← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 12286–12325 · переход к 12291.

стр. 12286

الأدلة الخاصة بالرخص من القرآن والسنة (١) : إن الأدلة الخاصة بالقرآن والسنة قد استوعبت غالب الرخص التي جاءت في الشريعة الإسلامية، ناهيك أن الرخص شطر هذه الشريعة السمحة، حيث اتفق العلماء على أنها إحدى المرتبتين الكبيرتين اللتين تعود إليهما جميع الأحكام، وهما: مرتبة التشديد، ومرتبة التخفيف. لذلك أردت أن أتعرض إلى بعض الآيات والأحاديث كنماذج حية لدلالتها صراحة على حجية الرخصة. وهي أنواع ثلاثة: ١- آيات رفع الجناح ومنها: - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] . والمراد بالضرب في الأرض: السفر برا أو بحرًا أو جوًا. وقصر الصلاة: النقص منها. وتشير هذه الآية إلى أن العزيمة في هذا الموضوع هي تأدية الصلاة تامة، وإن التزام هذه الحالة قد يوقع المسافرين العاديين في حرج ومشقة، فما بالك بالمسافرين للجهاد؟ ولذلك خفف الله عن هؤلاء جميعًا، ورخص لهم في أن يصلوا الصلوات الرباعية ركعتين ركعتين.. وقد استفدنا هذا الترخيص من نفي الجناح عمن قصر في الصلاة في الحالة المذكورة. - وقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] . فالآية ظاهرة في تعظيم أمر أخذ العوض عن الطلاق الذي هو حرام. وإنما رخص الله في أخذ العوض إذا كانت الكراهة والنفرة من المرأة في مبدأ المعاشرة، دفعًا للإضرار عن الزوج في خسارة ما دفعه من الصداق وتكاليف الزواج الذي لم ينتفع منه بمنفعة (٢) . ٢- آيات نفي الإثم: وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] . والمضطر هو الذي ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات فإن فعل مع هذا الوصف فلا إثم عليه (٣) . فالضرورة لها سببان: - أحدهما الجوع الشديد مع عدم وجود المأكول الحلال لسد الرمق عند مالك وأبي حنيفة. - ثانيهما الإكراه على الأكل من هذه المحرمات (٤) . وحد الضرورة عند مالك حتى يشبع، ولا يمنع من التزود من المحرم خوفًا على نفسه من الهلاك إن هو فرط فيه، فإن وجد غنى عنه طرحه.

стр. 12287

٣-آيات نفي المؤاخذة: وذلك كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥] . ولغو اليمين هو أن يحلف على شيء يستيقنه كذلك ثم يتبين خلاف ما استيقنه (١) . ومعنى الآية أن الله جعل المؤاخذة على كسب القلب في اليمين، ولا تكون المؤاخذة إلا عن حنث لا على أصل القسم، إذ لا مؤاخذة لأجل مجرد الحلف لا سيما بعد البر، فتعين أن يكون المراد كسب القلب وتعمده الحنث، فهو الذي فيه المؤاخذة. ٤- آيات الاستثناء: كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] . أي إلا من أكرهه المشركون على الكفر، فأظهره بالقول، تقية ومصانعة، فهو ترخيص من الله. وحدد الفقهاء الإكراه بأنه إذا خاف على نفسه أو على عضو من أعضائه التلف، أو عذب عذابًا لا يستطيع أن يتحمله الإنسان عادة. وقد دل الحديث الشريف على جواز النطق بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنًا بالإيمان. وقد ورد ((أن عمار بن ياسر ﵄ قال، بعد أن عذب عذابًا شديدًا: يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير. فقال ﷺ : كيف تجد قلبك؟ فقال: مطمئنًا بالإيمان. فقال ﵊: إن عادوا فعد)) (٢) . ٥- آيات الإبدال: والمراد بالإبدال هو إبدال فعل مطلوب على وجه العزيمة بفعل آخر أخف منه، لعذر؛ كإبدال الطهارة المائية بنوعيها بالطهارة الترابية. وذلك كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] . فقد دلت الآية على إبدال الطهارة المائية بنوعيها، إذا طرأ على المكلف ما يوجبها بالتيمم، في حالتي المرض وفقد الماء.

стр. 12288

أدلة من السنة النبوية وهي كثيرة (١) : وتناولت غالب أحكام التشريع، ومختلف تصرفات الإنسان. وقد حاول عدد كبير من المؤلفين تقسيم هذه الأحاديث إلى عناوين مختلفة حسب الحاجيات التحسينية والفروع الفقهية المتعددة. ويمكن حصر جانب منها في هذه العناوين: ١- أحاديث ترخص في النطق بالقول الباطل: عند الضرورة والحاجة: وذلك كالحديث الذي رواه الإمامان أحمد ومسلم، ونصه: أن النبي ﷺ قال: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، يقول خيرًا وينمي خيرًا)) . ولم أسمع يرخص في شيء يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها (٢) . رغم أن الكذب من قبائح الذنوب وفواحش القلوب، وآفات اللسان، ومن علامات عدم الإيمان، بشهادة القرآن نفسه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] . وبتأكيد من النبي نفسه، فقد رخص المشرع الحكيم في الحالات الثلاث التي نص عليها الحديث؛ لما فيها من جلب مصلحة أو درء مفسدة. ٢- أحاديث تفيد جواز المسح على العمامة والخفين وما يلحق بهما: - ما رواه عمرو بن أمية الضمري قال: ((رأيت رسول الله ﷺ يمسح على عمامته وخفيه)) (٣) . - وروي أن بلال بن رباح قال: ((مسح رسول الله ﷺ على الخفين والخمار)) (٤) (العمامة) . - وقال المغيرة بن شعبة: ((توضأ رسول الله ﷺ ، ومسح على الخفين والعمامة)) (٥) . الأصل أن العزيمة في الغسل والمسح هو غسل ما يغسل من أعضاء الوضوء، ومسح ما يمسح مباشرة. لكن قد تدعو الضرورة أو الحاجة إلى مخالفة هذا الأصل، تخفيفًا على الناس بالمسح على العمامة بدل الرأس، والمسح على الخف بدل غسل الرجل.

стр. 12289

٣- أحاديث تفيد الإبراد بصلاة الظهر، وهي كثيرة: - عن أنس بن مالك ﵁، قال: ((كان النبي ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل)) (١) . - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)) (٢) . - وقال أبو ذر: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : ((أبرد)) . ثم أراد أن يؤذن فقال: ((أبرد)) ، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : ((إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة)) (٣) . فهذه الأحاديث تدل على مشروعية هذا التأخير، وعلى أنه رخصة إلى حين الإبراد، ما لم يخرج الوقت (٤) . وأكتفي بهذه الأحاديث للدلالة على أن السنة اشتملت على أحاديث كثيرة في تحديد الرخص التي شرعت في حياة الرسول ﷺ .

стр. 12290

حكم الرخصة الرخصة باعتبار متعلقها الذي هو فعل المكلف، تكون واجبة ومندوبة ومباحة وخلاف الأولى (١) ، وهو رأي جمهور الأصوليين الذين يقولون: إن الرخصة قد تكون مطلوبة الفعل على وجه اللزوم، أو على وجه الندب والاستحباب (٢) . ١- فتكون واجبة كأكل الميتة للمضطر، وأصل حكمها الحرمة. والحكم هنا وإن تغير من صعوبة، وهي الحرمة، إلى صعوبة وهي الوجوب؛ إلا أن وجوب الأكل موافق لغرض النفس في بقائها، ففيه سهولة من هذه الناحية. وسبب الحكم الأصلي: الخبث، ولذلك كان حرامًا. ٢- تكون مندوبة كالقصر في السفر إذا بلغت المسافة ثلاثة أيام. والحكم الأصلي حرمة القصر. وعذر القصر المشقة، وسببه دخول الوقت. فقد تغير الحكم الأصلي من صعوبة وهي حرمة القصر إلى سهولة وهي ندب القصر لعذر المشقة مع قيام السبب وهو دخول الوقت. - ومن هذا القبيل: الفطر في رمضان بالنسبة إلى المسافر الذي يشق عليه الصوم والإبراد بالظهر، والنظر إلى المخطوبة، ومخالطة اليتامى في أموالهم (٣) . ٣- وتكون الرخصة مباحة كالسلم الذي هو بيع موصوف في الذمة. ومثله الإجارة، وكل ما فيه عقد على معدوم أو مجهول، كالقراض والمساقاة. والأصل في ذلك المنع، ولكن أجيز للضرورة، مع قيام سبب الحكم الأصلي. ٤- تكون الرخصة خلاف الأولى، كفطر مسافر في رمضان لا يشق عليه الصوم مشقة قوية، والتيمم لمن وجد الماء يباع بأكثر من ثمن الأصل وهو قادر عليه، وقراءة القرآن على غير طهارة (٤) . فالحكم الأصلي حرمة الفطر مثلاً، لكن أبيح لعذر المشقة، مع قيام السبب للحكم الأصلي. ويقول الشاطبي: وحكم الرخصة الإباحة مطلقًا من حيث هي رخصة. والدليل على ذلك أمور (٥) : أحدها: ورود النصوص عليها، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] . و ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] . و ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] . - وفي الحديث: ((كنا نسافر مع رسول الله ﷺ ، فمنا المقصر ومنا المتم، ولا يعيب بعضنا على بعض)) (٦) .

стр. 12291

فهذه النصوص تدل على رفع الحرج والإثم عن مخالفة التكاليف، وذلك بالعمل بالرخصة وترك العزيمة، أو تقرر مغفرة ما يترتب على هذه المخالفة من إثم وذنب. وليس في هذه النصوص ما يدل على طلب الرخصة، طلبًا جازمًا أو غير جازم. الثاني: أن الرخصة أصلها التخفيف عن المكلف، ورفع الحرج عنه، حتى يكون من ثقل التكليف في سعة، واختيار بين الأخذ بالعزيمة والأخذ بالرخصة. وهذا أصله الإباحة. كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] ، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] . الثالث: أنه لو كانت الرخص مأمورًا بها ندبًا أو وجوبًا لكانت عزائم لا رخصًا، والحال بضد ذلك، إذ الواجب هو: الحتم واللازم الذي لا خيرة فيه، والمندوب كذلك من حيث مطلق الأمر. ولذلك لا يصح أن يقال في المندوبات: إنها شرعت للتخفيف والتسهيل من حيث هي مأمور بها. فإذا كان الأمر كذلك ثبت أن الجمع بين الأمر والرخصة جمع بين متنافيين (١) . وبهذا يظهر أن دليل الرخصة عند الشاطبي: يقتصر على إباحة مخالفة الحكم الكلي العام، وهو العزيمة، ويرفع الحرج والإثم عن هذه المخالفة، أو يقرر العفو والمغفرة عن المخالف، دون أن يتعرض لطلب الرخصة، طلبًا جازمًا أو غير جازم. وفي الحالات التي يجب العمل فيها بالرخصة، بحيث يعد ترك العمل بها إثمًا ومعصية، يقرر الشاطبي أن هذا الوجوب لم يؤخذ من دليل الرخصة، إذ الرخصة من حيث هي رخصة حكمها الإباحة دائمًا، وإنما استفيد الوجوب من دليل آخر، فوجب تناول المحرمات في حالة الضرورة (٢) . وهذا لم يؤخذ من أدلة الرخصة، لأن هذه الأدلة لا تفيد إلا الإباحة، ورفع الإثم والحرج؛ وإنما استفيد الوجوب من قاعدة حفظ النفس التي استفيد حكمها من نصوص أخرى تفيد في مجموعها وجوب الحفظ. ولهذا فإن الفعل الواحد يمكن وصفه بالرخصة وبالوجوب، إذا اختلف الاعتبار، ولم تتحد الجهة. فإساغة الغصة بالخمر، وتناول الميتة للمضطر، ونحو ذلك كله واجب، فهو من هذه الجهة عزيمة، ولا يسمى رخصة، لأنه راجع إلى أصل كلي، وهو وجوب المحافظة على النفس، ويعتبر رخصة من جهة رفع الحرج الذي يقتضيه الدليل المانع.

