وهكذا فإن الله رفع الحرج عن هذه الأمة، وجعل المشقة تجلب التيسير، وهذا من القواعد التي بني عليها الفقه، قال العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي في " مراقي السعود ":
قد أسس الفقه على رفع الضرر وأن ما يشق يجلب الوطر (١)
قال في نشر البنود: (قد أسس الفقه، أي بنيت مسائله على أربعة أصول أحدها: قوله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) (٢) .
والقاعدة الثانية أن المشقة تجلب التيسير، وهو المراد بالوطر لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] .
ومن مسائلها الأخذ بالأخف والرخص كجواز القصر والجمع والفطر في السفر (٣) .
والمشقة التي تجلب التيسير هي المشقة الخارجة عن المعتاد وهي التي من شأنها أن تؤدي إلى خلل في جسم المكلف أو عقله أوتؤدي إلى ما لا يحمد عقباه في المستقبل (٤) .
وقد نص الشارع على الترخيص فيها مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ومثل ترك الجماعة في المطر، ففي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: ((إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة ذات برد ومطر يقول: ألا صلوا في الرحال)) .
стр. 12252
وترجم له البخاري بباب الرخصة في المطر (١) .
أما المشقة المعتادة فلا تجلب التيسير لأنه لا يخلو عمل مطلوب منها، ولذلك لا تمنع التكليف، فتناول الطهارة في البرد والصلاة في الجماعة وقت الفجر في شدة البرد، والصيام في فصل الحر، كل هذه أعمال لها مشقة لكنها مشقة معتادة لا تجلب التيسير، ولا تستوجب الترخيص (٢) .
وفي ذلك يقول الشيخ محمد العاقب بن مايابى الشنقيطي في نظمه لنوازل سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي:
وألغيت خفيفة كبرد ماء الطهارة أوان البرد
ثانيًا: أقسام الرخصة:
للرخصة مجالات مختلفة قسمها الأصوليون باعتبارها، ومن أهم تلك التقسيمات تقسيمها باعتبار حكمها الشرعي وهي بهذا الاعتبار أربعة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومباحة، وخلاف الأولى؛ وهذا التقسيم للشافعية ذكره الجلال المحلي في شرحه لجمع الجوامع لابن السبكي (٣) ، ونقله أبو إسحاق الشاطبي عن العلماء، وإن كان غير مرتض له، فقال: (إن العلماء قد نصوا على رخص مأمور بها، فالمضطر إذا خاف الهلاك وجب عليه تناول الميتة وغيرها من المحرمات الغاذية، ونصوا على طلب الجمع بعرفة والمزدلفة، وأنه سنة، وقيل في قصر المسافر، وإنه فرض أو سنة أو مستحب، وفي الحديث: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه)) .
وقال ربنا تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] إلى كثير من ذلك، فلم يصح إطلاق القول بأن حكم الرخص الإباحة دون التفصيل (٤) فالشاطبي نقل هذا الكلام ليرد عليه، لأنه يرى أن حكم الرخصة الإباحة مطلقًا، وإن ما لم يكن حكمه الإباحة فهو عزيمة (٥) .
وأشار ابن عاصم في " مرتقى الوصول إلى معرفة علم الأصول " في كلامه على الرخصة إلى التقسيم الذي ذكره الجلال المحلي فقال:
وأصلها الجواز وهي تنتهي للندب والوجوب والأخذ به (٦)
وقال الحطاب في حاشيته: (وكون الرخصة تنتهي للوجوب هو ما عليه المحققون كابن الحاجب وغيره من المتأخرين في تقسيمهم إياها للواجب والمندوب والمباح، زاد بعضهم، وخلاف الأولى) (٧) .
وحديث: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه..)) ورد بطرق مختلفة إحداها تقدم تخريجها عن الإمام أحمد والطبراني في الأوسط والبزار، وله طريقة أخرى باللفظ الآتي عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) . أخرجه البطراني في الكبير والبزار، ورجالهم ثقات، قاله في مجمع الزوائد (٨) . أما باقي طرقه فلا نذكرها لضعفها (٩) .
وهذه أقسام الرخص نوردها بالتفصيل مع ذكر مذاهب الأئمة حولها.
стр. 12253
القسم الأول:
الرخص الواجبة: وهي التي شرعت للضرورة الشديدة التي تهدد حياة المسلم مثل أكل الميتة والدم ولحم الخنزير – لمضطر يهدد الجوع حياته. فقد شرع الله له ذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
واتفق الأئمة الأربعة في مشهور مذاهبهم على وجوب أكل المضطر للميتة والدم ولحم الخنزير إن خشي الهلاك علمًا أو ظنًّا، ذكر ذلك أبو بكر الجصاص والكيا الهراسي – في أحكام القرآن، والقرطبي في تفسيره (١) .
كما ذكره الحطاب في حاشيته، والنووي في شرح المهذب (٢) ، والمرداوي في الإنصاف (٣) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية في فتاواه (٤) ، والحجة في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩] وقوله : ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] .
القسم الثاني:
من أنواع الرخص: رخص مندوبة وتشمل ما كان سنة وما كان الأخذ به أفضل من غيره، كالقصر في السفر الذي لا تقل مسافته عن أربعة برد، أي حوالي (٨٠) كم، وهذا هو قول الجمهور (٥) ، وقال الحنفية: لا تقل مسافته عن ثلاثة أيام ولياليها بسير الإبل ومشي الأقدام (٦) .
وقال ابن حزم: كل ما يسمى سفرًا تقصر فيه الصلاة ويفطر فيه الصائم، وهذا القول ذكر العلامة الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي أنه أقوى دليلاً (٧) ، ولا عبرة بعدم وجود مشقة في السفر لأن القصر في السفر صدقة تصدق الله بها على عباده، كما في حديث يعلى بن أمية قال: قلت لعمر: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] فقد أمن الناس، فقال: عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله ﷺ فقال: ((صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)) أخرجه مسلم (٨) . إلا أن الصوم في السفر أفضل لمن لا يشق عليه الصوم – كما سيأتي في القسم الرابع من أقسام الرخص – أما من يشق عليه الصوم فالفطر أفضل له لحديث: ((ليس من البر الصوم في السفر)) أخرجه الشيخان عن جابر مرفوعًا (٩) .
стр. 12254
ومن الرخص التي يندب الأخذ بها: فطر المريض الذي يخاف زيادة المرض أو تماديه، فيندب له الفطر إذا لم يخش الهلاك، وإلا وجب عليه، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قال القرطبي: (للمريض حالتان: إحداهما ألا يطيق الصوم بحال فعليه الفطر واجبًا، الثانية أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر ولا يصوم إلا جاهل) (١) .
القسم الثالث:
من أقسام الرخص رخص مباحة، وهي التي تطلق على ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا، من غير اعتبار بكونه لعذر شاق. قال الشاطبي: (فيدخل فيه القرض والقراض والمساقاة ورد الصاع من الطعام في مسألة المصراة، وبيع العرية برخصها تمرًا، وضرب الدية على العاقلة، وما أشبه ذلك.. وعليه يدل قوله: ((نهى عن بيع ما ليس عندك، ورخص في السلم)) ، وكل هذا مستند إلى أصل الحاجيات) (٢) . لأن الحاجة إذا عمت تنزلت منزلة الضرورة، والضرورات تبيح المحظورات.
وقوله: (ويدل عليه قوله: ((نهى عن بيع ما ليس عندك)) يشير به إلى ما أخرجه أصحاب السنن عن حكيم بن حزام قال: ((أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي أفأبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ فقال: " لا تبع ما ليس عندك ".)) (٣) . قال الخطابي: (قوله: لا تبع ما ليس عندك، يريد بيع الدين دون بيع الصفة، ألا ترى أنه أجاز السلم إلى الآجال، وهو بيع ما ليس عند البائع في الحال) (٤) .
ومن الرخص الجائزة: المسح على الخفين في الحضر والسفر، فلا خلاف عند جميع الأئمة في جوازه لوروده في الموطأ والصحيحين (٥) . ولأنه رواه سبعون صحابيا (٦) .
стр. 12255
القسم الرابع:
من أقسام الرخص رخص على خلاف الأولى. من ذلك التلفظ بالكفر لمن أكره عليه وقلبه مطمئن بالإيمان، فيجوز له التلفظ بالكفر إذا خشي الهلاك، لقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .. هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، أخذه المشركون فلم يتركوه حتى سب النبي ﷺ ، وذكر آلهتهم بخير، فقال له رسول الله ﷺ : ((كيف تجد نفسك؟)) قال: مطمئن بالإيمان. قال: ((إن عادوا فعد)) . أخرجه ابن جرير في تفسيره، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (١) . هذا دليل الترخيص في الكفر، إلا أن من صبر على البلاء حتى قتل كان ذلك أولى وأعظم أجرًا.. ذكر ذلك الجصاص وابن العربي (٢) وحكى القرطبي عليه الإجماع (٣) .
ومن الرخص التي هي خلاف الأولى:
فطر المسافر في رمضان حيث كان الصوم لا يشق عليه، وهذا رأي الجمهور (٤) . لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٨] . وقال أحمد: إن الفطر أفضل مطلقًا قوي على الصوم أم لا (٥) . واستدل بحديث جابر الآنف الذكر ((ليس من البر الصوم في السفر)) لكن هذا الحديث ورد في شأن رجل أجهده الصوم حتى أضر به، وقد ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: باب قول النبي ﷺ لمن ظلل عليه واشتد الحر ((ليس من البر الصوم في السفر)) .
قال في الفتح: أشار بهذه الترجمة إلى أن سبب قوله ﷺ : ((ليس من البر الصوم السفر)) ما ذكر من المشقة.
قال: (والحاصل أن الصوم لمن قوي عليه أفضل من الفطر، والفطر لمن شق عليه الصوم أو أعرض عن قبول الرخصة أفضل، وأن من لم يتحقق المشقة خير بين الصوم والفطر) (٦) . اهـ.
стр. 12256
وقد قسمت الرخص أيضا على أساس اعتبار الحقيقة والمجاز، وهذا التقسيم للحنفية (١) وهي بهذا الاعتبار على قسمين:
رخص حقيقية، ورخص مجازية.
فالرخص الحقيقية هي التي تقع في مقابلة عزائم ما يزال العمل بها جاريًا لقيام دليلها، وهي على نوعين:
- نوع أباحه الشرع مع قيام السبب المحرم، وهو أعلى درجات الرخص، مثاله النطق بكلمة الكفر لمن أكره عليها، فقد رخص لمن أكره على الكفر وخاف على نفسه الهلاك أن يتلفظ بكلمة الكفر عندما يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان.
ومع ذلك فله أن يرفض ذلك ويصبر حتى يقتل شهيدًا، بل إن الصبر أفضل له، وقد ذكرنا ذلك سابقًا وأتينا بكلام العلماء حوله.
ومن هذا النوع أكل الميتة لمضطر يخشى الهلاك، فإن الشارع قد رخص له في أكلها وقد ذكرنا سابقًا أن مشهور مذاهب الأئمة أنه إذا خشي التلف وجب عليه أكلها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩]
النوع الثاني من القسم الأول هو ما رخص فيه مع قيام السبب المحرم إلا أن الحكم فيه على التراخي كالفطر في رمضان للمسافر فإن السبب المحرم للإفطار هو رمضان وهو قائم بذاته إلا أن المسافر مشروع له التراخي في أداء هذا الفرض لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وعليه فإنه من حيث إن السبب الموجب للصوم قائم كانت الرخصة حقيقية، ومن حيث إن الحكم متراخ غير لازم في الحال كان هذا النوع دون النوع الأول (٢) .
القسم الثاني من هذا التقسيم هو الرخص المجازية وتسمى أيضا برخص الإسقاط وهي نوعان:
أ- نوع أسقطه الله عن أمة رسول الله ﷺ كالإصر والأغلال التي على أمم قبلنا، مثل قتل النفس لصحة التوبة فمن ارتد عن دينه لم يكن له من توبة إلا قتل نفسه.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: ٥٤] ومن الإصر والأغلال أي الأثقال والمشاق التي كانت على من قبلنا – أن النجاسة إذا أصابت ثوبًا أو جسدًا قطع محلها من ذلك الثوب أو الجسد. كما أن مجالسة الحائض ومواكلتها ومضاجعتها كانت ممنوعة، وكانوا إذا جمعوا الغنائم نزلت نار من السماء فأكلتها (٣) ، لأن الغنائم لم تحل لأحد قبل سيدنا محمد ﷺ . ففي صحيح البخاري من حديث جابر مرفوعًا: ((وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي)) (٤) .
