ومما يدل على تسامح أكثر في بيع اعتياض دين السلم من المسلم إليه أن ابن عباس الذي لم يجوز بيع البيع قبل قبضه مطلقًا (١) أجاز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح، حتى أنه لم يفرق بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما، قال ابن تيمية: "لأن البيع هنا من البائع الذي هو عليه، وهو الذي يقبضه من نفسه لنفسه، بل ليس هنا قبض، لكن يسقط عنه ما في ذمته فلا فائدة في أخذه منه، ثم إعادته إليه، وهذا من فقه ابن عباس" (٢)
٢ ـ بل إن شيخ الإسلام ذكر في توضيح الرأي القائل بجواز الاعتياض عنه سواء تعذر المسلم فيه أم لا (٣) : إن قول ابن عباس في جواز ذلك لا يعرف له في الصحابة مخالف، وذلك لأن السلم دين ثابت فجاز الاعتياض عنه كبدل القرض، وكالثمن في المبيع، ولأنه أحد العوضين في البيع فجاز الاعتياض عنه كالعوض الآخر ما دام بسعر يوم الاعتياض (٤)
قال ابن القيم: "قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس أنه قال: (إذا أسلفت في شيء إلى أجل، فإن أخذت ما أسفلت فيه، وإلا فخذ عوضًا أنقص منه ولا تربح مرتين) رواه شعبة، فهذا صحابي، وهو حجة ما لم يخالف".
ثم قال: "والذين منعوا جواز بيعه لمن هو في ذمته قاسوه على السلم، وقالوا: لأنه دين فلا يجوز بيعه كدين السلم، وهذا ضعيف من وجهين:
أحدهما: أنه قد ثبت في حديث ابن عمر جوازه، (حيث يدل على جواز بيع الثمن ممن هو في ذمته قبل قبضه، فما الفرق بينه وبين الاعتياض عن دين السلم بغيره؟) .
والثاني: أن دين السلم غير مجمع على منع بيعه ـ كما سبق ـ.
стр. 12917
والذين فرقوا بين دين السلم وغيره لم يفرقوا بفرق مؤثر، والقياس التسوية بينهما (١)
وقد أطال العلامة ابن القيم النفس في هذه المسألة وناقش المانعين مناقشة رائعة نذكرها بنصها لأهميتها فقال: "وما نهى النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه فهذا إنما هو في المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن، فإنه لا يجوز قبل قبضه، وأما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته: سقوط ما في ذمته عنه، لا حدوث ملك له فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة، فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضًا أو غيره أسقط ما في ذمته. فكان كالمستوفي دينه لأن بدله يقوم مقامه. ولا يدخل في هذا بيع الكالئ بالكالئ بحال. والبيع المعروف: هو أن يملك المشتري ما اشتراه. وهذا لم يملكه شيئا، بل سقط الدين من ذمته. ولهذا لو وفاه ما في ذمته لم يقل: إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه، بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فإنه بيع. ففي الأعيان إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين غير جنسها يسمى بيعًا. وفي الدين إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعًا. فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعًا، بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة. ولو حلف ليقضينه حقه غدًا، فأعطاه عنه عرضًا برَّ في أصح الوجهين.
وجواب آخر: أن النهي عن بيع الطعام قبل قبضه أريد به بيعه من غير بائعه. وأما بيعه من البائع ففيه قولان معروفان.
стр. 12918
وذلك لأن العلة في المنع إن كانت توالي الضمانين اطرد المنع في البائع وغيره، وإن كانت عدم تمام الاستيلاء، وأن البائع لم تنقطع علقه عن المبيع بحيث ينقطع طمعه في الفسخ، ولا يتمكن من الامتناع من الإقباض إذا رأى المشتري قد ربح فيه، لم يطرد النهي في بيعه من بائعه قبل قبضه لانتفاء هذه العلة في حقه. وهذه العلة أظهر، وتوالي الضمانين ليس بعلة مؤثرة، ولا تنافي بين كون العين الواحدة مضمونة له من وجه وعليه من وجه آخر، فهي مضمونة له وعليه باعتبارين. وأي محذور في هذا؟ كمنافع الإجارة، فإن المستأجر له أن يؤجر ما استأجره، فتكون المنفعة مضمونة له وعليه، وكالثمار بعد بدو صلاحها له أن يبيعها على الشجر، وإن أصابتها جائحة رجع على البائع فهي مضمونة له وعليه، ونظائره كثيرة.
وأيضًا فبيعه من بائعه شبيه بالإقالة، وهي جائزة قبل القبض على الصحة.
وأيضًا فدين السلم تجوز الإقالة فيه بلا نزاع، وبيع المبيع لبائعه قبل قبضه غير جائز في أحد القولين.
فعلم أن الأمر في دين السلم أسهل منه في بيع الأعيان، فإذا جاز في الأعيان أن تباع لبائعها قبل القبض فدين السلم أولى بالجواز، كما جازت الإقالة فيه قبل القبض اتفاقًا بخلاف الإقالة في الأعيان.
ومما يوضح ذلك: أن ابن عباس لا يجوز بيع المبيع قبل قبضه، واحتج عليه بنهي النبي ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه وقال: "أحسب كل شيء بمنزلة الطعام" ومع هذا فقد ثبت عنه أنه جوز بيع دين السلم ممن هو عليه إذا لم يربح فيه. ولم يفرق بين الطعام وغيره، ولا بين المكيل والموزون وغيرهما. لأن البيع هنا من البائع الذي هو في ذمته. فهو يقبضه من نفسه لنفسه، بل في الحقيقة ليس هنا قبض، بل يسقط ما في ذمته، بل يسقط ما في ذمته فتبرأ، وبراءة الذمم مطلوبة في نظر الشرع، لما في شغلها من المفسدة، فكيف يصح قياس هذا على بيع شيء غير مقبوض لأجنبي لم يتحصل بعد، ولم تنقطع علق بائعه عنه؟
وأيضًا: فإنه لو سلم المسلم فيه ثم أعاده إليه جاز. فأي فائدة في أخذه منه: ثم إعادته إليه، وهل ذلك إلا مجرد كلفة ومشقة لم تحل بها فائدة؟
ومن هنا يعرف فضل علم الصحابة وفقههم على كل من بعدهم.
стр. 12919
قالوا: وأما استدلالكم بنهي النبي ﷺ عن ربح ما لم يضمن: فنحن نقول بموجبه، وأنه لا يربح فيه، كما قال ابن عباس: "خذ عرضًا بأنقص منه، ولا تربح مرتين".
فنحن إنما نجوز له أن يعاوض عنه بسعر يومه، كما قال النبي ﷺ لعبد الله بن عمر في بيع النقود في الذمة: " لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها" فالنبي ﷺ إنما جوز الاعتياض عن الثمن بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
وقد نص أحمد على هذا الأصل في بدل العوض وغيره من الديون أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن.
وكذلك قال مالك: يجوز الاعتياض عنه بسعر يومه كما قال ابن عباس لكن مالكًا يستثني من الطعام خاصةً؛ لأن من أصله أن بيع الطعام قبل قبضه لا يجوز بخلاف غيره.
وأما أحمد: فإنه فرق بين أن يعتاض عنه بعرض أو حيوان أو نحوه، دون أن يعتاض بمكيل أو موزون، فإن كان بعرض ونحوه جوزه بسعر يومه، كما قال ابن عباس ومالك، وإن اعتاض عن المكيل بمكيل، أو عن الموزون بموزون، فإنه منعه لئلا يشبه بيع المكيل بالمكيل من غير تقابض، إذ كان لم توجد حقيقة التقابض من الطرفين. ولكن جوزه إذا أخذ بقدره مما هو دونه، كالشعير عن الحنطة، نظرًا منه إلى أن هذا استيفاء لا معاوضة، كما يستوفي الجيد عن الردئ، ففي العوض جوز المعاوضة، إذ لا يشترط هناك تقابض. وفي المكيل والموزون منع المعاوضة، لأجل التقابض، وجوز أخذ قدر حقه أو دونه، لأنه استيفاء. وهذا من دقيق فقهه ﵁.
قالوا: وأما قولكم: إن هذا الدين مضمون له، فلو جوزنا بيعه لزم توالي الضمانين فهو دليل باطل من وجهين:
أحدهما: أنه لا توالي ضمانين هنا أصلًا، فإن الدين كان مضمونًا له في ذمة المسلم إليه، فإذا باعه إياه لم يصر مضمونًا عليه بحال. لأنه مقبوض في ذمة المسلم إيه، فمن أي وجه يكون مضمونًا على البائع؟ بل لو باعه لغيره لكان مضمونا له على المسلم إليه ومضمونًا عليه للمشتري، وحينئذ فيتوالى ضمانان.