стр. 12292

وقد قصر بعض أئمة الشافعية الرخصة على الثلاثة الأول: الواجب والمندوب والمباح؛ كالإمام البيضاوي. ومنهم من لم يذكر المباح من هذه الأقسام، كالنووي (١) . واتفق الفقهاء على أن الرخصة لا تكون مكروهة ولا محرمة؛ لقوله ﵊: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)) (٢) . تقسيمات الرخصة لقد ذكر الأصوليون عدة تقسيمات للرخصة باعتبارات معينة. ونذكر بهذا البحث أهمها: ١- باعتبار الفعل والترك: تنقسم الرخصة أولاً بالنسبة لما يقتضيه الأصل الكلي الذي جاءت الرخصة على خلافه قسمين: أولاً: رخصة فعل: وهي ما اقتضت إباحة فعل على خلاف أصل كلي يقتضي المنع منه، كأكل الميتة ولحم الخنزير حالة الضرورة، والنطق بكلمة الكفر حالة الإكراه. فالأصل الكلي في هذه الأحكام يقتضي المنع من تناول الميتة ولحم الخنزير، والنطق بكلمة الكفر، والرخصة خالفت الأصل وأجازت الفعل. ثانيًا: رخصة ترك: وهو ما اقتضت إباحة ترك الفعل على خلاف أصل كلي يقتضي طلبه، كإباحة الفطر والقصر للمسافر، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حالة الخوف على النفس أو أحد الأعضاء. فالأصل الكلي هنا يقتضي الصيام وإتمام الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والرخصة أباحت ترك هذه الأشياء، لأن حق الله يفوت صورة لا معنى، لبقاء اعتقاد الفرضية؛ بينما حق الشخص في ذاته يفوت صورة ومعنى بهلاكه (٣) . ٢- باعتبار عموم الضرورة وخصوصها: جاء في كتاب مقاصد الشريعة للشيخ ابن عاشور انتقاده علماء الأصول في إغفالهم قسمًا كبيرًا من الرخص لم يتعرضوا إليها، ولم يجعلوا لها حظا ملحوظًا في مباحثهم. فقال في مبحث الرخصة: " كان حقا علينا أن نفي مبحث الرخصة حقه من البيان، لأني وجدت بعض أنواع الرخص مغفولاً عن اعتبارها عند الفقهاء" (٤) ثم يقول: " ورأيتهم لا يحتفلون إلا بالرخصة العارضة للأفراد في أحوال الاضطرار" (٥) . ويستفاد من كلام الشيخ الإمام هنا، أن الرخص تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: رخص عامة ومطردة: وهي الرخص المبنية على ضرورات عامة مطردة كانت سبب تشريع عام، في أنواع من التشريعات، مستثناة من أصول كان شأنها المنع، مثل السلم والمغارسة والمساقاة. فهذه مشروعة باطراد. وكان ما تشتمل عليه من الضرر وتوقع ضياع المال مقتضيًا منعها، لولا أن حاجات الأمة داعية إليها، فدخلت في قسم الحاجي.

стр. 12293

الثاني: رخص خاصة ومؤقتة: وهي الرخص العارضة للأفراد في حال الضرورة أو عند المشقة أو عند الحاجة، وهي الرخص التي اعتنى بها الفقهاء، بل اقتصروا عليها في تمثيل الرخصة، اعتمادًا على الكتاب والسنة. كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] . في إباحة أكل الميتة للمضطر. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] في إباحة الإفطار في رمضان بالنسبة للمريض والمسافر. وما ورد في الصحاح من ((أن النبي ﷺ : كان يمسح على الخفين عوضًا عن غسل الرجلين في الوضوء)) . الثالث: رخص عامة مؤقتة: وهذا القسم هو الذي أشار الشيخ ابن عاشور إلى أنه قسم مغفول عنه، وهو الضرورة العامة المؤقتة. وذلك كأن يعرض الاضطرار للأمة أو طائفة عظيمة منها يستدعي الإقدام على الفعل الممنوع لتحقيق مقصد شرعي من سلامة الأمة أو إبقاء قوتها أو نحو ذلك. ولا شك أن اعتبار هذه الضرورة عند حلولها أولى وأجدر من اعتبار الضرورة الخاصة (١) وأنها تقتضي تغييرًا للأحكام الشرعية المقررة للأحوال التي طرأت عليها تلك الضرورة. وأمثلتها كثيرة منها: ١- الكراء المؤبد في أرض الوقف حين زهد الناس في كرائها للزرع، لما تحتاجه الأرض من قوة الخدمة، ووفرة المصاريف لطول تبويرها؛ وزهدوا في كرائها للغرس والبناء، لقصر المدة التي تكترى أرض الوقف لها، ولامتناع الغارس أو الباني من أن يغرس أو يبني لمدة قصيرة ثم يجبر على أن يقلع ما أحدثه في الأرض. في مثل هذه الحالة جرت فتوى لابن السراج وابن منظور من علماء الأندلس في أواخر القرن التاسع بجواز الكراء على التأبيد، واعتبروا هذا الكراء المؤبد لا غرر فيه، لأن الأرض باقية غير زائلة، ولأن طول المدة من شأنه أن يحقق مصلحة عامة منجرة من وفرة إنتاجها، وهي راجحة على ما يمكن أن يخالط الآماد الطويلة من خطر (٢) . وكراء أرض الحبس على التأبيد قد أجازه التسولي (٣) إلى ما شاء الله من السنين. وقد جرى العمل بكراء أرض الحبس على التأبيد في المغرب ومصر والبلاد التونسية، وهو المعروف بالإنزال في تونس في اصطلاح المالكية، والكردار في اصطلاح الحنفية. وقد جاء في مجلة العقود (٤) والالتزامات التونسية ما يدل على اعتمادها هذا الاتجاه عندما عرفت الإنزال بأنه: عقد يحيل به المالك أو ناظر الوقف حوز العقار والتصرف فيه إلى الأبد، على أن يلتزم له المستنزل بأداء مبلغ معين سنوي أو شهري لا يتغير. ٢- الترخيص في تغيير الحبس الذي تعطلت منفعته تحصيلاً للمنفعة من وجه آخر. وقد ذكر الونشريسي في المعيار (٥) فقال: أما مسألة دار الوضوء، فإن بطلت منفعتها، وتعذر إصلاحها، ولم ترج عودتها في المستقبل، وجاز أن تتخذ فندقًا. ولذلك جاز للناظر أن يستغلها في أي شأن يعود على المسجد الجامع بالنفع البين. ٣- وكذلك أجازوا أن يستغل ناظر الوقف غلات الحبس الذي يتعطل عمله فيحقق بها مصلحة أخرى مشابهة. ويعتبر هذا العمل من الإقدام على الفعل الممنوع ضرورة، لتحقيق مقصد شرعي فيه سلامة الأمة.

стр. 12294

٤- وكذلك أجازوا للناظر أن يصرف من أموال الأحباس على المساجد، إذا كانت زائدة على الحاجة، في بعض وجوه البر كالتدريس، وإعانة طلبة العلم، وتحفيظ القرآن العظيم، لنفس الرخصة المتقدمة، ولنفس الضرورة. ٥- وأجازوا أيضا بيع العقار الحبس وتعويضه بآخر. وجاء في المعيار للونشريسي (١) " وفي نوازل سحنون: لم يجز أصحابنا بيع الحبس، إلا دارًا جوار مسجد ليوسع بها، ويشترى بثمنها دارا مثلها تكون حبسًا. وقد أدخل في مسجده ﷺ دورًا كانت محبسة " (٢) . وذكرت عدة أنقال عن ابن القاسم وابن رشد وكذلك عن مالك (٣) تفيد جواز الإقدام على الفعل الممنوع ضرورة لتحقيق ما هو أكثر صلاحًا وسدادًا للأمة. ٦- ورخصوا في معاوضة الحبس للضرورة، وجاء في المعيار (٤) : الحبس الذي لا منفعة فيه يباع. وقد سئل سيدي أبو عبد الله الحفار من أعلام غرناطة عن فدان حبس على مصرف لا منفعة فيه، هل يباع ويشترى بثمنه ما يكون به منفعة؟ فأجاب: " إذا كان الفدان الذي حبس لا منفعة فيه فإنه يجوز أن يباع ويشترى بثمنه فدان يحبس وتصرف غلته في المصرف الذي حبس عليه الأول، على ما أفتى به كثير من العلماء في هذا النوع الذي هو من الإقدام على الفعل الممنوع ضرورة، لتحقيق ما هو أكثر صلاحًا وسدادًا للأمة ". ٧- الترخيص في بيع الخلو. وقد ذكر الشيخ ابن عاشور في المقاصد (٥) أن فتوى الشيخ ناصر الدين اللقاني في مصر (٦) قامت على نفس المبدأ الذي قامت عليه فتوى علماء الأندلس التي أشرنا إليها سابقًا. وبذلك أجاز بيع الخلو، كما صدرت فتاوى مشابهة (٧) في تونس، وتسمى هذه العقود بالنصبة والخلو والمفتاح. وفي فاس بالجلسة والجزاء. وقد بينت مجموع هذه الفتاوى صورة بيع الخلو بأن يدفع الكاري مالاً مسبقًا زيادة عن الكراء باتفاق مع المالك أو ناظر الوقف مقابل تهيئة المحل من طرف المستأجر لقبول حرفة معينة تقتضي التغيير والزيادة في العقار. وهذه الزيادة في المال التي دفعها الكاري في مقابل الترخيص لتهيئة الدكان لحرفة معينة، تمكنه من البقاء في المحل على وجه لا يملك معه صاحب الريع إخراجه منه، ولا إزالة يده عنه.

стр. 12295

وقد بينت هذه الفتاوى أنه بتمكين التجار وأصحاب الصنائع من هذا الحق تم إحياء أملاك الوقف، وراجت التجارة، وانتفع نظار الوقف وأصحاب الأملاك الخاصة من ربح كثير. وهذا الذي يرمي إليه العلامة ابن عاشور بقوله: " إن التفويت في بعض حق الوقف إذا جر منفعة أكبر للوقف نفسه وللمنتفعين به، فهو من باب الإقدام على الفعل الممنوع ضرورة، لتحقيق مقصد شرعي فيه نفع أكبر. وقد مكن الفقهاء الكاري الذي أصبح يتمتع بهذا الحق من أن يكون مالكًا له، يورث عنه، ويباع، ويوهب، وإن مات وليس له وارث يصبح ملكًا لبيت المال. ٨- الترخيص في بيع الوفاء (١) . وقد صدرت فتوى من علماء بخارى من الحنفية في جواز بيع الكروم لحاجة غارسيها إلى النفقات عليها قبل إثمارها كل سنة، فاضطروا إلى اقتراض ما ينفقونه عليها. ٩- إباحة رمي الأسرى المسلمين الذين تترس بهم العدو متى علمنا أن الكف عنهم نتيجته انهزام المسلمين وإيقاف المد الإسلامي. وهذا يعتبره الغزالي من باب الإقدام على الفعل الممنوع ضرورة لتحقيق مقصد شرعي فيه سلامة الأمة. وهو مدعو إليه من أجل المحافظة على الإسلام وعموم المسلمين. قال الغزالي: وليس في معناها جماعة في سفينة لو طرحوا واحدًا منهم لنجوا، وإلا غرقوا بجملتهم. لأنها ليست كلية إذ يحصل بها هلاك عدد محصور وليس ذلك كاستئصال كافة المسلمين (٢) .

стр. 12296

إباحة الرخصة لرفع الحرج الإباحة المنسوبة إلى الرخصة هل هي من قبيل الإباحة بمعنى رفع الحرج، أو من قبيل الإباحة بمعنى التخيير بين الفعل والترك؟ الشاطبي يرجح معنى رفع الحرج على المعنى الآخر (١) ويستدل بجملة آيات من القرآن، ويقول: وذلك ظاهر في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، وفي آية أخرى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] ؛ فلم يذكر في ذلك أن للمترخص الفعل والترك، وإنما ذكر أن التناول في حال الاضطرار يرفع الإثم عنه. وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولم يقل فله الفطر، ولا فليفطر. وأشار إلى أنه إن أفطر فعدة من أيام أخر. وكذلك قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] . ولم يقل فلكم أن تقصروا من الصلاة، أو: فإن شئتم أن تقصروا. والمراد برفع الحرج: كل ما أدى إلى مشقة زائدة في البدن أو النفس أو المال، حالاً أو مآلاً (٢) . وقد نبه الفقهاء: أن المشقة إذا كانت معارضة بما هو أشد منها مما يتعلق بحقوق الله والمصالح العامة، فإنه لا يكون حرجًا شرعيًّا بالنظر إلى ما هو أشد منه، وذلك كالجهاد في سبيل الله دفاعًا عن بيضة الإسلام، أو نشرًا لدينه، لأن الله لما طلبه وحض عليه، أعقبه بنفي الحرج، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فالحرج اللاحق بالمجاهد ليس من الحرج الشرعي الموجب للترخيص، نظرًا لسمو غايته وما يترتب عليه من عظيم المصالح في حماية الدين وأهله. ومثال ذلك أيضا المشقة المقارنة للحدود والعقوبات الشرعية (٣) . ويتبين لنا من هذا النقاط التالية: أولاً: إن رفع الحرج أصل كلي من أصول الشريعة، ومقصد من مقصادها، والرخصة مستمدة من قاعدة رفع الحرج، كما أن العزيمة راجعة إلى أصل التكليف، وكلاهما أصل كلي، والعامل بهذه أو بتلك لابد أنه قد اس تند إلى دليل قطعي؛ والآيات الدالة على رفع الحرج قد بلغت مبلغ القطع، والتيسير من أصول الشريعة الإسلامية. (٤) ثانيًا: رفع الحرج عن هذه الأمة قاعدة عامة أجمع المجتهدون على اعتبارها ومراعاتها في مناهجهم الاجتهادية. ثالثًا: الحرج مرفوع من الأحكام ابتداء وانتهاء، في الحال والمآل، بينما الرخص تشمل عادة أحكامًا مشروعة بناء على أعذار العباد، وتنتهي بانتهائها؛ وأخرى تراعى فيها أسباب معينة تتبعها وجودًا وعدمًا.

