الفصل الرابع
في أحكام الكفارة
تعريفها:
هي عتق رقبة مؤمنة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع؛ قال الشافعية فيه قولان: أحدهما: يلزمه إطعام ستين مسكينا كل مسكين مدا من الطعام، لأنه كفارة يجب فيها العتق أو صيام شهرين فوجب فيها إطعام ستين مسكينا قياسا على كفارة الظهار والجماع في رمضان. والقول الثاني: لا يلزمه الإطعام لأن الله تعالى ذكر العتق والصيام ولم يذكر الإطعام، ولو وجب ذلك لذكره كما ذكره في كفارة الظهار (١) .
стр. 12707
فيمن تجب:
وقالوا: تجب الكفارة في قتل من يحرم عليه قتله من مسلم أو كافر له أمان خطأ وهو من أهل الضمان لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] ، وقوله تعالى: ﴿فإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً﴾ [النساء: ٩٢] .
مذاهب العلماء فيها:
وتجب عندهم في القتل بسبب يضمن فيه النفس، كحفر البئر، وشهادة الزور، والإكراه، وكذلك إذا ضرب بطن المرأة فألقت جنينا ميتا وجبت عليه الكفارة لأنه آدمي محقون الدم، لحرمته، فضمن بالكفارة كغيره.
وإن اشترك جماعة في قتل واحد وجب على كل واحد منهم كفارة، وقال بعض الشافعية: إنه يجب على الجميع كفارة واحدة لأنها كفارة تجب بالقتل، فإذا اشترك جماعة وجبت عليهم كفارة واحدة. والمشهور الأول (١) . وقال أبو حنيفة: تجب في قتل الخطأ الدية والكفارة والحرمان من الميراث، وكذلك ما في معنى الخطأ وهو أن يكون على طريق المباشرة مثل النائم ينقلب على إنسان فيقتله فتجب فيه الدية والكفارة والحرمان من الميراث (٢) ، بخلاف ما يكون من طريق التسبب مثل الحافر وجناية السائق وجناية الناخس ومن يحرث في الطريق وجناية الحائط، فإنه لا تجب في هذه الصور الكفارة ولا يحرم من الميراث (٣) .
وعند المالكية تجب الكفارة في قتل الخطأ لا العمد ولا إطعام فيها، وتستحب في قتل الجنين خلافا لأبي حنيفة، وأوجبها الشافعي (٤) .
والخلاصة أن الكفارة في قتل الخطأ محل إجماع الفقهاء إلا ما جاء عن أبي حنيفة من عدم وجوبها بالتسبب (٥) .
стр. 12708
خلاصة البحث
اشتمل البحث على أربعة فصول:
الفصل الأول تحدث عن مسؤولية السائق جزائيا، وتناول بالشرح معنى المسؤولية والجزاء، ثم تناول فلسفة الفقه الإسلامي في العقوبة، وأنه لم ينص إلا على عقوبة عدد محدود من الجرائم، وترك الباب مفتوحا لولي الأمر ومن ينتدبون من القضاة في فرض العقوبة المناسبة حسب كل حالة، وإن هذا الاتجاه يحبذه رجال الفقه الحديث، وضربت مثلا للعقوبة التعزيرية قانون السير أو ما يسمى بقانون المرور في دولة الكويت ومذكرته التفسيرية ولوائحه التنفيذية.
وتناول الفصل الثاني مسؤولية السائق المدنية، وبينت أن حوادث المرور آخذة في التفاقم بقدر ما تعددت وسائله في العصر الحديث، وأن الفقه الإسلامي يأخذ في الاعتبار في مسائلة السائق توافر أركان المسؤولية وهي الخطأ والضرر والعلاقة السببية، وضربت الأمثلة من المصادر الفقهية لتحقق هذه الأركان، وبينت أن الخطأ منه ما هو مباشر ومنه ما هو تسبب، وبينت أحكام القسمين وأمثلتهما، وأنه يشترط في التسبب أن يكون متعمدا أو معتديا، وأن القواعد السابقة محل اتفاق بين فقهاء المذاهب، وأن انتفاء المسؤولية تكون حيث تختفي أو تنعدم الرابطة السببية بأن تكون نتيجة قوة قاهرة أو حادث فجائي أو خطأ الفرد أو خطأ الغير أو بهيمة أو وسيلة، وبينت مذاهب العلماء في ذلك وأن الإمام الثوري يقول بالضمان مطلقا إذا أرسلها صاحبها لأنه مفرط في إرسالها.
стр. 12709
وتحدثت في الفصل الثالث عن التعويض، وبينت الفرق بين التعويض والعقوبة المالية، وبينت الفرق بين التعويض والضمان وهو الاصطلاح الفقهي، وبينت أن القتل الحاصل نتيجة تصادم السيارات هو من قبيل الخطأ وتجب فيه الدية، والحنفية يرون حوادث التصادم من قبيل الجاري مجرى الخطأ تجب الدية فيه، ولكن لا تجب الكفارة ولا يكون مانعا من الميراث، وبينت موقف الفقه الإسلامي من حوادث التصادم وما يجب في الإصابات وأن بعضهم قال: يضمن كل واحد من المتصادمين ما تلف من الآخر من نفس أو مال. ومنهم من قال: يضمن نصف قيمة ما تلف من الآخر، وبينت حالة اشتراك المتصادمين في حصول الضرر، وله أربع صور بينت حكم كل صورة مع المثال، وإنه في حالة حصول حادث قتل دون معرفة الفاعل يتحمل بيت المال الدية، ولا نقول بالقسامة لمشقتها على الناس، وقد أخذ القانون المدني الكويتي بذلك، وهو رأي له أنصاره في الفقه الإسلامي، وله سند من الشريعة الغراء وفعل الرسول ﷺ . ثم بينت أحكام الدية ومذاهب العلماء فيها، وأخذت بقول القائلين بمساواة الرجل والمرأة والمسلم وغير المسلم في مقدار الدية، وهو موقف تبناه القانون الكويتي وهو قول لبعض العلماء، وبينت الأحكام لائحة الديات ومسائلها في دولة الكويت لاشتمالها على كل مسائل الدية في النفس والأطراف والحواس ومنافعها، وتعرضت لأحكام العاقلة، وأميل إلى القول بأن تتحمل الدول في العصر الحاضر هذه المهمة، وذلك بفرض ضرائب لهذا الغرض، كما يمكن الأخذ بقواعد التأمين لاختلاف الفقهاء المسلمين فيها، وبينت دور العقوبة في انزجار الناس وكفهم عن التهور في القيادة.
وختمت البحث الرابع في أحكام الكفارة ومذاهب العلماء فيها وتعريفها.
والله أعلم
стр. 12710
حوادث السير
إعداد
الشيخ عبد القادر محمد العماري
قاضي المحكمة الشرعية بالدوحة – قطر
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة:
لا ريب أن حوادث السير وما تحدثه المركبات الميكانيكية من سيارات ونحوها من أضرار بالأرواح والممتلكات أثناء سيرها بالطرق العامة بقيادة سائقها والتي لم تكن موجودة في السابق، وما يحدثه الإنسان عن طريق الخطأ يندرج تحت ما يسميه القانونيون جرائم الإهمال، ومع الأسف إن بعض القانونيين المسلمين يجهلون أن فقهاءنا الأوائل ﵏ قد بحثوا في جرائم الإهمال بحسب ما كان يحدث في بيئتهم وقرروا فيها أحكاما شرعية مأخوذة من النصوص العامة والخاصة في شريعة الإسلام، ولم يكلف هؤلاء القانونيون أنفسهم للبحث في كتب الفقه الإسلامي، بل اعتمدوا على ما يقوله الأجانب على تراثهم، من ذلك ما جاء في كتاب (جريمة الإهمال) للدكتور أبو اليزيد علي المتيت نقلا عن (ليون بوشيه) الفرنسي عن تطور جرائم الإهمال في مصر في العصور المختلفة، فقد جاء تحت عنوان: العصر الإسلامي (وبعد الفتح الإسلامي لمصر سنة (٦٤١ م) تغيرت القوانين المصرية بما يتلائم مع الدين الجديد، دين الإسلام، فطبقت القواعد الواردة في القرآن الكريم، وسنة الرسول ﷺ ، جاء بالقرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] كما يقول تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أن يَصَّدَّقُواْ فإن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ٩٢] .
стр. 12711
يبين ذلك أن مصر بعد أن انتقلت من ولاية رومانية إلى ولاية إسلامية، أخضعت لقواعد أحكام الدين الإسلامي، وقد اتخذ الدين الإسلامي جزاء إنسانيا واجتماعيا في نفس الوقت عتق عبد، ودفع تعويض للمجني عليه أو لذويه، فإن لم يكن لدى الجاني عبد، وليس من الميسور عليه أن يعوض المجني عليه أو ذويه عما أصابهم من ضرر، فعليه أن يصوم شهرين، وعلق المؤلف على ذلك بقوله: من ذلك يتبين أن القرآن الكريم لم يذكر صراحة إلا القتل بإهمال، لذلك يجب أن نتبع القياس والاجتهاد في حالات الضرب أو الجرح بإهمال، ونلاحظ أن القانون الإسلامي جعل التعويض اختياريا وليس إجباريا، فإن كان اختياريا بالنسبة للمجني عليه أو ذويه لهم أن يطلبوه أو لا يطلبونه، فقد كان كذلك اختياريا بالنسبة للجاني فله أن يدفعه وإن لم يستطع فصيام شهرين. معنى ذلك أن العصر الإسلامي كان يتميز بأنه عصر ديني يؤمن فيه الناس بالله ورحمته ويطلبون غفرانه.
ثم قال بعد ذلك: ظلت مصر متبعة التشريع الإسلامي حتى ظهرت تشريعاتنا الحديثة سنة (١٨٨٣) ميلادية وعدلت سنة (١٩٣٧) ميلادية متبعة التشريع الفرنسي، آخذة بالمواد (٣١٩ – ٣٢٠) "ملغاة" عقوبات، وأصبح الإهمال جريمة يعاقب عليها في مصر، وللمجني عليه أن يرفع الدعوى المدنية مطالبا بالتعويض عما أصابه من أضرار، كما للنيابة العامة أن تحرك الدعوى العمومية لمؤاخذة الفاعل جنائيا عن خطته (المادة ٢٣٨، ٢٤٤ / عقوبات على القتل والجرح بالإهمال ... إلخ) والدكتور عفا الله عنه وإن حرص على أن ينوه بحكمة التشريع الإسلامي في عتق الرقبة ونظرته الإنسانية في ذلك، إلا أنه وقع في خطأ كبير في متابعته للأستاذ الفرنسي الذي فهم من الآية أن التعويض اختياري، فإن شاء الجاني أن يدفعه للمجني عليه، أو لا يدفعه، ويصوم بدلا من ذلك شهرين متتابعين، إذا عجز عن عتق الرقبة، والآية لا تقتضي ذلك، فالدية المسلمة إلى أهل المجني عليه ليس مختارا في دفعها الجاني، أو عدم دفعها، بل هو حق ثابت لأهل المجني عليه، لا تقبل الإسقاط، إلا إذا تنازلوا عنها باختيارهم، كما أنه لو كان للمجني عليه ورثة صغار، لا يستطيع أحد أن يتنازل عن حقهم في التعويض، وهذا أمر معروف في الفقه الإسلامي، فالأمر ليس راجعا إلى حقهم في التعويض، وهذا أمر معروف في الفقه الإسلامي، فالأمر ليس راجعا إلى اختيار الجاني، والآية بينت أن في قتل الخطأ دية وكفارة، وكل ذلك ملزم به الجاني، فالدية حق المجني عليه، والكفارة حق الله، ولو رجع المؤلف إلى المراجع الإسلامية لما وقع في الخطأ، الخطأ الآخر الذي وقع فيه المؤلف هو أنه قرر أن الإهمال لم يكن جريمة يعاقب عليها في مصر إلا بعد أن طبق في مصر التشريع الفرنسي وقد ظن أنه لا نصوص فقهية إسلامية تعرضت لجريمة الإهمال، إلا ما جاء في الآية الكريمة، التي تبع في تفسيرها ليون بوشيه، الذي أساء فهم الآية، وجعل التعويض في الإسلام على الجاني اختياريا، فإن شاء دفعه، وإن لم يشأ لم يدفعه.