الجواب الثاني: أنه لا محذور في توالي الضمانين. وليس بوصف مستلزم لمفسدة يحرم العقد لأجلها. وأين الشاهد من أصول الشرع لتأثير هذا الوصف؟ وأي حكم علق الشارع فساده على توالي الضمانين؟ وما كان من الأوصاف هكذا فهو طردي لا تأثير له.
стр. 12920
وقد قدمنا ذكر الصور التي فيها توالي الضمانين. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه جوز المعاوضة عن ثمن المبيع في الذمة. ولا فرق بينه وبين دين السلم.
قالوا: وأيضًا فالمبيع إذا تلف قبل التمكن من قبضه كان على البائع أداء الثمن الذي قبضه من المشتري. فإذا كان هذا المشتري قد باعه فعليه أداء الثمن الذي قبضه من المشتري الثاني، فالواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان الآخر، فلا محذور في ذلك.
وشاهده: المنافع في الإجارة والثمرة قبل القطع. فإنه قد ثبت بالسنة الصحيحة التي لا معارض لها وضع الثمن عن المشتري إذا أصابتها جائحة. ومع هذا يجوز التصرف فيها. ولو تلفت لصارت مضمونة عليه بالثمن الذي أخذه، كما هي مضمونة له بالثمن الذي دفعه.
قالوا: وأما قولكم: إن المنع منه إجماع، فكيف يصح دعوى الإجماع مع مخالفة حبر الأمة ابن عباس، وعالم المدينة مالك بن أنس؟
فثبت أنه لا نص في التحريم،ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة كما تقدم، والواجب عند التنازع: الرد إلى الله وإلى رسوله ﷺ " انتهى:
٣ ـ أن الأصل في العقود أنها تنعقد بمجرد الإيجاب والقبول ـ مع توافر الشروط المطلوبة ـ فإذا انعقد العقد تحققت التزامات الطرفين، ويجب الوفاء بها تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]
стр. 12921
الاحتمال الثاني: بيع المسلم فيه لشخص آخر قبل القبض.
وقد ثار خلاف كبير في بيع المبيع قبل القبض يمكن إرجاعه إلى ثلاثة اتجاهات وهي:
الاتجاه الأول: يرى عدم جواز بيع المبيع قبل قبضه مطلقًا سواء أكان المعقود عليه طعامًا أم غيره، وسواء أكان مكيلًا أم موزونًا، عقارًا أم منقولًا.
وهذا مذهب الشافعي وأكثر أصحابه (١) ، وأحمد في رواية (٢) ، ومحمد بن عبد الحق وزفر من الحنفية (٣) ، والظاهرية (٤) ، والزيدية (٥) ، ورواية للإمامية (٦) ، والأباضية في المشهور عنهم (٧) ، وروي ذلك عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب في رواية عنه، وسفيان الثوري (٨)
الاتجاه الثاني: يرى جواز بيع المبيع، وكل تصرف فيه مطلقًا، وهذا رأي عطاء بن أبي رباح، وعثمان البتي (٩) ، ورأى للإمامية (١٠)
الاتجاه الثالث: يرى التوسط والتفصيل، وأصحاب هذا الاتجاه مختلفون على خمسة آراء، حيث ذهب أكثرهم إلى عدم جواز بيع الطعام قبل قبضه، وإلى جواز ما عداه، وهذا رأي مالك في المشهور عنه (١١) ، وأحمد في رواية عنه (١٢) ، واختيار أبي ثور وابن المنذر (١٣) ، وإليه أشار البخاري في صحيحه (١٤) .
وهذا الرأي هو الذي يدعمه الدليل (١٥) ، وقد قال الحافظ ابن المنذر: "هو أصح المذاهب ......." (١٦)
стр. 12922
هذا هو الخلاف في بيع الشيء قبل قبضه بصورة عامة، وهل هذا الخلاف يجري في بيع المسلم فيه قبل قبضه؟
إنه من الثابت في كتب المالكية والحنابلة أن مذهب مالك على جوازه فيما عدا الطعام (١) وكذلك نص عليه أحمد (٢) ، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية "فمذهب مالك أنه يجوز بيعه من غير المستسلف، كما يجوز عنده بيع سائر الديون من غير من هو عليه، وهذا أيضًا إحدى الروايتين عن أحمد، نص عليه في مواضع بيع الدين من غير من هو عليه، كما نص على بيع دين السلم ممن هو عليه، وكلاهما منصوص عن أحمد في أجوبة كثيرة من أجوبته.. وهذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد (٣) ، ثم قال: "والمقصود أن أصل أحمد ومالك جواز التصرف، وأنه يوسع في البيع قبل انتقال الضمان إلى المشتري، بخلاف أبي حنيفة والشافعي، والرواية الأخرى عن أحمد (٤)
,أصل الخلاف يعود إلى مسألة الضمان، هل هو من ضمان البائع، أم من ضمان المشتري، وهل ذلك الضمان يمنع المشتري من التصرف فيه؟
فمالك وأحمد في المشهور عنه ومن معهما قالوا: إن ما تمكن المشتري من قبضه فهو من ضمانه، وأن المشتري يستطيع أن يتصرف في المبيع قبل التمكن من قبضه؛ لأن ضمان البائع له لا يمنع تصرف المشتري الذي انتقلت إليه ملكية المبيع والمسلم فيه بمجرد العقد، قال ابن تيمية: " فظاهر مذهب أحمد أن جواز التصرف فيه ليس ملازمًا للضمان ولا مبنيًّا عليه، بل قد يجوز التصرف فيه حيث يكون من ضمان البائع كما ذكر في الثمرة، وصنائع الإجارة، وبالعكس كما في الصبرة المعينة (٥)
بينما ربط أبو حنيفة والشافعي جواز التصرف بالضمان فإذا لم ينتقل الضمان إلى المشتري لا يجوز له التصرف فيه حتى لا يتوالى الضمانان.
لكن شيخ الإسلام رد على هذا الأصل بأنه مأخذ ضعيف، وأنه لا محذور في وجود ضمانين؛ لأن الواجب بضمان هذا غير الواجب بضمان ذاك (٦) ، فلو تلف المبيع قبل التمكين من القبض فإن المشتري الثاني يعود إلى المشتري الأول وهو على البائع، وكل يرجع على الآخر بما دفعه.
стр. 12923
ويدل على أن ضمان البائع لا يمنع من تصرف المشتري في المبيع حديث ابن عمر الثابت السابق في البيع بالذهب والأداء بالفضة، أو بالعكس، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " فقد جوز النبي ﷺ أن يعتاضوا عن الدين الذي هو الثمن بغيره، مع أن الثمن مضمون على المشتري لم ينتقل إلى ضمان البائع، فكذلك المبيع الذي هو دين السلم يجوز بيعه وإن كان مضمونًا على البائع لم ينتقل إلى ضمان المشتري، والنبي ﷺ إنما جوز الاعتياض عنه بسعر يومه لئلا يربح بما لم يضمن، وهكذا قد نص أحمد على ذلك في بدل القرض وغيره من الديون، إنما يعتاض عنه بسعر يومه (١)
ومن ناحية أخرى إن ما في ذمة المدين البائع مقبوض للدائن فحينما يبيعه للآخر فكأنه سلمه إليه، وحل محله، يقول ابن تيمية، "إن ما في الذمة مقبوض للمدين (٢) كما أن الموجود في الذمة فكأنه موجود في الواقع والخارج.
الاحتمال الثالث ـ التصرف في المسلم فيه بالتولية، والشركة، والحطيطة، والمصالحة، والحوالة، والوكالة ونحوها:
فعقد الوكالة والسمسرة في السلم جائز؛ لأن القاعدة فيها هي أن كل من صح تصرفه في شيء بنفسه وكان مما تدخله النيابة صح أن يوكل فيه رجلًا أو امرأة، مسلمًا كان أو كافرًا، وكل ما يصح أن يستوفيه بنفسه وتدخله النيابة صح أن يتوكل لغيره فيه (٣)
وأما التولية، والشركة في المسلم فيه قبل قبضه فمحل خلاف بين الفقهاء:
فذهب مالك إلى جوازهما سواء أكان المسلم فيه طعامًا، أم غيره، جاء في المدونة: " قلت: ارأيت إن اشتريت سلعة من السلع فأشركت فيها رجلًا قبل أن أنقده، أو بعد ما نقدته، أيصلح ذلك في قول مالك أم لا؟
قال: لا بأس بذلك عند مالك
قال: ولقد سألت مالكًا عن رجل اشترى من رجل طعامًا بثمن إلى أجل فأتاه رجل، فقال: أشركني في هذا الطعام، وذلك قبل أن يكتال طعامه الذي اشترى.
