← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 12636–12675 · переход к 12641.

стр. 12636

ولذلك مالك عندما روى الحديث هو رواه، وهنا لا يصح أن يقال: أن حديث رسول الله وقع هكذا، بإثارة كبرى حديث رسول الله على الرأس والعين ورواه مالك هو أمير المؤمنين بالحديث معلوم فضل مالك، ولا أريد أن أبين قيمته وأنتم تعلمون قيمة مالك أكثر مني، فمالك روى الحديث ثم قال: وليس لهذا عندنا حد معلوم، بمعني أن إجراء الحديث هو يوقع في جهالة كبرى التي جاءت نصوص يقينية ثم توافرت تلك النصوص فأصبح قاعدة من القواعد فهو ترك العمل به لأنه يقع في تناقض إذا ما عمل به غيره لم ير هذا التناقض فقال به وتعمق مالك في فهم الحديث وهو مما لا يذكر به. فقضية خيار المجلس لا عمل به عندنا الآن في العالم الإسلامي ولا عمل به في عهد مالك في مدينة رسول الله ﷺ ولا عمل به، ورأى بعضهم أنه إذا اتسع الحديث وأخذ به وهي قضية أشبعت بحثا في كتب الخلاف ولكل رأيه ولا يمكن أن نحتج برأي على رأي آخر، والقضية ليست في رد الحديث ولكن في حمل الحديث على محامله. بيع النجش: البيع على النجش ورد في البحث، وبينت وما زال أكثر ما قرأته في بيع النجش وماذا طرأ عند بيع النجش، الإجارة كما تحدث فيها الشيخ عبد الله، الإجارة هي بيع منافع وبيع المنافع يجري فيه ما يجري في بيع الأعيان، فضيلة الشيخ علي السالوس تمني لو أن هذا الموضوع موضوع آخر وهو المناقصة، التمني شيء لكن لم توافق لجنة التخطيط أن تجمع بينهما، والأمانة العامة هي أسيرة لجنة التخطيط وما تقدمه، وإذا بحث موضوع فلا يمنع هذا من بحث موضوع آخر، في مناسبة أخرى على أن قضية طعام الجيش وغيره، هذه من القضايا الكبرى التي وقع التعارض لها في السنة الماضية والتي اتخذ فيها قرار وكنت أنا غير موافق حتى آخر لحظة؛ لأن المناقصات التي تجري في مثل هذه البيوع، إما لطعام الجيش أو لكسوة الجيش والتي هي من نوع بيع السلم والتي في السلم لا بد من اشتراط دفع الثمن كاملا، والذي لا تطبقه أي دولة من الدول ولا تستطيع ذلك، وقد أثرت هذه القضية ولم يؤخذ برأيي، فهذه القضية أخذ فيها المجمع قراره من السنة الماضية وانتهينا.

стр. 12637

فضيلة الشيخ تقي العثماني يتحدث عن رسوم الدخول، ورسوم الدخول حسب ما رجعت إلى أهل الخبرة قالوا لي: هذه الرسوم لا يجوز هذه الرسوم الدخولية؛ ولكن هي ما يريده صاحب السلعة الذي عرض المتاع للبيع بالمزايدة من الشركات ومن الدولة. يريد جدية المشتري في أنه اطلع على جميع شروطه فيكتب الكراس، هو لا يستطيع أن يقدر ثمن الخدمات كما قال أخونا الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: لا؛ لأن الخدمات والبحوث وقعت من موظفين موجودين في الدولة، الموظفون المكلفون بالبيع هم يدرسون القضية من كل جوانبها ويضعون كراسة الشروط ووقوع ذلك على مرتباتهم موقع شيء كبير، فكراس الشروط ليس المقصود منها جمع النفقات ولكن في الحقيقة بيع أوراق لاطمئنان الدولة أو الشركات الكبرى على أن من يدخل المزايدة يعلم كل شروطها وكل مواصفاتها حتى لا يقع بعد ذلك في مشاكل، فهذه هي سببها؛ فما ذكره الشيخ تقي الدين العثماني جزاه الله خيرا، من أنه اطلع على أن هناك رسوما كبيرة قد تكون تقع هذا، لكن أن الواقع ينفيه أن من يريد أن يقوم ببيع المزايدة يرغب في أكثر من مزايد لا في أقل من مزايد فلو وضع معوقات برفع ثمن كراسة الشروط لما أقدم الناس على ذلك. فاشتراط مبالغ جسيمة قد يصد الناس.

стр. 12638

شروط البراءة من كل عيب، هذا تحدثت عنه في البحث، وبينت فيه كل ما وقع في يدي من أقوال الفقهاء ومن تفصيلاتهم، فضيلة الشيخ عبد الله بن منيع تحدث عن الدعاية في البضاعة وأنها إذا كانت صادقة ما تحدثت أنا على الدعاية حتى أقول إنها محرمة ولكن أعود إلى ما ذكرته من أوجه النجش، أن التعريف الذي ارتضيناه هو أن بيع النجش هو الذي يدخل فيه طرف ثالث ليغري غيره بالشراء فيرتفع ثمن المبيع تبعا لتدخله، وهذا التدخل يشمل الزيادة ممن لا يرغب في الشراء كما يشمل مدح السلعة والتأثير على المشتري ليغريه بالشراء، وفي المجتمع الاستهلاكي أخذت أجهزة الإعلام تقوم بدور مؤثر للإقبال أكثر وأكثر على الاستهلاك، ثم التلاعب بعواطف الجماهير واستهتارهم وهذه الأساليب أن كانت صادقة كاشفة عن حقيقة المبيعات كان تأثيرها على عقلية الأفراد والشعوب تأثيرا سيئا إذ تجعلها مولعة بالإسراف، وما كان الإسراف إلا منهجا مفسدا لا يرضى عنه الدين: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥١ – ١٥٢] وأما إذا كانت كاذبة خادعة فهي من أنواع النجش الذي تحدثنا عنه إذ تخدع المشتري فيبذل في السلعة أفضل من قيمتها ولما كانت الدول الإسلامية تراقب أجهزة الإعلام فعليها أن تربط بتشريع واضح حدود الإعلام والدعوة والإقبال على الشراء والاستهلاك سواء أكان البيع بيع مزايدة أو غيره من أنواع البيوع. وما أظن أن المصلحة العامة لا بد من الحديث عنها. جاء في كلامه أنه يثني على ما ذكره الشيخ عبد الله البسام وأن المزايدة ليس من الأهمية للتحدث فيها ولا لبس فيها ولا استرسال، كلمة الاسترسال في البيع وكيف يتصور في بيع المزايدة بيع الاسترسال لا يمكن أن يتصور هذا، أظن أنه ساق إليه الكلام وهو يثني ويثني، وخيار المجلس كما قلت بينه العلماء واختلفوا فيه ولا وجه لأن ترجح كلمة أحدهم على الآخر ولا يكون انتساب الإنسان إلى مذهب محددا رأيه في طريقة واحدة، هذا ما أردت أن أضيفه إلى الكلمة التي لخصت بها موضوعي وموضوع إخواني، وشكرا للذين شاركوا في النقاش والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

стр. 12639

الشيخ عبد الله البسام: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أنا أعتذر من فضيلته أن يكون رأى مني شيئا من الخشونة، البحثان اللذان قدما يعني هو الواجب مني أن أقول أن أشكر صاحبيهما أولا على بحثيهما وأننا استفدنا منهما ثم بعد هذا إذا كان رأي صوابا أن هذه القضية ثبت أن بيع المزايدة أن المسألة والحمد لله حصل فيها الإجماع من العلماء إلا أنه لا تحتاج إلى كل هذه العناية وإنما أطرافها هي التي تبحث، هذه من ناحية أنا أعتذر إليك. الأمر الثاني: أريد أن أعلق تعليقا بسيطا جدا إن شاء الله لو تحمل هو أو غيره نعم، لم نقصد به إلا الفائدة، والحديث حديث خيار المجلس، هذا رواه الإمام مالك، هو أول من رواه وقبل أن يرويه البخاري ومسلم ومعروف منزلة الإمام مالك ﵁، ولكن الإمام مالكا ﵁ حين نحتج عليه لقوله هو نفسه يقول: كل يؤخذ عليه من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر، فإذا وجدنا أن هذا الحديث صحيح والإمام مالك نفسه صححه على كل حال أظن ما نستطيع أن نقول: أن الرأي المخالف لهذا الحديث أن هذا هو الصواب، يعني ندع قول النبي ﷺ ونأخذ قول عالم من العلماء، ما يمكن هذا، كما قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، هذه ناحية، الناحية الثانية: أن خيار المجلس موجود في صدر الإسلام ليجزم في هذا البيع حتى يلزم نفسه بالعقد الذي أجراه؛ كل هذا محافظة على إتمام العقد لئلا يحصل خلاف في هذا. الأمر الثاني: أن البيع دائما يقع في حالات مباغتة وبحالات ما فيها تروّ ولا فيها تأن؛ لأن مع كثرة المداولة البائع والمشتري يقع منهما هذا، فالنبي ﷺ وهو المشرع الأعظم جعل له هذه الفرصة حتى يستدرك إذا كان أي البيع ما وافقه في نفس المجلس حتى أنه يترك له فسحة من الأمر، فهذا فائدته موجودة ولا يزال الآن معروفا خيار المجلس في هذا المكان يتبايعون ويشترون حتى أنهم يتفرقون وإذا تفرقوا لزم البيع وما دام في المجلس فلكل منهم فسحة ما لم يسقط أحدهم خياره أو يسقط كلا الطرفين الخيار، فهذا في رضاه، وبناء عليه فهو لله الحمد مسألة وقضية ثابتة بالنص الشرعي ومعمول بها في صدر الإسلام ولا يزال وفائدتها وثمرتها معروفة وموجودة، وأظن إن شاء الله ما فيها أي شيء. أما الإمام مالك فلا نقول فيه شيئا ولو لم يره، هذا رأيه ورأيه لا يؤنب عليه، كما أنب الإمام مالكا بعض المعاصرين في تركه الحديث وأخذه بهذا لكن نحن لا نقول هذا. الإمام مالك ﵁ معروف المقام ومعروف علمه ومعروف أتباعه، فالإمام مالك جمع بين العلم والعقل فهو عالم وعاقل ولهذا لا يزال الناس يرددون كلامه، فأهل السنة والجماعة يرددون كلامه في الصفات وهو أول من سن الوقوف في صفات الله تعالى، الإمام مالك يقول: لا يصلح آخر هذا الأمر إلا ما صلح به أوله؛ والإمام مالك يقول: كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا صاحب هذا القبر؛ هذه كلمات جامعة نافعة لم يرو مثلها عن غير الإمام مالك ﵁، وكونه ﵁ لم يأخذ بهذا الحديث فهذا عذره، ولكن مع هذا لا يمكن أن نطرح حديثا صح عن النبي ﷺ ، أي واحد حتى ولو كان من الخلفاء الراشدين والخلفاء الراشدون نجد لهم قولا مخالفا، نقول: اختلفوا وشكرا.

