← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 12566–12605 · переход к 12571.

стр. 12566

الآثار المروية في مشروعية بيع المزايدة: "أخرج عبد الرزاق من طريق عمر بن عبد العزيز أن عاملا له باع سبيًا، فقال له: لولا أني كنت أزيد فأنفقه لكان كاسدًا، فقال له عمر: هذا نجش لا يحل، فبعث مناديًا ينادي: أن البيع مردود، وأن البيع لا يحل" (١) . وهذا يدل على أن التعامل ببيع المزايدة شائع، وإن مشروعيته محل اتفاق في المجتمع الإسلامي في عصوره المبكرة، والذي أنكره الخليفة الراشد في هذا البيع هو النجش لا غير. ومن الآثار ما جاء في الموطأ عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس ﵁ قال: "ولا بأس بالسوم بالسلعة توقف للبيع فيسوم بها غير واحد. قال: ولو ترك الناس السوم عند أول من يسوم السلعة أخذت بشبه الباطل من الثمن، ودخل على الباعة في سلعهم المكروه والضرر، قال: ولم يزل الأمر عندنا على هذا" (٢) . يذكر الإمام أبو عمر يوسف بن عبد البر تعليقا على هذا الأثر قوله: " قال أبو عمر: أقوال الفقهاء كلهم في هذا الباب متقاربة المعنى، وكلهم قد أجمعوا على جواز البيع فيمن يزيد، وهو يفسر لك ذلك" (٣) . المبحث الثالث: الأحاديث والآثار المعارضة وقد عورضت الأحاديث والآثار السابقة بالأحاديث التالية: أولا: ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن زيد بن أسلم قال: "سمعت رجلا سأل عبد الله بن عمر عن بيع المزايدة، فقال ابن عمر: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم على بيع أخيه إلا الغنائم والمواريث" (٤) . والحديث يدل ظاهره أن بيع المزايدة لا يجوز إلا في الغنائم والمواريث.... وقد أخذ بظاهره الأوزاعي، وإسحاق، فخصا الجواز ببيع المغانم والمواريث، وعن إبراهيم النخعي أنه كره بيع من يزيد" (٥) .

стр. 12567

ثانيا: ما أخرجه البزار من حديث سفيان بن وهب: "سمعت النبي ﷺ ينهى عن بيع المزايدة ". وقد أجاب المحدثون عن الحديثين السابقين بما يلي: ١- أن الاستثناء في حديث ابن عمر استثناء منقطع، إذ أن بيع الرجل على بيع أخيه نوع، والمزايدة نوع آخر؛ إذ الأول كما فسره الإمام مالك ﵀: " تفسير قول رسول الله ﷺ ((لا يبع بعضكم على بعض)) . فيما نرى – والله أعلم – أنه إنما نهى عن أن يسوم الرجل على سوم أخيه إذا ركن البائع إلى السائم، وجعل يشترط وزن الذهب، ويتبرأ من العيوب، وما أشبه مما يعرف به البائع؛ أراد مبايعة السائم فذلك الذي نهى عنه. والله أعلم" (١) . فالنهي في الحديث محله عند الموافقة من البائع، والركون إلى المشتري، فأما البيع والشراء فيمن يزيد فإن الثمن لم يرض به صاحب السلعة، ولم يركن إلى المساوم، وحينئذ يجوز لغيره طلب شرائها قطعا، ولا يقول أحد: إنه يحرم السوم بعد ذلك قطعًا (٢) . وبالنسبة للحديث الذي رواه البزار من حديث سفيان بن وهب، يقول العلامة ابن حجر في شرحه لأحاديث الباب الذي عقده الإمام البخاري لبيع المزايدة قائلا: " وكأن المصنف أشار بالترجمة إلى تضعيف ما أخرجه البزار من حديث سفيان بن وهب: سمعت النبي ﷺ ينهى عن بيع المزايدة، فإن في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف" (٣) . ولما لم يبلغ هذا الحديث في الصحة الدرجة التي وصلت إليها الأحاديث الدالة على جواز بيع المزايدة ومشروعيته فإنه لا يرقى إلى أن يكون معارضا لها؛ إذ من شروط التعارض المساواة في درجة الصحة، وهي منتفية في هذا الحديث.

стр. 12568

المبحث الرابع: بيوع محرمة تلتبس بـ (بيع المزايدة) لشدة المشابهة بين بيع المزايدة المشروع مع بعض أنواع من البيع ورد النهي عنها، ولصعوبة التفرقة بينها أحيانا – نتج عن هذا لبس لدى بعض العلماء فذهبوا إلى عدم مشروعية بيع المزايدة، أو كراهته كما سبق عرضه سابقا، فمن ثم استوجب البحث عرض هذه الأنواع بتفسيراتها، وتعليلاتها، والمقارنة بينها وبين (بيع المزايدة) المشروع ليتضح عنصر التحريم فيها، ويميز (ببيع المزايدة) منها. أولا: بيع الرجل على بيع أخيه. ثانيا: سوم الرجل على سوم أخيه. ترجم الإمام البخاري في صحيحه بابًا بعنوان: "باب لا يبيع الرجل على بيع أخيه حتى يأذن، أو يترك " وأورد تحته حديثين بسنده: الأول: عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يبيع بعضكم على بيع أخيه)) (١) . والآخر: " عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها" (٢) . يقول العلامة ابن حجر: " أشار (في العنوان) بالتقييد إلى ما ورد في بعض طرقه" (٣) . وقد روى هذا الحديث أيضا مسلم في صحيحه عن ابن عمر ﵄ بلفظ: "لا يبع بعضكم على بيع بعض"، وعنه أيضا: "لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبته إلا أن يأذن له ". وفي التفسير (البيع على البيع) يقول العلامة أبو عبد الله محمد بن خلفة الوشتاني الأبي المالكي: "البيع على البيع حقيقة إنما هو إذا انعقد الأول، ولما تعذرت الحقيقة حمل على أقرب المجاز إليها، وهي المراكنة، وإذا كانت العلة ما يؤدي إليه من الضرر فلا فرق بين السوم على السوم، والبيع على البيع في الصور التي ذكر، وهو أن يعرض بائع سلعته على مشتر راكن للأول، وكثيرا ما يفعله أهل الأسواق اليوم، يراكن صاحب الحانوت المشتري فينشر جاره بحانوته سلعة نظيرها بحيث يراها المشتري" (٤) . ويوضح العلامة بدر الدين العيني صورة البيعين كالتالي: "... لا يبيع على بيع أخيه: وهو أن يقول في زمن الخيار: افسخ بيعك وأنا أبيعك مثله بأقل منه". ويحرم أيضا الشراء: بأن يقول للبائع افسخ، وأنا أشتري بأكثر منه. (قوله: ولا يسوم على سوم أخيه) هو السوم على السوم، وهو أن ينفق صاحب السلعة والراغب فيها على البيع، ولم يعقداه، فيقول آخر لصاحبها: أنا أشتريها بأكثر، أو للراغب: أنا أبيعك خيرا منها بأرخص، وهذا حرام بعد استقرار الثمن (٥) .

стр. 12569

ويذكر العلامة أبو عمر بن عبد البر موقف مالك وأصحابه المتفق مع تفسيرات جمهور العلماء لهذه الأنواع من البيوع قائلا: "قال أبو عمر: ومعنى قوله ﷺ في هذا الحديث وغيره: لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا بيع الرجل على بيع أخيه، ولا يسم على سومه، عند مالك وأصحابه، معنى واحد وهو: أن يستحسن المشتري السلعة ويهواها، ويركن إلى البائع ويميل إليه، ويتذاكران الثمن، ولم يبق إلا العقد والرضى الذي يتم به البيع، فإذا كان البائع والمشتري على مثل هذه الحالة لم يجز أحد أن يعترضه، فيعرض على أحدهما ما به يفسد به ما هما عليه من التبايع، فإن فعل أحد فقد أساء، وبئسما فعل. فإن كان عالما بالنهي عن ذلك فهو عاص لله، ولا أقول من فعل هذا حرم بيع الثاني، ولا أعلم أحدا من أهل العلم قاله إلا رواية عن مالك بذلك قال: لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ومن فعل ذلك فسخ البيع ما لم يفت، وفسخ النكاح قبل الدخول...، وقال الثوري في قول رسول الله ﷺ : ((لا يبع بعضكم على بيع بعض)) : أن يقول عندي ما هو خير منه. وأما الشافعي فقوله ﷺ : ((لا يبع بعضكم على بعض)) معناه عنده: أن يبتاع الرجل السلعة فيقبضها، ولم يفترقا وهو مغتبط بها غير نادم عليها، فيأتيه قبل الافتراق من يعرض عليه مثل سلعته، أو خيرا منها بأقل من ذلك الثمن فيفسخ بيع صاحبه؛ لأنه له الخيار قبل التفرق فيكون هذا فسادا...، ولا خلاف عند الشافعي وأبي حنفية أن هذا العقد صحيح، وإن كره له ما فعل، وعليه جمهور العلماء. ولا خلاف بينهم في كراهة بيع الرجل على بيع أخيه المسلم، وسومه على سوم أخيه المسلم، ولم أعلم أحدا منهم فسخ بيع من فعل ذلك إلا ما ذكرت عن بعض أصحاب مالك بن أنس، ورواه أيضا عن مالك، وأما غيره فلا يفسخ البيع عنده، لأنه أمر لم يتم أولا، وقد كان لصاحبه أن لا يتمه إن شاء .... (١) . وهذه جميعها وإن اختلفت تصويرًا، ولكنها تندرج معنى تحت مسماها. والحكم فيها جميعا عدم الجواز، ذلك لأن البيع الثاني أو السوم الثاني ورد بعد استقرار الثمن، واتفاق المتبايعين، ولم يتبق إلا أن يأخذ العقد شكله الأخير، أما بيع المزايدة فالمشتري الثاني يزيد في السعر، ولما يرتض صاحب السلعة الثمن علانية، أو يركن إليه، فمن ثم اكتسبت المنافسة بالزيادة في العطاء الجواز والصحة (٢) .

стр. 12570

ومن الصور الحديثة الشائعة لبيع الرجل على بيع أخيه، ويمثل ظاهرة اجتماعية سيئة بين التجار: عندما يظفر البعض بوكالة بيع البضائع ذات الماركات الناجحة الرائجة في الأسواق المحلية أو العالمية، وتوزيعها، فيثير هذا منافسة غير شريفة من بعض التجار، تدفعه إلى مفاوضة مصدر تلك البضاعة، لإغرائه بسحب وكالة البيع والتوزيع عن التاجر الأول، في مقابل عمولة أقل، وتوزيع أعلى، وهو بهذا التصرف ينطبق عليه النهي في الحديث (لا يبيع الرجل على بيع أخيه) ، الأمر الذي يتنافى ومبادئ الشريعة الإسلامية وأخلاقياتها المستقيمة. ثالثا: النجش: حالة طارئة، وظاهرة من مظاهر أسواق المزاد، حيث يعتمد هذا النوع من البيع على الناجش الذي يمارس أسلوبا لإثارة رغبات المزايدين للسلعة المعروضة في المزاد، متظاهرًا بالحرص على اقتنائها، وهو ليس راغبا فيها. فهو لا يفتأ يحمدها، ويزيد من ثمنها، ليستثير رغبات الآخرين، فيندفعوا في المزايدة، ومضاعفة السعر، ثم ينسحب الناجش في مرحلة من مراحل المزايدة فيرسو العطاء على أحد المزايدين المغرورين، هذا هو المعنى لغة من كلمة (النجش) ففي الزاهر: أصل النجش مدح الشيء، وإطراؤه..، وفي الجامع: أصله من الختل، يقال نجش الرجل: إذا اختل، ويقال: أصل النجش: الإثارة، وسمي الناجش ناجشًا؛ لأنه يثير الرغبة في السلعة، ويرفع ثمنها" (١) . وقد ثبت تحريم هذا بالأحاديث الصحيحة: روى البخاري بسنده إلى أبي هريرة ﵁ ((قال: نهى رسول الله ﷺ أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها)) (٢) . كما خصه الإمام البخاري بعنوان مستقل (باب النجش، ومن قال: لا يجوز ذلك البيع: وقال ابن أبي أوفي: ((الناجش آكل ربا خائن، وهو خداع باطل لا يحل...)) (٣) . وجرى شرعا تعريفه بأنه: "الزيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة، ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع: كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك...".

стр. 12571

الآثار الشرعية المترتبة على النجش: "قال ابن بطال: أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك، ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع، وهو قول أهل الظاهر، ورواية عن مالك، وهو المشهور عند الحنابلة إذا كان ذلك بمواطأة البائع، أو صنعه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو وجه للشافعية قياسًا على المصراة، والأصح عندهم صحة البيع مع الإثم، وهو قول الحنفية...." (١) . والناجش: " في ظاهر قول الإمام المازري وغيره: هو الذي يزيد في سلعة ليقتدي به غيره، وهو خلاف قول مالك ﵁ في الموطأ: والنجش أن تعطيه في سلعة اكثر من ثمنها وليس في نفسك اشتراؤها، ليقتدي بك غيرك. قال ابن عرفة: قول المازري وغيره أعم من قول مالك ﵁، وقال ابن العربي: الذي عندي أنه إن بلغها الناجش قيمتها، ورفع الغبن عن صاحبها فهو مأجور، ولا خيار لمبتاعها". (٢) .

