← Фикх общий

Фикх общий · id 8356

مجلة مجمع الفقه الإسلامي

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (22 276 стр.). Показаны 12951–12990 · переход к 12956.

стр. 12951

الاستفادة من عقد الإيجار سواء كان واقعًا على العين، أو العمل، أو الذمة، ولاسيما عند الحنابلة في الإجارة في الذمة حيث أجازوا تأخير الأجرة ما دام العقد جرى بلفظ الإجارة (١) ٩ - ٩ ـ الاستفادة من بقية العقود: كالشركات، الوكالة، والحوالة والرهن، والصلح، والقراض، والمساقاة والمزارعة والجعالة، والضمان، وإحياء الموات، والوقف، ونحوها من العقود التي ذكرها فقهاؤنا الكرام. ومع ذلك علينا أن ندرسها دراسة متعمقة على ضوء حاجاتنا العصرية، بحيث نستفيد من القواعد الثابتة فيها، وندخل فيها من الاجتهادات ما يكتمل بها، وتجعلها صالحة لوقتنا الحاضر، دون أن تصطدم هذه الاجتهادات المكملة بالقواعد الأصلية. ١٠ ـ الاستفادة من إنشاء عقود جديدة: والذي نرى رجحانه هو أن الأصل في العقود والشروط الإباحة،وهذا هو الرأي الذي اختاره المحققون من العلماء مثل ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما، بل وجدنا أن هذا الأصل معتبر عند المذاهب الأربعة (٢) وبناء على ذلك فعلى الفقهاء أن يبحثوا عن عقود جديدة وشروط جديدة لم تكن موجودة لدى فقهائنا العظام؛ لأن عصرهم لم يكن بحاجة إليها، ولذلك لو وجدت الحاجة إلى أي عقد جديد قالوا به استحسانًا.

стр. 12952

الاجتهاد الانتقائي، والاجتهاد الإنشائي: والمقصود بهذا العرض الموجز أننا بحاجة ـ كما يقول الأستاذ الدكتور القرضاوي (١) ـ إلى نوعين من الاجتهاد، هما الاجتهاد الانتقائي بحيث يقوم الفقهاء بغربلة الفقه الإسلامي بمختلف آرائه ومذاهبه ومدارسه للوصول إلى ما هو الأرجح دليلًا، والأوفق بمقاصد الشريعة، والأكثر تحقيقًا للمصالح، مع مراعاة ضوابط الشرع، وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان. والاجتهاد الإنشائي في المسائل التي لا نجد فيها آراء لفقهائنا الكرام ولأنها لم تكن موجودة في عصرهم، وإنما هي ظهرت في عصرنا نتيجة للتطورات الاقتصادية والطبية، والاجتماعية، والسياسية. فإذا أردنا النجاح فعلينا أن نسير بتوازن على هذين الأمرين، وهما: الاعتماد على فقهنا العظيم مع تنقيته، وغربلته، والاستفادة من كل نظرية من نظرياته، وكل رأي من آرائه ما دام صادرًا من فقيه ثقة، صحابيًّا كان أم تابعيًّا، أم إمامًا للمذهب أو غيره. ثم التجديد في الاجتهاد، وعدم الوقوف على ما قالوه ولاسيما في الأمور الجديدة، والقضايا المستحدثة، مشجعين على هذا النوع ما دام صاحبه أهلًا للاجتهاد الكلي، أو الجزئي، أو الترجيح، وما دام يريد به وجه الله تعالى، ولا نغلظ عليه إن أخطأ، بل يصوب بعضنا البعض من خلال المنابر الفقهية المعتبرة كهذا المجمع الموقر الذي يحتضن الجميع، أو من خلال المناقشات العلمية الهادفة التي تريد إحقاق الحق، وإظهاره على لسان أي شخص كان، والله المستعان. الخلاصة بعد هذا الاستعراض الشامل الموجز للتطبيقات الشرعية لإقامة سوق المال الإسلامية نلخص بأن سوق المال الإسلامية تحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية بعد ترتيب النواحي الإدارية والفنية، هي الأسهم والسندات أو الصكوك، والعقود النمطية، أو العقود العادية، وهي: أولًا: في نطاق الأسهم نجد فيها سعة من الناحية الشرعية حيث إنها تعني حصة المساهمة بنسبة من الشركة، ولذلك فالأصل فيها الحل إلا إذا كانت طبيعة الأسهم ـ كأسهم الامتياز بالمال ـ مخالفة للشرع، أو أن محلها ونشاطها محرم.

стр. 12953

وقد أصدر المجمع الموقر قرارًا في دورته السابعة حول هذا الموضوع. ثانيًا: في نطاق السندات، حيث بما أنها تقوم اليوم على القرض بفائدة فإنها محرمة ـ كما صدر بذلك قرار من المجمع الفقهي الموقر. ولكن المجمع قد وصل إلى بعض البدائل من خلال صكوك المضاربة التي أقرها في دورته الرابعة بجدة من ١٨ ـ ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ، كما وضع مجموعة من الضوابط لها. وقدمنا في هذا البحث بدائل أخرى، ويمكن أن يشكل مجمع الفقه الموقر لجنة من علماء الفقه والاقتصاد والبنوك لصياغة صكوك من العقود التي تقبل أن تصاغ منها، وقد قدمنا في البحث البدائل الآتية: أـ صكوك مضاربة طويلة الأجل. ب ـ صكوك مضاربة لمشروع معين. ج ـ صكوك المضاربة المستردة بالتدرج. د ـ صكوك المضاربة المستردة في آخر المشروع. هـ ـ صكوك المضاربة المنتهية بتمليك المشروع. وـ صكوك المضاربة على فئات متنوعة، مثل ١٠٠ دولار. ز ـ شهادات الاستثمار للبنك الإسلامي. ح ـ شهادات التأجير أو الإيجار المتناقصة، كما في تجربة بيت التمويل التونسي السعودي. ط ـ صكوك المشاركة بجميع أنواعها، وهي تشمل: الأسهم بجميع أنواعها المباحة كما سبق. صكوك ـ أو شهادات ـ المشاركة في مشروع معين. صكوك المشاركة المؤقتة بفترة زمنية محددة. صكوك المشاركة المنتهية بالتمليك. صكوك المشاركة المستردة بالتدرج.

стр. 12954

صكوك المشاركة المستردة في نهاية المشروع. ي ـ سندات الخزينة المخصصة للاستثمار. ك ـ صكوك المرابحة. وأما العقود التي يمكن صياغة الصكوك، أو السندات الشرعية منها فهي ـ في نظرنا ـ ما يأتي: المضاربة بجميع صورها. المشاركة بجمع صورها. الإجارة بجميع أنواعها (العين والعمل والذمة) وكذلك الإجارة المنتهية بالتمليك. السلم بضوابطه. بيع الأجل. الاستصناع. ،٨ـ المزارعة، والمساقاة. المرابحة. وقد ارتأينا أنه لا مانع شرعًا من وجود ضمانات للصكوك لكنها ليست من المضارب، أو الشريك، أو نحوهما، وإنما من جهة ثالثة كالدولة، أو مؤسسة النقد. وكذلك لا مانع شرعًا من تعهد الجهة المصدرة للصكوك بشراء نسبة منها كما هو الحال بالنسبة للبنك الإسلامي للتنمية.

стр. 12955

ثالثًا: في نطاق العقود التي يمكن الاستفادة منها في سوق المال فهي ما يأتي: أـ السلم حيث يمكن الإفادة منه من ناحيتين: الناحية الأولى أنه عقد يحقق المنفعة للعاقدين، وينشط حركة السوق بشكل كبير، حيث يكون لدى البائع (المسلم) سلع ومعادن وبضائع ومواد غذائية ونحوها في المستقبل فيدخل في عقد لضمان تصريفها، وكذلك المشتري يستفيد من رخص الثمن واستثمار فائض أمواله. الناحية الثانية من خلال صكوك السلع على ضوء ما رجحناه من جواز التصرف في المسلم فيه بالبيع، والإقالة، والتولية، والشركة، والحوالة ونحوها بضوابطها الشرعية. ب ـ الاستفادة من عقد الاستصناع الذي يتسم بمرونة أكثر من السلم، والبيع الآجل، ولاسيما بعد إقرار كونه ملزمًا للطرفين من قبل مجمع الفقه الموقر في دورته السابقة. جـ ـ الاستفادة من الوعد الملزم، والمواعدة بضوابطها. د ـ الاستفادة من بيع الدين بالدين، إن لم يكونا نسيئين من المدين ومن غيره بضوابطه الشرعية. هـ ـ الصلح بجميع أنواعه، ولاسيما الصلح على الدين. وـ البيوع بجميع أنواعها. ز ـ الإجارة بجميع أنواعها ولاسيما الإجارة في الذمة. ح ـ الإفادة من جميع العقود الموجودة في فقهنا العظيم. ط ـ الاستفادة من إنشاء عقود جديدة ما دامت لا تخالف نصًًّا شرعيًّا من الكتاب والسنة بناء على أن الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا إذا دل دليل معتبر على حظرها. واللهَ أسأل أن يجعل أعمالي كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يعصمنا من الخطأ والزلل في القول والعقيدة في العمل. الدكتور / علي محيي الدين القره داغي

стр. 12956

التطبيقات الشرعية لإقامة السوق الإسلامية إعداد الأستاذ الدكتور / علي السالوس أستاذ الفقه والأصول كلية الشريعة ـ جامعة قطر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم الحمد لله تعالى حمدًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على رسوله خير البشر، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. وبعد: ففي المؤتمر السابع للمجمع الموقر بحث موضوع الأسواق المالية، وبين المجمع في قراره رقم ٦٤ / ١ / ٧ ما يجوز شرعًا مما يجري العمل به في هذه الأسواق، وما لا يجوز، وظهر أن كثيرًا من المعاملات غير جائزة شرعًا، وهذه نتيجة طبيعية لأسواق نشأت في ظل نظام اقتصادي بعيد عن الإسلام.