стр. 12297

رابعًا: ليس كل ما كان من التشريع رفعًا للحرج يسمى رخصة، وما كل حرج يرخص لأجله، ويمكن أن نؤكد أن الرخص تعني: تيسير ما شق من تلك الأحكام الميسرة ابتداء. خامسًا: رفع الحرج لا يستلزم تخيير المكلف بين الفعل والترك، لأنه لا يمكن أن يكون موجودًا مع الواجب، مثلاً، بينما الرخصة تقتضي التخيير ابتداء بينهما. الترجيح بين العزيمة والرخصة من الرخص ما يكون في مقابلة مشقة لا صبر عليها طبعًا، كالمرض الذي يعجز معه من استيفاء أركان الصلاة على وجهها، أو عن الصوم لخوف فوت النفس، أو لا صبر عليها شرعًا، كالصوم المؤدي إلى عدم القدرة على إتمام أركان الصلاة. وهذا القسم راجع إلى حق الله. فالترخص فيه مطلوب (١) . ومن هنا جاء الحديث الشريف الذي أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما: ((ليس من البر الصيام في السفر)) (٢) . فالرخصة في هذا جارية مجرى العزائم، باعتبار رجوعها إلى أصول كلية ابتدائية. ولذلك قال الفقهاء بوجوب أكل الميتة خوف التلف، وإن لم يفعل كان آثمًا؛ إلا إذا عارضت ذلك مصلحة أخرى راجحة على حفظ النفس، كحفظ الدين مثلا. ومن الرخص ما يكون في مقابلة مشقة، وللمكلف قدرة على الصبر عليها، وهذا راجع إلى حقوق العباد، لينالوا حظا من رفق الله وتيسيره. فالمقام في هذه الحالة الأخذ بالعزيمة وإن تحمل في ذلك مشقة، وله الأخذ بالرخصة؛ أي أن المشرع يهدف إلى تقرير الإذن في طرفي الفعل والترك، وأنهما على السواء في قصده، فلا فرق عنده بين هذه أو تلك. ويتفرع على هذا أن المكلف يكون مخيرًا بين الإتيان بالعزيمة وبين الإتيان بالرخصة، وللترجيح بين الأمرين هناك عدة مرجحات.

стр. 12298

ترجيح العزيمة على الرخصة: أما الأخذ بالعزيمة عند تخيير المكلف، فله مرجحات: أولها: أن العزيمة راجعة إلى أصل في التكليف على مقطوع به ومتفق عليه، وورود الرخصة وإن كان مقطوعًا به لكن سبب الترخص لا تحقق له، لأن مقدار المشقة المباح من أجله الترخص غير منضبط، وكل مجال للظنون لا مجال فيه للقطع، فاقتضى هذا ألا يقدم المكلف احتياطًا على الرخصة مع بقاء احتمال السبب (١) . ثانيها: أن العزيمة راجعة إلى أصل في التكليف كلي، لأنه مطلق عام لجميع المكلفين. والرخصة راجعة إلى جزئي بحسب بعض المكلفين ممن له عذر، وبحسب بعض الأوقات وبعض الأحوال في أهل الأعذار لا في كل وقت، ولا في كل حالة، ولا لكل أحد. فهو كالعارض الطارئ على الأمر الكلي. والقاعدة التي جرى عليها العمل: أنه إذا تعارض أمر كلي وأمر جزئي فالكلي هو المقدم، لأن الجزئي يقتضي مصلحة جزئية، والكلي يقتضي مصلحة كلية، ولا ينخرم نظام العالم بانخرام المصلحة الجزئية، بخلاف ما إذا قدم اعتبار المصلحة الجزئية على المصالح الكلية، فإن النظام يختل باختلالها. وفي هذا السياق فإن العزيمة أمر كلي ثابت لكل مكلف، والرخصة دون ذلك، لأن مشروعيتها أن تكون جزئية، وحيث يتحقق الموجب فالأولى لمن أراد أن ينجو من العهدة الرجوع إلى الكلي، وهو العزيمة (٢) . ثالثها: ما جاء في الشريعة من الأمر بالوقوف مع مقتضى الأمر والنهي مجردًا، والصبر على حلوه ومره، وإن انتقض موجب الرخصة: من ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . فهذا مظنة التخفيف، فأقاموا على الصبر والرجوع إلى الله، فأثنى عليهم بقوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] . ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] وبعد أن ذكر المشهد كاملاً مدح الصابرين على هذا كله بقوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] . فقد مدحهم الله بالصدق والثبات مع حصول الزلزال الشديد والأحوال الشاقة التي بلغت القلوب فيها الحناجر، وهي حالات يدخل بها المكلف في منطقة التخفيف عادة، ولكن أولئك الرجال ثبتوا على الحق، وماتوا عليه، فرفعهم الله بهذا الثبات، وهو يدل على أن الأخذ بالعزيمة يترجح على الأخذ بالرخصة. وأمثال ذلك كثير في مدح الصابرين الثابتين على الامتثال في المواضع التي أجاز الله فيها اتباع الرخص، وسماهم الله صادقين، لأخذهم بالعزيمة دون الرخصة (٣) . رابعها: أن العوارض الطائرة وأشباهها مما يقع للمكلفين من أنواع المشاق هي مما يقصده الشارع في أصل التشريع، وذلك لأن المقصود في أصل التشريع من المشقة ما هو جار على توسط مجاري العادات. وكونه شاقا على بعض الناس أو في بعض الأحوال مما هو علي غير المعتاد، فإن هذه المشقة لا تخرجه تمامًا عن أصل وضعه من أن يكون مقصودًا له، لأن الأمور الجزئية لا تخرم الأصول الكلية، وإنما تستثنى بحسب الحاجيات. والبقاء على الأصل من العزيمة هو المعتمد الأول للمجتهد، والخروج عنه لا يكون إلا لسبب قوي. ولذلك لم يعمل العلماء بمقتضى الرخصة الخاصة بالسفر في غيره كالصنائع الشاقة في الحضر مع وجود المشقة التي هي العلة الحقيقة في مشروعية الرخصة.

стр. 12299

وإذًا لا ينبغي الخروج عن حكم العزيمة مع عوارض المشقات التي لا تطرد ولا تدوم، لأن ذلك أيضا جار في العوائد الدنيوية، ولم يخرجها عن أن تكون عادية. فصار عارض المشقة إذا لم يكن كثيرًا ودائمًا فلا يدعو إلى الخروج عن الأصل (١) . قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦] . فإن المترخص في هذه الأحوال على الإطلاق يكون كالمضاد لما قصده الشارع من تكميل للعزيمة. خامسها: أن الترخص إذا أخذ به في موارده على الإطلاق كان ذريعة إلى انحلال عزائم المكلف في التعبد على الإطلاق، فأما إذا أخذ بالعزيمة كان حريا بالثبات في التعبد والأخذ بالحزم فيه؛ وهذا مشاهد محسوس لا يحتاج إلى إقامة دليل. فإذا اعتاد الترخص صارت كل عزيمة بالنسبة إليه شاقة حرجة، وإذا صارت كذلك لم يقم بها حق قيامها، وطلب الطريق إلى الخروج منها (٢) . ويظهر أن هذه المسائل التي رجح بها الشاطبي الأخذ بالعزائم على الأخذ بالرخص هي في الواقع راجعة إلى مبحث الاحتياط أو الأخذ بالأحوط التي تكون موضع شك المكلف، وهو مبحث أصولي هام، له اتصال بمسائل الحلال والحرام، وقواعد الذرائع والحيل، تناوله ابن حزم في كتابه الإحكام " (٣) . وتعرض إليه ابن القيم في فوائده (٤) كما تعرض إليه بتفصيل الشيخ صالح بن حميد في كتابه " رفع الحرج " وبين فيه كل مجالات الاحتياط، وأفرده بفصل سماه: رفع الحرج والاحتياط (٥) .

стр. 12300

ترجيح الرخصة على العزيمة: يرى فريق من العلماء (١) أنه في حالة رفع الحرج عن المكلف في الأخذ بالعزيمة أو في الأخذ بالرخصة يترجح الأخذ بالرخص للأمور الآتية: أولها: أن أصل العزيمة وإن كان قطعيا فأصل الترخص قطعي أيضا بالإضافة إلى المظنة، حيث وجدت وكيف كانت؛ فإن المشرع قد أجرى الظن في ترتب الأحكام مجرى القطع، فمتى وجد سبب الحكم كان مستحقًا للاعتبار. وقد قام أكثر من دليل قطعي على أن الدلائل الظنية تعامل في فروع الشريعة معاملة الدلائل القطعية، فإن غلبة الظن تنسخ حكم القطع السابق؛ لذلك إذا غلب على ظن الصائد أن موت الصيد بسبب ضرب الصائد وإن أمكن أن يكون بغيره، أو يعين على موته غيره، فالعمل على مقتضى الظن صحيح (٢) . وبهذا الاعتبار يسقط الوجه الأول من مرجحات العزيمة. ثانيها: أن أصل الرخصة وإن كان جزئيًا بالإضافة إلى عزيمتها فذلك غير مؤثر، وإلا لزم أن نقدح فيما أمر به من الترخص؛ بل الجزئي إذا كان مستثنى من كلي فهو معتبر في نفسه، لأنه من باب التخصيص للعموم، أو من باب التقييد للإطلاق. ويصح تخصيص القطعي بالظني، فهذا منه. وقد تقرر أيضا أن الكلي لا ينخرم بانخرام بعض جزئياته، فسقط الوجه الثاني. ثالثها: أن الأدلة على رفع الحرج عن هذه الأمة قد بلغت مبلغ القطع، وأن الأدلة على مشروعية الرخص بلغت كذلك مبلغ القطع، وما دامت الرخصة مباحة وفيها سهولة ويسر ومراعاة لحق العبد والشارع، فهي أولى من العزيمة التي يراعى فيها حق الشارع وحده (٣) .

стр. 12301

رابعها: أن مقصود الشارع من مشروعية الرخصة: الرفق بالمكلف عن تحمل المشاق. فالأخذ بها مطلقًا موافقة لقصده، بخلاف الأخذ بالعزائم فإنه مظنة التشديد والتكلف والتصلب، وقد تقدم ما ورد من وعيد ونهي عن هذه الصفات في كتاب الله وفي سنة نبيه. روي عن ابن عباس في قصة بقرة بني إسرائيل: ((لو ذبحوا بقرة ما لأجزأتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم)) (١) . وفي الحديث ((هلك المتنطعون)) (٢) . ((ونهى ﷺ عن التبتل، وقال: من رغب عن سنتي فليس مني)) (٣) بسبب من عزموا على صيام النهار وقيام الليل واعتزال النساء. خامسها: أن ترك الترخص مع ظن سببه قد يؤدي إلى الانقطاع والسآمة والملل والتنفير من الدخول في العبادة وكراهية العمل وترك الدوام عليه. فالإنسان إذا توهم التشديد أو طلب منه، كره ذلك ومله، وربما عجز عنه في بعض الأوقات، فإذا لم يفتح له باب الرخص، وسد عنه ما سوى ذلك عد الشريعة شاقة، وربما ساء ظنه بما تدل عليه دلائل رفع الحرج، خاصة وقد قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] ألا يكون تجنب العنت مرجحًا للترخص (٤) . ويظهر أن الترجيح لجانب العزيمة أو لجانب الرخصة لا ينبغي أن ينظر فيه إلى ذات العزيمة أو ذات الرخصة، وإنما ينظر فيه إلى المكلفين الذين ستطبق هذه الأحكام عليهم أو سيطبقونها من تلقاء أنفسهم، فينبغي أن لا تخرج عن مرتبتي العزيمة والرخصة، ولكل من المرتبتين في حال مباشرة الأعمال رجال، من قوي منهم خوطب بالتشديد والالتزام بالعزائم، ومن ضعف منهم خوطب بالرخصة (٥) .