стр. 12572

الفصل الثاني فقه المذاهب الأربعة في (المزايدة) المبحث الأول: المذهب الحنفي. المبحث الثاني: المذهب المالكي. المبحث الثالث: المذهب الشافعي. المبحث الرابع: المذهب الحنبلي. الفصل الثاني فقه المذاهب الأربعة في (المزايدة) تمهيد: استمد فقهاء المذاهب الأربعة مشروعية (المزايدة) وأحكامها في العقود المختلفة من الأحاديث والآثار الصحيحة المروية السابقة، متوخين في استنباط أحكامها مقاصد الشريعة وحكمتها، المبنية على مصالح العباد، سواء في حالات المشروعية والجواز، أو حالات المنع والحظر. والإباحة تعتمد بشكل رئيسي على استمرار رغبة البائع في زيادة الثمن للحصول على ما هو أوفق له، وأرضى لنفسه، واحترام هذه الرغبة شرعا من إعلان رفضه الصريح، وعدم قبوله للثمن المعروض من أحد من المتزايدين، حتى يبلغ المزاد (الحراج) ما يحقق رغبته في الثمن، فيركن إليه، ويعلن رضاه به. المبحث الأول: مذهب الحنفية يذهب فقهاء الحنفية إلى جواز (المزايدة) ومشروعيتها في العقود. يقول العلامة أبو الحسن علي بن أبي بكر المرغياني: " ونهى رسول الله ﷺ عن النجش، وعن السوم على سوم غيره، وعن تلقي الجلب، وعن بيع الحاضر للبادي، وكل ذلك يكره، ولا يفسد به البيع، ولا بأس ببيع من يزيد...." (١) . يذكر العلامة كمال الدين محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام في تحليل هذه العبارة ما يأتي: "وعن السوم على سوم غيره، قال ﵊: ((لا يستام الرجل على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه)) ، ولأن في ذلك إيحاشا وإضرارا، وهذا إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ ثمن في المساومة، فأما إذا لم يركن أحدهما إلى الآخر فهو بيع من يزيد، ولا بأس به على ما نذكره... قال: ولا بأس ببيع من يزيد، وتفسيره ما ذكرنا، وقد صح (أن النبي ﷺ باع قدحًا وحلسا ببيع من يزيد) ، ولأنه بيع الفقراء والحاجة ماسة إليه (٢) .

стр. 12573

ويعلق العلامة أكمل الدين محمد بن محمود البابرتي على قول صاحب الهداية (ولا بأس ببيع من يزيد) قائلا: "وهو صفة البيع الذي في أسواق مصر المسمى بالبيع في الدلالة" (١) . ويتجه هذا الاتجاه أحكاما وتعليلا العلامة فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي في شرحه لمتن كنز الدقائق عند قوله: (وكره النجش، والسوم على سوم غيره) والاستدلال لكراهتها قائلا: "...... وإنما يكره النجش فيما إذا كان الراغب في السلعة يطلبها بثمن مثلها، وأما إذا طلبها بدون ثمنها فلا بأس بأن يزيد إلى أن تبلغ قيمتها، وكذا السوم إنما يكره فيما إذا جنح قلب البائع إلى البيع بالثمن الذي سماه المشتري، أما إذا لم يجنح قلبه ولم يرضه فلا باس لغيره أن يشتريه بأزيد؛ لأن هذا بيع من يزيد، وقد قال أنس: إنه ﵇ باع قدحًا وحلسا فيمن يزيد، رواه أحمد والترمذي، ولأنه بيع الفقراء، والحاجة ماسة إليه" (٢) . وقد أضاف الإمام محمود العيني إلى التعليل السابق قوله: " وتوارثها الناس في الأسواق" (٣) . ويذهب نفس المذهب جمهور فقهاء الحنفية، وتتفق الآراء احكاما وتعليلا، يقول الإمام علاء الدين الكاساني في المقارنة بين بيع المستلم على سوم أخيه، وبيع من يزيد قائلا في معرض حديثه عن البيوع المكروهة: "ومنها بيع المستام على سوم أخيه، وهو أن يساوم الرجلان: فطلب البائع بسلعته ثمنًا ورضي المشتري بذلك الثمن، فجاء مشتر آخر، ودخل على سوم الأول فاشتراه بزيادة، أو بذلك الثمن، لما روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((لا يستام الرجل على سوم أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه...)) والنهي لمعنى في غير البيع، وهو الإيذاء، فكان نفس البيع مشروعا، فيجوز شراؤه، ولكنه يكره، وهذا إذا جنح البائع بالثمن الذي يطلبه المشتري الأول، فإن كان لم يجنح فلا بأس للثاني أن يشتريه؛ لأن هذا ليس استيامًا على سوم أخيه، فلا يدخل تحت النهي، ولانعدام معنى الإيذاء أيضا، بل هو بيع من يزيد، وإنه ليس بمكروه لما روي أن رسول الله ﷺ باع قدحا وحلسا له ببيع من يزيد، وما كان رسول الله ﷺ ليبيع بيعا مكروها" (٤) .

стр. 12574

المبحث الثاني: المذهب المالكي قد أفسح المالكية مجالا واسعا لعقد المزايدة تعريفا، وأحكاما، ودراسة تفصيلية، ويقضي البحث بعرض نخبة من نصوصهم، واستخراج أحكامه من مدوناتهم المعتمدة. وقد خصص له العلامة أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد القرطبي فصلا مستقلا في كتابه المقدمات المهمدات ذاكرا فيه وصف هذا النوع من أساليب البيع، متضمنا لبعض الأمور التي تلابسه، وبيان أحكامها قائلا: "وأما بيع المزايدة فيها أن يطلق الرجل سلعة في النداء، ويطلب الزيادة عليها فمن أعطى فيها شيئا لزمه، إلا أن يزاد عليه، فيبيع البائع من الذي عليه أولًا، يمضيها له حتى يطول الأمد، وتمضي أيام الصياح...." (١) . وقد تعرض لحكمها في البيع، ودليل مشروعيتها وبعضا من أحكامها بقوله: ((قال محمد بن رشد: البيع على المزايدة جائز، خارج عما نهى عنه النبي ﷺ أن يسوم الرجل على سوم أخيه، والأصل في جوازه ما روي أن رجلا من الأنصار أتى رسول الله ﷺ فشكا إليه الفاقة، ثم عاد فقال لرسول الله ﷺ : لقد جئت من عند أهل بيت ما أرى أن أرجع إليهم حتى يموت بعضهم. قال: ((انطلق هل تجد من شيء)) )) ؟ فانطلق فجاء بحلس وقدح، فقال: يا رسول الله، هذا الحلس كانوا يفترشون بعضه، ويلتفون ببعضه، وهذا القدح كانوا يشربون فيه. فقال: (( ((من يأخذها مني بدرهم؟)) فقال رجل: أنا، فقال: من يزيد على درهم؟ فقال رجل آخر: أنا آخذهما بدرهمين، فقال: هما لك، فدعا بالرجل، فقال: اشتر بدرهم طعاما لك ولأهلك، وبدرهم فأسا، ثم إيتني، ففعل، ثم جاء فقال: انطلق إلى الوادي فلا تدعن فيه شوكا، ولا حطبا، ولا تأتي إلا بعد عشر. ففعل، ثم أتاه فقال: بورك فيما أمرتني به. فقال: هذا خير لك من أن تأتي يوم القيامة في وجهك نكت من المسألة، أو خموش من المسألة (الشك من بعض الرواة) . والحكم فيه أن كل من زاد في السلعة لزمته بما زاد فيها إن أراد صاحبها أن يمضيها له بما أعطى فيها، ما لم يسترد سلعته فيبيع بعدها أخرى، أو يمسكها حتى ينقضي مجلس المناداة، وهو مخير في أن يمضيها لمن شاء ممن أعطى فيها ثمنًا، وإن كان غيره قد زاد عليه)) . وعلل هذا بقوله: "لأن حق صاحب السلعة أن يقول للذي أراد أن يلزمها إياه إن أبى من التزامها، وقال له: بع سلعتك من الذي زاد علي فيها؛ لأنك إنما طلبت الزيادة، وقد وجدتها: أنا لا أحب معاملة الذي زاد في السلعة عليك، وليس طلبي الزيادة فيها وإن وجدتها إبراء مني لك فيها. فمعنى قول ابن القاسم: أرى البيع لهما لازما، وأراهما شريكين فيها إذا أسلم البائع السلعة لهما، ولم يكن له اختيار في أن يلزمها أحدهما دون صاحبه. وكذلك قال أصبغ: إنها للأول. معناه: إذا قال: قد أمضيتها لمن هو أحق بها. وقول ابن القاسم هو القياس؛ لأن الأول لا يستوجب السلعة بما أعطى فيها إلا أن يمضيها له صاحبها، وكذلك الثاني فلا مزية فيها لأحدهما على الآخر. وقول أصبغ استحسان، والوجه فيما ذكره من أنه طلب الزيادة، لا ما قد أعطي فيها، فالاختيار له لا يقبل الزيادة، فإذا قبل من الثاني ما أعطاه الأول كانا في وجه القياس سواء..." (٢) .

стр. 12575

يذكر العلامة أبو عبد الله محمد الحطاب مذهب جمهور فقهاء المالكية حكم إلزام المزايد بما زاد، والأحوال التي ينقض فيها ذلك الالتزام بقوله: " فتحصل من كلام ابن رشد، والمازري، وابن عرفة في بيع المزايدة: أن كل من زاد في السلعة فلربها أن يلزمه إياها بما زاد، إلا أن يسترد البائع سلعته، ويبيع بعدها أخرى، أو يمسكها حتى ينقطع مجلس المناداة، إلا أن يكون العرف اللزوم بعد الافتراق، أو يشترط ذلك البائع فيلزم المشتري البيع بعد الافتراق في مسألة العرف بمقدار ما جرى به العرف، وفي مسألة الشرط في الأيام المشروطة، وبعدها بقرب ذلك على مذهب المرونة، فإن شرط المشتري أنه لا يلزم البيع إلا ما دام في المجلس فله شرطه، ولو كان العرف بخلافه..." (١) . المبحث الثالث: مذهب الشافعية ذهب الشافعية إلى ما ذهب إليه الحنفية والمالكية من مشروعية بيع المزايدة... وهو المدون في كتب المذهب المعتمدة. ويأتي التعرض له في المقارنة بينه وبين بيع الرجل على بيع أخيه وسومه على سوم أخيه لبيان أسباب النهي في هذين النوعين، ومخالفة بيع المزايدة لهما في سبب النهي. فمن سياق ما يستفاد من حديث النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه يقول الإمام الشافعي ﵀: "وهذا يدل على أنه إنما ينهى عن البيع على بيع الرجل إذا تبايع الرجلان، وقبل أن يتفرقا، فأما في غير ذلك الحال فلا" (٢) . وقد وفى الإمام الماوردي المقارنة حقها في وضوح تام إذ خصها بفصل مستقل في كتابه (الحاوي الكبير) فقال: "فصل: وقد روي عن النبي ﷺ : أنه نهى أن يسوم الرجل على سوم أخيه، وصورة سوم الرجل على سوم أخيه أن ينزل الرجل في السلعة ثمنا فيأتي آخر فيزيد عليه في ذلك الثمن قبل أن يتواجبا البيع، فإن كان هذا في بيع المزايدة جاز؛ لأن بيع المزايدة موضوع لطلب الزيادة، وأن السوم لا يمنع الناس من الطلب، وقد روي أن النبي ﷺ باع قدحا وحلسا فيمن يزيد، وابتاع ثوبا مزايدة. فأما إن لم يكن بيع مزايدة، وكان بيع المناجزة فلا يخلو حال بائع السلعة حين بذل له الطالب الأول ذلك الثمن من ثلاثة أحوال: إما أن يقول: قد رضيت بهذا الثمن، أو يقول: لست أرضي به، أو يمسك. فإن قال: قد رضيت بهذا الثمن، حرم على غيره من الناس أن يسوم عليه، وإن لم ينعقد البيع بينهما؛ لما في ذلك من الفساد، وإيقاع العداوة والبغضاء، مع النهي الوارد عنه نصا. وخالف بيع المزايدة؛ لأن المساوم فيه لا يتعين، ولذلك قال أصحابنا: لو أن رجلا وكل في بيع عبده في مكان، فباعه الوكيل في غير ذلك المكان؛ صح البيع، ولو وكل في بيعه من رجل فباعه من غير ذلك الرجل لم يصح البيع، لأنه قد يريد بيعه على ذلك الرجل مسامحته فيه، أو تلميكه إياه فلم يكن للوكيل تمليك غيره، وليس كذلك إذا أذن له في بيعه في مكان فباعه في غيره؛ لأنه لا غرض له فيه غير وفور ثمنه، فإذا حصل له غيره صح البيع. كذلك في السوم إن كان في المزايدة لم يحرم؛ لأن الغرض وفور الثمن دون تعيين الملاك، وفي بيع المناجزة قد يكون له غرض في تعيين الملاك" (٣) .