стр. 12957

وفي قرار المجمع ورد ما يأتي: "البديل الشرعي للمعاملات المحرمة في السلع والعملات: ينبغي تنظيم سوق إسلامية للسلع والعملات على أساس المعاملات الشرعية وبخاصة في بيع السلم والصرف والوعد بالبيع في وقت آجل والاستصناع وغيرها. ويرى المجمع ضرورة القيام بدراسة وافية لشروط هذه البدائل، وطرائق تطبيقها في سوق إسلامية منظمة" ا. هـ. وعند تحديد موضوعات الدورة الثامنة كان مناسبًا جدًّا أن يأتي موضوع: " تطبيقات شرعية لإقامة السوق الإسلامية" والمراد من الموضوع هو "المنهج التطبيقي للاستفادة من العقود الخاصة كالسلم والاستصناع ونحوها، ومن الوعد بالبيع والصرف، في إقامة السوق الإسلامية للسلع والعملات، مع الاحترام لطريقة التعامل الشرعي والالتزام بها". وفي هذا البحث الوجيز بينت المنهج التطبيقي للاستفادة من السلم، والسلم الموازي، والحوالة، والبيع الآجل، والاستصناع، والاستصناع المتوازي، والوعد والمواعدة، والبديل الشرعي للمواعدة في الصرف. ولم أناقش من القضايا ما قرره المجمع من قبل، كعدم جواز بيع دين السلم قبل قبضه، وخضوع النقود الورقية لأحكام الصرف، وحكم الاستصناع، كما لم أجد حاجة للحديث عن الشروط المعلومة للعقود، وإنما تناول البحث بعض المسائل الخلافية. ونسأل الله جلت قدرته أن يجنبنا الزلل في القول والعمل، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله.

стр. 12958

المبحث الأول السلم السلم بشروطه المعروفة يمكن أن يستفاد منه في إقامة السوق الإسلامية، حيث يستفيد المشتري من رخص الثمن في استثمار فائض المال. وعند حلول الأجل وتسلم المبيع بأية صورة من صور القبض التي أقرها المجمع يستطيع المشتري أن يبيع بيعًا حالا إن كان في حاجة إلى الثمن في الحال، وإن لم يكن في حاجة إليه يمكن أن يبيع بيعًا آجلًا بثمن يربو على الثمن الحال كما هو معلوم، وبذلك يكون استثمر المال مرتين، ثم يستمر في استثماره بعد ذلك بالطريقة التي تناسبه. ومن اشترى سلمًا، أو باع بيعًا آجلًا، واحتاج إلى المال قبل الأجل، يستطيع في المنهج غير الإسلامي أن يقترض بالربا المحرم، أو أن يبيع دين السلم ويحيل المشتري على البائع الأول، فما الحلول المقترحة في المنهج الإسلامي؟ السلم الموازي والحوالة: من اشترى سلمًا وكان الأجل بعد عام مثلًا، وبعد ثلاثة أشهر احتاج إلى الثمن، فإنه يستطيع أن يبيع سلمًا مثل الدين الموصوف في الذمة ويكون الأجل بعد تسعة أشهر. ويلاحظ هنا أن علاقته بالمشتري منفصلة تمامًا عن علاقته بالبائع، فالعقدان منفصلان، فعليه أن يتسلم المبيع في الموعد، ثم يسلمه للمشتري. وقد يبيع مقدارًا أكثر أو أقل مما اشتراه سلمًا تبعًا لحالته الخاصة ما دام العقدان منفصلين.

стр. 12959

وإذا كان الدينان متساويين في القدر والصفة والأجل أيمكن أن يستفاد من عقد الحوالة؟ وتصبح العلاقة بين البائع الأول المدين، والمشتري الثاني الدائن، ويكون المحيل هو المشتري أولًا، فهو دائن، وهو البائع ثانيًا، فهو مدين، فهو إذن دائن للبائع الأول المحال عليه، وفي الوقت نفسه مدين للمشتري الثاني المحال، فمع تحقق شرط تساوي الدينين لصحة الحوالة أيمكن الاستفادة من عقد الحوالة؟ تحدث ابن قدامة عن شروط صحة الحوالة فقال: "الشرط الثاني: أن تكون على دين مستقر، ولا يعتبر أن يحيل بدين مستقر، إلا أن السلم لا تصح الحوالة به ولا عليه؛ لأن دين السلم ليس بمستقر لكونه بعرض الفسخ لانقطاع المسلم فيه، ولا تصح الحوالة به، لأنها لم تصح إلا فيما يجوز أخذ العوض عنه، والسلم لا يجوز أخذ العوض عنه، لقول النبي ﷺ : من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره" (١) من هذا نرى أن ابن قدامة يوضح عدم جواز الحوالة على دين السلم، لأنه يتعرض للفسخ، فهو غير مستقر، ومع جواز الحوالة بالدين غير المستقر، إلا أن السلم لا تصح الحوالة به، واستدل بالخبر، ولم يشر لأي خلاف. وقال الكاساني في شروط الحوالة: "أن يكون لازمًا، فلا تصح الحوالة بدين غير لازم.. والأصل أن كل دين لا تصح الكفالة به لا تصح الحوالة به" (٢) وقال في السلم: "لا يجوز استبدال المسلم فيه قبل قبضه"، ثم قال: "وتجوز الحوالة بالمسلم فيه لوجود ركن الحوالة مع شرائطه، وكذلك الكفالة به. ثم قال أيضًا: "ويجوز الرهن بالمسلم فيه" (٣)

стр. 12960

وقال النووي: "المسلم فيه لا يجوز الاستبدال عنه، ولا بيعه. وهل تجوز الحوالة به، بأن يحيل المسلم إليه المسلم بحقه على من له عليه دين قرض أو إتلاف، أو الحوالة عليه، بأن يحيل المسلم من له دين قرض أو إتلاف على المسلم إليه؟ فيه ثلاثة أوجه، أصحها: لا. والثاني: نعم. والثالث: لا تجوز عليه وتجوز به" (١) وقال النووي بعد ذلك في الحوالة: "قد اشتهر في كتب الأصحاب اشتراط استقرار ما يحال به وعليه" (٢) ثم قال: "أطلق الإمام الرافعي أن الدين اللازم تصح الحوالة به وعليه، واقتدى في ذلك بالغزالي، وليس كذلك، فإن دين السلم لازم، ولا تصح الحوالة به ولا عليه على الصحيح، وبه قطع الأكثرون، وحكي وجه في (الحاوي) و (التتمة) وغيرهما: أنه يجوز بناء على أنها استيفاء، وسبقت هذه المسألة باب حكم البيع قبل القبض. فكان ينبغي أن يقول: الدين المستقر ليخرج هذا (٣) وفي المدونة (٤ / ٣٤ـ٣٥) تقرأ ما يلي: "قلت: فإن كنت أسلفت في شعير فلما حل الأجل أخذت سمراء أو محمولة؟ قال: لا بأس بذلك، وهو قول مالك. قلت: ولا ترى هذا بيع الطعام قبل أن يستوفى؟ قال: لا، إذا حل الأجل فأخذت بعض هذا من بعض مثل الذي ذكرت لي، وأخذت مثل كيله، فإنما هذا بدل وليس هذا بيع الطعام قبل أن يستوفى. قال: ولا خير في هذا قبل الأجل عند مالك.

