تنبيهان:
أحدهما: قوله: (فعلى السائر ودابته ضمان الواقف يكون على عاقلة السائر، وضمان دابة الواقف يكون على نفس السائر، صرح به الأصحاب، فظاهر كلام المصنف غير مراد.
الثاني: قوله: (إلا أن يكون في طريق ضيق قاعدا أو واقفاِ) قال ابن منجا: لا بد أن يلحظ أن الطريق الضيق غير مملوك للواقف أو القاعد، لأنه إذا كان مملوكا لم يكن متعديا بوقوفه فيه، بل السائر هو المتعدى بسلوكه ملك غيره بغير إذنه. اهـ.
استنتجت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية من أقوال الفقهاء السابقين الحكم في بعض قضايا سير المركبات الحديثة وفيما يلي نص ما قالته اللجنة (١) :
أولا: إن تصادمت سيارتان وكان ذلك من السائقين عمدا فإن ماتا فلا قصاص لفوت المحل، وتجب دية كل منهما ودية من هلك معه من النفوس، وما تلف معه من السيارة والمتاع في مال صاحبه، بناء على عدم اعتبار اعتدائه وفعله في نفسه ومن هلك معه، واعتبار ذلك بالنسبة لصاحبه ومن هلك أو تلف معه، أو يجب نصف ديته ونصف دية من هلك معه ونصف قيمة ما تلف في مال صاحبه بناء على اعتبار اعتدائه وفعله في حق نسفه وحق صاحبه. وإن مات أحدهما دون الآخر اقتص منه لمن مات بالصدمة لأنها ما يغلب على الظن القتل به. وإن كان التصادم منهما خطأ وجبت الدية أو نصفها لكل منهما ولمن مات معه على عاقلة صاحبه، وتجب قيمة ما تلف من سيارة كل منهما أو متاعه أو نصفها في مال صاحبه بناء على ما تقدم، من الاعتبارين، وإن كان أحدهما عامدا والآخر مخطئا فكل حكمه على ما تقدم ومن كان منهما مغلوبا على أمره فلا ضمان عليه إلا إذا كان ذلك بسبب تفريط منه سابق.
стр. 12742
ثانيا: إذا صدمت سيارة سائرة واقفة في ملك صاحبها أو خارج طريق السيارات أو على جانب طريق واسع ضمن سائق السيارات ما تلف في الواقفة من نفس ومال بصدمته لأنه المتعدي، فإن انحرفت الواقفة فصادف ذلك الصدمة فالضمان بينهما على ما تقدم في تصادم سيارتين، وإن كانت واقفة في طريق ضيق غير مملوك لصاحبها فالضمان على صاحب الواقفة لتعديه بوقفه، ويحتمل أن يكون الضمان بينهما لتفريط كل منهما وتعديه، وإن صدمت سيارة نازلة من عقبة مثلا سيارة صاعدة فالضمان على سائق المنحدرة إلا إذا كان مغلوبا على أمره فلا ضمان عليه، أو كان سائق الصاعدة يمكنه العدول عن طريق النازلة فلم يفعل فالضمان بينهما. وإن أدركت سيارة سيارة أمامها فصدمتها ضمن سائق اللاحقة ما تلف من النفوس والأموال في سيارته والسيارة المصدومة، لأنه متعد بصدمه لما أمامه، والأمامية بمنزلة الواقفة بطريق واسع، إلا إذا حصل من سائق الأمامية فعل يعتبر سببا أيضا في الحادث، كأن يوقف سيارته فجأة أو يرجع بها إلى الخلف أو ينحرف بها إلى ممر اللاحق ليعترض طريقها، فالضمان بينهما على ما تقدم من الخلاف في حكم تصادم سيارتين.
ثالثا: وإذا وقف سائق سيارة بسيارته أمام إشارة المرور مثلا ينتظر فتح الطريق فصدمت سيارة مؤخرة سيارته صدمة دفعتها إلى الإمام، فصدمت بعض المشاة مثلا فمات أو أصيب بكسور؛ ضمن من صدمت سيارته مؤخرة السيارة الأخرى كل ما تلف من نفس ومال، لأنه متعد بصدمه، والسيارة الأمامية بمنزلة الآلة بالنسبة للخلفية فلا ضمان على سائقها لعدم تعديه.
هذا فيما يتعلق بالتصادم بين السيارتين أو أن تصدم سيارة أخرى، أما فيما يتعلق بحوادث دهس الأشخاص أو انقلاب السيارة أو سقوط شيء منها ونحوه فقد استنتجت اللجنة الأحكام الآتية:
أولا: إذا ساق إنسان سيارة في شارع عام ملتزما السرعة المقررة ومتبعا خط السير حسب النظام، فقفز رجل فجأة أمامه فصدمته السيارة ومات أو أصيب بجروح أو كسور، رغم قيام السائق بما وجب عليه من الفرملة ونحوها، أمكن أن يقال بتضمين السائق من مات بالصدم أو الكسر مثلا بناء على ما تقدم من تضمين الراكب أو القائد أو السائق ما وطئت الدابة بيديها، وقد يناقش بأن كبح الدابة وضبطها أيسر من ضبط السيارة، ويمكن أن يقال بضمان كل منهما ما تلف عند الآخر من نفس ومال بناء على ما تقدم عن الحنفية والمالكية والحنابلة ومن وافقهم في تضمين المتصادمين، ويمكن أن يقال بضمان السائق ما تلف من نصف الدية أو نصف الكسور لتفريطه بعدم احتياطه بالنظر لما أمامه من بعيد، وبضمان المصدوم نصف ذلك لاعتدائه بالمرور فجأة أمام السيارة دون الاحتياط لنفسه بناء على ما ذكره الشافعي وزفر وعثمان البتي ومن وافقهم في تضمين المتصادمين، ويحتمل أن يقال: إنه هدر. لانفرداه بالتعدي ولو قدر أنه اصطدم بجانب السيارة فمات أو كسر والسيارة على ما ذكر من الحال كان الضمان بينهما على ما تقدم من الاحتمالات.
стр. 12743
ثانيا: إذا مر إنسان أو حيوان أمام سيارة (ونيت) مثلا، فاستعمل سائق السيارة الفرملة تفاديا للحادث، فسقط أحد الركاب، وقفز آخر، فماتا أو أصيبا بكسور، علما بأن باب السيارة قد أحكم إغلاقه؛ ضمن السائق دية من سقط، أو أرش إصابته؛ لأن سقوطه كان بعنف الفرملة، وقد كان عليه أن يعمل لذلك احتياطا من قبل فيهدئ من السرعة وليس له أن يتسبب في قتل شخص ليسلم آخر، ويحتمل ألا يضمن إذا كان متبعا للنظام في سرعته لأنه مأمور بالفرملة تفاديا للحادث؛ أما من قفز فهو كاسر لنفسه أو قاتلها فلا يضمنه السائق.
ثالثا: إذا تعهد السائق سيارته قبل السير بها، ثم طرأ عليها خلل مفاجئ في جهاز من أجهزتها مع مراعاة النظام في سرعته وخط سيره، وغلب على أمره فصدمت إنسانا أو حيوانا أو وطئته فمات أو كسر مثلا؛ لم يضمن السائق دية ولا قيمة، ولو انقلبت بسبب ذلك على أحد أو شيء فمات أو تلف فلا ضمان عليه لعدم تعديه وتفريطه، قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وإن فرط السائق في تعهد سيارته أو زاد في السرعة أو في حمولتها أو نحو ذلك ضمن ما أصاب من نفس ومال، وإن سقط شيء من السيارة ضمنه إن كان في حفظه بأن كان موكولا إليه إلا أن عليه شده بما يصونه ويضبطه، وإن سقط أحد منها لصغره وليس معه قيم فأصيب ضمن ذلك لتفريطه.
стр. 12744
رابعا: إن سقط شيء من السيارة فأصاب أحدا فمات أو كسر، أو أصاب شيئا فتلف؛ ضمن ما أصاب من نفس أو مال لتفريطه، وإن سقط منها مكلف لازدحام يخالف نظام المرور فمات ضمن السائق لتعديه، ويحتمل أن يكون الضمان على السائق ومن هلك بالسقوط مناصفة لاشتراكهما في الاعتداء.
وأقرت اللجنة الدائمة مبدأ حق ولي الأمر في إصدار أنظمة ولوائح السير والمرور، وتفرض العقوبات على المخالفين بحسب ما يؤديه إليه اجتهاده انطلاقا من واجب ولي الأمر نحو رعاياه، والمحافظة على أرواحهم وممتلكاتهم، والسعي لتحقيق مصالحهم ودفع الضرر عنهم، وأن من عصى ولي الأمر في ذلك يعتبر من المعتدين ويستحق التعزير بما تقرره الأنظمة التي يضعها ولي الأمر من حبس وسحب رخصة القيادة وغرامة مالية أخذا برأي بعض العلماء في جواز التعزير بالمال.
وفيما يتعلق باشتراك أكثر من واحد في تحمل مسؤولية الحادث وتوزيع المسؤولية بين المسؤولين عن الحادث استنتجت اللجنة من أقوال الفقهاء الأحكام الآتية:
أولا: إذا صدمت سيارة إنسانا عمدا أو خطأ فرمته إلى جانب وأصابته سيارة أخرى مارة في نفس الوقت فمات:
(أ) فإن كانت إصابة كل منهما تقتله لو انفردت وجب القصاص، منهما له أو الدية عليهما مناصفة على ما تقدم من الخلاف والشروط في مسألة اشتراك جماعة في قتل إنسان سواء تساوت الإصابات أو كانت إحداهما أبلغ من الأخرى ما دامت الدنيا منها لو انفردت قتلت.
стр. 12745
(ب) وإن تتابعت الإصابات وكانت الأولى منها تقتل، وجب القصاص أو الدية على سائق الأولى ويعزر سائق الثانية، وإن كانت الأولى لا تقتل ومات بإصابة الثانية فالقصاص أو الدية على سائق الثانية، ويجب على سائق الأولى جزاء ما أصاب من قصاص أو دية أو حكومة.
ثانيا: إذا أصابت سيارة إنسانا بجروح أو كسور وأصابته أخرى بجروح أو كسور أقل أو أكثر من الأولى، وكل من الإصابتين لا تقتل إذا انفردت، فمات المصاب من مجموع الإصابتين، وجب القصاص أو الدية على السائقين مناصفة.
ثالثا: إذا دفع إنسان آخر فسقط، أو أوثقه في طريق فأدركته سيارة ووطئته فقتلته أو كسرته مثلا، فقد يقال: على السائق ضمان ما أصاب من نفس أو كسر ويعزر الدافع أو الموثق بعقوبة دون الموت أو بحبس حتى يموت؛ لأن السائق مباشر والموثق أو الدافع متسبب، ويحتمل أن يكون الضمان عليهما قصاصا أو دية أو حكومة لأن كليهما مشترك مع السائق في ذلك.