стр. 12576

وقد صرح بجوازه ومشروعيته كبار أئمة المذهب الشافعي، قال الإمام أبو إسحاق إبراهيم الشيرازي ﵀: "... وأما إذا عرضت السلعة في النداء جاز لمن شاء أن يطلبها، ويزيد في ثمنها ...." (١) ثم ذكر حديث الأنصاري عن أنس ﵄. اعتمد هذا فقهاء الشافعية المتأخرون، وأصبح المعروف مذهبا. يقول العلامة شهاب الدين أحمد بن حجر الهيثمي في معرض البيوع المنهي عنها: "والسوم على سوم غيره، ولو ذميًّا، للنهي الصحيح عنه، ولما فيه من الإيذاء.. (إنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن) بأن يصرحا بالتوافق على شيء معين، وإن نقص عن قيمته" (٢) . واستثنى من حالة النهي السابقة بيع المزايدة بقوله: "بخلاف ما لو انتفى ذلك، أو كان يطاف به فتجوز الزيادة فيه لا بقصد إضرار أحد" (٣) . ويقرر العلامة شمس الدين الرملي نفس الرأي في معرض (السوم على سوم غيره) ، وأنه (إنما يحرم ذلك بعد استقرار الثمن) بتصريحهما بالتوافق على شيء معين فيقول: " بخلاف ما لو انتفى ذلك، أو كان يطاف به رغبة في الزيادة فتجوز الزيادة فيه، لا بقصد إضرار أحد، لكن يكره فيما لو عرض له بالإجابة" (٤) .

стр. 12577

المبحث الرابع: مذهب الحنابلة يتفق الحنابلة المتقدمون والمتوسطون والمتأخرون على مشروعية البيع مزايدة، كما يتضح من النصوص التالية: حكى العلامة موفق الدين ابن قدامة الإجماع على جوازه، وقد ذكر هذا في معرض تحليل حديث مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يسم الرجل على سوم أخيه)) ، وأنه يعرض لهذا حالات قسمها إلى أربعة أقسام: أحدها: أن يوجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع فهذا يحرم السوم على غير ذلك المشتري، وهو الذي تناوله النهي. الثاني: أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا فلا يحرم السوم؛ لأن النبي ﷺ باع فيمن يزيد... (وذكر حديث الأنصاري الذي شكا الشدة والجهد لرسول الله ﷺ (١) ، وهذا أيضا إجماع المسلمين يبيعون في أسواقهم بالمزايدة. الثالث: أن لا يوجد منه ما يدل على الرضا، ولا على عدمه، فلا يجوز له السوم أيضا، ولا الزيادة، استدلالا بحديث فاطمة بنت قيس حين ذكرت للنبي ﷺ : (أن معاوية وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة) وقد نهى عن الخطبة على خطبة أخيه، كما نهى عن السوم على سوم أخيه فما أبيح في أحدهما أبيح في الآخر. الرابع: أن يظهر منه الرضا من غير التصريح، فقال القاضي: لا تحرم المساومة، وذكر أن أحمد نص عليه في الخطبة، استدلالا بحديث فاطمة؛ ولأن الأصل إباحة السوم والخطبة، فحرم ما وجد فيه التصريح بالرضا، وما عداه يبقى على الأصل، ولو قيل بالتحريم ههنا لكان وجها حسنا... (٢) . وقد ذكر البهوتي في شرح منتهى الإرادات جواز البيع مزايدة إذا لم يكن ثمت تصريح من صاحب السلعة لدى بحثه سوم الرجل على أخيه، واستدلالا له بحديث: ((لا يسم الرجل على سوم أخيه)) قائلا: " فإن لم يصرح بالرضا لم يحرم؛ لأن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة" (٣) . واتفق معه في هذا العلامة موسى الحجاوي قائلا: "فأما المزايدة في المناداة فجائزة " (٤) . علق العلامة منصور البهوتي على هذه الجملة قائلا: "إجماعا، فإن المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة" (٥) .

стр. 12578

الفصل الثالث الجامع في أحكام المزايدة المبحث الأول: أحكام المزايدة. المبحث الثاني: (الدلال) سلوك، وتصرفات، وأحكام. المبحث الثالث: أجرة الدلال. المبحث الرابع: ضمان الدلال. المبحث الأول: أحكام المزايدة تختص (المزايدة) باجراءات وشكليات في الفقه الإسلامي يترتب عليها أحكام شرعية تضم إلى الأركان والشروط في العقود التي تمثلها بيعًا، أو إجارة، أو مشاركة استثمارية، أو غير ذلك، وفيما يلي عرض للأحكام الخاصة بها. الأصل في المزايدة في العقود بشروطها الشرعية الإباحة، وقد توجد أسباب فتكون مستحبة، وذلك مثل بيع الحاكم مال المدين لسداد دينه، والمفلس لرفع الحجر عنه، والميت في بيع تركته؛ استدلالا بفعله ﷺ لما حجر على معاذ ﵁ حين باع ماله في دينه، وقسم ثمنه بين غرمائه، لما في البيع بالمزاد من توقع زيادة الثمن وتطييب لنفوس الغرماء. فإنه "يستحب للحاكم أيضا أن (يحضر الغرماء) ؛ لأنه لهم، وربما رغبوا في شيء فزادوا في ثمنه، وأطيب قلوبهم، وأبعد للتهمة، وربما يجد أحدهم عين ماله فيأخذها، (وإن باعه) الحاكم (من غير حضورهم كلهم) أي المفلس، والغرماء (جاز) لما تقدم، (ويأمرهم) أي المفلس والغرماء (الحاكم أن يقيموا مناديًا ينادي على المتاع) ؛ لأنه مصلحة، (فإن تراضوا بثقة أمضاه) الحاكم، وإن تراضوا بغير ثقة رده... (وإن اختار المفلس رجلا) ينادي، (واختار الغرماء آخر أقر) الحاكم (الثقة) من الرجلين، (فإن كانا ثقتين) قدم الحاكم (المتطوع) منهما. (وإن كانا بجعل قدم أوثقهما، وأعرفهما) ، لأنه لا مرجح لأحدهما على الآخر.

стр. 12579

(فإن زاد في السلعة أحد في مدة الخيار لزم الأمين) ، أي أمين الحاكم (الفسخ) ؛ لأنه أمكنه بيعه بثمن فلم يجز إمضاؤه بدونه، كما لو زيد فيه قبل العقد، (وإن كان) زاد في السلعة (بعد لزومه) أي البيع (استحب له) أي الأمين الحاكم سؤال المشتري الإقالة، واستحب للمشتري الإجابة إلى الإقالة، لأنه معاونة على قضاء دين المفلس، فهذه الصورة إما مستثناة للحاجة، أو محمولة على ما إذا زاد غير عالم بعقد البيع" (١) . * " بيع المزايدة يلزم كل من زاد في السلعة، ولو زاد غيره عليه خلافا للأبياني، وقد جرى العرف في مكة وكثير من البلاد على ما قاله الأبياني. وظاهر ما تقدم عن ابن رشد أن لربها (السلعة) أن يلزم كل من زاد، ولو كان العرف بخلافه، وجرت العادة أيضا بمكة أن من رجع بعد الزيادة لا يلزمه شيء ما دام في المجلس، وهذا والله أعلم مبني على القول بخيار المجلس كما هو مذهب الشافعي والله أعلم" (٢) . * "قال ابن رشد في المذهب: إذا وقع النداء على السلعة، وأعطى فيها ثمنا لزمه، والخيار للبائع، فإن زاد عليه غيره انتقل اللزوم للثاني، وإن لم يزد عليه أحد فللبائع أخذه بذلك ما لم تطل غيبته، ورأيت للأبياني: أن الشراء لا يلزمه إذا زاد عليه غيره...... وظاهر كلام ابن رشد أن المذهب ما قاله ابن رشد......" (٣) . * "كل ما زاد في السلعة فلربها أن يلزمه إياها بما زاد، إلا أن يسترد البائع سلعته، ويبيع بعدها أخرى، أو يمسكها حتى ينقطع مجلس المناداة، إلا أن يكون العرف اللزوم بعد الافتراق، أو يشترط ذلك البائع فيلزم المشتري البيع بعد الافتراق في مسألة العرف بمقدار ما جرى به العرف، وفي مسألة الشرط في الأيام المشروطة، وبعدها بقرب ذلك على مذهب المدونة، فإن شرط المشتري أنه لا يلزم البيع إلا ما دام في المجلس فله شرطه، ولو كان العرف بخلافه" (٤) . * "إن تراخى القبول على الإيجاب حتى انقضى المجلس لم يلزم البيع قطعا، وكذا لو حصل فاصل يقتضي الإعراض عما كان المتبايعان منه حتى لا يكون كلامه جوابًا للكلام السابق في العرف فلا ينعقد البيع... إلا بيع المزايدة فللبائع أن يلزم السلع لمن زاد حيث اشترط البائع ذلك، أو جرى به عرف إمساكها حتى انقضى مجلس النداء، أو ردها وباع بعدها أخرى فإن لم يشترط ذلك، ولا جرى به عرف لم يكن له ذلك" (٥) . واستشهد العلامة الزرقاني على ما تقدم بما ذهب إليه بعض فقهاء المالكية مما جرى به العمل في بلادهم قائلا: " قال المازري: وإنما نبهت على ذلك؛ لأن بعض القضاة ألزم بعض أهل الأسواق في بيع المزايدة بعد الافتراق، مع أن عادتهم الافتراق على غير إيجاب؛ اغترارًا بظاهر ابن حبيب، وحكاية غيره فنهيته عن هذا لأجل مقتضى عوائدهم. ابن عرفة: والعادة عندنا أي بتونس، وكذا عندنا بمصر عدم اللزوم، وهو واضح إن بَعُدَ، ولم تكن السلعة بيد المبتاع، فإن كانت بيده فالأقرب اللزوم، كبيع الخيار بعد زمنه يلزم فيه البيع من البيع بيده.

стр. 12580

وعلى كلام المازري لو لم تكن عادة فالأقرب أن للبائع إلزام من زاد بعد التفرق ما لم يسترد السلعة، ويشتغل ببيع أخرى، أو يمسكها حتى ينقضي مجلس النداء" (١) . * "إن اشتراط المشتري أن لا يلتزم البيع إلا ما دام في المجلس فله شرطه، ولو كان العرف بخلافه لتقدم الشرط عليه " (٢) . * "قال ابن رشد في المذهب: ولو أوقف المنادي السلعة بثمن على التاجر، وشاور صاحبها فأمره بالبيع، ثم زاد غيره عليه فهي للأول. قاله الأبياني... وسواء ترك السمسار الثوب عند التاجر، أو كان في يده، وجاء به إلى ربه فقال له ربه: بعه، ثم زاد فيه تاجر آخر، أنه للأول. وأما لو قال له رب الثوب لما شاوره: اعمل فيه برأيك، فرجع السمسار، ونوى أن يبيعه من التاجر فزاد فيه تاجر آخر؛ فإنه يعمل فيه برأيه، ويقبل الزيادة إن شاء ولا يلزم البيع بالنية ". ويذكر العلامة الحطاب إيضاحًا وتفصيلا لهذه المسألة قائلا: " قلت: وهذا إذا لم تحصل الزيادة إلا بعد مشاورة ربه، وأمره السمسار بالبيع وأما لو زاده فيه شخص قبل مشاورة رب السلعة فقد تقدم في التنبيه السابع عن مالك من رواية ابن القاسم: أنه يخبر رب السلعة بالزيادة، ولم ير ذلك من السوم على سوم أخيه؛ لأن النهي عن ذلك إنما هو الركون، وصاحب السلعة هنا غائب لا يعلم إن كان يميل إلى البيع بذلك الثمن أم لا..." (٣) . * " وسئل ابن القاسم عن قوم يحضرون بيع الميراث فيمن يزيد، فيزيد الرجل في الثوب، فيقول المنادي، بدينار ودرهم، فينادي عليه بذلك ولا يصفق. ويطلب الزيادة، ثم يبدو للذي زاده؟ قال: البيع يلزمه" (٤) . * " قيل له: فالرجلان يزيدان في الثوب، فيقول هذا: بدينار. وهذا: بدينار، يقع عليهما بشيء واحد، فيطلب الصائح الزيادة فلا يزاد، فوجب لهما، فيبدو لهما؟ قال: أرى البيع لهما لازما وأراهما فيه شريكين. وقال عيسى: لا يعجبني هذا من قوله، وأراه للأول، ولا أرى للصائح أن يقبل من أحد مثل الثمن الذي قد أعطاه غيره، وإنما يقبل الزيادة، ولهما ينادي حتى يزاد، إلا أن يكونا جميعا قد أعطياه دينارا معا هما فيه شريكان" (٥) . * لا يلزم الشراء من استقر عليه السعر في المزاد إذا انقلب صاحبها مما العرف فيه أن يمضي، أو يرد في المجلس، ولم يشترط أن يصيح عليه أيامًا. "وقد روي ذلك عن ابن القاسم أنه سئل عن الرجل يحضر المزايدة فيزيد، ثم يصاح عليه، فينقلب بها أهلها، ثم يأتونه من الغد فيقولون له: خذها بما زادت، فهل يلزمه ذلك؟ فقال ابن القاسم: أما مزايدة أهل الميراث، أو متاع الناس فلا يلزم إذا انقلبوا بالسلعة، أو تركوها في المجلس، أو باعوا بعدها أخرى، وإنما يلزم هذا في بيع السلطان الذي يباع على أن يستشار السلطان فيلزمه إمضاؤه إذا أمضاه السلطان.... ومعنى قوله: يلزمه إذا أمضاه السلطان. يريد ما لم يتباعد ذلك......" (٦) . * تجوز الزيادة في الثمن بأكثر مما استقر عليه البيع في المزاد بعد إخبار الدلال صاحب السلعة بما استقر عليه الثمن إذا لم تحدث مواجهة بين البائع والمشتري، وإنما تمت الموافقة بطريق مواجهة البائع الدلال وواسطته.