стр. 12961

قلت: وكذلك إن سلف في حنطة فلما حل الأجل أخذ شعيرًا؟ قال: نعم، لا بأس به. وكل هذا إنما يجوز بعد محل الأجل أن يبيعه من صاحبه الذي عليه السلف، ولا يجوز أن يبيعه من غير صاحبه الذي عليه السلم بنوعه ولا بشيء من الأشياء، ولا بمثل كيله ولا صفته حتى يقبضه من الذي عليه السلف، لأنه إن باعه من غير الذي عليه ذلك بمثل كيله وصفته صار ذلك حوالة، والحوالة عند مالك بيع من البيوع، فلذلك لا يجوز أن يحتال بمثل ذلك الطعام الذي سلف فيه على غير الذي عليه السلف لأنه يصير دينًا بدين، وبيع الطعام قبل أن يستوفى " ا. هـ ثم جاء بعد ذلك في المدونة الكبرى أيضًا (ص٨٨ من الجزء نفسه) الحديث عن السلم في غير الطعام، وهو: "وما سلفت فيه من العروض إلى أجل من الآجال فأردت أن تبيعه من صاحبه فلا بأس أن تبيعه منه بمثل الثمن الذي دفعته إليه أو أدنى منه قبل محل الأجل، لأنه لا يتهم في أن يدفع عشرة دنانير ويأخذ ثمانية، حل الأجل فيه أو لم يحل. ولا يصلح أن تبيعه من الذي عليه السلف بأكثر مما أعطاه فيه، حل في ذلك الأجل أو لم يحل.

стр. 12962

وإن أردت أن تبيعه من غير صاحبه فلا بأس أن تبيعه منه بما شئت، بمثل الثمن أو أكثر أو أقل، أو ذهب أو ورق أو عرض من العروض، أو طعام إلا أن يكون من صنفه بعينه فلا خير فيه. ولا بأس أن تبيعه ـ وإن لم يحل الأجل ـ بما يجوز، ذلك أن تسلف الذي لك عليه، فيه، إن كان الذي لك عليه ثيابًا فزقبية فلا بأس أن تبيعها قبل محل الأجل بثياب قطن مروية أو هروية، أو خيل أو غنم أو بغال أو حمير، أو بقر أو إبل، أو لحم أو طعام تقبضه مكانك ولا تؤخره، وإن أردت أن تأخذ منه ثيابًا فزقبية قبل محل الأجل فلا تأخذ منه أكثر من عددها. وإن كانت هذه التي تأخذ أفضل من رقاعها، واختلف العدد أو اتفق، فلا خير فيه، ولا خير في أن تأخذ منها قبل محل الأجل، إلا بمثل صفتها في جودتها، وإن حل الأجل فخذ منها أرفع من صفتها أو أكثر عددًا، أو أقل من عددها، أو خيرًا من صفتها، أو أكثر عددًا، أو أشر من صفتها، فلا بأس به إذا حل الأجل على حال من الحالات" ا. هـ وقال ابن رشد (الحفيد) : "للحوالة عند مالك ثلاثة شروط: أحدها: أن يكون دين المحال حالًّا؛ لأنه أن لم يكن حالًّا كان دينًا بدين" (١) وقال الشوكاني: وأما قوله: "واستقرار الدين على المحال عليه" إلخ، فلا أدري لهذا الاشتراط وجهًا؛ لأن من عليه الدين إذا أحال على رجل يمتثل حوالته، ويسلم ما أحال به، كان ذلك هو المطلوب؛ لأن به يحصل المطلوب بدين المحال، ولو لم يكن في ذمة المحال عليه شيء من الدين (٢) وقال في السلم: قوله: "ومتى بطل بفسخ أو عدم جنس لم يؤخذ إلا رأس المال " أقول: هذا صحيح؛ لأن المسلم إليه معذور بالفسخ أو عدم الوجود، فلا يطالب بغير رد رأس المال" (٣)

стр. 12963

مما سبق نرى الخلاف حول الحوالة بدين السلم، والحوالة عليه. الذين منعوا الحوالة بدين السلم فريقان: أحدهما: من قال: إن الحوالة بيع.. والحوالة عند الجمهور ليست بيعًا، ولا حرج من الأخذ برأي الجمهور. والفريق الثاني: حجته في المنع حديث "من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره" والحديث رواه أبو داود في باب السلف يحول، وفي سنده عطية بن سعد العوفي عن أبي سعيد الخدري، وعطية ضعيف لا يحتج به. ورواه ابن ماجه في كتاب التجارات: باب: من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره، وهو بإسنادين فيهما عطية أيضًا (١) إذن يمكن الأخذ برأي من ذهب إلى جواز الحوالة بدين السلم. أما الحوالة على دين السلم فهي مشكلة حقًّا.. فإذا أخذنا برأي المجيزين فلعل من الواجب مراعاة ما يأتي: ١ ـ رضا المحال عليه لأن الدين غير مستقر، وإذ فسخ العقد فلا يلزمه إلا الثمن الذي أخذه دون أدنى زيادة، ولا يطالب بثمن المبيع بقيمته عند حلول الأجل، فقد يؤدي إلى الربا. ٢ ـ عدم براءة المحيل حتى تنقضي الحوالة، لأنه إذا باع سلمًا بثمن أكبر مما دفعه في الشراء، وفسخ العقد، لا يستحق إلا الثمن الذي دفعه، ويجب عليه رد الثمن الذي أخذه. ويمكن في هذه الحالة الأخذ برأي من أجاز الاعتياض عن دين السلم، فهذا يساعد على حل المشكلة دون الوقوع في محظور شرعي إذا نظرنا إلى الثمن، وعدم جواز أخذ زيادة عليه. إذن يمكن أن تكون الحوالة مع السلم الموازي منهجًا شرعيًّا عمليًّا يساعد في نجاح التطبيق في السوق الإسلامية. ومما يجب أخذه في الاعتبار أن هذا لا ينطبق على أنواع المقامرة، أو ما يعرف في معاملات الأسواق العالمية باسم المضاربة.

стр. 12964

ولذلك قبل أن نشتري سلمًا لابد من التأكد من أن البائع ليس مضاربًا، أي مقامرًا، وإنما ممن يتوقع وجود السلعة المبيعة في ملكه عند حلول الأجل، وهذا ينطبق عليه ما ذكره الفقهاء في شروط السلم من أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله، فالبائع إذن يريد البيع فعلًا وليس المقامرة. ونلاحظ في المعاملات المعاصرة أن النقود التي يراد بها المضاربة في البرص الآجلة قد لا يبلغ فيها التسليم والتسلم ١ % كما ظهر من الإحصائيات عند مناقشة هذا الموضوع من قبل في دورات للمجمع وندوات سابقة. فهؤلاء المقامرون لا حل لهم في المنهج الإسلامي قبل التوبة، وترك هذا النوع من القمار. كما نلاحظ أيضًا أن العقود التي تجمع بين متعاقدين يريدون البيع والشراء فعلًا، هذه العقود تنتهي عادةً بالتسليم والتسلم، وقلما تتعرض للفسخ إلا لظروف طارئة، ومثل هذه العقود متى كانت سلمًا بشروطه الشرعية، واحتاج المشتري إلى الثمن، أو التصرف في المبيع قبل الأجل، يمكن الاستعانة بالسلم الموازي، ثم الحوالة. صكوك السلم: اقترح أحد الإخوة الباحثين إحداث ورقة مالية تمثل دين السلم، بحيث تكون صكا قابلا للتداول. والاقتراح يقوم على أساس بيع دين السلم قبل قبضه وقبل حلول أجله، بل جواز تعدد هذا البيع. وقد ناقشت الباحث من قبل، وبينت له خطأه. ولكن لم نعد في حاجة إلى إعادة المناقشة بعد صدور قرار المجمع رقم ٦٤ / ١ / ٧ في دورته السابعة، حيث جاء في القرار ما نصه: "لا يجوز بيع السلعة المشتراة سلمًا قبل قبضها".

стр. 12965

المبحث الثاني البيع الآجل البيع الآجل بضوابطه الشرعية له دور كبير في السوق الإسلامية، حيث يستفيد البائع من زيادة الثمن، فيكون وسيلة مشروعة لاستثمار المال بديلًا للقرض الربوي. وإذا احتاج البائع إلى الثمن قبل حلول الأجل فقد يجد المخرج في بيع السلم، ولكن إذا توقع من البداية عندما يدرس ظروف استثمار المال أنه سيحتاج إلى الثمن ـ كله أو بعضه ـ قبل حلول الأجل فإن الأفضل في هذه الحالة ألا يلجأ إلى البيع الآجل، أو على الأقل لا يستثمر إلا جزءًا قليلًا، ولعل الأفضل في هذه الحالة الاستثمار في صكوك المقارضة، حيث يستفيد من أرباحها ويبيعها متى أراد. وأحب أن أذكر هنا طريقة عملية تعتمد على البيع الآجل اقترحتها على المصرف الإسلامي لتكون بديلًا للصرف غير الجائز. فالمصرف قد يكون في حاجة إلى عملة معينة بعد فترة زمنية، ويخشى المخاطر، فربما يرتفع سعر صرفها حينئذ، ولذلك يريدها بسعر اليوم. وعلى العكس من ذلك قد يكون من حقه عملة معينة بعد مدة، وهو لا يحتفظ بمثل هذه العملة وإنما يستبدلها بأخرى، ويخشى أيضًا مخاطر تغير سعر الصرف. وفي كلتا الحالتين لا يستطيع أن يتعاقد على صرف آجل. وللتوضيح أذكر المثال الآتي: مصرف قطر الإسلامي يتعامل بالريال القطري أساسًا، فهو العملة المحلية وسعر الصرف الريال ثابت بالنسبة للدولار الأمريكي فقط. ولذلك فهو لا يحتفظ بمبالغ كبيرة إلا بهاتين العملتين.