стр. 12257
ولم تكن الدية فيمن قبلنا وإنما كان فيهم القصاص فقط (١) .
ب- النوع الثاني هو ما شرع للأمة من المعاملات التي الأصل فيها المنع، كالسلم والقراض والمساقاة وبيع العرايا وهو ما تكلمنا عنه آنفًا تحت عنوان الرخص المباحة.
فكما أن هذا النوع قد أدرج تحت الرخص المباحة من أجل حاجيات المجتمعات إليها – فإنه أيضا أدرج في عداد الرخص المجازية، فسميت عند الشافعية بالرخص المباحة، كما أسلفنا، وسميت عند الحنفية بالرخص المجازية (٢) .
ثالثًا: ضوابط الأخذ بالرخصة:
الأخذ بالرخصة التي نص الشارع عليها – محبب كما تقدم في حديث: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصة كما يحب أن تؤتى عزائمه)) (٣) وقد وردت به أحاديث متعددة، منها حديث: ((عليكم برخصة الله الذي رخص لكم)) أخرجه مسلم عن جابر مرفوعًا (٤) .
غير أن للأخذ بالرخصة ضوابط لابد من مراعاتها لكل من يريد الأخذ بها، ومن هذه الضوابط.
١ – وجود مشقة تؤدي إلى الانتقال من حكم العزيمة إلى الأخذ بالرخصة، وهذه المشقة تختلف من شخص إلى شخص، وقد ذكرنا سابقًا أن المشقة التي تستوجب الأخذ بالرخصة هي المشقة غير المعتادة.
أما المشقة المعتادة فإنها مقترنة مع التكاليف الشرعية لأن التكليف في حقيقته هو إلزام المكلف بما فيه كلفة ومشقة، قال في " مراقي السعود ":
وهو إلزام الذي يشق أو طلب فاه بكل خلق (٥)
وذلك لأن مراد الشارع إخراج المكلف عن دائرة هواه بالانقياد إلى أوامر مولاه، وقال في مرتقى الوصول:
القصد بالتكليف صرف الخلق عن داعيات النفس نحو الحق (٦)
لأن اتباع الهوى هو سبب الخسران والضلال، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] .
стр. 12258
وليس معنى هذا أن الشهوات كلها ممنوعة على المسلم، وإنما معناه أن لا يكون الإنسان متبعًا هواه في الشهوات.
أما أخذ الشهوة من حيث أبيحت فلا إثم فيه، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] .
وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال:
((وفي بضع أحدكم صدقة)) قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال ((أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال فإن له أجرًا)) (١) .
فالضابط أن يكون الهوى تابعًا للشرع، ولذلك قال رسول الله ﷺ : ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به)) (٢) .
٢- أن تكون الرخصة فيما أذن فيه شرعًا، مثال ذلك أن يكون السفر في غير معصية، كالسفر في الجهاد والحج وطلب العلم والتجارة في المباح، أما إذا كان السفر في معصية كالسفر لقطع الطريق، أو للتجارة بالمحرمات كالخمر ونحوها، فلا يؤخذ فيه بالرخصة عند الجمهور.
قال السيوطي: " الرخص لا تناط بالمعاصي ومن ثم لا يستبيح العاصي بسفره شيئًا من رخص السفر كالقصر والجمع والفطر " (٣) مع أن في المسألة اختلافًا بين العلماء، قال العلامة سيدي عبد الله في " مراقي السعود ":
وهي في المأذون شرعًا توجد وغيره فيه لهم تردد
وذكر في نشر البنود أن الخلاف في أخذ العاصي بالترخيص سببه اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ [البقرة: ١٧٣] هل هو الأكل، أو السبب الموصل للاضطرار؟ (٤) وممن قال من المالكية بأخذ العاصي بالرخصة: القرطبي وسند وابن عبد السلام وابن مرزوق، وهو المذهب عند الحنفية (٥) .
وممن قال بعدم أخذ العاصي بالرخصة من المالكية ابن العربي وابن عبد السلام وخليل (٦) وهو المذهب عند الشافعية والحنابلة (٧) .
٣- أن يكون سبب الرخصة قطعيا أو ظنيا لا مشكوكًا فيه، لأن الشك لا تناط به الأحكام، أما الظن فقد أجريت عليه الأحكام مجرى القطع، قال الشيخ محمد الخضري بك: " فقد قام الدليل القطعي على أن الأدلة الظنية تجري في فروع الشريعة مجرى الأدلة القطعية متى ثبت أن غلبة الظن معتبرة فلتعتبر في الرخص" (٨) .
стр. 12259
أما الشك فليس كذلك، قال السيوطي " الرخص لا تناط بالشك " قال: " ومن فروعها لزوم الغسل لمن شك في جواز المسح ووجوب الإتمام لمن شك في جواز القصر، وذلك في صور متعددة " (١) .
٤- أن يكون سبب الرخصة واقعًا بالفعل لا متوقعًا، ومثلوا لذلك بامرأة عادتها أن تحيض في يوم معين فقالت في نفسها: غدًا يوم حيضتي فأصبحت مفطرة في رمضان قبل أن تحيض، وشخص عادته أن يحم في يوم معين فقال: غدًا هو اليوم الذي تصيبني فيه الحمى وأصبح مفطرًا قبل أن يحم (٢) .
فهذان عملا بالرخصة قبل موجبها فعملهما مخالف للشرع؛ بل إن عليهما الكفارة في مشهور المذهب المالكي، ولو وقع لهما ما كانا يتوقعان. قال ابن القاسم في المدونة " ما رأيت مالكًا يجعل الكفارة في شيء من هذا الوجه على التأويل إلا امرأة قالت: غدًا أحيض فأفطرت أول النهار وحاضت آخره، والذي قال: اليوم أحم فأفطر ثم حم ". قال ابن يونس: " لأنهما تأولا أمرًا لم ينزل بهما بعد، وقد يكون ولا يكون، وأصلهم في هذا أن لا حكم له، قال ابن يونس الأقيس قول ابن عبد الحكم أنهما يعذران " نقله المواق عنهما (٣) .
٥- الاقتصار بالرخصة على مورد النص مع اختلاف العلماء في ذلك. قال القرافي: " يجوز القياس عند الشافعي على الرخص خلافًا لأبي حنيفة، وحكى المالكية عن مذهب مالك قولين في جواز القياس على الرخص. وخرجوا على القولين فروعًا كثيرة في المذهب، منها: لبس خف على خف، وغير ذلك " وذكر حجة المانعين والمجيزين للقياس عليها (٤) .
والظاهر أن أصح الروايات عند أحمد أن الرخص لا يقاس عليها. ذكر ذلك ابن مفلح في كلامه على الرخصة في بيع العرايا قال: " واختاره الأكثر اقتصارًا على مورد النص" (٥) .
стр. 12260
رابعًا: تتبع الرخص ورأي الفقهاء والأصوليين فيه:
تتبع الرخص هو أن يأخذ الإنسان من مذهب كل إمام ما هو الأسهل والأخف عليه من المسائل التي اجتهد فيها الأئمة. أما الرخص التي نص الشارع عليها والتي بينا أنواعها آنفًا – فلا حرج على من عمل بها باستمرار، إذ الآخذ بها لا يعتبر متتبعا للرخص، لأن الشارع رغب في الأخذ بها كما تقدم في حديث: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه)) .
وقبل أن نتكلم على رأي الفقهاء والأصوليين في تتبع الرخص نجد أمامنا سؤالاً يطرح نفسه: هل يجوز لمن التزم مذهبًا معينًا أن يخالفه ويعمل بغيره من المذاهب الأخرى؟
في المسألة خلاف: قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز، قيل: إن كان قد عمل بالمسألة لم يجز أن يخالف ما عمل به فيها، وقيل: إن غلب على ظنه أن مذهب غير إمامه في تلك المسألة أقوى من مذهب إمامه جاز، وقيل: إن كان المذهب الذي أراد الانتقال إليه مما ينقض الحكم به لم يجز، وإلا جاز؛ واختاره ابن عبد السلام، ذكر ذلك الشوكاني (١) .
وذكر العلامة سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي أن الأصح في هذه المسألة التفصيل الآتي فقال:
وذو التزام مذهب هل ينتقل أو لا وتفصيل أصح ما نقل
ومن أجاز للخروج قيدا بأنه لابد أن يعتقدا
فضلاً له وأنه لم يبتدع بخلف الإجماع وإلا يمتنع
وعدم التقليد فيما لو حكم قاض به بالنقض حكمه يوم
ومعنى ذلك كما في الشرح أن العامي (٢) يجوز له ذلك بثلاثة شروط:
أحدها: أنه لابد أن يعتقد فضل المنتقل إلى مذهبه ولو بوصول أخباره إليه، ولا يقلد في عماية.
الشرط الثاني: أن لا يبتدع المنتقل بمخالفة الإجماع، كأن يجمع بين مذهبين على وجه يخالف الإجماع كمن تزوج بغير صداق ولا ولي ولا شهود، فإن هذه الصورة لم يقل بجوازها أحد.
الشرط الثالث: عدم تقليد المذهب المنتقل إليه فيما ينقض فيه حكم الحاكم، وهو أربعة جمعها قوله:
إذا قضى حاكم يومًا بأربعة فالحكم منتقض من بعد إبرام
خلاف نص (٣) وإجماع (٤) وقاعدة
كذا قياس جلي دون إيهام (٥)
стр. 12261
قال: (وفسر بعضهم تتبع الرخص بأن يأخذ من كل مذهب ما هو أسهل عليه، وإن كان لا ينقض فيه حكم الحاكم) – اهـ (١) .
وأصل هذا في شرح التنقيح للقرافي نقله عن الزناتي، وعقب عليه بما مفاده. أن الممنوع في تتبع الرخص هو التلفيق بين قولي إمامين فأكثر في مسألة واحدة بحيث تكون في صورة لا يقول بها أي أحد من الأئمة.
أما إذا اختار من أحد المذاهب ما فيه سهولة، كتقليد مالك في طهارة أبوال النعم، وتقليده في الاكتفاء بالمعاطاة في البيع دون التلفظ بكلمة البيع أو الشراء فلا يمنع ذلك (٢) .
وقال ابن عابدين في حاشيته: (ليس على الإنسان التزام مذهب معين وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه، مقلدًا فيه غير إمامه مستجمعًا شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في مسألتين منفصلتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا ينقض) (٣) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أن جمهور الشافعية والحنابلة لا يوجبون على العامي أن يلتزم مذهبًا معينًا، قال: (والذين يوجبونه يقولون: إذا التزمه لم يكن له أن يخرج عنه ما دام ملتزمًا له، أو ما لم يتبين له أن غيره أولى بالالتزام) (٤) .
أما تتبع الرخص في المسائل الاجتهادية من غير ضرورة ملحة، فأكثر العلماء على منعه، قال الشيخ محمد أحمد عليش في فتاواه: (أما قولكم: والأخذ بالرخص مطلوب ودين الله يسر ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فجوابه أن ذلك في الرخص المعهودة العامة كالقصر في السفر الطويل والفطر فيه، والجمع في السفر وليلة المطر، والمسح على الخفين، وأشباه ذلك.
وأما تتبع أخف المذاهب وأوفقها لطبع الصائر إليها والذاهب فمما لا يجوز، فضلاً عن كونه محبوبًا مطلوبًا، قاله الرياشي وغيره. وقال ابن عبد البر في كتابه " بيان العلم ": عن سليمان التميمي أنه قال لخالد بن الحارث: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله، قال أبو عمر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا. ونقل ابن حزم أيضا الإجماع على أن تتبع رخص المذاهب من غير استناد إلى دليل فسق لا يحل) اهـ (٥) .