стр. 12581

قال العلامة عبد الحميد الشرواني: " وقع السؤال في الدرس عما يقع كثيرا بأسواق مصر من أن مريد البيع يدفع متاعه للدلال فيطوف به، ثم يرجع إليه ويقول له: استقر متاعك على كذا، فيأذن له في البيع بذلك القدر هل يحرم على غيره شراؤه بذلك السعر، أو بأزيد، أم لا؟ فيه نظر. والجواب عنه: بأن الظاهر الثاني: لأنه لم يتحقق قصد الضرر حيث لم يعين المشتري، بل لا يبعد عدم التحريم، وإن عينه؛ لأن مثل ذلك ليس تصريحا بالموافقة على البيع لعدم المخاطبة من البائع، والواسطة للمشتري" (١) . * "من له حق في البيع المشترك الذي لا ينقسم إذا نودي على بيعه حتى وقف على ثمن، هل يباع له بما وقف عليه من الثمن، أو لا بد من زيادته عليه؟ فيه ثلاثة أقوال: الأول: يأخذه مطلقا سواء كان هو طالب البيع أو لا. الثاني: لا يأخذه إلا بزيادة على ما وقف به إن كان هو الطالب للبيع، لا إن كان آبيا فله أخذه بما وقف فقط. الثالث: يأخذه الآبي والطالب للبيع أيضا بما وقف به إن لم يقصد إخراج الآبي، وإلا فلا يأخذه إلا بزيادة" (٢) . "بهذا القول الأخير عمل القضاة بما قاله عياض " (٣) . * " إذا باع القاضي على الميت، أو المفلس، وفارق المشتري البائع من مقامهما الذي تبايعا فيه، ثم زيد، لم يكن له رد ذلك البيع إلا بطيب نفس، وأحب للمشتري لو رده، أو زاد، وليس ذلك بواجب عليه، وللقاضي طلب ذلك إليه، فإن لم يفعل لم يظلمه وأنفذه له..." (٤) .

стр. 12582

* "إن أكرى ناظر الحبس (الأوقاف) على يد القاضي ربع الحبس بعد النداء عليه، والاستقصاء، ثم وجدت زيادة، لم يكن له نقض الكراء، ولا قبول الزيادة إلا أن يثبت بالبينة أن في الكراء غبنا على الحبس فتقبل الزيادة ولو ممن كان حاضرا" (١) . * يعد مالك السلعة ناجشا إذا زايد فيها في سوق المزايدة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " المالك إذا زاد في السلعة كان ظالما ناجشا، وهو شر من التاجر الذي ليس بمالك، وهو الذي يزيد في السلعة، ولا يقصد شراءها، ولهذا لو نجش أجنبي لم يبطل البيع، وأما البائع إذا ناجش، أو واطأ من ينجش ففي بطلان البيع قولان في مذهب أحمد وغيره، ومثل هذا ينبغي تعزيره" (٢) . * "جاز لمن أراد شراء سلعة في المزاد (سؤال البعض) من الحاضرين لسومها (ليكف عن الزيادة فيها ليشتريها السائل) . قال ابن رشد: ولو في نظير شيء يجعله لمن كف عن الزيادة، نحو كف عن الزيادة ولك درهم. (لا) سؤال (الجميع) ليكفوا عن الزيادة، فلا يجوز لما فيه من الضرر على البائع، مثل الجميع من في حكمهم الشيخ السوق، فإن وقع خير البائع في الرد والإمضاء، فإن فات فله الأكثر من الثمن والقيمة......" (٣) . وقد قرر مثل هذا من الأحكام شيخ الإسلام ابن تيمية، وأنه يصح أن يطلب أحد التجار من آخر أن لا يزايد في السلعة المعروضة مزايدة، ويتفقا أن يكونا شريكين فيها بقصد أن لا يزيد عليه في ثمنها، ويدفعا ثمنها بالسوية، وذلك لأن "باب المزايدة مفتوح، وإنما ترك أحدهما مزايدة الآخر" (٤) . بخلاف ما إذا اتفق أهل السوق "على أن لا يزيدوا في سلع هم محتاجون لها ليبيعها صاحبها بدون قيمتها، ويتقاسمونها بينهم، فإن هذا قد يضر صاحبها أكثر مما يضر تلقي السلع إذا باعها مساومة؛ فإن ذلك فيه من بخس الناس ما لا يخفي" (٥) .

стр. 12583

وقال العلامة أحمد سعيد المجليدي: " ولا بأس بسؤال بعض الحاضرين ليكف عن الزيادة، ولا يقول ذلك للكل" (١) . * دعوى الغبن في عقد المزايدة: تقبل دعوى الغبن في عقد المزايدة. "قال ابن عرفة: قال ابن عات عن المشاور: إن أكرى ناظر الحبس (الوقف) على يد القاضي ربع الحبس بعد النداء عليه والاستقصاء، ثم جاءت زيادة لم يكن له نقض الكراء، ولا قبول الزيادة إلا أن يثبت بالبينة أن في الكراء غبنا على الحبس، فتقبل الزيادة، ولو ممن كان حاضرا....، وزعم التسولي: أن بيع المزايدة لا يقام فيه بالغبن اتفاقًا..." (٢) . غير أن ما قاله التسولي رفضه بعض الفقهاء ونقضوه بأدلة عديدة. قال العلامة المهدي بن عمر بن محمد بن الخضر الوزاني الحسني العمراني: "إن الاعتماد على كلام التسولي في هذه القضية غير صواب، وأنه من الخطأ بلا شك ولا ارتياب" (٣) . المبحث الثاني: (الدلال) سلوك وتصرفات وأحكام الدلال: "محترف الدلالة، وهي المناداة على البضائع في الأسواق" (٤) . يتميز عقد المزايدة عن عقد البيع من الناحية الشكلية بوجود ما يسمى بـ (الدلال) ، أو السمسار (٥) ، وهو عنصر رئيس في شكل هذا البيع، وهو وكيل عن صاحب السلعة عرضا، ومزايدة، وإيجابًا للبيع وكالة عن صاحب السلعة، وهذا يفرض عليه خصائص وصفات أخلاقية سلوكية يتوجب أن تتوافر فيه: كالديانة، والأمانة، والصدق؛ لتتماشي سلوكياته مع ما هو مطلوب شرعا في المعاملات، وتتأكد في هذا العقد لما لها من تأثير إيجابا وسلبا على المتبايعين، وعلى سلامة السوق، كما تتعلق به وبعمله أحكام شرعية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، لأنها تؤثر على العقد صحة وبطلانا: كأن لا يزيد في السلعة من نفسه، وأن لا يزيد فيها لحسابه، أو مشاركة مع غيره، وغير ذلك مما ورد في مدونات الحسبة، وقد أتي على تعداد قسم منها العلامة محمد بن محمد بن أحمد القرشي المعروف بـ (ابن الأخوة) قائلا: " ينبغي أن لا يتصرف أحد من الدلالين حتي يثبت في مجلس المحتسب ممن يقبل شهادته من الثقاة العدول من أهل الخبرة أنهم أخيار ثقاة من أهل الدين، والأمانة، والصدق في النداء؛ فإنهم يتسلمون بضائع الناس ويقلدونهم الأمانة في بيعها. ولا ينبغي لأحد منهم أن يزيد في السلعة من نفسه، إلا أن يزيد فيها التاجر. ولا يكون شريكا للبزاز، ولا يقبض ثمن السلعة من غير أن يوكله صاحبها في القبض.

стр. 12584

ومنهم من يعمد إلى صناع الحاكة والتجار، ويعطيهم دراهم على سبيل القرض ويشترط عليهم أن لا يبيع لهم شيئا من متاعهم إلا هو، وهذا حرام؛ لأن النبي ﷺ نهى عن قرض جر منفعة (١) . ومنهم من يشتري السلعة لنفسه ويوهم صاحبها أن بعض الناس اشتراها منه، ويواطئ غيره على شرائها منه. ومنهم من تكون السلعة له فينادي عليها ويزيد في ثمنها من قبله، ويوهم الناس أن هذا الثمن دفعه لها فيها بعض التجار وأنها ليست ملكه، وهذا غش وتدليس. ومنهم من يكون بينه وبين البزاز شرط، ومواطأة على شيء معلوم من دلالته فإذا قدم على البزاز تاجر ومعه متاع يقول ها هنا سمسار، وهو رجل ناصح في السلعة فيستدعي ذلك المنادي بعينه ويسلم له المتاع، فإذا فرغ البيع وأخذ الأجرة أعطى البزاز ما كان شرطه له وواطأه عليه، وهذا حرام على البزاز فعله. ومتى علم المنادي عيبا في السلعة وجب عليه أن يعلم المشتري بذلك العيب ويوقفه عليهِ. وعلى المحتسب أن يعتبر عليهم جميع ذلك، ويأخذ عليهم أن لا يتسلم جعالته إلا من يد البائعِ، ولا يسقط عند المشتري شيئا فإن فيهم من يواطئ المشتري على جعالته فوق ما جرت به العادة من غير أن يعلم البائع شيء من ذلكِ، وهذا كله حرام (٢) .

стр. 12585

وقد تكلم العلامة الإمام تاج الدين عبد الوهاب السبكي بالتفصيل على ما يجب على فئات الدلالين: دلالي الكتب والرقيق والأملاك، التحفظ عليه، والابتعاد عنه لدى مزاولة هذا العمل مع توضيح الأحكام الشرعية المترتبة على ممارستهم المنحرفة (١) . المبحث الثالث: أحكام الدلال (٢) وأجرته ١- أحكام الدلال: * استفتاح الدلال أو شيخ السوق السلعة بثمن معين في بداية النداء عليها مشروع، ولا يعد من قبيل النجش، ذلك أنه يعد القاعدة الأساس في سعرها التي ينطلق منها المزاد، وتفاديًا لأن يأخذ المبادرة في فتح المزاد من لا يعرف قيمتها. قال العلامة الزرقاني في احترازاته لبيع النجش، وإخراج المسائل التي لا تعد منه: " وخرج بها استفتاح نحو شيخ سوق ليبني عليه غيره، فإنه جائز لئلا يستفتح من يجهل قيمتها. كما لابن عرفة" (٣) . * لا يجوز للدلال أن يبيع السلعة إلا بإذن صاحبها إلا أن يكون فوض إليه ذلك" (٤) . * "لا يجوز للدلال الذي هو وكيل البائع – في المناداة – أن يكون شريكا لمن يزيد بغير علم البائع؛ فإن هذا يكون هو الذي يزيد، ويشتري في المعني وهذا خيانة للبائع، ومن عمل مثل هذا لم يجب أن يزيد أحد عليه، ولم ينصح البائع في طلب الزيادة، وإنهاء المناداة. * وإذا تواطأ جماعة على ذلك فإنهم يستحقون التعزير البليغ الذي يردعهم وأمثالهم عن مثل هذه الخيانة، ومن تعزيرهم أن يمنعوا من المناداة حتى تظهر توبتهم (٥) . * اشتراك الدلالين في بيع السلع: يعرض في الأسواق أن يتضامن جماعة من الدلالين يكونون شركة للقيام بالمزايدة في السوق حسب برنامج محدد بينهم، يذهب صاحب السلعة إلى واحد منهم ليقوم بالمناداة عليه، فيناوله هذا إلى دلال آخر من بين مجموعهم، فالأمر يعتمد رضا صاحب السلعة موافقة، أو معارضة؛ ذلك "أن الدلال وكيل التاجر، وللوكيل أن يوكل غيره، وإنما تنازعوا في جواز توكيله بلا إذن الموكل، وإذا كان هناك عرف معروف أن الدلال يسلم السلعة إلى من يأتمنه كان العرف المعروف كالشرط .....) (٦) .