стр. 12712
والمعروف أن القرآن الكريم ليس فيه تفصيلات الأحكام الفقهية، وإنما فيه بعض الأحكام يذكرها لمناسبتها ليقاس عليها، وتؤخذ تفاصيل الأحكام من السنة، واجتهادات الفقهاء، إذ القرآن ليس كتاب قانون قضائي، حتى تقتصر عليه في الأحكام القضائية، إذ مهمة القرآن أعم وأشمل، وهو كتاب هداية وإرشاد، وليس من مهمته أن يأتي بتفصيلات الأحكام، وهذه الأحكام القضائية تعتمد على اجتهادات العلماء حسب الوقائع والأحداث، فيستنبطون الحكم من الكتاب والسنة، والإجماع والقياس، والسوابق القضائية في أحكام السلف وأقوالهم من الصحابة والتابعين.
والذي يجب أن نعترف به أن غلق باب الاجتهاد اثر على حيوية الفقه الإسلامي ونشاطه، ومع ذلك فإن الفقهاء على مر التاريخ بحثوا في كل المسائل التي تعرض عليهم، وأصدروا فيها أحكاما مناسبة لزمانهم مستندين على نصوص عامة وخاصة، غير أنه ليس هناك حصر وتنظيم وتقنين للأحكام والفتاوى، مما جعل بعض الباحثين يتيه في الكتب، ولا يستطيع أن يستخلص منها ضالته، ورحم الله عبد القادر عودة الذي قام بجهد مشكور، عندما ألف في القانون الجنائي الشرعي مجلدين، كانت بحق فتحا عظيما في مجال تقريب الأحكام الشرعية الجنائية، من فهم الباحثين المعاصرين، ومقارنتها بالقوانين الوضعية، فكان هذان المجلدان من اهم المراجع الآن للقضاة والباحثين، فقد غاص ﵀ في التراث الفقهي الإسلامي، واستخرج لآلئ هي أعظم من أصالتها وبريقها ولمعانها، مما أتت به القوانين الوضعية من نظريات. وأعتقد أن مؤلف كتاب (جرائم الإهمال) الذي حظي بشهادة دكتوراه الدولة في العلوم القانونية من جامعة باريس، ودبلوم معهد العلوم الجنائية من جامعة نانسي بفرنسا، لو كلف نفسه بالاطلاع على كتاب عبد القادر عودة، أو كتاب الشيخ محمد أبو زهرة (الجريمة والعقوبة في الفقه الإسلامي) ؛ لسهل عليه معرفة حكم الفقه الإسلامي في جريمة الإهمال، ولعرف كيف سبقت الشريعة الإسلامية أحدث النظريات فيما يتعلق بالموضوع الذي يبحثه.
стр. 12713
كيف يدعي أن الإهمال لم يكن جريمة يعاقب عليها في مصر إلا بعد أن أخذت بالقانون الفرنسي، وهذه نصوص الفقهاء كلها تؤكد وتنص على مسؤولية المهمل في الشرع الإسلامي، إذا ترتب على إهماله ضرر بالغير، ومن جملة نصوص الفقهاء مثلا أنه يؤاخذ الذي يترك غريقا يغرف ولا ينقذه، ويعتذر بصلاته، ويحق عليه العقاب، لأنه يترك اللازم يعمل ما دونه لزوما، كذلك نصوا على مسؤولية الطبيب الذي يتسبب بإهماله في وفاة المريض، أو إلحاق الضرر به.
وإننا هنا نذكر ما قاله العز بن عبد السلام فيما يتعلق بالغريق في كتابه (قواعد الأحكام) وقد كان ابن عبد السلام رئيسا للقضاة في مصر في عهد المماليك، قال: (تقديم إنقاذ الغرقى المعصومين عند الله أفضل من الصلاة، والجمع بين المصلحتين ممكن، بأن ينقذ الغريقُ، ثم يقضي الصلاة، ومعلوم أن ما فاته من أداء الصلاة لا يقارب إنقاذ إلا بالفطر، فإنه يفطر وينقذه، وهذا أيضا من باب الجمع بين المصالح؛ لأن في النفوس حقا لله تعالى، وحقا لصاحب النفس، فقدم ذلك على أداء الصوم) .
وجاء في كتاب المحلى لابن حزم، أن رجلا استسقي على باب قوم فلم يسقوه، حتى مات من العطش، فضمنهم عمر بن الخطاب ديته، ومعلوم أن الحكم بالدية إذا كانوا قد امتنعوا عن سقيه إهمال، أما إذا كان الامتناع متعمدا من اجل قتله فإن عليهم القصاص، كمن يحبس شخصا ويمنعه الطعام والشراب حتى يموت، فإن هذا يقول عنه الفقهاء ترك قصد به القتل، فهو ترك يحمل معني الإيجاب، ونص الفقهاء أن الأم إذا منعت ولدها الرضاع حتى مات فقد قتلته، أن قصدت ذلك، وكذلك إذا تركت الأم سرة ولدها من غير ربط، ولا يخفى أن الفقهاء لهم وجهات نظر مختلفة في مثل هذه الأمور، كغيرها من الموضوعات التى تختلف فيها الاجتهادات وفي مثله جرائم الترك، وجرائم الفعل.
стр. 12714
يقول الشيخ محمد أبو زهرة: (وإنه بعد استعراض الآراء المختلفة والمناهج المختلفة، ننتهي بلا ريب إلى أن فقهاء المسلمين قد سبقوا إلى دراسة الموضوع دراسة وافية من كل ناحية، حتى الأمثلة التي يسوقها العلماء في الفقه الحديث هي بعض الأمثلة التي ذكرها فقهاء المسلمين قديما، ولعل النقل الذي نقلناه عن ابن حزم يوضح تمام التوضيح كيف كان يربط ابن حزم بين الترك والجريمة ربطا يجعله سببا بها، وكيف يكون بفرض العمد والخطأ، وهو نص لم نظفر بمثله موضحا مبينا محررا في الكتب التي تصدت لبيان وضع هذه الجريمة في القوانين الحديثة، وأنا لهذا اسجل سبق المسلمين إلى تحرير هذه الجريمة بما لم يسبقوا بمثله، وأنه بالمقارنة بالفقه الحديث والفقه الإسلامي، نجد الفقه الحديث يتلاقي مع مذهب أبي حنيفة في الجملة، فأبو حنيفة لم يعتبر أن الجريمة بالترك تكون عقوبتها كعقوبة الجريمة بالفعل، وإن كان يفرض لها عقوبة، ولا يخليها من معني الإجرام، ولذلك يقرر فقهاء المذهب الحنفي، أن من يكون في بادية، ومعه فضل ماء، وبجواره شخص لا ماء معه، ويغلب على ظنه أنه سيموت أن لم يشرب من ماء صاحب الماء، وامتنع الآخر عن سقيه فقاتله فقتله، فإنه لا دية له؛ لأن المنع اعتداء، فكان طالب الماء حاله حال المعتدي عليه، وهذا يدل على أن أبا حنيفة يعتبر الترك إجراما، وإن لم تكن عقوبته هي عقوبة الفعل في الجريمة. والفقه الألماني يتقارب مع مذهب مالك والظاهرية، وإن كان دونهما لأنه اعتبر الترك جريمة إذا كان تركا لواجب قانوني، بينما هذان المذهبان وغيرهما لا يفرقان على تركه تعريض حياة للتلف، يتحول إلى واجب قضائي، وإن ذلك مقرر حتى في مذهب أبي حنيفة، فإرضاع الأم لولدها واجب ديني عليها؛ ولكن إذا كان الولد لا يلقم إلا ثديها، أو لم يكن للولد ولا لأبيه مال يستأجر به ظئرا لترضعه. ويخشى على الولد الهلاك، فإن ذلك الواجب ينتقل من الواجب الديني المجرد إلى الواجب القضائي الذي يحكم به القضاء، ونرى من هذا تعميما في الفقه الإسلامي لم يسبقه سابق ولم يلحقه لاحق) (١) .
يلاحظ أن القوانين الوضعية في هذا المجال تفرق بين واجبات إنسانية خلقية، وواجبات قانونية، فإذا كان الذي ترك يملك الترك بحكم القانون لا يعد قاتلا، وإن كان الذي ترك لا يملك الترك بحكم القانون، كترك السرة من غير ربط، يعد قاتلا، إما في الشريعة الإسلامية فإن من يرى إنسانا متعرضا للأذى عليه أن يعمل كل ما في طاقته لمنع الأذى، لا فرق بين الماء والزاد والافتراس، وقد ثبت ذلك بقول النبي ﷺ : ((من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له)) ، ويقول الراوي: ثم أخذ يعدد الأصناف حتى ظننا أنه ليس لنا حق في فضل أموالنا، وكان ذلك في سفر. فالإسلام أوجب التعاون، وأوجب كل فعل فيه إنقاذ للنفس البشرية، ودفع الأذى عنها.
стр. 12715
إن التراث الفقهي الإسلامي يجب أن يكون محل اهتمام الحقوقيين العرب، وليس من واجبهم أن يدرسوه فقط، بل واجبهم أن يقوموا بنشره باللغات الحية، فإن ذلك واجب ديني ووطني وحضاري، وقد رأينا كيف أن عدة محاضرات ألقيت في المؤتمر الدولي بباريس قبل حوالي ثلاثين عاما، جعلت المؤتمرين يعترفون بسمو الفقه الإسلامي، وإنه لا يقل أهمية عن القوانين الحديثة، ونلاحظ مع الأسف أن كثيرا المثقفين العرب من الحقوقين والأدباء والفنانين وغيرهم ممن هم يهتمون بالثقافة الغربية، أكثر من اهتمامهم بتراثهم، بل لا يلقون بالا لما عندهم، فترى كثيرا منهم يحمل أرفع الشهادات من الجامعات الغربية في الأدب والتربية والفن والتاريخ والقانون، وغيرها من العلوم النظرية، وتراه ملما بكل صغيرة وكبيرة في حياة الغرب وتاريخه وثقافته وجغرافيته، وإذا تحدث تجد نصف كلامه باللغة الأجنبية من كثرة ما يستشهد به من الثقافة الغربية، ويذكر أسماء الأدباء والقادة والمسرحيين والفنانين وغيرهم، واسماء المناطق والبلدان والجبال والأنهار والمسارح والمتاحف، ولكنه لا يعرف شيئا عن بلادهن ولا عن تراثه جاهلا بأبسط المعلومات في الثقافة الإسلامية، والتاريخ الإسلامي، ولا أدل على ذلك مما يذكر بأن إحدى الجامعات السعودية استدعت خبيرا في التعليم من إحدى البلاد العربية لمراجعة المناهج التي وضعت للجامعة، وأرادوا تكريم الخبير بتنظيم زيارة له للأماكن المقدسة، فبعد أن انتهى إلى العمرة، والطواف بالكعبة، قالوا له: غدا أن شاء الله ستسافر إلى المدينة المنورة لزيارة الرسول ﷺ ، والصلاة في الحرم النبوي، فقال: لم إذا نذهب المدينة أليس الرسول مدفونا هنا في الكعبة؟ فقد كان يظن أن قبر الرسول داخل الكعبة، وأن الناس إنما يطوفون حول الكعبة من أجل أن القبر داخلها... أليس هذا الموقف مما يثير الحزن والأسى؟
стр. 12716
إننا ندعو المثقفين العرب والمسلمين أن يلتفتوا إلى ما عندهم، ولا يتركوا منا عند غيرهم، مما فيه فائدة لأمتهم، فليس ما عند غيرهم كله مفيد، كما أنه ليس كل ما عندنا مفيد، ومع الأسف أننا لا نهتم إلا بما يجب أن نتركه، ونهيل عليه الترابِ.