стр. 12966

وفي العمليات التي يقوم بها، وما يترتب عليها من ديون له أو عليه، أو على مشروعات تحتاج مستقبلًا إلى قدر من النقود، أو تأتي بعائد، إذا كان ما يأتيه مستقبلا، أو ما يلتزم به، سيكون بغير الريال والدولار، فماذا يفعل؟ فمثلًا المطلوب منه بعد ثلاثة أشهر خمسة ملايين مارك، أو سيوضع في حسابه بعد سنة مليون جنيه، ويريد شراء الماركات وبيع الجنيهات بسعر صرف اليوم مع الدولار. في الحالة الأولى: المصرف يستثمر جزءًا كبيرًا من الأموال في البيوع الآجلة، وهي في البيوع المحلية بالريال، وفي الخارجية بالدولار، وفي هذه الحالة يجعل بعض صفقات بيوعه الآجلة بالمارك في حدود خمسة ملايين، أو أقل أو أكثر بقليل، ويكون الأجل أقل من ثلاثة أشهر ولو بيوم واحد. وبذلك يتسلم الثمن قبيل موع التزامه، حيث يقوم بالتسليم بعد ذلك دون حاجة إلى شراء المارك. في الحالة الثانية: يقوم بشراء سلعة أو سلع لأجل أبعد من العام ولو بيوم واحد، ويكون الثمن مليون جنيه، أو أقل أو أكثر بقليل. وعندما يوضع المليون في حسابه لا يحتاج إلى بيعه بالدولار، ويتعرض لمخاطر الصرف، حيث يكون محتاجًا إليه لدفع ثمن ما اشتراه من قبل بالأجل، وبذلك ينقل من حسابه لحساب البائع. وما اشتراه في هذه الحالة يبيعه بالريال أو بالدولار دون ارتباط الأجل بالأجل السابق، وإنما تدخل هذه السلع في وعائه الاستثماري، فيبيع بيعًا حالًّا أو آجلًا، إلى أجل قريب أو بعيد، تبعًا لحالات الاستثمار وفرصه. اعتراض: عندما اطلع بعض السادة العلماء الأجلاء على هذا الاقتراح، رأوا أنه وإن كان مخرجًا شرعيًّا لكنه غير عملي، حيث إن التزامات المصرف لا يستطيع أن يخل بها، على حين نجد المتعاملين مع المصارف الإسلامية منهم المدين المماطل، ومنهم المعسر، وما أكثر الديون المتأخرة كما هو معلوم. فكيف نجعل التزامات أمثال هؤلاء في مقابل التزامات المصارف؟

стр. 12967

وهذا الاعتراض في موضعه، والديون المذكورة منها ما هو غير مرجو الأداء، ولذلك لم نغفل عن هذا الملحظ، وكان لابد من مراعاته وإلا أصبح هذا البديل لا جدوى منه. والاعتراض ينطبق على الحالة الأولى فقط دون الثانية. ولتخطي هذه العقبة رأينا أن تقتصر الحالة الأولى على التجارة الدولية والتعامل مع الدول والشركات، ويكون لضمان الثمن الآجل كفالات مصرفية، وبذلك يستطيع المصرف أن يجعل التزاماته في مقابل التزامات مصارف أخرى. الحوالة: وفي كلتا الحالتين إذا أصبح المصرف دائنًا لجهة، ومدينًا لجهة أخرى، وتساوى الدينان، يمكنه الاستعانة بعقد الحوالة، وهذا يختلف عن دين السلم وما وجدناه فيه من اختلاف الفقهاء، فكل من الدينين دين مستقر، وتجوز الحوالة به وعليه عند الجمهور.

стр. 12968

المبحث الثالث الاستصناع إذا كان الحنفية قد انفردوا بقولهم في الاستصناع أخذًا بالاستحسان خلافًا للمذاهب الثلاثة، فإنهم قد اتفقوا على أن الاستصناع عقد غير لازم قبل العمل لكل من المتعاقدين، وكذلك بعد الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع، واختلفوا إذا أحضر الصانع العين على الصفة المشروطة، ولكنا وجدنا مجلة الأحكام العدلية تخرج على إجماع الحنفية أنفسهم، وتجعل الاستصناع عقدًا لازمًا من بداية الإيجاب والقبول قبل العمل (١) ويبدو أن المجمع الموقر مال إلى ما ذهبت إليه المجلة حيث قرر في مؤتمره السابع ما يأتي: "إن عقد الاستصناع ـ هو عقد وارد على العمل والعين في الذمة ـ ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط". وقرر المجمع كذلك جواز تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة.

стр. 12969

وفي ضوء قرار المجمع يمكن أن يقوم الاستصناع بدور لا يستطيع القيام به البيع الآجل ولا السلم، ففي البيع الآجل يكون المبيع موجودًا حين العقد، وفي السلم يتم قبض الثمن كاملًا. وأذكر على سبيل المثال أن مصرف قطر الإسلامي أراد شراء نوافذ وأبواب لمبناه الجديد، وأراد الشراء من شركة تقوم بمثل هذه الصناعات رأت الشركة أنها في حاجة إلى قدر كبير من الألومنيوم وهو غير موجود لديها، فرأينا أن يشتري المصرف المواد المطلوبة، ثم يدخل مع الشركة في عقد إجارة. لم نجد هذه المواد في السوق المحلي، وطلبت الشركة أن تقوم باستيرادها وتصنيعها بعد أن يتم عقد البيع للنوافذ والأبواب، تأخذ جزءا من الثمن. وجدنا أن هذا العقد غير جائز، فهو بيع لشيء غير موجود لدى البائع، وكما هو معلوم مشهور قول الرسول صلي الله عليه وسلم: ((لا تبع ما ليس عندك)) (١) وكان المخرج هنا هو عقد الاستصناع. وفي حالة أخرى جاء إلى المصرف من يطلب أن يشتري بالأجل بعض المواد، ويريد مبلغا آخر يكون أجرا للعمال الذين سيقومون بالتصنيع والتركيب. فرأينا أن يشتري المصرف المواد لنفسه ويقوم أيضا بالتصنيع والتركيب عن طريق الإجارة مع عدد من العمال، وقبيل هذا كله يتم عقد استصناع بينه وبين طالب الشراء والقرض.

стр. 12970

فعقد الاستصناع إذن يمكن أن يكون له دور كبير في السوق الإسلامية، وعلى الأخص في حالتين: الأولى: السلع والمعادن غير الموجودة بالسوق إذا كانت تدخل في الصناعات. ثانيا: السلع والمعادن المذكورة إذا كانت موجودة غير أن طالب الشراء لا يستطيع أن يدفع الثمن إلا مؤجلا، ولا يقدر في الحال على تكلفة التصنيع. وإذا كان المتعامل في السوق من أصحاب المصانع فإن الحاجة إلى عقد الاستصناع تكون واضحة جليه بلا ريب. الاستصناع المتوازي: المستثمر غير الصانع، سواء أكان تاجرا أم شركة أم مصرفا إسلاميا، إذا طلب منه أحد المشترين شراء أي شيء مصنوع غير موجود عنده، ولا يستطيع أن يقوم بتصنيعه، فإنه يستطيع أن يقوم بالاستصناع المتوازي، فيعقد مع طالب الشراء عقد استصناع، يكون فيه الطالب هو المستصنع ويكون المستثمر هو الصانع، ويحدد في العقد جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة، وموعد التسليم. وبالشروط ذاتها يقوم المستثمر بعقد استصناع آخر مع أي صانع، والمستثمر عادة يدفع الثمن في الحال، ويدفع جزءا منه قبل البدء في العمل. وفي عقد الاستصناع الآخر يقبل المستثمر من المستصنع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة، ومن هنا يأتي مجال الاستثمار، حيث يختلف الثمن في كل عقد عن الآخر، فيزيد المؤجل عن الحال.