قال مالك: لا بأس بذلك إن أشركه على أن لا ينتقد إلا إلى الأجل الذي اشترى إليه الطعام، فإن انتقد فلا خير في ذلك".
وكذلك الأمر في التولية، جاء في المدونة، "قلت: أرأيت أن اشتريت سلعة من رجل بنقد، فلم أقبضها حتى أشركت فيها رجلًا، أو وليتها رجلًا، أيجوز ذلك؟
قال: لا بأس بذلك عند مالك.
قلت: وإن كان طعامًا اشتريته كيلا، ونقدت الثمن، فوليته رجلًا أو أشركته فيه قبل أن أكتاله من الذي أشتريه؟
قال مالك: لا بأس بذلك، وذلك الحلال إذا انتقد مثل ما نفذ.
قلت: لم جوزه مالك وقد جاء في الحديث الذي يذكره مالك أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى؟
قال: قد جاء هذا، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام قبل أن يستوفى إلا ما كان من شرك، أو إقالة، أو تولية.
стр. 12924
قال سحنون: وأخبرني ابن القاسم عن سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شرك، أو إقالة، أو تولية)) .
قال مالك: " اجتمع أهل العلم على أنه لا بأس بالشرك والإقالة والتولية في الطعام قبل أن يستوفى إذا انتقد الثمن ممن يشركه، أو يقيله، أو يوليه" (١) وهذا الحديث الذي رواه الإمام سحنون بسنده، رواه أيضًا عبد الرزاق في مصنفه عن معمر، عن ربيعة عن ابن المسيب أن النبي ﷺ قال: ((التولية، والإقالة، والشركة سواء لا بأس به)) . وأما ابن جريج فقال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن النبي ﷺ حديثًا مستفاضًا بالمدينة، قال: ((من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه ويستوفيه إلا أن يشرك فيه، أو يوليه، أو يقيله)) (٢)
والحديث الذي رواه سحنون، وعبد الرزاق مرسل لكنه مرسل سعيد بن المسيب، وهو يحتج به عند جمهور العلماء. (٣)
وأما سند الحديث فالحافظ عبد الرزاق معروف بأنه ثقة حافظ (٤) ، وهو قد روي عن معمر وغيره، ومعمر أيضًا ثقة ثبت، بل عده علي ابن المديني وأبو حاتم فيمن دار الإسناد عليهم، بل اعتبره النقاد من أثبت الناس (٥) وأما ربيعة المعروف بربيعة الرأي فهو أيضًا ثقة ثبت من التابعين الفقهاء المفتين، حتى قال مالك: "ذهبت حلاوة الفقه منذ مات ربيعة" (٦)
إذن فالحديث مرسل صحيح الإسناد، أو أنه لا تقل درجته عن الحسن الذي ينهض حجة، وكذلك فهو نص في الدعوى حيث يدل بنصه على جواز الشرك، والإقالة، والتولية في الطعام قبل القبض والاستيفاء، ويقاس عليه بطريق أولى غير الطعام.
وذهب جماعة آخرون منهم الحنفية (٧) ، والشافعية (٨) ، والحنابلة (٩) إلى عدم جواز الشركة، والتولية في المسلم فيه قبل قبضه.
стр. 12925
واستدلوا بأن هذه التصرفات معاوضة في المسلم فيه قبل القبض فلم يجز، كما لو كانت بلفظ البيع، ولأنهما نوعا بيع فلم يجوزا في المسلم فيه قبل قبضه كالنوع الآخر (١) ويمكن أن يرد على هذا الاستدلال بأنه لا نسلم أن التولية والشركة بيع، ولو سلم فالبيع نفسه محل خلاف، فلا يكون الدليل ملزمًا، لأنه أيضًا محل خلاف.
ويكاد الخلاف السابق ينسحب على الصلح في المسلم فيه قبل قبضه (٢)
والذي يظهر رجحانه رأي مالك لقوة دليله، ومنطقه، وموافقة رأيه للأصل القاضي بأن الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا ما دل على حرمته، فليس هناك نص من الكتاب ولا من السنة يمنع التصرف في المسلم فيه قبل القبض عن طريق الشركة، أو التولية، أو الحيطة، أو الصلح لكنه بشرط واحد، وهو أن ينقد الثمن حتى لا يكون بيع دين نسيء بدين نسيء.
وأما الحوالة بالمسلم فيه (دين السلم) ، أو عليه فمحل خلاف كبير.
فذهب جماعة من الفقهاء منهم الحنفية (٣) ، ووجه للشافعية (٤) ، والمالكية (٥) في غير ما إذا كان البدلان: المحال به، وعليه طعام من بيع إلى جواز الحوالة بدين السلم وعليه.
وذهب الحنابلة (٦) ، ووجه للشافعية ـ رجحه النووي (٧) إلى أنه لا تجوز الحوالة بدين السلم ولا عليه.
стр. 12926
وهؤلاء المانعون استدلوا بما يلي:
أولًا: إنهم اعتمدوا في منعهم هذا على أن دين الحوالة يجب أن يكون مستقرا، وأن السلم بعرض الفسخ (١) .
ويمكن الجواب عنه بأن هذا الشرط نفسه محل خلاف وليس عليه دليل من الكتاب والسنة والإجماع، فالنص النبوي الشريف في الحوالة لم يشترط كون الدين مستقرًّا أو غير مستقر، بل قال: " فإذا أتبع ـ أو أحيل ـ أحدكم على مليء فليتبع" (٢) ، فالنص لم يشترط سوى كون المحال عليه مليئًا قادرًا على أداء الدين، ولذلك قال الشوكاني معلقًا على اشتراط استقرار الدين لدى البعض: "فلا أدري لهذا الاشتراط وجها؛ لأن من عليه الدين إذا أطال على رجل يمتثل حوالته، ويسلم ما أحال به كان ذلك هو المطلوب؛ لأن به يحصل المطلوب بدين الحال ولو لم يكن في ذمة المحال عليه شيء من الدين (٣) ، ولذلك أجاز الحنابلة أنفسهم استعمال لفظ الحوالة في صورتين ليستا بحوالة، وإنما هي وكالة وقرض (٤)
стр. 12927
ثانيًا: واستدل المانعون كذلك بأن الحوالة إما بيع وهو لا يجوز قبل قبض المبيع، أو هو كالبيع، أي يقاس عليه فيكون حكمه مثل حكمه.
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: "أن هذا الكلام مبني على أن الحوالة بيع، وهذا بناء ضعيف؛ لأن الحوالة عقد مستقل له شروطه ومواصفاته وأن اسمها ومسماها قد أثبتهما الشرع، فلا يقبل أن تدخل في عقد آخر، ومن هنا فاختلاف الاسم والمسمى لغة وشرعًا يدل على اختصاص هذا العقد بأحكامه الخاصة به دون غيره، ولذلك لا يشترط في عقد الحوالة التقابض حتى ولو كان الدينان من النقود، أو الطعام، ولا يدخل في بيع الدين بالدين الذي يمنعه الفقهاء، وجاز فيه كون أحد الدينين أكثر من الآخر وغير ذلك (١)
الوجه الثاني: أن قياس الحوالة على البيع قياس مع الفارق، لما ذكرنا في الوجه الأول.
الوجه الثالث: أن المقيس عليه نفسه مختلف فيه فلا يصلح أن يكون أصلًا ملزمًا للطرفين، فبيع المبيع قبل قبضه ـ بما فيه المسلم فيه ـ محل خلاف، كما سبق.
ثالثًا: استدلوا بما روي: ((من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره)) .
والجواب عنه ـ كما سبق ـ أنه ضعيف جدًّا لا ينهض حجة ولو فرضنا ثبوته فلا يدل على منع الحوالة؛ لأن معناه النهي عن عدم صرف المسلم فيه إلى شيء آخر، ولا يدل الحديث على منع الحوالة به أو عليه (٢)
стр. 12928
ويتبين من خلال هذه المناقشة الموجزة ضعف الحجج التي بنى عليها المانعون، حيث لم تصمد أمام المناقشة.