وإننا نرى أن الاهتمام بالإيجابي من تراثنا ونشره، وخاصة في مجال الفقه أمر تتطلبه الحضارة العالمية، ففوق أنه واجب ديني وطني، فهو متطلب وعمل حضاري، والجهل بتراثنا خزي وعار.
стр. 12717
نصوص من كتب فقهاء الإسلام عن حوادث السير
ووسائل النقل في عصرهم
١- في فقه الحنفية (١) :
من كتاب المبسوط – لشمس الدين السرخسي – عن كتاب ظاهر الرواية لمحمد بن الحسن الشيباني – المتوفى (١٨٩) هجرية:
(وإذا سار الرجل على دابة – أي الدواب كانت – في طريق المسلمين، فوطئت إنسانا بيد أو رجل وهي تسير فقتلته، فديته على عاقلة الراكب. والأصل في هذا أن السير على الدابة في طريق المسلمين مباح مقيد بشرط السلامة، بمنزلة المشي فإن الحق في الطريق لجماعة المسلمين، وما يكون حقا للجماعة يباح لكل واحد استيفاؤه بشرط السلامة؛ لأن حقه في ذلك يمكنه من الاستيفاء، ودفع الضرر عن الغير واجب عليه، فيقيد بشرط السلامة ليعتدل النظر من الجانبين، ثم إنما يشترط عليه هذا القيد فيما يمكن التحرز عنه؛ دون ما لا يمكن التحرز عنه تعذر عليه استيفاء حقه؛ لأنه لا يمتنع من المشي والسير على الدابة مخافة أن يقتل بما لا يمكن التحرز عنه فأما ما يستطاع الامتناع عنه لو شرطنا عليه صفة السلامة من ذلك لا يمتنع عليه استيفاء حقه وإنما يلزمه به نوع احتياط في الاستيفاء.
стр. 12718
إذا عرفنا هذا فنقول: التحرز عن الوطء على شيء في وسع الراكب إذا أمعن النظر في ذلك، فإذا لم يسلم كان جانيا، وهذه جناية منه بطريق المباشرة؛ لأن القتل إنما حصل بفعله حين كان هو على الدابة التي وطئت، فتجب عليه الكفارة وعلى عاقلته الدية، وإن نفحته برجلها وهي تسير فلا ضمان على الراكب لقوله ﵊: ((الرجل جبار)) أي هدر والمراد: نفحة الدابة بالرجل وهي تسير، وهذا لأنه ليس في وسعه التحرز من ذلك؛ لأن وجه الراكب أمام الدابة لا خلفها، وكذلك النفحة بالذنب، ليس في وسعه التحرز. عن ذلك وقال ابن أبي ليلى: هو ضامن لجميع ذلك، وقاس الذي يسير على الدابة بالذي أوقف دابته في الطريق فنفحت برجلها أو يدها، فكما أن هناك يجب ضمان الدية على عاقلته فكذلك هنا، ولكنا نقول في الفرق بينهما هو ممنوع من إيقاف الدابة على الطريق؛ لأن ذلك مضر بالمارة، ولان الطريق ما أعد لإيقاف الدواب فيه فيكون هو في شغل الطريق بما لم يعد الطريق له متعديا والمتعدي في التسبب يكون ضامنا، فلهذا يسوى فيه بين ما يمكن التحرز عنه وبين ما لا يمكن وهذا لأنه أن كان لا يمكن، التحرز عن النفحة بالرجل والذنب فهو يمكنه التحرز عن إيقاف الدابة؛ بخلاف الأول، فإن السير على الدابة في الطريق مباح له؛ لأن الطري معد لذلك، ولأنه لا يضر بغيره وهو محتاج إلى ذلك فربما لا يقدر على المشي فيستعين بالسير على الدابة، وإذا لم يكن نفس السير جناية قلنا لا يلزمه ضمان ما لا يستطاع الامتناع منه، (ألا ترى) أن الماشي في الطريق لا يكون ضامنا لما ليس في وسعه الامتناع منه بخلاف الجالس والنائم في الطريق.
ولو كدمت أو صدمت أو خبطت أو ضربت بيدها إنسانا وهو يسير عليها فذلك كله مما يمكن التحرز عنه فيكون موجبا للدية على عاقلته بمنزلة ما لو وطئت، إلا أن هذه الأسباب لا تلزمه الكفارة عندنا؛ لأن الكفارة جزاء مباشرة القتل فلا تجب بالتسبب على ما نبينه، وإن ضربت بحافرها حصاة أو نواة أو حجرا أو شبه ذلك فأصاب إنسانا وهي تسير فلا ضمان عليه؛ لأن هذا لا يمكن التحرز عنه فهو بمنزلة التراب والغبار المنبعث من سنابكها إذا فقأ عين إنسان إلا أن يكون حجرا كبيرا فيضمن؛ لأن ذلك مما يستطاع الامتناع منه وإنما ينبعث الحجر الكبير بخرق منه في السير. ولو راثت أو بالت في السير فعطب إنسان بذلك لم يكن عليه ضمان لأنه لا يمكنه التحرز عن ذلك، قالوا: وكذلك إذا وقفت لتبول أو لتروث؛ لأن من الدواب ما لا يفعل ذلك حتى يقف فهذا مما لا يستطيع الامتناع عنه، وكذلك اللعاب يخرج من فيها. ولو وقع سرجها أو لجامها أو شيء محمول عليها من أداتها أو متاع الرجل الذي معه يحمله فأصاب إنسانا في السير كان ضامنا؛ لأن هذا مما يمكن التحرز عنه وإنما سقط لأنه لم يشد عليها أو لم يحكم ذلك، فكأنه ألقاه بيده على الطريق، وكذلك من عطب به بعدما وقع على الأرض فإن عثر به أو تعرقل فهو ضامن له، بمنزلة ما لو وضعه بيده على الطريق.
стр. 12719
والراكب والرديف والسائق والقائد في الضمان سواء؛ لأن الدابة في أيديهم وهم يسيرونها ويصرفونها كيف شاؤوا وذلك مروي عن شريح ﵀ إلا أنه لا كفارة على السائق والقائد فيما وطئت لأنهما مسببان للقتل، والكفارة جزاء مباشرة القتل، فأما الراكب والمرتدف فمباشران القتل بفعليهما فعليهما الكفارة، كالنائم إذا انقلب على إنسان فقتله، وإذا أوقف دابته في طريق المسلمين أو في دار لا يملكها بغير إذن أهلها فما أصابت بيد أو رجل أو ذنب أو كدمت أو سال من عرقها أو لعابها على الطريق فزلق به إنسان فضمان ذلك على عاقلته، لأنه متعد في هذا التسبب فإنه ممنوع من إيقاف الدابة في ملك غيره بغير إذنه، وكذلك في طريق المسلمين هو ممنوع من إيقاف الدابة خصوصا إذا كان يضر بالمار ولكن لا كفارة عليه لانعدام مباشرة القتل منه.
وإذا أرسل الرجل دابته في الطريق فما أصابت في وجهها فهو ضامن له كما يضمن الذي سار به ولا كفارة عليه، لأنه سائق لها ما دامت تسير على سنن إرساله، فإذا عدت يمينا أو شمالا فلا ضمان عليه؛ لأنها تغيرت عن حالتها وأنشأت سيرا آخر باختيارها فكانت كالمنفلتة؛ إلا أن لا يكون لها طريق غير الذي أحدثت فيه، فحينئذ يكون ضامنا على حاله؛ لأنه إنما سيرها في الطريق الذي يمكنه أن يسير فيه وإنما سارت في ذلك الطريق، فكان هو سائقا لها ووقفت ثم سارت فيه برئ الرجل من الضمان إذا، لأنها لما وقفت فقد انقطع حكم إرساله ثم أنشأت بعد ذلك سيرا باختيارها فهي كالمنفلتة، فإن ردها فالذي ردها ضامن لما أصابت في فورها ذلك، لأنه سائق لها في الطريق الذي ردها فيه، وإذا حل عنها وأوقفها ثم سارت هي فلا ضمان عليه لأن حكم فعله قد انقطع بما أنشأت من السير باختيارها.
قال: وإذا اصطدم الفارسان فوقعا جميعا فماتا، فعلى عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه عندنا استحسانا، وفي القياس على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه، وهو قول زفر والشافعي، وجه القياس أن كل واحد منهما إنما مات بفعله وفعل صاحبه لأن الاصطدام فعل منهما جميعا، فإنما وقع كل واحد منهما بقوته وقوة صاحبه، فيكون هذا بمنزلة ما لو جرح نفسه وجرحه غيره، ولكن استحسنا لما روي عن علي ﵁ أنه جعل دية كل واحد من المصطدمين على عاقلة صاحبه، والمعنى فيه أن كل واحد منهما موقع لصاحبه فكأنه أوقعه عن الدابة بيده، وهذا لأن دفع صاحبه إياه علة معتبرة لإتلافه في الحكم، فأما قوة المصطدم فلا تصلح أن تكون علة معارضة لدفع الصادم. فهو بمنزلة من وقع في بئر حفرها رجل في الطريق، يجب الضمان على الحافر وإن كان لولا مشيه وثقله في نفسه لما هوى في البئر.
стр. 12720
وكذلك لو دفع إنسان غيره في بئر حفرها رجل في الطريق فالضمان على الدافع دون الحافر، وإن كان لولا حفره لذلك الموضع لما أتلفه بدفعه. وعلى هذا الأصل قالوا: لو أن رجلين تجاذبا حبلا فانقطع الحبل فماتا جميعا، فإن مات كل واحد منهما بفعل صاحبه بأن وقع على وجهه، فعلى عاقلة كل واحد منهما دية صاحبه، لأنه إنما وقع على وجهه بجذب صاحبه إياه، وإن وقع كل واحد منهما على قفاه فلا شيء على واحد منهما: لأن سقوطه على قفاه بقوة نفسه لا بجذب صاحبه إياه، وإن سقط واحد منهما على وجهه والآخر على قفاه فدية الساقط على وجهه على عاقلة صاحبه، ولو قطع إنسان الحبل بينهما فسقط كل واحد منهما على قفاه ومات فديتهما على عاقلة القاطع للحبل لأنه كالدافع لكل واحد منهما، ولو كان الصبي في يد أبيه فجذبه رجل من يده فمات فديته على عاقلة الجاذب؛ لأن الأب محق في إمساكه والجاذب متعد في تسبيبه، وكذلك لو تجاذبا صبيا يدعي أحدهما أنه ابنه والآخر يدعي أنه عبده فالدية على عاقلة الذي يدعي أنه عبده؛ لأن الشرع جعل القول قول من يدعيه ابنه، فيكون هو محقا في إمساكه والآخر متعديا في جذبه.