وقال المحلي في شرحه لجمع الجوامع: (والأصح أنه يمنع تتبع الرخص في المذاهب بأن يأخذ من كل منها ما هو الأهون فيما يقع من المسائل، وخالف أبو إسحاق المروزي فجوز ذلك) (٦) .
стр. 12262
ونقل من حاشية الشيخ حسن العطار عن الشرنبلالي الحنفي عن السيد بادشاه في شرح التجريد: " يجوز اتباع رخص المذاهب ولا يمنع منه مانع شرعي، إذ للإنسان أن يسلك المسالك الأخف عليه إن كان له إليه سبيل بأن لم يكن عمل بقول آخر مخالف لذلك الأخف " (١) .
كما نقل عن الشافعية ما قاله ابن عبد السلام في فتاواه وهو أن ما حكاه بعضهم عن ابن حزم من حكاية الإجماع على منع تتبع الرخص من المذاهب، لعله محمول على من يتتبعها من غير تقليد لمن قال بها أو على الرخص المركبة في الفعل الواحد. ثم قال العطار: " فيؤخذ مما ذكرناه جواز التقليد وجواز تتبع الرخص لا على الإطلاق " قال: " بحيث لا يقع تتبع الرخص في التلفيق بين مذهبين في مسألة واحدة " (٢) وهذا الكلام يتفق مع ما تقدم عن القرافي أن الممنوع من تتبع الرخص هو ما كان فيه تلفيق بين مذهبين فأكثر في مسألة واحدة.
فتبين من هذا أن تتبع الرخص فيه خلاف في المنع والجواز وأن المنع هو رأي الجمهور.
وكما أن تتبع الرخص منهي عنه في حق من يعمل به فإنه منهي عنه في حق من يحكم أن يفتي به، وقد ينشأ ذلك من التساهل في الحكم والفتوى، وربما يقع ذلك رغبة في نفع قريب أو مسؤول.
قال ابن القيم: " لا يجوز للمفتي تتبع الحيل المحرمة والمكروهة، ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق، وحرم استفتاؤه، فإن حسن قصده في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخليص المستفتي من حرج جاز، بل استحب، وقد أرشد الله نبيه أيوب ﵇ إلى التخلص من الحنث بأن يأخذ بيده ضغثًا فيضرب به المرأة ضربة واحدة ".
ثم قال: " وأحسن المخارج ما خلص من المأثم: وأقبح الحيل ما وقع في المحارم أو أسقط ما أوجب الله ورسوله من الحق اللازم " (٣) .
وقال القرافي " إذا كان في المسألة قولان: أحدهما فيه تشديد والآخر فيه تسهيل فلا يفتى للعامة بالتشديد، وللخواص بالتسهيل، وذلك قريب من الفسوق والخيانة، ودليل على فراغ القلب من تعظيم الله تعالى والحاكم كالمفتي في ذلك " نقله الحطاب (٤) .
ومثله في كتاب " أدب المفتي والمستفتي " لأبي عمرو بن الصلاح. نقله ابن فرحون (٥) .
стр. 12263
خامسًا: التلفيق:
أ – معنى التلفيق:
التلفيق هو الجمع بين تقليد إمامين فأكثر في مسألة واحدة بحيث تكون هذه المسألة في صورة لا تقبل في أي مذهب من المذاهب (١) .
مثال ذلك رجل توضأ فمسح أقل من ربع رأسه مقلدًا الشافعي، ثم لمس زوجة أو أجنبية مقلدًا أبا حنيفة في عدم نقض الوضوء بلمس المرأة وصلى فإن صلاته على هذه الحالة لا يقبلها كل من الأئمة، فلا يقبلها أبو حنيفة لعدم مسح ربع الرأس ولا يقبلها الشافعي لأن لمس الزوجة أو الأجنبية ينقض الوضوء عنده مطلقًا، ولا يقبلها مالك ولا أحمد لعدم مسح الرأس كله.
ومثل ذلك أن يقلد مالكًا في عدم نقض الوضوء بالقهقهة ويقلد أبا حنيفة في عدم النقض بمس الذكر ثم يصلي فهذه الصلاة لا تصح عند أبي حنيفة لأن القهقهة تنقض الوضوء عنده، كما أنها لا تصح عند مالك، ولا تصح عند الشافعي وأحمد لأن مس الذكر ينقض الوضوء عندهم.
ومثال التلفيق في غير العبادات أن يطلق رجل زوجته ثلاث تطليقات مكرهًا على طلاقها – فيفتيه حنفي بلزوم طلاق المكره، ثم يتزوج أختها بعد انقضاء عدتها، ثم يفتيه شافعي بعدم مضي طلاق المكره، فيحرم عليه أن يطأ الأولى مقلدًا للشافعي ويطأ الثانية مقلدًا لأبي حنيفة.
أي يحرم عليه أن يجمع بينهما، أما إذا أعرض عن الثانية فإن له وطء الأولى تقليدًا للشافعي (٢) .
ب – حكم التلفيق:
التلفيق منعه أكثر الفقهاء، وأجازه بعضهم ففي المذهب الحنفي قال في الدر المختار: " وحاصل ما ذكره الشيخ قاسم في تصحيحه أنه لا فرق بين المفتي والقاضي إلا أن المفتي مخبر عن الحكم والقاضي ملزم به، وأن الحكم بالقول المرجوح جهل وخرق للإجماع وأن الحكم الملفق باطل بالإجماع. قال ابن عابدين في حاشيته: " مثاله متوضئ سال من بدنه دم ولمس امرأة " فإن هذه الصلاة ملفقة من مذهب الشافعي والحنفي والتلفيق باطل وصحته منتفية " اهـ (٣) .
وللمالكية طريقتان في التلفيق في العبادة الواحدة؛ إحداهما تمنعه وهي طريقة المصريين، والأخرى تجيزه وهي طريقة المغاربة ورجحت. هذا ما نقله الدسوقي عن شيخه العدوي (٤) .
ونقل محمد سعيد الباني في عمدة التحقيق أن المعتمد عند الشافعية والحنفية والحنابلة عدم جواز التلفيق، لا في العبادة ولا في غيرها، وأن القول بجوازه ضعيف جدًّا، حتى حكى ابن حجر وغيره أنه خلاف الإجماع، قال: " وأراد بالإجماع اتفاق الأكثر " (٥) .
стр. 12264
سادسًا: خاتمة البحث:
وتتضمن ملخصًا وجيزًا لنقاط البحث وذكر ما هو المرجح عند العلماء في تتبع الرخص والتلفيق.
أ – تعريف الرخصة:
الرخصة شرعًا عبارة عما وسع في فعله لعذر مع قيام السبب المحرم والاقتصار على مواضع الحاجة.
ومقابل الرخصة العزيمة وهي الحكم الثابت على وجه ليس مخالفًا لدليل شرعي.
ب – أنواع الرخصة باعتبار حكمها الشرعي أربعة:
وهذا التقسيم هو الذي تبنته الشافعية.
رخص واجبة: وهي التي شرعت للضرورة الشديدة كوجوب أكل الميتة والدم لجائع خشي الهلاك.
رخص مندوبة: أو سنة أو هي أفضل من غيرها مثل القصر في السفر وفطر المريض والمسافر في رمضان إذا كان الصوم يشق عليه.
رخص مباحة: وهي التي تطلق على ما استثني من أصل كلي يقتضي المنع لحاجة المجتمعات إليها كالقرض والقراض والمضاربة والسلم وبيع العرايا.
رخص على خلاف الأولى: كالتلفظ بكلمة الكفر لمن أكره وقلبه مطمئن بالإيمان فالتلفظ بالكفر في هذه الحالة جائز ولكن الصبر على البلاء أفضل. ومن هذا النوع فطر المسافر في رمضان إذا كان الصوم لا يشق عليه فالصوم أفضل له عند الجمهور.
وهناك تقسيم آخر تبنته الحنيفة وهو قسمان:
رخص حقيقية: وهي التي تقع في مقابلة عزائم ما يزال العمل بها جاريًا لقيام دليلها. مثل النطق بالكفر للمكره عليه، وأكل الميتة لمضطر يخشى الهلاك.
وهذا النوع من هذا القسم أعلى درجات الرخصة.
والنوع الثاني من هذا القسم هو فطر المسافر في رمضان، فمن حيث إن السبب الموجب للصوم وهو رمضان – قائم كانت الرخصة حقيقية، ومن حيث إن الأمر على التراخي كانت الرخصة دون النوع الأول.
رخص مجازية: وتسمى أيضا برخص الإسقاط، وهي أيضا نوعان:
نوع أسقطه الله عن أمة محمد ﷺ وهو الإصر والأغلال التي كانت على من قبلنا من قتل النفس للتوبة وقطع محل النجاسة من الثوب والجسد ونحو ذلك.
والنوع الثاني من هذا التقسيم هو ما شرع للأمة من المعاملات التي الأصل فيها المنع كالقرض والسلم وغيرهما مما تقدم ذكره.
стр. 12265
ج – ضوابط الأخذ بالرخصة:
- وجود مشقة تؤدي إلى الانتقال من حكم العزيمة إلى الأخذ بالرخصة وهي المشقة غير المعتادة، أما المشقة المعتادة فمقترنة بالتكليف.
- أن تكون الرخصة فيما أذن فيه شرعًا، لأن الرخص لا تناط بالمعاصي ولذلك فإن العاصي بسفره لا يأخذ بالرخصة عند الجمهور.
- أن يكون سبب الرخصة قطعيًا أو ظنيًا، لا مشكوكًا فيه، لأن الرخص لا تناط بالشك فمن شك في جواز القصر وجب عليه الإتمام.
- أن يكون سبب الرخصة واقعًا بالفعل لا متوقعًا. فمن ترقب الحمى في يوم من رمضان لا يحل له الفطر قبل أن تصيبه الحمى.
- الاقتصار بالرخصة على مورد النص، فلا يقاس عليها عند الحنفية والحنابلة وهو أحد قولي المالكية.
- تتبع الرخص:
المنهي عنه هو الأخذ بأخف أقوال الأئمة وأسهلها من غير استناد لدليل شرعي، وهذا ممنوع عند أكثر العلماء وأجازه بعضهم إن سلم من التلفيق.
أما الرخص التي نص الشارع عليها. فلا يعد الآخذ بها متتبعًا للرخص لأن الله يحب الأخذ بها كما أسلفنا.
هـ – التلفيق:
هو الجمع بين تقليد إمامين فأكثر في مسألة واحدة، وأكثر الفقهاء على منعه، وللمالكية قول بجوازه في العبادة ورجح.
وعليه فإن الذي ترجح عندي من كلام العلماء الآنف الذكر في مختلف المذاهب أن الجمهور على منع تتبع الرخص والتلفيق، وأن تتبع الرخص دون تلفيق أخف من تتبعها بالتلفيق، لذلك أرى أن لا يعمل بالتلفيق إلا لضرورة.
ولا يعمل بتتبع الرخص الاجتهادية إلا فيما بين العبد وربه، ويكون ذلك في حالات نادرة.
أما الحقوق التي تكون بين العباد فلا يحكم فيها ولا يفتى بالتلفيق ولا بتتبع الرخص؛ بل يجب أن يكون الحكم والفتوى فيها بالراجح أو المشهور.
والله ولي التوفيق..
محمد الشيباني بن محمد بن أحمد
стр. 12266
مراجع البحث
أولاً: كتب التفسير مرتبة ترتيبًا زمنيا:
١- جامع البيان في تفسير القرآن: لابن جرير الطبري (ت ٣١٠ هـ) : الطبعة الأولى ببولاق ١٣٢٣ هـ.
٢- أحكام القرآن: للجصاص (ت ٣٧٠ هـ) – دار الكتاب العربي – بيروت مصورة عن الطبعة الأولى سنة ١٣٢٥ هـ.
٣- أحكام القرآن: للكيا الهراسي (ت ٥٠٤ هـ) – الطبعة الأولى ١٤٠٣ هـ / ١٩٨٣م – دار الكتب العلمية – بيروت.
٤- أحكام القرآن: لأبي بكر بن العربي (ت ٥٤٣ هـ) – تحقيق محمد علي البخاري – دار المعرفة – بيروت (بدون تاريخ) .
٥- الجامع لأحكام القرآن: للقرطبي (ت ٦٧١ هـ) الطبعة الثانية – دار الكتاب العربي – القاهرة ١٣٨٦ هـ / ١٩٦٦م.