стр. 12640

الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. في الواقع العنوان هو رسول البحث، فلو كان العنوان هو الجوانب المعاصرة في بيع المزايدة أو بيع المزايدة قديما وحديثا لتجلت فيه المسائل التي ركز عليها في المناقشة، وعلى كل إن شاء الله لعل لجنة الصياغة أو إعداد القرار سوف تتولى هذا وهو من العارض والمقرر والشيخ تقي، الشيخ وهبة، الشيخ علي السالوس، الشيخ القره داغي، مناسب. وبهذا ترفع الجلسة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 12641

القرار بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه قرار رقم: ٧٧ / ٤ / ٨٥ بشأن عقد المزايدة إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان، بروناي دار السلام من ١ إلى ٧ محرم ١٤١٤ هـ الموافق ٢١ – ٢٧ يونيو ١٩٩٣ م. بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (عقد المزايدة) . وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله. وحيث أن عقد المزايدة من العقود الشائعة في الوقت الحاضر، وقد صاحب تنفيذه في بعض الحالات تجاوزات دعت لضبط طريقة التعامل به ضبطا يحفظ حقوق المتعاقدين طبقا لأحكام الشريعة الإسلامية، كما اعتمدته المؤسسات والحكومات، وضبطته بتراتيب إدارية، ومن أجل بيان الأحكام الشرعية لهذا العقد. قرر ما يلي: ١- عقد المزايدة: عقد معاوضة يعتمد دعوة الراغبين نداء، أو كتابة للمشاركة في المزاد ويتم عند رضا البائع. ٢- يتنوع عقد المزايدة بحسب موضوعه إلى بيع وإجارة وغير ذلك، وبحسب طبيعته إلى اختياري كالمزادات العادية بين الأفراد، وإلى إجباري كالمزادات التي يوجبها القضاء، وتحتاج إلى المؤسسات العامة والخاصة، والهيئات الحكومية والأفراد. ٣- أن الإجراءات المتبعة في عقود المزايدات من تحرير كتابي، وتنظيم، وضوابط وشروط إدارية أو قانونية، يجب أن لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.

стр. 12642

٤-طلب الضمان ممن يريد الدخول في المزايدة جائز شرعًا، ويجب أن يرد لكل مشارك لم يرس عليه العطاء، ويحتسب الضمان المالي من الثمن لمن فاز بالصفقة. ٥- لا مانع شرعا من استيفاء رسم الدخول (قيمة دفتر الشروط بما لا يزيد عن القيمة الفعلية) لكونه ثمنا له. ٦- يجوز أن يعرض المصرف الإسلامي، أو غيره، مشاريع استثمارية ليحقق لنفسه نسبة أعلى من الربح، سواء أكان المستثمر عاملا في عقد مضاربة مع المصرف أم لا. ٧- النجش حرام،ومن صوره: أ – أن يزيد في ثمن السلعة من لا يريد شراءها ليغري المشتري بالزيادة. ب – أن يتظاهر من لا يريد الشراء بإعجابه بالسلعة وخبرته بها، ويمدحها ليغرّ المشتري فيرفع ثمنها. ج- أن يدعي صاحب السلعة، أو الوكيل أو السمسار، إدعاء كاذبا أنه دفع فيها ثمنا معينا ليدلس على من يسوم. د- ومن الصور الحديثة للنجش المحظورة شرعا اعتماد الوسائل السمعية، والمرئية، والمقروءة، التي تذكر أوصافا رفيعة لا تمثل الحقيقة، أو ترفع الثمن لتغرّ المشتري، وتحمله على التعاقد. والله أعلم

стр. 12643

قواعد ومسائل في حوادث السير إعداد القاضي محمد تقي العثماني القاضي بالمحكمة العليا بكراتشي وعضو المجمع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قواعد ومسائل في حوادث المرور الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فإن موضوع "حوادث السير " من الموضوعات الفقهية التي تحتاج إلى دراسة متقنة ودقيقة، بالنظر إلى الظروف المعاصرة التي تنوعت فيها صور الحوادث وجزيئاتها، وكثرت واقعاتها للتوسع في استخدام الوسائل الجديدة السريعة السير، وبالرغم من قواعد المرور المنضبطة والمطبقة في أكثر البلاد. وإن الشريعة الإسلامية التي تضمن العدل والسلامة في أحكامها لم تغفل هذا الجانب المهم، بل وضعت لها أصولا وقواعد نستطيع أن نعرف في ضوئها أحكام هذه الحوادث الجديدة. وإن فقهاءنا المتقدمين قد تحدثوا عن أحكام هذه الحوادث في ضوء القرآن والسنة في باب الديات، وذكروا فيه أصولا وفروعا تدل على مدى توسعهم في تصوير الحوادث وتعمقهم في الفرق بين حادثة وأخرى. والذي يبدو من دراسة المذاهب الفقهية المختلفة أن هذا الباب من الأحكام الفقهية من أقل ما وقع فيها الاختلاف بين الفقهاء. ويشاهد الباحث خلال دراسته لمختلف جزئياته في كتب المذاهب المختلفة أن جميعها قد خرجت من مشكاة واحدة، ونسجت على منوال واحد، والخلاف بينها في ذلك قليل.

стр. 12644

ولكن من الطبيعي أن العصر الذي دون فيه الفقهاء هذه المسائل لم يكن يعرف هذه المراكب السريعة من السيارات والقطر والطائرات وهذا النظام الجديد للمرور. ولذا فإنهم إنما تكلموا عن المراكب المعروفة في عهدهم من الدواب والعجلات والسفن ووسائل السير التي كانت تستخدم في البيئة التي يعيشون فيها. ولكن كلامهم المبني على مآخذ الشريعة الأصلية من القرآن والسنة والإجماع والقياس قد أوضح لنا أصولا عامة يمكن تطبيقها على كل ما وجد، أو سيوجد، من الوسائل الجديدة للسير. فمهمة الفقيه المعاصر اليوم هي أن يعرف هذه الأصول العامة ويطبقها على الحياة المعاصرة، مع الاعتناء بالفوارق في نظام السير الجديد التي تميزه عن النظام القديم، ويشرح جزيئاته على ذلك الأساس شرحا واضحا، ليتبين حكم كل جزئية من حوادث السير على حدة من غيرها. وبما أن الموضوع لم يأخذ حقه من الدراسة والبحث في كتابات العلماء المعاصرين، فإنه جدير بالاهتمام، وإن بحثي هذا يهدف إلى مساهمة متواضعة في الجهود التي يقوم بها مجمع الفقه الإسلامي لسد هذا الفراغ، وأسأل الله أن يوفقني للحق والصواب، ويبعدني عن الزلل والخطل، وهو المستعان وعليه التكلان.

стр. 12645

الضرر وضمانه في الشريعة الإسلامية: الأصل في الشريعة الإسلامية أنه لا يجوز لأحد أن يفعل فعلا يضر بآخر، فإن أضر بفعله أحدًا، فالأصل أنه ضامن، إلا في حالات سيجيء تفصيلها وإن هذا الأصل ثابت بنصوص القرآن والسنة. فأما القرآن الكريم، فأوضح ما يستدل به على ذلك قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ – ٧٩] . النفش: هو الرعي بالليل. وروى ابن جرير في تفسيره عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن الحرث المذكور كان كرما قد أنبت عناقيده، فافسدته الغنم. فقضى داود ﵇ بالغنم لصاحب الكرم، يعني قضى بتمليكه الغنم تعويضا عما أتلفه له، ونقل القرطبي في تفسيره أن سيدنا داود ﵇ رأى قيمة الغنم تقارب قيمة الغلة التي أفسدت، وذهب سليمان ﵇ إلى رأي آخر، فقال: يدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها. وقد أشارت الآية الكريمة إلى أنه قد اختلف نظر كل من داود وسليمان ﵉ في وجه الحكم في هذه القضية، دون أن يذكر القرآن الكريم تفصيل حكمهما، وقد صرح باستحسان رأي سليمان ﵇. ويستفاد من التفاسير أن المقصود في رأي كل من داود وسليمان ﵉ هو تضمين الذي أضر بالكرم بما يقع به التعادل بين الضرر والعوض، ثم اختلفت أنظارهما في صورة هذا التعادل، ومع قطع النظر عن خصوص صورة التعادل، فإن القصة التي ذكرتها الآية الكريمة تنبئ عن مبدأ عام، وهو أن الذي يحدث ضررا بنفس الآخر أو بماله، فإنه يضمن له ذلك الضرر. وأما السنة النبوية، على صاحبها السلام، فإن أصرح ما ورد في هذا المعنى قول رسول الله ﷺ : ((لا ضرر ولا ضرار)) أخرجه ابن ماجة (١) وأحمد في مسنده (٢) ، وأخرجه مالك في موطئه مرسلا (٣) ، وقال البوصيري (٤) : إسناد رجاله ثقات، إلا أنه منقطع لأن إسحاق بن الوليد قال الترمذي وابن عدي: لم يدرك عبادة بن الصامت – اهـ، ونحوه في مجمع الزوائد (٥) ، ولكنّ للحديث طرقا أخر سوى ما تقدم كما في المقاصد الحسنة للسخاوي (٦) . وإن هذا الحديث الشريف قد قرر مبدأ هاما من مبادئ الشريعة الإسلامية من نفي الضرر وحرمة ما يسببه. وإن الحديث إذا تأملنا فيه، لا يكتفي بتحريم إضرار الغير فقط، بل يشير إلى وجوب الضمان على من سببه، وذلك لأن النبي ﷺ لم يبين هذا الأصل بصيغة النهي الذي يدل على التحريم فقط، بل إنه ﷺ ذكره بصيغة نفي الجنس، وفيه إشارة لطيفة إلى أنه كما يجب على الإنسان أن يجتنب من إضرار غيره، كذلك يجب عليه، إن صدر منه شيء من ذلك، أن ينفي عن المضرور الضرر الذي أصابه، إما برده إلى الحالة الأصلية إن أمكن، وإما بتعويضه عن الضرر وأداء الضمان إليه، ليكون عوضا عما فاته.