رابعا: إذا أصابت سيارة إنسانا أو مالا وأصابته أخرى في نفس الوقت أو بعده، ولم يمت، وتمايزت الكسور أو الجروح أو التلف، فعلى كل من السائقين ضمان ما تلف أو أصيب بسيارته قل أو كثر.
стр. 12746
خامسا: إذا أصابت سيارتان إنسانا بجروح أو كسور ولم تتمايز ولم يمت، أو أصابت شيئا أو أتلفته، فعليهما القصاص في العمد وضمان الدية والمال بينهما مناصفة.
سادسا: إن استعمل السائق المنبه (البوري) من أجل إنسان أمام سيارته أو يريد العبور فسقط من قوة الصوت أمام سيارته، ووطئته سيارة فمات أو كسر مثلا ضمنه السائق، وإن سقط تحت سيارة أخرى ضمنه سائقها؛ لأنه مباشر ومستعمل المنبه متسبب، ويحتمل أن يكون بينهما لاشتراكهما كالممسك مع القاتل، وإن سقط فمات أو كسر مثلا بمجرد سماعه الصوت ضمنه مستعمل المنبه.
سابعا: إذا خالف السائق نظام السير المقرر من جهة السرعة أو عكس خط السير وأصاب إنسانا أو سيارة أو أتلف شيئا عمدا أو خطأ ضمنه، وإن خرج إليه إنسان أو سيارة من منفذ فحصل الحادث ففي من يكون عليه الضمان احتمالات: الأول: أن يكون على السائق المخالف للنظام لاعتدائه ومباشرته، ويحتمل أن يكون على من خرج من المنفذ فجأة لأنه لم يتثبت ولم يحتط لنفسه ولغيره، وعلى من خالف نظام المرور التعزير بما يراه الحاكم أو نائبه، ويحتمل أن يكون الضمان عليهما للاشتراك في الحادث، وإن اعترضته سيارة في خطها النظامي أو زحمته فإن كان ذلك عمدا منه، فالضمان عليه وإن كان خطأ فالضمان عليهما، وعلى مخلف النظام الحق العام وهو التعزير بما يراه الحاكم.
стр. 12747
إذا كان من المسلَّم به في الفقه الإسلامي، أن لولي الأمر حق وضع الأنظمة والقوانين التي تنظم حياة الناس وتحفظ أرواحهم وممتلكاتهم. ألا يكون من الحق أن تحدد تلك الأنظمة والقوانين الحالات التي يكون فيها سائق السيارة مسؤولا عن الحادث، والحالات التي لا يكون فيها مسؤولا، بدلا من أن يترك الأمر للاحتمالات؟ أليس من الواجب أن تكون الأحكام حاسمة وقاطعة وعلى منهج واحد ونسق واحد ولا يختلف فيها الحكم بين قاض وقاض؟
فبعض القضايا لا يسوغ فيها اختلاف وجهات النظر بحجة أن هذا مباشر. وأن هذا متسبب في الحادث، فلا مجال للاحتمالات والاختلاف في وجهات النظر، في مثل قضية سائق ملتزم السير الصحيح حسب النظام. فقفز رجل أمامه فجأة فصدمته السيارة ومات أو أصيب بجروح أو كسور. أليس من العدل أن نقول: إن الرجل الذي قفز أمام السيارة قد جنى على نفسه، ولا يتحمل سائق السيارة مسؤولية في الحادث؟ لم إذا لا يتحمل كل إنسان مسؤولية الخطأ الذي يرتكبه ويترك القاضي تحديد الخطأ ونسبته من وقائع القضية وظروفها؟
стр. 12748
الذي جعل بعض القضاة يحكم بمسؤولية سائق السيارة وتضمينه دية الرجل في مثل هذه القضية أن هناك قاعدة فقهية تقول: " إذا اجتمع المباشر والمتسبب يضاف الحكم إلى المباشر "، وهناك قاعدة أخرى تقول: " المباشر ضامن وإن لم يتعمد "، وأخرى تقول: " المتسبب لا يضمن إلا بالتعمد "؛ لكن الذي لم يتنبه له هؤلاء هو أن الفقهاء قد ذكروا أن السبب قد يتغلب على المباشرة، وذلك في حالة إذا لم تكن المباشرة عدوانا (١) وهنا لم تكن المباشرة عدوانا فيتغلب السبب عليها إذا اجتمع مع المباشرة، فيتعين الحكم ببراءة المباشر، وعدم تضمينه في هذه الحالة، ومثل ذلك لو أن سائق السيارة يسوق سيارته في الشارع الرئيسي العام ملتزما نظام السير، فخرجت أمامه سيارة من شارع فرعي فاعترضت طريق السيارة الأولى فصدمت الأولى الثانية، فإن المسؤول في هذه الحالة سائق السيارة الثانية الذي لم يتوقف حتى تمر السيارة الأولى، ولا شيء على سائق السيارة الأولى، وإن كانت هي المباشرة للصدم ما دام سائقها ملتزما بأصول السواقة.
стр. 12749
فالشرط في تحميل المباشر المسؤولية هو أن تكون مباشرته للضرر ذاتية مستقلة غير ملجئة، أي لا تكون المباشرة مبنية على السبب وناشئة عنه. فإذا وقع شخص آخر نحو سيارة أثناء سيرها فسقط تحت عجلاتها ودهسته، فإن السيارة في هذه الحالة هي التي باشرت الضرر من الوجهة المادية البحتة، ومع ذلك فلا يمكن مساءلة قائد السيارة وتضمينه باعتباره مباشرا، إذ لا دخل له في وقوع الحادث الذي يرجع في الحقيقة إلى فعل الشخص الدافع، وإن كان فعله هذا يظهر كمجرد سبب، إلا أن الضرر ينسب إليه لأنه هو الذي ألجأ السيارة إلى مباشرة الضرر. فالأول متسبب، والثاني مباشر، ومع أن القاعدة الشرعية تقول: " إنه عند اجتماع المتسبب والمباشر تعلق الضمان بالمباشر دون المتسبب " إلا أن المباشرة هنا ناشئة عن المسبب لذلك يتعلق الضمان بالمتسبب لأن القاعدة هذه مقيدة بألا يكون الفعل المؤدي إلى التلف مباشرة مبنيا على الفعل المتسبب ملجئا إلى الفعل المباشر، كما هو الحال هنا فيتحمل المتسبب هنا كامل المسؤولية إذا كان الفعل المباشر لا عدوان فيه، أما إذا كان الفعل المباشر فيه عدوان اشترك المتسبب والمباشر في الضمان، والمتسبب لا يضمن مع المباشر، إذا كان هذا السبب شيئا لا يعمل بانفرداه في الإتلاف، أما إذا كان الإتلاف نتيجة اجتماعهما كان الضمان عليهما.
стр. 12750
ولا يخفى ما لحركة السيارات من دور لا ينكر في حوادث السير مما يحتم على القاضي تحمل مسؤولية الموازنة والمقارنة ليتبين إلى من ينسب الحادث حقيقة. فقد يسند الحادث منطقيا وعقليا إلى عاملٍ وسببٍ شارَكَ السيارة ودفعها إلى مباشرة الحادث، وقد يكون كل من السيارة والعامل الآخر مباشرا للضرر كما يحدث في حالات التصادم، ولا يعني ذلك أن كل سبب يشترك مع السيارة في وقوع الحادث يرفع بالضرورة الضمان عن قائد السيارة، والمهم أن يكون هناك استقصاء، وبحث كل العوامل والأسباب التي أدت إلى الحادث ومعرفة دور كل طرف فيه ومدى تأثيره في الحادث.
وهنا نذكر بعض أمثلة لحوادث السيارات التي قد تختلف حولها وجهات النظر، ولكن الرأي الأجدر بالترجيح يكون واضحا لمن أراد أن يتجرد عن التقليد:
١- وقع تصادم بين سيارة (أ) وسيارة (ب) نتيجة إقدام قائد سيارة (أ) على قيادتها بسرعة، وعدم التهدئة عند التقاطع وانحرافه جهة اليسار مما أدى إلى اصطدامه بالسيارة (ب) التي كان قائدها وقت وقوع الاصطدام متخذا الوضع العادي المرعي في السير، وفي الجانب الأيمن من الطريق، ولم يقع فيه أي فعل أثر في التلف وحصله، وجلب الضرر بذاته دون واسطة وكان علة له، فإن قائد السيارة الثانية لا يكون قد أتى بفعل متلف بذاته، ومن ثم لا يعد مباشرا لتدخل أمر بين سير هذه السيارة وبين الضرر الناجم عن هذا الأمر، هو الصدمة التي أحدثتها السيارة الأولى بتلك السيارة مما يجعل قائدها متسببا في الضرر وليس مباشرا.
стр. 12751
٢- كان قائد السيارة (أ) يسير على يمين الطريق بسرعة معتدلة بينما كان يسير خلفه قائد السيارة (ب) والذي عند اقترابه منه حاول أن يتجاوزه، ولم يسلك في ذلك السلوك المعتاد بأن يتم التجاوز من جهة اليسار بل على العكس من ذلك حاول أن يتخطاه من اليمين، وإذا كانت تلك السيارة على يمين الطريق تحرك قائدها يمين الطريق العام وسار في الجزء الترابي منه وحاول تجاوز السيارة الأخرى أيضا فاصطدم بها فوقع الحادث، فإنه يكون المباشر لهذا الحادث، ويقتصر دور قائد السيارة الثانية على كونه متسببا فلا يسأل.
٣- إذا تحرك قائد السيارة (أ) إثر إضاءة النور الأخضر وفي وسط التقاطع أقبلت السيارة (ب) بالرغم من أن إشارة المرور لم تكن تسمح له بالسير فصدم السيارة نتيجة خطئه ومخالفته لإشارة المرور الحمراء، فإن هذه السيارة تكون هي الصادمة ومن ثم المباشرة للضرر. أما السيارة الأولى فلا تعد إلا مجرد ظرف هيأ لوقوع الحادث لوقوع الحادث، ولكنه لم يحصله بذاته بدون واسطة فلا يعد قائدها مباشرا للضرر لتدخل أمر بين فعلها وبين الضرر الناجم، وهذا الأمر هو الصدمة التي أخذتها السيارة الثانية.