ولو جذب ثوبا من يد إنسان وهو يدعي أنه ملكه فتخرق الثوب من جذبهما، ثم أقام المدعي البينة أنه كان له فله نصف قيمة الثوب على صاحبه، لأنه كان يكفيه الإمساك باليد وما كان يحتاج إلى الجذب فيجعل التخريق مجالا به على فعلهما جميعا، ولو عض ذراع إنسان فنزع ذراعه من فيه فسقطت أسنان العاض فهو هدر، ولو انقطع لحم صاحب الذراع فأرش ذلك على العاض، لأنه محتاج إلى جذب الذراع من فيه فإن العض يؤلمه وهو إنما قصد دفع الألم عن نفسه فيكون محقا في الجذب والآخر متعديا في العض، ولو أخذ بيد إنسان فجذب صاحب اليد يده فعطبت يده، فإن كان أخذه بيده ليصافحه فلا ضمان على الذي أخذ؛ لأن الجاذب ما كان يحتاج إلى ما صنع فيكون هو الجاني على يد نفسه، وإن كان أخذ يده ليعصره فالضمان على الآخذ؛ لأن الجاذب محتاج إلى الجذب لدفع الألم عن نفسه. ولو جلس على ثوب إنسان فقام صاحبه فتخرق الثوب من جذبه فالضمان على الجالس عليه، لأنه متعد في الجلوس على ذيل الغير بغير إذنه.
стр. 12721
والذي بينا في اصطدام الفارسين فكذلك الجواب في اصطدام الماشيين، فإن كان أحدهما حرا والآخر عبدا فقيمة العبد على عاقلة الحر، ثم يأخذها ورثة الحر؛ لأن كل واحد منهما صار قاتلا لصاحبه فيجب على عاقلة الحر قيمة العبد، ثم إن تلف العبد الجاني وأخلف بدلا فيكون بدله لورثة المجني عليه وهو الحر، وإذا أوقف الرجل دابته في ملكه فما أصابت بيد أو رجل أو غير ذلك فلا ضمان عليه فيه لأنه غير متعد في إيقافها في ملكه، وكذلك إن كان الملك له ولغيره؛ لأن لكل واحد من الشريكين أن يوقف دابته في الملك المشترك، ويستوي إن قل نصيبه أو كثر، (أرأيت) لو قعد في الملك المشترك أو توضأ فعطب إنسان بوضوئه أكنت أضمنه ذلك؟ لا أضمنه شيئا من هذا.
وإذا سار الرجل على دابته فضربها أو كبحها باللجام فنفحت برجلها أو بذيلها لم يكن عليه شيء لأنه يحتاج إلى ضربها أو كبحها باللجام في تسييرها، ولا يمكنه التحرز عن النفحة بالرجل والذنب، ولو خبطت بيد أو رجل أو كدمت أو صدمت فقتلت إنسانا فالضمان على الراكب سواء كان يملكها أو لا يملكها؛ لأن التحرز عن هذا كله ممكن، ولو سقط عنها ثم ذهبت على وجهها فقتلت إنسانا لم يكن عليه شيء لأنها منفلتة فالذي سقط منها ليس براكب ولا قائد ولا سائق والمنفلتة جرحها جبار لأنها عجماء، بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال: ((العجماء جبار)) . هي المنفلتة عندنا، ذكره في الأصل، والله أعلم.
стр. 12722
٢- من فقه المالكية:
في المدونة: (قلت) : أرأيت إذا اصطدم فارسان فقتل كل واحد منهما صاحبه؟ (قال) مالك: عقل كل واحد منهما على قبيل صاحبه وقيمة كل فرس منهما في مال صاحبه. (قال) : أرأيت لو أن سفينة صدمت سفينة أخرى فكسرتها فغرق أهلها؟ (قال) : قال مالك: إن كان ذلك من الريح غلبتهم - أو من شيء - ولا يستطيعون حبسها منه فلا شيء عليهم وإن كانوا لو شاؤوا أن يصرفوها فهم ضامنون.
وفي بداية المجتهد لابن رشد اختلفوا في الفارسين يصطدمان فيموت كل واحد منهما فقال مالك وأبو حنيفة وجماعة: على كل منهما دية الآخر، وذلك على العاقلة. وقال الشافعي وعثمان البتي: على كل واحد منهما نصف دية صاحبه؛ لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه.
قال أحمد الدردير في شرحه الكبير لمختصر خليل: وإن تصادما أي المكلفان أو غيرهما (أو تجاذبا) حبلا أو غيره، كأن جذب كل منهما يد صاحبه فسقطا (مطلقا) سواء كانا راكبين أو ماشيين أو مختلفين أو بسفينتين على الراجح (قصدا) منهما (فماتا) معا، فلا قصاص لفوات محله، (أو) مات (أحدهما فقط) (فالقود) جواب للمسألتين وهو على حذف مضاف؛ أي: فأحكامه أنه إذا كان أحدهما بالغا والآخر صبيا فلا قصاص على الصبي، أو كان أحدهما حرا والآخر رقيقا فلا يقتص للرقيق من الحر.
стр. 12723
ويحكم بحكم القود أيضا فيما لو قصد أحدهما التصادم أو التجاذب دون الآخر، وهو داخل في قوله قصدا (وحملا عليه) أي على القصد عند جهل الحال لا على الخطأ، وإنما يظهر في موت أحدهما فقط للقصاص من الحي (عكس السفينتين) إذا تصادمتا فتلفتا أو إحداهما، وجهل الحال فيحملان على عدم القصد، فلا قود ولا ضمان؛ لأن جريهما بالريح وليس من عمل أربابهما، وهذه العلة تدل على أن المراد بعدم القصد هو العجز لا الخطأ، وهو كذلك على الراجح،وأما الخطأ ففيه الضمان؛ فظهر أن لقوله: عكس السفينتين فائدة حيث حمل على العجز. وأما المتصادمان ففي العمد القود كما قال وفي الخطأ الضمان. ولو سفينتين فيهما ولا شيء في العجز بل هدر، ولو غير سفينتين كما أشار إليه بقوله: (إلا لعجز حقيقي) أي إلا أن يكون لصادمهما لعجز حقيقي لا يستطيع كل منهما أن يصرف نفسه أو دابته عن الآخر فلا ضمان بل هدر، ولا يحملان عند الجهل عليه بل على العمد كما تقدم؛ لكن الراجح أن العجز الحقيقي في المتصادمين كالخطأ، فيه ضمان الدية في النفس والقيم في الأموال بخلاف السفينتين فهدر، وحملا عند الجهل عليه؛ لأن جريهما بالريح كما تقدم (لا لخوف غرق أو ظلمة) فخرج من قوله: عكس السفينتين أي فإنهما يحملان على العجز عند الجهل فلا قود ولا ضمان (إلا لخوف غرق أو ظلمة) فالضمان: أي لا أن قدروا على الصرف فلم يصرفوا خوفا من غرق أو نهب أو أسر أو وقوع في ظلمة حتى تلفتا أو إحداهما أو ما فيهما من آدمي أو متاع، فضمان الأموال في أموالهم والدية على عواقلهم؛ لأن هذا ليس من العجز الحقيقي لقدرتهم على الصرف، وليس لهم أن يسلموا من الهلاك بهلاك غيرهم (وألا) يكون التصادم في غير السفينتين أو فيهما أو التجاذب قصدا، بل خطأ (فدية كل) من الآدميين (على عاقلة الآخر) للخطأ وقيمة فرسه مثلا، وإنما خص الفرس لأن التصادم غالبا يكون في ركوب الخيل (في مال الآخر) لا على عاقلته؛ لأن العاقلة لا تحمل غير الدية (كثمن العبد) ، أي قيمته لا يكون على عاقلة لأنه مال بل في مال الحر، ودية الحر في رقبة العبد حالة، فإن تصادما فماتا؛ فإن زادت دية الحر على قيمة العبد لم يضمن سيده الزائدة، لأنها تعلقت برقبة العبد، ورقبته زالت، ولو زادت قيمة العبد على دية الحر أخذ سيده الزائد من مال الحر حالا. اهـ.
стр. 12724
قال محمد بن يوسف العبدري الشهير بالمواق في شرجه التاج والإكليل لمختصر خليل (١) : (وإن تصادما أو تجاذبا مطلقا قصدا فماتا أو أحدهما فالقود. قال مالك: إذا اصطدم فارسان فمات الفرسان والراكبان فدية كل واحد على عاقلة الآخر وقيمة فرس كل واحد في مال الآخر. قال مالك: ولو أن حرا وعبدا اصطدما فماتا جميعا فقيمة العبد في مال الحر، ودية الحر في رقبة العبد. فإن كانت قيمة العبد أكثر من دية الحر كان الزائد لسيد العبد في مال الحر، وإن كانت دية الحر أكثر لم يكن على السيد من ذلك شيء. وقال في رجلين اصطدما وهما يحملان جرتين فانكسرتا: غرم كل واحد ما كان على صاحبه، وإن انكسرت إحداهما غرم ذلك له صاحبه.
قال مالك في السفينتين تصطدمان فتغرق إحداهما بما فيها فلا شيء في ذلك على أحد؛ لأن الريح تغلبهم إلا أن يعلم أن النواتية لو أرادوا صرفها قدروا فيضمنوا وإلا فلا شيء عليهم، قال ابن القاسم: ولو قدروا على حبسها إلا أن فيها هلاكهم وغرقهم فلم يفعلوا فليضمن عواقلهم دياتهم ويضمنوا الأموال في أموالهم، وليس لهم أن يطلبوا نجاتهم بغرق غيرهم، وكذلك لو لم يروهم في ظلمة الليل وهم لو رأوهم لقدروا على صرفها فهم ضامنون لما في السفينة، ودية من مات على عواقلهم، ولكن لو غلبتهم الريح أو غفلوا لم يكن عليهم شيء) انتهى.
стр. 12725
عن ابن يونس وابن عرفة قال ابن شاس: وسواء كان المصدومون راكبين أو ماشين أو بصيرين أو ضريرين أو أحدهما ضريرا وبيده عصا، وإن تعمد الاصطدام فهو عمد محض فيه حكم القصاص، ولو كانا صبيين ركبا بأنفسهم أو أركبهما أولياؤهما فالحكم فيهما كما في البالغين إلا في القصاص، ولو جذبا حبلا فانقطع فتلف فكاصطدامهما، وإن وقع أحدهما على شيء فأتلفه ضمناه. ابن عرفة يؤيد هذا ما في المدونة والمجموعة: إن اصطدم فرسان فمر أحدهما على صبي فقطع أصبعه ضمناه – انظر هنا في ابن عرفة القصاص، من قتل خارجة، ولم يلتفت لإثبات قوله: أردت عَمْرًا وأراد الله خارجة، ومن قتل رجلا عمدا يظنه غيره ممن لو قتله لم يكن فيه قصاص، ومن رمى رجلا بحجر فاتقاها المرمي عليه فقتلت آخر، كما لو هرب أمام القاتل فسقط على طفل فقتله كالأربعة الذين تعلق بعضهم ببعض، وسقطوا على الأسد فقتلهم، (وحملا عليه عكس السفينتين إلا لعجز حقيقي إلا كخوف غرق أو ظلمة) قد تقدم جميع ما نقل ابن يونس عن ابن القاسم في اصطدام السفينتين والراكبين، وقال ابن الحاجب: ولو اصطدم فارسان عمدا فأحكام القصاص، وإلا فعلى عاقلة كل واحد دية الآخر، ثم قال: فإن اصطدم سفينتان فلا ضمان بشرط العجز عن الصرف، والمعتبر العجز حقيقة لا لخوف غرق أو ظلمة، ابن عبد السلام: قول ابن الحاجب يوهم أن حكم الفارسين مخالف لحكم السفينتين، وليس كذلك؛ لأن الفارسين إذا جمح بهما فرساهما فكان تلف لم يضمنا، إلا أن الفارسين إذا جهل أمرهما حمل على أنهما قادران على إمساكهما، وفي السفينتين على العجز. ابن عرفة: قوله: إذا جمح الفرس ولم يقدر راكبه على صرفه أنه لا يضمن، يرد بقولها: أن جمحت دابة براكبها فوطئت إنسانا فهو ضامن، وبقولها: إن كان في رأس الفرس اعتزام فحمل بصاحبه فاصطدم فصاحبه ضامن؛ لأن سبب جمحه من راكبه وفعله به، إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه فلا ضمان عليه (وإلا فدية كل على عاقلة الآخر وفرسه في مال الآخر كثمن العبد) .