стр. 12646

ومما يدل على وجوب تعويض المصاب أحكام الديات المبسوطة في الكتاب والسنة، ومن جملتها فيما يخص موضوعنا: ما أخرجه مالك في الأقضية من موطئه (١) عن حرام بن سعد بن محيصة أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. وإن هذا الحديث من أصرح الأدلة على أن من سبب ضررا لآخر، فإنه ضامن لما أصابه، وكذلك أخرج الدارقطني في سننه (٢) عن النعمان بن بشير ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أوقف دابة في سبيل من سبل المسلمين، أو في سوق من أسواقهم، فأوطأت بيد أو رجل، فهو ضامن)) . وهذا الحديث، وإن كان في إسناده كلام، لضعف سري بين إسماعيل الهمداني الكوفي (٣) ولكن مضمونه مما اتفق عليه جمهور الفقهاء قديما وحديثا.

стр. 12647

وعلى أساس هذه المبادئ حكم فقهاء الصحابة والتابعين وقضاتهم بالضمان على من أضر الآخر بفعله، وإن أقضيتهم وفتاواهم في هذا الباب كثيرة يمكن مراجعتها في كتب الحديث. وفي ضوء هذه المبادئ والأقضية والفتاوى، استخلص الفقهاء المتأخرون قواعد فقهية في هذا الباب، وأرى من المناسب أن أذكر هذه القواعد بشيء من شرحها، وكيفية تطبيقها على حوادث المرور. قواعد فقهية تتعلق بالضرر والضمان القاعدة الأولى: المرور في طريق العامة مباح بشرط السلامة: هذه القاعدة ذكرها غير واحد من الفقهاء. وحاصلها أن السير في طريق العامة حق لكل إنسان ولكن استعمال هذا الحق مقيد بأن لا يحدث ضررا بغيره فيما يمكن التحرز عنه. وقال العلامة خالد الأتاسي ﵀: "والأصل أن المرور في طريق المسلمين مباح بشرط السلامة، بمنزلة المشي؛ لأن الحق في الطريق مشترك بين الناس، فهو يتصرف في حقه من وجه، وفي حق غيره من وجه، فالإباحة مقيدة بالسلامة. وإنما تقيدت بها فيما يمكن التحرز عنه، دون ما لا يمكن التحرز عنه، لأنا لو شرطنا ﵇ عما لا يمكن التحرز عنه، يتعذر عليه استيفاء حقه، لأنه يمتنع عن المشي والسير مخافة أن يبتلى بما لا يمكن التحرز عنه. والتحرز عن الوطء والإصابة باليد أو الرجل، والكدم، وهو العض بمقدم الأسنان، والخبط وهو الضرب باليد، والصدم، وهو الضرب بنفس الدابة وما أشبه ذلك في وسع الراكب إذا أمعن النظر في ذلك، وأما ما لا يمكن التحرز عنه كما إذا نفحت برجلها، يعني ضربت بحافرها أو ذنبها، فلا تضمن" (١) .

стр. 12648

القاعد الثانية: المباشر ضامن، وإن لم يكن متعديا: وحاصل هذه القاعدة أن من باشر الإضرار بالغير، فهو ضامن للضرر الذي أصابه بالمضرور بفعله، وإن لم يكن المباشر متعديا، بمعني أنه لم يكن فعله محظورا في نفسه، وهذا كالنائم الذي انقلب على آخر فقتله، فإنه قد باشر القتل، مع أن نومه لم يكن محظورا في نفسه، ولذلك يضمن دية المقتول. وإن هذه القاعدة قد ذكرها الفقهاء بعبارات متقاربة، واتفقوا على مضمونها، وهي من أهم القواعد المتبعة في مسئلة ضمان الضرر، ولكن ربما وقع هناك اشتباه في فهمها وخطأ في تطبيقها على بعض الجزئيات، فيجب أن تدرس القاعدة بدقة في مفهومها الصحيح. ١- فالاشتباه الأول إنما وقع من جهة أن بعض الفقهاء ذكروا القاعدة بلفظ " المباشر ضامن، وإن لم يتعمد " وقد وقعت القاعدة بهذه اللفظ في "مجلة الأحكام العدلية" (مادة ٩٢) وشرحها بعض العلماء بأنه لا يشترط لتضمين المباشر أن يكون متعمدا، ولكن بشرط أن يكون متعديا، فقال الشيخ أحمد الزرقاء (١) : "المباشر للفعل... ضامن لما تلف بفعله، إذا كان متعديا فيه" وهذا ظاهر في أنه يشترط لتضمين المباشر أن يكون متعديا، مع أن معظم الفقهاء ذكروا أنه لا يشترط التعدي لتضمين المباشر، فمثلا قال الزيلعي (٢) : "وغيره تسبيب، وفيه يشترط التعدي، فصار كحفر البئر في ملكه وفي المباشرة لا يشترط". وقال ابن غانم البغدادي ﵀ (٣) :

стр. 12649

" المباشر ضامن، وإن لم يتعمد، ولم يتعد، والمتسبب لا يضمن إلا أن يتعدي ". وقد رفع فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء حفظه الله تعالى هذا التعارض (١) بما حاصله أن التعدي يستعمل في معنيين يجب التمييز بينهما: فالمعني الأول للتعدي: هو المجاوزة الفعلية إلى حق الغير أو ملكه المعصوم. والمعني الثاني: هو العمل المحظور في ذاته شرعا، بقطع النظر عن كونه متجاوزا على حدود الغير أو لا. فالتعدي بالمعني الأول يشترط لتضمين المباشر أيضا. أما التعدي بالمعني الثاني، فلا يشترط في تضمين المباشر. فمن أكل طعام غيره في حالة المخمصة بدون إذنه لدفع الهلاك عن نفسه فإن فعله جائز، بل واجب، فلم يصدر منه التعدي بالمعني الثاني، ولكن حصل التعدي من حيث أنه تصرف في ملك الغير، فوجب عليه الضمان، وكذلك لو زلق إنسان أو أغمي عليه، فوقع على مال غيره فأتلفه، فإنه ضامن، وإن لم يأت عملا محظورا. وإن هذا التمييز الذي ذكره الشيخ مصطفى الزرقاء حفظه الله تعالى جيد وواضح. وبه يرتفع التعارض بين من اشترط التعدي لضمان المباشر ومن لم يشترطه. والحاصل إذن: أن المباشر كلما أحدث ضررا في نفس معصوم، أو في بدنه أو في ماله فإنه ضامن، ولو صدر ذلك منه عند مباشرة فعل مباح في نفسه بدون تعمد.

стр. 12650

٢- والاشتباه الآخر الذي ربما يقع في فهم هذه القاعدة، هو أن بعض الفقهاء ذكروا قاعدة أخرى ربما تبدو معارضة لقاعدة " المباشر ضامن وإن لم يكن متعديا " وهي قاعدة " الجواز الشرعي ينافي الضمان " وهي مذكورة في المادة ٩١ من قواعد المجلة. وظاهر هذه القاعدة معارض لتضمين المباشر إذا أضر أحدا بفعل مباح، ولكن هذه القاعدة إنما تعمل في ممارسة حق من الحقوق المطلقة التي لا تتقيد بوصف السلامة. أما الحقوق التي تتقيد بوصف السلامة، كحق المرور في الطريق، فمجرد كون الفعل جائزا في نفسه لا ينفي الضمان، وقد ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله تعالى هذا الفرق في مسألة من قعد في المسجد فحدث به ضرر لآخر، قال ﵀: "وإذا قعد الرجل في مسجد لحديث، أو نام فيه في غير صلاة، أو مر فيه فهو ضامن لما أصاب، كما يضمن في الطريق الأعظم في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا ضمان عليه، لأنه لو كان مصليا في هذه البقعة لم يضمن ما يعطب به، فكذلك إذا كان جالسا فيه لغير الصلاة، بمنزلة الجالس في ملكه ... فيكون ذلك مباحا مطلقا، والمباح المطلق لا يكون سببا لوجوب الضمان على الحر. وأبو حنيفة يقول: المسجد معد للصلاة، والقعود والنوم فيه لغير الصلاة مقيد بشرط السلامة ..... وإن كان ذلك مباحا أو مندوبا إليه" (١) .