стр. 12586

" وإذا علم الناس أنهم شركاء، ويسلمون إليهم أموالهم جعلوا ذلك إذنًا لأحدهم أن يأذن لشريكه، وليس لولي الأمر المنع في مثل العقود، والقبوض التي يجوزها العلماء، ومصالح الناس وقف عليها، مع أن المنع من جميعها لا يمكن في الشرع، وتخصيص بعضها بالمنع تحكم" (١) . ٢- أجرة الدلال: من المناسب التعرض لأجرة الدلال والأحكام المتعلقة بها في الآتي: • مدير المزاد أو (الدلال) يستحق أجره على عمله بحسب ما جرى به العرف، أو الشرط عند العقد، فيستحق من البائع إذا جرى به العرف، أو من المشتري إذا جرى اشتراطه عليه، وإذا لم يكن عرف فبحسب الشرط الذي تفرضه الإدارة المنظمة له، أو أطراف العقد، فالمؤمنون على حسب شروطهم. • إذا رد المبيع على البائع بسبب شرعي كاستحقاق المبيع لغيره، أو رد بسبب عيب في السلعة فليس للبائع الرجوع على الدلال بما دفعه له، ولا تسترد الدلالة. قال العلامة محمود بن إسماعيل بابن قاضي سماوه: " لو استحق المبيع، أو رد بعيب بقضاء، أو بغيره لا يسترد الدلالة، ولو انفسخ البيع؛ إذا لم يظهر أن البيع لم يكن فلا يبطل عمله" (٢) . • إذا فوض صاحب العين الدلال في بيع السلعة فليس له أخذ الدلالة من المشتري إذ هو العاقد حقيقة وتجب الدلالة على البائع إذا قيل بأمر البائع. • إذا طلب صاحب السلعة من دلال أن يتولى عرضها للبيع، وحد له أجرا على إتمامه، ولكن لم يتم البيع، ثم أن دلالا آخر باع فللأول أجر بقدر عمله وعنائه. " قال أبو الليث: هذا قياس، ولا أجر له استحسانا إذ أجر المثل يعرف بالتجار، وهم لا يعرفون لهذا الأمر أجرا، وبه نأخذ" (٣) . "رجل دفع إلى دلال ثوبا ليبيعه على أن ما زاد على كذا فهو له فهو إجارة، ولو ضاع من يده ضمن" (٤) .

стр. 12587

المبحث الرابع: ضمان الدلال خص العلامة أبو محمد بن غانم بن محمد البغدادي ضمان الدلال، ومسائل أخرى متعلقة به بدراسة مستقلة، يتم العرض هنا لجملة مختارة منها يسترشد بها في القضايا المعاصرة: " الدلال أجير مشترك حتى لو ضاع من يده شيء بلا صنعه لا يضمن عند أبي حنيفة. • أخذ الدلال الثمن لسلمه إلى صاحبه، أو كان يمسكه ليظفر بصاحبه فيسلمه فضاع منه، يصالح بينهما إلى النصف (١) . إذا هلك المتاع في يد الدلال فسئل فقال: لا أدري أهلك عن بيتي أم عن كتفي لا يضمن. • إذا دفع الدلال الثوب إلى رجل يريد الشراء لينظر فيه، ثم يشتري، فأخذ الرجل الثوب وذهب، ولم يظفر به الدلال، قالوا: لا يضمن؛ لأنه مأذون بهذا الدفع عادة. قال قاضيخان: وعندي: إنما لا يضمن إذا وقع إليه الثوب ولم يفارقه، أما إذا دفع الثوب وفارقه يضمن، كما لو أودعه الدلال عند أجنبي، أو تركه عند من لا يريد الشراء. • السمسار إذا خلط أموال الناس، وأثمان ما باعه ضمن إلا في موضع جرت العادة بالإذن بالخلط... فالوكيل ضامن، وكذا المتولي إذا كان في يده أوقاف مختلفة، وقد خلط غلاتها كان ضامنًا، وكذا البيع والسمسار إذا خلط أموال الناس. • لا ضمان على الدلال إذا وقع الثوب من يده وضاع، وقال: لا أدري كيف ضاع، ولو قال: نسيت، ولا أدري في أي حانوت وضعته يكون ضامنًا" (٢) . يضمن الدلال فيما فرط فيه أو فعل شيئا لم يؤذن له فيه لفظا أو عرفا (٣) . • ليس على الدلال (المنادي) تبعة، أو مسئولية لما يبيعه في عقد المزايدة إلا إذا لم يبين عيبها، أو أخفاه، أو سكت عنه، مثله مثل الوكيل، والأجير، والوصي، والسلطان. قال أبو عمير يوسف بن عبد البر: " ومتي تبرأ الوكيل أنه يبيع؛ أو يشتري لغيره فهو كالمنادي، أو الأجير، أو الوصي، أو السلطان؛ لاتباعة على واحد من هؤلاء، وإن لم يبين الوكيل وسكت فالعهدة عليه" (٤) .

стр. 12588

الباب الثاني المزايدة في العصر الحديث الفصل الأول الدراسة القانونية المبحث الأول: تعريف المزايدة قانونًا. المبحث الثاني: الإجراءات المتبعة في البيع بالمزايدة. المبحث الثالث: ركنا الإيجاب والقبول في المزايدة. المبحث الرابع: دعوى الغبن في المزايدة قانونًا. الباب الثاني المزايدة في العصر الحديث تمهيد: عقد المزايدة في العصر الحديث من العقود الشائعة المنتشرة محليا وعالميا، تضاعفت أهميته نظرا لشدة الحاجة اليه؛ إذ أنه لم يصبح (بيع الفقراء) ، أو (بيع من كسدت تجارته) كما عبر عنه بعض الفقهاء قديما، بل أصبح عقد المؤسسات والإدارات الحكومية، له نظمه، وقوانينه، ولوائحه المتطورة، فمن ثم انتظم قانونا بين (العقود الإدارية) التي "يكون أحد أطراف العقد شخصا من أشخاص القانون العام، كالدولة مثلا، أو الهيئات والمؤسسات العامة ذات الشخصية المعنوية (١) . له استقلاله الموضوعي، ودراساته المتخصصة. أضحى لكل دولة أنظمتها ولوائحها فيما يخص (عقد المزايدة) ، تشترك في المبادئ والأسس، وتختلف في الإجراءات والتنظيمات حسب العرف، والبيئة المحلية. ومن أجل التعريف بالمزايدة قانونا، وتوضيح المقابلة الشرعية والقانونية التنظيمية لهذا الأسلوب في إنجاز العقود يتطلب البحث التعريف بها قانونا، ودراستها شكلا وموضوعا، وتقديم نموذج لها من البلاد الإسلامية في العصر الحديث.

стр. 12589

الفصل الأول الدراسة القانونية المبحث الأول: تعريف المزايدة قانونًا المزايدة والمناقصة من عقود المنافسة في القانون الإداري، يثبت لكل واحد منهما من الإجراءات والتنظيمات ما يثبت للآخر في الجملة، ويخضع كل منهما لما يخضع له الآخر، فيما عدا بعض الأمور والشروط التي تتلاءم وطبيعة كل واحد منهما على انفراد؛ فإنه " إذا كان شراء الأصناف، أو تنفيذ الأعمال يتم عن طريق المناقصة، فإن بيع الأصناف والمهمات الحكومية يتم عن طريق المزايدة للوصول إلى أكبر عطاء، وكذلك بالنسبة إلى إيجار أملاك الحكومة، أو بيعها، وما يماثل ذلك من التصرفات، والاصل في المزايدات أن تتم وفقا لمجموعة الإجراءات التي تتبع عند طرح المناقصات العامة بقصد الوصول إلى المزايد الذي يتقدم بأعلى سعر للتعاقد معه..." (١) . لهذا جرى التعريف بهما قانونا في عبارة واحدة في العبارة التالية: " المناقصة أو المزايدة العامة: هي طريقة بمقتضاها تلتزم الإدارة باختيار أفضل من يتقدمون للتعاقد معها شروطا، سواء من الناحية المالية، أو من ناحية الخدمة المطلوب أداؤها" (٢) . والعلاقة بين المزايدة والمناقصة من الناحية اللغوية علاقة تباين وتضاد كما هي أيضا من الناحية الموضوعية. فالزيادة ضد النقص، ومن ثم جاءت التفرقة بينهما في العقود: أن المناقصة تستهدف اختيار من يتقدم بأقل عطاء، ويكون ذلك عادة إذا أرادت الإدارة القيام بأعمال معينة كأشغال عامة مثلا، أما الثانية: (المزايدة) فترمي إلى التعاقد مع الشخص الذي يقدم أعلى عطاء، وذلك إذا أرادت الإدارة مثلا أن تبيع، أو تؤجر شيئا من أملاكها، والأحكام القانونية للنوعين واحدة...." (٣) . تستخدم المزايدة في العصر الحديث لأغراض وعقود عديدة "أهم هذه العقود البيع، والإيجار، فالبيع الجبري عن طريق القضاء، أو عن طريق الإدارة يتم بالمزاد، وكذلك البيوع التي تجريها المحاكم المحاسبية، وقد يقع البيع الاختياري كذلك بطريق المزاد إذا اختار البائع هذا الطريق. وكثيرا ما تؤجر الجهات الحكومية، ووزارة الأوقاف أراضي وعقارات بطريق المزاد" (٤) . تعتمد كل من المزايدة، والمناقصة "على أساس المنافسة الحرة، والمساواة بين المتنافسين ..." في إتاحة المعلومات المتوافرة لدى الجهة الإدارية وإتاحة الفرصة في الدخول في المنافسة.

стр. 12590

المبحث الثاني: الإجراءات المتبعة في عقد المزايدة عقد المزايدة في العصر الحديث شكلا وهيئة جديدة، تعتمد الإعلان في الصحف ووسائل الإعلام، وتتم إجراءاتها كتابيا، أو مناداة علنية وفق أنظمة وإجراءات محددة، في صورة وهيئة تختلف في بعضها تماما عن الصورة التقليدية (الحراج) (١) . (الأولى: التقدم بالعطاءات من جانب الأفراد. والثانية: فحص العطاءات وإرساء المزاد. والثالثة: إبرام العقد) (٢) . وفيما يلي بيان طبيعة كل مرحلة ووظيفتها، وأهم الإجراءات في خطوط عريضة وعناصر رئيسة: المرحلة الأولى: التقدم بالعطاءات من جانب الأفراد، ويتم وفق التالي: أولا: الإعلان عن المزايدة في الصحف ووسائل الإعلام لتحقيق المنافسة الحرة، والمساواة بين المتنافسين، "وهذا الإعلان ضروري حتى يكون هناك مجال حقيقي للمنافسة بين الراغبين في التعاقد مع الإدارة لأن بعض الراغبين في التعاقد قد لا يعلم بحاجة الإدارة إلى ذلك، ومن ناحية أخرى فإن الإعلان يحول بين الإدارة وقصر عقودها على طائفة معينة من المواطنين بحجة أنهم وحدهم الذين تقدموا" (٣) .

стр. 12591

ثانيا: "بعد الإعلان عن المناقصات، أو المزايدات العامة يجب بطبيعة الحال أن تحدد مهلة معقولة لكي يفكر فيها من يريد التقدم، وليزن عطاءه، وظروفه جيدًا قبل التقدم ..." (١) . المرحلة الثانية: فحص العطاء وإرساء المزاد: "وهي مرحلة تمهيدية تستهدف اختيار أفضل المتقدمين وفقا لنوع المناقصة، (أو المزايدة) ......، ويقوم بهذه العملية... لجنتان هما لجنة فتح المظاريف، ولجنة البت.... ومهمة اللجنة (لجنة فتح المظاريف) كما هو واضح من تسميتها تنحصر في فتح مظاريف العطاءات المتقدمة، تمهيدًا لفحص العطاءات، والتأكد من مطابقتها للشروط المعلن عنها، واستبعاد العطاءات التي لا تستوفي الشروط لسبب أو لأخر، ومهمة لجنة البت في العطاءات إتمام الإجراءات بقصد الوصول إلى تعيين أفضل المناقصين، أو المزايدين حسب القانون ...... وتختص بإتمام الإجراءات المؤدية إلى تعيين من ترسو عليه المناقصة – المزايدة – بعد تحقيق شروطها توطئة لاضطلاع جهة الإدارة بمهمتها الخاصة بإبرام العقد، واختصاص اللجنة في هذا الصدد اختصاص مقيد تجري فيه على قواعد وضعت لصالح الإدارة والأفراد على السواء بقصد كفالة احترام مبدأ المساواة بين المتناقصين (أو المزايدين) ...، وينتهي عمل هذه اللجنة بتقرير أصلح العطاءات...، ثم يأتي بعد ذلك دور جهة التعاقد، وهي الجهة المختصة بإبرام العقد مع المناقص، (أو المزايد) الذي وقع عليه اختيار لجنة البت" (٢) . المرحلة الثالثة: إبرام العقد ويختص به هيئة أخرى غير (لجنة البت) "قد تكون رئيس المصلحة، أو رئيس الإدارة المركزية، أو الوزير المختص......". والمسلم به أن التزامات الإدارة لم تبدأ إلا من هذه اللحظة، أما قبل ذلك فإن التعاقد يكون في دور التكوين، وكل ما يترتب على قرار لجنة البت نتيجة واحدة، وهي التزام الإدارة بأن لا تتعاقد إلا مع من يرسو عليه المزاد، أو المناقصة، وهذا هو ما يعرف بآلية المزاد (أو المناقصة) (٣) .