стр. 12302

الرخصة أمر اعتباري إضافي: إن الرخص إضافية أي أن كل واحد من المكلفين فقيه نفسه في الأخذ بها أو في عدمه، وبيان ذلك: أولاً: إن الرخص لها أسباب متعددة. وإذا أخذنا من جملة الأسباب المشقة التي تعتبر سببًا هامًا فلا يمكن أن نعتبر المشقة بمثابة واحدة، إذ هي تختلف قوة وضعفًا بحسب الأحوال والأزمان والأعمال والأشخاص والعزائم، فليس من يسافر وحده راجلاً في مفازة وحر شديد كمن يسافر راكبًا في رفقة وأرض مأمونة واعتدال هواء؛ وليس قوي الجسم والشجاع كضعيف الجسم والجبان، وكذا المرضى تختلف أحوالهم وتحملهم وصبرهم، إلى غير ذلك مما لا يمكن ضبطه وتحديده بحدود يصح اطرادها في جميع الناس. لذا أقام الشارع في جملة منها السبب مقام العلة فاعتبر السفر وأقامه مقام المشقة لأنه أقرب مظان وجود المشقة، وترك كثيرًا منها موكولاً إلى الاجتهاد كالمرض، لأن أسباب الرخص ليست داخلة تحت قانون أصلي ولا ضابط محصور، فاعتبر الشارع كل مكلف في الأخذ بالرخص فقيه نفسه (١) . فإن من الناس من يقوى في مرضه على ما لا يقوى عليه الآخر، فتكون الرخصة مشروعة بالنسبة إلى أحد الشخصين دون الآخر. وإذًا ليست أسباب الرخص بداخلة تحت قانون أصلي مطرد، فهو إضافي بالنسبة لكل مكلف. ورب مضطر قد اعتاد الصبر على الجوع والخصاصة فلا تختل قواه ومداركه بفقد الطعام، بل تلحقه المشقة فقط، في حين تختل بفقده حال غيره؛ فهذا يجب عليه الترخص، والأول يكون مخيرًا فيه إذا خلا عن المرجح. ثانيًا: ومما يدل على أن الرخص إضافية ما جاء في وصال الصيام، وقطع الأزمان في العبادات؛ فإن الشارع أمر بالرفق رحمة بالعباد، ثم فعله النبي ﷺ ، علمًا بأن سبب النهي وهو الحرج والمشقة مفقود في حق الأنبياء، ولذلك أخبروا عن أنفسهم أنهم مع وصالهم الصيام لا تصدهم هذه العبادة عن حوائجهم، ولا تقطعهم عن سلوك طريقهم؛ فلا حرج في حقهم، وإنما الحرج في حق من يلحقه الحرج، حتى يصده عن ضروراته وحاجاته. وقد ((نهى رسول الله ﷺ عن صوم الوصال، لما روي أنه كان يواصل الصيام أربعين يومًا، وأراد أصحابه الاقتداء به، فأنكر عليهم ذلك، فقال له رجل: إنك تواصل يا رسول الله، فقال: " وأيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني ")) (٢) . واعتبر هذا الصيام خاصا بالنبي ﷺ . وهذا ما يؤيد أن الرخص إضافية تختلف قوة وضعفًا بحسب الأحوال والأزمان والأشخاص والعزائم. ويشهد لهذا الرأي الذي جعل لكل من المرتبتين رجالاً: ما ثبت من أن الصحابة ﵃ كانوا يسافرون مع النبي ﷺ في رمضان، فمنهم الصائم ومنهم المفطر، فلا يعيب هذا على هذا، وفي رواية مالك عن أنس، قال: ((سافرنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.)) (٣)

стр. 12303

تتبع الرخص وموقف العلماء منه لقد تقدم لنا في أول البحث أن رفع الحرج هو من مقاصد الشريعة الإسلامية، وأن الشرع لم يأت بما يشق أو يعنت، بل شرع من الأحكام الأصلية والرخص ما يتناسب مع أحوال المكلفين، وأن المشقة التي تستوجب الرخص ليست هي المشقة المعتادة المألوفة، وإنما هي المشقة غير المعتادة التي تشوش على النفوس في تصرفها – كما يقول الشاطبي – ويقلقها هذا العمل بما فيه من هذه المشقة (١) . ورفع الحرج أو اليسر في الإسلام وإن كان شاملاً لجميع أحكام الشريعة، وفي كافة مجالاتها إلا أنه ليس غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة واقعة في طريق الامتثال لأوامر الله، تعين على تحقيق الغاية. فالإسلام هو الاستسلام لأوامر الله، والانصياع لشرعه، وتحقيق مراد الشرع كذلك، من جلب المصالح ودرء المفاسد، فإن المقصد العام من التشريع هو حفظ نظام العالم، واستدامة صلاحه بصلاح المستخلفين فيه، وفي عقيدتهم، وعبادتهم، وكافة شؤون حياتهم، وما بين أيديهم من موجودات العالم الذي يعيشون فيه. فالذي يتلمس التخفيفات ويتتبع مواطن الرخص ورفع الحرج بعيدًا عن الغاية الحقيقية من تمام العبودية وخالص الخضوع والطاعة لله وحده والسعي في جلب المصالح ودرء المفاسد، وغايته أن يأخذ بالسهل من الأمور الذي قد يؤدي إلى الانسلاخ من الأحكام والابتعاد عن الشرع، والتهاون بمسائل الحلال والحرام في المطاعم والمشارب والمعاملات، مدعيًا أن لا حرج في الدين، فقد أخطأ وضل السبيل، لأنه لا يجوز أن تنقلب الوسائل غايات أو تتغلب الوسائل على الغايات (٢) . ولا شك أن الرخص المباحة المتفق على صحتها، وسلامتها من التهاون والتلاعب وسوء النية أو الجهل وعدم التحري، هي مخارج من الحرج، ورخص تفضل الله بها على عباده للتخفيف عنهم من مشقة التكاليف وقت الاحتياج لذلك، وإزالة الحرج عنهم في الدين تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .

стр. 12304

أما الرخص المختلف فيها فيمكن الأخذ بها عند الضرورة والحرج الشديد إن ترجح دليلها وتساوى مع دليل بطلانها، خصوصًا للمضطر المحرج، فيجوز الإفتاء بها له لإخراجه من الضيق والحرج، ولإبقاء حرمة الدين في نفسه. وهذا مقصد هام من مقاصد الشرع وهو المحافظة على حرمة الدين في نفوس الناس. فينبغي أن يكون عند المسلم من الموانع ما يثنيه عن الإقدام على مواطن الرخص، والأخذ بالأيسر في كل مسألة. فإن هذا يوشك أن يتخذ آيات الله هزؤًا. قال سليمان التميمي لمن سأله في هذا الباب: " إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله ". قال ابن عبد البر: " هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا " (١) . وقال الشاطبي: " وهذا مما لا خلاف فيه بين المسلمين ممن يعتد بهم في الإجماع، أنه لا يجوز ولا يسوغ لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحق الذي يعتقد أنه حق، رضي بذلك من رضيه وسخطه من سخطه. وإنما المفتي مخبر عن الله تعالى في حكمه، فلا يخبر عنه إلا بما يعتقد أنه حكم به أو أوجبه، والله تعالى يقول لنبيه ﵊: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] . فكيف يجوز لهذا المفتي أن يفتي بما يشتهي، أو بما يرضي المستفتي؟ (٢) . وهذا الكلام وما سبقه يدل على أن تتبع الرخص قد يحصل من الشخص نفسه، وقد يحصل من المفتي الذي لا يتقصى مقاصد من يستفتيه، فيبدي له في كل قضية أيسر ما قيل به فيها، وفي هذا وذلك نوع من التحيل على الشرع؛ وقد اتفق العلماء على حرمته. وقد أعطى ابن قيم الجوزية قضية الحيل الشرعية حقها من البيان في كتابه " إعلام الموقعين " وأنهى كتابه بإرشادات قيمة وفوائد جليلة تتعلق بالإفتاء والمفتين وقال في الفائدة التاسعة والثلاثين: " لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق وحرم استفتاؤه". فإن حسن قصده في تخريج جائز لا شبهة فيه ولا مفسدة، لتخليص المستفتي بها من حرج، جاز ذلك، بل استحب. وقد أرشد الله تعالى نبيه أيوب إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثًا (قبضة ريحان أو قضبان) فيضرب بها المرأة ضربة واحدة. وأرشد النبي ﷺ إلى بيع التمر بدراهم ثم يشتري بالدراهم تمرًا آخر فيتخلص من الربا.

стр. 12305

فأحسن المخارج ما خلص من المآثم، وأقبح الحيل ما أوقع في المحارم أو أسقط ما أوجبه الله ورسوله من الحق اللازم (١) . ونقلوا عن الإمام أحمد، أنه قال: لو أن رجلاً عمل بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة، كان فاسقًا (٢) . كما نقلوا عن إسماعيل القاضي أنه قال: دخلت على المعتضد فرفع إلي كتابًا لأنظر فيه، وقد جمع فيه صاحبه الرخص من زلل العلماء، وما احتج له كل منهم. فقلت: مصنف هذا الكتاب زنديق. فقال: ألم تصح هذه الأحاديث؟ قلت: من أباح المسكر لم يبح المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح الغناء والمسكر. وما من عالم إلا وله زلة. ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه (٣) . وبهذا نرى أن للرخص مقاصد وأهدافًا، هي: التخفيف ونفي الحرج في الدين. وقد شرعت لأجل ما يطرأ على المكلف من عجز أو مشقة يتعذر عليه معها الإتيان بالأحكام الأصلية بسهولة ويسر، فينتقل إلى الأحكام التي شرعت لأهل الأعذار. فهذه مجالات الرخص. ويتبين أن الإغراق في تتبع الرخص، والأخذ بالأقوال الضعيفة من كل مذهب، دون تفريق بين غثها وسمينها، ودون نظر إلى ما فوت مقصد الشارع منها وما لم يفوته وبدون تقيد بالنيات والمقاصد التي هي روح العمل الخالص لوجه الله، في شأنه أن يؤدي إلى إلغاء الشريعة ونقضها بالتحيل عن طريق تتبع الرخص. فإن كل ممنوع يمكن التحيل عليه لإخراجه في صورة الجائز، وهذا ما لا يمكن السماح به. إن تتبع الرخص يمكن أن يرادف في بعض الأحيان ما تعارف الفقهاء على تسميته بالحيل. لأن الرخصة إذا وجد سببها، سواء كان ضرورة أو مشقة أو مرضًا أو غير ذلك، فهي مشروعة لا تتقيد بعدد ولا مكان أو زمان. فإذا سافر المكلف مثلاً في رمضان قصد الإفطار مدة الصيام، والقضاء بعد ذلك في المدة التي تناسبه، فهذا لا يعتبر صاحب مشقة، وإنما يعتبر فارًا من أداء رمضان في وقته، وقد اتخذ السفر ذريعة للإفطار، وحيلة لعدم القيام بهذا الواجب في وقته. ومذهب الإمام مالك صريح بأن السفر المبيح للإفطار في رمضان إنما هو سفر الطاعة، وهذا السفر ليس بسفر طاعة، فلا يجوز به الفطر في رمضان، فهو من التحيل الممنوع الذي أريد به إخراجه في صورة الجائز، إذ هو يؤدي إلى إلغاء الشريعة ونقضها (٤) .

стр. 12306

وإذا قلد المكلف بعض أقوال من المذهب الحنفي التي تبيح شرب نبيذ غير العنب فهذا لا يسمى اصطلاحًا رخصة، ولكنه تخير المقلد من أحكام المذاهب ما فيه سهولة تبيح له ما كان ممنوعًا في مذهبه. قال الشاطبي: فإذا تسبب المكلف في إسقاط ذلك الوجوب عن نفسه، أو في إباحة ذلك المحرم عليه، بوجه من الوجوه، حتى يصير ذلك الواجب غير واجب في الظاهر، والمحرم حلالاً في الظاهر، فهذا التسبب يسمى حيلة وتحيلاً. كما لو دخل في وقت صلاة عليه في الحضر، فإنها تجب عليه أربعًا، فأراد أن يتسبب في إسقاطها كلها، بشرب خمر أو دواء مسبت، حتى يخرج وقتها وهو فاقد لعقله كالمغمى عليه (١) ، أو أراد أن يسقط بعضها اثنتين، بإحداث سفر قصر. ولهذا اعتبر الفقهاء أن تتبع الرخص مما يتنافى مع مقصد الشارع من شرع التخفيف عمومًا، والرخص بصفة خاصة، ولا يكون ذلك إلا من ضعيف الإيمان، غير المتفهم لمقاصد الشريعة وأهدافها ومراميها. لأن التذبذب بين المذاهب للأخذ من كل مذهب أسهله وأيسره أو تخفيفه أو ترخيصه؛ كل ذلك يعتبر عبثًا في الدين، لا يقره دين الله الذي جاء لمصلحة العباد في المعاش والمعاد (٢) . وقال الإمام الشاطبي: فإذا صار المكلف في كل مسألة عنت له يتبع رخص المذاهب، وكل قول فيها وافق هواه، فقد خلع ربقة التقوى، وتمادى في متابعة الهوى، ونقض ما أبرمه الشارع وأخر ما قدمه (٣) . وهكذا رأينا أن الحيل وتتبع الرخص التي قامت على هدم أصل شرعي، أو نقض مصلحة شرعية، قد ذمها علماء الدين قاطبة، وإن يكن بينهم خلاف فيها فإنما هو في مدى انطباق ضابط ما يحرم من الحيل على مسائلها، وفي أنها إذا وقعت تكون نافذة أم لا مع القول بالتحريم في حال النفاذ. ويمكن القول على وجه كلي، بأن الكل قائل بالتحريم. وأن مالكًا وأحمد يضمان إبطال الحيل في أحكام الدنيا، وأن أبا حنيفة والشافعي وإن قالا بالتحريم فذلك لا يلتزم الإبطال وعدم النفاذ دائمًا. فالخلاف بين الفريقين في دائرة ضيقة هي نفاذ هذه التصرفات في أحكام الدنيا ظاهرًا، على ما يقول الحنفية والشافعية، أو إبطالها وعدم نفاذها على ما يقوله المالكية والحنابلة. ولهذا قال ابن تيمية في إقامة الدليل: ولا يجوز أن تنسب هذه الحيل إلى أحد من الأئمة، ومن نسبها إلى أحد منهم فهو جاهل بأصولهم ومقاديرهم ومنزلتهم في الإسلام.