стр. 12651

ما هي المباشرة؟ وبعد إيضاح هاتين النقطتين، لا يشترط لتضمين المباشر إلا أن تتحقق منه مباشرة الإضرار في محل معصوم، سواء كان بفعل مباح في نفسه، أو بفعل محظور. ولكن لا بد ههنا من التنبه لنقطة مهمة أخرى، وهي أنه يجب لتطبيق هذه القاعدة أن تتحقق المباشرة بمفهومها الصحيح، فيجب أن نفهم معني المباشرة، وقد عرفها الفقهاء بما يلي (١) : "حد المباشر أن يحصل التلف بفعله من غير أن يتخلل بين فعله والتلف فعل مختار". فلا يضمن المرء إذا صح نسبة الضرر أو التلف إلى فعله، دون أن يتخلل بينه وبين التلف فعل مختار. فإن تخلل، لم تتحقق المباشرة فلا يضمن، وإن ذلك يتضح بعدة فروع ذكرها الفقهاء في باب الجنايات: ١- قال العلامة خالد الأتاسي ﵀ في شرح المجلة (٢) : "إن الدابة إذا وطئت بيدها أو رجلها، وهو راكبها يضمن ولو في ملكه؛ لأن هذا مباشرة يضاف التلف إلى تسييره وعدم ضبطه، إلا إذا جمحت بحيث ليس في إمكانه ردها".

стр. 12652

وأصل هذه المسائلة ذكرها البغدادي في مجمع الضمانات، قال (١) : "سئل الإمام أبو الفضل الكرماني: سكران جمح فرسه فاصطدم إنسانا فمات، أجاب: إن كان لا يقدر على منعه فليس بمسير له، فلا يضاف سيره إليه، فلا يضمن. قال: وكذا غير السكران إذا لم يقدر على المنع". وذكر ابن مفلح من الحنابلة (٢) : "إن غلبت الدابة راكبها بلا تفريط لم يضمن". وذكره المرداوي (٣) فقال: "جزم به في الترغيب، والوجيز، والحاوي الصغير". وقال الكاساني من الحنفية (٤) : "ولو نفرت الدابة من الرجل أو انفلتت منه، فما أصابت في فورها ذلك فلا ضمان عليه، لقوله ﵊: ((العجماء جبار)) ، أي البهيمة جرحها جبار، لأنه لا صنع له في نفارها أو انفلاتها، ولا يمكنه الاحتراز عن فعلها، فالمتولد منه لا يكون مضمونا". وفي مذهب الشافعية في هذه المسألة قولان، ذكرهما النووي رحمه الله تعالى، قال (٥) : "ولو غلبتهما الدابتان، فجرى الاصطدام والراكبان مغلوبان، فالمذهب أن المغلوب كغير المغلوب كما سبق. وفي قول أنكره جماعة أن هلاكهما وهلاك الدابتين هدر، إذ لا صنع لهما ولا اختيار، فصار كالهلاك بآفة سماوية، ويجري الخلاف فيما لو غلبت الدابة راكبها أو سائقها".

стр. 12653

ونرى في هذه الجزئية أن راكب الدابة لا يضمن بما وطئته دابته، لأنها بعد الجموح والانفلات صارت مستقلة في سيرها، فلا يمكن أن تنسب المباشرة إلى الراكب. ٢- وكذلك ذكر الفقهاء أنه إذا نخس الدابة رجل غير الراكب، فالضمان على الناخس، دون الراكب، قال صاحب الهداية (١) : (ومن سار على دابة في الطريق، فضربها رجل أو نخسها، فنفحت رجلا، أو ضربته بيدها، أو نفرت فصدمته فقتلته كان ذلك على الناخس دون الراكب) وهو المروي عن عمر وابن مسعود ﵄، ولان الراكب والمركب مدفوعان بدفع الناخس، فأضيف فعل الدابة إليه، كأنه فعله بيده، ولأن الناخس متعد في تسبيبه، والراكب في فعله غير متعد، فيترجح جانبه في التغريم للتعدي حتى لو كان واقفا دابته على الطريق يكون الضمان على الراكب والناخس نصفين لأنه متعد في الإيقاف أيضا (وإن نفحت الناخس كان دمه هدرا) لأنه بمنزلة الجاني على نفسه ... (ولو وثبت بنخسة على رجل أو وطئته فقتلته كان ذلك على الناخس دون الراكب) لما بيناه. وقد ورد فيه أثر لابن مسعود ﵁، أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٢) ، قال: "أقبل رجل بجارية من القادسية، فمر على رجل واقف على دابة، فنخس الرجل الدابة، فرفعت رجلها، فلم تخطئ عين الجارية، فرفع إلى سلمان بن ربيعة الباهلي، فضمن الراكب، فبلغ ذلك ابن مسعود، فقال: على الرجل، إنما يضمن الناخس" وأخرجه أيضا عبد الرزاق في مصنفه (٣) ، وأخرج ابن أبي شيبة نحوه عن شريح والشعبي، وراجع نصب الراية للزيلعي (٤) والمسألة هي هي عند الشافعية أيضا (٥) .

стр. 12654

ففي هذه المسألة أيضا لم يضمن الراكب؛ لأن ما فعلته دابته لا ينسب إليه فلم تتحقق منه مباشرة الإتلاف. ٣- وكذلك قال البغدادي ﵀ في مجمع الضمانات (١) : "جاء راعي أحمر ليعبرها (أي النهر) وجاء من جانب آخر صبي غير بالغ مع العجلة، فقال له الراعي: أمسك الثور مع العجلة حتى تمر الأحمرة، فلم يمكنه إمساكه، فمضي ووقع الحمار في النهر لم يضمن، وكذا الراعي إذا لم يمكنه إمساكه الحمار، وإلا يضمن". وهنا أيضا لم يضمن الصبي ما حصل من عجلته من وقوع الحمار في النهر لأنه بالرغم من كونه راكبا، لا تصح نسبة رمي الحمار إليه، فلم تتحقق المباشرة". ٤- وكذلك ذكر الفقهاء أنه إذا سقطت الدابة المركوبة ميتة فتلف بسقوطها شخص أو شيء، فلا ضمان على الراكب، قال الشربيني الخطيب ﵀ (٢) : "لو سقطت الدابة ميتة، فتلف بها شيء لم يضمنه، وكذا لو سقط هو ميتا على شيء وأتلفه، لا ضمان عليه. قال الزركشي: وينبغي أن يلحق بسقوطها ميتة سقوطها بمرض أو عارض شديد ونحوه". وهنا لم يضمن الراكب لأن موت الدابة أو موت نفسه ليس فيه صنع لفعله، ولا اختيار، فلم تتحقق منه مباشرة الإتلاف. وكذلك إذا حصل السقوط بآفة سماوية كالمرض أو الريح الشديدة كما قال الزركشى.

стр. 12655

٥- وكذلك ذكر الفقهاء مسألة اصطدام السفينتين، وأنه كاصطدام الراكبين في أن على كل واحد منهما ضمان الآخر، لكن قال الشربيني الخطيب ﵀ (١) : "محل هذا التفصيل إذا كان الاصطدام بفعلهما، أو لم يكن وقصرا في الضبط، أو سيرا في ريح شديد، فإن حصل الاصطدام لغلبة الريح فلا ضمان على الأظهر، بخلاف غلبة الدابة (أي على أحد قولي الشافعية) فإن الضبط ثم ممكن باللجام ونحوه ... وإن تعمد أحدهما أو فرط دون الآخر، فلكل حكمه". والمسالة المذكورة أيضا في كتاب الأم (٢) ، وروضة الطالبين (٣) ، وتحفة المحتاج (٤) ، وجاء في الإنصاف للمرداوي (٥) : "إن اصطدمت سفينتان فغرقتا، ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر وما فيها، هكذا أطلق كثير من الأصحاب قال المصنف وغيره: محله إذا فرط. قال الحارثي: إن فرط ضمن كل واحد سفينة الآخر وما فيها، وإن لم يفرط فلا ضمان على واحد منهما ... وإن كانت إحداهما منحدِرة، فعلى صاحبها ضمان المصعَدة إلا أن يكون غلبه ريح، فلم يقدر على ضبطها... وقال في المغني: إن فرط المصعد، فإن أمكنه العدول بسفينته، والمنحدر غير قادر ولا مفرط، فالضمان على المصعد؛ لأنه المفرط". وراجع أيضا الشرح الكبير لابن قدامة مع المغني (٦) . ومحصل المسألة عند المالكية ما ذكره الحطاب رحمه الله تعالى، قال (٧) : "قال أبو الحسن: مسألة السفينة والفرس على ثلاثة أوجه: إن علم أن ذلك من الريح في السفينة، وفي الفرس من غير راكبه، فهذا لا ضمان عليهم، أو يعلم أن ذلك من سبب النواتية في السفينة، ومن سبب الراكب في الفرس، فلا إشكال أنهم ضامنون، وإن أشكل الأمر حمل في السفينة على أن ذلك من الريح، وفي الفرس أنه من سبب راكبه".