стр. 12752
٤- بينما كان قائد السيارة يقود سيارته بسرعة كبيرة في اتجاه مضاد لاتجاه سيارتين، وكانتا تلتزمان يمين الطريق في اتجاهما، إذ بقائد السيارة الأولى ينحرف تجاه السيارتين فصدم بهما على التوالي حيث وقع الحادث وانتهى بوفاته، لا بد هنا أن يقال: إنه هو الذي باشر الصدم ونجم القتل نتيجة لاصطدام فهو المسؤول وهو المباشر، فلا يتحمل سائقها أي مسؤولية مع المباشر لأن الضرر لم ينجم مباشرة عن حركة السيارتين لتدخل أمر بين حركتهما وبين الضرر الناجم، وهو الصدمة التي أحدثتها سيارة المتوفى بهما.
٥- كانت السيارة (أ) يقودها سائقها ويركب معه شخص آخر فحصل تصادم بين هذه السيارة والسيارة (ب) فتوفي قائد السيارة (أ) مع الراكب الذي معه، وكان الصدم نتيجة انحراف السيارة (أ) من الناحية اليمنى إلى الناحية اليسرى من الطريق انحرافا حادا بآثار فرامل ظاهرة طولها عشرون ياردة تقريبا، في الوقت الذي كانت فيه السيارة الثانية آتية من الاتجاه المقابل في خط سيرها الطبيعي، فلا شك أن الذي يتحمل المسؤولية في هذا الحادث هو سائق السيارة (أ) لأنه يعتبر هو المباشر، أما سائق السيارة الأخرى فلا يصدق عليه وصف المباشرة، وإنما هو مجرد متسبب لا يلزمه الضمان إلا إذا كان متعديا.
٦- بينما كان قائد سيارة نقل عام يسير في الطريق العام ملتزما الجانب الأيمن من الطريق كما يمليه واجب القيادة؛ إذ بسيارة نقل خاص قادمة من الاتجاه المضاد تنحرف نحوه تاركة الجانب الأيمن المخصص لها ومقتحمة عليه طريقه، فكان لا بد من اصطدامها به، وترتب على ذلك تهشمها وانقلاب السيارة الأولى ووفاة سائق سيارة النقل الخاص وشخص آخر يركب معه، ولا ريب أن سبب الحادث هنا هو انحراف المتوفى بسيارته النقل الخاص التي كان يركبها المجني عليه الثاني معه من مسارها إلى مسار السيارة النقل العام الذي لم يرتكب خطأ، وإن اعتراض المجني عليه لسيارة النقل العام والاصطدام بها يرتفع إلى مقام الخطأ الجسيم من قبل المجني عليه.
стр. 12753
هذه الأمثلة مع وضوح الحكم فيها إلا أن هناك من القضاة من تبنى فكرة المباشرة بصورة جامدة، ويتأثر نتيجة الضرر إذا كان جسيما وخاصة في حالة الوفاة فيحرص بعض القضاة أن يحكموا بالدية في حالة الوفاة نتيجة حوادث السيارات انطلاقا من مبدأ "لا يبطل دم في الإسلام" وهو مبدأ صحيح، ولكن ليس من عدل الإسلام أن يتحمل الدية من ليست عليه مجرد المباشرة. وبعضهم يحتج بأن النائم إذا وقع على إنسان فقتله يضمن الدية مع أنه ليس له اختيار. وواضح أن هذه المسألة تختلف عن حوادث السيارات، فإن هذه مباشرة بدون واسطة، وفى إمكان النائم قبل أن ينام أن يتحرى ما يمكن أن يحدث لما يصدر منه أثناء نومه فلا يؤذي أحدا، والقتيل في حالة وقوع النائم عليه لم يكن من قبله نشاط أدى إلى حدوث القتل، ونستطيع أن نطبق مبدأ "لا يبطل دم في الإسلام" في حالة ما إذا كان فاعل القتل مجهولا وتعذرت معرفته أو تعذر الحصول عليه، فعند ذلك تتحمل الدولة أو بيت المال الدية، فالأصل أن يتحمل الجاني أو عاقلته الدية فإذا تعذر ذلك يتحمل بيت المال الدية، فلو أن سيارة مجهولة صدمت شخصا ولم يتعرف عليها فإن الدولة هي التي تضمن الدية.
ففي خلافة عمر بن الخطاب ﵁ قتل رجل في زحام فاستشار عمر علي بن أبي طالب ﵁ فقال علي: (لا يبطل دم في الإسلام) فوداه عمر من بيت مال المسلمين وحول وجوب الدية على بيت المال. يقول الشيخ محمد أبو زهرة: الكلام في هذا يحتاج إلى بحث ثلاثة أمور:
الأمر الأول: إذا كانت الدية على العاقلة ولم يكن ثمة عاقلة، لا من عصبة نسبية ولا سببية ولا موالاة – عند من يقول به – أتجب الدية في بيت المال باعتباره عاقلة من ليس له عاقلة، قال بعض التابعين وأبو حنيفة والشافعي تجب الدية في بيت المال، وبنوا ذلك على ثلاثة أمور:
أولها: أن النبي ﷺ دفع دية الأنصاري الذي قتل بين اليهود من بيت المال، وأن عمر بن الخطاب ﵁ ودى رجلا قتل في زحام من بيت المال، وقد أشار عليه بذلك علي بن أبي طالب ﵁ إذ قال له: (لا يبطل دم في الإسلام) .
ثانيها: أن ميراث من لا وارث له يؤول إلى بيت المال، فيكون عليه تبعة بهذا الاعتبار، إذ أن الغرم بالغنم، وحيث آل ماله إذا مات يكون مسؤولا عما يرتكب مما ولا يعترض على هذا بأن تركات أهل الذمة تؤول إليه، فهل يتحمل دياتهم؟ ونجيب عن ذلك بالإيجاب فإنه لا يبطل أيضا دم أحد ممن يستظلون بالراية الإسلامية، ويتحمل التبعة عن كل فعل لا يتحمل تبعته أحد ويكون فيه تعويض للأرواح المقتولة، والنبي ﷺ عندما دفع دية الأنصاري كان يدفع الدية عن الذين تحملوها من اليهود.
ثالثها: أن الدولة مسؤولة بمقتضى التكافل الاجتماعي عن كل دم، حتى لا يذهب دم هدرا.
والذين أوجبوا الدبة عن بيت المال أوجبوها في بيت مال الضوائع التي تؤول إليه التركات التي لا يعرف لها وارث، فكانت ضامنة بهذا الاعتبار، وهذا رأي أبي حنيفة، والشافعي، والحنابلة لا يوجبون ذلك وقولهم غير راجح.
الأمر الثاني: الذي يجب بحثه، أنه إذا لم يمكن أداء من بيت المال أيذهب الدم هدرا؟ قال بعضهم: يذهب الدم هدرا، إذ لا يوجد من يلتزم، ولكن الحق أنه لا يسقط، وهو القول الآخر، بل يستمر الوجوب عن بيت المال وغيره؛ لأن التقصير في الأداء لا يسقط الدين، بل تجب الدية عن القاتل، وإن لم يكن عنده استمرت عن بيت المال، والأداء واجب عليه حتى يؤدي.
стр. 12754
الأمر الثالث: الذي يجب بحثه إذا كان الأداء عن القاتل بسبب عفو ولي الدم، وعجز عن أداء ما وجب عليه، أتجب الدية على بيت المال؟ إن الذين قالوا: إن ما يجب من مال يكون بصلح، يعتبرونه دينا كسائر الديون يكون الأداء فيه عند الميسرة، لقوله تعالى في شان الديون: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] .
والذين قالوا: إن الواجب هو الدية، وتكون على الجاني لا ينقلونها إلى بيت المال، ولكن تكون نظرة إلى ميسرة، وهم لا يقررون انتقال الدين إلى بيت المال في حال ما إذا كان الأداء واجبًا على العاقلة، فأولى ألا ينتقل الأداء إليه، عندما يكون الوجوب عن الجاني نفسه، والأمر في هذا يرجع إلى الذين عفوا، فعليهم الانتظار حتى يتيسر، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] وليس من الاتباع بالمعروف اتباع المعسر، كما أنه ليس من الأداء بإحسان المطل.
ويصح أن يكون الأداء من بيت مال الزكاة من سهم الغارمين المذكور في القرآن الكريم، وقد بينا ذلك في بحث الزكاة فارجع إليه (١) .
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم – رئيس القضاء السابق بالمملكة العربية السعودية – ﵀: ما يجب على بيت المال دفعه من الديات والديون في حالات:
الأولى: إذا مات أحد المسلمين وعليه دين دية أو غيرها من الديون، ولم يخلف له وفاء فعلى ولي الأمر قضاؤه من بيت المال كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة.
الثانية: إذا جنى إنسان على آخر فقتله وكانت الجناية خطأ أو شبه عمد ولم يكن له عاقلة موسرة، فالمشهور من المذهب أن الدية تكون في بيت المال، وإن كان له عاقلة موسرة فعليها الدية إن صدقته.
الثالثة: إذا حكم القاضي بالقسامة في قضية القتل، فنكل الورثة على حلف أيمان القسامة ولم يرضوا بيمين المدعى عليه وداه الإمام من بيت المال.
الرابعة: كل مقتول جهل قاتله: كمن مات في زحمة أو طواف أو نحو ذلك فديته في بيت المال، أما الدية التي يحكم بها على الجاني لكون القتل عمدا فتجب عليه في ماله حالة، وتكون من ضمن الديون في ذمته: إن كان موسرا ألزمه الوفاء، وإن كان معسرا فنظرة إلى ميسرة، ويسوغ أن يدفع له في حالة إعساره من الزكاة ما يوفي به هذه الدية لأنه من الغارمين الذين هم أحد أصناف الزكاة الثمانية، فإن مات مدينا فعلى ولي الأمر قضاء دينه من بيت مال المسلمين. قال الشيخ تقي الدين: وتؤخذ الدية من الجاني الخطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء إذا رأى الإمام المصلحة فيه، ونص على ذلك الإمام أحمد، ويتوجه أن يعقل ذوو الأرحام عند عدم العصبة إذا قلنا: تجب النفقة عليهم (٢) .