стр. 12971

المبحث الرابع الوعد عندما يريد أحد شراء شيء مما ليس عند البائع، أو يريد تاجر طلب سلع إلى السوق ويخشى كسادها، أو تكون أكثر من حاجة المتعاملين في السوق، عندئذ يمكن أن يأتي دور الوعد تجنبا للبيع المحظور. فيقوم طالب الشراء بالبحث عمن يستطيع أن يحضر ما يريد، ويعده بأن يشتريه منه متى أحضره، وكذلك يقوم التاجر بالبحث عن المشترين الذين يرغبون في هذا النوع من السلع، ويأخذ من كل منهم وعدا بالشراء بعد أن يجلب هذه السلعة وفي ضوء هذه الوعود يحدد التاجر ما يجلبه. فالوعد هنا ييسر على المشترين والبائعين، فتنشط حركة التجارة وتروج. وحتى لا يكون الوعد لغوا لا أثر له، وحتى لا يكون أيضا كالبيع نفسه فنقع في مخالفة شرعية، وحتى لا يكون ما لا نريده في السوق الإسلامية، نطبق قرار المجمع الموقر في دورته الخامسة بشأن الوفاء بالوعد في المرابحة للآمر بالشراء، حيث نص القرار على ما يأتي: ثانيا: الوعد (وهو الذي يصدر عن الآمر أو المأمور على وجه الانفراد) يكون ملزما للواعد ديانة إلا لعذر وهو ملزم قضاء إذا كان معلقا على سبب ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد. ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الضرر الواقع فعلا بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر.

стр. 12972

ثالثا: المواعدة (وهي التي تصدر عن الطرفين) تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين كليهما أو أحدهما، فإذا لم يكن هناك خيار فإنها لا تجوز؛ لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه، حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكا للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي صلي الله عليه وسلم (عن بيع الإنسان ما ليس عنده) انتهى المطلوب نقله. المواعدة في الصرف الصرف: وهو بيع الأثمان بعضها ببعض، له أحكامه المعروفة، وتنطبق شروط صحته على بيع العملات بعضها ببعض، وهذا أمر قد استقر بحمد الله تعالى، وصدرت فيه قرارات المجامع الفقهية والمؤتمرات المتعددة التي شارك فيها عدد كبير من فقهاء العصر ورجال الاقتصاد. (١) ووجود القبض في المجلس لا خلاف حوله، ولكن يجب أن نتذكر صور القبض في عصرنا كما أقرها المجمع الموقر في دوراته السابقة. وإذا جاز الوعد في البيع بصفة عامة، أفيجوز المواعدة في الصرف بصفة خاصة؟ انتهى بعض الباحثين إلى جواز هذه المواعدة بشرط أن يكون الوعد غير ملزم أخذا برأي أهل الظاهر خلافا للجمهور. ورأى آخرون جواز المواعدة دون اشترط عدم الإلزام، واحتجوا بقول نسبوه للإمام الشافعي ﵁ أورده في الأم، وبرأي أهل الظاهر.

стр. 12973

ولعل الفريقين معا جانبهما التوفيق والصواب، وإن كان الأول أقل خطأ من الآخر، غير أن مثل هذا الوعد لا وزن له في معاملات العصر وعلى الأخص في التغير الكبير الذي يطرأ من وقت لآخر على أسعار الصرف، مما قد يترتب عليه خسارة مبالغ طائلة هائلة. وننظر في أدلة الثاني، حيث تتضمن دليل الفريق الأول وزيادة. هل خالف الإمام الشافعي جمهور الأئمة؟ نسب هذا الفريق للإمام الشافعي أنه قال في الأم: " إذا تواعد الرجلان في الصرف فلا بأس أن يشتري الفضة ثم يقر أنها عند أحدهما حتى يتبايعاها ويصنعا بها ما شاءا" وهذه العبارة فيها حذف وتحريف، وتحتاج إلى تكملة ليتضح المعنى: أما الحذف فهو فاعل يشتري، وهو كلمة الرجلان " أن يشتري الرجلان الفضة" فالشراء ليس من أحدهما، بل اشترك فيه الاثنان معا. وأما التحريف ففي كلمة " يقر أنها" أي يعترف بها، والصواب " يقرانها" بألف الاثنين، أي أن الرجلين يودعان الفضة عند أحدهما. (١) ما جاء في كتاب الأم: ذكرته مع تكملة له في المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي (سنة ١٤٠٣هـ –١٩٨٣ م) لأبين للسادة المشاركين أن كلام الإمام الشافعي ينصرف إلى معنى آخر غير المواعدة في الصرف.

стр. 12974

وما نقلته من كتاب الأم هو ما يأتي: قال الشافعي: " إذا تواعد الرجلان الصرف فلا بأس أن يشتري الرجلان الفضة ثم يقرانها عند أحدهما حتى يتبايعاها ويصنعا بها ما شاءا. قال الشافعي: ولو اشترى أحدهما الفضة ثم أشرك فيها رجلا آخر وقبضها المشترك ثم أودعها إياه بعد القبض فلا بأس. وإن قال: أشركك على أنها في يدي حتى يبيعها لم يجز" (١) " انتهى المطلوب. ويتضح مما سبق أن الإمام الشافعي يتحدث عن موضوع القبض إذا اتفق اثنان على الاشتراك في الصرف، فاشترى الشريكان معا الفضة، ثم وضعاها عند أحدهما حتى يتبايعاها ويصنعا بها ما شاءا، فهذا جائز. ويجوز أيضا أن يشتريها أحدهما، ثم يشرك فيها رجلا آخر، ويتم قبض المشترك، وبعد القبض يودعها إياه. أما إذا أشرك الآخر وأبقاها في يده حتى يتم بيع الفضة دون أن يقبضها المشترك فإن هذا لا يجوز. فحديث الإمام إذن عن قبض الشريكين، وهما طرف واحد في عقد الصرف وليسا طرفين. فكلمة " تواعد الرجلان الصرف " تعني أنهما تواعدا على الاشتراك في الشراء، ولذلك قال بعد هذا: "فلا بأس أن يشتري الرجلان الفضة....". والخلاف الذي نراه في القاعدة على الصرف بين الأئمة الأربعة هو إذا اتفق المتواعدن على الصرف، ولم تكن النقود حاضرة، ثم أحضر النقود وهما في مجلس العقد لم ينصرفا، وتم التقابض في المجلس نفسه قبل أن يتفرقا. فالإمام مالك لا يجيز هذه المواعدة خلافا للائمة الثلاثة. أما إذا تفرق المتواعدان من غير قبض كل من العوضين فالعقد باطل عند الأربعة جميعهم. جاء في حاشية الدردير (٢ / ١٦ مع بلغة السالك) : "ويفسد الصرف (أو غاب نقداهما) معًا عن مجلس العقد ولو لم يطل، لأنه مظنة الطول. ومعناه – كما قال في المدونة – أن تعقد الصرف مع غيرك وليس معكما شيء، ثم تقترض الدينار من رجل بجانبك وهو يقترض الدرهم من رجل بجانبه، ودفعت له الدينار ودفع لك الدرهم، فلا خير فيه، ولو لم يحصل طول.

стр. 12975

ولو كانت الدراهم معه واقترضت أنت الدينار، فإن كان أمرا قريبا كحل الصرة، ولم تقم ولم تبحث له، فذلك جائز. ومعنى لا خير فيه: أنه حرام ". وقال ابن رشد (الجد) في المقدمات: (ص ٥٠٧) : "لا يجوز في الصرف مواعدة " وقال ابن قدامة في المغني: (٤ / ١٦٩- ١٧١) " ... اصطرفا في الذمة، نحو أن يقول: بعتك دينار مصريا بعشرة دراهم، فيقول الآخر: قبلت، فيصح البيع سواء كانت الدراهم والدنانير عندهما أو لم يكونا إذا تقابضا قبل الافتراق، بأن يستقرضا أو غير ذلك. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك: لا يجوز الصرف إلا أن تكون العينان حاضرتين، وعنه: لا يجوز حتى تظهر إحدى العينين وتعين، وعن زفر مثله؛ لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ((لا تبيعوا غائبا منها بناجز....)) . ورد ابن قدامة بقوله: "ولنا أنهما تقابضا في المجلس فصح كما لو كانا حاضرين ... " ثم قال: " إذا ثبت هذا فلا بد من تعيينهما بالتقابض في المجلس ". وقال أيضا: " فإن تفرقا من غير قبض بطل العقد " وفي كتاب المجموع شرح المهذب جاء بيان الخلاف بين الإمام مالك والجمهور، وهو كما جاء في المغني، وجاء ذكر رأي الشافعية ( ... ثم يعينان ويتقابضان قبل التفرق. إن لم يكن معهما فاستقرضا وتقابضا جاز (١) . مما سبق نرى أن الإمام الشافعي مع الجمهور، خلافا لمالك في جواز المواعدة على الصرف بشرط أن يتم التقابض في المجلس قبل الافتراق، أما إذا كانت المواعدة بغير تقابض في المجلس فقد أجمع الأئمة على المنع وعدم الجواز. وخالف ابن حزم الأئمة الأربعة حيث قال في المحلى: " التواعد في بيع الذهب بالذهب أو الفضة بالفضة، وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض، جائز تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا؛ لأن التواعد ليس بيعا، وكذلك المساومة أيضا جائزة - تبايعا أو لم يتبايعا – لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك، وكل ما حرم علينا فقد فصل باسمه" (٢)