أما المجيزون للحوالة بدين السلم،أو عليه فحجتهم قوية ـ كما سبق.
وقد يرد تساؤل حول حق المحال في الحفاظ على حقه إذا لاحظنا أن المحيل تبرأ ذمته بمجرد الحوالة، وأن المحال عليه (المسلم إليه) يمكن أن ينفسخ سلمه للأسباب المقبولة شرعًا في الفسخ أو الإقالة، أو نحو ذلك، وحينئذ ماذا يفعل المحال في الحفاظ على حقه؟
للجواب عن ذلك نقول: إن هذه المسألة تحتاج إلى تفصيل لأن لها شقين:
الشق الأول: هل تبرأ ذمة المحيل إذا تمت الحوالة بشروطها؟
للجواب عن ذلك نقول: إن فيها اختلافًا كبيرًا بين الفقهاء.
١ ـ حيث ذهب الحسن في رواية، وشريح، وزفر إلى أن الحوالة لا يترتب عليها براءة ذمة المحيل مطلقًا، بل تبقى ذمته مع ذمة المحال عليه مشغولة كالكفالة (١)
٢ـ وذهب أبو حنيفة إلى أن المحتال لا يرجع إلى المحيل إلا بالتوى (٢) ، وهو بأحد أمرين: أن يجحد المحال عليه الحوالة، ويحلف ولا بينة للمحتال والمحيل، أو يموت مفلسًا بغير دين، ولا عين، ولا كفيل.
стр. 12929
٣ـ وأضاف صاحباه إليهما حالة ثالثة وهي: أن يحكم بإفلاسه الحاكم في حياته (١)
٤ ـ وذهب الثوري إلى أنه يرجع على المحيل في حالة الموت فقط (٢)
٥ـ وذهب الحسن في رواية، وقتادة إلى أنه إذا كان يوم أحال عليه مليئًا لم يكن له حق الرجوع على المحيل (٣)
٥ ـ وذهب مالك إلى أن المحال لا يرجع على المحيل وإن أفلس المحال عليه، أو جحد بعد الحوالة، غير أن مالكًا استثنى حالتين هما:
الحالة الأولى: أن يعلم المحيل بإفلاسه فقط دون المحال، فحينئذ له الرجوع عليه؛ لأنه غره، قال الدردير: "والظاهر أن الظن القوي كالعلم، ومثل علمه بإفلاسه علمه بلدده، أوعدمه ـ أي فقره" (٤)
وهناك رواية عن أحمد بمثل هذا القول (٥)
الحالة الثانية: أن يشترط المحال على المحيل أنه إذا أفلس المحال عليه يرجع على المحيل فله شرطه، قال الدسوقي: "ونقله الباجي كأنه المذهب، وقال ابن رشد: هذا صحيح ولا أعلم فيه خلافًا" (٦) وذهب وجه للشافعية إلى مثل هذا (٧)
стр. 12930
٧ ـ وذهب الشافعية والحنابلة في المشهور عنهم إلى أن الحوالة تبرئ ذمة المحيل إذا جرت بشروطها ـ من رضا الأطراف ـ ولاسيما المحيل والمحال، وفي المحال عليه خلاف ـ ومن كون الدين ثابتًا، أو مستقرًّا، وتماثل الدينين أو أن لا يكون ما على المحال عليه أقل ـ وحينئذ ليس للمحال الحق في الرجوع عليه بأي حال من الأحوال (١)
فمسألة براءة ذمة المحيل عن الدين ليست منصوصًا عليها، ولا متفقًا عليها، بل الذي يظهر رجحانه هو أن ذمته إنما تبرأ بشروط وضوابط منها أن يكون المحال عليه مليئًا وقت الحوالة كما اشترط ذلك النص النبوي الشريف، ومنها أن لا يموت أو يفلس قبل أداء الدين، وأن لا يشترط المحال حق الرجوع إليه مطلقًا.
الشق الثاني: أن دين السلم في حالة فسخه يبقى في ذمة المسلم إليه من خلال الثمن، لأنه قد استلم الثمن فعلًا، فإما أن يدفع المسلم فيه بشروطه ومواصفاته وحينئذ يتسلمه المحال كما هو بدلًا من دينه الذي كان على المحيل (المسلم) ، أو تحدث ظروف تؤدي إلى فسخ السلم بشروطه، وحينئذ يتسلم الثمن، وإذا وجد نقص في دينه فإنه يرجع إلى المحيل بناء على الرأي القائل بعدم براءة ذمته ـ كما سبق.
стр. 12931
وهناك حل آخر، وهو جواز الاعتياض عنه، بل بيعه لآخر بشروطه كما سبق.
ومن هنا فلا مانع أن يشترط في الحوالة على دين السلم، وأحرى به أن يوضع هذا الشرط، وهو أنه في حالة نقص المتسلم عن الدين فإن المحال يرجع إلى المحيل تحقيقًا للعدالة، كما أن المحال ينبغي أن يحتاط لنفسه فلا يقبل إلا في حدود الثمن إلا إذا كان المسلم إليه مليئًا معروفًا بقدرته على الوفاء.
الاحتمال الرابع ـ أنه إذا انفسخ عقد السلم بإقالة (١) ، أوغيرها، فهل يجوز أن يأخذ عن دين السلم عوضًا من غير جنسه؟
هذه المسألة ذكر فيها العلامة ابن القيم وجهين:
أحدهما: أنه لا يجوز ذلك حتى يقبضه، ثم يصرفه فيما شاء وهذا اختيار الشريف أبي جعفر، وهو مذهب أبي حنيفة.
والثاني: يجوز أخذ العوض عنه، وهو اختيار القاضي أبي يعلى، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مهب الشافعي، وهو الصحيح، فإن هذا عوض مستقر في الذمة فجازت المعاوضة عليه كسائر الديون من القرض وغيره.
وأيضًا فهذا مال رجع إليه بفسخ العقد فجاز أخذ العوض عنه كالثمن في المبيع.
стр. 12932
وأيضًا فحديث ابن عمر في المعاوضة عما في الذمة صريح في الجواز (١)
وهؤلاء المانعون استدلوا بالحديث السابق وهو: ((من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره..)) وقد سبق أن الحديث ضعيف جدًا لا ينهض حجة، وأنه يحتلم معاني أخرى كما سبق، قال ابن القيم "ولو صح لم يتناول محل النزاع، لأنه لم يصرف المسلم فيه في غيره وإنما عاوض عن دين السلم بغيره، فأين المسلم فيه من رأس مال السلم؟ (٢) واستدلوا كذلك بأنه مضمون على المسلم إليه بعقد السلم، فلم تجز المعاوضة عليه قبل قبضه وحيازته كالمسلم منه.
ويجاب عنه بأن قياسكم المنع على نفس المسلم فيه، فالكلام فيه أيضًا قد تقدم وأنه لا نص يقتضي المنع، ولا إجماع ولا قياس.
وقال ابن القيم: "ثم لو قدر بتسليمه لكان الفرق بين المسلم فيه، ورأس المال السلم واضحًا، فإن المسلم فيه مضمون بنفس العقد، والثمن إنما يضمن بعد فسخ العقد فكيف يلحق أحدهما باآخر؟ فثبت أنه لا نص في المنع، ولا إجماع، ولا قياس" (٣)
ثم بين ابن القيم أن حكم رأس المال في السلم بعد الفسخ حكم سائر الديون، ولك لا يجوز أن يجعل سلمًا في شيء آخر، وأنه إذا أخذ فيه أحد النقدين عن الآخر وجب قبض العوض في المجلس، لأنه صرف بسعر يومه، لأنه غير مضمون عليه، وإن عاوض عن المكيل بمكيل، أو عن الموزون بموزون من غير جنسه كقطن بحرير، أو كتان، وجب قبض عوضه في مجلس التعويض، وإن بيع بغير مكيل، أو موزون كالعقار والحيوان فهل يشترط القبض في مجلس التعويض؟ فيه وجهان:
أصحهما: لا يشترط، وهو منصوص أحمد.
والثاني: يشترط (٤)
стр. 12933
قال ابن القيم: "ونظير هذه المسألة: إذا باعه ما يجري فيه الربا كالحنطة مثلًا بثمن مؤجل فحل الأجل فاشترى بالثمن حنطة أو مكيلًا آخر من غير المجلس مما يمتنع ربا النساء بينهما، فهل يجوز ذلك؟ فيه قولان:
أحدهما: المنع، وهو المأثور عن ابن عمر وسعيد بن المسيب، وطاوس، وهو مذهب مالك، وإسحاق.