стр. 12726
٣- في الفقه الشافعي:
من روضة الطالبين – للإمام النووي – المتوفى سنة (٦٧٦ هـ) ما يلي:
الطرف الرابع في اجتماع سببين متقاومين وفيه مسائل:
إحداهما: إذا اصطدم حران ماشيان، فوقعا وماتا، فكل واحد مات بفعله وفعل صاحبه، فهو شريك في القتلين، ففعله هدر في حق نفسه مضمون في حق صاحبه، فالصحيح أن في تركة كل واحد منهما كفارتين بناء على أن الكفارة لا تتجزأ، وأن قاتل نفسه عليه كفارة، وأما الدية، فتسقط نصف دية كل واحد، ويجب نصفها، ثم إن لم يقصدا الاصطدام بأن كانا أعميين، أو في ظلمة، أو في برين، أو غافلين، فهو خطأ محض، فعلى عاقلة كل واحد نصف دية الآخر. وإن تعمدا الاصطدام فوجهان أحدهما: أن الحاصل عمد محض، ويجب في مال كل واحد نصف دية الآخر؛ قاله أبو إسحاق، واختاره الإمام الغزالي وأصحهما عند الأكثرين وهو نصه في الأم: أن الحاصل شبه عمد لأن الغالب أن الاصطدام لا يفضي إلى الموت، فلا يتحقق فيه العمد المحض، ولذلك لا يتعلق القصاص إذا مات أحدهما دون الآخر، فيجب على عاقلة كل واحد نصف دية الآخر مغلظة.
الثانية: إذا كان المصطدمان راكبين، فحكم الدية والكفارة كما ذكرنا، فلو تلفت الدابتان، ففي تركة كل واحد نصف قيمة دابة صاحبه، ولو غلبتهما الدابتان، فجرى الاصطدام والراكبان مغلوبان، فالمذهب أن المغلوب كغير المغلوب كما سبق، وفي قول أنكره جماعة أن هلاكهما وهلاك الدابتين هدر؛ إذ لا صنع لهما ولا اختيار، فصار كالهلاك بآفة سماوية، ويجري الخلاف فيما لو غلبت الدابة راكبها أو سائقها، وأتلف مالا هل يسقط الضمان عنه؟
стр. 12727
فرع: سواء في اصطدام الراكبين اتفق جنس المركوبين وقوتهما، أم اختلف، كراكب فرس، أو بعير مع راكب بغل أو حمار، وسواء في اصطدام الرجلين اتفق سيرهما، أو اختلف، بأن كان أحدهما يمشي والآخر يعدو، وسواء كانا مقبلين، أم مدبرين، أو أحدهما مقبلا والآخر مدبرا، قال الإمام: لكن لو كانت إحدى الدابتين ضعيفة بحيث يقطع بأنه لا أثر لحركتها مع قوة الدابة الأخرى، لم يتعلق بحركتها حكم، كغرز الإبرة في جلدة العقب مع الجراحات العظيمة، وسواء وقع المصطدمان مقبلين أو مستقلين، أو أحدهما مستلقيا والآخر مكبا، وعن المزني أنه إذا وقع أحدهما مكبا والآخر مستلقيا، فالمكب مهدر وعلى عاقلته ضمان المستلقي، وعن ابن القاص مثله تخريجا، وعنه أن المكبين مهدران، والمذهب الأول وبه قطع الجمهور: ولو اصطدام ماش وراكب لطول الماشي وهلكا، فالحكم ما سبق.
فرع: تجاذب رجلان حبلا فانقطع، فسقطا وماتا، وجب على عاقلة كل واحد نصف دية الآخر ويهدر النصف، سواء وقعا مكبين أو مستقلين، أو أحدهما هكذا، والآخر كذلك، لكن قال البغوي: إن أكب أحدهما، واستلقى الآخر فعلى عاقلة المستلقي نصف دية المكب مغلظة، وعلى عاقلة المكب نصف دية المستلقي مخففة، وهذا إن صح اقتضى أن يقال مثله في الاصطدام، هذا إذا كان الحبل لهما أو مغصوبا، فإن كان لأحدهما والآخر ظالم، فدم الظالم هدر، وعلى عاقلته نصف دية المالك، ولو أرخى أحد المتجاذبين، فسقطا الآخر وماتا، فديتاهما جميعا على عاقلة القاطع.
стр. 12728
فرع: ما ذكرنا أنه يهدر نصف قيمة الدابة ويجب النصف الآخر هو فيما إذا كان الدابة للراكب، فإن كانت مستعارة أو مستأجرة لم يهدر منها شيء؛ لأن العارية مضمونة، وكذا المستأجر إذا أتلفه المستأجر.
الثالثة: إذا اصطدم صبيان أو مجنونان؛ نظر، إن كانا ماشيين، أو راكبين ركبا بأنفسهما فهما كالبالغين إلا أنا إذا أوجبنا هناك دية مغلظة، فهي هنا مخففة، إلا إذا قلنا: عمد الصبي والمجنون عمد، وإن أركبهما من لا ولاية له عليهما، لم يهدر شيء من ديتهما، ولا من قيمة الدابتين ولا شيء على الصبيين، ولا على عاقلتهما، بل إن كان المركب واحدا، فعليه قيمة الديتين، وعلى عاقلته دية الصبيين، وإن أركب هذا واحدا وذاك آخر، فعلى كل واحد نصف قيمة كل دابة، وكذا يضمن ما أتلفته دابة من أركبه بيدها أو رجلها، وعلى عاقلة كل واحد نصف ديتي الصبيين، هذا هو الصحيح المعروف الذي قطع به الأصحاب، وقال الداركي وابن المرزبان: يلزم عاقلة كل مركب دية من أركبه، قال الشيخ أبو حامد: هذا غلط، قال في (الوسيط) : فلو تعمد الصبي والحالة هذه، احتمل أن يحال الهلاك عليه إذا قلنا: عمده عمد؛ لأن المباشرة مقدمة على التسبب، وهذا احتمال حسن، فإن قيل به، فحكمه كما لو ركبا بأنفسهما، والاعتذار عنه تكلف، ولو وقع الصبي فمات، فقد أطلق الشيخ أبو حامد أنه يتعلق بالمركب الضمان، وقال المتولي: إن كان مثله لا يستمسك على الدابة، ولم يقعده وجب الضمان، وإن كان يستمسك، فإن كان ينقله من موضع إلى موضع، فلا ضمان، سواء أركبه الولي أو غيره، لأنه لا يخاف منه الهلاك غالبا، وإن أركبه ليتعلم الفروسية، فهو كما لو تلف في يد السباح، وفي كل واحد من الإطلاق والتفصيل نظر، أما إذا أركبهما ولياهما لمصلحتهما فوجهان، أصحهما: لا ضمان على الولي، كما لو ركبا بأنفسهما إذ لا تقصير، والثاني قول القفال: يجب الضمان؛ لأن في الإركاب خطرا، هكذا أطلق جماعة الوجهين، وخصهما الإمام بالإركاب لزينة أو حاجة غير مهمة، قال: فأما إذا مست حاجة أرهقت إلى إركابه للانتقال إلى مكان، فلا ضمان قطعا، ثم الوجهان مخصوصان بما إذا ظهر ظن السلامة، فأما إذا أركبه الوالي دابة شرسة جموحا، فلا شك أنه يتعلق به الضمان.
стр. 12729
الرابعة: اصطدام المرأتين كالرجلين، فإن اصطدم حاملان فماتتا ومات جنيناهما، وجب في تركة كل واحدة منهما أربع كفارات على الصحيح، وهو إيجاب الكفارة على قاتل نفسه، وعدم تجزئة الكفارة، فإن لم نوجبها على قاتل نفسه، وجب ثلاث كفارات، وإن قلنا بالتجزئة، وجب ثلاثة أنصاف كفارة، وعلى عاقلة كل واحدة نصف دية صاحبتها ونصف غرة كل جنين.
الخامسة: اصطدم عبدان، فمات أحدهما، وجب نصف قيمته متعلقا برقبة الحي، وإن ماتا فمهدران؛ لأن ضمان جناية العبد تتعلق برقبته سواء اتفقت قيمتهما أم اختلفت، وإن اصطدم حر وعبد ومات العبد، فنصفه هدر، وتجب نصف قيمته، وهل تكون على الحر أم على عاقلته؟ فيه الخلاف في تحمل العاقلة قيمة العبد، وإن مات الحر، وجب نصف ديته متعلقا برقبة العبد، وإن ماتا معا، فإن قلنا: قيمة العبد لا تحملها العاقلة، وجب نصفها في تركة الحر، ويتعلق به دية الحر؛ لأنه بدل رقبته وإن قلنا: تحمل العاقلة القيمة، فنصف قيمة العبد على عاقلة الحر، ويتعلق به نصف دية الحر، فيأخذ السيد من العاقلة نصف القيمة، ويدفع نصف الدية إلى ورثة الحر، إما من عين المأخوذ وإما من غيره، قال الإمام: والوجه أن يثبت لورثة الحر مطالبة عاقلته بنصف المبلغ، وإن كان ملكه السيد ليتوثقوا به وكذا إذا تعلق أرش برقبة عبد، فقتله أجنبي ثبت للمجني عليه مطالبة قاتل الجاني بالقيمة، ويثبت للمرتهن مطالبة قاتل المرهون بالقيمة ليتوثق بها، وليكن هذا مبنيا على أن المرتهن هل له أن يخاصم الجاني؟ وفيه خلاف سابق؟ الأصح: المنع وبتقدير أن يخاصم ويأخذ، فإن لم يصر المأخوذ ملكا للراهن، لم يصح التوثق، وإن صار فجعل المرتهن نائبا عنه قهرا بعيد.
стр. 12730
السادسة: اصطدم مستولدتان لرجلين فماتتا، أهدر نصف قيمة كل منهما، ووجب نصف قيمة كل واحدة على سيد الأخرى؛ لأن ضمان جناية المستولدة على سيدها، كما سيأتي في بابه إن شاء الله تعالى، والمذهب أنه يضمن أقل الأمرين من أرش الجناية وقيمة مستولدته؛ وإن كانتا حاملين فماتتا، وأجهضتا جنينيهما، فحكم القيمة ما ذكرنا، وأما ضمان الجنينين، فإن كانا رقيقين، فعلى سيد كل واحدة مع نصف القيمة الأخرى نصف عشر قيمتها لنصف جنينيها، وإن كانتا حاملين بحرين غرة لجنين الأخرى، وإن كانتا حاملين بحرين من السيدين، فنصف كل جنين هدر؛ لأن المستولدة إذا جنت على نفسها وألقت جنينا كان هدرا، وعلى كل واحد من السيدين نصف غرة جنين الأخرى، وتصير الصورة من صور التقاص، وإذا فضل لأحدها شيء أخذه؛ وإن كانت إحداهما حاملا فألقت جنينها ميتا، فنصف الغرة على سيد الحامل، فإن كان للجنين أم وارثة، فلها نصف سدس الغرة، والباقي لسيد الحامل، وعليه للجدة نصف سدس أيضا ليكمل لها سدس الغرة.