стр. 12592

المبحث الثالث: ركنا الإيجاب والقبول في المزايدة قانونًا التكييف القانوني لركني الإيجاب والقبول في عقد المزايدة كالتالي: التقدم بالعطاء، من قبل المزايد بمثل الإيجاب في العقد بيعًا، أو إجارة، أو غير ذلك. إرساء المزاد يمثل القبول فيه. يقدم العلامة عبد الرزاق السنهوري خلاصة المبادئ القانونية فيما يتعلق بهذين الركنين من أحكام في الفقرات التالية: "أولا: في بيع المزاد – ولنفرض التعاقد بيعًا – الإيجاب ليس هو طرح الصفقة في المزاد، وإنما هو التقدم بعطاء، والقبول هو إرساء المزاد على متقدم بعطاء. وبإرساء المزاد يتم البيع لمن رسا عليه المزاد، ولو تقدم بعد ذلك شخص آخر بعطاء أكبر. ثانيا: من تقدم بعطاء، اعتبر عطاؤه إيجابا كما قدمنا. وهو هنا إيجاب ملزم؛ لأن ظروف الحال تدل على أن من تقدم بعطاء أراد أن يتقيد به ولا يرجع عنه، ويبقي مقيدا بعطائه إلى أن يسقط هذا العطاء بعطاء أزيد على الوجه الذي قدمناه، أو حتى تنتهي جلسة المزاد دون أن يرسى عليه المزاد. أما إذا أرسي عليه المزاد في الجلسة فقد تم البيع على ما ذكرنا. ثالثا: العطاء اللاحق يسقط العطاء السابق، فمن تقدم بعطاء يزيد على عطاء سابق يسقط بعطائه هذا العطاء السابق، ويبقى عطاؤه اللاحق هو العطاء القائم. ويلاحظ أن التقدم بعطاء هو تعبير عن إرادة تتجه لإحداث أثر قانوني، فهو إذن تصرف قانوني. ولكن العطاء اللاحق إنما يسقط العطاء السابق، لا باعتباره تصرفًا قانونيًا، بل باعتباره واقعة مادية. ومن ثم يسقط العطاء اللاحق العطاء السابق، حتى لو كان العطاء اللاحق باطلا، كعطاء يتقدم به قاض في بيع عين متنازع عليها، ويقع نظر النزاع في اختصاصه، أو كان قابلا للإبطال، كعطاء يصدر من قاصر، أو محجور عليه. رابعا: لا يتحتم إرساء المزاد على من يتقدم بأكبر عطاء، وإن كان هذا هو المفروض ما لم يشترط خلافه. فقد يشترط صاحب السلعة أن من حقه ألا يرسى المزاد حتى على من يتقدم بأكبر عطاء؛ لأن هذا العطاء لا يجزيه في السلعة، أو لأنه لا يحب التعامل مع صاحب أكبر عطاء، أو لأي سبب آخر يذكره، أو لغير ما سبب يبديه. وقد يشترط أن من حقه أن يرسي المزاد على أي شخص يتقدم بعطاء يختاره، ولو كان عطاؤه لا يزيد على عطاء غيره، أو يقل عنه، مع إبداء سبب ما" (١) . المبحث الرابع: دعوى الغبن في المزايدة جرى القانون على نفي الغبن فيما بيع في المزاد العلني إذا اشترطت المحكمة بيعه بالمزاد العلني، وتم البيع فعلا بالمزاد كنص القانون، وفي ملخص موجز للأحوال التي لا يقبل فيها الطعن بالغبن في المزايدة، يقول العلامة الدكتور عبد الرزاق السنهوري: " ويخلص مما قدمناه أنه لا يجوز الطعن بالغبن في الأحوال الآتية: (١) إذا بيع عقار غير كامل الأهلية في المزاد العلني تنفيذًا لدين. (٢) إذا بيع عقار غير كامل الأهلية في المزاد العلني تنفيذ لأمر المحكمة التي أذنت في البيع. (٣) إذا بيع عقار غير كامل الأهلية في المزاد العلني لعدم إمكان قسمته عينا" (٢)

стр. 12593

الفصل الثاني الدراسة التنظيمية المبحث الأول: نموذج تطبيقي من النظام السعودي من المناسب تقديم نموذج تطبيقي من أنظمة المزايدة القائمة في بعض الدول الإسلامية من المملكة العربية السعودية، فقد مر نظام المزايدات والمناقصات بالمملكة العربية السعودية بمراحل عديدة تضمنت تغيرات شكلية، وموضوعية: "ففي عام ١٣٦١ هـ صدر نظام المناقصات العلنية ليضع قواعد خاصة لعقود الإدارة، وتلاه نظام المشتريات العامة في سنة ١٣٦٤ هـ ......، ثم نظام (المناقصات والمزايدات الذي صدر بالمرسوم الملكي رقم ٦، وبتاريخ ٢٤/٢/١٣٨٦ هـ وأخيرا صدر نظام تأمين مشتريات الحكومة، وتنفيذ أعمالها بالمرسوم الملكي رقم ٤، وتاريخ ١ / ٧ / ١٣٩٧ هـ، وتلاه بعض الأوامر السامية، والتعاميم التي نظمت بصورة شاملة كيفية اختيار الإدارة للمتعاقد معها، وطرق إبرام عقودها، وأحكام، وآثار هذه العقود" (١) . وسيتم العرض هنا لما يخص عقد المزايدة من (نظام تأمين مشتريات الحكومة) في المملكة العربية السعودية الصادر بالمرسوم الملكي رقم ٤، وتاريخ ١ / ٧ / ١٣٩٧ هـ الجاري به العمل في الوقت الحاضر

стр. 12594

القواعد الأساسية: وهي قواعد مشتركة بين عقود المزايدات والمناقصات، والتوريدات، وقد وردت في النظام في المواد التالية: "مادة (١) : يراعي في تأمين مشتريات الحكومة، وتنفيذ ما تحتاجه من مشروعات وأعمال القواعد الأساسية التالية: أ- لجميع الأفراد والمؤسسات الراغبين في التعامل مع الحكومة ممن تتوفر فيهم الشروط التي تؤهلهم لهذا فرص متساوية، ويعاملون على قدم المساواة. م / ١ / ب توفر للمتنافسين معلومات كاملة، وموحدة عن العمل المطلوب، ويمكنون من الحصول على هذه المعلومات في وقت واحد، ويحدد ميعاد واحد لتقديم العروض. م / ١ / جـ تتعامل الحكومة في سبيل تأمين مشترياتها، وتنفيذ مشروعاتها، وما تحتاجه من أعمال من الأفراد والمؤسسات المرخص لهم بممارسة العمل الذي تقع في نطاقه الأعمال، أو المشتريات اللازمة طبقا للأنظمة والقواعد المتبعة". ثم استمر النظام يعرض لبعض الشروط والخصائص المحلية الواجب توافرها في المتقدمين مما ليس له صفة العموم بالنسبة للمزايدات، مستمرا في هذه المادة حتى م / ١ / ز. وفي المادة الثانية تعرض إلى قواعد تقديم العروضِ، وهي في موادها تطبيق للمرحلة الأولى التي نص عليها القانون في المبحث الثاني من الفصل الثاني، والذي يهم الباحث منه؛ بصفة خاصة الفقرات التالية: "م / ٢ / د: يقدم مع العرض ضمان ابتدائي يتراوح بين ١و٢ % من قيمته وفقا لما تحدده الشروط والمواصفات، ولا يلزم تقديم هذا الضمان في حالة الشراء المباشر، أو العروض المفتوحة المشار إليها فيما بعد". كما تعرض في هذه المادة إلى قواعد فتح المظاريف في م / ٢ / هـ. وفي م / ٢ / هـ توضيح للآتي: "م / ٢ / هـ: لا يجوز للمتنافسين في غير الحالات التي يجوز التفاوض فيها وفقا لأحكام هذا النظام تعديل أسعار عروضهم بالزيادة، أو النقصان بعد تقديمها". أما المواد التي تخص المزايدات في النظام ولائحته التنفيذية فهي ما يأتي: "المادة (١١) : يجوز بيع ما يزيد من المنقولات عن حاجة الجهة الإدارية، ولا تحتاجه غيرها من الجهات بعد تقدير قيمتها بمعرفة لجنة من ثلاثة من الموظفين على الأقل، تسترشد في ذلك بأسعار السوق، على أن لا يقل ثمن البيع عن تقرير اللجنة المذكورة، فإذا زادت قيمة هذه المنقولات عن مائة ألف ريال فلا يتم البيع إلا بمزاد علني وفقا للإجراءات التي تنص عليها اللائحة التنفيذية لهذا النظام. ولا يجوز لموظفي الحكومة شراء أصناف مما تبيعه الحكومة إلا إذا كان البيع بمزايدة علنية، وكانت الأصناف المشتراة لأستعمال المشتري خاصة".

стр. 12595

قواعد المزايدات: "المادة (٣٨) : مع عدم الإخلال بما تقضي به المادة (١١) من النظام يتم بيع المنقولات الزائدة عن حاجة الجهة الإدارية بمزاد علني ينشر عنه في الصحف، وفي مقار الجهة الإدارية، والبلدية قبل ميعاد المزاد بخمسة عشر يومًا على الأقل. المادة (٣٩) : على من يشترك في المزاد العلني أن يقدم ضمانًا، يبلغ واحدة في المائة من قيمة عرضه، يزاد إلى خمسة في المائة بالنسبة لصاحب أفضل عطاء عند انتهاء المزاد، وعليه أن يدفع باقي القيمة عند اعتماد الترسية. المادة (٤٠) : تعتمد نتيجة الترسية من الوزير، أو رئيس الدائرة إذا بلغت القيمة خمسمائة ألف ريال فأكثر، ومن الوكيل إذا قلت". المبحث الثاني: أهم الشروط والمتطلبات في المزايدات في العصر الحديث عقد المزايدة في هيئته الحديثة وبصورته الإدارية الحكومية يخدم مصلحة عامة، يحرص النظام على مراعاتها، والمحافظة عليها، وفي سبيل ذلك وضعت الضوابط والشروط التي من شأنها تحقيق تلك المصلحة وضمانها، ومن هذه الضوابط والشروط العامة ما يلي: أولا: "التأكد مقدما من صلاحية المناقصين، أو المزايدين، فيتعين على هؤلاء أن يثبتوا قيامهم في عهود قريبة بأعمال تشبه في نوعها الأعمال المطروحة في المناقصة، أو المزايدة، حتى لا تتعاقد الإدارة مع بعض المغامرين فتضار المصلحة العامة " (١) . ثانيا: اشتراط رسم للدخول في المزايدة والمناقصة، مثل تحديد سعر للوثائق الخاصة بكل واحدة منها. ثالثا: "تقديم تأمين مؤقت لا يقل عن ١ % من مجموع قيمة العطاء... ولا يقل عن ٢ % من قيمة العطاء" (٢) . والهدف من هذا "ضمان جدية المتقدم" (٣) . هذا وقد تفرض كل دولة شروطها وإجراءات مختلفة لا تمت بصلة إلى العقد مباشرة، "وإنما تستهدف أغراضا متعددة أهمها الضغط على راغبي التعاقد من الشركات حتى تخدم الالتزامات التي تفرضها التشريعات الاجتماعية، والعمالية ...." (٤) .