والثاني: الجواز، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة (١) ، وبه قال جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعلي بن الحسين، وهو اختيار صاحب المغني (٢) وشيخنا.. (٣)
ثم قال: "والصحيح الجواز، لما تقدم، قال عبد الله بن زيد: قدمت على علي بن حسين، فقلت له: (إني أجذ نخلي، وأبيع ممن حضرني التمر إلى أجر فيقدمون بالحنطة، وقد حل الأجل فيوقفونها بالسوق، فابتاع منهم، وأقاصهم؟ قال: لا بأس بذلك، إذا لم يكن منك على رأي) يعني إذا لم يكن حيلة مقصودة فهذا شراء للطعام بالدرام التي في الذمة بعد لزوم العقد الأول، فصح، لأنه لا يتضمن ربا بنسبة ولا تفاضل، والذين يمنعون ذلك يجوزون أن يشتري منه الطعام بدراهم، ومعلوم أن شراءه العام منه بالدراهم التي في ذمته أيسر من هذا، واقل كلفة، والله أعلم (٤)
والخلاصة أن الإقالة جائزة في عقد السلم بالاتفاق، وأن المسلم (المشتري) له الحق في أن يأخذ بدل رأس ماله (دينه) أي شيء من المسلم إليه، مع ملاحظة قواعد الصرف فيما لو كان رأس ماله نقدًا، ويأخذ الآن نقدًا آخر مكانه، أما لو كان رأس ماله عينًا فيسترد مثله أن كان مثليًا، وقيمته أن كان قيميًا.
وكذلك له الحق في أن يشتري برأس مال السلم ـ بعد فسخ ـ أي شيء آخر مع ملاحظة قواعد الربا في النقود والطعام، ولكنه لا يجوز له أن يشتري به دينًا نسيئة، لأنه لا يجوز بيع الدين بالنسيء.
وله الحق في الحوالة، والتولية والإشراك والصلح ونحو ذلك، كما سبق.
стр. 12934
٢ ـ الاستفادة من عقد الاستصناع:
إن مجمع الفقه الإسلامي الموقر قد خطا خطوة رائعة في مؤتمره السابع حسم فيها خلافًا كبيرًا بين الفقهاء، إذ قرر أن عقد الاستصناع عقد ملزم للطرفين، ولأهمية القرار نذكره هنا بنصه:
قرار رقم ٦٦ / ٣ / ٧
بشأن
عقد الاستصناع
إن مجلس الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره السابع بجدة في المملكة العربية السعودية من ٧ إلى ١٢ ذو القعدة ١٤١٢هـ، ٩ـ١٤ مايو ١٩٩٢م.
بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: (عقد الاستصناع) .
واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، ومراعاة لمقاصد الشريعة في مصالح العباد والقواعد الفقهية في العقود والتصرفات، ونظرًا لأن عقد الاستصناع له دور كبير في تنشيط الصناعة، وفي فتح مجالات واسعة للتمويل والنهوض بالاقتصاد الإسلامي.
قرر
١ ـ أن عقد الاستصناع ـ هو عقد وارد على العمل والعين في الذمة ـ ملزم للطرفين إذا توافرت فيه الأركان والشروط.
٢ ـ يشترط في عقد الاستصناع والشروط:
أـ بيان جنس المستصنع ونوعه وقدره وأوصافه المطلوبة.
ب ـ أن يحدد فيه الأجل.
٣ ـ يجوز في عقد الاستصناع تأجيل الثمن كله، أو تقسيطه إلى أقساط معلومة لآجال محددة.
٤ ـ يجوز أن يتضمن عقد الاستصناع شرطًا جزائيًا بمقتضى ما اتفق عليه العاقدان ما لم تكن هناك ظروف قاهرة.
والله أعلم
стр. 12935
وبناء على هذه القرارات الرائعة أصبح للاستصناع مجال كبير ودائرة واسعة جدًا في سوق المال الإسلامية، من حيث الاستفادة منه كأحد العقود المستعملة، وكذلك من حيث صياغة صكوك منه.
وذلك لأن الاستصناع ليس كالسلم حتى يشترط فيه قبض رأس المال في المجلس أو خلال ثلاثة أيام عند المالكية، وليس كالبيع الآجل الذي ينبغي وجود المبيع، وإنما هو عقد وارد على العمل والعين في الذمة يجوز فيه تأجيل الثمن، أو تقسيطه، وبذلك يعطي مرونة رائعة لسوق المال أن تتعاقد عقودًا كثيرة في السلع والمعادن والبضائع المصنعة التي لا توجد في السوق، أو هي موجودة لكن المشتري ليس له مال كاف لشرائها، كما أن له دورًا في تنشيط الصناعة والزراعة والتجارة والحرف، من خلال عقود تضمن لأصحابها الكمية التي تنتجها مصانعهم مثلًا أو التي طلبها المستصنع.
ويستفاد كذلك من عقد الاستصناع الموازي لعقد استصناع مبرم مع آخر، وهذا ما تقوم به المصارف الإسلامية، حيث يقوم ـ مثلًا ـ بنك قطر الدولي الإسلامي بالتعاقد مع عميله لبناء دار له، أو تصنيع سيارة، أو بضاعة، أو أي شيء فيه الصنعة، حسب الشروط الموجودة بين الطرفين، والضوابط الشرعية، ثم يقوم البنك مع مقاول، أو شركة أخرى بعقد استصناع مواز بنفس الشروط والضوابط السابقة، ويمكن للمصرف أن يغير بعض الشروط في مسائل الثمن ونحوه (١)
стр. 12936
٣ ـ الاستفادة من الوعد بالبيع،والمواعد به:
الوعد لغة: هو التعهد، وكذلك الموعد، قال تعالى: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ [طه: ٨٧] ، حيث قال مجاه: الموعد: العهد، وكذلك قوله تعالى ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه: ٨٥] : عهدي (١)
والمواعدة هي الوعد من الطرفين.
والوعد بالبيع ـ أو نحوه ـ: هو التعهد بإنشاء البيع ـ مثلًا ـ في المستقبل، أو بالقيام بالشراء، أو نحو ذلك في المستقبل.
والوعد بالمال: أن يتعهد بدفع المال المتفق عليه في المستبق.
وقد أولى القرآن والسنة النبوية المشرفة عناية كبرى بالوعد وأهميته، وضرورة الحفظ عليه، وحرمه إخلافه، حتى تكرر (وعد) ومشتقاته في القرآن الكريم أكثر من (١٥٠) مرة، تدل على هذه العناية، وعلى إلزامية الوعد بالنسبة للواعد، ولذلك فهم الأنبياء الكرام من الوعد الالتزام، فقد قال نوح ﵇ لربه حينما رأى ابنه قد هلك بالطوفان: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥] . طلب ذلك لأن الله تعالى وعده بنجاة أهله، فبين الله تعالى بقوله: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] ، أي أن المراد أهلك اتباعك الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أما ابنك فقد خرج منهم بعمله غير الصالح، وكذلك التزام إبراهيم بالاستغفار لأبيه الكافر، لأنه وعده ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ، كما أن موسى ﵇ بين لقومه أن مخالفة الموعد يترتب عليها العقوبات الرادعة فقال: ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ [طه: ٨٦] ، وكذلك فهم موسى وخضر الإلزام حتى في المواعدة، حيث حينماوعد موسى بأنه إذا سأل عن شيء بعد ذلك فلا يصاحبه خضر، ثم سأل، قال خضر: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ﴾ [الكهف:] (٢)
стр. 12937
وكذلك السنة حيث جعلت مخالفة الوعد من خصال النفاق، فقال النبي ﷺ : ((أربع من كن يه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر)) (١)
فهذه الأدلة ونحوها واضحة في دلالتها على وجوب الوفاء بالوعود والعهود والعقود، غير أن الفقهاء على الرغم من اتفاقهم على أن خلف الوعد منهي عنه اختلفوا اختلافًا كبيرًا في إلزاميتها أمام القضاء، فذهب الجمهور إلى عدم لزومه.
وذهب ابن شبرمة إلى أن الوعد كله لازم، ويقضي به على الواعد ويجبر على تنفيذه (٢)
ويقرب من هذا القول ما ذكره البخاري عن ابن سيرين عن القاضي شريح: قال ابن سيرين: قال الرجل لكربه: أدخل ركابك، فإن لم ارحل معك يوم كذا وكذا فلك مائة درهم، فلم يخرج، فقال شريح: "من شرط على نفسه طائعًا غير مكره فهو عليه"، وقال أيوب عن ابن سيرين: أن رجلًا باع طعامًا. فقال: أن لم آتك الأربعاء فليس بيني وبينك بيع، فلم يجيء. فقال شريح للمشتري: أنت أخلفت، فقضي عليه" (٣) .