стр. 12976

وهذه المخالفة مبنية على رأيه في الوعد والعقود ففي آخر النذور من المحلى عقد مبحثا عنوانه " الوعد " وقال: " ومن وعد آخر بأن يعطيه مالا معينا أو غير معين أو بأن يعينه في عمل ما، حلف له على ذلك أو لم يحلف – لم يلزمه الوفاء به، ويكره له ذلك، وكان الأفضل لو وفى به. وسواء أدخله بذلك في نفقة أو لم يدخله..إلخ " (١) وفي كتاب الجعل من المحلى قال: " لا يجوز الحكم بالجعل على أحد، فمن قال لآخر: أن جئتني بعبدي الآبق فلك علي دينار، أو قال: إن فعلت كذا وكذا فلك علي درهم، أو ما أشبه هذا فجاءه بذلك – أو هتف وأشهد على نفسه: من جاءني بكذا فله كذا فجاءه به، لم يقض عليه بشيء ويستحب لو وفى بوعده" (٢) ورد على القائلين بوجوب الجعل، وقال: " العقود التي أمر الله تعالى بالوفاء بها إنما هي العقود المنصوص عليها بأسمائها وأن كل ما عداها فحرام عقده" انتهى المطلوب. ومن المعروف أن المواعدة في الصرف في عصرنا تأخذ حكم العقد اللازم، ولا يستطيع أحد المتعاقدين أن يقوم بعدم اللزوم، وأن يجعل لنفسه الحق في عدم إتمام ما اتفق عليه، وهذا يعني أن عقود الوعد في الصرف تعتبر حراما عند ابن حزم نفسه لأنها ليست من العقود المنصوص عليها بأسمائها والنتيجة هي أن الأئمة جميعا يمنعون هذا النوع من التعامل. البديل الشرعي للمواعدة في الصرف: بحثت عن هذا البديل لمصرف قطر الإسلامي، حيث لم يجز له المواعدة في الصرف سواء أكان الوعد ملزما أم غير ملزم. والبديل الشرعي هو ما بينته من قبل عند الحديث عن البيع الآجل.

стр. 12977

الخاتمة مما سبق ننتهي إلى ما يأتي: أولا: يمكن الاستفادة من السلم في إقامة السوق الإسلامية، وحيث لا يجوز بيع السلعة المشتراة سلما قبل قبضها كما قرر المجمع، فإن المخرج الشرعي نجده في السلم الموازي ثم الحوالة، وهذا يساعد في نجاح التطبيق في السوق الإسلامية. ثانيا: البيع الآجل له دور كبير في السوق الإسلامية، وما يجوز منه يمكن أن يوجد مخرجا للصرف غير الجائز، والمواعدة في الصرف. ثالثا: الاستصناع كما أقره المجمع يقوم في بعض الحالات بدور لا يستطيع القيام به البيع الآجل والسلم، أما الاستصناع المتوازي فقد يكون ضروريا لابد منه. رابعا: الوعد بشراء السلع آجلا ييسر على المشترين والبائعين، وينشط حركة التجارة ويضبط بقرار المجمع بشأن الوفاء بالوعد في المرابحة للآمر بالشراء. أما المواعدة في الصرف فإنها غير جائزة، والمخرج أشرت إليه. هذا ما انتهيت إليه وهناك عقود أخرى ستجد لها مكانا في السوق الإسلامية، كالوكالة والإجارة والجعالة والمشاركة، ولكل منها شروطه وضوابطه الشرعية. وقد رأيت الاكتفاء بالحديث عما سبق. ونسأل الله تعالى أن تظهر هذه السوق الإسلامية التي تحكم شرع الله تعالى فيظهر العدل ويمنع التغابن وتختفي العقود المحرمة، ويومئذ يفرح المؤمنون، والحمد لله تعالى في الأولى والآخرة. " سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين".

стр. 12978

ملخص البحث يبدأ البحث – بعد التقديم – ببيان المنهج التطبيقي للاستفادة من السلم في إقامة السوق الإسلامية. وحيث لا يجوز بيع السلعة المشتراة سلما قبل قبضها؛ فقد بين البحث المخرج الشرعي، وهو السلم الموازي والحوالة وناقش الاعتياض عن دين السلم، والحوالة به، والحوالة عليه. وأشار إلى صكوك السلم، والأساس الخاطئ الذي بنيت عليه. وبعد هذا الحديث عن البيع الآجل، مع الإشارة إلى صكوك المقايضة، وبيان طريقة عملية تعتمد على البيع الآجل لتكون بديلا للصرف غير الجائز. ثم بين أهمية الاستصناع، وأنه - كما أقره المجمع - يقوم في بعض الحالات بدور لا يستطيع القيام به البيع الآجل والسلم. وتحدث عن الاستصناع المتوازي بين أنه قد يكون ضروريا لابد منه. وجاء آخر موضوعات البحث عن الوعد، وبيان أنه ييسر على المشترين والبائعين وينشط حركة التجارة، مع ضبطه بقرار المجمع بشأن الوفاء بالوعد في المرابحة للآمر بالشراء. كما ناقش المواعدة في الصرف وبين عدم جوازها، وأشار إلى البديل الشرعي وهنا جاءت خاتمة البحث. الدكتور علي السالوس

стр. 12979

المراجع بعد كتاب الله تعالى ١- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: محمد ناصر الدين الألباني – المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية. ٢- الاستصناع: د- علي أحمد السالوس- بحث قدم لمجمع الفقه بمنظمة المؤتمر الإسلامي الدورة السابعة. ٣- الأم للإمام الشافعي – مكتبة الشعب بالقاهرة. ٤- بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع: علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني – دار الكتب العلمية بلبنان، الطبعة الثانية. ٥- بلغة السالك لأقرب المسالك إلى مذهب الإمام مالك. أحمد بن محمد الصاوي – ومعه حاشية أحمد بن محمد الدردير. ط. مصطفى البابي الحلبي بمصر ١٣٧٢هـ. ٦- تهذيب التهذيب لابن حجر. ٧- روضة الطالبين للإمام النووي – المكتب الإسلامي.

стр. 12980

٨- سنن ابن ماجه: ٩- السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار. محمد بن علي الشوكاني – دار الكتب العلمية ببيروت. ١٠ - الشرح الكبير: شمس الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة المقدسي. دار الكتاب العربي ببيروت سنة ١٣٩٢ هـ ١١- عقيدة الإمامة عند الشيعة الاثني عشرية: د: علي أحمد السالوس- دار الاعتصام بالقاهرة، الطبعة الأولى. ١٢- عون المعبود شرح سنن أبي داود: أبو الطيب محمد شمس الحق العظيم أبادي. مع شرح الحافظ ابن قيم الجوزية - المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، الطبعة الثانية ١٣- فتح القدير: كمال الدين محمد بن عبد الواحد: ابن الهمام ومعه الهداية وشروحها: العناية، والكفاية- دار إحياء التراث العربي ببيروت.

стр. 12981

١٤- كتاب المجموع شرح المهذب للشيرازي: محمد بخيت المطيعي – المكتبة العالمية بالقاهرة. ١٥- لسان العرب لابن منظور. ١٦- المحلى: أبو محمد علي بن أحمد بن حزم مكتبة الجمهورية العربية بالقاهرة – ١٣٨٧هـ. ١٧- مختار الصحاح للرازي. ١٨- المدونة الكبرى للإمام مالك – دار صادر، بيروت. ١٩- المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية بالقاهرة ٢٠- المقدمات الممهدات: ابن رشد (الجد) : أبو الوليد محمد بن أحمد دار صادر، بيروت.

стр. 12982

٢١- المغني: موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة دار الكتاب العربي ببيروت سنة ١٣٩٢ هـ. ٢٢- المغني في الضعفاء للذهبي. ٢٣- ميزان الاعتدال للذهبي. ٢٤- نصب الراية لأحاديث الهداية. جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي – المكتب الإسلامي. ٢٥- النقود واستبدال العملات: د. علي أحمد السالوس دار الاعتصام، الطبعة الثانية. ٢٦- الهداية في تخريج أحاديث البداية: أبو الفيض أحمد بن محمد الغماري ومعه: بداية المجتهد لابن رشد (الحفيد) – عالم الكتب، بيروت، طبعة أولى.