стр. 12307

ولا يخفى أن فريقًا من الفقهاء أطلق لفظ الحيل على كل ما يحتال به توصلاً إلى مقصد، سواء كان مرغوبًا عنه في الشريعة الإسلامية أو مرغوبًا فيه. فالأول هو الاحتيال على الشريعة المؤدي إلى تعطيلها، بإسقاط حقوق الله تعالى، أو إضاعة حقوق عباده. والثاني هو التوسل بالطرق المشروعة للتخلص من الحرام، والتوصل إلى الحلال. ومنع الفريق الثاني من العلماء هذا الإطلاق على مطلق النوعين، وجعل كل منهما اسمًا، دلالة على اختلاف المدلول باختلاف الدال. وأحسن عنوان للمرغوب عنه لفظ الحيل، وللمرغوب فيه لفظ المخارج. وضابط التفرقة بينهما: إن كل ما يتوسل به المرء لتطبيق الأحكام الفقهية تطبيقًا صوريًا غير حقيقي، يستلزم إغفال العلة التي بني عليها الحكم، وضياع حكمته الشرعية، فرارًا من أداء التكليف الشرعي، أو توصلاً إلى إبطال حقوق العباد الشرعية وقلبها ظهرًا لبطن. فهو من النوع المرغوب عنه، المسمى بالحيل. وإن كل ما يتذرع به الإنسان للتخلص من الحرام، والتواصل إلى الحلال بمسوغ دفع الضرر وسد الذرائع أو جلب المصالح، بشرط الاحتفاظ بكيان الشرع، والمصلحة التي بني عليها الحكم، وحكمة تشريعه، صونًا لحقوق الله تعالى وحقوق عباده، فهو من النوع المرغوب فيه، المسمى بالمخارج الشرعية التي شرعها الله لعباده (١) . التلفيق ورأي الأصوليين والفقهاء فيه التلفيق في اللغة: في لسان العرب (٢) وفي الصحاح وأساس البلاغة: لفق الثوب، من باب ضرب يلفقه لفقا، وهو أن يضم شقة إلى أخرى، فيخيطها، وتستعمل بمعنى الملاءمة. إذا لاءمت بينهما بالخياطة، بضم إحداهما إلى الأخرى. وأحاديث ملفقة أي أكاذيب مزخرفة، واللفاق الذي لا يدرك ما يطلب، ولفق الصقر إذا أرسل فلم يصطد، أما لفق بالكسر فمعناه: أصاب وأخذ وهو أيضا بمعنى طفق. وفي اصطلاح الفقهاء يستعمل الفقهاء التلفيق بمعنى الضم، كما في المرأة التي انقطع دمها، فرأت يوما دما ويوما نقاء أو يومين، بحيث لا يجاوز التقطع خمسة عشر يوما عند غير الأكثرين، وهو الأظهر عند الشافعية (٣)

стр. 12308

وكإدراك الجمعة بركعة ملفقة وهو ما يراه الشافعية والحنابلة " أن الجمعة تدرك بركعة ملفقة من ركوع الأولى وسجود الثانية. وقد ذكر الشافعية ذلك في المزحوم الذي لم يتمكن من السجود في الركعة الأولى حتى شرع الإمام في ركوع الركعة الثانية من الجمعة، فقد ذكروا أن المزحوم يراعي نظم صلاة نفسه، في قول، فيسجد الآن ويحسب ركوعه الأول في الأصح، لأنه أقر به في وقته (١) . وكالتلفيق في مسافة القصر لمن كان بعض سفره في البحر وبعضه في البر يرى المالكية على القول الذي لا يفرق بين السفر في البحر والسفر في البر في اعتبار المسافة، إنه إذا سافر وكان بعض سفره في البر وبعضه في البحر فإنه يلفق. أي يضم مسافة أحدهما لمسافة الآخر مطلقا، من غير تفصيل. وجاء في الزرقاني أنه: يلفق بين مسافة البر ومسافة البحر إذا كان السير في البحر بمجداف، أو به وبالريح، فإذا كان يسير فيه بالريح فقط لم يقصر في المسافة المتقدمة وهي دون مسافة قصر، فلا تليق (٢) . ولم يفرق الشافعية وكذلك الحنابلة، على الصحيح في المذهب عندهم، في مسافة القصر بين البر والبحر، بل لو سار في البحر وقطع تلك المسافة في لحظة فإنه يقصر (٣) . وعند الحنفية لا يعتبر السير في البر بالسير في البحر، ولا السير في البحر بالسير في البر، وإنما يعتبر كل موضع منهما بما يليق بحاله. والمختار للفتوى عندهم أن ينظر كم تسير السفينة في ثلاثة أيام ولياليها إذا كانت الرياح مستوية معتدلة، فيجعل ذلك هو المقدر لأنه يليق بحاله (٤) . وقال الفقهاء: إن من حلف ألا يدخل على أهله شهرا وكان الشهر تسعا وعشرين ثم دخل. فإن كان حلفه في غرة الشهر لا يحنث اتفاقا، وإذا كان حلفه في أثناء الشهر هل يجب تلفيق الشهر ثلاثين، أو يكتفي بتسع وعشرين؟ الجمهور على وجوب التلفيق (٥) .

стр. 12309

في مختصر خليل وشرحه الكبير في كفارة اليمين: لا تجزئ الكفارة حال كونها ملفقة من نوعين فأكثر، كإطعام مع كسوة، وأما من صنفي نوع فيجزي في الطعام، فيجوز تلفيقا من الأمداد والأرطال والشبع (١) . وعلى هذا المنهج استعمل الفقهاء كلمة التلفيق فقالوا: التلفيق في التقليد، وقالوا: المسألة الملفقة، أو تلفيق في الاجتهاد، وقالوا: التلفيق في التشريع. الأول: التلفيق في الاجتهاد: التلفيق في الاجتهاد، ويسمى: الاجتهاد المركب: هو أن يجتهد اثنان أو أكثر في موضوع، فيكون لهم فيه قولان، ثم يأتي من بعدهم من يجتهد في الموضوع نفسه، ويؤدي اجتهاده إلى الأخذ من كل قول ببعضه، ويكون مجموع ذلك مذهبه في الموضوع، فيكون اجتهاده هذا اجتهادا مركبا بالنظر إلى ما سبقه من اجتهاد. ويمكن أن يتحقق ذلك في كثير من الصور منها: ١- ما إذا اختلف الصحابة أو مجتهدو عصر في مسألة على قولين أو على أقوال، وانقرض العصر وهم على ذلك، فهل يجوز لمن يأتي بعدهم من المجتهدين إحداث قول ثالث؟ أو قول جديد؟ ٢- ما إذا اختلف الصحابة أو مجتهدو عصر في مسألتين على قولين. فهل لمن يجتهد بعدهم أن يأخذ في إحدى المسألتين بقول طائفة، وفي المسألة الأخرى بقول الطائفة الأخرى، أو لا يجوز؟ وقد ذكر الغزالي (٢) في المستصفى محل الخلاف في المسألة الأولى، فقال: إن صورة المسألة المختلف فيها: أن يعرف أن مجتهدي العصر جميعا قد تكلموا في المسألة واختلفوا فيها. أما مجرد نقل الأقوال من عصر من العصور فإنه لا يكون مانعا من إحداث قول ثالث، لأننا لا نعلم هل تكلم الجميع فيها أو لا. ومتى كان تحرير محل الخلاف في المسألة على الوضع فقد أصبح الأمر هينا جدا، إذ من العسير أن يتوصل إلى ذلك، وخاصة فيما بعد عصر الصحابة.

стр. 12310

أما الأصوليون من الأحناف فقد تناولوا المسألة الأولى وحدها ولم يتناولوا المسألة الثانية كما صنع شمس الأئمة السرخسي في أصوله، وأبو البركات النسفي في المنار، وغيره، وذهبوا إلى منع إحداث القول الثالث مطلقا. وقالوا: إن الأصل هو أن السكوت يدل على الوفاق وينعقد به الإجماع. وعلى هذا الأصل تتخرج المسألة. فإذا اختلف مجتهدو عصر على قولين أو أقوال، فقد أجمعوا على حصر الأقوال في المسألة، وفي ما عداها، فإحداث قول ثالث أو جديد فيها يكون خرقا للإجماع السابق. قال السرخسي: ومن هذا الجنس ما إذا اختلفوا في حادثة على أقاويل محصورة، فإن المذهب عندنا أن هذا يكون دليل الإجماع منهم على أنه لا قول في هذه الحادثة سوى هذه الأقاويل، حتى ليس لأحد أن يحدث قولا آخر برأيه. وعند بعضهم هذا من باب السكوت الذي هو محتمل أيضا. فكما لا يدل على نفي الخلاف لا يدل على نفي قول آخر في الحادثة. فإن ذلك نوع تعيين لا يثبت بالمحتمل (١) .... أما صاحب المنار فيقول: " والأمة إذا اختلفوا في مسألة على أقوال في أي عصر كان، كان إجماعا منهم على أن ما عداها باطل، ولا يجوز لمن بعدهم إحداث قول آخر، كما في الحامل المتوفى عنها زوجها. وقيل تعتد بعدة الحامل، وقيل بأبعد الأجلين، وقيل هذا في الصحابة خاصة، فإنهم إن اختلفوا على قولين كان إجماعا منهم على بطلان القول الثالث. والحق أن بطلان القول الثالث مطلق، يجري في اختلاف كل عصر " (٢) . وقد رد هؤلاء على من ذهب إلى جواز ذلك استنادا إلى أن هذا سكوت عن غير ما أبدوه. فلا يكون إجماعا. كما ردوا على من قال إن الاختلاف في المسألة دليل على أنها مسألة اجتهادية فيسوغ الاجتهاد فيها. أما أبو إسحاق الشيرازي الشافعي (٣) فقد أورد المسألتين منفصلتين، وجعل وضع كل منهما في اختلاف الصحابة وحده، وقال في الأولى بالمنع، ورد على من ذهبوا إلى الجواز. وقال في المسألة الثانية أنه لم يصرح المختلفون بالتسوية بين المسألتين جاز للتابع أن يأخذ في إحدى المسألتين بقول طائفة وفي الأخرى بقول الطائفة الأخرى، وقال: إن من الناس من زعم أن هذا إحداث قول ثالث، وهذا خطأ، لأنه وافق في كل واحدة من المسالتين فريقا من الصحابة.