стр. 12656

فاتفق هؤلاء الفقهاء على أن ملاح السفينة لا يضمن ما تلف بسفينته إذا لم يفرط في ضبطها؛ لأن السفينة الشراعية لا تتمحض مقدورة بيد الملاح، بل للرياح دور كبير في تسييرها، فلو غلبتها الرياح، فإن الإتلاف لا ينسب إلى الملاح، فلا تتحقق منه المباشرة. وإن هذه النصوص الفقهية تدل على مدى تعمق الفقهاء في التثبت من تحقق المباشرة، وإن هذه النقطة مهمة جدا، وسوف تفيد في عدة مسائل من حوادث السيارات وغيرها، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. القاعدة الثالثة: المسبب ضامن إن كان متعديا: وإن هذه القاعدة ذكرها البغدادي في مجمع الضمانات (١) بقوله "المتسبب لا يضمن إلا أن يتعدى" وقد ذكرنا عبارة الزيلعي في تبيين الحقائق عند الكلام على القاعدة الثانية. وتعريف المسبب ما ذكره الحموي ﵀ (٢) : "حد المسبب هو الذي حصل التلف بفعله، وتخلل بين فعله والتلف فعل مختار". ومثاله: من حفر بئرا، فسقط فيها رجل، فالحافر مسبب لسقوطه، فيضمن أن كان متعديا في الحفر، وإن لم يكن متعديا، فلا ضمان عليه. وقد وقع ههنا تسامح في التعبير في مجلة الأحكام العدلية، حيث ذكرت هذه القاعدة في المادة (٩٣) بلفظ: " المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد " وهذا خلاف ما ذكره جمهور الفقهاء، فإن تعمد الإضرار ليس بشرط لتضمين المسبب، ولذلك من حفر بئرا في غير ملكه، وسقط فيها رجل، فإن الحافر ضامن، ولو لم يحفرها بنية أن يتردى فيها رجل. فالصحيح من عبارة هذه القاعدة ما ذكرنا من أن المسبب لا يضمن إلا بالتعدي، ولو لم يكن متعمدا بالضرر أو بالتعدي.

стр. 12657

وقد نبّه على هذا الخطأ في تعبير المجلة فضيلة الشيخ مصطفى الزرقاء (١) ، حفظه الله تعالى، وذكر أن التعبير الصحيح هو أن المسبب لا يضمن إلا بالتعدي، وهو موافق لسائر الكتب الفقهية، وقد ذكرت عند الكلام على القاعدة الثانية أنه، حفظه الله، قد فرق بين معنيين للتعدي بتمييز دقيق، وأن كلامه في موضوع المباشرة موفق قد أزاح كثيرا من الإشكالات، فجزاه الله تعالى خيرا، ولكن لي مآخذ جوهرية على ما ذكره في موضوع التسبيب، فإنه حفظه الله تعالى ذكر أن التعدي الذي يشترط لتضمين المسبب هو عين التعدي الذي يشترط لتضمين المباشر، وهو التعدي بمعنى المجاوزة إلى ملك الغير أو حقه، سواء كان بفعل مباح في نفسه. والواقع أنه على ما ذكره الشيخ الزرقاء، حفظه الله تعالى، لا يبقى هناك أي فرق بين المباشر والمسبب، مع أن الفقهاء قاطبة، فرقوا بينهما بأن المباشر يضمن وإن لم يتعد، والمسبب لا يضمن إلا بالتعدي، فالصحيح الذي يتبلور من كلام الفقهاء أن التعدي الذي يشترط لتضمين المسبب هو التعدي بالمعنى الثاني، وهو أن يكون فعله المسبب للضرر محظورا في نفسه، وإن التعدي بهذا المعنى لا يشترط في تضمين المباشر.

стр. 12658

القاعدة الرابعة: إذا اجتمع المباشر والمسبب، أضيف الحكم إلى المباشر: هذه القاعدة ذكرها ابن نجيم (١) بهذا اللفظ وقد أخذت في مجلة الأحكام العدلية (مادة ٩٠) من الأشباه وشرحها ابن نجيم بقوله: "فلا ضمان على حافر البئر تعديا بما أتلف بإلقاء غيره". فهنا حافر البئر مسبب، والذي ألقى الشيء فيها مباشر، فيقدم المباشر على المسبب ويضاف الإتلاف إليه، فيصير ضامنا. ولكن هذه القاعدة لها مستثنيات كثيرة، وتتلخص في نقطتين فيما يتعلق بموضوعنا: النقطة الأولى: إذا كان تأثير المسبب أقوى من تأثير المباشر أضيف الحكم إلى المسبب، وهذه القاعدة ليست مذكورة بهذا اللفظ في كتب القواعد الفقهية، ولكنها تستخلص من عدة جزئيات ذكرها الفقهاء في مستثنيات القاعدة الرابعة. فيقول العلامة علي حيدر ﵀ في شرحه للمجلة (٢) : "أما إذا كان السبب مما يفضي مباشرة إلى التلف، فيترتب الحكم على المتسبب، مثال ذلك لو تماسك شخصان، فأمسك أحدهما بلباس الآخر، فسقط منه شيء، كساعة مثلا، فكسرت، فيترتب الضمان على الشخص الذي أمسك بلباس الرجل رغما من كونه متسببا، والرجل الذي سقطت منه الساعة مباشر. لأن المسبب هنا قد أفضى إلى التلف مباشرة، دون أن يتوسط بينهما فعل فاعل آخر". والمثال الأوضح لذلك ما ذكره الفقهاء الحنفية من أن من أكره إنسانا على قتل الآخر إكراها ملجأ، فالقصاص على المكره (بكسر الراء) دون المكره (بفتح الراء) ، قال الكاساني (٣) ﵀: " فأما المكرَه على القتل فإن كان الإكراه تاما، فلا قصاص عليه عند أبي حنيفة ومحمد، ولكن يعزر، ويجب على المكرِه ". وظاهر أن المكره (بالفتح) هو المباشر للقتل، والمكرِه لا يعدو من أن يكون مسببا، ولكن الضمان هنا على المسبب دون المباشر، وذلك لأن تأثير فعل المسبب أقوى من تأثير المباشر، لكونه أصبح آلة في يد المكرِه. وكذلك قدمنا أن من نخس دابة مركوبة فوطئت رجلا، فإن الضمان على الناخس، دون الراكب، مع أن الناخس مسبب، والراكب مباشر في الظاهر، ولكن تأثير الناخس أقوى من تأثير الراكب في القتل، ولذلك قدم المسبب على المباشر.

стр. 12659

إن هذه الجزئيات تبدو خارجة عن القاعدة الرابعة، ولكننا إذا تأملناها في ضوء ما قدمنا في القاعدة الثانية من تفسير المباشرة، وأن تحقق المباشرة بمفهومها الصحيح شرط للتضمين بدون التعدي، ربما يتبين أن الذي أطلق عليه لفظ " المباشر" في الأمثلة الثلاثة المذكورة، ليس مباشرا في الحقيقة، بحيث تصح نسبة الإتلاف إليه بوجه معقول، وإنه لم يضمن الإتلاف من هذه الجهة، لا من حيث أن المسبب مقدم على المباشر. فإن من سقطت ساعته بإمساك الآخر ثوبه، لا يصح أن يسمى مباشرا لإسقاط الساعة؛ لأن المباشرة تقتضي عملا، وهذا الرجل لم يعمل شيئا، فيبقى الممسك سببا للإسقاط بدون مزاحم، وربما أنه متعد في الإمساك، فلا يبرأ من الضمان. وكذلك المكره (بفتح الراء) وإن كان مباشرا للقتل، ولكنه بحكم كونه ملجئًا من قبل المكره (بالكسر) وآلة محضة في يد المكرِه، لم تعتبر مباشرته في إيجاب الضمان، وإن كان مباشرا لغويًّا. ومثل ذلك يقال في الناخس، فإنه هو الذي سبب ركض الدابة التي خرجت عن قدرة الراكب، وصار الراكب لا فعل له ولا اختيار، فلا يصح أن يسمى مباشرا، فبقي المسبب بدون مزاحم، فنسب التلف إليه، وصار ضامنا. ثم رأيت للعلامة خالد الأتاسي رحمه الله تعالى بحثا نفيسا في الموضوع يؤيد ما قلنا، فنورده بلفظه (١) : "المباشر: هو الذي حصل التلف مثلا بفعله بلا واسطة، فكان هو صاحب العلة يضاف إليه التلف - والمتسبب: ما حصل التلف لا بمباشرته وفعله، بل بواسطة هي العلة، لحصول المعلول، وهو فعل فاعل مختار، وأما فعله فلا تأثير له سوى أنه مفض إليه. فإن اجتمعا فكما صرحت المادة يضاف الحكم إلى المباشر، لأنه صاحب العلة، وهي أقوى....

стр. 12660

واعلم أنه متى كان المتوسط بين السبب والمعلول صالحا لإضافة المعلول إليه، يكون السبب حينئذ سببا حقيقيا، أي سببا محضا، بمعنى أنه لا مزية له سوى الإفضاء إلى حصوله – وعرفوه بأنه ما توسط بينه وبين الحكم علة، وذلك المتوسط هو العلة، وهذا هو المبحوث عنه في القاعدة. ومتى كان المتوسط غير صالح لذلك، فالحكم يضاف إلى السبب، ويكون حينئذ في معنى العلة، ومعرفة هذا الضابط ينفعك في كثير من الوقائع. وصورة اجتماعهما ما ذكر في المادة: فإن ملقي الحيوان مباشر تلفه بالذات، وحافر البئر متسبب؛ لأن حفره أفضى إلى التلف، فالضمان على المباشر ...... وإذا انفرد السبب – وذلك فيما لو كان الحائل المتوسط بينه وبين الحكم، أعني المعلول، غير صالح لإضافة الحكم إليه – يكون في معنى العلة المؤثرة، فيضاف الحكم إليه، ويكون المتسبب ضامنا – كسوق الدابة، فإنه غير موضوع للتلف، ولا هو مؤثر فيه، بل طريق للوصول إليه، والعلة للتلف التوسط بينه وبين السوق، وهو وطء الدابة إنسانا أو مالا بقوائمها وثقلها، ولكن لما لم يكن هذا المتوسط فعل فاعل مختار أضيف الحكم إلى السبب، وهو السوق الواقع من السائق، فكأنه دافع للدابة على ما وطئت عليه، فيضمن، لأنه سبب فيه معنى العلة".