٦- الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (ت ٩١١ هـ) – دار الكتب العلمية – بيروت – الطبعة الأولى ١٤١١هـ.
٧- أضواء البيان: الشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ت ١٣٩٣هـ) عالم الكتب – بيروت (بدون تاريخ) .
ثانيًا: كتب الحديث:
١- الموطأ: للإمام مالك (ت ١٧٩ هـ) – (رواية يحيى الليثي) – دار إحياء الكتب العربية – مصر – تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
٢- الجامع الصحيح: للإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ) – تحقيق: مصطفى ديب البغا – اليمامة للطباعة والنشر – دمشق – الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ / ١٩٨١ م.
٣- صحيح مسلم: للإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١ هـ) – تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي – دار إحياء التراث العربي – بيروت.
٤- سنن ابن ماجه: محمد بن يزيد القزويني (ت ٣٧٣ هـ) تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي – دار إحياء التراث العربي ١٩٧٥ م.
٥- سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥ هـ) إعداد وتعليق عزت عبيد الدعاس – الطبعة الأولى ١٣٨٨ هـ.
٦- المسند: للإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) المكتب الإسلامي للطباعة والنشر – دار صادر – بيروت.
٧- سنن النسائي بشرح السيوطي: أحمد بن شعيب النسائي (ت ٣٠٣ هـ) – الطبعة الأولى ١٩٣٠ م – دار إحياء التراث العربي – بيروت.
٨- المستدرك: للحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ هـ) – الطبعة الأولى ١٤٠٦هـ / ١٩٨٦م – دار المعرفة – بيروت.
٩- السنن الكبرى: للبيهقي (ت ٤٥٨ هـ) – الطبعة الأولى ١٣٤٤هـ.
١٠- معالم السنن: حمد بن محمد الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) – الطبعة الأولى ١٤٠١هـ.
١١- عارضة الأحوذي على صحيح الترمذي – أبو بكر بن العربي المالكي (ت ٥٤٣ هـ) – دار العلم للجميع (بدون تاريخ) .
١٢- صحيح مسلم بشرح النووي – محيي الدين بن شرف النووي (ت ٦٧٦ هـ) – الطبعة الثانية ١٣٩٢ هـ / ١٩٧٢ م – دار إحياء التراث العربي – بيروت.
١٣- صحيح مسلم مع شرحه المسمى: إكمال إكمال المعلم – محمد بن خلفة الأبي (ت ٨٢٧ هـ) – دار الكتب العلمية – بيروت.
стр. 12267
١٤- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ) – دار الكتاب العربي – بيروت.
١٥- فيض القدير شرح الجامع الصغير – عبد الرؤوف المناوي – دار المعرفة – بيروت.
١٦- بلوغ المرام من أدلة الأحكام – الحافظ: أحمد بن حجر العسقلاني – دار الكتب العلمية – بيروت.
١٧- فتح الباري شرح صحيح البخاري: لابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢ هـ) الطبعة الأولى ببولاق ١٣٠٠ هـ.
١٨- تلخيص الحبير (تخريج أحاديث الرافعي الكبير) للحافظ ابن حجر – تحقيق عبد الله هاشم اليماني – المدينة المنورة ١٣٨٤هـ.
١٩- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار – محمد بن علي الشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ) – دار الجيل – بيروت.
٢٠- زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم وشرحه فتح المنعم – الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي – دار إحياء التراث العربي – بيروت.
ثالثًا: كتب الأصول والقواعد:
١- المستصفى: أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) – بولاق – مصر ١٣٢٢ هـ.
٢- كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام: البزدوي (ت ٧٣٠ هـ) طبعة جديدة بالأوفست سنة ١٣٩٤ هـ.
٣- شرح تنقيح الفصول – شهاب الدين القرافي (ت ٦٨٤ هـ) – دار الفكر – بيروت – ١٩٧٢ م.
٤- حاشية العطار على جمع الجوامع لابن السبكي – دار الكتب العلمية – بيروت – بدون تاريخ.
٥- الموافقات في أصول الشريعة- أبو إسحاق الشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) – الطبعة الثانية ١٣٩٥ هـ / ١٩٧٥ م – دار المعرفة.
٦- الأشباه والنظائر للسيوطي: تحقيق وتعليق البغدادي – الطبعة الأولى ١٤٠٧هـ / ١٩٨٧ م – بيروت.
٧- إرشاد الفحول للشوكاني – دار المعرفة – بيروت ١٣٩٩هـ – دار الكتاب العربي.
٨- نشر البنود على مراقي السعود – الشيخ سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم الشنقيطي – مطبعة فضالة المحمدية (المغرب) .
٩ – نيل السول على مرتقى الوصول – الشيخ محمد يحيى الولاتي الشنقيطي (ت ١٣٣٠هـ) الطبعة الأولى بفاس ١٣٢٧ هـ.
١٠- أصول الفقه – الشيخ محمد الخضري بك – الطبعة السادسة سنة ١٣٨٩ هـ المكتبة التجارية الكبرى – مصر.
(أ) عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق: محمد سعيد الباني – الطبعة الأولى – المكتب الإسلامي ١٩٨١م.
(ب) نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر: عبد القادر بدران – دار الكتب العلمية بيروت.
стр. 12268
رابعًا: كتب الفقه (مرتبة أبجديًّا) :
أ- الفقه الحنفي:
١- بدائع الصنائع: علاء الدين الكاساني – دار الكتاب العربي – بيروت ١٤٠٢هـ.
٢- رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين) الطبعة الثانية ١٣٤٦هـ – مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
٣- اللباب في شرح الكتاب: عبد الغني الميداني – دار الحديث: حمص – بيروت.
٤- الهداية: أبو الحسن المرغيناني – المكتبة الإسلامية – الطبعة الخيرة – مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي.
ب- الفقه المالكي:
١- تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام: ابن فرحون المالكي – الطبعة الأولى بالمطبعة العامرة الشرفية بمصر المحمية ١٣٠١هـ.
٢- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير لأحمد الدردير: محمد عرفة الدسوقي – دار الفكر للطباعة والتوزيع.
٣- فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك: عليش – دار الفكر – بيروت.
٤- شرح الزرقاني وبهامشه حاشية البناني: عبد الباقي الزرقاني؛ محمد البناني – دار الفكر ببيروت.
٥- مختصر خليل: خليل بن إسحاق – دار الفكر للطباعة والتوزيع – بيروت.
٦- مواهب الجليل وبهامشه التاج والإكليل: محمد بن عبد الرحمن الحطاب، محمد بن يوسف المواق – الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ / ١٩٧٨ م – القاهرة.
ج – الفقه الشافعي:
١- المجموع شرح المهذب للنووي – دار الفكر – بيروت.
٢- مغني المحتاج شرح المنهاج: محمد الخطيب الشربيني – دار التراث العربي بيروت.
٣- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لشمس الدين محمد بن شهاب الرملي الشهير بالشافعي الصغير – شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – الطبعة الأخيرة ١٣٨٦هـ.
د – الفقه الحنبلي:
١- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف لعلاء الدين المرداوي – دار إحياء التراث العربي – بيروت.
٢- الروض المربع: منصور بن يونس البهوتي، تحقيق محمد عبد الرحمن عوض – دار إحياء التراث العربي.
٣- المبدع في شرح المقنع: برهان الدين بن مفلح – الكتب الإسلامي ١٣٩٤ هـ.
٤- المغني لموفق الدين بن قدامة – مكتبة الرياض الحديثة.
٥- مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم – تصوير الطبعة الأولى ١٣٩٨هـ.
٦- إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم – دار الجيل – بيروت (بدون تاريخ) .
هـ – المذهب الظاهري:
١- المحلى لابن محمد بن حزم – منشورات المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع – بيروت.
стр. 12269
الأخذ بالرخصة وحكمه
تتبع الرخص – التلفيق ورأي الفقهاء فيه
إعداد
فضيلة الشيخ مصطفى كمال التارزي
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
لما كانت العزيمة والرخصة من الأحكام الشرعية كان من المناسب أن نتعرض بإيجاز لبيان الحكم الشرعي الذي عرفه علماء الأصول، بأنه: "خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع ".
وإذا كان الحكم الشرعي وهو خطاب الشارع لم يكن خطاب غيره حكمًا شرعيا، لأن سلطة التشريع لمن بيده الخلق والأمر وحده، وتشريع غيره لا يعني إنشاء الحكم الشرعي، وإنما يعني الكشف عنه، ووضع القواعد التي تظهر حكم الله.
ومعنى تعلق خطاب الشارع بأفعال المكلفين، هو ارتباط كلامه سبحانه بهذه الأفعال على وجه يبين صفاتها، من ناحية أنها مطلوبة الفعل أو مطلوبة الترك أو مباحة.
ومعنى " على سبيل الاقتضاء " أي على سبيل الطلب سواء كان طلبًا للفعل أو لتركه، على سبيل الإلزام أو الترجيح، وهو: الواجب والمندوب والمحرم والمكروه.
ومعنى المتعلق بأفعال المكلفين بالتخيير هو التسوية بين جانبي الفعل والترك وهو إباحة كل منهما من غير ترجيح.
ومعنى المتعلق بأفعال المكلفين بالوضع أي الجعل، وهو جعل الشارع الشيء سببًا لشيء آخر، أو شرطًا له، أو مانعًا منه، وهو المعروف بخطاب الوضع، كوضع الدلوك سببًا لوجوب الصلاة، والطهارة شرطًا في الصلاة، والأبوة مانعًا من القصاص للابن من والده.
وقد اعتبر جمهور الأصوليين العزيمة والرخصة من الأحكام الشرعية، ولكنهم اختلفوا: هل هما من الأحكام الوضعية، أو هما من الأحكام التكليفية؟
فرأى البعض، ومنهم البيضاوي والبزدوي (١) ، أنهما: يدخلان في خطاب التكليف، وهو تقسيم آخر للحكم باعتبار كونه على وفق الدليل أو خلافه.
واحترز بكونه وفق الدليل أو خلافه من الأكل والشرب وغيرهما من الأشياء المباحة، فلا يسمى رخصة لأنه لم يثبت على المنع منه دليل.
وإنما كانت الرخصة والعزيمة من خطاب التكليف لأنهما لا يخرجان عن أحكام التكليف الخمسة، فكانتا حكمًا تكليفيا لذلك، ولأن الرخصة عبارة عن الانتقال من حرمة إلى إباحة، ومن وجوب إلى جواز، وكل من الحرمة والوجوب اقتضاء، والإباحة والجواز تخيير، وهو انتقال من حكم تكليفي إلى آخر؛ فالخطاب يأتي إذا باقتضاء الفعل والترك.
стр. 12270
فإذا طرأت للمكلف حالة غير عادية لا يمكن له معها أن يقوم بفعل الواجب أو ترك الحرام، فإن الشارع رخص له في ذلك بناء على العارض غير المعتاد، فلذلك أدرجوا العزائم والرخص في القسم الأول من الحكم، وهو خطاب التكليف. وإلى هذا الرأي ذهب كثير من المتأخرين (١) .
وذهب آخرون، كابن السبكي والغزالي (٢) إلى اعتبارهما حكمين وضعيين، إذ العزيمة عندهم تتصور في جعل الشارع الأحوال الاعتيادية للناس سببًا لاستمرار الأحكام الأصلية العامة.
أما الرخصة فتتصور في جعل الشارع الأحوال الطارئة عليهم كالسفر والمرض والإكراه والضرورة سببًا للتخفيف عنهم، أو مانعة من التكليف بحكم العزيمة. والسبب هو من الأحكام الوضعية لا التكليفية، لأنه لا طلب فيه ولا تخيير، بل فيه وضع وجعل واعتبار. والبحث في هذا الموضوع ينصب عادة على أسباب الترخص التي تعد أسبابًا لإباحة الفعل الذي كان ممنوعًا، ونفي صفة الجريمة والمعصية عنه، أو أسبابًا لعدم التكليف بهذا الفعل، وهذه كلها أحكام وضعية (٣) . وفي هذا يقول ابن أمير الحاج: وقيل: للشارع في الرخص حكمان:
- كونها وجوبًا أو ندبًا أو إباحة، وهو من أحكام الاقتضاء والتخيير.