стр. 12311

وقد ذكر الفخر الرازي المسألتين منفصلتين في المحصول، ونقل القول فيهما بالجواز، والقول بالمنع مطلقا – وهو رأي أكثر المحققين – وقال: إن الحق هو التفصيل، وقد أطال في بيان هذا التفصيل، وخلاصته (١) : إن الحكم المختلف فيه، إما أن يكون متعلقا بمحل واحد، أو متعلقا بأكثر من محل، وبين المحلات ارتباط، وأحد القولين هو ثبوت الحكم في أحد المحلين وعدم ثبوته في المحل الأخر، والقول الثاني بعكسه، أو متعلقا بأكثر من محل، وأحد القولين ثبوت الحكم في المحلين، والقول الآخر عدم ثبوته فيهما، أو متعلقا بأكثر من محل، وأحد القولين ثبوت الحكم في محل وعدم ثبوته في المحل الآخر، والقول الثاني هو ثبوت الحكم في كل من المحلين، أو عدم ثبوته فيهما، ويمثل هذا التفصيل تقدم صدر الشريعة في التنقيح والتوضيح (٢) . ومن أمثلة الحكم المختلف فيه، المتعلق بمحل واحد: ١- ميراث الجد مع الإخوة. اختلف فيه على قولين: أحدهما أن له الميراث وحده، والثاني إنه يقاسم الإخوة. والقولان مشتركان في أمر واحد حقيقي شرعي مجمع عليه، وهو ميراث الجد وعدم حجبه بهم، فالقول بحجبه بهم، إبطال لما أجمعوا عليه. ٢- امرأة الغائب إذا أخبرت بوفاة زوجها، فتزوجت بآخر وولدت منه، ثم ظهر زوجها الأول. قال أبو حنيفة يثبت نسبه من الأول. الشافعي: يثبت نسبه من الثاني. فالقول بعدم ثبوت نسبه منهما، أو بثبوت نسبه منهما مخالف لما أجمع عليه من ثبوت نسبه من أحدهما. ومن أمثلة الحال الأولى من أحوال تعدد المحل: احتجام المتوضئ ومسه المرأة بلا شهوة، وقال أبو حنيفة ينتقض وضوؤه بالاحتجام ولا ينتقض بالمس، وقال الشافعي بالعكس، فالقول بعدم الانتقاض بهما، أو القول بالانتقاض بهما قول ثالث ليس فيه إبطال لحكم شرعي مجمع عليه، وهو موافق لكل من المذهبين في حكم، واتفاق القولين على افتراق الحجامة والمس ليس اتفاقا على أمر شرعي، وإن قيل: إن القولين قد اتفقا على بطلان الطهارة، وعدم جواز الصلاة ممن احتجم ومس المرأة، قيل له: إنه إجماع مركب، إذ فيه الاتفاق على الحكم مع الاختلاف في العلة، فلا تجوز عند الحنفية للاحتجام، وعند الشافعي للمس، فكل من الحكمين منفصل عن الآخر، لا تعلق له به. ومن أمثلة الحال الثانية من أحوال هذا التعدد: ميراث الأم مع الأب وأحد الزوجين. فقد اختلف في قدره، فقيل: للأم ثلث الكل قبل فرض أحد الزوجين، وهو قول ابن عباس. وقيل: إن لها ثلث الباقي بعد هذا الفرض، وهو قول عامة الصحابة. فالقول بأن للأم ثلث الكل مع الزوج، وثلث الباقي مع الزوجة، قول ثالث، وهو قول ابن سيرين. والقول بأن لها ثلث الباقي مع الزوج وثلث الكل مع الزوجة قول ثالث أيضا، وهو قول شريح. ومن أمثلة الحال الثالثة من أحوال هذا التعدد: الصلاة في جوف الكعبة. اختلف فيها. فقال الشافعي بجواز النفل دون الفرض، وقال أبو حنيفة بجوازهما. فجواز النفل حكم مجمع عليه، فالقول بعدم جوازهما أو بجواز الفرض دون النفل – مخالف لحكم مجمع عليه، وهو جواز النفل.

стр. 12312

ومن كل ما سبق تتلخص لنا الأمور الآتية: أولا: إن المسألتين الأصوليتين السابقتين سواء أبقيتا منفصلتين أم جعلتا مسألة واحدة، هما محل اختلاف بين العلماء. فقالت طائفة فيهما بالجواز مطلقا، وقالت طائفة بالمنع مطلقا، وقالت طائفة بالتفصيل الذي سبق بيانه. ثانيا: إن المانعين بإطلاق استندوا إلى أن سكوت المجتهدين المختلفين يكون إجماعا منهم على نفي ما لم يقولوا به، وإن المفصلين استندوا في الحالات التي قالوا فيها بالمنع إلى إجماع المختلفين على حكم مشترك ناشئ عن أقوالهم، وكل من هذين الإجماعين لا يمكن القول بحصوله إلا إذا عرف أن كل مجتهدي العصر قد خاضوا في الموضوع واختلفوا فيه. أما مجرد نقل أقوال لبعضهم فلا يدل على تحقق أي من الإجماعين. ثالثا: إذا تعددت محال الحكم المختلف فيه لا ينظر إلا إلى الحكم المشترك بين القولين أو الأقوال. فلا ينظر إلى ما يسمونه الحقيقة المركبة التي تجمع محال الحكم، كالطهارة أو الصلاة ممن احتجم أو مس المرأة التي يطلق عليها الحنفية في كتب الفقه الفصلين الاجتهاديين (١) . الثاني: التلفيق في التقليد: ما دام الحديث في هذا المسألة عن التلفيق في التقليد، كان من الواجب أن أبين من هو المقلد والمستفتي في اصطلاح الأصوليين والفقهاء، حتى يسهل بعد ذلك الحديث عن التلفيق في التقليد. والمقلد هو العامي الصرف، أو من له نظر وبصر بالمذاهب، غير أنه لم يبلغ مرتبة الاجتهاد فيجب عليهما تقليد مجتهدين، واجتهاد المجتهد بالنظر لهما كالأدلة الإجمالية بالنسبة للمجتهد. والعامي الصرف لا يصح له مذهب ولو تمذهب به، ومذهبه في كل نازلة هو مذهب من أفتاه فيها. أما من كان له نوع بصر بالمذاهب، وتأهل للنظر والاستدلال فيه، فإنه إذا تمذهب بمذهب إمام بعينه، فمعنى ذلك أنه متبع له في العلم والمعرفة والاستدلال في العمل إذا ما دعت إليه الحاجة.

стр. 12313

ومن التزم بمذهب إمام بعينه فالأصح أنه لا يلزمه، لأن التزامه به غير ملزم، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولم يوجب الله ورسوله ﷺ على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأمة فيقلده في دينه في كل ما يأتي ويذر دون غيره. وإذا التزم بمذهب معين فله الانتقال عنه كلية إلى مذهب آخر، وله أن ينتقل منه في بعض الأحكام في آحاد المسائل. أما أهل الاجتهاد المقيد، فيجب عليهم تقليد أهل الاجتهاد المطلق في أصول مذاهبهم فقط، دون الفروع. وأهل الاجتهاد المطلق لا يجوز لهم تقليد غيرهم مطلقا، وإنما الواجب عليهم العمل باجتهادهم (١) . وقد نقل الثقات عن عدد عظيم من العلماء أنهم تحولوا من المذاهب التي كانوا يقلدونها إلى غيرها. كما نقلوا عن غيرهم أنهم ما كانوا يلتزمون مذهبا معينا فيما يؤلفون من الكتب الفقهية وفي إفتاء العامة، وهؤلاء كانوا خلقا كثيرا في عصور مختلفة، ولم ينكر عليهم أحد تحولهم أو عدم التزامهم بمذهب معين. ثم ما زال عوام كل عصر يقلد أحدهم هذا المذهب في مسألة والآخر في أخرى والثالث في ثالثة، وكذلك إلى ما لا يحصى، ولم ينقل إنكار ذلك عليهم، ولم يؤمروا بتحري الأعلم والأفضل في نظرهم. التلفيق في التقليد على ضربين: الأول: تلفيق بين الأحكام الكلية للعمل والمعرفة والاطمئنان إلى الأرجحية، من غير نظر إلى جزئيات تلك الأحكام وما يمكن أن يترتب على العمل بها في النوازل المختلفة. والظاهر أن هذا النوع من التخيير والتقليد جائز، ولا أثر لخلاف معتبر فيه. وصورته أن من كان مقلدا لأبي حنيفة مثلا وتزوج بلا ولي، ثم رجع عن تقليده في أحكام الأنكحة وقلد الشافعي من غير نظر إلى هذه الجزئية، بقي زواجه صحيحا ولا يحتاج إلى تجديد، ويعمل بأحكام الشافعي حال بقاء هذه الزوجية، وإن بقيت آثار العقد التي تمنع من التقليد. فالممنوع هو الرجوع عن المذهب في خصوص الجزئية التي قلد فيها مع إرادة الاستمرار على العمل بالآثار. أما لو رجع عنه إلى غيره من غير ملاحظة تلك المسألة بخصوصها لم يمتنع الاستمرار على الآثار، وإذا أدى إلى تلفيق لم يكن قادحا.

стр. 12314

الثاني: التخيير والتلفيق للعمل به في نازلة معينة، وهو النوع الذي تكلموا في منعه، والفقهاء في هذا النوع على مذاهب. فالمجيزون للتلفيق في التقليد يشترطون شروطا ثلاثة لهذا الجواز: ١- ألا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع، كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بها أحد (١) وهذا ما قاله جمهور الفقهاء. ٢- أن لا يكون موقعا في أمر يجتمع على إبطاله الإمام الذي كان على مذهبه، والإمام الذي انتقل إليه (٢) ، وهذا الشرط نقله ابن الهمام عن القرافي، واعتمد عليه في تحريره. ٣- أن لا يلفق بين قولين تتولد منهما حقيقة واحدة مركبة لا يقول بها كل من الإمامين، وصورته أن من قلد الشافعي رحمه الله تعالى في عدم فرضية الدلك للأعضاء المغسولة في الوضوء الغسل، وقلد مالكا في عدم نقض اللمس بلا شهوة للوضوء، فتوضأ ولمس بلا شهوة وصلى، إن كان الوضوء بدلك صحت صلاته عند مالك رحمه الله تعالى وإن كان بلا دلك بطلت عند مالك والشافعي (٣) . وقال جماعة: هذا الشرط لا تنهض به حجة، فإن المقلد لم يقلد كلا منهما في مجموع عمله، وإنما قلد كلا منهما في مسألة معينة غير التي قلد فيها غيره. ولا حرج في هذا. ومجموع العمل لم يوجب أحد النظر إليه، لا في اجتهاد ولا في تقليد، وإنما هو اختراع لحكم شرعي ممن ليس أهلا للقول به، ولله سبحانه خطابه، ولكل خطاب أثره في محله، والمجتهدون قد اختلفوا في كل حكم مختلف فيه على حدة، وقد جرى الناس منذ كان الاجتهاد على تقليد مجتهد في حكم، ومجتهد ثان في غيره، ومجتهد ثالث في حكم آخر، من غير نظر إلى العمل الذي يجمع مسائل الاختلاف. فما ذهبوا إليه ليس إلا إحداثا لأمر في دين الله. وبعضهم اشترط أن لا يتبع الرخص ويلتقطها. وهذا الشرط وإن اعتبره الإمام النووي وغيره، فإن ابن الهمام وغيره: لم يعتبروه ولم يلتفتوا إليه. وذكر ابن الهمام أن المقلد لا يجوز له أن يتبع غير مذهبه في غير ما عمل به. أما إذا عمل بمذهبه في أي قضية ما، فلا يجوز أن يقلد غيره فيها (٤) . فالقول بعدم جواز هذا ليس من أجل التلفيق وحده، بل بسبب الرجوع عما قلد فيه بعد العمل به. أما إذا لم يعمل بالقولين معا، بل عمل بهما على التعاقب ولا أثر للقول، لم يكن هذا من التلفيق، وإنما يكون رجوعا عما عمل به. فمن قلد أبا حنيفة في صحة الزواج بلا ولي، ثم طلق هذه الزوجة ثلاثا فعمد إلى تقليد الشافعي في بطلان هذا الزواج، وأن الطلاق لم يصادف محلا، وقد عقد عليها عقدا جديدا، لا يكون عاملا بالقولين معا، بل عمل بالأول ثم رجع عنه مع بقاء أثره، فالقول بعدم جواز هذا ليس من أجل التلفيق وحده، بل بسبب الرجوع عما قلد فيه بعد العمل، مع بقاء أثره.

стр. 12315

وإذا عمل بالقولين معا في حادثتين، لم يكن هذا من التلفيق الممنوع في شيء، كمن طلق امرأته ثلاثا بلفظ واحد فأفتاه مفت بأنها بائنة منه بينونة كبرى، فأمضي ذلك وفارقها، ثم طلق أخرى ثلاثا بلفظ واحد، فأفتاه آخر بأنه طلاق رجعي فراجعها وأمسكها، يكون له امرأتان قد قال لهما قولا واحدا ومع هذا تحل له إحداهما وتحرم عليه الأخرى، ولكن هذا ليس من التلفيق القادح لتعدد النازلة. والذين أجازوا التلفيق قالوا: لابد من بقاء الخلاف قائما فيهما حين العمل في الحادثة. والذي يرفع الخلاف في الحادثة هو حكم الحاكم المستوفي شرطه إذا كان في مسألة اجتهادية، فيكون واجب النفاذ عندئذ، ومثال ذلك إن الرجل إذا قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق ثلاثا، ثم تزوجها، ورفع الأمر إلى قاض حنفي أو مالكي فقضى بصحة هذا التعليق وبطلاقها منه ثلاثا، كان قضاؤه رافعا للخلاف في هذا العقد، وليس لأحد نقضه. لكنه لو عقد عليها نفسها بعد ذلك عقدا جديدا، وكان هذا الزواج مختلفا فيه، فلا يرجع هذا الخلاف إلى القضاء الأول، لأنه في نكاح آخر، فلو رفع إلى شافعي فقضى بصحته، كان قضاؤه صحيحا. وكذلك لو رضع كبير من امرأة ثم تزوج بنتها نسبا أو بنتها من الرضاع ورفع الأمر إلى من يرى الحرمة بهذه الرضاعة، فقضى بينهما بالتفريق ولم يقض بتأبيد الحرمة، كان قضاؤه رافعا للخلاف في هذا العقد وحده دون غيره. فلو أنه عقد عليها ثانيا، ورفع الأمر إلى من لا يرى الحرمة بهذه الرضاعة، وقضى بصحة الزواج صح قضاؤه، ولا يمنعه القضاء الأول، إذ أنه كان في نكاح غير هذا النكاح (١) . ومن المجيزين للتقليد يحيي الزناتي. قال القرافي (٢) نقلا عن الزناتي: يجوز تقليد المذاهب في النوازل، والانتقال من مذهب إلى مذهب، بثلاثة شروط لا تختلف كثيرا عن الشروط التي ذكرناها قبل قليل في هذا الفصل نفسه، وهي: ١- أن لا يجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع. ٢- أن يعتقد فيمن يقلده الفضل بوصول أخباره إليه، ولا يقلد أميا في عماية. ٣- أن لا يتتبع رخص المذاهب. ثم قال القرافي وغيره: يجوز تقليد المذاهب، والانتقال إليها في كل مالا ينقض فيه حكم الحاكم، وهو أربعة: (١) ما خالف الإجماع. (٢) والقواعد. (٣) والنص. (٤) والقياس الجلي. والذي يفهم من كلام المانعين أنهم تارة يمنعون التلفيق كلية. قال ابن حجر الهيثمي في تحفة المحتاج: إن ما قاله الآمدي وابن الحاجب من أن من عمل في مسألة بقول إمام لا يجوز له العمل فيها بقول غيره اتفاقا. ويظهر أن هذا الاتفاق إنما هو في صورة ما إذا بقى من آثار العمل الأول في ما يلزم عليه مع الثاني تركيب حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين. كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس، ومالك في طهارة الكلب، في صلاة واحدة (٣) . أما إذا كان التركيب في قضيتين، فالذي يظهر إن ذلك غير قادح في التقليد.

