الجسم، وأصابع رخصة غير كزة، وقال الليث: إن وصفت بها المرأة فرخاصتها نعومة بشرتها ورقتها، وكذلك رخاصة أناملها) .
قلت: ومن هذا القبيل قول النابغة الذبياني:
بمخضب رخص كأن بنانه عنم يكاد من اللطافة يعقد
والرخصة بضمة وبضمتين: ترخيص الله للعبد فيما خففه عليه، وهو التسهيل وهو مجاز ومنه: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يحب أن تترك معصيته)) (١) والجمع رخص.
ثم قال: وأرخصه الله فهو رخيص جعله رخيصًا قال الشاعر:
نغالي اللحم للأضياف نيئًا ونرخصه إذا نضج القدور (٢)
أما تعريف الرخصة شرعًا فهي أنها: (عبارة عما وسع للمكلف في فعله لعذر وعجز عنه، مع قيام السبب المحرم) قاله في المستصفى (٣) .
وقال في الموافقات: (وأما الرخصة فما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه، فكونه مشروعًا لعذر هو الخاصة التي ذكرها الأصوليون) (٤) .
مثال ذلك ما أبيح للمضطر من تناول الميتة، وما أبيح للمسافر والمريض من الفطر في رمضان، وما أبيح للمريض من التيمم.
стр. 12250
ولا يسمى ما لم يوجبه الله علينا رخصة، وإن كان فيه سعة كعدم وجوب صوم شوال وصلاة الضحى، كما أن ما أباحه الله أصلاً من الأكل والشرب وغيرهما من المباحات، لا يسمى رخصة (١) .
ومقابل الرخصة العزيمة، قال في مراقي السعود:
للعذروالرخصة حكم غيرا إلى سهولة لعذر قررا
مع قيام علة الأصلي وغيرها عزيمة النبي (٢)
والعزيمة في اللغة: القصد المؤكد (٣) ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] وقوله : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] .
وفي اصطلاح الأصوليين: هي الحكم الثابت على وجه ليس مخالفًا لدليل شرعي (٤) . وبعبارة أخرى: هي ما شرع من الأحكام الكلية ابتداء، ومعنى كونها كلية أنها لا تختص ببعض المكلفين من حيث هم مكلفون دون بعض كالصلاة مثلاً، فإنها مشروعة على الإطلاق والعموم في كل شخص وفي كل حال، وكذلك الصوم والزكاة والحج والجهاد، وسائر شعائر الإسلام الكلية (٥) .
ومعنى كونها مشروعة على الإطلاق أنها شرعت ابتداء، وأن قصد الشارع إنشاء الأحكام التكليفية بها على العباد من أول الأمر دون حكم شرعي سابق مخالف غير منسوخ، فإن سبقها حكم شرعي ثم نسخ كان الناسخ كالحكم الابتدائي.
وعليه فإن أحكام الشريعة منقسمة إلى قسمين: عزائم وهي الأصل، ورخص وهي التي شرعت للتيسير ورفع المشقة عن المكلفين، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] .
стр. 12251
وهكذا فإن الله رفع الحرج عن هذه الأمة، وجعل المشقة تجلب التيسير، وهذا من القواعد التي بني عليها الفقه، قال العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي في " مراقي السعود ":
قد أسس الفقه على رفع الضرر وأن ما يشق يجلب الوطر (١)
قال في نشر البنود: (قد أسس الفقه، أي بنيت مسائله على أربعة أصول أحدها: قوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) (٢) .
والقاعدة الثانية أن المشقة تجلب التيسير، وهو المراد بالوطر لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
ومن مسائلها الأخذ بالأخف والرخص كجواز القصر والجمع والفطر في السفر (٣) .
والمشقة التي تجلب التيسير هي المشقة الخارجة عن المعتاد وهي التي من شأنها أن تؤدي إلى خلل في جسم المكلف أو عقله أوتؤدي إلى ما لا يحمد عقباه في المستقبل (٤) .
وقد نص الشارع على الترخيص فيها مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ومثل ترك الجماعة في المطر، ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: ((إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرحال)) .
стр. 12252
وترجم له البخاري بباب الرخصة في المطر (١) .