стр. 12661

النقطة الثانية: إذا كان المسبب متعديا، والمباشر غير متعد: والنقطة الثانية في مستثنيات القاعدة الرابعة التي ذكرها بعض الفقهاء هي أنه إذا كان المسبب متعديا، والمباشر غير متعد في فعله، فالحكم يضاف إلى المسبب المتعدي، وإن هذه القاعدة ذكرها صاحب الهداية في مسألة من نخس دابة فقتلت رجلا، فإن الضمان على الناخس دون الراكب، وقد ذكرنا عبارته في القاعدة الثانية بتمامها، وفيها (١) : "ولأن الناخس متعد في تسبيبه، والراكب في فعله غير متعد، فيترجح جانبه في التغريم للتعدي". وقد اعترض عليه صاحب العناية بأن كون المباشر غير متعد لا يبرئه من الضمان، فهذا التعليل الذي ذكره صاحب الهداية غير صحيح فيما إذا وطئت الدابة أحدا، ولكن يمكن أن يجاب عن هذا الاعتراض بأن المباشر يضمن، وإن لم يكن متعديا فيما إذا كانت مباشرته هي السبب الوحيد في التلف. أما إذا كان هناك مسبب آخر، وهو متعد في تسبيبه، والمباشر غير متعد في فعله، فحينئذ يقدم المسبب على المباشر. نعم، إن كان كل من المباشر والمسبب متعديًا، فالمباشر مقدم على المسبب. وربما يتأيد هذا بمسألة أخرى ذكرها البغدادي في مجمع الضمانات، قال (٢) : "قصار أوقف دابة في الطريق، وعليها ثياب، فصدمها راكب ومزق بعض الثياب التي كانت على الدابة، قال الشيخ أبو بكر البلخي: إن رأى الراكب الدابة الواقفة ضمن، وإن لم يبصر لم يضمن. ولو مر رجل على ثوب موضوع في الطريق وهو لا يبصره فتخرق، لا يضمن". فالقصار الذي أوقف دابته في الطريق مسبب لتخرق الثياب، وهو متعد، لأنه أوقف دابته في الطريق، وراكب الدابة الأخرى مباشر، فلو لم يبصر الدابة الواقفة لم يكن متعديا، فلا ضمان عليه، وينسب التمزيق إلى المسبب وهو القصار، فكأنه مزق ثيابه بنفسه، فلا يضمنه أحد. أما إذا أبصر الراكب الدابة الواقفة، ومع ذلك صدمها فإنه متعد، ومتى اجتمع تعدي المسبب وتعدي المباشر، فالمباشر أولى بالضمان، ولذلك ضمن الثياب للقصار، وكذلك من وضع ثوبا في الطريق، فإنه مسبب لتخرقه، وهو متعد من حيث إن الطريق غير موضوع لوضع الثياب، والرجل المار مباشر لتمزيق الثياب، فإن كان قد أبصر الثياب، فإنه متعد، فيضمن، وإن لم يكن أبصرها، فليس متعديا فلا يضمن. وكذلك ذكر البغدادي مسألة أخرى، قال (٣) : "مر بحمار عليه حطب، وهو يقول: إليك إليك، إلا أن المخاطب لم يسمع ذلك حتى أصاب ثوبه وتخرق يضمن، وإن سمع إلا أنه لم يتهيأ له التنحي بطول المدة فكذلك. وأما إذا أمكنه ولم يتنح لا يضمن".

стр. 12662

فصاحب الحمار هنا مباشر على قول من يعد السائق والقائد مباشرا، وهو غير متعد، إذ نادى " إليك إليك " فصار ضامنا عند عدم سماع المخاطب، وكذلك إذا لم يجد المخاطب فرصة للتنحي، أما إذا لم ينتح وقد أمكنه ذلك، فهو المسبب المتعدي فأضيف التلف إليه. فبناء على قول صاحب الهداية، ونظرا إلى هذه الجزيئات، تتحصل صور آتية: ١- إذا كان المباشر هو السبب الوحيد في الإتلاف، فهو ضامن، سواء كان متعديا، أو غير متعد، بمعنى أنه لم يفعل فعلا محظورا في نفسه. ٢- إذا اجتمع المباشر والمسبب، وليس أحد منهما متعديا (بالمعنى المذكور) فالضمان على المباشر. ٣- إذا اجتمع المباشر والمسبب، والمباشر متعد والمسبب غير متعد، فالضمان على المباشر. ٤- إذا اجتمع المباشر والمسبب، وكل واحد منهما متعد، فالضمان على المباشر أيضا. ٥- إذا اجتمع المباشر والمسبب، والمسبب متعد، والمباشر غير متعد، فالضمان على المسبب. هذا ما تنقح لي من ضوابط الضمان المتعلقة بحوادث السير مستخلصة من كتب الفقهاء، والله أعلم.

стр. 12663

حوادث السيارات وبعد تمهيد هذه القواعد وشرحها، نرجع إلى أحكام حوادث السيارات، ونذكرها في ضوء ما شرحنا من القواعد والجزئيات الفقهية المتعلقة بها: مدى مسؤولية السائق بسيارته: الأصل: أن سائق السيارة مسؤول عن كل ما يحدث بسيارته خلال تسييره إياها، وذلك لأن السيارة آلة في يده، وهو يقدر على ضبطها، فكل ما ينشأ عن السيارة، فإنه مسؤول عنه. والذي يظهر لي أن هناك فرقا كبيرا بين الدابة والسيارة من حيث إن الدابة متحركة بنفسها بخلاف السيارة، فإنها لا تتحرك إلا بفعل من السائق. ومن هذه الجهة أرى أن ما ذكره الفقهاء من الفرق بين ما أصابته الدابة بفمها أو يدها وبين ما نفحته برجلها أو بذنبها، لا يتأتى في السيارة، فإنهم ضمنوا الراكب في الحالة الأولى، ولم يضمنوه في الحالة الثانية؛ لأن راكب الدابة لا يمكنه التحرز عما تفعله الدابة برجلها أو بذنبها. أما السيارة، فلا تتحرك بنفسها، فجميع السيارة آلة للراكب، وهو يقدر على ضبط جميع أجزائها؛ لأن أجزاءها متماسكة بعضها مع بعض، ليس لجزء منها حركة مستقلة عن حركة الآخر، ولذا فيجب أن يضمن سائق السيارة لكل ضرر ينشأ عنها، سواء نشأ ذلك الضرر من أجزاء السيارة المتقدمة، أو من أجزائها المؤخرة، أو من أحد جانبيها. لأن كل ذلك تحت تصرف السائق، وليس شيء منها يتحرك بنفسه. إذن، فالأصل أن سائق السيارة ضامن لكل ضرر ينشأ من عجلاتها، أو من مقدمها، أو من خلفها، أو من أحد جانبيها؛ لأن السيارة آلة محضة في يد السائق، فتنسب مباشرة الإضرار إليه. فإن كان سائق السيارة متعديا في سيره بمخالفة قواعد المرور، مثل أن يسوق السيارة بسرعة غير معتادة في مثل ذلك المكان، أو لم يلتزم بخطه في الشارع، وما إلى ذلك من قواعد المرور الأخرى، فلا خفاء في كونه ضامنا؛ لأن الضرر إنما نشأ بتعديه، والمتعدي ضامن في كل حال. أما إذا لم يكن متعديا في السير، بأن ساق سيارته ملتزما بجميع قواعد المرور، فهل يضمن الضرر الذي أصاب رجلا آخر بسيارته في هذه الحالة؟ قد اختلف فيها أنظار العلماء في عصرنا، فمنهم من يقول: إنه يضمن لكونه مباشرا، والمباشر يضمن ولو لم يكن متعديا. ومنهم من يقول: لا يضمن لأن ما يحدث بعد الالتزام بقواعد المرور حادثة سماوية لا يمكن الاحتراز عنها، والمباشر إنما يضمن فيما يمكن الاحتراز منه، لا فيما لا يمكن الاحتراز منه.

стр. 12664

والذي يظهر لي في ضوء القواعد والجزئيات الفقهية التي ذكرتها فيما قبل – والله أعلم – أن السائق يضمن الضرر الذي باشره، وإن لم يكن متعديا لأنه قد تقرر بإجماع الفقهاء أن المباشر لا يشترط لتضمينه أن يكون متعديا، ولكن يجب أن تتحقق منه مباشرة الضمان على الوجه الذي ذكرناه في تفسير القاعدة الثانية، فيجب لتضمينه أن تصح نسبة المباشرة إليه بدون مزاحم على وجه معقول. وعلى هذا الأساس لا يضمن في الصور الآتية: ١- إذا كان السائق يسوق سيارته ملتزما بجميع قواعد المرور، ولكن دفع شخص رجلا آخر أمام سيارته فجأة بحيث لم يمكن له أن يوقف السيارة قبل أن تدهسه، فدهسته السيارة. فهنا لا يضمن السائق، وإنما يضمنه الدافع، وهذا كما نخس أحد دابة فقتلت رجلا، فالضمان على الناخس دون الراكب؛ لأن نسبة المباشرة لا تصح إلى سائق السيارة في هذه الصورة؛ لأن تأثير الدافع ههنا أقوى من تأثير الراكب، أو كما قال صاحب الهداية: الدافع متعد، والسائق غير متعد. ٢- إذا أوقف السائق سيارته أمام إشارة المرور منتظرا إشارة فتح الطريق فصدمته سيارة من خلفه ودفعتها إلى الإمام فصدمت سيارته أحدا، فليس الضمان على سائق السيارة الأمامية، بل الضمان على سائق السيارة التي صدمتها من خلفها؛ لأنه لا تصح نسبة المباشرة إلى السيارة الأمامية، فإنها مدفوعة بمنزلة الآلة للسيارة الخلفية. وبهذا أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية في قراراتها المنشورة في مجلة البحوث الإسلامية (١) .