стр. 12755
الحوادث التي تسببها البهائم للسيارات:
ومن المعلوم أن الدول قد خصصت طرقا للسيارات لا يمر فيها المشاة، ولا تسمح لمالكي المواشي أن يتركوا مواشيهم مهملة عند هذه الطرق، وذلك لما يترتب من حوادث السير عندما تمر الماشية أمام السيارة ويحصل الاصطدام، ويؤدي ذلك إلى تلف في الأرواح والممتلكات، فإذا خالف أرباب المواشي التنبيهات والأوامر التي يصدرها ولي الأمر، وتركوا مواشيهم ترعى بالقرب من طريق السيارات ولم يحفظوها ويمنعوها عن الذهاب إلى طرق السيارات، فما الحكم إذا حصلت الأضرار بسبب اعتراض البهيمة لطريق السيارة وحصول الاصطدام؟
لا شك أننا لم نجد نصا فقهيا واضحا يتعلق بهذا الموضوع، وفقهاؤنا معذورون في ذلك لعدم وجود السيارات في عصرهم، وقد اقتصر بحثهم على ما تتلفه البهائم مستندين إلى حديث البراء بن عازب ((قضي رسول الله ﷺ أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية على أهل الماشية)) ، وحديث ((العجماء جبار)) وبسبب تعارض هذين الحديثين اختلفت وجهات نظر الفقهاء، وبعضهم وفق بين الحديثين، فتكون جنايتها جبار في حال وغير جبار في حال أخرى، فذكر الفقهاء مسائل فضمنوا المالك ما تتلفه بهيمته إذا فرط في حفظها، كما ضمنوا راكب البهيمة المتصرف فيها، وكذا السائق والقائد جناية يدها وفمها ووطئها برجلها، ولا يضمن من نفحت برجلها أو بذنبها، لأنه لا يمكنه أن يمنعها منه، ومن نفر البهيمة أو نخسها ضمن وحده جنايتها دون المتصرف فيها لأنه المتسبب، ومن ذلك أيضا لو حل رباطا عن نحو فرس أو حل قيدا عن مقيد فذهب ما فيه أو تلف ما فيه شيء ضمنه، لأنه تلف بسبب فعله كربط دابة في طريق ضيق أو طرح نحو حجر بها فيضمن ما تلف بذلك، وكذا لو ربط دابة أو أوقفها بطريق واسع ويده عليها فأتلفت شيئا أو جنت بيدها أو رجلها أو فمها ضمن، ومثله لو اقتنى كلبا عقورا فيضمن إذا عقر.
стр. 12756
هذه الأمثلة ذكرها الفقهاء، ونتساءل: فهل في إمكاننا على ضوء ذلك أن نجعل إهمال صاحب الناقة مثلا لناقته التي تركها تذهب إلى طريق السيارات أن يتحمل مسؤولية ما يترتب على اعتراضها للسيارات وما تسببه من حوادث، ويغرم الديات والأورش، وقيمة الأموال التي تلفت بسببها، حيث تصطدم بها السيارة ولا يستطيع قائدها أن يتلافى الحادث خاصة في الطرق الطويلة التي تسرع فيها السيارات؟
وهنا نجد قرارا لهيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية نقله فضيلة الشيخ عبد الرحمن البسام في تعليقه على كتاب (نيل المآرب) ونصه ما يلي:
عدم ضمان البهائم التي تعترض الطرق العامة المعبدة بالأسفلت إذا تلفت نتيجة اعتراضها الطريق المذكورة، فصدمت فهي هدر، وصاحبها آثم بتركها وإهمالها لما يترتب على ذلك من أخطار جسيمة تتمثل في إتلاف الأنفس والأموال، وتكرار الحوادث المفجعة، ولما يترتب على حفظها وإبعادها عن الطرق العامة من أسباب السلامة وأمن الطرق، والأخذ بالحيطة، وحفظ الأموال والأنفس تحقيقا للمقتضى الشرعي وتحريا للمصالح العامة، وامتثالا لأوامر ولي الأمر (١) .
هذا القرار حل جزءا من المشكلة، وهو إهدار البهيمة على صاحبها، وعدم استحقاقه لشيء مقابل تلفها، وهذا يعني أن هيئة كبار العلماء ضمنت مالك البهيمة قيمة بهيمته عندما قررت أنها هدر، ألا يمكن أن نقول: إنه أيضا يضمن ما سببته بهيمته بسبب إهماله لها من أضرار أخرى ترتبت على الحادث فيما لو أدى الحادث إلى موت سائق السيارة فيضمن الدية، ويضمن التلف الذي حصل بالسيارة؟
стр. 12757
وما الذي يمنع من ذلك خاصة إذا أمر ولي الأمر أصحاب المواشي أن يحفظوا مواشيهم ولا يهملوها وأنذرهم بأنهم يتحملون المسؤولية في حالة دخول أي بهيمة إلى الطريق العام الذي تسير فيه السيارات، وإذا كانت هيئة كبار العلماء قد صرحت بأن مالك البهيمة يأثم في هذه الحالة، ألا يمكن أن يترتب على هذا الإثم مسؤولية حقوقية نحو الآخرين الذين تضرروا بسبب هذا الإثم؟ أعتقد أن علماء الإسلام في مجمع الفقه الإسلامي من واجبهم شرعا أن يحسموا هذه المشكلة بقرار فقهي يضمن أولئك الذين خالفوا أوامر ولي الأمر، وأهملوا مواشيهم تذهب إلى طريق السيارات، تعرض حياة الناس وأموالهم للخطر، وأمر طبيعي أن يكون ذلك بعد أن يتأكد القاضي أن سائق السيارة كان ملتزما نظام السير، ولم يصدر منه أي تهور أو تقصير، وليس في إمكانه تلافى الحادث.
والذي نراه أن النقابات في هذا العصر يمكن أن تقوم مقام العاقلة في البلدان التي فيها النقابات، كما أن التأمين التعاوني أيضا يمكن أن يقوم مقام العاقلة، لكن إذا لم تكن هناك نقابات، وليس هناك تأمين تعاوني فهل يجوز للمسلم أن يؤمن ضد الحوادث في شركات التأمين التجارية باعتبار أن ذلك ضرورة ملحة تقتضيها حاجات الإنسان الحياتية في هذا العصر خاصة في حالة إلزام الدولة بالتأمين لكل من يريد أن يسوق سيارة؟ أعتقد أن ذلك جائز للفرد لأنه لا حيلة له إذا كانت هناك مسؤولية فهي على المسلمين جميعا بوقوفهم موقفا سلبيا، ولم يضعوا حلولا مناسبة تتفق مع شريعتهم من كل النواحي، ونرى من المناسب هنا أن ننقل فتوى الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود – التي تجيز التأمين ضد حوادث السيارات ونصها:
(التأمين على السيارات)
إن الله سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيه بين الحلال والحرام بيانا واضحا فقال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل:١١٦] ، وقال: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩] .
стр. 12758
وفي البخاري ومسلم: عن النعمان بن بشير، أن النبي ﷺ قال: ((الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)) .
فأخبر النبي ﷺ في هذا الحديث أن الحلال المحض بين واضح لا مجال للشك فيه، وأن الحرام المحض بين لا يختلج في القلب الجهل به، ولكن بينهما أمور مشتبهات لا يعلم أكثر الناس حقيقة الحكم فيها، هل هي من الحلال أو من الحرام؟ ومفهوم الحديث أن القليل من الناس وهم أهل العلم والمعرفة يعرفون حكم الله في هذه المشتبهات، فيلحقون الحلال بنظيره من الحلال، والحرام بنظيره من الحرام.
فالذين يخاف عليهم من الوقوع في الحرام عند مقاربتهم للمشتبهات هم العوام الذين تحفى عليهم غوامض الأحكام، ويتجاسرون على الأشياء المشتبهات بدون سؤال عن الحلال والحرام، كان أن العلماء ينبغي أن يتركوا المشتبهات عندما يخفى عليهم طريق الحكم فيها، لحديث: ((دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)) .
ثم إن هذه المشتبهات تقع في العقود والشروط والمبايعات، والأنكحة والأطعمة والرضاع، وقد ترجم عليها البخاري في صحيحه، فقال: (باب تفسير المشتبهات) ، ثم ساق بسنده عن عقبة بن الحارث أنه تزوج أم يحيى بن أبي إهاب، فجاءت امرأة سوداء فقالت: إني قد أرضعتكما، فسأل النبي ﷺ فقال: كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة ونكحت زوجا غيره، ثم ذكر حديث عبد الله بن زمعة مع عتبة بن أبي وقاص، حيث قال رسول الله ﷺ : ((الولد لك يا عبد الله بن زمعة واحتجبي منه يا سودة)) . فأمر سودة أن تحتجب عنه مع أنه محكوم بكونه أخاها، لكن لما رأى قرب شبه بعتبة بن أبي وقاص أمرها أن تحتجب عنه، وهو من باب اتقاء الشبهات.
فمن هذه المشتبهات ما قع مشكلا مشتبها في وقت إلى أن يتصدى له من يخرجه من حيز الاشتباه والغموض إلى حيز التجلي والظهور حتى يصير واضحا جليا لا مجال فيه للاشتباه.
فمن هذا النوع قضية التأمين على السيارات فهي وإن أشكل على الكثير من الناس حكمها من أجل تجدد حدوثها وغموض أمرها، وعدم سبق الحكم من الفقهاء فيها باسمها، فإن لها في الفقه الإسلامي أشباها ونظائر ينبغي أن ترد إليها ويؤخذ قياسها منها، كما يرد الفرع إلى أصله والنظير إلى نظيره.
وهذا يعد من القياس الصحيح الذي نزل به الكتاب والسنة وعمل به الصحابة ﵃، فإنهم كانوا يمثلون الوقائع بنظائرها ويشبهونها بأمثالها، ويردون بعضها إلى بعض في أحكامها، ففتحوا للعلماء باب الاجتهاد ونهجوا لهم طريقه وبينوا لهم سنة تحقيقه وتطبيقه، كما سيأتي بيانه.
стр. 12759
(الأصل في العقود الإباحة حتى يقوم دليل التحريم)
ذهب الإمام أبو حنيفة – ﵀ – إلى أن الأصل في العقود والشروط الحظر إلى أن يقوم دليل الإباحة، وهذا هو مذهب الظاهرية وعليه تدل نصوص الإمام الشافعي وأصوله، وذهب الإمام مالك إلى أن الأصل في العقود الإباحة إلا ما دل الدليل على تحريمه، وعليه تدل نصوص الإمام أحمد وأصوله، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية – ﵀.
فقد قال شيخ الإسلام – ﵀: "إن الأصل في العقود الصحة والجواز، ولا يحرم ويبطل منها إلا ما دل الشرع على إبطاله وتحريمه بنص صحيح أو قياس صريح". قال: "وأصول الإمام أحمد المنصوصة عنه تجري على هذا القول ومالك قريب منه" – انتهى (١) .
وقد نهج هذا المنهاج العلامة ابن القيم – ﵀ – قال: (الخطأ الرابع: فساد اعتقاد من قال: إن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملتهم على البطلان حتى يقوم دليل الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة عقد أو شرط أو معاملة، استصحبوا بطلانه فأفسدوا بذلك عقودا كثيرة من معاملات الناس وشروطهم بلا برهان من الله بناء على هذا الأصل، وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة، حتى يقوم الدليل على البطلان، وهذا القول هو الصحيح، فإنه لا حرام إلا ما حرم الله ورسوله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله) (٢) .