أما المشقة المعتادة فلا تجلب التيسير لأنه لا يخلو عمل مطلوب منها، ولذلك لا تمنع التكليف، فتناول الطهارة في البرد والصلاة في الجماعة وقت الفجر في شدة البرد، والصيام في فصل الحر، كل هذه أعمال لها مشقة لكنها مشقة معتادة لا تجلب التيسير، ولا تستوجب الترخيص (٢) .
وفي ذلك يقول الشيخ محمد العاقب بن مايابى الشنقيطي في نظمه لنوازل سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي:
وألغيت خفيفة كبرد ماء الطهارة أوان البرد
ثانيًا: أقسام الرخصة:
للرخصة مجالات مختلفة قسمها الأصوليون باعتبارها، ومن أهم تلك التقسيمات تقسيمها باعتبار حكمها الشرعي وهي بهذا الاعتبار أربعة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومباحة، وخلاف الأولى؛ وهذا التقسيم للشافعية ذكره الجلال المحلي في شرحه لجمع الجوامع لابن السبكي (٣) ، ونقله أبو إسحاق الشاطبي عن العلماء، وإن كان غير مرتض له، فقال: (إن العلماء قد نصوا على رخص مأمور بها، فالمضطر إذا خاف الهلاك وجب عليه تناول الميتة وغيرها من المحرمات الغاذية، ونصوا على طلب الجمع بعرفة والمزدلفة، وأنه سنة، وقيل في قصر المسافر، وإنه فرض أو سنة أو مستحب، وفي الحديث: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه)) .
وقال ربنا تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] إلى كثير من ذلك، فلم يصح إطلاق القول بأن حكم الرخص الإباحة دون التفصيل (٤) فالشاطبي نقل هذا الكلام ليرد عليه، لأنه يرى أن حكم الرخصة الإباحة مطلقًا، وإن ما لم يكن حكمه الإباحة فهو عزيمة (٥) .
وأشار ابن عاصم في " مرتقى الوصول إلى معرفة علم الأصول " في كلامه على الرخصة إلى التقسيم الذي ذكره الجلال المحلي فقال:
وأصلها الجواز وهي تنتهي للندب والوجوب والأخذ به (٦)
وقال الحطاب في حاشيته: (وكون الرخصة تنتهي للوجوب هو ما عليه المحققون كابن الحاجب وغيره من المتأخرين في تقسيمهم إياها للواجب والمندوب والمباح، زاد بعضهم، وخلاف الأولى) (٧) .
وحديث: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه..)) ورد بطرق مختلفة إحداها تقدم تخريجها عن الإمام أحمد والطبراني في الأوسط والبزار، وله طريقة أخرى باللفظ الآتي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) . أخرجه البطراني في الكبير والبزار، ورجالهم ثقات، قاله في مجمع الزوائد (٨) . أما باقي طرقه فلا نذكرها لضعفها (٩) .
وهذه أقسام الرخص نوردها بالتفصيل مع ذكر مذاهب الأئمة حولها.
стр. 12253
القسم الأول:
الرخص الواجبة: وهي التي شرعت للضرورة الشديدة التي تهدد حياة المسلم مثل أكل الميتة والدم ولحم الخنزير – لمضطر يهدد الجوع حياته. فقد شرع الله له ذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
واتفق الأئمة الأربعة في مشهور مذاهبهم على وجوب أكل المضطر للميتة والدم ولحم الخنزير إن خشي الهلاك علمًا أو ظنًّا، ذكر ذلك أبو بكر الجصاص والكيا الهراسي – في أحكام القرآن، والقرطبي في تفسيره (١) .
كما ذكره الحطاب في حاشيته، والنووي في شرح المهذب (٢) ، والمرداوي في الإنصاف (٣) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه (٤) ، والحجة في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] وقوله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
القسم الثاني:
من أنواع الرخص: رخص مندوبة وتشمل ما كان سنة وما كان الأخذ به أفضل من غيره، كالقصر في السفر الذي لا تقل مسافته عن أربعة برد، أي حوالي (٨٠) كم، وهذا هو قول الجمهور (٥) ، وقال الحنفية: لا تقل مسافته عن ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومشي الأقدام (٦) .