стр. 12316

وحاصل القول: إن بطلان الرجوع عن التقليد بعد العمل، ليس بمتفق عليه، بل فيه خلاف. وإن التزام مذهب معين ليس بلازم. فقد ذكر الزركشي مذاهب العلماء في هذه المسألة، فقال: هل يجب على العامي التزام التقليد مذهبا معينا في كل واقعة؟ فيه وجهان: قال فريق: يلزمه، وقال ابن برهان: لا، ورجحه النووي في أوائل القضاء، وهو الصحيح، فإن الصحابة رضوان الله عليهم لم ينكروا على العامة تقليد بعضهم من غير تقليد. وقد رام بعض الخلفاء زمن مالك حمل الناس في الآفاق على مذهب مالك، فمنعه مالك واحتج بأن الله فرق العلم في البلاد بتفريق العلماء فيها، فلم الحجر على الناس؟ وذكر بعض الحنابلة أن هذا هو مذهب أحمد، فإنه قال لبعض أصحابه: لا تحمل الناس على مذهبك فيحرجوا، دعهم يترخصوا بمذاهب الناس. وقد كان السلف يقلدون من شاؤوا قبل ظهور المذاهب الأربعة. وقد قال النبي ﷺ : ((إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه)) . وتوسط ابن المنير فقال: الدليل يقتضي التزام مذهب معين بعد الأئمة الأربعة، لا قبلهم. والفرق: أن الناس كانوا قبل الأئمة الأربعة لم يدونوا مذاهبهم ولا كثرت الوقائع عليهم (١) . ثم قال الزركشي: فلو التزم مذهبا معينا كمالك والشافعي، واعتقد رجحانه من حيث الإجمال، فهل يجوز أن يخالف إمامه في بعض المسائل، ويأخذ بقول غيره من مجتهد آخر؟ فيه مذاهب: أحدهما: المنع، وبه جزم الجيلي في الإعجاز، لأن قول كل إمام مستقل بآحاد الوقائع، فلا ضرورة إلى الانتقال إلا للتشهي، ولما فيه من اتباع الترخص والتلاعب بالدين. الثاني: الجواز، وهو الأصح، لأن الصحابة لم يوجبوا على العوام تعيين المجتهدين، لأن السبب، وهو أهلية المقلد للتقليد، عام بالنسبة إلى قوله، وعدم أهلية المقلد مقتض لعموم هذا الجواب، ووجوب الاقتصار على مفت واحد يخالف صيغة الأولين (٢) .

стр. 12317

ثم قال: واعلم أنا حيث قلنا بالجواز، فشرطه أن يعتقد رجحان ذلك المذهب الذي قلد في هذه المسألة. وعلى هذا فليس للعامي ذلك مطلقا، إذ لا طريق له إليه. الثالث: أنه كالعامي، الذي لم يلتزم مذهبا معينا، فكل مسألة عمل فيها بقول إمامه ليس له تقليد غيره، وكل مسألة لم يعمل فيها بقوله فلا مانع فيها من تقليد غيره. الرابع: إن كان قبل حدوث الحوادث فلا يجب التخصيص بمذهب. وإن حدث وقلد إماما في حادثة، وجب عليه تقليده في الحوادث التي يتوقع وقوعها في حقه. وهو اختيار إمام الحرمين، لأنه قبل تقرير المذاهب ممكن، أما بعده فلا، للخبط وعدم الضبط. الخامس: إن غلب على ظنه أن بعض المسائل على مذهب غير مقلده أقوى من مقلده جاز، قاله القدوري الحنفي. السادس: وهو اختيار ابن عبد السلام في القواعد، التفصيل بين أن يكون المذهب الذي أراد الانتقال عنه بما ينقض الحكم أولا. فإن كان الأول ليس له الانتقال إلى حكم يجب نقضه لبطلانه، وإن كان المأخذان متقاربين جاز التقليد والانتقال، لأن الناس لم يزالوا كذلك في عصر الصحابة إلى أن ظهرت المذاهب الأربعة. السابع: واختاره ابن دقيق العيد، وهو الجواز بشروط، وهي نفس الشروط التي ذكرها يحيى الزناتي من قبل. ويظهر في كل ما تقدم أن الالتزام بمذهب معين ليس بواجب وليس في الشريعة نصوص تدل على هذا الوجوب. لكن العلماء خوفا من التلاعب بالدين وتقويض دعائم الشريعة، والقضاء على سماحتها وحكمتها، حكموا بمنع التلفيق في التقليد، سدا للذريعة لما رأوا قلة الورع، واتباع الهوى. ومنهم من أجازه بكامل الاحتياط واشترط شروطا من شأنها أن تضمن المحافظة على حكمة الشريعة وسياستها. وعلى هذا فإن إباحة التلفيق مطلقا خطير جدا، ولاسيما في هذا العصر الذي تغلب فيه الهوى، فضعف فيه الوازع الديني، وانحط فيه مستوى الالتزام بمبادئ الشريعة وأحكامها، وكثر دعاة الإباحية والعلمانية والعقلانية. مع العلم أن غالب المتخرجين من أصحاب الشهادات لا يعتمدون على أصول صحيحة , وليس لهم تطلع بعلم الفروع ولا باع يمكنهم من الإفتاء في الدين.

стр. 12318

وجميع هذه الاعتبارات لا يمكن أن تكون مبررا للقول بمنع التلفيق، ومنع الناس من أن ينالوا من رفق الله تعالى وتيسيره بحظ، ولو لم يكن فيه مشقة. وعلى المستفتي إذا كان من أرباب العزائم، وتحمل المشاق، والمقتنع بأسرار الشريعة ومقاصدها، أن يفتي بالأحوط أخذا بالورع والكمال ما لم تحق به نازلة تقتضي التخفيف فإنه يفتي بالأخف عليه من كل مذهب خشية العجز عن التكليف، فيما إذا شدد عليه بالمنع من التلفيق ومع كونه خاليا من دليل من الكتاب والسنة، يؤيد القول بهذا المذهب، فهو في الآن نفسه يتنافى مع يسر الإسلام ومرونته، ولا يتلاءم مع حاجيات هذا العصر وتطور الحياة الاجتماعية، لأن القضايا الفقهية المتجددة لا يمكن لها أن تحل إذا تقيدنا بمذهب فقهي واحد. وهذا التقيد يقف حجر عثرة أمام المسلمين لأن تعدد المذاهب الفقهية رحمة لهذه الأمة، فلا مانع من أن نستفيد من آراء مختلف الفقهاء والمجتهدين لدفع الحرج والمشقة. ثم إن كل طبقة من طبقات العوام تفىي بما يناسبها تشديدا أوتخفيفا وفاقا لمقتضى اتساع الشريعة وحكمتها، مع العلم أن مواطن المحظورات لا يسوغ للعلماء التلفيق بها، سواء بالنسبة لهم أو لمن يستفتيهم، إلا في مواطن الضرورة، إذ الضرورات تبيح المحظورات، لكن ما أبيح للضرورة يتقدر بقدرها. وإنما لم يسغ التلفيق في المحظورات للقاعدة المقررة: إن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وعلى قاعدة أنه ما اجتمع الحرام والحلال إلا غلب الحرام على الحلال. أما المحظورات العائدة إلى حقوق العباد فمبناها صيانة الحق، ومنع الإيذاء. لذلك لا محل فيه للتلفيق لأنه ضرب من الاحتيال، والعدوان على الحق، وتطرق إلى إيذاء العباد. وذلك للحديث الوارد ((لا ضرر ولا ضرار)) وحديث ((كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)) . كما لا يجوز للمقلد أو المفتي أن يختار للفتوى أقوالا أو أفعالا من نوادر العلماء وشواذهم الذين لم تبن أقوالهم وآراؤهم على قواعد شرعية واضحة، وإنما حكم عليها من أول يوم بالضعف، وأجمعوا على عدم الاعتماد عليها. التلفيق في التشريع والتلفيق في التشريع إنما يكون عادة من تخير ولي الأمر من أحكام مختلف المذاهب الفقهية المعتبرة مجموعة من الأحكام تكون قانونا في ميدان واحد من ميادين التشريع، كالأحوال الشخصية أو أحوال الميراث أو ميدان العقود والالتزامات أو غيرها. وقد ألفت في غالب البلاد الإسلامية لجان لاختيار القوانين المناسبة لهذا العصر من مختلف المذاهب الإسلامية. وأول محاولة كانت في عهد الأتراك العثمانيين بإصدار المجلة العدلية كقانون. وهذا المجلة وإن لم يكن فيها خروج عن المذهب الحنفي إلا أن اختيارات داخل المذهب وخروجا عن قول الإمام إلى أقوال أصحابه وهو نوع من الاجتهاد الجماعي. وألفت لجنة في تونس من علماء المذهبين المالكي والحنفي في حدود سنة ١٩٥١ برئاسة شيخ الإسلام المالكي الشيخ عبد العزيز جعيط لإصدار مجلة في الأحوال الشخصية تكون عمدة لأهل القضاء الشرعي ولا تعتمد على مذهب معين بل كانت اللجنة مخيرة في اختيار فصولها من المذهبين الحنفي والمالكي المنتشرين بالبلاد التونسية. ويدل هذا العمل على أنه لا مانع من أن يفضي الأمر إلى التلفيق في الأمور الجزئية إذا دعت المصلحة إلى ذلك. وأعتقد أن مجمعنا هذا لم يقم إلا لاختيار الأقوال الملائمة لحياة العصر، ولا تخرج عن نصوص الشريعة الإسلامية وقواعدها. وهذا هو الحال في كل المجامع التي أسست في بلاد العالم الإسلامي والتي تعمل على مراجعة الأحكام وتنقيحها في حدود النصوص، واختيار أنسب الأقوال لملاءمة مشاكل ومستجدات هذا العصر. وهذا نوع من التلفيق لم ير فيه العلماء ما يمس بروح الشريعة الإسلامية ومقاصدها. والسلام مصطفى كمال التارزي.

стр. 12319

الأخذ بالرخص وحكمه إعداد الشيخ الطيب سلامة عضو المجلس الإسلامي الأعلى تونس بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مدخل تأصيل الرخصة في التشريع الإسلامي الشريعة هي ما شرعه الله تعالى وخاطب به الأمة، فلا يسمى شرعا أو شريعة إلا شرع الله، ولا يسمى شارعا أو مشرعا إلا الله تعالى، وهذه حقيقة إيمانية لا خلاف فيها بين أولي العلم من المؤمنين، والله تعالى يقول: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣] . وما يعمد إليه البعض من إطلاق كلمة (تشريع أو شرع) على القوانين الوضعية وكذلك إطلاق كلمة (مشرع أو شارع) على واضع القوانين الوضعية، هو منكر يأباه الإيمان الصحيح، وتأباه الأخلاق، زيادة على التحريف اللغوي، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: ١٨] . ومن التحريف اللغوي الصارخ استعمال فعل (خلق) – الذي هو فعل خاص بمقام الرب تعالى، خالق الأكوان – في أفعال العباد، وهكذا يفعل الذين لا يعلمون أن الخلق معناه الإيجاد من عدم، ومن يخلق من عدم غير الله؟ وهل يقدر الإنس والجن مجتمعين أن يخلقوا ذبابا واحدا؟ قال الحق تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) ﴾ [الحج: ٧٣-٧٤] فهل ينتهي المتخمون فنا وثقافة (بالمفهوم المعاصر) من التجني على اللغة العربية وعلى القيم والمقدسات؟ هذه هي الشريعة بإجمال ... فهل يكفي العلم بها وإبقاؤها في الدفاتر؟ لقد أجمع أرباب النظر من علماء المقاصد على أن وجود الشريعة التي شرع الله للأمة لا يتم إلا باتباعها , وبترك الأهواء، ولا يحصل اتباعها إلا بتيسير العمل بها , وإقامة نفوذها في الأمة.