إذا ثبت هذا، فإن صفقة عقد التأمين على حوادث السيارات، وهو أن يتفق الشخص الذي يريد التأمين على سيارته مع شركة التأمين، سواء كان التأمين كاملا أو ضد الغير، فيدفع قدرا يسيرا من المال على تأمينها مدة معلومة من الزمان، كعام كامل بشروط وقيود والتزامات معروفة عند الجميع. من أهمها: كون السائق يحمل رخصة سياقة، فمهما أصيبت هذه السيارة أو أصابت غيرها بشيء من الأضرار في الأنفس والأموال خلال المدة المحددة، فإن الشركة ملزمة بضمانه بالغا ما بلغ.
стр. 12760
ويستفيد المؤمِّن على سيارته حصول الأمان والاطمئنان على نفسه وعلى سيارته التي يسوقها بنفسه، أو يسوقها رجل فقير لا مال له ولا عاقلة، فيستفيد عدم المطالبة والمخاصمة في سائر الحوادث التي تقع بالسيارة متى كان التأمين كاملا، وتقوم شركة التأمين بإصلاحها عند حدوث شيء من الأضرار بها، ومثل هذا الأمان والاطمئنان يستحق أن يبذل في حصوله نفيس الأثمان.
وليس فيه من المحذور سوى الجهالة بالأضرار التي قد تعظم في بعض الأحوال فتقضي بهلاك بعض النفوس والأموال وقد لا تقع بحال.
وهذه الجهالة مغتفرة من سائر الضمانات، فقد ذكر الفقهاء صحة الضمان عن المجهول وعما لا يجب.
قال في المغني: ويصح ضمان الجنايات، سواء كانت نقودا كقيم المتلفات أو نفوسا كالديات؛ لأن جهل ذلك لا يمنع وجوبه بالإتلاف فلم يمنع جوازه بالالتزام قال: ولا يشترط معرفة الضمان عنه ولا علمه بالمضمون به لصحة ضمان ما لم يجب... اهـ.
стр. 12761
وهذه هي نفس قضية التأمين على ضمان حوادث السيارات، ثم إن هذه الجهالة في عقد التأمين لا تفضي إلى نزاع أبدا، لتوطين الشركة أمرها في عقدها على التزام الضمان بالغا ما بلغ فلا تحس بدفع ما يلزمها من الغرامة في جنب ما تتحصل عليه من الأرباح الهائلة.
وقد دعت إليها الحاجة والضرورة في أكثر البلدان العربية، بحيث لا يمنح السائق رخصة السياقة إلا في سيارة مؤمنة وإلا اعتبروه مخالفا لنظام سير البلد، وهذه مما يزول بها شبهة الشك في إباحتها وتتمخض للجواز بلا إشكال.
وفي هذا التأمين مصلحة كبيرة أيضا، وهي أن المتصرفين بقيادة السيارات هم غالبا يكونون من الفقراء الذين ليس لهم مال ولا عاقلة، فمتى ذهبت أرواح بعض الناس بسببهم وبسوء تصرفهم فلن تذهب معها دياتهم لورثتهم، بل يجب أن تكون مضمونة بهذه الطريقة.
إذ من المعلوم أن حوادث السيارات تقع دائما باستمرار، وأن الحادثة الواحدة تجتاح هلاك العدد الكثير من الناس، ومن الحزم وفعل أولي العزم ملاحظة حفظ دماء الناس وأموالهم.
وهذا التأمين وإن كان يراه الفقير أنه من الشيء الثقيل في نفسه ويعده غرامة مالية عليه حال دفعه لكنه يتحمل عنه عبئا ثقيلا من خطر الحوادث، مما يدخل تحت عهدته ومما يتلاشى معها ما يحس به من الغرامة لكون المضار الجزئية تغتفر في ضمن المصالح العمومية... والله أعلم.
стр. 12762
(إزالة الشبهات اللاحقة لتأمين السيارات)
إن العقود والشروط والشركات والمبايعات كلها مبنية على جلب المصلحة ودرء المفسدة، بخلاف العبادات، فإنها مبنية على التشريع والاتباع لا على الاستحسان والابتداع. والفرق بينهما هو أن العبادات حق الله، يؤخذ فيها بنصوص الكتاب والسنة. أما المعاملات، فإنها مبنية على جلب المصلحة ودرء المفسدة، إذ هي من حقوق الآدميين بعضهم مع بعض، بحيث يتعامل بها المسلم مع المسلم، والمسلم مع الكافر، فمتى كان الأمر بهذه الصفة، فإنه ليس عندنا نص صحيح ولا قياس صريح يقتضي تحريم هذا التأمين يعارض به أصل الإباحة أو يعارض به عموم المصلحة المعلومة بالقطع. إذ العقود والشروط عفو حتى يثبت تحريمها بالنص أو بالقياس الصحيح.
والتحريم هو حكم الله المقتضي للترك اقتضاء جازما كما حققه أهل الأصول، وهذه الشركة المنعقدة للتأمين إن رأت في نفسها من مقاصدها أو رآها الناس أنها تجارية استغلالية. لكن حقيقة الأمر فيها والواقع منها أنها يتحصل منها اجتماع المنفعتين منفعتها في نفسها في حصول الأرباح لها ومنفعة الناس بها، فهي شركة تعاونية محلية اجتماعية تشبه شركة الكهرباء والأسمنت وغيرهما، فكل هذه الشركات تدخل في مسمى التعاون بين الناس؛ لأن الشخص غني بإخوانه قوي بأعوانه، ويد الله مع الشريكين، ما لم يخن أحدهما صاحبه، فهي من جنس المشاركة بالوجوه ومشاركة الأبدان ومشاركة المفاوضة. وقد حصل الخلاف قديما بين الفقهاء في جواز هذه المشاركات، فمنهم من قال بجوازها، ومنهم من قال بمنعها، كما حصل الخلاف في شركة التأمين على حد سواء، ثم زال الخلاف عن هذه الشركات كلها واستقر الأمر على إباحتها على اختلاف أنواعها.
стр. 12763
ووجه الإشكال دعوى دخولها في مسمى الجهالة والغرر الذي نهى عنه الشارع. كما روى مسلم في صحيحه: قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر) .
وفسر هذا الغرر المنهي عنه بثلاثة أمور:
(أحدها) المعدوم: كبيع حبل الحبلة، وبيع ما في بطون الأنعام، وبيع ما ليس عندك ونحوه.
(الثاني) بيع المعجوز عن تسليمه: كبيع الآبق.
(الثالث) المجهول المطلق: كبعتك عبدا من عبيدي أو ما في بيتي، ومنه بيع الحصاة وبيع الملامسة والمنابذة، وضربة الغائص، وبيع الحظ والنصيب المسمى باليانصيب، فكل هذه داخلة في بيع الغرر المنهي عنه شرعا، لكونها يقع فيها النزاع غالبا نظير ما يقع في القمار، فإن هذا العبد الآبق إنما يبيعه صاحبه بدون ثمن مثله مخاطرة، فإن تحصل عليه قال البائع: غبنتني، فإن لم يجده قال المشتري: غبنتني رد علي ثمني.
وهذا المعنى منتف في هذه المشاركة التي مبناها على التعاون الاجتماعي الصادر عن طريق الرضاء والاختيار بدون ضرر ولا خداع.
فجواز المشاركة هذه أشبه بأصول الشريعة، وأبعد عن كل محذور، إذ هي مصلحة محضة للناس بلا فساد.
غير أن فيها تسليم شيء من النقود اليسيرة في توطيد تأمين السيارة، ومن السهل أن يختصرها الشخص من زائد نفقته كذبيحة يذبحها لأدنى سبب أو بلا سبب؛ لأن كل عمل كهذا فإنه يحتاج بداعي الضرورة إلى مال ينظمه ويقوم بالتزام لوازمه، وليس عندنا ما يمنع بذل المال في التزام الضمان كما قالوا بجواز: اقترض لي ألفا ولك منه مائة، وأنه جائز، ومنه ضمان الحارس بأجره.
стр. 12764
فصحة هذا الضمان، والتزام لوازمه يتمشى مع نصوص الإمام أحمد وأصوله.
قال في المغني: (دلت مسألة الخرقي على ضمان المجهول كقوله: ما أعطيته فهو علي، وهذا مجهول، فمتى قال: أنا ضامن لك ما على فلان، أو ما يقضي به عليه، أو ما تقوم به البينة، أو ما يقر به لك، أو ما يخرجه الحساب، صح الضمان بهذا كله، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك) .
قال: (وفيه صحة ضمان ما لم يجب، وصحة الضمان عن كل من وجب عليه حق، وفيه صحة الضمان في كل حق من الحقوق المالية الواجبة، أو التي تؤول إلى الوجوب) اهـ.
وقال في المغني أيضا:
(ويصح ضمان الجنايات، سواء كانت نقودا كقيم المتلفات أو نفوسا كالديات؛ لأن جهل ذلك لا يمنع وجوبه بالإتلاف فلم يمنع جوازه بالالتزام) . قال: (ولا يشترط معرفة الضمان للمضمون عنه ولا العلم بالمضمون به) .
وهذه هي نفس قضية ضمان التأمين على السيارات، فإن شركة التأمين تلتزم ضمان الديات وأروش الجنايات وقيم المتلفات، كما ذكر جوازه صاحب المغني والشرح الكبير والإقناع، ولا يقدح في صحته جهل الضامن للمضمون به ولا المضمون عنه، فنصوص الإمام أحمد وأصوله تتسع لقبولها كنظائرها من الضمانات وكذلك الإمام مالك وأبو حنيفة كما ذكرنا موافقتهما على ذلك.
стр. 12765
غير أن الإمام أحمد أكثر تصحيحا للعقود والشروط من سائر الأئمة، ونصوص مذهبه تساير التطور في العقود المستحدثة.
وإنما وقع اللبس فيها على من قال بتحريمها من علماء هذا العصر، كابن عابدين وغيره من جهة أنهم اعتقدوها قمارا أو جهالة أو غررا، أو التزام ما لا يلزم، أو كونها على عمل مجهول قد يفضي إلى غرامات باهظة.
ويتمسكون بما بلغهم من العمومات اللفظية، والقياسات الفقهية التي اعتقدوا شمولها لمثل هذا العقد، يظنونها عامة أو مطلقة وهي لا تنطبق في الدلالة والمعنى على ما ذكروا، أو يعللون بطلان مثل هذا العقد بكونه لم يرد به أثر ولا قياس.
والله سبحانه قد أمر عباده بالوفاء بالعقود في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهو شامل لكل عقد يتعاقده الناس فيما بينهم ويلتزمون الوفاء به، ولم يكن قمارا ولا ربا ولا خديعة.