هاتان المسألتان داخلتان في الوعد؛ لأن ما تعهد به لم يدخله ضمن العقد حتى يكون من شروط العقد، وإنما هو تعهد مستقل، أي أنه وعد ومع ذلك قال به شريح، ولذلك قال الحافظ ابن حجر في رده على شريح: "وقال الجمهور: هي عدة فلا يلزم الوفاء بها" (٤)
стр. 12938
وذهب المالكية إلى تفصيل فيه على أربعة آراء (١) ، قال القرافي: "واعلم أن الفقهاء اختلفوا في الوعد: هل يجب الوفاء به شرعًا أم لا؟
قال مالك: إذا سألك أن تهب له دينارًا، فقلت: نعم، ثم بدا لك، لا يلزمك، ولو كان افتراق الغرماء عن وعد، وإشهاد لأجله، لزمك، لإبطالك مغرمًا بالتأخير، قال سحنون: الذي يلزم من الوعد قوله: اهدم دارك، وأنا أسلفك ما تبني به، أو اخرج إلى الحج وأنا أسفلك، أو اشتر سلعة، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك، لأنك أدخلته بوعدك في ذلك، أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء من مكارم الأخلاق.
وقال أصبغ: يقضى عليك به، تزوج الموعود أم لا. وكذا أسلفني لأشتري سلعة كذا، لزمك تسبب في ذلك أم لا..." (٢)
لكن الراجح لدى الكثيرين في مذهب مالك هو رأي ابن القاسم وسحنون القائل بأنه يقضى بوجوب الوفاء إذا كان على سبب، ودخل الموعود في سبب (٣)
والذي ظهر لنا رجحانه أن الوعد ملزم مطلقًا إلا إذا دل خاص بعدم إلزاميته (٤)
غير أن مجمع الفقه الإسلامي الموقر قد أخذ بالرأي القائل بإلزامية الوعد إذا كان معلقًا على سبب، ودخل الموعود في كلفة، حيث نص في قراره بالدورة الخامسة التي عقدت بالكويت من ١ إلى ٦ جمادى الأولى ١٤٠٩هـ، قرار رقم ٢، ٣ على ما يلي:
"ثانيًا: الوعد: (وهو الذي يصدر من الآمر، أو المأمور على وجه الانفراد) يكون ملزمًا للوعد ديانة إلا لعذر، وهو ملزم قضاء إذا كان معلقًا على سبب ودخل الموعود في كلفة نتيجة الوعد.
стр. 12939
ويتحدد أثر الإلزام في هذه الحالة إما بتنفيذ الوعد، وإما بالتعويض عن الغرر الواقع فعلًا بسبب عدم الوفاء بالوعد بلا عذر".
وعلى ضوء ذلك يمكن للوعود المنفردة بالبيع، أو بالشراء، أو بالإجارة، أو بالشركة، أو بالمضاربة، أو المساقاة، أو المزرعة، أو المرابحة، أو نحوها.. أن تلعب دورًا بارزًا كبيرًا في تنشيط سوق المال، والحركة، وذلك لأن الوعد أصبح ملزمًا ما دام الموعود دخل في السبب الذي لأجله وعد.
٤ ـ الوعد بالصرف، والمواعدة فيه وفي غيره:
لا يختلف الوعد (من طرف واحد) بالصرف عن الوعد بالبيع ونحوه، وحينئذ ينطبق عليه قرار المجمع الموقر الذي نقلناه في الفقرة السابقة، فيجوز أن يعد شخص من طرفه بأن يقوم بالصرف بعد يوم أو يومين بصرف ريالاته بالدولار أو بنحوه بسعر يومه. فهذا الوعد ليس عقدًا حتى يحتاج إلى شروط الصرف، ولكنه تعهد من قبله، فإذا حان وقت الصرف لابد من التقابض في المجلس وأن يكون بسعر يومه.
وأما المواعدة في الصرف إذا لم يتم في المجلس تقابض، فمحل خلاف بين جمهور الفقهاء (١) الذين منعوها، والظاهرية الذين أجازوها، حيث قال ابن حزم: " والتواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة، وفي بيع الفضة بالفضة، وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز، تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا؛ لأن التواعد ليس بيعًا، وكذلك المساومة أيضًا جائزة، تبايعا أو لم يتبايعا (٢)
стр. 12940
وقد استدل ابن حزم بأنه لم يأت نهي عن المواعدة في الصرف، ولو كان محرمًا لذكره الكتاب والسنة؛ لأن الله تعالى قد فصل المحرمات وبينها على لسان نبيه ﷺ حيث قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩] . قال ابن حزم: " فكل ما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال بنص القرآن، إذ ليس في الدين إلا فرض، أو حرام، أو حلال، فالفرض مأمور به في القرآن والسنة، والحرام مفصل باسمه في القرآن والسنة، وما عدا هذين فليس فرضًا ولا حرامًا فهو بالضرورة حلال إذ ليس هناك قسم رابع (١)
فرأي الجمهور هنا هو الراجح؛ لأن المواعدة في الصرف إذا كانت ملزمة فهي مثل العقد فلا تجوز دون تقابض البدلين بنص الأحاديث الصحيحة في هذا الباب.
وإن كانت غير ملزمة فلا فائدة فيها للطرفين، لكنها قد تتخذ وسيلة للتحايل، بل هي ذريعة للخلاف والنزاع الشديدين ولا سيما إذا لاحظنا تغير قيمة النقود صعودًا أو هبوطًا تغيرًا خطيرًا، حيث قد تنزل قيمة عملة ما نزولًا يخرجه عن المعيار والثمنية، ويكون الفرق بين وقت المواعدة ووقت العقد بالملايين، بل قد يكون بالمليارات في الصفقات الكبيرة، حتى في العملات الدولية المعتبرة، فقد نزلت قيمة الدولار عام ١٩٨٦م أمام الين الياباني بنسبة ٤٠ %، وحدث للجنيه الإسترليني في صيف ١٩٩٣ صعود كبير، وهبوط حاد، كل ذلك يجعل المواعدة في الصرف مخاطرة كبرى، واحتمالًا للغبن الفاحش، أو الربح الكبير، غير أن ابن حزم لا يقول بكونها ملزمة، لكن الاحتياط يقتضي سد هذا الباب في باب الصرف.
المواعدة في غير باب الصرف:
فالمواعدة هي التعهد الصادر من طرفين بإتمام عقد ما في زمن محدد، أو عند استكمال شيء معين، بأن يقول البائع: أبيع لك داري في شهر كذا، أو عندما أشتري دارًا أخرى، أو نحو ذلك، فيوافق عليه المشتري، أو يكون التعهد أولًا من المشتري ويوافق عليه البائع.
стр. 12941
ويسميه القانونيون: الوعد المتبادل حيث يرتبط الطرفان على سبيل التبادل، إذ يعد أحدهما أن يبيع للآخر شيئًا معينًا إذا أظهر الأخير رغبته خلال مدة معينة، كما يعد هذا الأخير أن يشتري الشيء ذاته بالثمن المعين إذا أظهر البائع رغبته خلال هذه المدة، وحينئذ يلتزم الطرفان قانونًا بما التزما به (١)
وقد صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي الموقر في دورته الخامسة عام ١٤٠٩هـ ينص على أن "المواعدة (وهي التي تصدر من الطرفين) تجوز في بيع المرابحة بشرط الخيار للمتواعدين كليهما، أو أحدهما، فإذا لم يكن هناك خيار فإنها لا تجوز؛ لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه، حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكًا للمبيع حتى لا تكون هناك مخالفة لنهي النبي ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده".
والقرار يخص المرابحة، لكنه إشارة طيبة إلى أن المواعدة يمكن أن تكون ملزمة في البيع إذا توفرت شروط البيع حيث قال: " لأن المواعدة الملزمة في بيع المرابحة تشبه البيع نفسه. حيث يشترط عندئذ أن يكون البائع مالكًا للمبيع حتى لا تكون مخالفة لنهي النبي ﷺ عن بيع الإنسان ما ليس عنده ".
فهذا واضح في دلالته على إقرار إلزامية المواعدة مع ضوابط، كما أن هذا النص يفتح الشهية لبحث المواعدة في جميع العقود ما عدا الصرف.