стр. 12596

المبحث الثالث: استعمالات اقتصادية حديثة لعقد المزايدة المزايدة في الشركات: ألف الناس المزايدة في البيوع والإجارات، ومع تطور المعاملات التجارية، وتطور أساليبها وأدواتها تبين عمليا إمكانية استخدام (المزايدة) في عقود أخرى غير ما سبق، وذلك هو توظيف طريقة (المزايدة) للحصول على أعلى نسبة للمشاركة في الربح مع المستثمر في عقد مشاركة، وصورة ذلك: "أن تطرح البنوك الإسلامية في المزايدة مشاريع استثمارية تكون قد أثبتت جدواها الاقتصادية، ووافق البنك على تقديم التمويل لمن يرغب في إنشائها: وعنصر المزايدة في ذلك هو سعي البنك للحصول على أعلى نسبة للمشاركة في الربح مع المستثمر في عقد مشاركة" (١) . الفصل الثالث الدراسة الفقهية المقابلة يتضح من خلال العرض السابق لعقد المزايدة تعريفًا، وأحكاما في الشريعة والقانون، والأنظمة الحديثة – وجود نقاط اختلاف واتفاق في الشكل والمضمون يقتضي البحث إبرازها ودراستها في مبحثين (٢) . المبحث الأول: الشكل يختلف عقد المزايدة شكلا في بعض صوره وهيئته في الأنظمة والقوانين الحديثة عنه في مصادر الشريعة والفقه الإسلامي، وبالتحديد في الأسلوب التحريري الكتابي والتنظيمي السري أحيانا في مراحله الثلاث، في حين أن الثابت والوارد في الشريعة الإسلامية المناداة والإعلان الشفهي (الحراج) . وهو اختلاف في الأسلوب، والأدوات والتنظيمات التي من شأنها الحرص على سلامة المزايدة، وضمان نزاهتها، تشملها بعض مدلولات القاعدة الفقهية المشهورة: (العبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ والمباني) . هذه التنظيمات تستهدف في حقيقتها المحافظة على أهداف المزايدة، وتحقيق المقاصد الشرعية المتوخاة من إيجاد منافسة شريفة في رفع السعر وزيادته لصالح صاحب السلعة، أو المؤسسة، أو الإدارة الحكومية. بل يتعين هذا الأسلوب في الشريعة الإسلامية إذا كان الغرض منه مساعدة صاحبه على سداد عوزه، أو قضاء دينه، أو رفع الحجر عنه، أو تحقيق ريع أو غلة أكبر للموقوف عليهم من فقراء، أو مرافق عامة كالمدارس، ودور الأيتام والعجزة، أو تحقيق دخل اكبر لمصلحة حكومية تنفقه على مرفق عام من مرافق الأمة. والمزايدة أسلوبا وشكلا يرد على عقود عديدة مثل البيع، والإجارة، والشركات وغير ذلك من أنواع المعاملات، وكما يمارس من قبل الأفراد فإنه يمارس من قبل الهيئات والإدارات.

стр. 12597

ركزت الدراسات الفقهية الإسلامية على المزايدة بالمناداة في سوق الحراج (المزاد) ؛ لأن هذا هو الأسلوب والشكل السائد في القرون الماضية، في حين أن القانون والأنظمة الحديثة تتناول الجانب التحريري الكتابي، وهو أسلوب متطور تتسع له قواعد الشريعة الإسلامية، وتتبناه ما دام أنه يحقق الغرض المطلوب من دون خروج أو معارضة للقواعد الشرعية وأصول المعاملات. المبحث الثاني: المضمون يتفق القانون والأنظمة الحديثة مع الشريعة الإسلامية وفقهها أن هذا العقد قائم على المنافسة النزيهة بين المتقدمين في المزاد، وإفساح المجال لهم على قدم المساواة. كما يتفقان على مشروعية رغبة صاحب السلعة فردا، أو جهة استثمارية، أو هيئة، أو إدارة حكومية في الحصول على ثمن أو ربح أعلى من خلال أسلوب المزايدة، وكما يضمن تحقيق هذه الرغبة بين الأفراد بعضهم مع بعض، وفق الصور التقليدية البسيطة للمزايدة فإنها متحققة وموجودة في الصور التنظيمية الحديثة، ولا توجب معارضة شرعية. * أوجبت الشريعة الإسلامية سلوكيات وأخلاقا وأحكاما على المتقدمين في المزاد من هذا تحريم التغرير والخداع مطلقا سواء من البائعين، أو المشترين، أو أطراف خارجية، أو بواحد من هؤلاء ضمانا للمنافسة الحرة النزيهة. اتفقت الأنظمة والقوانين الحديثة مع الشريعة الإسلامية على مراعاة تلك الجوانب، وقننت لها أساليب تتناسب وأحجام المعاملات وتطورها في العصر الحاضر، خصوصا فيما يتصل بالمؤسسات والإدارات، فقد حاولت أن تضع بعض القيود والشروط للحد من الممارسات المنحرفة من أطراف المزايدة، بما يخدم المصلحة العامة، ويسد الطريق امام المحتالين والمختلسين. * يتمثل ركن الإيجاب في الفقه الإسلامي في عقد المزايدة في عطاء المزايد وهو ملزم له في العقد سواء رسا العطاء عليه وتوقفت عنده الزيادة، أم لا. ركن القبول يمثله البائع صاحب السلعة في إعلانه الرضى بالثمن الذي انتهى إليه المزاد، أو رضاه بما هو أدني منه من شخص معين؛ إذ أن له الخيار في إمضاء البيع مع من شاء من المزايدين، بصرف النظر عن مقدار العطاء، وسواء وجد شرط بذلك أم لا.

стр. 12598

يتفق القانون مع الفقه الإسلامي في بعض هذه العناصر، ويختلف عنه في أخرى. أما الاتفاق فهو في ركن الإيجاب المتمثل في عطاء المزايد’ والقبول المتمثل في رضا البائع جملة، لا تفصيلا، يتضح هذا من الاختلاف في النقاط التالية: أولا: العطاء اللاحق لا ينسخ العطاء السابق في الفقه الإسلامي، فكل مزايد ملزم بعطائه سواء كان سابقا أو لاحقا، هذا إذا كان البيع على الفور، قال المواق: "وأما إن تنوع الوقت فلا يتفق هذا عندنا في الحاجة الموقوفة يأتي صاحبها بعد الموسم، يحمل الناس على عوائدهم ومقاصدهم" (١) . ثانيا: أن المبدأ السابق ينسجم تماما مع آثاره الشرعية المترتبة عليه، وهو إعطاء صاحب السلعة الحرية في اختيار من يبيع له السلعة من المزايدين، دون أن يكون للثمن الأعلى التزاما مفروضا على البائع، وهذا حق شرعي إذا لم يوجد شرط بخلافه. في حين أن القانون يعطي هذا الحق لصاحب السلعة في حالة واحدة إذا اشترط أن من حقه أن لا يرسى المزاد على من يتقدم بأكبر عطاء... وقد يشترط أن من حقه "أن يرسى المزاد على أي شخص يتقدم بعطاء يختاره..." (٢) . * دعوى الغبن في المزايدة مقبولة في الشريعة الإسلامية وليس الأمر كذلك في القانون. ولعل الاتجاه القانوني في منع دعوى الغبن في المزايدة كما هو مذهب فريق من الفقهاء المسلمين هو: "أن قيمة الشيء بعد المناداة عليه في الأسواق وشهرته هي ما وقف عليه..." (٣) . ومعني هذا "أنه لا يتصور فيه غبن" (٤) . ولكن الحقيقة أن " قيمة الشيء ما يقومه به أهل معرفته، وهي تابعة لصفته، فإن كانت - أي صفته - جيدة كثرت قيمته، وإن كانت رديئة حطت، أي قيمته..." (٥) . وقد تتحكم بعض الأسباب في تقليص المزايدة وعدم بلوغ السلعة ثمنها، ويتضح مستقبلا وجود الغبن غير المعتاد، ففي قبول الدعوى إنصاف لصاحبها إن كان فردًا، وحماية للمصلحة العامة إن كانت وقفا، أو جهة حكومية، أو مرفقا عاما. * ومن أهم ما تنفرد به القوانين والأنظمة عن الشريعة المطهرة في عقد المزايدة من ناحية المضمون أيضا الأمور التالية: أولا: إثبات المتقدمين للمزايدة "قيامهم في عهود قريبة بأعمال تشبه في نوعها الأعمال المطروحة في المناقصة أو المزايدة" (٦) .

стр. 12599

ثانيا: اشتراط رسم للدخول في المزايدة والمناقصة يختلف مقداره بين مزايدة، أو مناقصة وأخرى (١) . ثالثا: اشتراط التأمين المالي، أو الضمان الابتدائي والانتهائي (٢) . وفيما يلي تتم مناقشة هذه الموضوعات ودراستها في ضوء القواعد العامة في الشريعة الإسلامية: أولا: إثبات المتقدمين كفاءتهم ووفاءهم في أعمال سابقة هو إجراء إداري، المقصود منه أن لا تقدم الإدارة أو المؤسسة على التعاقد مناقصة، أو مزايدة إلا وهي واثقة من كفاءة المتقدم وقدرته على تنفيذ ما وكل إليه، حتى لا تتغير أعمالها، وتتأخر مشاريعها، أصبح هذا من الحاجيات التي يتطلبها الاضطلاع بأي مشروع عاما كان أو خاصا، حتى لا تتعرض المصلحة العامة أو الخاصة للضياع والإهمال، وفي هذا حماية المصلحة العامة من عبث العابثين، وأخذ الحيطة في مثل هذه الأمور مسئولية شرعية يتوجب التحقق منها، والتأكد من سلامتها. ثانيا: اشتراط رسم الدخول في المزايدة، أو المناقصة مثل تحديد سعر للوثائق. لا بد من البداية من التفرقة بين المناقصة، والمزايدة في هذا الأمر، إذ أن رسم الدخول غالبا ما يكون مطلوبا في المناقصة، وفي المزايدة أحيانا نادرة، ذلك أن المناقصة عبارة عن قائمة احتياجات من مشاريع، أو منقولات يحتاجها المعلن بمواصفات معينة تسد حاجته، وتشبع رغبته، قد يتطلب هذا توظيف بعض الخبرات والاستشارات الموسعة، التي يحتاج أن ينفق عليها المعلن مقدارا من المال يرتفع وينخفض حسب أهمية المطلوب في المناقصة، وحين يعلن عن المناقصة المسهمين في المناقصة بمجموع المواصفات والدراسات التي أكملها في الصورة التي يرغب تنفيذ المشروع على ضوئها، أو تأمين المنقولات حسب مواصفاتها، فيحسب مقدار تكلفة تلك الدراسات والأعمال المكتبية ليستعيدها من مجموع تلك الرسوم من المتقدمين لتنفيذ المطلوب. ومن جهة أخرى فإن تلك المواصفات والدراسات ستوفر على المتقدم في المناقصة الكثير، بحيث لا يحتاج إلا التنفيذ بموجبها عندما يرسو عليه العطاء. وفي ضوء هذا التفصيل يمكن القول بأن هذا صحيح بالنسبة لمن رسا عليه عطاء المناقصة؛ لأنه سيفيد منها، أما الآخرون الذين لم يرس عليهم العطاء فإنهم يدفعون تلك الرسوم دون مقابل، ولا يستعيدونها؛ إذ يقضي العدل والإنصاف أن تكون مسئولية دفع التكاليف جميعها من قبل من ظفر بعطاء المناقصة، وإذا كان هذا معلوما لديه مسبقا فإنه سيحتسب تكلفة تلك الدراسات ضمن تكاليف المشروع التي يتقدم لها لإدارة ذلك المشروع أو المؤسسة، ذلك أن من رسا عليه عطاء المناقصة هو المستفيد الوحيد دون أحد آخر، أو تكون التكلفة من مسئوليات الإدارة وواجباتها فتتحمل تكاليفها دون المسهمين، وفي كلا الحالتين فليست هي مسئولية من لم يظفر بالعطاء في المناقصة، وبهذا نستطيع أن تخلص معاملاتها من شبهة أكل أموال الناس بغير حق.

стр. 12600

أما المزايدة فإنها غالبا ما تكون على أشياء فائضة عن حاجة صاحبها، أفرادا، أو إدارات تدفعها إلى المزاد بقصد التخلص منها، وفي الغالب لا يشترط في الدخول فيها إلى دفع رسوم إلا حيث تكون تحت أعمال مكتبية، أو استشارات خاصة أو غير ذلك. وفي جميع الحالات فرسوم الدخول سواء في المناقصة، أو المزايدة إذا كانت موجباتها ما سبق فالأولي والأحق بدفعها من رسا عليه العطاء في المناقصة، أو المزايدة لأنه المستفيد الوحيد وسيحتسبها ضمن تكاليف المشروع مناقصة، أو مزايدة، وربما يكون هذا من واجباته ومسئولياته لو لم تقم المؤسسة أو الإدارة بتجهيزها، ومن ثم تقدمها له، وليس من سبب شرعي أن يكلف بدفع التكلفة كلها، أو جزء منها من أصبح مؤكدا خروجه من العقد، وعدم استفادته منه. ثالثا: يشترط القانون الوضعي، والنموذج التطبيقي للمزايدات ضمانا ماليا بـ ١ %، ويزاد إلى ٥ % لصاحب أفضل عطاء عند انتهاء المزاد، وعليه أن يدفع باقي القيمة عند اعتماد الترسية كما نصت عليه المادة (٣٩) اللائحة التنفيذية لنظام المشتريات الحكومية. وهذا ليس موجودا ضمن أحكام الشريعة الإسلامية وموادها في عقد المزايدة والغرض من هذا الضمان المالي هو التأكد من جدية المزايد وضمان صدق رغبته.