- كونها مسببة عن عذر طارئ في حق المكلف يناسب تخفيف الحكم عليه، مع قيام الوضع لأنه حكم بالمسببية. ولا بدع في جواز اجتماعهما في شيء واحد من جهتين مختلفتين (٤) .
- وذهب فريق ثالث إلى أن الرخصة والعزيمة قسمان للحكم باعتبار عمومه وعدم عمومه، أو باعتبار تغيره من صعوبة إلى سهولة أو عدم تغيره. فما كان عاما ثابتًا يدعى: العزيمة. وما كان خاصا متغيرًا فهو: الرخصة (٥) .
والتحقيق أن الخلاف في هذه المسألة لا ينجر عليه أثر عملي، لأنه خلاف لفظي لا تترتب عليه ثمرة سوى المنهجية في الكتابة والتبويب، لأنهما بالفعل من أحكام التكليف، باعتبار، ومن أحكام الوضع، باعتبار ثان.
العزيمة والرخصة
قبل أن نبدأ بتعريف العزيمة والرخصة لا بد أن نبين أولاً أن أحكام الشرع الأصل فيها العموم، فلا تختص ببعض المكلفين دون بعض. فكانت الواجبات والمحرمات هي واجبة أو محرمة على كل المسلمين إذا توفرت شروطها. فإذا عرض ما يجعل العمل بالحكم الكلي شاقًا أو متعذرًا فإن الشارع يعتبرها ضرورة تبيح مخالفة الأحكام الكلية، واستبدالها بأحكام أخرى استثنائية، بها يتمكن المكلف من تأدية ما وجب عليه ولو في الجملة، وتزول هذه الأحكام الاستثنائية بزوال أسبابها. فيرخص الله تعالى للمكلف أن يترك الفعل المطالب به، كأن يرخص للمريض في رمضان الإفطار على أن يقضيه بعد أيام أخر. وقد تعارف الأصوليون على تسمية الأحكام الكلية العامة التي يمكن تطبيقها في الأحوال العادية بالعزائم، وعلى تسمية الأحكام الطارئة تيسيرًا ورفعًا للمشقة بالرخص.
стр. 12271
تعريف العزيمة:
العزيمة لغة: القصد المصمم، والطلب المؤكد، قال في القاموس (١) :
عزم على الأمر يعزم عزمًا ومعزمًا كمقعد ومجلس، وعزمًا بالضم، وعزيمًا وعزيمة. وعزمه واعتزم عليه، وتعزم: أراد فعله وقطع عليه، أو جد في الأمر وعزم الأمر. وأولو العزم من الرسل: الذين عزموا على أمر الله فيما عهد إليهم، كنوح وإبراهيم وموسى محمد عليهم الصلاة والسلام.
وفي ميزان الأصول (٢) : العزيمة عبارة عن النية المؤكدة. فإن خطر بباله شيء من الأفعال يحتاج إلى تحصيله، فإنه ينوي مباشرته بقلبه، فإذا أكد النية يقال: عزم عليه، وإذا أكد العزم يقال: أجمع عليه رأيه.
وقال الراغب الأصفهاني (٣) : العزيمة قصد الشيء والتصميم عليه تصميمًا مؤكدًا. وهو عقد القلب على إمضاء الأمر.
وقال الشيخ ابن عاشور (٤) عن العزيمة: إمضاء الرأي، وعدم التردد بعد تبين السداد.
وقال ابن منظور (٥) : العزم ما عقد عليه قلبك من أمر أنك فاعله....
وفي الحديث (٦) الشريف ((أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر: متى توتر؟ فقال: أول الليل. وقال لعمر: متى توتر؟ فقال: من آخر الليل. فقال لأبي بكر: أخذت بالحزم. وقال لعمر: أخذت بالعزم)) . قال ابن منظرو: أراد أن أبا بكر حذر فوات الوتر بالنوم فاحتاط وقدمه، وأن عمر وثق بالقوة على قيام الليل فأخره. ولا خير في عزم بغير حزم، فإن القوة إذا لم يكن معها حذر أورطت صاحبها.
وقال الزجاج في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ﴾ [محمد: ٢١] فإذا جد الأمر، ولزم فرض القتال؛ هذا معناه. وقال العرب: تقول: عزمت الأمر، وعزمت عليه. قال الله تعالى ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] . ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [ال عمران: ١٥٩] . وقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] .
العزيمة في اصطلاح الأصوليين:
عرف الإمام علاء الدين شمس النظر السمرقندي (٧) العزيمة بأنها: اسم للحكم الأصلي في الشرع، لا لعارض أمر، وهي من الفرض والواجب والسنة ونحوها، ومن الحلال والحرام ونحوهما.
وعرفها الإمام الغزالي، فقال: والعزيمة في لسان حملة الشرع عبارة عما لزم العباد بإيجاب الله تعالى (٨) .
وعرفها الآمدي بنفس التعريف السابق (٩) .
وعرفها العلامة محمد الفتوحي المعروف بابن النجار (١٠) بقوله: العزيمة في حكم أهل الشرع: حكم ثابت بدليل شرعي خال من معارض راجح.
стр. 12272
فشمل الأحكام الخمسة، لأن كل واحد منها حكم ثابت بدليل شرعي. فيكون في الحرام والمكروه على معنى الترك، فيعود المعنى في ترك الحرام إلى الوجوب (١) .
وقوله: بدليل شرعي احتراز عن الثابت بدليل عقلي، فإن ذلك لا يستعمل فيه العزيمة والرخصة.
وقوله: خال عن معارض احتراز عما يثبت بدليل لكن لذلك الدليل معارض، كتحريم الميتة عند عدم المخمصة. فالتحريم فيها عزيمة. فإذا وجدت المخمصة حصل المعارض لدليل التحريم، وهو راجح عليه، فجاز الأكل، وحصلت الرخصة.
وعرفها الشاطبي في الموافقات (٢) ، بأنها: ما شرع من الأحكام الكلية ابتداءً. ومعنى: كلية الأحكام: أنها لا تختص ببعض المكلفين من حيث هم مكلفون دون بعض، ولا ببعض الأوقات والحالات دون بعض، بل إنها مشروعة على الإطلاق والعموم؛ كالصلاة، فإنها مشروعة على الإطلاق والعموم، وعلى كل شخص، وفي جميع الأحوال. وكذلك الصوم والزكاة، وغيرها من الفرائض الواجبات والسنن، وسائر شعائر الإسلام، وما شرع من الأحكام للتوصل بها إلى إقامة مصالح العباد، كالبيع والإجارة وسائر العقود، وكذلك أحكام الجنايات والقصاص والضمان وغير ذلك.
ومعنى: شرع هذه الأحكام ابتداء: أنها لم تسبق بأحكام شرعية قائمة، بل هي إنشاء أحكام تكليفية من أول الأمر، كالصلاة والزكاة والصوم، أو سبقت بأحكام منسوخة بها، كالتوجه إلى الكعبة، فإنه عزيمة لا رخصة؛ لأنه وإن سبق بحكم شرعي هو التوجه إلى بيت المقدس، إلا أن هذا الحكم ليس قائمًا. فالعزيمة ليست استثناءً من أحكام سابقة، بل إنها حكم شرعي ابتداء، وبذلك تفارق الرخصة.
وقد اعتمد هذا التعريف غالب من كتبوا في الأصول من المتأخرين (٣) .
стр. 12273
وقد عرف البيضاوي (١) وابن قدامة (٢) العزيمة، بأنها: الحكم الثابت لا على خلاف الدليل، كإباحة الأكل والشرب، أو على خلاف الدليل، لكن لا لعذر، كالتكاليف كلها. وفي ذلك تندرج الأحكام الخمسة: الواجب والمندوب والمباح والحرام والمكروه فكانت العزيمة اسمًا للحكم الأصلي في الشرع بقطع النظر عن كونه مطلوب الفعل، أو مطلوب الترك. وإلى هذا الاتجاه ذهب غالب علماء الأصول، مثل: السرخسي في أصوله (٣) والأنصاري في لب الأصول وغايته، ومنلا خسرو في مرآة الأصول (٤) وجلال الدين المحلي على جمع الجوامع (٥) وغيرهم. والعزيمة تشمل الأحكام الخمسة، وتطلق على أربعة أنواع:
أولها: الحكم الذي لم يتغير، كوجوب الصلوات الخمس.
ثانيها: الحكم الذي تغير إلى ما هو اصعب منه، كحرمة الاصطياد بالإحرام في غير الحرم، بعد إباحته قبل الإحرام.
ثالثها: الحكم الذي تغير إلى سهولة لغير عذر، كحل ترك الوضوء لصلاة ثانية مثلاً لمن لم يحدث، بعد حرمته، والحل هنا بمعنى خلاف الأولى.
رابعها: الحكم الذي تغير إلى سهولة، لعذر، مع عدم قيام السبب للحكم الأصلي، كإباحة ترك ثبات الواحد من المسلمين مثلاً للعشرة من الكفار بعد حرمته؛ وسببها قلة المسلمين، ولم تبق حال الإباحة لكثرتهم حينئذ (٦) .
وقد ذهب بعض الأصوليين إلى أن العزيمة خاصة بالواجبات دون غيرها، لأنها من العزم المؤكد. كما ذهب الإمام القرافي إلى قصر العزيمة على الواجب والمندوب، إذ عرفها بأنها: طلب الفعل الذي لم يشتهر فيه مانع شرعي. واستعمل كلمة: طلب، بدل: الوجوب، ليندرج المندوب والواجب، أخذًا من قول المالكية: إن الآيات التي يندب السجود عند تلاوتها: عزائم، حيث تقرر عندهم أن عزائم القرآن إحدى عشرة سجدة (٧) .
ويرى البزدوي (٨) وصدر الشريعة (٩) والكمال بن الهمام (١٠) وغيرهم من علماء الحنفية: أن العزيمة هي الحكم الأصلي الذي يشمل الفرض والواجب والسنة والنفل، وهذه التي تشمل العزيمة المشروعة في نظرهم، ولم يذكروا المباح والحرام والمكروه من أقسامها (١١) .
стр. 12274
تعريف الرخصة
الرخصة في اللغة:
هي اليسر والسهولة، جاء في مختار الصحاح (١) : الرخصة في الأمر خلاف التشديد فيه. ومنه رخص السعر إذا تيسر وسهل، ضد الغلاء.
وفي لسان العرب (٢) : تطلق الرخصة على معان كثيرة أهمها:
١- نعومة الملمس. يقال رخص البدن رخاصة ورخوصة إذا نعم ملمسه ولان، فهو رخص (بفتح فسكون) ورخيص، وهي رخصة ورخيصة. وتقول العرب: أمرأة رخصة البدن إذا كانت ناعمة الجسم.
٢- انخفاض الأسعار. يقال: رخص الشيء رخصًا (بضم فسكون) فهو رخيص، من باب قرب قربًا: ضد الغلاء.
وقال في المصباح والقاموس (٣) . رخص الشارع لنا في كذا ترخيصًا، وأرخص إرخاصًا إذا يسره وسهله. وفلان يترخص في الأمر إذا لم يستقص. ورخص له في الأمر إذا أذن له فيه. قال ﵊: ((إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته)) (٤) .
والرخصة بفتح الخاء: المكثر من الأخذ بها، مثل: طلقة وضحكة ولعنة وكذلك همزة ولمزة وصرعة (بضم ففتح) وهي صيغة تدل على كثرة صدور الفعل الذي اشتق منه كثرة تنبئك بأنه صار عادة لصاحبة (٥) قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] لمن يكثر من همز الناس ولمزهم.
الرخصة في اصطلاح الأصوليين:
يبدو أن الخلاف في مفهوم الرخصة كان ناجمًا عن اختلاف علماء الأصول في تحديد مفهوم العزيمة للعلاقة القائمة بينهما باستمرار، حتى أن إحداهما لا تطلق إلا فيما يقابل الأخرى (٦) . كما أن هناك فروعًا فقهية كثيرة للعلماء وأقوالاً مختلفة في إدراج كل منها تحت أي من القسمين، وهذا الاختلاف ناجم عن إطلاق اسم العزيمة أو الرخصة على الفرع المختلف فيه، فكل يطلق منهما ما يعتبره الأقرب لاصطلاحه.