стр. 12942
والذي يظهر لنا رجحانه أن المواعدة في المعاوضات وغيرها إذا خلت عن المحرمات فهي ملزمة للطرفين، حيث تشهد بذلك ظواهر النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية التي ذكرنا بعضها، وقد ترجم الإمام البخاري: باب من أمر بإنجاز الوعد وفعله الحسن.
ثم ذكر قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤] ، وقال: وقضى ابن الأشوع (١) بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة بن جندب، وقال المسور بن مخرمة: ((سمعت النبي ﷺ وذكر صهرًا له، فقال: وعدني فوفى لي)) (٢)
ثم ذكر البخاري في هذا الباب أربعة أحاديث تدل على وجوب الوفاء بالوعد، فإذا كان الوفاء بالوعد واجبًا ديانة فيجب على القضاء أن يحمي ذلك ما دام يقع تحت طاولة القضاء، وكذلك لو كان خلف الوعد محرمًا وعلامة من علامات النفاق فيكون الوفاء به واجبًا، ولذلك قال الحافظ ابن حجر متسائلًا متعجبًا: "وينظر هل يمكن أن يقال: يحرم الإخلاف، ولا يجب الوفاء؟ أي يأثم بالإخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك!!!! (٣)
ويفهم من صنيع البخاري أن القول بإنجاز الوعد والقضاء به مذهبه، ولذلك ترجم له هذا الباب، وكذلك ذكره هذا الباب في كتاب الشهادات يدل على أن الواعد يؤخذ بوعده، كما يؤخذ الشاهد بالشهادة على نفسه (٤)
وقد ذكر العلامة الزبيدي: أن أكثر العلماء على وجوب الوفاء بالوعد، وتحريم الخلف فيه، وأن الحافظ السخاوي ألف في ذلك رسالة مستقلة سماها: "التماس السعد في الوفاء بالوعد" (٥) .
وليس هذا البحث مجال التفصيل في مسألة الوعد والمواعدة، إذ لم تأت فيه إلا كجزئية من الجزئيات، ولكن الذي يظهر لنا رجحانه هو القول بإلزامية المواعدة في غير الصرف، إلا إذا أدت إلى مخالفة نص (٦)
٥- الاستفادة من الصلح:
وقد فصل العلماء في كتاب الصلح، وذكروا تفصيلات طيبة في الصلح في المعاوضات، يمكن الإفادة منها في سوق المال الإسلامية، حيث توضع المعلومات الخاصة بالصلح في المعاوضات أو الحطيطة، أو على الدين في إطار مرن يستفاد منها عند النزاع والتصالح.
стр. 12943
٦- الاستفادة من المقاصة:
حيث فصل الفقهاء فيها ولا سيما المالكية، وقالوا: إنها " إسقاط ما لك من دين على غريمك في نظير ما له عليك بشروطه" (١) . أي بشروط الإسقاط.
والمقاصة قد تكون جائزة، وقد تكون واجبة، والغالب عليها الجواز، ووجوبها في ثلاث أحوال وهي: " إذا حل الدينان، أو اتفقا أجلًا، أو طلبها من حل دينه فإن المذهب وجوب الحكم بها". (٢)
وقد فصل علماء المالكية تفصيلًا للحالات التي يمكن أن تقع فيها المقاصة فبلغت ثمان وأربعين حالة، لخصها الدردير فقال: " واعلم أن الدينين إما من بيع، أو من قرض، أو مختلفين، وفي كل إما أن يكونًا عينًا، أو طعامًا، أو عرضًا" الدسوقي: " فهي تسعة أحوال، وفي كل إما أن يكون الدينان حالين، أو أحدهما حالا، والآخر مؤجلًا، أو يكونا مؤجلين متفقين في الأجل، أو مختلفين فيه، فالجملة ست وثلاثون حالة " وعلق الشيخ محمد عليش على ذلك فقال: "بل ثمان وأربعون حالة، أسقط المحشي منها اثنتي عشرة صورة اختلافهما قدرًا وصفة، وحكمها حكم صور اختلاف القدر فقط (٣)
٧ - ٧ ـ والاستفادة من بيع الدين بالدين إذا لم يكونا نسيئين:
فالتحقيق (٤) أن الممنوع منه هو بيع الدين النسيء بالدين النسيء؛ لأن الإجماع على منع "الكالئ بالكالئ " وهو كما فسره علماء اللغة العربية وغريب الأحاديث: بيع النسيئة بالنسيئة، وهي التأخير (٥) ، قال البيهقي: قال أبو عبيدة: " هو النسيئة بالنسيئة" (٦)
وأما الفقهاء فقد اختلفوا في تفسيره اختلافًا كبيرًا أثر في وجهات نظرهم في حكمه، لكن المجمع عليه هو ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، حيث قال: " قال أحمد: لم يصح منه ـ أي في النهي عن بيع الكالئ بالكالئ ـ حديث، ولكن هو إجماع، وهذا مثل أن يسلف إليه شيء مؤجل، فهذا الذي لا يجوز بالإجماع "، ثم قال ابن تيمية: "وإذا كان العمدة في هذا هو الإجماع، والإجماع إنما هو في الدين الواجب بالدين الواجب كالسلف المؤجل من الطرفين ".
стр. 12944
ولذلك أخرج ابن تيمية بيع ما هو ثابت في الذمة ـ ليسقط بما هو في الذمة ـ عن صور الكالئ بالكالئ، فقال: "ليس في تحريمه نص ولا إجماع ولا قياس، فإن كلًّا منهما اشترى ما في ذمته، وهو يقول له بما في ذمة الآخر" (١)
ولكن في حصر صور بيع الكالئ بالكالئ على هذه الصورة نظر (٢) ، غير أنها تنحصر عند التحقيق في بيع الدين النسيء بالدين النسيء، ويمكن الاستفادة من بيع الدين بالدين في سوق المال ما داما غير نسيئين فيما يأتي:
أولًا: بيع الديون لمن هو عليه، جاء في المهذب: "وأما الديون فينظر فيها، فإن كان الملك عليه مستقرًّا كغرامة المتلف، وبدل العرض جاز بيعه ممن عليه قبل القبض؛ لأن ملكه مستقر عليه فجاز بيعه كالمبيع بعد القبض (٣)
والمراد باستقرار الدين بأن سببه قد تحقق فعلًا، وأمن من الفسخ كتسليم المبيع، أو يحقق الوطء في المهر، أو نحو ذلك كغرامة المتلف، وبدل العرض، وقيمة المغصوب، وعوض الخلع، وثمن المبيع، والأجرة بعد استيفاء المنفعة، والمهر بعد الدخول (٤)
стр. 12945
ويسمى هذا النوع أيضًا بالاستبدال، والاعتياض، وهو جائز في جميع الديون المستقرة بالاتفاق، والثانية: ما عدا دين السلم عند الجمهور ـ كما سبق ـ (١)
ولكن يشترط في بيع الدين بالدين لمن هو عليه ملاحظة قواعد الصرف، بحيث لو باع دينه الذي كان نقودًا بالنقود يشترط فيه التقابض في المجلس، ويدل على ذلك حديث ابن عمر في هذا الباب، ولكن إذا لم يكن من باب الصرف فيجوز البيع بالتأجيل وغيره كبيع الدين بالعين، أو بالعكس (٢)
وهذا الحل يفيد كثيرًا في تصفية الديون بين الناس، وفي المصارفة في الذمة دون الحاجة إلى القبض الفعلي، وذلك بأن يكون لرجل دنانير في ذمة رجل آخر، وللآخر عليه ريالان فاصطرفا بما في ذمتهما جاز عند الأكثر، منهم المالكية والحنفية، أما اقتضاء أحد النقدين من الآخر ويكون صرفًا بعين وذمة، فهو جائز في قول أكثر أهل العلم، لحديث ابن عمر (٣) . وذكر ابن القيم أن مسألة التعاوض فيها غرض صحيح ومنفعة مطلوبة؛ لأن ذمتهما تبرأ من أسرها، وهي مطلوبة للشرع والعاقدين. (٤)
جعل الدين الحال رأس مال في السلم:
وهذه المسألة نقل فيها الإجماع على عدم جوازه بناء على أنه داخل في بيع الكالئ بالكالئ (٥)
стр. 12946
غير أن شيخ الإسلام ابن تيمية، والعلامة ابن القيم بينا أنه لا إجماع فيها، بل هي جائزة، قال ابن القيم: "وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو أسلم إليه في كر حنطة بعشرة دراهم في ذمته فقد وجب له عليه دين، وسقط له عنه دين غيره، وقد حكي الإجماع على امتناع هذا، ولا إجماع فيه، قاله شيخنا واختار جوازه، وهو الصواب، إذ لا محذور فيه، وليس بيع كالئ بكالئ فيتناوله النهي بلفظه، ولا في معناه فيتناوله بعموم المعنى، فإن المنهي عنه قد اشتغلت فيه الذمتان بغير فائدة، فإنه لم يتعجل أحدهما ما يأخذه فينتفع بتعجيله، وينتفع صاحب المؤخر بربحه، بل كلاهما اشتغلت ذمته بغير فائدة، وأما ما عداه من الصور الثلاث فلكل منها غرض صحيح ومنفعة مطلوبة (١)
بيع الساقط بالواجب:
هذا مصطلح استعمله ابن القيم في تقسيم بيع الدين بالدين وأجازه، فقال: " والساقط بالواجب كما لو باعه دينًا له في ذمته بدين آخر من غير جنسه فسقط الدين المبيع ووجب عوضه، وهي بيع الدين ممن هو في ذمته".