إذ الأصل في العقود الصحة والإباحة إلا ما قام الدليل على تحريمه، لكون العقود والشروط والمشاركات من باب الأفعال العادية التي يفعلها المسلم مع الكافر، وليست من العبادات الشرعية التي تفتقر إلى دليل التشريع.
стр. 12766
فمن أعطى الشركة مالا على حساب التزام ضمان سيارته بطيب نفس منه والتزمت الشركة لوازمه، فإن مقتضى الشرع يحكم بصحة هذا الضمان، أخذا من قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] ، ومن قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وفي الحديث: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه)) ، وهذا العوض قد خرج عن طيب نفس من مالك السيارة ومن الشركة، فثبت بذلك إباحته، وقواعد الشرع لا تمنعه لأنه عمل مقصود للناس يحتاجون إليه، وربما يجبرون بطريق النظام عليه، إذ لولا حاجتهم إليه لما فعلوه؛ لأن المال عزيز على النفوس لا تسخو ببذله إلا في سبيل منفعتها، وفي هذا النظام هو في حاجة إلى تأمين سيارته لحصول الاطمئنان والأمان عما عسى أن ينجم عنها من حوادث الزمان.
وبما أن هذه الشركة هي من ضمن العقود التي أمر الله بالوفاء بها ومن حسن التجارة الواقعة بين الناس بالتراضي، ومن جنس المشاركة بالأبدان، والوجوه والمفاوضة، فإنها أيضا من جنس الصلح الجائز بين المسلمين، لما روى أبو داود والدارقطني من حديث سليمان بن بلال، حدثنا كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة، قال: (قال رسول الله ﷺ : ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، والمسلمون على شروطهم)) . وكثير بن زيد قال يحيى بن معين: هو ثقة، وضعفه في موضع آخر، وروى الترمذي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ((الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا)) . قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن هذا الحديث يترقى إلى الصحة بتعدد طرقه، مع العمل عليه بإجماع أهل العلم.
стр. 12767
فهذا الاشتراك الاجتماعي الأهلي المنعقد للضمان في تأمين حوادث السيارات يعتبر من التعاون المباح، وما ينتج عنه من الأرباح فحلال لا شبهة فيه، أشبه بشركات الكهرباء والأسمنت ونحوها، ويدخل في عموم الصلح الجائز بين المسلمين وإباحته تتمشى على ظاهر نصوص مذهب الإمام أحمد.
قال في الإقناع: (وهو من الكتب المعتمدة عند الحنابلة لمؤلفه – موسى الحجاوي) : ويصح ضمان أروش الجنايات نقودا كانت كقيم المتلفات أو حيوانا، كالديات، لأنها واجبة أو تؤول إلى الوجوب .... اهـ.
وسبق قول صاحب المغني:
وهذه تشبه قضية ضمان التأمين على السيارات، حيث تلتزم الشركة ضمان الديات وأروش الجنايات وقيم المتلفات، كأضرار السيارات ونحوها من كل ما هو واجب بالضمان أو يؤول إلى الوجوب، ولا يشترط معرفة المضمون ولا المضمون به.
ولا يقدح في صحة هذا الضمان كون المؤمن على سيارته يدفع شيئا من المال، فإن هذا لا يقدح في صحة الضمان والحالة هذه، إذ ليس عندنا ما يمنعه.
ولا يقدح في صحة هذا الضمان تبرع الشركة بدفع الديات وقيم الأضرار والمتلفات بدون رجوع فيه إلى الحد، فإن هذا كله جائز على قواعد المذهب، إذ من المعلوم شرعا وعرفا أن الجناية تتعلق بالجاني المباشر لها في خاصة العمد، وعلى العاقلة في قتل الخطأ فيما زاد على الثلث من الدية؛ غير أن التزام الشركة بضمان هذه الجنايات، وإن عظم أمرها وعدم الرجوع على أحد في غرمها أنه صحيح جائز، وهو مما يجعل الجاني الذي لم يتعمد وكذا عاقلته في راحة عن المطالبة والغرامة، وهو خير من كونهم يتكففون الناس في سؤال هذه الغرامة أعطوهم أو منعوهم.
стр. 12768
وغاية ما يدركون عليها في الجهالة عن قدر الغرامة، وهي مغتفرة فيها كسائر أمثالها من الضمانات والشركات التي لا تخلو من الجهالة كشركة الأبدان والوجوه والمفاوضة، فإن فيها كلها شيئا من الجهالة، وقد تكلم بعض الفقهاء المتقدمين بعدم جوازها من أجله، ثم استقر الأمر على أن مثل هذه الجهالة مغتفرة.
قال في الإقناع: "ويصح ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول كضمان السوق، وهو أن يضمن ما يجب على التاجر للناس من الديون، وهو جائز عند أكثر أهل العلم كمالك وأبي حنيفة وأحمد " اهـ.
وقال في الاختيارات: "ويصح ضمان المجهول، ومنه ضمان السوق، وهو أن يضمن ما يلزم التاجر من دين وما يقبضه من عين مضمونة وتجوز كتابته والشهادة به لمن لم ير جوازه؛ لأن ذلك محل اجتهاد " اهـ.
فهذه المشاركات وما يترتب عليها من الالتزامات التي هي بمعنى الضمانات كلها من الأشباه والأمثال والنظائر، التي يجب أن يقاس بعضها على بعض في الإباحة كشركة الأبدان وشركة الوجوه وشركة المفاوضة، ومثله شركة الكهرباء والأسمنت، ولأن حمل معاملة الناس وعقودهم وشروطهم على الصحة حسب الإمكان أولى من حملها على البطلان بدون دليل ولا برهان ... والله أعلم (١) .
الديات والكفارة
إذا أدى حادث السير إلى الوفاة فإن المخطئ يتحمل الدية، وعليه الكفارة باعتباره قتل خطأ من قبله، وقد تقدم أن الدية تكون على العاقلة، والعاقلة عند جمهور الفقهاء هم العصبة من الذكور، وعند الأحناف ورواية للمالكية هم أهل الديوان، إن كان الجاني من أهل الديوان، وإلا فعاقلته عصبته، والديوان هو: الزمام الذي يجمع فيه الإمام أفراد الجند على عطاء يخرج لهم من بيت المال في أوقات معلومة.
стр. 12769
وقال أبو بكر الأصم وابن علية: إن دية قتل الخطأ يتحملها الجاني نفسه ولا شيء على العاقلة، ودليلهما أن تحرير الرقبة المؤمنة في الآية واجب على القاتل، فكذلك الدية في الموضعين (١) .
وعلى الرغم من أن حجة الجمهور هي الأقوى حيث ورد في السنة أحاديث صحيحة في ذلك إلا أنه في العصر الحاضر يتعذر من الناحية العملية الحكم على العاقلة، وفي إمكاننا هنا أن نعتمد على قول شيخ الإسلام ابن تيمية في الاختيارات حيث قال: (وتؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة في أصح قولي العلماء، ولا يؤجل على العاقلة إذا رأى الإمام المصلحة فيه، ونص على ذلك الإمام أحمد) (٢) .
وإذا لاحظنا أن الأئمة اختلفوا في من يتحمل الدية ابتداء هل هو الجاني أو العاقلة، ورجحنا القول أن الذي يتحملها ابتداء هو الجاني كما يقول أبو حنيفة ومالك، والمذهب عند الحنابلة، استطعنا أن نقول: إنه يحكم على الجاني بالدية، ثم له الحق أن يطالب عاقلته إن كانت له عاقلة.
ويقول الأستاذ عبد القادر عودة (٣) – ﵀: "إن نظام العاقلة على ما فيه من عدالة لا يمكن أن يقوم في عهدنا الحاضر؛ لأن أساسه وجود العاقلة، وهي ليس لها وجود الآن إلا في النادر، والنادر لا حكم له، فلا محيص من الأخذ بأحد الرأيين اللذين أخذ بهما الفقهاء من قبل؛ إما الرجوع على الجاني بكل الدية، أو الرجوع على بيت المال، والرجوع على الجاني يؤدي إلى إهدار دماء أكثر المجني عليهم لأن المتهمين فقراء، وهذا لا يتفق مع أغراض الشريعة التي تقوم على حفظ الدماء وحياطتها، وعدم إهدارها، والرجوع إلى بيت المال يرهق الخزانة العامة، ولكنه يحقق المساواة والعدالة، ويحقق أغراض الشريعة، والخوف من إرهاق الخزانة لا يقف حائلا دون تحقيق المساواة والعدالة، ولا يصح أن يحول دون تحقيق أغراض الشريعة، فالحكومة تستطيع أن تدبر أمرها بفرض ضريبة عامة يخصص دخلها لهذا النوع من التعويض، وتستطيع أن تفرض ضريبة خاصة على المتقاضين لهذا الغرض، وإذا كانت الحكومات العصرية تلزم نفسها بإعانة الفقراء أو العاطلين فأولى أن تلزم نفسها بتعويض ورثة القتيل المنكوبين، ولقد سبقتنا بعض البلاد الأوربية إلى هذا العمل فأنشأت صندوقا - لتعويض المجني عليه في الجرائم - إيراده المبالغ المتحصلة من الغرامات التي تحكم بها المحاكم، وهذا هو بالذات ما قصدته الشريعة الإسلامية من نظام العاقلة ".
стр. 12770
مقدار الدية
كانت دية النفس في الجاهلية مائة من الإبل، وجاء الإسلام فأقر هذا القدر من الإبل وفرض إلى جانبها الفضة والذهب والبقر والشياه والحلل حسب البيئات، قال ابن أبي ليلى: وكانت الدية في الجاهلية مائة من الإبل فأقرها الرسول ﷺ ، ثم إنه فرض على أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشياه ألفي شاة، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل اليمن الحلل مائة حلة (١) .
وفي هذا العصر قررت الدولة الإسلامية التي تحكم بالشريعة في القتل مبلغا مناسبا حسب الظروف الاقتصادية لكل دولة باعتبار أن ذلك المبلغ يقابل قدر الدية في الفقه الإسلامي، وبعض الدول ساوت بين المسلمين وغير المسلمين في الدية اعتمادا على قول الإمام أبي حنيفة، ولعل هذا الرأي هو الأجدر بالتطبيق، فقد قال سيدنا علي ﵁: "إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا" ويؤيد ذلك ظاهر الآية: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] .
دية المرأة
يكاد الفقهاء يجمعون على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل، ولم ينقل عن أحد من الفقهاء أنها مثل الرجل إلا ما نقل عن ابن علية والأصم، وحجتهما أن الآية لم تذكر أن دية المرأة على النصف من دية الرجل فهي عامة، فالمرأة تدخل في تعبير المؤمن كما هو المعهود في نصوص الشرع.