стр. 12983

المناقشة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السوق الإسلامية الرئيس: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. في هذه الجلسة الصباحية المباركة- إن شاء الله تعالى – يناقش موضوع التطبيقات الشرعية لإقامة السوق الإسلامية المشتركة. العارض هو فضيلة الشيخ علي السالوس، والمقرر هو الشيخ علي القره داغي، تفضل فضيلة الشيخ علي السالوس! الشيخ علي السالوس: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونسأله أن يجنبنا الزلل في القول والعمل ونصلي ونسلم على رسوله خير البشر وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واتبع سنته إلى يوم الدين. التطبيقات الشرعية لإقامة سوق إسلامية، الموضوع كما حدده المجمع المراد منه هو المنهج التطبيقي للاستفادة من العقود الخاصة كالسلم والاستصناع ونحوها، ومن الوعد بالبيع والصرف في إقامة السوق الإسلامية للسلع والعملات مع الاحترام لطريقة التعامل الشرعي والالتزام بها. وكتب في هذا المبحث باحثان: فضيلة الأخ الأستاذ الدكتور علي القره داغي وبحثي، ولذلك لعل المهمة تكون سهلة يسيرة إن شاء الله. في المبحث الأول بدأت بالسلم، والسلم بشروطه المعروفة يمكن أن يستفاد منه في إقامة السوق الإسلامية حيث يستفيد المشتري من رخص الثمن في استثمار فائض المال، وعند حلول الأجل يتسلم المبيع بأية صورة من صور القبض التي أقرها المجمع الموقر، يستطيع المشتري أن يبيع بيعا حالا إن كان في حاجة إلى الثمن في الحال وإن لم يكن في حاجة إلى الثمن يمكن أن يبيع بيعا آجلا بثمن يربو على الثمن الحال كما هو معلوم وبذلك يكون استثمر المال مرتين، ثم يستمر في استثماره بعد ذلك بالطريقة التي تناسبه، ومن اشترى سلما أو باع بيعا أجلا واحتاج إلى المال قبل الأجل يستطيع في المنهج غير الإسلامي أن يقترض بالربا المحرم أو أن يبيع دين السلم ويحيل المشتري على البائع الأول.

стр. 12984

في الحلول المقترحة في المنهج الإسلامي. بيع دين السلم، المجمع اتخذ فيه قرارا من قبل، كذلك مجمع الرابطة، لذلك لم أبحثه ولم أتعرض له، بل ذكرت القرار. فضيلة الأخ الدكتور القره داغي بحث الموضوع وانتهى إلى جواز بيع دين السلم خلافا لما انتهى إليه المجمعان. ولأن بيع دين السلم غير جائز بحسب قرار المجمع، بحثت عن الحلول الأخرى، وكذلك فضيلة الدكتور بحث أيضا مع قوله بجواز بيع دين السلم عن حلول أخرى، وهي السلم الموازي والحوالة، واتفقنا في هذا بالنسبة للسلم الموازي، من اشترى سلما وكان الأجل بعد عام مثلا، وبعد ثلاثة أشهر احتاج إلى الثمن، فإنه يستطيع أن يبيع سلما مثل الدين الموصوف في الذمة، ويكون الأجل بعد تسعة أشهر، ويلاحظ هنا أن علاقته بالمشتري منفصلة تماما عن علاقته بالبائع، فالعقدان منفصلان، فعليه أن يتسلم المبيع في الموعد ثم يسلمه للمشتري، وقد يبيع مقدارا أكثر أو أقل مما اشتراه سلما تبعا لحالته الخاصة ما دام العقدان منفصلين، وإذا كان الدينان متساويين في القدر والصفة والأجل أيمكن أن يستفاد من عقد الحوالة؟ وتصبح العلاقة بين البائع الأول المدين والمشتري الثاني الدائن، ويكون المحيل هو المشتري أولا فهو دائن وهو البائع ثانيا فهو مدين فهو إذن دائن للبائع الأول المحال عليه وفي الوقت نفسه مدين للمشتري الثاني المحال، فمع تحقق شرط تساوي الدينين لصحة الحوالة أيمكن الاستفادة من عقد الحوالة؟ بحثنا هذا الموضوع وذكرت من النقول ما يبين أن الحوالة بدين السلم جائزة عند الجمهور، وناقشت الذين لم يجيزوا، وناقشت فضيلة الدكتور علي أيضا، وانتهينا إلى جواز الحوالة بدين السلم أما الحوالة على دين السلم فهذا ما رأينا أنه خلاف ما عليه الجمهور، فهو رأي عند الشافعية وذهب إليه الشوكاني.

стр. 12985

فضيلة الدكتور علي القره داغي ذكر أيضا أن الحنفية أجازوا الحوالة على دين السلم، لكن النقل الذي ذكره يبين الحوالة به وليس عليه، فلعل فضيلته عنده شيء آخر غير المنقول في بحثه أما المنقول في بحثه لا يبين أن الحنفية يجيزون الحوالة على دين السلم، وما نقلته أنا يبين أنهم لا يجيزونه. وقال أيضا بأن المالكية في غير الطعام يجيزون الحوالة عليه، فهذا أيضا فيه نظر. فانتهينا إذن إلى جواز الحوالة بدين السلم، أما الحوالة على دين السلم فإذا رأى المجمع الموقر أن يأخذ بهذا الرأي فقد وضعنا عدة شروط: الشرط الأول: رضا المحال عليه لأن الدين غير مستقر، وإذا فسخ العقد فلا يلزمه إلا الثمن الذي أخذه دون أدنى زيادة، ولا يطالب بثمن المبيع بقيمته عند حلول الأجل، فقد يؤدي إلى الربا. الشرط الثاني: عدم براءة المحيل حتى تنقضي الحوالة، والشرط الثاني باتفاق الباحثين، لأنه إذا باع سلما بثمن أكبر مما دفعه في الشراء وفسخ العقد لا يستحق إلا الثمن الذي دفعه، ويجب عليه رد الثمن الذي أخذه ويمكن في هذه الحالة الأخذ برأي من أجاز الاعتراض عن بيع السلم، وهذا يساعده على حل المشكلة دون الوقوع في محظور شرعي، إذا نظرنا إلى الثمن وعدم جواز أخذ زيادة عليه.

стр. 12986

فضيلة الدكتور علي أضاف هنا نقطة أخرى، حيث قال: ويجوز هنا بيع دين السلم، مع اتفاقه بأنه لا يجوز إذا فسخ العقد أن يأخذ المشتري أكثر مما دفع، وقد اتفق الباحثان على هذا على أنه إذا فسخ العقد فالمشتري ليس له إلا ما دفع من الثمن، ولذلك إذا تمت حوالة وفسخ العقد فإنه يأخذ ما دفعه للبائع الأول، ويعطي ما أخذه من المشتري الثاني، لقد تم اتفاق الباحثين على هذا، والأدلة بينة. فضيلته أضاف أشياء أخرى مثل التولية والشركة والحطيطة والمصالحة والوكالة ونحوها، كما إذا فسخ العقد ولم يتمكن من تسليم المدين يمكن أن يلجأ إلى أمور أخرى. أضفت أنا شيئا آخر وهو مما يجب أخذه في الاعتبار أن هذا الحل لا ينطبق على أنواع المقامرة أو ما يعرف في معاملات الأسواق العالمية باسم المضاربة ولذلك قبل أن نشتري سلما لا بد من التأكد من أن البائع مضاربا أي مقامرا وإنما ممن يتوقع وجود السلعة المبيعة في ملكه عند حلول الأجل، وهذا ينطبق عليه ما ذكره الفقهاء في شروط السلم من أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله. فالبائع إذا يريد البيع فعلا وليس المقامرة. ونلاحظ في المعاملات المعاصرة أن العقود التي يراد بها المضاربة في البرص الآجلة قد لا يبلغ فيها التسليم والتسلم ١ % كما ظهر من الإحصائيات عند مناقشة هذا الموضوع من قبل دورات للمجمع وندوات سابقة. فهؤلاء المقامرون لا حل لهم في المنهج الإسلامي قبل التوبة، وترك هذا النوع من القمار. كما نلاحظ أيضا أن العقود التي تجمع بين متعاقدين يريدون البيع والشراء فعلا هذه العقود تنتهي عادة بالتسليم والتسلم، وقلما تتعرض للفسخ إلا لظروف طارئة، ومثل هذه العقود متى كانت سلما بشروطه الشرعية، واحتاج المشتري إلى الثمن، أو التصرف في المبيع قبل الأجل، يمكن الاستعانة بالسلم الموازي، ثم الحوالة.