السابعة: إذا اصطدمت سفينتان، وغرقتا بما فيهما، فإما أن يحصل الاصطدام بفعلهما، وإما لا، فهما حالان:
الأول: بفعلهما، فينظر إن كانت السفينتان وما فيهما ملكا للملاحين المجريين لهما، فنصف قيمة كل سفينة وما فيها مهدر، ونصف قيمتها ونصف قيمة ما فيها على صاحب الأخرى، فإن هلك الملاحان أيضا، فهما كالفارسين يموتان بالاصطدام، وإن كانت السفينتان لهما وحملا الأموال والأنفس تبرعا أو بأجرة، نظر إن تعمدا الاصطدام بما يعد أهل الخبرة مفضيا إلى الهلاك، تعلق بفعلهما القصاص حتى إذا كان في كل سفينة عشرة أنفس مثلا يقرع بينهم لموتهم معا، فمن خرجت قرعته، قتل به الملاحان، وفي مال كل واحد منهما نصف ديات الباقين، فيكون على كل واحد تسع ديات ونصف مع القصاص، وفي مال كل واحد من الكفارات بعدد من في السفينتين من الأحرار والعبيد، وعلى كل واحد منهما نصف قيمة ما في السفينتين لا يهدر منه شيء، ونصف قيمة سفينة صاحبه، ويهدر نصفها، ويجري التقاص في القدر الذي يشتركان فيه، وإن تعمدا الاصطدام بما لا يفضي إلى الهلاك غالبا وقد يفضي إليه، فهو شبه عمد، والحكم كما ذكرنا إلا أنه لا يتعلق به قصاص، وتكون الدية على العاقلة مغلظة، وإن لم يتعمدا الاصطدام بل ظنا أنهما يجريان على الريح فأخطأا، أو لم يعلم واحد منهما أن بقرب سفينته سفينة أخرى، فالدية على العاقلة، وإن كانت السفينتان لغير الملاحين، وكانا أجيرين للمالك، أو أمينين، لم يسقط شيء من ضمان السفينتين بل على كل واحد منهما نصف قيمة كل سفينة، وكل واحد من المالكين مخير بين أن يأخذ جميع قيمة سفينته من أمينه، ثم هو يرجع بنصفها على أمين الآخر، وبين أن يأخذ نصفها منه ونصفها من أمين الآخر، وإن كان المجريان عبدين، فالضمان يتعلق برقبتهما.
стр. 12731
الحال الثاني: أن يحصل الاصطدام لا بفعلهما، فإن وجد منهما تقصير بأن توانيا في الضبط فلم يعدلاهما عن صوب الاصطدام مع إمكانه، أو سيرا في ريح شديدة لا تسير في مثلها السفن، أو لم يكملا عدتهما من الرجال والآلات، وجب الضمان على ما ذكرنا. وإن لم يوجد منهما تقصير، وحصل الهلاك بغلبة الرياح وهيجان الأمواج، ففي وجوب الضمان قولان، أحدهما: نعم، كالفارسين إذا غلبتهما دابتاهما، وأصحهما: لا، لعدم تقصيرهما، كما لو حصل الهلاك بصاعقة بخلاف غلبة الدابة، فإن ضبطهما ممكن باللجان، وقيل: القولان إذا لم يكن منهما فعل، بأن كانت السفينة مربوطة بالشط أو مرساة في موضع، فهاجت ريح فسيرتها، فأما إذا سيراهما، ثم غلبت الريح، وعجزا عن ضبطهما، فيجب الضمان قطعا، والمذهب طرد القولين في الحالين، فإن قلنا: يجب الضمان، فهو كما لو فرطا، ولكن لم يقصدا الاصطدام، وإن قلنا بالأظهر: لم يجب ضمان الأحرار، ولا ضمان الودائع والأمانات فيهما، ولا ضمان الأموال المحمولة بالأجرة إن كان مالكها أو عبده معها يحفظها، وإن استقل المجريان باليد، فعلى القولين في أن يد الأجير المشترك هل هي يد ضمان؟ وإن كان فيهما عبيد، فإن كانوا أعوانا أو حفاظا للمال لم يجب ضمانهم، وإلا فهم كسائر الأموال، وعلى هذا لو اختلف صاحب المال والملاحان، فقال صاحب المال: كان الاصطدام بفعلكما، وقالا: بل بغلبة الريح، صدقا بيمينهما، ومتى كان أحدهما مفرطا أو عامدا دون الآخر، خص كل واحد منهما بالحكم الذي يقتضيه حاله على ما ذكرنا، ولو صدمت السفينة المربوطة بالشط فكسرتها فالضمان على مجري السفينة الصادمة.
стр. 12732
فرع: إذا خرق واحد سفينة، فغرق ما فيها من نفس ومال، وجب ضمانه، ثم إن تعمد الخرق بما يفضي إلى الهلاك غالبا كالخرق الواسع الذي لا يدفع، وجب القصاص والدية المغلظة في ماله، وإن تعمده بما لا يحصل به الهلاك غالبا، فهو شبه عمد، وكذا لو قصد إصلاح السفينة فنفذت الآلة في موضع الإصلاح فغرقت به السفينة، وإن أصابت الآلة غير موضع الإصلاح، أو سقط من يده حجر، أو غيره، فخرقت السفينة، فهو خطأ محض.
٤- في فقه الحنابلة:
من كتاب مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد بن حنبل الشيباني:
الفصل الثالث:
فيما يحدث في الطريق العام ونحوه:
مادة (١٤٣٤)
لكل إنسان حق المرور بجمله ودابته في الطريق ولو محملة بحطب ونحوه بشرط السلامة من العدوان والضرر الذي يمكن التحرز منه، فلو عثر برجله في المشي المعتاد إنسان آخر فلا ضمان عليه، أو اصطدم بدابته عاقل بصير يراها أو صاح فيها له، وهو مستدبر، ويجد له منحرفا فتلف بذلك أو تلف ثيابه بما عليها من حطب ونحوه لا ضمان عليه، أما لو كان أعمى أو طفلا أو مجنونا أو لا منحرف له أو كان مستدبرا ولم ينبهه فعليه الضمان (١) .
стр. 12733
مادة (١٤٣٥)
ربط الدابة وإيقافها في الطريق عدوان فيضمن رابطها أو موقفها ما تتلفه أو يتلف بسبب فعلها، فلو وطئت بيد أو رجل، أو كدمت بفم أو صدمت مارا، أو جفلت بسببها دابة مارة، أو بالت أو راثت فزلق بذلك إنسان فالضمان لازم (١) .
مادة (١٤٣٦)
الحفر في الطريق العام لغير مصلحة الناس عدوان، فلو حفر لنفسه، أو حفر قنه بأمره بئرا أو نحوها، ولو في فناء داره، ضمن ما يتلف بها، وكذا لو حفرها حر بإذنه سواء كان بأجر أو لا، جاهلا أنها ليست ملكه، أما لو علم بأنه طريق عام فالضمان على الحافر، أما لو حفر بئرا في سابلة واسعة لانتفاع الناس بلا ضرر عليهم لا ضمان عليه، لكن لو كانت الطريق ضيقة أو يتضرر الناس بحفرها ففيه الضمان (٢) .
стр. 12734
الفصل الخامس:
في أحكام الاصطدام:
(مادة ١٤٥٢)
إذا اصطدم ساعيان أو فارسان ضمن كل منهما ما فات على الآخر من نفس ومال (١) .
مادة (١٤٥٣)
لو اصطدمت سفينتان واقفتان أو سائرتان في بحر بتفريط القيمين ضمن كل منهما سفينة الآخر وما فيها من نفس ومال، وإن كان التفريط من أحدهما فعليه الضمان، وإن (لم) يكن تفريط؛ كما لو هاجت ريح شديدة غلبتهما على ضبطها وتحريفها، فلا ضمان؛ وإن كانت إحداهما واقفة ضمنها مع ما فيها قيم السائرة إن فرط وإلا فلا ضمان (٢) .
كلمة (لم) ليست موجودة بالأصل والسياق يوجبها، وقد ذكر المؤلف ﵀ تهميشه إلى جانب هذه المادة قوله: (تركت صفة المصعدة والمنحدرة لندرتها) وقد وردت هذه الأوصاف في نصوص المصادر السابقة.
стр. 12735
مادة (١٤٥٤)
عدم استعداد اليم بحمل الآلات اللازمة عادة من أدوات وعمال تفريط وكذا نومه مع تركها سائرة (١) .
مادة (١٤٥٥)
يقبل قول قيم السفينة بيمينه في عدم تفريطه وفي أنه غلب عن ضبطها (٢) .
مادة (١٤٥٦)
السفينة المشرفة على الغرق يجب إلقاء ما يظن بإلقائه نجاتها، فلو ألقى متاعه ومتاع غيره لا ضمان عليه، لكن لو امتنع صاحب المتاع من إلقائه، فألقاه آخر ضمنه (٣) .
وفي المغني لابن قدامة – ﵀ (٤) :
مسألة: قال (وإذا اصطدم الفارسان فماتت الدابتان ضمن كل واحد منهما قيمة دابة الآخر) وجملته: أن على كل واحد من المصطدمين ضمان ما تلف من الآخر من نفس أو دابة أو مال، سواء كانت الدابتان فرسين أو بغلين أو حمارين أو جملين، أو كان أحدهما فارسا والآخر غيره، سواء كانا مقبلين أو مدبرين، وبهذا قال أبو حنيفة وصاحباه وإسحاق.
وقال مالك والشافعي: على كل واحد منهما نصف قيمة ما تلف من الآخر؛ لأن التلف حصل بفعليهما، فكان الضمان منقسما عليهما، كما لو جرح إنسان نفسه وجرحه غيره فمات منهما، ولأن كل واحد منهما مات من صدمة صاحبه وإنما هو قربها إلى محل الجناية فلزم الآخر ضمانها، كما لو كانت واقفة بخلاف الجراحة، إذا ثبت هذا فإن قيمة الدابتين إن تساوتا تقاصا وسقطتا، وإن كانت إحداهما أكثر من الأخرى فلصاحبها الزيادة، وإن ماتت إحدى الدابتين فعلى الآخر قيمتها، وإن نقصت فعليه نقصها.
стр. 12736
فصل: فإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر، فأدركه الثاني فصدمه، فماتت الدابتان أو إحداهما، فالضمان على اللاحق لأنه الصادم والآخر مصدوم فهو بمنزلة الواقف.
مسألة: قال: (وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفا فعلى السائر قيمة دابة الواقف) نص أحمد على هذا لأن السائر هو الصادم المتلف فكان الضمان عليه، وإن مات هو أو دابته فهو هدر لأنه أتلف نفسه ودابته، وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافه فهما كالسائرين لأن التلف حصل من فعلهما، وإن كان الواقف متعديا بوقوفه مثل أن يقف في طريق ضيق فالضمان عليه دون السائر لأن التلف حصل بتعديه فكان الضمان عليه كما لو وضع حجرا في الطريق أو جلس في طريق ضيق فعثر به إنسان.