стр. 12665

وإن هذه الصورة منطبقة تماما على ما ذكره الفقهاء فيما إذا نخس أحد دابة فأصابت أحدا، فإن الضمان على الناخس دون الراكب. ومما يؤيده أيضا ما ذكره البغدادي ﵀ في مجمع الضمانات، قال (١) : "فإن عثر بما أحدثه في الطريق رجل فوقع على آخر فمات، كان الضمان على الذي أحدثه في الطريق، وصار كأنه دفع الذي عثر به، لأنه مدفوع في هذه الحالة، والمدفوع كالآلة". فالظاهر في هذا المثال أن الرجل الذي وقع على آخر، هو المباشر للإهلاك، ولكن وقع الضمان على المسبب لكونه متعديا ولكون تأثيره أقوى بحيث لم يبق للرجل الواقع صنع ولا اختيار، فلم تنسب المباشرة إليه. فكذا في مسألتنا. ٣- إذا كانت السيارة سليمة قبل السير بها، وكان السائق يتعهدها تعهدا معروفا، ثم طرأ عليها خلل مفاجئ في جهاز من أجهزتها، حتى خرجت السيارة من قدرة السائق ومكنته من ضبطها، فصدمت إنسانا فقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في المملكة العربية السعودية، بأنه لا ضمان على السائق، وكذلك لو انقلبت بسبب ذلك على أحد أو شيء فمات أو تلف، فلا ضمان عليه. ويمكن أن تخرج هذه الفتوى على ما قدمنا في القاعدة الثانية من نص الفقهاء على أن الدابة إن جمحت وخرجت من قدرة الراكب، فلا ضمان عليه. وذلك لأن ما حصل بالسيارة بعد خروجها من ضبط السائق بحادثة حدثت بجهاز من أجهزتها لا تصح نسبتها إلى السائق، ولا يقال: إن السائق مباشر للإتلاف، وغاية ما يقال فيه: إنه مسبب للهلاك، فإنه هو الذي سير السيارة في مبدأ الأمر، وبما أنه مسبب، فيشترط لتضمينه التعدي. فإن كان يتعهد السيارة تعهدا معروفا، ويسيرها ملتزما بقواعد المرور سيرا عاديا، فلا ضمان عليه لعدم التعدي، نعم! إن أخل بشرط من هذه الشروط، مثل عدم تعهده للسيارة أو تسييرها مع خلل ظاهر في جهاز من أجهزتها، أو سوقها سوقا عنيفا، فإنه يضمن في كل ذلك، وإن خرجت السيارة من ضبطه، لأنه مسبب لانفلات السيارة بتعديه.

стр. 12666

وربما تشهد لهذه الفتوى جزئية ذكرها الكاساني ﵀ في البدائع، قال (١) : "وكذلك (يضمن) إذا كان مشى في الطريق حاملا سيفا، أو حجرا، أو لبنة، أو خشبة، فسقط من يده فقتله، لوجود معنى الخطأ فيه، وحصوله على سبيل المباشرة، لوصول الآلة لبشرة المقتول، ولو كان لابسا سيفا، فسقط على غيره فقتله، أو سقط عنه ثوبه، أو رداؤه، أو طيلسانه، أو عمامته وهو لابسه، على إنسان فتعقل به فتلف، فلا ضمان عليه أصلا؛ لأن في اللبس ضرورة، إذ الناس يحتاجون إلى لبس هذه، والتحرز عن السقوط ليس في وسعهم، فكانت البلية فيه عامة، فتعذر التضمين، ولا ضرورة في الحمل، والاحتراز عن سقوط المحمول ممكن أيضا. وإن كان الذي لبسه مما لا يلبس عادة فهو ضامن". ويؤيده أيضا ما ذكرنا في القاعدة الثانية أنه لو سقطت الدابة ميتة أو بمرض أو عارض ريح شديد ونحوه، وتلف بسقوطها شيء لم يضمنه الراكب (٢) . ٤- إذا ساق إنسان سيارة في شارع عام ملتزما السرعة المقررة، ومتبعا خط السير حسب النظام، ومتبصرا في سوقه حسب قواعد المرور، فقفز رجل أمامه فجأة، فصدمته السيارة رغم قيام السائق بما وجب عليه من الفرملة ونحوها، فإن اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء في المملكة العربية السعودية أبدت في هذه الصورة احتمالات مختلفة ولم تبت فيها بشيء، ونص قرارها في هذه الصورة كما يلي (٣) : "أمكن أن يقال بتضمين السائق من مات بالصدم أو كسر مثلا بناء على ما تقدم من تضمين الراكب أو القائد أو السائق ما وطئت الدابة بيديها. وقد يناقش بأن كبح الدابة وضبطها أيسر من ضبط السيارة، ويمكن أن يقال بضمان كل منهما ما تلف عند الآخر من نفس ومال بناء على ما تقدم من الحنفية والمالكية والحنابلة ومن وافقهم في تضمين المتصادمين. ويمكن أن يقال بضمان السائق ما تلف من نصف الدية أو نصف الكسور، لتفريطه بعدم احتياطه بالنظر لما أمامه من بعيد، وبضمان المصدوم نصف ذلك باعتدائه بالمرور فجأة أمام السيارة دون الاحتياط لنفسه، بناء على ما ذكره الشافعي وزفر وعثمان البتي ومن وافقهم في تضمين المتصادمين، ويحتمل أن يقال: إنه هدر، لانفراده بالتعدي".

стр. 12667

والذي يظهر لي في هذه الصورة – والله سبحانه أعلم – أن الرجل الذي قفز أمام السيارة إن قفز بقرب منها بحيث لا يمكن للسيارة في سيرها المعتاد في مثل ذلك المكان أن تتوقف بالفرملة، وكان قفزه فجأة لا يتوقع مسبقا لدى سائق متبصر محتاط، فإن هلاكه أو ضرره في مثل هذه الصورة لا ينسب إلى سائق السيارة، ولا يقال: إنه باشر الإتلاف، فلا يضمن السائق، ويصير القافز مسببا لهلاك نفسه، وذلك لوجوه: أولا: لو قلنا بضمان السائق في هذه الصورة، لزم منه أنه لو عزم رجل على قتل نفسه، فقفز أمام سيارة أو قطار بقصد إهلاك نفسه، فإن السائق يضمنه، وهذا مخالف للبداهة. ثانيا: قد قررنا في القاعدة الثانية أنه يجب لتضمين المباشر أن تتحقق منه مباشرة الإتلاف بدون شك. وحيث كان تأثير المسبب أقوى من تأثير المباشر، أو انعدم اختيار المباشر بفعل رجل آخر، كما في مسألة نخس الدابة، فإنه لا يعد مباشرا للإتلاف، فلا يجب عليه الضمان. ثالثا: إذا كان المباشر ملجأ من قبل الآخر، كما في صورة الإكراه، فإنه لا يعد مباشرا حقيقيا للقتل والإتلاف، وإنما ينسب الإتلاف إلى من أكرهه على ذلك، فصار كما إذا أكره رجل آخر على قتل نفسه، فقتله المكرَه في حالة الإكراه الملجئ، فلا ضمان على القاتل المكرَه، لأنه لا ينسب مباشرة القتل إلى المكره (بالفتح) بل لا تنسب مباشرة الإتلاف إلى السائق في مسألتنا بالطريق الأولى؛ لأن الإكراه لا يعدم القدرة على التحرز من الفعل الذي وقع الإكراه عليه، فيمكن للمكرَه أن يتحرز عن القتل على قيمة نفسه، ولذلك يستحق التعزير على قتله.

стр. 12668

بخلاف السائق في صورتنا، فإنه لم يبق له اختيار ولا قدرة على صيانة القافز من صدم السيارة. رابعا: قدمنا عن صاحب الهداية أنه لو كان المسبب متعديا والمباشر غير متعد، فالمسبب أولى بالضمان من المباشر، ولا شك في تعدي القافز في مسالتنا، وعدم تعدي السائق، فليكن القافز هو المسئول عن فعل نفسه. خامسا: لا أقل من أنه قد وقع الشك في كون السائق مباشرا للإتلاف وفي كونه ضامنا، ومن أكبر الشواهد على ذلك أن اللجنة الدائمة للبحوث والإفتاء السابق ذكرها قد ترددت في ضمان السائق، وفي صورة الشك لا يجب الضمان، قال البغدادي في مجمع الضمانات (١) : "رجل حفر بئرا في الطريق، فسقط فيها إنسان ومات، فقال الحافر: إنه ألقى نفسه فيها، وكذبته الورثة في ذلك، كان القول قول الحافر في قول أبي يوسف الآخر، وهو قول محمد؛ لأن الظاهر أن البصير يرى موضع قدمه، وإن كان الظاهر أن الإنسان لا يوقع نفسه، وإذا وقع الشك، لا يجب الضمان بالشك ". وربما يستدل على تضمين السائق في هذه الصورة بما يأتي: أ- اتفق الفقهاء على تضمين راكب الدابة ما وطئته خلال سيرها، ولم يستثنوا من ذلك صورة قفز الرجل أمام الدابة، فهذا يدل على أنهم يقولون بتضمينه في هذه الصورة أيضا.