فالآية عامة، وليس هناك مخصص لهذا العموم لا آية قرآنية ولا حديث نبوي صحيح، بل يؤكد ذلك ما جاء في حديث عمرو بن حزم في أوله: ((وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل)) وكلمة نفس تطلق على الذكر والأنثى، كما أن الرجل يقتل بالمرأة فتعين أن تكون ديتها كديته، وكتاب عمرو بن حزم هذا الذي قال فيه: إن دية المرأة على النصف من دية الرجل، هذه الجملة في بعض الروايات وليست في كل الروايات، وهو حديث لم يبلغ من قوة السند ما يمكن به التخصيص.
стр. 12771
ولكن قد يقال: من حيث المعقول، إن المرأة في الغالب ليس في فقدها على أهلها خسارة مادية كما هو في فقد الرجل المكلف بمسؤوليات أكبر من متطلبات الأسرة المادية؛ فجاءت ديتها أقل من دية الرجل، وليس ذلك لأنها أقل إنسانية منه؛ لأن الدية ليست هي مقابل الإنسان ولكنها تعويض للأسرة عما فقدوه بموت مورثهم الذي يكون في الغالب هو عائل الأسرة.
دية الجنين
إذا سقط الجنين ميتا بجناية على أمه عمدا أو خطأ فيه غرة، وهي نصف عشر دية الأب أو عشر دية الأم (١) .
ويرى الفقهاء أنه لا تتحقق الجناية على الجنين إلا إذا انفصل من أمه وعللوا ذلك بأنه هناك شك في وجود الجنين قبل أن ينفصل عن أمه، ولكن بعد تقدم الوسائل الطبية كما يقول الأستاذ عبد القادر عودة: نستطيع أن نقول: إن الرأي الذي يجب العمل به هو مسؤولية الجاني إذا تبين بصفة قاطعة أن الانفصال ناشيء عن فعل الجاني سواء انفصل في حياة أمه أو بعد وفاتها (٢) .
ديات الأعضاء والمعاني والأروش
الأعضاء التي تجب فيها الدية أربعة أنواع:
الأول – الذي لا نظير له في البدن: وهي الأنف واللسان والذكر والصلب ومسلك البول ومسلك الغائط، وهذه في كل منها دية كاملة في المذاهب الأربعة، أما الجلد فالشافعي يرى فيه الدية إن سلخ جميعه، ويرى مالك أن الدية تجب في الجلد إذا فعل الجاني فعلا كأن جذمه أو برصه أو سوده، أما أبو حنيفة وأحمد فيريان في الجلد حكومة، أما شعر الرأس فيرى أبو حنيفة أن الدية تجب في شعر الرأس للرجل والمرأة إذا لم ينبت، وفي شعر اللحية وحدها الدية، وما عدا ذلك من الشعور كشعر الشاربين والحاجبين ففيه حكومة، وكذلك يرى أحمد ويزيد أن الدية في الحاجبين، أما مالك والشافعي فلا يجب عندهما في الشعور إلا الحكومة لأنه إتلاف جمال دون منفعة، والدية لا تجب إلا في ما كان فيه منفعة، كما تجب الدية في اليدين، وفي أحد اليدين نصف الدية، واختلفوا في معنى اليد، فرأى البعض أن لفظ اليد يطلق على كل الذراع إلى المنكب، ورأى البعض أنه يطلق على الكف فقط.
стр. 12772
ويجب في كل أصبع عشر الدية (١٠ %) لما روي أن رسول الله ﷺ لما كتب إلى أهل اليمن بأن في كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشرا من الإبل، ولا يفضل أصبع على أصبع، لما روى عمرو بن شعيب عن جده، أن رسول الله ﷺ قال: ((الأصابع كلها سواء، عشر عشر من الإبل)) ولأنه جنس تجب الدية فيه فيقسم على أعداده، وفى كل أنملة من غير الإبهام ثلث دية الأصبع، وفي كل أنملة من الإبهام نصف دية الأصبع؛ لأنه لما قسمت دية اليد على عدد الأصابع قسمت دية الأصبع على عدد أنامله، وإن جنى على يد فشلت، أو على أصبع فشلت، أو على أنملة فشلت وجنى بشللها ما يجب في قطعها لأن المقصود بها هو المنفعة فوجب في إتلاف منفعتها ما وجب في إتلافها، وإن قطع يدا شلاء، أو أصبعا شلاء، أو أنملة وجبت فيها الحكومة لأنه إتلاف جمال من غير منفعة، وفي مذهب أحمد رأى بأن فيها ثلث الدية.
ويجب في الرجلين الدية لما رواه معاذ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ((وفي الرجلين الدية)) وفي أحد الرجلين نصف الدية لما رواه عمرو بن حزم أن رسول الله ﷺ قال: ((في الرجل نصف الدية)) وفي الرجل نفس الخلاف الذي في اليد، فالبعض يرى أن لفظ الرجل يشمل القدم حتى نهاية الفخذ، والبعض يرى أنه يطلق على القدم فقط، وترتب على هذا الخلاف نفس ما ذكرناه في اليدين.
стр. 12773
ويجب في كل أصبع من أصابع الرجلين عشر الدية، ويجب في كل أنملة غير أنملة الإبهام ثلث دية الأصبع، وفي كل أنملة من الإبهام نصف دية الأصبع لما ذكر في اليد، وتجب الدية في قدم الأعرج ويد الأعسر إن كانتا سليمتين؛ لأن العرج إنما يكون من قصر أحد الساقين، وذلك ليس ينقص فيه القدم، والعسر لقصر العضد أو الذراع أو اعوجاج الرسغ، وذلك ليس ينقص في الكف فلا يمنع هذا كمال الدية في القدم والكف.
وتجب في العينين الدية لقوله ﵇ من كتاب عمرو بن حزم: ((في العين خمسون من الإبل)) . يدل ذلك على أن في العينين مائة من الإبل، وعين الأعور فيها نصف الدية عند أبي حنيفة والشافعي وفيها الدية كاملة عند مالك وأحمد، وتجب الدية بقلع العينين، كما تجب بذهاب الإبصار مع بقاء العينين قائمتين.
وتجب الدية في الأذنين وفي إحداهما نصف الدية لما روي عن النبي ﷺ في كتابه لعمرو بن حزم: ((وفي الأذن خمسون من الإبل)) . فأوجب في الأذن خمسين، فدل على أنه يجب في الأذنين الدية كاملة، وإن قطع بعضها من نصف أو ثلث أو ربع وجب في الدية بقسطه، وفي قطع الأذنين الدية، ولو كان السمع سليما، وهذا ما يراه أبو حنيفة والشافعي وأحمد وبعض فقهاء مذهب مالك، ولكن بعض فقهاء مالك يرى في قطع الأذنين مع بقاء السمع سليما حكومة.
стр. 12774
وفي الشفتين الدية لما في كتاب عمرو بن حزم قال: ((وفي الشفتين الدية)) ، وفي إحداهما نصف الدية كالعينين والأذنين، وإن قطع بعض الشفة وجب فيه بقدره، فإن جنى عليهما فشلتا وجبت فيهما الدية كاملة، وإن تقلصتا مع بقاء منفعتهما ففيها حكومة.
وفي الحاجبين الدية عند أبي حنيفة وأحمد، وفى أحدهما نصف الدية إذا أزيل الشعر بحيث لا ينبت، ويرى مالك والشافعي أن في إزالة شعر الحاجبين حكومة.
الثديان والحلمتان
تجب الدية في ثديي المرأة لأن فيهما جمالا ومنفعة، وتجب في إحداهما نصف الدية، وتجب الدية أيضا كاملة في الحلمتين إذا قطعتا دون الثديين، وفي إحداهما نصف الدية لأن في الحلمتين منفعة الثديين، ويشترط مالك لوجوب الدية في الحلمتين أن ينقطع اللبن أو يفسد، فإن لم يتوفر هذا الشرط ففي الحلمتين حكومة، أما باقي الأئمة فلا يشترطون هذا الشرط ويرون الدية في الحلمتين مطلقا.
أما ثديا الرجل فليس فيها إلا الحكومة عند مالك والشافعي لأن في ذهابهما ذهاب جمال، من غير منفعة، وفي مذهب الشافعي من يرى في ثدي الرجل وحلمتيه الدية، ولكن هذا الرأي ليس المذهب، ولكنه يتفق مع مذهب أحمد فهو يرى أن في ثديي الرجل وحلمتيه الدية، وحجته أن ما وجب فيه الدية من المرأة وجب فيه من الرجل، ولأنهما عضوان يحصل بهما الجمال وليس في البدن غيرهما.
ويرى أبو حنيفة أن في ثديي الرجل وحلمتيه حكومة، وقد بنى رأيه على أن ثديي الرجل وحلمتيه ليس فيهما جمال ولا منفعة (١) .
الأنثيان
تجب الدية في الأنثيين لما روي أن في كتاب الرسول لعمرو بن حزم: ((وفي البيضتين الدية)) ولأن فيهما جمالا ومنفعة، فإن النسل يكون بهما، وهما وكاء المني، وفي كل واحدة منهما نصف الدية؛ لأن وجوب الدية في شيئين يوجب نصفها في أحدهما، وإن أشل الأنثيين فعليه الدية كاملة حيث أذهب منفعتهما، فإن قطعهما لم تجب فيهما إلا دية واحدة، ويرى أبو حنيفة ومن يقول من فقهاء مذهبي مالك وأحمد بأن ذكر الخصي والعنين فيه حكومة، ويرى هؤلاء أنه إذا قطع الأنثيان مع الذكر مرة واحدة ففيهما ديتان، دية للأنثيين ودية للذكر، وكذلك الحكم لو قطع الذكر مرة واحدة ففيهما ديتان، دية للأنثيين ودية للذكر، وكذلك الحكم لو قطع الذكر قبل الأنثيين، أما إذا قطع الأنثيان قبل الذكر، ففي الأنثيين الدية وفي الذكر حكومة؛ لأنه يصبح بعد قطع الأنثيين ذكر خصي وذكر الخصي فيه حكومة، أما القائلون بأن ذكر الخصي والعنين فيه الدية وهم الشافعية وبعض فقهاء مذهبي مالك وأحمد فيوجبون في قطع الذكر والأنثيين ديتين سواء قطعت الأنثيان قبل الذكر أم بعده (٢) .
стр. 12775
الشفران
الشفران أو الأسكتان: هما اللحم المحيط بالفرج من جانبيه إحاطة الشفتين بالفم، وفي الشفرين دية كاملة إذا قطعا حتى ظهر العظم، وفي أحدهما نصفها؛ لأن فيهما جمالا ومنفعة في المباشرة وليس في البدن غيرهما من نوعهما، فإن جنى عليهما حتى أشلهما ففيهما الدية لأنه أزال المنفعة كما لو أنه قطعهما (١) .