стр. 12275
مفهوم الرخصة عند الحنفية:
قال الشيخ علاء الدين السمرقندي في ميزان الأصول (١) : الرخصة اسم لما تغير عن الأمر الأصلي، لعارض، إلى تخفيف وتيسير، ترفيهًا وتوسعة على أصحاب الأعذار. سواء كان التغيير في وصفه أو في حكمه.
ثم إنهم يقسمون الرخصة باعتبار الحقيقة والمجاز إلى قسمين رئيسيين، اعتمادًا على ما ذكره السرخسي في أصوله، والشيخ علاء الدين السمرقندي في ميزان الأصول، وغيرهما.
القسم الأول: رخص حقيقية، ويسمونها أيضًا: رخصًا ترفيهية، وهي التي تقع في مقابلة عزائم ما يزال العمل بها جاريًا، لقيام دليلها. وهذا القسم ينقسم إلى قسمين فرعيين:
١- ما يتغير حكمه مع بقاء الوصف الذي كان عليه من قبل. وبذلك يكون المشرع أباحه مع قيام السبب المحرم والحرمة معًا، وهو أعلى درجات الرخص. فكمال الرخصة كمال العزيمة، فكلما كانت هذه حقيقة كاملة من كل وجه كانت الرخصة في مقابلتها كذلك (٢) ، وذلك كاستباحة التلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان، عند الإكراه على ذلك، أخذًا من قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] . لأن في امتناعه عن الفعل إتلاف ذاته صورة ومعنى، وفي إقدامه عليه إتلاف حق الشرع صورة لا معنى، حيث إن التصديق الذي هو الركن الأصلي في الإيمان باق على حاله. ومع ذلك فقد نص العلماء على تخييره بين الفعل والترك، بل رجح الحنفية الأخذ بالعزيمة، لأن إحياء النفس هنا وإن كان من الرخص الواجبة إلا أن ما يقابله، وهو التمسك بالعزيمة يعتبر من مواقف السمو والإباء والتمسك بالحق.
وقد جاء في السنة ما يؤيد الموقفين. فقد ورد أن مسيلمة الكذاب أكره رجلين من المسلمين على الكفر، فنطق أحدهما بكلمته فنجا، وأصر الآخر على الجهر بالحق فهلك، فقال ﷺ فيهما: ((أما الأول فقد أخذ برخصة الله تعالى، وأما الثاني فقد صدع بالحق، فهنيئًا له)) (٣) . وقال ﷺ في حديث آخر لعمار بن ياسر، بعد أن عذب وأجبر على شتم النبي والإشادة بآلهتهم: ((كيف تجد قلبك يا عمار؟)) قال: مطمئنًا بالإيمان. فقال ﷺ : ((فإن عادوا فعد)) (٤) .
стр. 12276
٢- ما يسقط فيه الحظر والمؤاخذة جميعًا، وبذلك يكون المشرع استباح ترك الواجب إذا شق فعله، كاستباحة الفطر في رمضان للمسافر والمريض، أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . واستباحة قصر الصلاة من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] . وكذلك استباحة الصلاة من قعود، إذا تعذر القيام وأخذًا من السنة – على أن الحنفية يرون أن قصر الصلاة في السفر عزيمة لا رخصة؛ أخذًا من حديث عائشة ﵂: ((فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر)) (١) . ويرى الحنفية أيضا أن العمل بالعزيمة في هذا النوع الثاني أولى من العمل بالرخصة؛ لأن في الأخذ بالعزيمة نوع يسر، بناء على أن الصوم مع المسلمين في شهر رمضان أيسر من التفرد به بعد مضي الشهر. فإذا أضفنا إلى هذا اليسر ثوابًا يختص بالعزائم ترجح العمل بالعزيمة ما لم يضعفه الصوم، فإذا أضعفه كان الفطر أولى.
وهذا التقسيم الأول ليس خاصًا بالحنفية ولكن الخلاف في التسمية.
القسم الثاني: رخص مجازية، وتسمى رخص الإسقاط. وقسمها الحنفية إلى قسمين فرعيين:
١- ما وضع عن هذه الأمة، رحمة بها، وإكرامًا لها، من الأحكام الشاقة التي كانت مفروضة على الأمم السابقة، فشابهت الرخصة، فسميت بها. وذلك كقتل النفس لصحة التوبة، وقطع الأعضاء الخاطئة، وإيجاب ربع المال في الزكاة، وإحراق الغنائم، وتحريم الطيبات بسبب الذنوب، واشتراط الماء للتطهر من الجنابة والحدث، واشتراط مكان معين لقبول الصلاة (٢) .
ونحو هذا مما فيه إصر وأغلال (٣) وهو ما أشار إليه القرآن بقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . فتسمية هذه الأشياء رخصًا مجازًا، من حيث إنها كانت واجبة على غيرنا ولم تجب علينا، رحمة وتخفيفًا، فشابهت الرخصة، فسميت بها مجازًا. ولما كان الحكم غير مشروع في حقنا أصلاً لم تكن رخصة حقيقية بل مجازًا (٤) على اعتبار إضافة إلى الشرائع الماضية.
٢- ما شرع من العقود استثناءً من قواعدها العامة، دفعًا للحرج عن الناس (٥) وذلك كعقدي السلم والاستصناع فكل منهما شرع للحاجة إليه على خلاف القايس، لأنه بيع المعدوم، وبيع المعدوم غير صحيح. فقد جاء في الحديث: ((نهى رسول الله ﷺ عن بيع الإنسان لما ليس عنده ورخص في السلم))
فعقود هذا القسم من حيث إنها مشروعة في الجملة كانت شبيهة بالرخص الحقيقية، ومن حيث استثنائها مما ذكر كانت رخصًا مجازية؛ إذ ليس في مقابلتها عزائم. ومن أجل ذلك اعتبر هذا القسيم أقرب إلى الرخص الحقيقية من القسم الأول المتمحض للمجازية.
وبذلك يظهر أن هذه الأقسام الأربعة التي ذكرناها: نوعان من الحقيقة، الأول منهما أحق بكونه رخصة؛ ونوعان من المجاز، الأول منهما أتم في المجازية من الآخر.
стр. 12277
مفهوم الرخصة عند الشافعية:
عرف الغزالي (١) الرخصة بأنها عبارة عما وسع للمكلف لعذر وعجز عنه، مع قيام السبب المحرم. فإن ما لم يوجبه الله تعالى علينا من صوم شوال، وصلاة الضحى، لا يسمى رخصة. ويسمى تناول الميتة، وسقوط صوم رمضان عن المسافر – رخصة.
وذكر الآمدي (٢) تعريفًا آخر، فقال: وقال أصحابنا: الرخصة ما جاز فعله لعذر، مع قيام السبب المحرم. وعلق عليه بأنه غير جامع، لأن الرخصة كما تكون بالفعل قد تكون بترك الفعل، كإسقاط وجوب صوم رمضان، والركعتين من الرباعية في السفر. ولهذا أتى بتعريف جديد للرخصة فقال: من الواجب أن يقال: " الرخصة ما شرع من الأحكام لعذر، مع قيام السبب المحرم حتى يعم النفي والإثبات".
وقد اعتمد الأسنوي (٣) التعريف الذي ذكره البيضاوي، وهو: " الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر ".
وقد انتقد الأسنوي التعريف الذي عدله الآمدي وارتضاه، بأنه غير جامع، لأن الحكم الثابت للرخصة أعم من أن يكون ثابتًا على خلاف الدليل المقتضي للتحريم، كأكل الميتة للمضطر، أو ثابتًا على خلاف الدليل المقتضي للندب، كترك الصلاة الجامعة بعذر المطر والمرض ونحوهما، فإنه رخصة بلا نزاع، وكالأبواد عند من يقول: أنه رخصة (٤) .
ويبدو أن التعريف الذي ارتضاه الإسنوي ومتأخرو الشافعية يمكن أن يكون التعريف الجامع المانع، وإن لم يسلم من الانتقاد. وتكون الرخصة بهذا المعنى الذي ارتضاه الشافعية لا تختلف كثيرًا من حيث الجملة عن التعاريف التي اختارها الحنفية وتقدمت الإشارة إليها في عرض مفهوم الرخصة عندهم.
стр. 12278
مفهوم الرخصة عند الحنابلة:
لا يكاد يختلف عن مفهوم الرخصة عند الشافعية في جوهره (١) . فقد عرف الشيخ محمد بن أحمد الفتوحي الحنبلي، المعروف بابن النجار، الرخصة بقوله: والرخصة شرعًا: (ما ثبت على خلاف دليل شرعي لمعارض راجح) (٢) . فقوله: (ما ثبت على خلاف دليل شرعي) احتراز عما ثبت على وفق الدليل، فإنه لا يكون رخصة بل عزيمة، كالصوم في الحضر.
وقوله: (لمعارض راجح) : احتراز عما كان لمعارض غير راجح، بل إما مساو فيلزم الوقف على حصول المرجح، أو قاصر عن مساواة الدليل الشرعي، فلا يؤثر وتبقى العزيمة بحالها – وهذا الذي ذكره الطوفي في مختصره.
ورغم أن الشافعية والمالكية والحنابلة لا يختلفون عادة في الاتجاه الأصولي؛ إلا أن المالكية في باب العزيمة والرخصة أبرزوا اهتمامًا كبيرًا، واعتمدوا فيه على كثير من فروع مذهبهم، لذا رأيت من المستحسن أن أتعرض إلى بعض آراء علمائهم في موضوع الرخصة الذي هو محل حديثنا.
معنى الرخصة عند المالكية:
يقول القرافي (٣) : الرخصة: فسره الإمام الرازي في المحصول بجواز الإقدام مع قيام المانع. وذلك مشكل؛ لأنه يلزم منه أن تكون الصلوات الخمس رخصة، والحدود والتعازير والجهاد والحج رخصة؛ لأن ذلك جميعه يجوز بجواز الإقدام عليه.
والذي يتابع ما وضعه القرافي في تعريف معنى الرخصة يشعر بالعمق الفكري وأثر الجهد الذي بذله في تتبع الرخص وخاصيتها والتفرقة بين الرخصة والعزيمة حتى يتمكن من الظفر بالتعريف الجامع المانع للرخصة.
فإنه وإن لم يخرج عن منهج المذهب الشافعي إلا أنه خالف هذا المذهب في مناسبات متكررة، وقد تقدمت الإشارة إلى رأيه في تعريف العزيمة التي قصر دلالتها على الواجب والمندوب.
стр. 12279
معاني الرخصة عند الشاطبي:
المعنى الأول: عرف الشاطبي (١) الرخصة بأنها ما شرع لعذر شاق، استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على مواضع الحاجة فيه.
فكونه مشروعًا لعذر هو الخاصة التي ذكرها علماء الأصول.
وكونه شاقًا: احتراز عن العذر لمجرد الحاجة من غير مشقة موجودة، فلا يسمى ذلك رخصة، كشرعية القراض مثلاً، فإنه لعذر في الأصل، وهو عجز صاحب المال عن الضرب في الأرض، ويجوز حيث لا عذر ولا عجز. وكذلك المساقاة والقرض والسلم، فلا يسمى هذا كله رخصة، وإنما يكون مثل هذا داخلاً تحت أصل الحاجيات الكلية، والحاجيات لا تسمى عند العلماء باسم الرخصة.
وقد يكون العذر راجعًا لأصل تكميلي، فلا يسمى رخصة، كما إذا كان المترخص إمامًا عجز عن القيام فصلى قاعدًا، فصلاة المؤتمين به قاعدين وقع لعذر، إلا أن العذر في حقهم ليس المشقة، وإنما هي متابعة الإمام، لما جاء في الحديث الشريف: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه. فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله من حمده فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون)) (٢) . فهذه الموافقة للإمام، أو عدم المخالفة عليه، لا تسمى رخصة.
ثم يقول الشاطبي: وكونه مقتصرًا على مواضع الحاجة: خاصة من خواص الرخص لابد منها، وهي الفاصل بين ما شرع من الحاجيات الكلية وما شرع من الرخص، فشرعية الرخص جزئية، يقتصر فيها على موضع الحاجة؛ لأن المصلي – مثلاً – إذا انقطع سفره وجب عليه الرجوع إلى الأصل، من إتمام الصلاة، وإلزام الصوم.