وقال ابن حزم: كل ما يسمى سفرًا تقصر فيه الصلاة ويفطر فيه الصائم، وهذا القول ذكر العلامة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي أنه أقوى دليلاً (٧) ، ولا عبرة بعدم وجود مشقة في السفر لأن القصر في السفر صدقة تصدق الله بها على عباده، كما في حديث يعلى بن أمية قال: قلت لعمر: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) أخرجه مسلم (٨) . إلا أن الصوم في السفر أفضل لمن لا يشق عليه الصوم – كما سيأتي في القسم الرابع من أقسام الرخص – أما من يشق عليه الصوم فالفطر أفضل له لحديث: ((ليس من البر الصوم في السفر)) أخرجه الشيخان عن جابر مرفوعًا (٩) .
стр. 12254
ومن الرخص التي يندب الأخذ بها: فطر المريض الذي يخاف زيادة المرض أو تماديه، فيندب له الفطر إذا لم يخش الهلاك، وإلا وجب عليه، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قال القرطبي: (للمريض حالتان: إحداهما ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجبًا، الثانية أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل) (١) .
القسم الثالث:
من أقسام الرخص رخص مباحة، وهي التي تطلق على ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا، من غير اعتبار بكونه لعذر شاق. قال الشاطبي: (فيدخل فيه القرض والقراض والمساقاة ورد الصاع من الطعام في مسألة المصراة، وبيع العرية برخصها تمرًا، وضرب الدية على العاقلة، وما أشبه ذلك.. وعليه يدل قوله: ((نهى عن بيع ما ليس عندك، ورخص في السلم)) ، وكل هذا مستند إلى أصل الحاجيات) (٢) . لأن الحاجة إذا عمت تنزلت منزلة الضرورة، والضرورات تبيح المحظورات.
وقوله: (ويدل عليه قوله: ((نهى عن بيع ما ليس عندك)) يشير به إلى ما أخرجه أصحاب السنن عن حكيم بن حزام قال: ((أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي أفأبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ فقال: " لا تبع ما ليس عندك ".)) (٣) . قال الخطابي: (قوله: لا تبع ما ليس عندك، يريد بيع الدين دون بيع الصفة، ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال) (٤) .
ومن الرخص الجائزة: المسح على الخفين في الحضر والسفر، فلا خلاف عند جميع الأئمة في جوازه لوروده في الموطأ والصحيحين (٥) . ولأنه رواه سبعون صحابيا (٦) .
стр. 12255
القسم الرابع:
من أقسام الرخص رخص على خلاف الأولى. من ذلك التلفظ بالكفر لمن أكره عليه وقلبه مطمئن بالإيمان، فيجوز له التلفظ بالكفر إذا خشي الهلاك، لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .. هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، أخذه المشركون فلم يتركوه حتى سب النبي ﷺ ، وذكر آلهتهم بخير، فقال له رسول الله ﷺ : ((كيف تجد نفسك؟)) قال: مطمئن بالإيمان. قال: ((إن عادوا فعد)) . أخرجه ابن جرير في تفسيره، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (١) . هذا دليل الترخيص في الكفر، إلا أن من صبر على البلاء حتى قتل كان ذلك أولى وأعظم أجرًا.. ذكر ذلك الجصاص وابن العربي (٢) وحكى القرطبي عليه الإجماع (٣) .
ومن الرخص التي هي خلاف الأولى:
فطر المسافر في رمضان حيث كان الصوم لا يشق عليه، وهذا رأي الجمهور (٤) . لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٨] . وقال أحمد: إن الفطر أفضل مطلقًا قوي على الصوم أم لا (٥) . واستدل بحديث جابر الآنف الذكر ((ليس من البر الصوم في السفر)) لكن هذا الحديث ورد في شأن رجل أجهده الصوم حتى أضر به، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر ((ليس من البر الصوم في السفر)) .
قال في الفتح: أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله ﷺ : ((ليس من البر الصوم السفر)) ما ذكر من المشقة.
قال: (والحاصل أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل، وأن من لم يتحقق المشقة خير بين الصوم والفطر) (٦) . اهـ.