مسألة: قال: (وإن تصادم نفسان يمشيان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر) روي هذا عن علي رضى الله عنه، والخلاف فيها في الضمان، كما الخلاف فيما إذا اصطدم الفارسان إلا أنه لا تقاص ههنا في الضمان، لأنه على غير من له الحق لكون الضمان على عاقلة كل واحد منهما. وإن اتفق أن يكون الضمان على من له الحق مثل أن تكون العاقلة هي الوارثة، أو يكون الضمان على المتصادمين تقاصا، ولا يجب القصاص سواء كان تصادمهما عمدا أو خطأ؛ لأن الصدمة لا تقتل غالبا فالقتل الحاصل بها مع العمد عمد الخطأ، وإلا فرق بين البصيرين والأعميين والبصير والأعمى. فإن كانتا امرأتين حاملتين فهما كالرجلين، فإن أسقطت كل واحدة منهما جنينا فعلى كل واحدة نصف جنينها ونصف ضمان جنين صاحبتها؛ لأنهما اشتركا في قتله، وعلى كل واحدة منهما عتق ثلاث رقاب: واحدة لقتل صاحبتها، واثنتان لمشاركتهما في الجنين، وإن أسقطت إحداهما دون الأخرى اشتركتا في ضمانه وعلى كل واحدة عتق رقبتين.
وإن أسقطتا معا ولم تمت المرأتان ففي مال كل واحدة ضمان نصف الجنين بغرة إذا سقطا ميتين. وإن اصطدم راكب وماش.
стр. 12737
فصل: وإن اصطدم عبدان فماتا هدرت قيمتهما؛ لأن قيمة كل واحد منهما تعلقت برقبة الآخر فسقطت بتلفه، وإن مات أحدهما تعلقت قيمته برقبة الحي، فإن هلك قبل استيفاء القيمة سقطت لفوات محلها، وإن تصادم حر وعبد فماتا تعلقت دية الحر برقبة العبد ثم انتقلت إلى قيمة العبد، ووجبت قيمة العبد في تركة الحر فيتقاصان، فإن كانت دية الحر أكثر من قيمة العبد سقطت الزيادة – لأنها لا متعلق لها – وإن كانت قيمة العبد أكثر أخذ الفضل من تركة الجاني، وفي مال الحر عتق رقبة، ولا شيء على العبد لأن تكفيره بالصوم فيفوت بفواته، وإن مات العبد وحده فقيمته في ذمة الحر؛ لأن العاقلة لا تحمل العبد، وإن مات الحر وحده تعلقت ديته برقبة العبد وعليه صيام شهرين متتابعين، وإن مات العبد قبل استيفاء الدية سقطت، وإن قتله أجنبي فعليه قيمته، ويتحول ما كان متعلقا برقبته إلى قيمته لأنها بدله وقائمة مقامه وتستوفى ممن وجبت عليه.
مسألة: قال: (وإذا وقعت السفينة المنحدرة على الصاعدة فغرقتا، فعلى المنحدرة قيمة السفينة الصاعدة أو أرش ما نقصت إن أخرجت؛ إلا أن يكون قيم المنحدرة غلبته الريح فلم يقدر على ضبطها) وجملته أن السفينتين إذا اصطدمتا لم تخلوَا من حالين، أحدهما: أن تكونا متساويتين كاللتين في بحر أو ماء واقف، أو كانت إحداهما منحدرة والأخرى صاعدة فنبدأ بما إذا كانت إحداهما منحدرة والأخرى صاعدة؛ لأنها مسألة الكتاب ولا يخلوان من حالين:
أحدهما: أن يكون القيم بها مفرطا بأن يكون قادرا على ضبطها أو ردها عن الأخرى فلم يفعل، أو أمكنه أن يعدلها إلى ناحية أخرى فلم يفعل، أو لم يكمل آلتها من الحبال والرجال وغيرهما، فعلى المنحدرة ضمان الصاعدة؛ لأنها تنحط عليها من علو فيكون ذلك سببا لغرقها، فتنزل المنحدرة بمنزلة السائرة والصاعدة بمنزلة الواقف. وإن غرقتا جميعا فلا شيء على المصعد، وعلى المنحدر قيمة المصعد أو أرش ما نقصت إن لم تتلف كلها؛ إلا أن يكون التفريط من المصعد بأن يمكنه العدول بسفينته والمنحدر غير قادر ولا مفرط فيكون الضمان على المصعد لأنه المفرط، وإن لم يكن من واحد منهما تفريط، لكن هاجت ريح أو كان الماء شديد الجرية فلم يمكنه ضبطها فلا ضمان عليه لأنه لا يدخل في وسعه ضبطها، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
стр. 12738
الحال الثاني: أن يكونا متساويتين، فإن كان القيمان مفرطين ضمن كل واحد منهما سفينة الآخر بما فيها من نفس ومال، كما قلنا في الفارسين يصطدمان، وإن لم يكونا مفرطين فلا ضمان عليهما، وللشافعي في حال عدم التفريط قولان: عليهما الضمان لأنهما في أيديهما فلزمهما الضمان كما لو اصطدم الفارسان لغلبة الفرسين لهما. ولأن الملاحين لا يسيران السفينتين بفعلهما ولا يمكنهما ضبطهما في الغالب ولا الاحتراز من ذلك، فأشبه ما لو نزلت صاعقة أحرقت السفينة، ويخالفان الفرسين فإنه ممكن ضبطهما والاحتراز من طردهما، وإن كان أحدهما مفرطا وحده فعليه الضمان وحده، فإن اختلفا في تفريط القيم، فالقول قوله مع يمينه لأن الأصل عدم التفريط وهو أمين فهو كالمودع، وعند الشافعي أنهما إن كانا مفرطين فعلى كل واحد من القيمين نصف سفينته ونصف سفينة صاحبه، كقوله في اصطدام الفارسين على ما مضى.
فصل: فإن كان القيمان مالكين للسفينتين بما فيهما تقاصا، وأخذ ذو الفضل فضله، وإن كانا أجيرين ضمنا ولا تقاص ههنا؛ لأن من يجب به غير من يجب عليه، وإن كان في السفينتين أحرار فهلكوا وكانا قد تعمدا المصادمة، وذلك مما يقتل غالبا فعليهما القصاص، وإن كانوا عبيدا فلا ضمان على القيمين إذا كانا حرين؛ وإن لم يتعمدا المصادمة أو كان ذلك مما لا يقتل غالبا وجبت دية الأحرار على عاقلة القيمين، وقيمة العبيد في أموالهما، وإن كانا القيمان عبدين تعلق الضمان برقبتيهما، فإن تلفا جميعا سقط الضمان، وأما مع عدم التفريط فلا ضمان على أحد، وإن كان في السفينتين ودائع ومضاربات لم تضمن لأن الأمين لا يضمن ما لم يوجد منه تفريط أو عدوان، وإن كانت السفينتان بأجرة فهما أمانة أيضا لا ضمان فيهما، وإن كان فيهما مال يحملانه بأجرة إلى بلد آخر فلا ضمان لأن الهلاك بأمر غير مستطاع.
стр. 12739
فصل: وإن كانت إحدى السفينتين قائمة والأخرى سائرة، فلا ضمان على الواقفة، وعلى السائرة ضمان الواقفة إن كان مفرطا، ولا ضمان عليه إن لم يفرط على ما قدمناه. اهـ.
وذكر أبو الفرج في شرحه الكبير للمقنع نحو ما تقدم.
وفي الفروع لابن مفلح ﵀ (١) :
وإن اصطدم راجلان أو راكبان أو ماش وراكب - قال في الروضة: بصيران أو ضريران أو أحدهما – فماتا أو دابتاهما ضمن كل واحد متلف الآخر، وقيل: نصفه، وقدم في الرعاية: وإن غلبت الدابة راكبها بلا تفريط لم يضمن، وجزم به في الترغيب. وإن اصطدما عمدا ويقتل غالبا فهدر، والأشبه عمد، وما تلف للسائر منهما لا يضمنه واقف وقاعد، في المنصوص: وقيل: بلى، مع ضيق الطريق، وفي ضمان سائر ما أتلف لواقف وقاعد في طريق ضيق وجهان، وإن اصطدم قنان ماشيان فهدر، لا حر وقن فقيمة قن، وقيل: نصفها في تركة حر، ودية حر، ويتوجه الوجه أو نصفها في تلك القيمة. وإن اصطدمت سفينتان فغرقتا ضمن كل واحد متلف الآخر، وفي المغني: إن فرطا؛ وقاله في المنتخب، وأنه ظاهر كلامه، ولا يضمن المصعد منهما بل المنحدر إن لم يغلبه ريح؛ نص عليه. وفي الواضح وجه: لا يضمن منحدر، وفي الترغيب: السفينة كدابة، والملاح كراكب، ويصدق ملاح في أن تلف مال بغلبة ريح، ولو تعمد الصدم فشريكان في إتلاف كل منهما ومن فيهما فإن قتل غالبا فالقود وإلا شبه عمد، ولا يسقط فعل المصادم في حق نفسه مع عمد ولو خرقها عمدا وأو شبه عمد أو خطأ عمل على ذلك، وهل يضمن من ألقى عدلا مملؤا بسفينة ما فيها أو نصفه أو بحصته؛ يحتمل أوجها، وإن أركب صبيين غير وليهما فاصطدما ضمن – وفى الترغيب: تضمن عاقلته ديتهما، وإن ركباها فكالبالغين مخطئين، وكذا أن أركبهما ولي المصلحة، قال ابن عقيل: ويثبتان بأنفسهما، وفي الترغيب: إن صلحا للركوب وأركبهما ما يصلح لركوب مثلهما وإلا ضمن، ويضمن كبير صدم الصغير، وإن مات الكبير ضمنه من أركب الصغير. نقل حرب: إن حمل رجل صبيا على دابة فسقط ضمنه إلا أن يأمره أهله بحمله. اهـ.
стр. 12740
وفي الإنصاف على المقنع (١) :
قوله: (وإن اصطدم نفسان) قال في الروضة: بصيران أو ضريران أو أحدهما، قلت: وكذا قال المصنف والشارح (فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر) هذا المذهب جزم به الخرقي والمحرر والمفتي والشرح والزركشي والنظم والوجيز والمنور ومنتخب الآدمي وغيرهم في الرعايتين والحاوي الصغير والفروع، وقيل: يجب على عاقلة كل منهما نصف الدية وهو تخريج لبعضهم.
تنبيه: ظاهر كلام المصنف أنه سواء كان تصادمهما عمدا أو خطأ وهو صحيح وهو المذهب وعليه أكثر الأصحاب، وقيل: إذا كان عمدا يضمنان دون عاقلتيهما وقال في الرعاية وهو أظهر: (قوله: وأن كانا راكبين فماتت الدابتان فعلى كل واحد منهما قيمة دابة الآخر) وهذا المذهب جزم به في المغني والشرح الكبير والمحرر وغيرهم وقدمه في الفروع وغيره، وقيل: على كل واحد منهما نصف قيمة دابة الآخر، وقدم في الرعايتين: إن غلبت الدابة راكبها بلا تفريط لم يضمن، وجزم به في الترغيب والوجيز والحاوي الصغير. وقوله: (وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفا فعلى السائر ضمان الواقف ودابته، إلا أن يكون في طريق ضيق قاعدا أو واقفا فلا ضمان عليه، وعليه ضمان ما تلف به) . ذكر المصنف هنا مسألتين:
إحداهما: ما يتلف السائر إذا كان الآخر واقفا أو قاعدا فقطع بضمان الواقف ودابته على السائر، إلا أن يكون في طريق ضيق قاعدا أو واقفا فلا ضمان عليه، وهو أحد الوجهين وهو المذهب منهما، ونص عليه وجزم به في المغني والشرح والوجيز، وهو ظاهر ما جزم به في الرعاية والحاوي، وقيل: يضمنه السائر سواء كان الواقف في طريق ضيق أو واسع، وقدمه في المحرر والنظم والزركشي وهو ظاهر كلام الخرقي وأطلقهما في الفروع.