стр. 12601

والإجراء المتبع في هذا؛ هو إعادة الضمان المالي لمن لا يرسو عليه العطاء، ومضاعفته إلى ٥ % على من يرسو عليه العطاء محتسبا له في النهاية من قيمة العطاء، هذا هو بيع العربون في المعني والجوهر، وهو بهذه الصورة من الصور الجائزة الصحيحة في المذهب الحنبلي فحسب، قال العلامة منصور البهوتي: " (و) يصح (بيع العربون) ...، (و) يصح (إجارته) أي العربون. قال أحمد وابن سيرين: لا بأس به، وفعله عمر، وعن ابن عمر أنه أجازه، و (هو) أي بيع العربون (دفع بعض ثمن) في بيع عقداه، (أو) أي وإجارة العربون: دفع بعض (أجرة) بعد عقد إجارة (ويقول) مشتر، أو مستأجر (إن أخذته) أي المبيع أو المؤجر احتسبت بما دفعت من ثمن، أو أجرة، وإلا فهو لك، (أو) يقول: أن (جئتك بالباقي) من ثمن، أو أجرة، وإن لم يعين وقتا، (إلا فهو) أي ما قبضته (لك لما روي عن نافع بن عبد الحارث، أنه أشتري لعمر دار السجن من صفوان بن أمية، فإن رضي عمر، وإلا فله كذا وكذا، قال الأثرم: قلت لأحمد: تذهب إليه؟ قال: أي شيء أقول؟ هذا عمر، وضعف حديث ابن ماجه، أي أنه ﷺ (نهى عن بيع العربون) ...، (وما دفع في عربون فلبائع) في بيع، (و) لمؤجر في إجارة (إن لم يتم) العقد...". (١) . والضمان المالي الذي يقدمه المزايدون في هذا العقد راجع وعائد لهم في النهاية إذا رسا العطاء دون استثناء. قد يكون التأمين المالي ضمانا بنكيا متمثلا في خطاب الضمان يصدره البنك، يتحمل فيه مسئولية ما ينجم من تقصير المزايد تجاه مسئوليته وواجباته حيال الطرف الآخر، مقابل نسبة مئوية يتحصل عليها من صاحب الخطاب فلهذا الإجراء تعلقان: ١- التعلق الأول: العلاقة بين المزايد (أو المناقص) وصاحب السلعة، ولهذا الأخير أن يشترط في العقد لضمان جدية المزايد، وصدق رغبته ما يكفل طمأنينته، ويضمن حقوقه، سواء في صورة ضمان، أو كفالة، أو رهن، يختار من الوسائل والأدوات المشروعة المالية، أو الشخصية ما يضمن حقوقه، ويحافظ على مصلحته (والمؤمنون عند شروطهم) ، فإذا طالب بضمان بنكي فهو حق له، ولا غبار عليه أن يختار هذا النوع من الضمان.

стр. 12602

٢- التعلق الثاني: العلاقة بين المزايد (المضمون) والبنك الذي يصدر خطاب الضمان، وما يتحصل عليه في مقابل ذلك من فوائد مالية فقد قرر حكمه تفصيلا مجمع الفقه بجدة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي رقم ١٢ وتاريخ ١ – ١٦ ربيع الثاني سنة ١٤٠٦ هـ، ٢٢ – ٢٨ ديسمبر سنة ١٩٨٥ م في النص التالي: (١) – أن خطاب الضمان بأنواعه الابتدائي، والانتهائي لا يخلو إما أن يكون بغطاء، أو بدونه، فإن كان بدون غطاء فهو ضمن ذمة الضامن إلى ذمة غيره فيما يلزم حالا، أو مالا، وهذه هي حقيقة ما يعني في الفقه الإسلامي باسم (الضمان) ، أو (الكفالة) . وإن كان خطاب الضمان بغطاء فالعلاقة بين طالب خطاب الضمان وبين مصدره هي (الوكالة) ، والوكالة تصح بأجر، أو بدونه مع بقاء علاقة الكفالة لصالح المستفيد (المكفول له) . (٢) - أن الكفالة هي عقد تبرع للإرفاق والإحسان، وقد قرر الفقهاء عدم جواز أخذ العوض على الكفالة، لأنه في حالة أداء الكفيل مبلغ الضمان يشبه القرض الذي جر نفعا على المقرض، وذلك ممنوع شرعا، ولذلك فإن المجمع يقرر ما يلي: أولا: أن خطاب الضمان لا يجوز أخذ الأجر عليه لقاء عملية الضمان (والتي يراعي فيها عادة مبلغ الضمان ومدته) سواء أكان بغطاء أم بدونه. ثانيا: أما المصاريف الإدارية لإصدار الخطاب الضمان بنوعيه فجائزة شرعا، مع مراعاة عدم الزيادة على أجر المثل، وفي حالة تقديم غطاء كلي أو جزئي يجوز أن يراعي في تقرير المصاريف لإصدار خطاب الضمان ما قد تتطلبه المهمة الفعلية لأداء ذلك الغطاء، والله أعلم (١) .

стр. 12603

في ضوء هذا التفصيل يكيف المزايد وضعه الشرعي مع البنك الذي يصدر خطاب الضمان، دون أن يكون لصاحب السلعة تعلق، أو علاقة بالوضع بين المزايد والبنك ما دام يحصل على ضمان حقوقه بطريقة شرعية فيما بينه وبين المزايد. * أما المزايدة في الحصول على نسبة ربح أعلى في مشاريع استثمارية تكون قد أثبتت جدواها الاقتصادية، ووافق البنك على تمويل من يرغب في إنشائها فإن المضاربة، ومعناها شرعا: "أن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه على أن ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه" (١) . فالعقد مشروع إذا استكمل أركانه وشروطه، والمزايدة في نسبة الربح، ومحاولة كل من الطرفين الحصول على أعلى نسبة منه أمر مشروع يعود إلى ما اتفقا عليه في العقد. والمزايدة في الربح حسب الصورة السابقة سواء في شركة المضاربة، أو غيرها من أنواع الشركات لها أصل شرعي تقاس عليه في البيوع والإجارات، ذلك أن لجوء صاحب السلعة، بقصد البيع أو الإجارة، إلى المزايدة للحصول على أعلى ثمن في حدود الأحكام والضوابط الشرعية جائز، وقصد معتبر في الشرع، كذلك الأمر بالنسبة للربح بين المضارب ورب المال. كذلك لجوء الشريك الممول في المضاربة أو غيرها من الشركات إلى المزايدة في الحصول على نسبة أعلى من الربح بقصد تنمية ماله، وزيادة ربحه عن طريق المزايدة، يجتمع مع البيع والإجارة في المعني، ويتفق معهما في القصد ما لم تكن مخالفة شرعية، أو تجاوزات للأركان والشروط وأسباب الصحة في أصل العقد. ولا تتجاوز المزايدة بصورتها المشروعة أن تكون أسلوبا شكليا، وطريقا من الطرق المشروعة للربح وتنمية المال تقع على العقود المتوخاة لتنمية الأموال التي ترك الشرع صياغتها، وتحديد أسلوبها رحمة بالناس، لتكييفها حسب احتياجاتهم واختلاف بيئاتهم وأزمانهم. يأخذ هذا الحكم عموم جواز استعمال المزايدة في جميع العقود المباحة المعلومة، وغير المعلومة، إذا التزم المزايدون فيها أركان الصحة وشروطها، وتفادوا ما يفسدها، أو يتعارض مع مقصد من مقاصد الشريعة وقواعدها. وليس في الشريعة ما يمنع صاحب راس المال أن يدخل في أكثر من عقد مع المضارب في مشاريع استثمارية أخرى، إذا تحقق قدرته وكفاءته على الاضطلاع بها، ويعد كل عقد قائما بذاته، مستقلا عن الآخر بشروطه وواجباته.

стр. 12604

خاتمة البحث الخلاصة والنتائج إن العرض السابق لعقد المزايدة تعريفا، وبسطا لأحكامه ومسائله في الشريعة الإسلامية والقانون، ومن خلال النموذج التطبيقي في دراسة تحليلية موجزة خلص إلى الأحكام والنتائج التالية: أولا: أن عقود المعاملات في الشريعة الإسلامية من المرونة بحيث يمكن أن تتقبل الأشكال، والأساليب في المعاملات بما يحقق المصلحة العامة، ويحفظ حقوق المتعاقدين ما لم تعارض قاعدة شرعية، أو تناقض قصدا مرعيا، ذلك " أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني ". فإذا سلم أصل العقد وحقق أغراضه الشرعية فالشكل مقبول وصحيح ما سلمت أصول العقد، وقعت عليه المزايدة. ثانيا: أن الإجراءات المتبعة في عقود المزايدات من تحرير كتابي، وتنظيم إداري أن لم يكن من (الضروريات) فهو من (الحاجيات) في الوقت الحاضر، ومراعاتها معلومة في الشريعة الإسلامية، ولو قيل إنها من التحسينيات "وهي التي تقع موقع التحسين، والتيسير للمزايا، ورعاية أحسن المناهج في العادات والمعاملات" (١) ، "وهي ما به كمال الأمة في نظامها... فإن لمحاسن العادات مدخلا..." (٢) .

стр. 12605

وأهمية واعتبارا في الشرع، وهي مقصد مهم من مقاصد الشريعة المطهرة يتوجب توخيها. ثالثا: أن الضوابط والشروط الإدارية في عقد المزايدة في جملتها لا تتعارض ومبادئ الشريعة الإسلامية، خصوصا ما يتصل منها بتحديد القدرات والكفاءات والإنجاز بما يخدم المصلحة العامة، ويقطع على المتهاونين سبل الخلل والإهمال. رابعا: أن لزوم الإيجاب من قبل المزايد، ومنح البائع الخيار في القبول كما في الشريعة الإسلامية منسجم تمامًا مع أهداف هذا العقد، وملائم لطبيعته؛ ذلك أن المقصد الأساس أن يكون لصاحب السلعة الكلمة الفصل في إنجاز العقد، والرضي بالسعر الذي يريده، ولمن يختاره. خامسا: رسم الدخول (قيمة وثيقة المواصفات) التي تعد من قبل صاحب المزايدة، أو المناقصة، موضحًا فيها الشروط المطلوب تنفيذها والتقيد بها تمثل في الحقيقة تكاليف الخبرات والاستشارات ومجموع الأعمال والجهود للوثائق المعدة ينبغي أن لا يتحملها من لم يرس العطاء عليه، فإذا أخذت منه أخذت بغير مقابل، وبدون وجه حق، وهي جديرة بأن تكون مسئولية الجهة صاحبة المصلحة. سادسا: الضمان المالي الابتدائي الذي يرد في النهاية إلى صاحبه هو بيع العربون وهو نموذج عادل، حيث لا يحق أخذه من قبل صاحب المناقصة، أو المزايدة في جميع الأحوال، ظفر المزايد بالعطاء، أو لم يظفر به. سابعا: الضمان النهائي معتبر للمزايد، أو المناقص إذا وفي بمسئولياته، ويخصم لحسابه، وهو بيع العربون الجائز صورة وحقيقة، ولا يخالف في صحته المعارضون لصحة بيع المعربون. ثامنا: الضمان البنكي صورة من صور الضمان المالي، وهو بصوره الصحيحة، أو الفاسدة لا يؤثر على العقد الصحيح، بل هو خارج عن العقد، وليس من مسئوليات الجهة صاحبة العقد أن تتحقق صحته، أو فساده. تاسعا: صحة الضمان وإباحته في عقد المزايدة مسئولية المضمون، وهو بالتحديد: العلاقة بين المضمون والضامن تحكمها المبادئ والأسس الشرعية، وتحدد علاقتهما في ضوء القواعد، والقرارات المجمعية الفقهية. عاشرا: استعمال عقد المزايدة توصلا للحصول على نسبة ربح أعلى في مشاريع استثمارية بالمشاركة استعمال جديد يتفق مضمونا وأهدافا مع استعماله المعتاد في البيوع والإجارات، وغيرها من عقود المعاملات المبسوطة في الفقه الإسلامي، المعلوم صحتا وجوازها. حادي عشر: قبول دعوى الغبن في المزايدة كما هو الراجح في المذهب المالكي إنصاف للأفراد، وحماية للمصلحة العامة ينسجم مع تعاليم الشريعة الإسلامية القائمة على العدل والإنصاف. ثاني عشر: يحمل الناس على عوائدهم ومقاصدهم فيما يجزي فيه اختلاف في عقد المزايدة. كما أنه يلجأ إلى قرائن الأحوال فيما ينشأ عنه من نزاع بين المتبايعين (١) . في الختام أتوجه إلى المولى الكريم أن يجنبنا الزلل في القول والعمل، وأن يغفر ما قد زل به القلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خيرته من خلقه، أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان
следующие страницы →