стр. 12669

وهذا الدليل ليس بصحيح؛ لأن الفقهاء لم يذكروا هذه الصورة لا نفيا للتضمين فيها ولا إثباتا لها، ومجرد سكوتهم عن ذلك لا يدل على التضمين، لأنه لا ينسب لساكت قول، وخاصة حينما ذكروا أصولا في ضمن جزئيات أخرى تدل على عدم التضمين في هذه الصورة، ولعلهم لم يذكروها من جهة أن ذلك كان نادرا في عهدهم؛ لأن ضبط الدابة أيسر من ضبط السيارة، ولأن الدابة متحركة بنفسها، فربما تتنحى في سيرها بنفسها برؤية من يعرض لها في الطريق، بخلاف السيارة، ولأن الطرق المدنية في ذلك الزمان كانت موضوعة في الأصل للمشاة، فلم تكن الدواب تسرع فيها المشي، بخلاف السيارات فإنها تسير على طرق معبدة وضعت في الأصل للمراكب السريعة. ب- وقد يقال: إن النائم الذي ينقلب على الرجل الآخر يضمن ما أصابه من ضرر، وبالرغم من أن النائم لا تكليف عليه فإنه حكم عليه الفقهاء بالضمان إجماعا، فتبين أن المباشر يضمن، ولو صدر منه الفعل بغير اختياره، فينبغي أن يضمن السائق أيضا، ولو صدر منه الإهلاك بدون اختياره. والجواب عن ذلك: أن المباشر لو كان هو السبب الوحيد في هلاك شخص، فإنه يضمن الهلاك، ولو صدر منه ذلك بدون اختيار (ويستثنى منه ما لا يمكن الاحتراز منه، وما عمت به البلوى، كما قدمنا عن البدائع أنه لو سقط السيف عن لابسه، فإنه لا يضمن) ولكن إذا كان هناك شخص آخر مختار يزاحمه في نسبة الإهلاك إليه، وتأثير فعله أقوى من تأثير المباشر، فإن الهلاك يضاف إلى ذلك الشخص الآخر، كما قدمنا في غير واحد من الأمثلة، ولا سيما في مسألة الناخس، وفي مسألة من وقع على غيره بعثرة حصلت له بوضع حجر في الطريق، فإنه لا يضمن، بل يضمن واضع الحجر.

стр. 12670

ففي مسألة النائم، ليس هناك من يزاحمه في نسبة الإهلاك إليه، بخلاف مسألتنا في السيارة، فإن القافز هنا يزاحم السائق في نسبة الإهلاك إليه، وهو أولى بهذه النسبة لتعديه من السائق الملتزم الذي لا اختيار له. ولذلك لو رأى زيد مثلا أن عمرا نائم، هو على وشك أن ينقلب فوضع صبيا تحته حتى انقلب النائم عليه فأهلكه، فلا شك أن الضمان في هذه الصورة ليس على النائم، بل على الرجل الذي وضع الصبي تحته، مع أن النائم هو المباشر في الظاهر، وذلك لأن واضع الصبي يزاحمه في نسبة الإهلاك إليه، وتأثير فعله أقوى من تأثير فعل النائم، لأنه مختار ومعتد، بخلاف النائم، فكذا في مسألتنا. وإلى هنا قد ذكرت بتوفيق الله المسائل المهمة التي قد يقع فيها الاشتباه في عصرنا في حوادث المرور، والقواعد التي تنبني عليها مثل هذه المسائل، ويمكن على هذا الأساس أن تستخرج المسائل الأخرى في هذا الباب، وما تمكنت في هذه العجالة من استقصاء الجزئيات التي تتصور في عهدنا من حوادث المرور على الرغم من رغبتي لذلك، وذلك لضيق الوقت وارتباطي بالمهام الأخرى، ولكن أرجو أن ما ذكر في هذه العجالة سيكون عونا بإذن الله تعالى لاستخراج أحكام الصور الأخرى. والله أعلم وعلمه أتم وأحكم. القاضي محمد تقي العثماني.

стр. 12671

حوادث السير إعداد د. عبد الله محمد عبد الله عضو اللجنة الاستشارية العليا للعمل على تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية بالكويت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حوادث السير: ١- مسؤولية السائق في حوادث السير. ٢- أثر هذه المسؤولية في التعويض والزجر والكفارة. نتناول هذا الموضوع في فصول: الفصل الأول: مسؤولية السائق جزائيًّا. الفصل الثاني: مسؤولية السائق مدنيا. الفصل الثالث: أثر المسؤولية في التعويض والزجر. الفصل الرابع: أحكام الكفارة.

стр. 12672

الفصل الأول مسؤولية السائق جزائيا مقدمة في معنى كلمتي المسؤولية والجزاء ومدلولهما: تعني كلمة المسؤولية في أصلها اللغوي معنى المطالبة والمؤاخذة، جاء في التنزيل في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] ومعناه تطلبون حقوقكم به. وفي قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] قال الزجاج: إنما قال سواء للسائلين؛ لأن كلا يطلب القوت ويسأله (١) ، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] أي: يسأل كل واحد منهم عما اكتسب؛ فالفؤاد يسأل الإنسان عما افتكر فيه واعتقده، والسمع والبصر عما رأى من ذلك وسمع. والمعنى الآخر هو أن الله يسأل الإنسان عما حواه سمعه وبصره وفؤاده، ونظيره قوله ﷺ : ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)) . فالإنسان راع على جوارحه، فكأنه قال: كل هذه كان الإنسان عنها مسؤولا (٢) . وفى الاصطلاح لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي. فإن الإنسان يسأل عما جنته يداه وعما ألحقه بالغير من ضرر في النفس أو المال، قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] قال الزجاج: كل ما أمر الله به ونهى عنه من العهد هو القيام بحفظه على الوجه الشرعي والقانون المرضي إلا إذا دل دليل خاص على جواز النقض، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٤] فالمسؤول هنا هو صاحبه (٣) . وتعريف المسؤولية في القانون: هي المؤاخذة والتبعة (٤) ، وفي تعريف آخر: إنها اقتراف أمر يوجب مؤاخذة فاعله (٥) ، وفي الفقه الإسلامي تأتي المسؤولية بمعنى الضمان.

стр. 12673

ويعرف الشيخ محمود شلتوت الضمان بقوله: " تضمين الإنسان عبارة عن الحكم عليه بتعويض الضرر الذي أصاب الغير من جهته" (١) . معنى الجزاء: أما الجزاء فهو المكافأة على الشيء. والجزاء يكون ثوابا وعقابا. قال تعالى: ﴿فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (٧٤) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤ – ٧٥] . جاء في اللسان أن معناه: عقوبته إن بان كذبكم بأنه لم يسرق، أي ما عقوبة السرقة عندكم إن ظهرت عليه؟ قالوا: جزاء السارق عندنا من وجد في رحله، أي الموجود في رحله؛ كأنه قال: جزاء السرق عندنا استرقاق السارق الذي يوجد في رحله، وكانت سنة آل يعقوب (٢) . وفي العرف المستقر عليه إطلاق قانون الجزاء على العقوبات، ويطلق عليها أيضا الجنايات (٣) والجراح (٤) والجرائم، ومن ثم أطلق على من يقوم بملاحقة المجرمين ومعاقبتهم: والي الجرائم (٥) .

стр. 12674

مسؤولية السائق جزائيا الشريعة الإسلامية لم تأخذ بمبدأ تحديد العقوبة إلا في عدد قليل من الجرائم كالردة والقتل والحرابة والزنى والسرقة والقذف وشرب الخمر، وتركت فيما عدا ذلك لولي الأمر من الحكام والقضاة ومن ينتدبون لذلك سلطة التعزير بالعقوبة المساوية حسب كل حالة، وهو اتجاه يحبذه بعض رجال القانون في أوروبا – وخاصة في إيطاليا (١) - ولكن لا يمنع ولي الأمر من إصدار قانون يحدد فيه العقوبة على كل جريمة لم يرد بشأنها عقوبة محددة من الشارع، وقد بين ابن القيم في الطرق الحكمية ذلك فقال: "والمعاصي ثلاثة أنواع: نوع فيه حد ولا كفارة فيه؛ كالزنى والسرقة وشرب الخمر والقذف فهذا يكفي فيه الحد عن الحبس والتعزير. ونوع فيه كفارة ولا حد فيه؛ كالجماع في الإحرام ونهار رمضان، ووطء المظاهر منها قبل التكفير، فهذا يكفي فيه الكفارة عن الحد، وهل تكفي عن التعزير؟ فيه قولان للفقهاء. ونوع لا كفارة فيه ولا حد؛ كسرقة ما لا قطع فيه، واليمين الغموس عند أحمد وأبي حنيفة، والنظر إلى الأجنبية ونحو ذلك، فهذا نوع فيه التعزير وجوبًا عند الأكثرين وجوازا عند الشافعي " (٢) .

стр. 12675

ومن الأمثلة الحية لجرائم التعزير قوانين المرور ولوائحها التنفيذية المتعلقة بحوادث السير. ولنضرب على ذلك مثلا: قانون المرور بدولة الكويت ولائحته التنفيذية: صدر مرسوم بقانون رقم ٦٧ / ١٩٧٦ في شأن المرور. وجاء في المذكرة الإيضاحية لهذا القانون أنه استرشد في إعداده بالمشروع الموحد لقواعد المرور على الطرق في الدول العربية الذي أعدته الجامعة العربية، وكذلك بقوانين الدول العربية الأخرى، وبما هو متخذ في الخارج من إجراءات حديثة للتقليل ما أمكن من حوادث المرور. واشتمل هذا القانون على ستة أبواب: جاء في الباب الأول الأحكام العامة، ومنها نطاق سريان هذا القانون على المشاة والحيوانات، كما تضمن تعاريف العبارات الفنية الخاصة بالمرور، وبين أنواع المركبات التي ينطبق عليها. وتضمن الباب الثاني القواعد الخاصة بترخيص تسيير المركبات الآلية، واستلزم توافر شروط الأمن والمتانة في أية مركبة يرخص لها، على أن تبين هذه الشروط اللائحة التنفيذية، وبين قواعد نقل الملكية، وأعطت وزير الداخلية تحديد عدد المركبات التي يرخص من جميع الأنواع فيما عدا السيارات الخاصة وذلك تفاديا لزيادة عدد المركبات.
следующие страницы →