والمريض إذا قدر على القيام في الصلاة لم يصل قاعدًا، وإذا قدر على مس الماء لم يتيمم. وكذلك سائر الرخص؛ بخلاف القرض والقراض والمساقاة فهي ليست برخصة في حقيقة هذا الاصطلاح.
стр. 12280
وبين الشاطبي أن الرخصة كما تطلق على المعنى الذي كنا نقرره تطلق على معان أخرى:
المعنى الثاني: ما استثنى من أصل كلي يقتضي المنع مطلقًا، من غير اعتبار لكونه لعذر شاق. فيدخل فيه القرض والقراض والمساقاة وضرب الدية على العاقلة، وما أشبه ذلك. وعليه يدل حديث ((لا تبع ما ليس عندك)) (١) وأرخص في السلم (٢) .
المعنى الثالث: ما وضع عن هذه الأمة من التكاليف الغليظة والأعمال الشاقة التي دل عليها قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] . وقوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] .
المعنى الرابع: ما كان من المشروعات توسعة على العباد مطلقًا، مما هو راجع إلى نيل حظوظهم، وقضاء أوطارهم. وعزيمته قضاء الوقت في عبادة الله سبحانه، وهي التي نبه عليها المولى ﵎ بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] .
فالعزيمة في هذا الوجه هي امتثال الأوامر واجتناب النواهي على الإطلاق والعموم، سواء كانت الأوامر وجوبًا أو ندبًا؛ والنواهي كراهة أو تحريمًا، وترك ما يشغل عن ذلك من المباحات، فضلاً عن غيرها، لأن الأمر من الآمر مقصود أن يمتثل على الجملة. والإذن في نيل الحظ الملحوظ من جهة العبد رخصة، فيدخل في الرخصة على هذا الوجه كل ما كان تخفيفًا وتوسعة على المكلف، وبذلك كانت العزائم حق الله على العباد، والرخص حظ العباد من لطف الله. فتشترك المباحات مع الرخص على هذا الترتيب، من حيث كانا توسعة على العبد، ورفعًا للحرج عنه.
والذي يظهر من كل التعاريف المتقدمة في تحديد معنى الرخصة في اصطلاح الشرع، على اختلاف مذاهب الفقهاء، أن خصائص الرخص ثلاث:
١- إنها أحكام جزئية خاصة، شرعت على أحكام؛ فجواز الفطر للمريض والمسافر، وإباحة الميتة للمضطر، والنطق بكلمة الكفر للمكره – كلها أحكام جزئية خاصة؛ لأنها تطبق في شأن بعض المكلفين في بعض الحالات، وهي حالات السفر والمرض والإكراه والضرورة. وهذه الأحكام الجزئية الخاصة تعد استثناءً من أحكام كلية عامة تمنع الفطر في رمضان، وأكل الميتة، والنطق بكلمة الكفر؛ وتطبق على وجه العموم والإطلاق.
стр. 12281
٢- إن هذه الأحكام الجزئية الخاصة قد شرعت لعذر شاق، أي يتعذر على بعض الناس القيام به؛ وليس لمجرد الحاجة أو لمشقة يسيرة. فالفطر قد شرع لعذر شاق هو السفر والمرض، وهما مظنة المشقة؛ وأكل الميتة قد شرع لعذر شاق هو حالة الضرورة؛ والنطق بكلمة الكفر شرع لعذر شاق هو الإكراه. إذ في التكليف مع الإكراه، بإتلاف نفس أو عضو؛ أو مع الضرورة، بخوف الهلاك – مشقة شديدة.
٣- إن هذه الأحكام يقتصر فيها على موضع الحاجة. ذلك أنها أحكام جزئية خاصة، فهي أحكام تخص بعض المكلفين دون بعض، وتطبق في حالات خاصة، وبذلك كانت دائرة مع أسبابها وجودًا وعدمًا، فإذا وجدت أسباب الترخص جازت مخالفة التكليف الكلي العام، وإذا انتفت هذه الأسباب وجب الرجوع إلى هذه الأحكام. فأسباب الترخص تمنع من التكليف ببعض الأحكام الكلية العامة، أو تجيز مخالفته مع قيامه، وتمنع من العقاب على هذه المخالفة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن تقسيم الحكم إلى عزيمة ورخصة ليس من خاصيات المذاهب المتقدمة، بل هي مسائل تعرضت إليها بعض المذاهب الإسلامية الأخرى، كالزيدية والإمامية والإباضية التي تقسم الحكم إلى عزيمة ورخصة، وتعرفها بتعاريف لا تختلف كثيرًا عما ذهب إليه أصحاب تلك المذاهب في مفهوم كل من الرخصة والعزيمة، وإن اختلفت التقسيمات والعناوين الثانوية التي أعطيت لهذه التقسيمات.
الأدلة العامة للعزائم والرخص:
في اعتقادي أن العزائم لا تحتاج إلى تقصي أحكامها، والبحث عن أدلة مشروعيتها؛ لأن كل حكم في الشرع الإسلامي لابد له من دليل من كتاب الله أو سنة رسوله، أو الإجماع، أو القياس؛ إذ ليس لأحد أن يحلل أو يحرم، ولا أن يوجب حكمًا؛ بغير دليل من قرآن أو سنة أو إجماع أو نظر.
ولذلك فلا فائدة في البحث عن دليل كل حكم يعتبر عزيمة، لأن هذا العمل هو من خصائص علم الفقه. فهذا العلم تكفل بالبحث عن كل دليل لأي حكم من الأحكام.
أما الرخص فهي على عكس ما في العزائم من صفات، فقد اجتمع في الرخص الخفاء مع الدقة، والخصوص مع الاستثناء، والاعتدال مع اليسر. وإذا كان لابد من إقامة الدليل على أصل تشريع كل رخصة، فلا بد للمستدل أن لا يهمل ما فهمه الأولون من الأدلة التي يقدمها، وأن لا يستغني عن التعرف على ما كانوا عليه في العمل بها، وتقصي أحكامها.
والذي مارس كتب الفقه يعلم علم اليقين أن أدلة ثبوت الرخص ومشروعيتها بلغت مبلغ القطع في غالب الأحيان، إذ هي تعتمد على أدلة نقلية من القرآن والسنة وآثار الصحابة والقواعد العامة، وعلى نتائج استقراء النوازل التي تمت في العصور المختلفة.
стр. 12282
أدلة الرخص من القرآن:
هي أربعة أنواع (١) :
النوع الأول: آيات التيسير والتخفيف:
- كقوله تعالى تعقيبًا على أحكام الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقد ورد هذا النص مباشرة بعد النص على الترخيص وكان كاصلة لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] .
والمراد باليسر: العمل الذي لا يجهد النفس وليست فهي مشقة زائدة لا يستطيع أن يتحملها عامة الناس. والمراد بالعسر: هو ما فيه إجهاد للنفس، وضرر للجسم، وفيه مشقة زائدة لا يتحملها عامة الناس.
- وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] هو تذكير بأن الله يوالي رفقه بهذه الأمة، وإرادته بها اليسر دون العسر، وأن الضعف المشار إليه في الآية هو ضعف الإنسان أمام الشهوة الجنسية، وفي الخبر: لا خير في النساء، ولا صبر عنهن، يغلبن كريمًا ويغلبهن لئيم.
والذي رجحه المفسرون: عموم التخفيف في الشريعة، بناءً على ضعف الإنسان أمام رغباته وأمام مغريات الحياة، بالرحمة واليسر ورفع المشقة، وإزالة الضرر (٢) .
- وقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] . المراد بالوسع هو: الطاقة والاستطاعة. والمستطاع ما اعتاد الناس فعله دون مشقة بالغة.
النوع الثاني: آيات في نفي الحرج والضيق:
- قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨] . والحرج يطلق ويراد به الضيق والشدة. وجاءت الآية لبيان تفضيل هذا الدين عما سواه بنفي الحرج عنه، الأمر الذي يسهل العمل به، والمداومة عليه، فيسعد أتباعه بسهولة امتثاله (٣) . فما ألزم الله عباده بشيء يشق عليهم إلا جعل لهم فرجًا ومخرجًا. فقد رخص لهم في المضائق، وفتح عليهم باب التوبة على مصراعيه، وشرع لهم الكفارات في حقوقه، والديات في حقوق العباد (٤) .
- وقال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦] .
هذا الجزء من الآية جاء تعليلاً لرخصة التيمم.
والمراد هنا: نفي الحرج الحسي. فلم يكلفوا بالضوء والاغتسال مع المرض والسفر إذا فقدوا الماء في السفر وعجزوا عن استعماله في المرض، وكذلك نفي الحرج المعنوي لو منعوا من أداء الصلاة في حال العجز عن استعمال الماء لضر، أو لفقدانه في السفر (٥) .
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] . هذه الآية تمثل إعذارًا من الله للضعفاء، وهم العاجزون عن تحمل المشاق، كالشيخ، والصبي، والمرأة، والهزيل خلقًا لا علة. والمرضى (وهم العاجزون بأمر عرض لهم لحقهم منه ضرر، كالعمى والعجز والزمانة: وسائر الأمراض التي تعوق صاحبها عن القيام بما أمر به) والفقراء الذين يعجزون عن تجهيز أنفسهم للقتال (٦) .
стр. 12283
النوع الثالث: نفي العنت:
- كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] . ورد في نزول هذه الآية أنه لما نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥٢ – والإسراء: ٣٤] . انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠] (١) فأذن الله بهذه الآية بمخالطة اليتامى، وأن الغرض الأصلي هو إصلاحهم، والقيام بشؤونهم وتربيتهم، وحفظ أموالهم؛ ولم يرد العنت لسعة رحمته، إذ لا يكلف نفسًا إلا وسعها. ولذلك أباح مخالطتهم، مع عفوه عما جرى العرف على التسامح فيه لعدم استغناء الخلطة عنه.
النوع الرابع: النهي عن الغلو في الدين:
- كقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] .
في هذه الآية خطاب موجه إلى النصارى واليهود بأنهم خالفوا كتابهم، بالإفراط فيه والزيادة عليه، ونهوا عن الغلو بالذات، لأنه أصل لكثير من ضلالهم وتكذيبهم للرسل الصادقين، وهو سبب تجاوزهم الحد الذي طلبه دينهم من اتباع الإنجيل والتوراة، ومحبة رسولهم – ببغض محمد ﵊. كما تجاوز النصارى محبة رسولهم بدعوى إلهيته أو كونه ابن الله.
وإذا كان الغلو في الدين موجهًا في هذه الآية إلى النصارى واليهود فإن فيه عبرة واعتبارًا للمسلمين، فهم أولى بالانتهاء عن الغلو من غيرهم، وأحق بهذا الخطاب من سواهم، حيث إن دينهم دين الرحمة واليسر والعدل والاعتدال.
стр. 12284
أدلة الرخصة من السنة:
تشمل ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أحاديث يستفاد منها سماحة هذا الدين ويسره. وذلك كالحديث الذي رواه ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ سئل عن أحب الأديان إلى الله فقال: ((الحنيفية السمحة)) (١) .
والمراد بالحنيفية: المائلة عن الباطل إلى الحق، أو المائلة عن دين اليهود والنصارى إلى الاستقامة.
والمراد بالسمحة: الميسورة التي لا تتطلب ما فيه كثافة وغلظة وجمود، ولا تدعو إلى ما ينجر عنه عصيان وطغيان وسماجة.
يقول الإمام ابن عاشور (٢) : " والحكمة من السماحة في الشريعة أن الله جعل هذه الشريعة دين الفطرة، وأمور الفطرة راجعة إلى الجبلة فهي كائنة في النفوس، سهل عليها قبولها، ومن الفطرة النفور من الشدة والإعناق".
وما روي من أن عروة الفقيمي رضي الله تعالى عنه قال: كنا ننتظر النبي ﷺ فخرج يقطر رأسه من وضوء أو غسل فصلى فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: يا رسول الله: أعلينا من حرج في كذا. فقال رسول الله ﷺ : ((لا يا أيها الناس إن دين الله في يسر – إن دين الله في يسر – إن دين الله في يسر)) قالها هكذا ثلاثًا (٣) . وقد تكررت كلمة اليسر في أحاديث كثيرة (٤) .