الأليتان
يرى أبو حنيفة والشافعي وأحمد أن الدية تجب في الأليتين، وأن نصف الدية يجب في الألية الواحدة؛ لأنهما عضوان من جنس واحد ليس في البدن نظيرهما، ولأن فيهما جمالا ظاهرا ومنفعة كاملة. والأليتان همها ما علا وأشرف من الظهر عن استواء الفخذين، وفيهما الدية إذا أخذتا إلى العظم الذي تحتهما، وفي ذهاب بعضهما بقدره؛ لأن ما وجبت الدية فيه كله وجب في بعضه بقدره، فإن جهل مقدار البعض وجبت حكومة لأنه نقص تعذر تقديره.
ويرى بعض فقهاء مذهب مالك أن في الأليتين حكومة فقط سواء أخذتا إلى العظم الذي تحتهما أو ذهب بعضهما، ويرى البعض الآخر أن فيهما الدية (٢) .
стр. 12776
اللحيان
ويرى الشافعي وأحمد أن في اللحيين الدية، وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلى لأن فيهما نفعا وجمالا وليس في البدن مثلهما، فكانت فيهما الدية كسائر ما في البدن منه شيئان في أحدهما نصف الدية، وإن قلنا بما عليهما من الأسنان وجبت ديتهما ودية الأسنان ولم تدخل دية الأسنان في ديتهما (١) .
أشفار العينين
تجب الدية في أشفار العينين – أي جفونهما – عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد لأن فيهما جمالا ظاهرا ونفعا كاملا، وهي أربعة ليس مثلها في البدن، فيجب ربع الدية في كل واحد منهما ويرى مالك أن في الأشفار الاجتهاد أي الحكومة؛ لأنه لم يرد نص بأن فيها شيئا مقدرا، والتقدير لابد فيه من نص ولا يثبت بالقياس كما يرى بقية الأئمة (٢) .
أهداب العينين
يرى أبو حنيفة وأحمد أن في أهداب العينين الأربعة الدية كاملة؛ لأن فيها جمالا ظاهرا أو نفعا كاملا، وفي كل واحد منها ربع الدية، لكن إذا قطعت الأهداب مع الأجفان ففيها كلها دية واحدة؛ لأن الأهداب تابعة للأجفان كحلمة الثدي مع الثدي والأصابع مع الكف.
ويرى مالك والشافعي أن في الأهداب حكومة لأنها جمال لا منفعة فيه، وإذا قطعت الأهداب مع الأجفان ففي مذهب الشافعي رأيان: رأي يرى أن لا شيء في الأهداب لأنها شعر نابت في العضو وهو الجفن، ورأي يرى أن في الجفنين الدية، وفي الهدب الحكومة لأن فيه جمالا (٣) .
стр. 12777
الأسنان
يجب في كل سن خمس من الإبل لما روي أن رسول الله ﷺ كتب في كتاب عمرو بن حزم: ((في السن خمس من الإبل)) ولما رواه عمرو بن شعيب عن الرسول: ((في الأسنان خمس خمس)) ويستوي السن بالناب والناب بالضرس فأرشها سواء لما روى أبو داود عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: ((في الأصابع سواء، والأسنان سواء الثنية والضرس سواء هذه وهذه سواء)) .
ويجب الضمان في سن من قد ثغر: وهو الذي أبدل أسنانه وبلغ حدا إذا قلعت سنه ولم يعد بدلها، فأما سن الصبي الذي لم يثغر فلا يجب بقلعها في الحال شيء لأن العادة عود سنه، فإن مضت مدة ييأس من عودها وجب أرشها، وإذا عادت لم يجب فيها أرش، ولكن إن عادت قصيرة أو مشوهة ففيها حكومة، وإن عادت خارجة عن صف الأسنان بحيث لا ينتفع بها ففيها الدية، وإن كان ينتفع بها ففيها حكومة.
وإن قلع سن من أثغر وجبت ديتها في الحال، فإن عادت لم تجب الدية وعليه ردها وإن كان قد أخذها، وهذا رأي أبي حنيفة وأحمد ويرى مالك أنه لا يرد شيئا لأن العادة أنها لا تعود، فإن عادت فهي هبة مجردة، وفي مذهب الشافعي يأخذ البعض برأي مالك والبعض بالرأي المضاد.
وتجب دية السن فيما ظهر من اللثة لأن ذلك هو المسمى سنا، وما في اللثة يسمى سنخا، فإذا كسر السن ثم جاء آخر فقلع السنخ ففي السن أرشها وفي السنخ حكومة، كما لو قطع إنسان أصابع رجل ثم قطع آخر كفه، وإن قلعت السن بسنخها لم يجب فيها أكثر من الأرش، وإن كسر بعض السن ففيه من أرشه بقدر ما كسر.
стр. 12778
وإن قلع سنا مضطربة لكسر أو مرض وكانت منافعها باقية من المضغ وضغط الطعام وجب أرشها، وكذلك إذا ذهب بعض منافعها وبقي بعضها في رأي أحمد، أما مذهب الشافعي ففيه رأيان: رأي يرى الأرش، ورأي يرى أن مقدار النقص يجهل قدره فيكون فيها الحكومة، أما إذا ذهبت منافعها كلها ففيها حكومة أو ثلث ديتها على رأي في مذهب أحمد.
وإن قلع سنا فيها داء أو أكلة فإن لم يذهب شيء من أجزائها ففيها دية السن الصحيحة لأنها كاليد المريضة، وإن سقط من أجزائها شيء سقط من أرشها بقدر الذاهب ووجب الباقي.
وإن جني عليه فتغير لون السن إلى السواد أو الخضرة أو الحمرة أو الصفرة ففي مذهب مالك فيها الأرش إن كان التغير إلى الخضرة والحمرة والصفرة يساوي التغير إلى السواد وإلا فحكومة، ومذهب أبي حنيفة فيها الأرش إذا كانت الصفرة بمنزلة السواد، وعند الشافعي يجب فيها حكومة في جميع الحالات في رأي، وفي رأي تجب الدية في السواد إذا زالت المنفعة وإلا فحكومة، وهذا أحد الرأيين في مذهب أحمد، والرأي الثاني في التسويد الدية (١) .
وإذا جنى على أسنانه كلها دفعة واحدة ففيها مائة وستون من الإبل بحساب كل سن خمس من الإبل وهذا رأي مالك وأبي حنيفة وأحمد – ولو أن هذا المقدار يزيد عن دية كاملة لأن النص جعل أرش كل سن خمسا من الإبل، وفي مذهب الشافعي رأيان: أحدهما يأخذ بما يراه الأئمة الثلاثة، وهو الرأي الراجح وحجته أن ما ضمن على انفراد لا ينقص ضمانه بانضمام غيره إليه، وثانيهما أنه لا يجب في الأسنان كلها إذا قلعت دفعة واحدة إلا دية واحدة لأنه جنس ذو عدد فلا يضمن بأكثر من دية كأصابع اليدين (٢) .
стр. 12779
الكفارة
تجب الكفارة في قتل الخطأ – قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢) ﴾ [النساء: ٩٢] .
وتجب الكفارة في مال القاتل لا يشاركه فيها أحد لأنها عبادة، وتجب ولو كان المقتول ذميا عند الجمهور، وقال المالكية: لا تجب بقتل الذمي، وهي كما في الآية عتق رقبة وإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، واختلفوا في الإطعام إن لم يستطع الصيام فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد في إحدى روايتيه: إنه لا يجزئ الإطعام، والرواية الأخرى عند أحمد: يجزئ الإطعام، وللشافعي في ذلك قولان، الأصح عنده أنه لا إطعام، ولا تجب الكفارة بالتسبب عند أبي حنيفة، وتجب عند الجمهور (١) .
وللأستاذ عبد القادر عودة – ﵀ – رأي يقول: "إن الكفارة بعد إلغاء الرق لا تكون بعتق رقبة، وإنما تكون بالتصدق بقيمة الرقبة إذا كان لدى القاتل ما يفيض عن حاجته، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، وتقدير قيمة الرقبة يترك لأولياء الأمور" (٢) .
وتجب الكفارة عند الشافعي وأحمد على القاتل إذا كان بالغا أو غير بالغ عاقلا أو مجنونا مسلما أو غير مسلم لا يستثنى من ذلك إلا الحربي، فتجب على الذمي والمعاهد والمستأمن، ويرى مالك أنها تجب على الصبي والمجنون ولكنها لا تجب إلا على مسلم، أما أبو حنيفة فلا تجب عنده إلا على المسلم البالغ العاقل فلا تجب على الصبي ولا على المجنون ولا على غير المسلم.
стр. 12780
وتعدد الكفارة بتعدد الجناة في قتل يوجب الكفارة، وهناك رواية عند أحمد وقول عند الشافعي بأن على الجميع كفارة واحدة، واختلف في قاتل نفسه فرأى الشافعي أن على قاتل نفسه الكفارة في ماله لأن القتل محرم، والنص عام يدخل فيه قاتل النفس، وعند أحمد روايتان، أما الإمام مالك وأبو حنيفة فلا كفارة عندهما على قاتل نفسه؛ لأن النص مقصود به قتل الغير بدليل قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢] وقاتل نفسه لا تجب فيه دية، كما أن عامر بن الأكوع قتل نفسه خطأ ولم يأمر النبي ﷺ بكفارة (١) .
العقوبات التبعية
القتل الخطأ: لا يحرم القاتل من الميراث، وإنما يحرمه فقط من الدية عند مالك، وعند أبي حنيفة يحرم قاتل الخطأ من الميراث إذا كان مباشرا فإن كان بالتسبب فلا يحرمه من الميراث.
والرأي الراجح عند الشافعية أنه يحرم من الميراث مطلقا، أما الحنابلة فيرون أن القتل المضمون هو القتل المانع من الميراث، أما القتل غير المضمون فلا يمنع من الميراث كالقتل دفاعا عن النفس والقتل قصاصا.
التعزير والزجر
الأصل في الشريعة أن التعزير لا يكون إلا إذا ارتكب الإنسان معصية ليس فيها حد، ولكن يجوز التعزير للمصلحة العامة وإن لم يرتكب معصية (٢) .
قال الأستاذ عبد القادر عودة: والوصف الذي جعل علة للعقاب هو الإضرار بالمصلحة العامة أو النظام العام، فإذا توفر هذا الوصف في فعل أو حالة استحق الجاني العقاب، وإذا تخلف الوصف فلا عقاب، وعلى هذا يشترط في التعزير للمصلحة العامة أن ينسب إلى الجاني أحد أمرين:
١- أنه ارتكب فعلا يمس المصلحة العامة أو النظام العام.
٢- أنه أصبح في حالة تؤذي المصلحة العامة أو النظام العام.