стр. 12987

بعد هذا انتقلت إلى نقطة أخرى وهي: صكوك السلم: اقترح أحد الإخوة الباحثين إحداث ورقة مالية تمثل دين السلم بحيث تكون صكا قابلا للتداول. والاقتراح يقوم على أساس بيع دين السلم قبل قبضه وقبل حلول أجله، بل جواز تعدد هذا البيع. فضيلة الدكتور القره داغي أشار إلى هذا الموضوع وذكر بأنه سيكتب فيه ولكنه لم يكتب واكتفى بمجرد إشارة فقط إلا أنه بحسب ما انتهى إليه من أنه إذا فسخ العقد فإن المشتري لا يأخذ أكثر مما دفع. أعتقد أن صكوك السلم لا تتفق مع ما انتهى إليه ولا مع ما انتهيت إليه ولا مع قرار المجمع؛ لأن صكوك السلم إذا ترتبت وتباع فإن البائع لا يدري من المشتري النهائي، قد يكون باع بمائة، والمشتري النهائي اشترى بمائة وخمسين فإذا لم يتمكن من التسليم معناه طالب بمائة وخمسين، وهذا بالإجماع غير جائز. ولذلك رأيت أن هذا الموضوع لا يحتاج إلى مناقشة لأني ناقشت الباحث من قبل، وبينت له خطأ هذا الرأي، لكن أعتقد بعد قرار المجمع في عدم جواز بيع السلم ومع الإجماع على أن عقد السلم إذا فسخ فالمشتري لا يستطيع أن يأخذ من الثمن أكثر مما دفع، وإلا كان ربا، أعتقد أن هذا يبين أنه لا يجوز إطلاقا أن يصدر صكوكا للسلم.

стр. 12988

انتقلت بعد هذا إلى المبحث الثاني، وهو البيع الآجل، ولكن فضيلة الدكتور علي انتقل إلى الاستصناع مباشرة، وإنما أشار إلى البيع بصفة عامة ولكني وقفت عند البيع الآجل لأسباب، فالبيع الآجل بضوابطه الشرعية له دور كبير في السوق الإسلامية حيث يستفيد البائع من زيادة الثمن فيكون وسيلة مشروعة لاستثمار المال بديلا كالقرض الربوى. وإذا احتاج البائع إلى الثمن قبل حلول الأجل فقد يجد المخرج في بيع السلم ولكن إذا توقع من البداية عندما يدرس ظروف استثمار المال أنه سيحتاج إلى الثمن - كله أو بعضه – قبل حلول الأجل، فإن الأفضل في هذه الحالة أن يلجأ إلى البيع الآجل أو على الأقل لا يستثمر إلا جزءا قليلا ولعل الأفضل في هذه الحالة الاستثمار في صكوك المقارضة، حيث يستفيد من أرباحها ويبيعها متى أراد. وأحب أن أذكر هنا طريقة عملية تعتمد على البيع الآجل اقترحتها على المصرف الإسلامي لتكون بديلا للصرف غير الجائز فالمصرف قد يكون في حاجة إلى عملة معينة بعد فترة زمنية ويخشى المخاطر فربما يرتفع سعر صرفها حينئذ، ولذلك يريدها بسعر اليوم، وعلى العكس من ذلك قد يكون من حقه عملة معينة بعد مدة، وهو لا يحتفظ بمثل هذه العملة وإنما يستبدلها بأخرى ويخشى أيضا مخاطر تغير سعر الصرف. وفي كلتا الحالتين لا يستطيع أن يتعاقد على صرف آجل وهذا سأبينه بعد هذا. وللتوضيح أذكر المثال الآتي: مصرف قطر الإسلامي يتعامل بالريال القطري أساسا، فهو العملة المحلية وسعر صرف الريال ثابت بالنسبة للدولار الأمريكي فقط، ولذلك فهو لا يحتفظ بمبالغ كبيرة إلا بهاتين العملتين وفي العمليات التي يقوم بها وما يترتب عليها من ديون له أو عليه أو مشروعات تحتاج مستقبلا إلى القدر من النقود، أو تأتي بعائد إذا كان ما يأتيه مستقبلا، أو ما يلتزم به سيكون بغير الريال والدولار، فماذا يفعل؟. فمثلا المطلوب منه بعد ثلاثة أشهر خمسه ملايين مارك، أو سيوضع في حسابه بعد سنة مليون جنيه، ويريد شراء الماركات وبيع الجنيهات بسعر صرف اليوم صرف اليوم مع الدولار. في الحالة الأولى: المصرف يستثمر جزءًا من الأموال في البيوع الآجلة، وهي في البيوع المحلية بالريال، وفي الخارجية بالدولار. وفي هذه الحالة يجعل بعض صفات بيوعه الآجلة بالمارك في حدود خمسه ملايين، أي أنه يبيع بيعا آجلا، بدلا من أن يبيع بالدولار يبيع بالمارك ويكون الآجل أقل من ثلاثة اشهر ولو بيوم واحد، حيث أنه قبل الثلاثة أشهر يأخذ خمسه ملايين مارك أو أكثر قليلا أو أقل قليلا، فلا يتعرض لخطر الصرف متى جاء هذا المبلغ استطاع أن يدفعه وبذلك يتسلم الثمن قبيل موعد التزامه، حيث يقوم بالتسليم بعد ذلك دون حاجة إلى شراء المارك وبهذا لا يتعرض لمخاطر الصرف بالنسبة للدولار والمارك.

стр. 12989

الحالة الثانية: يقوم بشراء سلعة أو سلع لأجل أبعد من العام ولو بيوم واحد. ويكون الثمن مليون جنيه، أو أقل أو أكثر بقليل وعندما يوضع المليون في حسابه لا يحتاج إلى بيعه بالدولار، ويتعرض لمخاطر الصرف، حيث يكون محتاجا إليه لدفع ثمن ما اشتراه من قبل بالآجل، وبذلك ينقل المبلغ من حسابه لحساب البائع، وما اشتراه في هذه الحالة يبيعه بالريال أو الدولار ارتباط الأجل السابق، وإنما تدخل هذه السلع في وعائه الاستثماري، فيبيع بيعا حلا أو آجلا، إلى أجل قريب أو بعيد تبعا لحالات الاستثمار وفرصه. اعتراض: عندما اطلع بعض السادة الأجلاء على هذا الاقتراح، رأوا أنه وإن كان مخرجا شرعيا لكنه غير عملي، حيث إن التزام المصرف لا يستطيع أن يخل بها على حين نجد المتعاملين مع المصارف الإسلامية منهم المدين المماطل، ومنهم المعسر، وما أكثر الديون المتأخرة كما هو معلوم، فكيف نجعل التزامات أمثال هؤلاء في مقابل التزامات المصارف؟ وهذا الاعتراض في موضعه، والديون المذكورة منها ما هو غير موجود الأداء ولذلك لم نغفل عن هذا الملحظ، وكان لا بد من مراعاته وإلا أصبح هذا البديل لا جدوى له. والاعتراض ينطبق على الحالة الأولى فقط دون الثانية.

стр. 12990

ولتخطي هذه العقبة رأينا أن تقتصر الحالة الأولى على التجارة الدولية والتعامل مع الدولة والشركات، ويكون لضمان الثمن الآجل كفالات مصرفية، وبذلك يستطيع المصرف أن يجعل التزاماته في مقابل التزامات مصارف أخرى. الحوالة: وفي كلتا الحالتين إذا أصبح المصرف دائنا لجهة، ومدينا لجهة أخرى وتساوي الدينان، يمكنه الاستعانة بعقد الحوالة، وهذا يختلف عن دين السلم وما وجدناه فيه من اختلاف الفقهاء، فكل من الدينين دين مستقر تجوز الحوالة به وعليه عند الجمهور. الاستصناع: عمد الباحثان للاستصناع وذكرا الاستصناع الموازي وأشار فضيلة الدكتور علي القره داغي إلى بنك قطر الدولي الإسلامي، غير أنني ذكرت هنا بعض التفصيلات العملية لأبين بطريقة عملية بعض ما حدث حتى يمكن الاستفادة منه إن شاء الله. إذا كان الحنفية قد انفردوا بقولهم في الاستصناع أخذا بالاستحسان خلافا للمذاهب الثلاثة، فإنهم قد اتفقوا على أن الاستصناع عقد غير لازم قبل العمل لكل من المتعاقدين وذك بعد الفراغ من العمل قبل أن يراه المستصنع، واختلفوا إذا أحضر الصانع العين على الصفة المشروطة، ولكنا وجدنا مجلة الأحكام العدلية تخرج على إجماع الحنفية أنفسهم، وتجعل الاستصناع عقدا لازما من بداية الإيجاب والقبول قبل العمل وهذا بينته في البحث الذي قدمته قبل هذا ويبدو أن المجمع الموقر مال إلى ما ذهبت إليه المجلة حيث قرر في مؤتمر السابع ما يأتي: " أن عقد الاستصناع – هو عقد وارد على العمل والعين في الذمة – ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط " وقرر المجمع كذلك جواز تأجيل الثمن كله أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة وفي ضوء قرار المجمع الموقر يمكن أن يقوم الاستصناع بدور لا يستطيع القيام به البيع الآجل ولا السلم، ففي البيع الآجل يكون المبيع موجودا حين العقد وهذا لا يشترط في الاستصناع وفي السلم يتم قبض الثمن كاملا وهذا أيضا لا يشترط في الاستصناع.
следующие страницы →