النوع الثاني: أحاديث تفيد في جملتها خشية النبي ﷺ أن يكون قد شق على أمته، ومنها:
- ما روته أم المؤمنين عائشة ﵂ من أن النبي ﷺ ، خرج من عندها وهو قرير العين، طيب النفس، ثم رجع إليها وهو حزين، فقال: ((إني دخلت الكعبة ووددت أني لم أكن فعلت. إني أخاف أن أكون قد أتعبت أمتي من بعدي)) (٥) ، إن رسول الله يعلم أن أمته ستقتفي آثاره، وتتبع سنته، فلما دخل الكعبة تذكر أنه ربما تسبب بهذا الدخول في مشقة أفراد أمته ممن كتب له زيارة بيت الله العتيق، فتمنى لو أنه لم يفعل (٦) .
стр. 12285
- ما رواه أصحاب الصحاح في شأن صلاة التراويح، حيث ذكروا أن النبي ﷺ صلى ذات ليلة، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم. فلما أصبح قال: ((قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم)) (١) . وفي رواية أخرى: ((فتعجزوا عنها)) ؛ فلم يكن المانع من خروجه إليهم نهيه عن ذلك، وإنما كان خشيته من أن تفرض عليهم هذه الصلاة، فتنهك قواهم، وتستنفد طاقتهم، فيقل بذلك نشاطهم لإنجاز أعمال أخرى تنتظرهم. فإذا زالت العلة بانقطاع الفرضية بعده ﵊، ذهب المانع، وثبت جواز الاجتماع لقيام رمضان، وهذا ما فهمه عمر ﵁، ونفذه في خلافته.
النوع الثالث: أحاديث يأمر أصحابه فيها بالتخفيف، وينكر عليهم فيها التشدد والغلو. مثلا:
- ما أخرجه البخاري وغيره من قوله ﵊ لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري، لما بعثهما إلى اليمن: ((يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا)) (٢) .
- ومن هذا النوع ما روي عن عائشة ﵂، قالت: ((كان للنبي ﷺ حصير وكان يحجره بالليل)) (٣) فيصلي فيه، ويبسطه بالنهار فيجلس عليه، فجعل الناس يثوبون على النبي ﷺ يصلون بصلاته حتى كثروا، فأقبل فقال: ((يا أيها الناس، خذوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا. وإن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)) (٤) .
- ما روي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء)) : (٥) .
стр. 12286
الأدلة الخاصة بالرخص من القرآن والسنة (١) :
إن الأدلة الخاصة بالقرآن والسنة قد استوعبت غالب الرخص التي جاءت في الشريعة الإسلامية، ناهيك أن الرخص شطر هذه الشريعة السمحة، حيث اتفق العلماء على أنها إحدى المرتبتين الكبيرتين اللتين تعود إليهما جميع الأحكام، وهما: مرتبة التشديد، ومرتبة التخفيف. لذلك أردت أن أتعرض إلى بعض الآيات والأحاديث كنماذج حية لدلالتها صراحة على حجية الرخصة.
وهي أنواع ثلاثة:
١- آيات رفع الجناح ومنها:
- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: ١٠١] .
والمراد بالضرب في الأرض: السفر برا أو بحرًا أو جوًا. وقصر الصلاة: النقص منها. وتشير هذه الآية إلى أن العزيمة في هذا الموضوع هي تأدية الصلاة تامة، وإن التزام هذه الحالة قد يوقع المسافرين العاديين في حرج ومشقة، فما بالك بالمسافرين للجهاد؟ ولذلك خفف الله عن هؤلاء جميعًا، ورخص لهم في أن يصلوا الصلوات الرباعية ركعتين ركعتين.. وقد استفدنا هذا الترخيص من نفي الجناح عمن قصر في الصلاة في الحالة المذكورة.
- وقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
فالآية ظاهرة في تعظيم أمر أخذ العوض عن الطلاق الذي هو حرام. وإنما رخص الله في أخذ العوض إذا كانت الكراهة والنفرة من المرأة في مبدأ المعاشرة، دفعًا للإضرار عن الزوج في خسارة ما دفعه من الصداق وتكاليف الزواج الذي لم ينتفع منه بمنفعة (٢) .
٢- آيات نفي الإثم:
وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣] .
والمضطر هو الذي ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات فإن فعل مع هذا الوصف فلا إثم عليه (٣) .
فالضرورة لها سببان:
- أحدهما الجوع الشديد مع عدم وجود المأكول الحلال لسد الرمق عند مالك وأبي حنيفة.
- ثانيهما الإكراه على الأكل من هذه المحرمات (٤) . وحد الضرورة عند مالك حتى يشبع، ولا يمنع من التزود من المحرم خوفًا على نفسه من الهلاك إن هو فرط فيه، فإن وجد غنى عنه طرحه.
стр. 12287
٣-آيات نفي المؤاخذة:
وذلك كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥] .
ولغو اليمين هو أن يحلف على شيء يستيقنه كذلك ثم يتبين خلاف ما استيقنه (١) .
ومعنى الآية أن الله جعل المؤاخذة على كسب القلب في اليمين، ولا تكون المؤاخذة إلا عن حنث لا على أصل القسم، إذ لا مؤاخذة لأجل مجرد الحلف لا سيما بعد البر، فتعين أن يكون المراد كسب القلب وتعمده الحنث، فهو الذي فيه المؤاخذة.
٤- آيات الاستثناء:
كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] .
أي إلا من أكرهه المشركون على الكفر، فأظهره بالقول، تقية ومصانعة، فهو ترخيص من الله.
وحدد الفقهاء الإكراه بأنه إذا خاف على نفسه أو على عضو من أعضائه التلف، أو عذب عذابًا لا يستطيع أن يتحمله الإنسان عادة. وقد دل الحديث الشريف على جواز النطق بكلمة الكفر إذا كان القلب مطمئنًا بالإيمان.
وقد ورد ((أن عمار بن ياسر ﵄ قال، بعد أن عذب عذابًا شديدًا: يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير. فقال ﷺ : كيف تجد قلبك؟ فقال: مطمئنًا بالإيمان. فقال ﵊: إن عادوا فعد)) (٢) .
٥- آيات الإبدال:
والمراد بالإبدال هو إبدال فعل مطلوب على وجه العزيمة بفعل آخر أخف منه، لعذر؛ كإبدال الطهارة المائية بنوعيها بالطهارة الترابية. وذلك كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٤٣] .
فقد دلت الآية على إبدال الطهارة المائية بنوعيها، إذا طرأ على المكلف ما يوجبها بالتيمم، في حالتي المرض وفقد الماء.
стр. 12288
أدلة من السنة النبوية وهي كثيرة (١) :
وتناولت غالب أحكام التشريع، ومختلف تصرفات الإنسان. وقد حاول عدد كبير من المؤلفين تقسيم هذه الأحاديث إلى عناوين مختلفة حسب الحاجيات التحسينية والفروع الفقهية المتعددة. ويمكن حصر جانب منها في هذه العناوين:
١- أحاديث ترخص في النطق بالقول الباطل: عند الضرورة والحاجة:
وذلك كالحديث الذي رواه الإمامان أحمد ومسلم، ونصه: أن النبي ﷺ قال: ((ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، يقول خيرًا وينمي خيرًا)) . ولم أسمع يرخص في شيء يقول الناس كذب إلا في ثلاث: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها (٢) . رغم أن الكذب من قبائح الذنوب وفواحش القلوب، وآفات اللسان، ومن علامات عدم الإيمان، بشهادة القرآن نفسه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ﴾ [النحل: ١٠٥] . وبتأكيد من النبي نفسه، فقد رخص المشرع الحكيم في الحالات الثلاث التي نص عليها الحديث؛ لما فيها من جلب مصلحة أو درء مفسدة.
٢- أحاديث تفيد جواز المسح على العمامة والخفين وما يلحق بهما:
- ما رواه عمرو بن أمية الضمري قال: ((رأيت رسول الله ﷺ يمسح على عمامته وخفيه)) (٣) .
- وروي أن بلال بن رباح قال: ((مسح رسول الله ﷺ على الخفين والخمار)) (٤) (العمامة) .
- وقال المغيرة بن شعبة: ((توضأ رسول الله ﷺ ، ومسح على الخفين والعمامة)) (٥) .
الأصل أن العزيمة في الغسل والمسح هو غسل ما يغسل من أعضاء الوضوء، ومسح ما يمسح مباشرة. لكن قد تدعو الضرورة أو الحاجة إلى مخالفة هذا الأصل، تخفيفًا على الناس بالمسح على العمامة بدل الرأس، والمسح على الخف بدل غسل الرجل.
стр. 12289
٣- أحاديث تفيد الإبراد بصلاة الظهر، وهي كثيرة:
- عن أنس بن مالك ﵁، قال: ((كان النبي ﷺ إذا كان الحر أبرد بالصلاة، وإذا كان البرد عجل)) (١) .
- وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)) (٢) .
- وقال أبو ذر: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي ﷺ : ((أبرد)) . ثم أراد أن يؤذن فقال: ((أبرد)) ، حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي ﷺ : ((إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة)) (٣) .
فهذه الأحاديث تدل على مشروعية هذا التأخير، وعلى أنه رخصة إلى حين الإبراد، ما لم يخرج الوقت (٤) .
وأكتفي بهذه الأحاديث للدلالة على أن السنة اشتملت على أحاديث كثيرة في تحديد الرخص التي شرعت في حياة الرسول ﷺ .
стр. 12290
حكم الرخصة
الرخصة باعتبار متعلقها الذي هو فعل المكلف، تكون واجبة ومندوبة ومباحة وخلاف الأولى (١) ، وهو رأي جمهور الأصوليين الذين يقولون: إن الرخصة قد تكون مطلوبة الفعل على وجه اللزوم، أو على وجه الندب والاستحباب (٢) .
١- فتكون واجبة كأكل الميتة للمضطر، وأصل حكمها الحرمة. والحكم هنا وإن تغير من صعوبة، وهي الحرمة، إلى صعوبة وهي الوجوب؛ إلا أن وجوب الأكل موافق لغرض النفس في بقائها، ففيه سهولة من هذه الناحية. وسبب الحكم الأصلي: الخبث، ولذلك كان حرامًا.
٢- تكون مندوبة كالقصر في السفر إذا بلغت المسافة ثلاثة أيام. والحكم الأصلي حرمة القصر. وعذر القصر المشقة، وسببه دخول الوقت. فقد تغير الحكم الأصلي من صعوبة وهي حرمة القصر إلى سهولة وهي ندب القصر لعذر المشقة مع قيام السبب وهو دخول الوقت.
- ومن هذا القبيل: الفطر في رمضان بالنسبة إلى المسافر الذي يشق عليه الصوم والإبراد بالظهر، والنظر إلى المخطوبة، ومخالطة اليتامى في أموالهم (٣) .
٣- وتكون الرخصة مباحة كالسلم الذي هو بيع موصوف في الذمة. ومثله الإجارة، وكل ما فيه عقد على معدوم أو مجهول، كالقراض والمساقاة. والأصل في ذلك المنع، ولكن أجيز للضرورة، مع قيام سبب الحكم الأصلي.
٤- تكون الرخصة خلاف الأولى، كفطر مسافر في رمضان لا يشق عليه الصوم مشقة قوية، والتيمم لمن وجد الماء يباع بأكثر من ثمن الأصل وهو قادر عليه، وقراءة القرآن على غير طهارة (٤) . فالحكم الأصلي حرمة الفطر مثلاً، لكن أبيح لعذر المشقة، مع قيام السبب للحكم الأصلي.
ويقول الشاطبي: وحكم الرخصة الإباحة مطلقًا من حيث هي رخصة. والدليل على ذلك أمور (٥) :
أحدها: ورود النصوص عليها، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] . و ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] . و ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] .
- وفي الحديث: ((كنا نسافر مع رسول الله ﷺ ، فمنا المقصر ومنا المتم، ولا يعيب بعضنا على بعض)) (٦) .