стр. 12320

التيسير مسلك لدعم نفوذ الشريعة: نفوذ الشريعة، أو بعبارة أخرى: نفاذها إلى القلوب واستهواؤها للنفوس، لا يكون إلا بعد العلم والاقتناع، والتصميم على الطاعة، والالتزام بالاتباع، عملا بقوله ﷺ : ((... فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (١) . ولا يحصل التصميم – بالاختيار – لدى المكلف، ولا الالتزام – بمحض الرغبة – في اتباع تعاليم الشرع، ما لم يحصل لدى هذا المكلف الشعور بالاستطاعة، والإحساس باعتدال هذا الشرع، ووسطيته وسماحته، بحيث تتحقق سهولة المعاملة والتطبيق لأحكامه، وتقوم على ذلك الأدلة، بمثل ما قامت في أحكام شرع الإسلام. وقد دل استقراء الشريعة على أن التيسير والسماحة والرحمة من مقاصد هذا الدين الحنيف، وليست الشريعة نكاية، ولا تشتمل على نكاية بالأمة، ولعل هذا من خصائص شريعة الإسلام، يدل على ذلك ما حدث للأمم السابقة ولم يحدث نظيره في شريعة الإسلام، مثل ما حدث من تحريم بعض الطيبات على بني إسرائيل عقابا لهم على مخالفة الشريعة وإصرارهم على العصيان. قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠ – ١٦١] . إن الله خلق الخلق من عباده وفطرهم على الفطرة الحسنة، قال تعالى ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] . وجعل أمور هذه الفطرة راجعة إلى الجبلة الكامنة في النفس، ومن رحمته تعالى بخلقه أن جعل شريعته التي شرع لهم على دين الفطرة، وجعل السماحة واليسر أول أوصاف هذه الشريعة وأكبر مقاصدها، وبذلك يتفق مقصد التشريع والديانة مع فطرة الله التي فطر الناس عليها، ويستجيب شرع الله لداعي الفطرة الحسنة ويجاريها: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: ١٣٨] . لقد نوه حكماء المسلمين وعلماء الشريعة بما اتسم به الشرع الإسلامي من يسر أزاح كل عسر، ومن سماحة محمودة نفت كل جرح، ومن وسطية جلبت النفع والاعتدال ودفعت الضر والشطط. وقد كانت هذه الأوصاف الثابتة في الشريعة خير ضمان لتحقيق أمور ثلاثة: ١- قبول المكلفين لأحكام الشرع عن اقتناع ورغبة، وإدراكهم لما نالهم من رحمة الخالق تعالى وهو القائل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] . ٢- عموم الشريعة إذ وافقت الطباع ولاءمت النفوس وحققت المصالح لكافة الناس على السواء في حالي التفرد والاجتماع. ٣- ديمومتها، لأنها لم تبن على اختيارات بشرية، ولم تقم من أجل مصالح طائفية أو حزبية، أو منافع ظرفية، وإنما قامت على اعتبار مصالح العباد الثابتة فأمرت بها تنصيصا وبصورة ثابتة لا تقبل شكا ولا جدالا، وعلى اعتبار المفاسد الثابت ضرها للعباد فنهت عنها نهيا صريحا مؤكدا لا يقبل شكا ولا جدالا، ثم تركت مجالا فسيحا للاجتهاد وللعقل لينظر فيما دون ذلك من أمور معيشة الإنسان التي تعتريها شوائب من المصالح والمفاسد، أو ما يجد في الحياة من الأمور التي لم يسبق أن عرفها المسلمون الأوائل حين كان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ ، فلم يكن لها حكم على التحديد وإنما لها قاعدة تدخل تحتها أو عدة قواعد ترشد إلى الحكم المتعين أو الراجح.

стр. 12321

أدلة التيسير ورفع الحرج بلغت في الأمة مبلغ القطع: لقد أصبح معلوما من تضافر الأدلة الواردة في الكتاب والسنة، أن من خصائص الشريعة الإسلامية ومن الأصول التي قام عليها تشريعها، عدم النكاية بالأمة وتيسير العمل بأحكامها على المكلفين، تحصيلا لاقتناعهم بهذا الدين، ولإقبالهم عليه دون حرج ولا ملل، لأن النفوس – عموما – قد فطرت على كره ما يشق أو يعسر لديها، كما جلبت على النفور من كل ما يضنيها أو يوقعها في العنت والحرج. من أجل هذا جاءت أحكام هذا الدين على وفق الفطرة الحسنة، ومن أجل هذا أيضا صح أن يسمى الحنيفية السمحة، كما جاءت هذه التسمية في الحديث الصحيح عن ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة)) (١) . والمراد أن أحب الدين إلى الله دين الإسلام الذي هو الحنيفية السمحة، والحنيفية السمحة، هكذا بهذا الوصف المكون من وصفين، أحدهما: الحنيفية وتعني ملة التوحيد، والميل عن الشركة وعبادة الأوثان، والتمسك بملة التوحيد التي هي الإسلام وهو الحنيف وجمعه حنفاء، وفي التنزيل قال تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥] . وقال تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٩٥] . وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] . وقال أيضا: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣) ﴾ [النحل: ١٢٠ – ١٢٣] . قال في المصباح المنير: " والحنيف المسلم لأنه مائل إلى الدين المستقيم " (٢) . وبناء على قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨] . وثاني الوصفين: السمحة وتطلق بإزاء معنيين: الجود والسهولة وفي المعنى الثاني جاء في القاموس المحيط قوله: " والسمحة = ... الملة التي ما فيها ضيق .... وتسامحوا = تساهلوا ... وأسمحت الدابة = لانت بعد استصعاب ... وعود سمح = لا عقدة فيه " (٣) . وجاءت السماحة بمعنى الرفق والسهولة واللين، في الحديث الصحيح عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : ((رحم الله رجلا سمحا إذا باع، سمحا إذا أشترى، سمحا إذا اقتضى)) (٤) .

стр. 12322

والحاصل من وصف الشريعة بالسماحة، أنها شريعة تجمع بين معان ثلاثة هي: الاعتدال والتوسط والعدل – لأنها شريعة تميل إلى سهولة المعاملة في حدود الاعتدال، ولأنها شريعة تلتزم الوسطية بين التضييق والتساهل، ولأنها بالتالي شريعة نبذت طرفي الإفراط والتفريط اللذين يدعو إليهما الهوى وحذرت منهما في مواطن كثيرة من التنزيل الحكيم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] . وقوله ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] . فما أضر بأهل الكتاب غير أهواء نفوسهم وغلوهم في الدين، وما حكاه القرآن من حالتي إفراطهم وتفريطهم كان المراد منه موعظة أمة الإسلام، ليتجنبوا الأٍسباب التي أوجبت غضب الله على الأمم السابقة وهلاكها. وقد بين رسول الله ﷺ من أمر اليهود فيما أمرهم الله بذبح بقرة: ((لو ذبحوا أية بقرة لأجزأتهم، ولكن شددوا فشدد الله عليهم)) (١) . ولقد جزم علماء الأمة وحكماؤها الذين عنوا بتفحص أحوال النفوس والعقول بأن قوام الصفات الفاضلة هو الاعتدال، ومن يقل الاعتدال يقل التوسط ويقل العدل، لأن معاني الأوصاف الثلاثة لا تكاد تنفك عن بعضها، ليتكون من مجموعها نسيج فريد خص الله به دينه المعتبر عنده ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] . والدين الذي لا يقبل سواه من أحد ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] . ولقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة وتوافرت في هذا الشأن، حتى بلغت مبلغ القطع، وصارت دليل الأئمة ومرتكزهم في استنباط قواعد التشريع، فاستنبطوا لهذا الأصل العظيم من الأصول التي انبنت عليها أحكام الشريعة قاعدة أصلية، هي قاعدة: " المشقة تجلب التيسير "، بما حوت من قواعد متفرعة عنها وبما اشتملت عليه من مباحث الرخصة باعتبارها قسيما لمباحث العزيمة.

стр. 12323

فالآيات الكريمة التي صرحت بهذه القاعدة العامة " المشقة تجلب التيسير ". أو لمحت إليها بوضوح عديدة، منها: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] . ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (١) . ولقد استنبطوا من هذه القاعدة العامة قواعد أخرى مندرجة تحتها ومتفرعة عنها، واستدلوا عليها بأدلتها من أصلي الشريعة، فقالوا في القاعدة الفرعية الأولى وهي: " الضرورات تبيح المحظورات " إنها مستنبطة من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] . ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] . ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . وقالوا في القاعدة الفرعية الثانية، وهي: " ما أبيح للضرورة يقدر بقدرها، إنها مستنبطة من قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] . ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] . ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥] . واعتبروا أن القاعدة الفرعية الثالثة، وهي: " كلما ضاق الأمر اتسع ". تستند إلى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] . ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] . ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) ﴾ [الانشراح: ٥- ٦] .

стр. 12324

ورابعة القواعد الفرعية، هي: " الميسور لا يسقط بالمعسور ". وتعني هذه القاعدة أن المطلوب من المكلف قد يكون على مراتب من حيث قد يشق بعضها ولا يشق البعض الآخر، ومثال ذلك: ما فرضه الله على المسلمين من التآمر بالمعروف والتناهي عن المنكر بمراتبه الثلاث: التغيير باليد، والتغيير باللسان، والتغيير بالقلب. فمن شقت عليه المرتبة الأولى وهي التغيير باليد قد لا تشق عليه المرتبة الثانية وهي التغيير باللسان، فيفعلها ولا تسقط في حقه لأن الميسور لا يسقط بالمعسور، ومن شقت عليه المرتبة الثانية من هذا الواجب لا تشق عليه المرتبة الأخيرة وهي: تغيير المنكر بالقلب، لأنها لا تشق على أحد، ولا يتطلب القيام بها أكثر من عمل داخلي في نفس المؤمن هو الإنكار والاشمئزاز وذلك أضعف الإيمان كما أخبر رسول الله ﷺ في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من رأي منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع، فبلسانه، فإن لم يستطع، فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) (١) . وقد استندوا في استنباط هذه القاعدة إلى قول الحق : ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] . ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] . ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [النور: ٦١] . هذه جملة من الآيات الكريمة، أقرت قاعدة التيسير في الشرع الإسلامي وأصلتها، وأشارت إلى ما أخذ منها من قواعد فرعية مندرجة، لها عظيم الأثر في توجيه الاستنباط وتأصيل الأحكام. وجاءت السنة الشريفة تواكب آي الكتاب الحكيم وتزيد القضية إيضاحًا وتركيزًا. فكان أن تناولت الأحاديث في ذلك ثلاثة جوانب تصب كلها في مصب واحد هو يسر الدين وسماحته، والنهي عن التشدد والتعمق والتنطع، حتى عمد ﷺ إلى العدول عن بعض القرب خشية أن يلتزمها فتشق عليهم، أي على المؤمنين.

стр. 12325

ولقد جاء في مجال يسر الدين الإسلامي وسماحته ورفع الحرج عن أتباعه من المؤمنين قوله ﷺ : - فيما يرويه أنس بن مالك خادم الرسول ﷺ أنه قال: ((يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا)) (١) . - وما يرويه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ أنه قال: ((إن الدين يسر، ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)) (٢) . والمراد: استعينوا على طاعة الله باختيار أوقات نشاطكم وفراغ قلوبكم بحيث تستلذون عبادتكم ولا تسأمونها، كما يستعين المسافر الحاذق على أتعاب سفره باختيار هذه الأوقات (الروحة، والغدوة، والدلجة) فيبلغ قصده بأقل الأتعاب. - وقد كان ﷺ لا يشق على أصحابه في أمر حتى في أوقات تعليمهم، فقد روى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: ((كان النبي ﷺ يتخولنا بالموعظة في الأيام (أي يتعهدنا بها في الأيام ولا يكثر) كراهة السآمة علينا)) (٣) . - وفي الحديث الآخر الذي يرويه أبو هريرة ﵁ ينهى رسول الله ﷺ المؤمنين أن يشقوا على أنفسهم بكثرة السؤال كما فعل بنو إسرائيل ويحدد لهم أن يأتوا بالمأمور في حدود الاستطاعة، فقال ﷺ : ((دعوني ما تركتكم، إنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم)) ، وفي رواية: ((إنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم.. واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)) (٤) . - ولقد جاء في الجانب الثاني من الجوانب الثلاثة المذكورة آنفًا وفي مجال أمره ﷺ الناس بالتخفيف والاعتدال ونهيهم عن التنطع والتعمق والتشديد أحاديث عديدة منها: - ما جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: ((هلك المتنطعون)) (٥) . (قالها ثلاثًا) وفي رواية: ((ألا هلك المتنطعون)) والمتنطعون هم المتعمقون والمتشددون في غير موضع التشديد.
следующие страницы →