المسألة الثانية: ما يتلفه الواقف أو القاعد للسائر في الطريق الضيق فجزم المصنف هنا أنه يضمنه، وجزم به في الشرح وشرح ابن منجا واختاره المصنف، والصحيح من المذهب أنه لا يضمن؛ نص عليه وقدمه في المحرر والنظم والرعايتين والحاوي الصغير الفروع. وأما ما يتلف للسائر إذا كان الطريق واسعا فلا ضمان على الواقف والقاعد على الصحيح من المذهب، وقطع به كثير منهم وقدمه في المحرر والنظم والرعايتين والحاوي والفروع وغيرهم، وقيل: يضمنه ذكره الزركشي وغيره.
стр. 12741
تنبيهان:
أحدهما: قوله: (فعلى السائر ودابته ضمان الواقف يكون على عاقلة السائر، وضمان دابة الواقف يكون على نفس السائر، صرح به الأصحاب، فظاهر كلام المصنف غير مراد.
الثاني: قوله: (إلا أن يكون في طريق ضيق قاعدا أو واقفاِ) قال ابن منجا: لا بد أن يلحظ أن الطريق الضيق غير مملوك للواقف أو القاعد، لأنه إذا كان مملوكا لم يكن متعديا بوقوفه فيه، بل السائر هو المتعدى بسلوكه ملك غيره بغير إذنه. اهـ.
استنتجت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية من أقوال الفقهاء السابقين الحكم في بعض قضايا سير المركبات الحديثة وفيما يلي نص ما قالته اللجنة (١) :
أولا: إن تصادمت سيارتان وكان ذلك من السائقين عمدا فإن ماتا فلا قصاص لفوت المحل، وتجب دية كل منهما ودية من هلك معه من النفوس، وما تلف معه من السيارة والمتاع في مال صاحبه، بناء على عدم اعتبار اعتدائه وفعله في نفسه ومن هلك معه، واعتبار ذلك بالنسبة لصاحبه ومن هلك أو تلف معه، أو يجب نصف ديته ونصف دية من هلك معه ونصف قيمة ما تلف في مال صاحبه بناء على اعتبار اعتدائه وفعله في حق نسفه وحق صاحبه. وإن مات أحدهما دون الآخر اقتص منه لمن مات بالصدمة لأنها ما يغلب على الظن القتل به. وإن كان التصادم منهما خطأ وجبت الدية أو نصفها لكل منهما ولمن مات معه على عاقلة صاحبه، وتجب قيمة ما تلف من سيارة كل منهما أو متاعه أو نصفها في مال صاحبه بناء على ما تقدم، من الاعتبارين، وإن كان أحدهما عامدا والآخر مخطئا فكل حكمه على ما تقدم ومن كان منهما مغلوبا على أمره فلا ضمان عليه إلا إذا كان ذلك بسبب تفريط منه سابق.
стр. 12742
ثانيا: إذا صدمت سيارة سائرة واقفة في ملك صاحبها أو خارج طريق السيارات أو على جانب طريق واسع ضمن سائق السيارات ما تلف في الواقفة من نفس ومال بصدمته لأنه المتعدي، فإن انحرفت الواقفة فصادف ذلك الصدمة فالضمان بينهما على ما تقدم في تصادم سيارتين، وإن كانت واقفة في طريق ضيق غير مملوك لصاحبها فالضمان على صاحب الواقفة لتعديه بوقفه، ويحتمل أن يكون الضمان بينهما لتفريط كل منهما وتعديه، وإن صدمت سيارة نازلة من عقبة مثلا سيارة صاعدة فالضمان على سائق المنحدرة إلا إذا كان مغلوبا على أمره فلا ضمان عليه، أو كان سائق الصاعدة يمكنه العدول عن طريق النازلة فلم يفعل فالضمان بينهما. وإن أدركت سيارة سيارة أمامها فصدمتها ضمن سائق اللاحقة ما تلف من النفوس والأموال في سيارته والسيارة المصدومة، لأنه متعد بصدمه لما أمامه، والأمامية بمنزلة الواقفة بطريق واسع، إلا إذا حصل من سائق الأمامية فعل يعتبر سببا أيضا في الحادث، كأن يوقف سيارته فجأة أو يرجع بها إلى الخلف أو ينحرف بها إلى ممر اللاحق ليعترض طريقها، فالضمان بينهما على ما تقدم من الخلاف في حكم تصادم سيارتين.
ثالثا: وإذا وقف سائق سيارة بسيارته أمام إشارة المرور مثلا ينتظر فتح الطريق فصدمت سيارة مؤخرة سيارته صدمة دفعتها إلى الإمام، فصدمت بعض المشاة مثلا فمات أو أصيب بكسور؛ ضمن من صدمت سيارته مؤخرة السيارة الأخرى كل ما تلف من نفس ومال، لأنه متعد بصدمه، والسيارة الأمامية بمنزلة الآلة بالنسبة للخلفية فلا ضمان على سائقها لعدم تعديه.
هذا فيما يتعلق بالتصادم بين السيارتين أو أن تصدم سيارة أخرى، أما فيما يتعلق بحوادث دهس الأشخاص أو انقلاب السيارة أو سقوط شيء منها ونحوه فقد استنتجت اللجنة الأحكام الآتية:
أولا: إذا ساق إنسان سيارة في شارع عام ملتزما السرعة المقررة ومتبعا خط السير حسب النظام، فقفز رجل فجأة أمامه فصدمته السيارة ومات أو أصيب بجروح أو كسور، رغم قيام السائق بما وجب عليه من الفرملة ونحوها، أمكن أن يقال بتضمين السائق من مات بالصدم أو الكسر مثلا بناء على ما تقدم من تضمين الراكب أو القائد أو السائق ما وطئت الدابة بيديها، وقد يناقش بأن كبح الدابة وضبطها أيسر من ضبط السيارة، ويمكن أن يقال بضمان كل منهما ما تلف عند الآخر من نفس ومال بناء على ما تقدم عن الحنفية والمالكية والحنابلة ومن وافقهم في تضمين المتصادمين، ويمكن أن يقال بضمان السائق ما تلف من نصف الدية أو نصف الكسور لتفريطه بعدم احتياطه بالنظر لما أمامه من بعيد، وبضمان المصدوم نصف ذلك لاعتدائه بالمرور فجأة أمام السيارة دون الاحتياط لنفسه بناء على ما ذكره الشافعي وزفر وعثمان البتي ومن وافقهم في تضمين المتصادمين، ويحتمل أن يقال: إنه هدر. لانفرداه بالتعدي ولو قدر أنه اصطدم بجانب السيارة فمات أو كسر والسيارة على ما ذكر من الحال كان الضمان بينهما على ما تقدم من الاحتمالات.
стр. 12743
ثانيا: إذا مر إنسان أو حيوان أمام سيارة (ونيت) مثلا، فاستعمل سائق السيارة الفرملة تفاديا للحادث، فسقط أحد الركاب، وقفز آخر، فماتا أو أصيبا بكسور، علما بأن باب السيارة قد أحكم إغلاقه؛ ضمن السائق دية من سقط، أو أرش إصابته؛ لأن سقوطه كان بعنف الفرملة، وقد كان عليه أن يعمل لذلك احتياطا من قبل فيهدئ من السرعة وليس له أن يتسبب في قتل شخص ليسلم آخر، ويحتمل ألا يضمن إذا كان متبعا للنظام في سرعته لأنه مأمور بالفرملة تفاديا للحادث؛ أما من قفز فهو كاسر لنفسه أو قاتلها فلا يضمنه السائق.
ثالثا: إذا تعهد السائق سيارته قبل السير بها، ثم طرأ عليها خلل مفاجئ في جهاز من أجهزتها مع مراعاة النظام في سرعته وخط سيره، وغلب على أمره فصدمت إنسانا أو حيوانا أو وطئته فمات أو كسر مثلا؛ لم يضمن السائق دية ولا قيمة، ولو انقلبت بسبب ذلك على أحد أو شيء فمات أو تلف فلا ضمان عليه لعدم تعديه وتفريطه، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وإن فرط السائق في تعهد سيارته أو زاد في السرعة أو في حمولتها أو نحو ذلك ضمن ما أصاب من نفس ومال، وإن سقط شيء من السيارة ضمنه إن كان في حفظه بأن كان موكولا إليه إلا أن عليه شده بما يصونه ويضبطه، وإن سقط أحد منها لصغره وليس معه قيم فأصيب ضمن ذلك لتفريطه.
стр. 12744
رابعا: إن سقط شيء من السيارة فأصاب أحدا فمات أو كسر، أو أصاب شيئا فتلف؛ ضمن ما أصاب من نفس أو مال لتفريطه، وإن سقط منها مكلف لازدحام يخالف نظام المرور فمات ضمن السائق لتعديه، ويحتمل أن يكون الضمان على السائق ومن هلك بالسقوط مناصفة لاشتراكهما في الاعتداء.
وأقرت اللجنة الدائمة مبدأ حق ولي الأمر في إصدار أنظمة ولوائح السير والمرور، وتفرض العقوبات على المخالفين بحسب ما يؤديه إليه اجتهاده انطلاقا من واجب ولي الأمر نحو رعاياه، والمحافظة على أرواحهم وممتلكاتهم، والسعي لتحقيق مصالحهم ودفع الضرر عنهم، وأن من عصى ولي الأمر في ذلك يعتبر من المعتدين ويستحق التعزير بما تقرره الأنظمة التي يضعها ولي الأمر من حبس وسحب رخصة القيادة وغرامة مالية أخذا برأي بعض العلماء في جواز التعزير بالمال.
وفيما يتعلق باشتراك أكثر من واحد في تحمل مسؤولية الحادث وتوزيع المسؤولية بين المسؤولين عن الحادث استنتجت اللجنة من أقوال الفقهاء الأحكام الآتية:
أولا: إذا صدمت سيارة إنسانا عمدا أو خطأ فرمته إلى جانب وأصابته سيارة أخرى مارة في نفس الوقت فمات:
(أ) فإن كانت إصابة كل منهما تقتله لو انفردت وجب القصاص، منهما له أو الدية عليهما مناصفة على ما تقدم من الخلاف والشروط في مسألة اشتراك جماعة في قتل إنسان سواء تساوت الإصابات أو كانت إحداهما أبلغ من الأخرى ما دامت الدنيا منها لو انفردت قتلت.
стр. 12745
(ب) وإن تتابعت الإصابات وكانت الأولى منها تقتل، وجب القصاص أو الدية على سائق الأولى ويعزر سائق الثانية، وإن كانت الأولى لا تقتل ومات بإصابة الثانية فالقصاص أو الدية على سائق الثانية، ويجب على سائق الأولى جزاء ما أصاب من قصاص أو دية أو حكومة.
ثانيا: إذا أصابت سيارة إنسانا بجروح أو كسور وأصابته أخرى بجروح أو كسور أقل أو أكثر من الأولى، وكل من الإصابتين لا تقتل إذا انفردت، فمات المصاب من مجموع الإصابتين، وجب القصاص أو الدية على السائقين مناصفة.
ثالثا: إذا دفع إنسان آخر فسقط، أو أوثقه في طريق فأدركته سيارة ووطئته فقتلته أو كسرته مثلا، فقد يقال: على السائق ضمان ما أصاب من نفس أو كسر ويعزر الدافع أو الموثق بعقوبة دون الموت أو بحبس حتى يموت؛ لأن السائق مباشر والموثق أو الدافع متسبب، ويحتمل أن يكون الضمان عليهما قصاصا أو دية أو حكومة لأن كليهما مشترك مع السائق في ذلك.
رابعا: إذا أصابت سيارة إنسانا أو مالا وأصابته أخرى في نفس الوقت أو بعده، ولم يمت، وتمايزت الكسور أو الجروح أو التلف، فعلى كل من السائقين ضمان ما تلف أو أصيب بسيارته قل أو كثر.