ثم بين فائدة هذا النوع للطرفين (٢)
لكن الفقهاء الذين أجازوا هذا النوع ـ وهم الحنفية، والحنابلة، ووجه للشافعية ـ اشترطوا لصحة بيع الدين ممن هوعليه بشيء موصوف في الذمة أن يقبض الدائن العوض قبل التفرق من المجلس حتى لا يقع في المنهي عنه من بيع الكالئ بالكالئ (٣)
стр. 12947
هذا كله في الديون المستقرة، أما الديون التي لم يستقر ملك الدائن عليها لعدم قبض المدين العوض المقابل لها كالأجرة قبل استيفاء المنفعة، أو مضي زمانها، وكالمهر قبل الدخول، فهذه الديون اختلف الفقهاء في جواز تمليكها ممن هي عليه بعوض، والذي يظهر رجحانه هو جواز ذلك كما سبق في السلم.
تمليك الدين لغير المدين:
لخص الإمام الرافعي والنووي هذا الموضع تلخيصًا طيبًا نذكره ثم نذكر آراء الفقهاء فيه وهو:
الدين في الذمة ثلاثة أضرب: مثمن، وثمن، ولا مثمن ولا ثمن (١)
الضرب الأول: المثمن: وهو المسلم فيه فلا يجوز بيعه، ولا الاستبدال عنه، وهل تجوز الحوالة به أو عليه، فيه ثلاثة أوجه.
الضرب الثاني: الثمن: فإذا باع بدراهم أو دنانير في الذمة ففي الاستبدال عنها طريقان: أحدهما القطع بالجواز، قاله القاضي أبو حامد وابن قطان، وأشهرهما على قولين: أصحهما وهو الجديد جوازه، والقديم منعه.
ولو باع في الذمة بغير الدراهم والدنانير فإن قلنا: الثمن ما ألصقت به الباء صح الاستبدال عنه كالنقدين، وادعى البغوي أنه المذهب وإلا فلا؛ لأن ما ثبت في الذمة مثمنًا لم يجز الاستبدال عنه.
стр. 12948
وأما الأجرة فكالثمن، وأما الصداق وبدل الخلع فكذلك إن قلنا: إنهما مضمونان ضمان العقد، وإلا فهما كبدل الإتلاف.
الضرب الثالث: ما ليس ثمنًا ولا مثمنًا: كدين القرض والإتلاف، فيجوز الاستبدال عنه بلا خلاف، كما لو كان له في يد غيره مال بغصب أو عارية فإنه يجوز بيعه له (١)
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على أربعة آراء:
الرأي الأول: جواز تمليك الدين بعوض وبغير عوض.
وهذا وجه للشافعية، ورواية للحنابلة (٢) .
الرأي الثاني: عدم جواز تمليك الدين لغير من هو عليه بعوض أو بغير عوض.
وهذا رأي الحنفية، والشافعية في قول، والحنابلة في رواية، والظاهرية (٣) .، غير أن الحنفية استتثنوا بعض الحالات منها الوصية (٤) .
الرأي الثالث: جواز بيع سائر الديون ما عدا دين السلم لغير من عليه الدين، وهذا قول للشافعية صححه جماعة من أئمتهم منهم الشيرازي والنووي، واختاره السبكي والقاضي زكريا الأنصاري (٥) .، قال النووي: " أما بيعه لغيره كمن له على إنسان مئة فاشترى من آخر عبدا بتلك المئة فلا يصح على الأظهر..، وعلى الثاني: يصح.. قلت: الأظهر الصحة والله أعلم " (٦) .
الرأي الرابع: جواز بيع الدين لغير المدين إذا لم يكن فيه غرر، أو محظور شرعي آخر، جاء في شرح الخرشي: " والمعنى أن الدين ولو حالا لا يجوز بيعه بدين، قال المؤلف: ولا بد من تقدم عمارة الذمتين، أو إحداهما، ويتصور في ثلاثة، كمن له دين على شخص فيبيعه من ثالث بدين، وفي أربعة كمن له دين على إنسان ولثالث دين على رابع فيبيع كل ما يملك من الدين بمال صاحبه من الدين ... ولا يتصور بيع الدين بالدين في أقل من ثلاثة ".
стр. 12949
ثم قال: " وفهم من قوله: (بدين) عدم منع بيع الدين بمعين يتأخر قبضه، أو بمنافع معين ... ولا يجوز للشخص بيع ماله على الغير من دين سواء كان حيا أو ميتا
ولو علم المشتري تركته؛ لأن المشتري لا يدري ما يحصل له بتقدير دين آخر إلا أن يكون من هو عليه حاضرًا بالبلد مقرًّا، والدين مما يباع قبل قبضه لا طعامًا من بيع، وبيع من غير جنسه، وليس ذهبًا بفضة، ولا عكسه، وأن لا يكون بين المشتري والمدين عداوة، وأن لا يقصد المشتري إعنات المدين، وأما إن لم يقر فلا يجوز لأنه من شراء ما فيه خصومة (١)
والذي يظهر لنا رجحانه هو أن بيع الدين لمن هو عليه ولغيره جائز مع ملاحظة قواعد الصرف، وكون الدين ثابتًا مقدورًا عليه يمكن تسليمه بالفعل، أو عن طريق المصارفة في الذمة، وأن لا يكون فيه محظور شرعي آخر من جهالة فاحشة، وغرر ونحو ذلك. والله أعلم.
الصلح عن دين بدين:
هذا له عدة صور:
منها: أن يتصالح الدائن مع مدينه بأن يكون للمدين أيضًا دين آخر عليه من نفس جنسه، فيتصالحان بما في ذمتيهما سواء كان ما في ذمتيهما متساويين أو لا وهذا بمثابة إسقاط من الطرفين، وإبراء، وتخارج.
ومنها: أن يتصالح الدائن مع مدينه في الذمة، وذلك بأن يصالحه على موصوف في الذمة من غير جنسه، "كأن يصالحه عن دينار في ذمته بإردب من قمح، أو نحوه في الذمة" (٢) فهذا الصلح صحيح عند جمهور الفقهاء ـ الحنفية والمالكية والحنابلة ـ إذا تم قبض البدل في المجلس، قبل التفرق (٣)
стр. 12950
وذهب الشافعية إلى أنه يشترط تعيين بدل الصلح في المجلس، ولا يشترط القبض في المجلس على أصح الوجهين (١)
أما إذا كان بدل الصلح ليس في الذمة فيجوز مع تفصيل ذكره النووي حيث قال:
أما إذا كان صالح الدائن على دينه عن بعض الأموال التي يقع فيها الربا على ما يوافقه في العلة فلابد من قبض العوض في المجلس، فإن لم يكن العوضان ربويين، فإن كان العوض عينًا صح الصلح ولا يشترط قبضه في المجلس. (٢)
٨ ـ الاستفادة من عقد البيع بمختلف أنواعه:
سواء أكان بيع الشيء بالثمن، أم عن طريق المقايضة، أو بيع العربون، أو البيع الآجل (وبالتقسيط) ، أو بيع الشيء المعين، أو البيع على الأوصاف والبيع على البرنامج، كذلك بيوع المرابحة، والإشراك، والتولية، والحطيطة.
فلو تتبعنا اجتهادات الفقهاء جميعًا في كتاب البيوع، وتتبعنا استنباطاتهم في أنواع البيوع والخيارات الفقهية التي تزيد على ثلاثين نوعًا من الخيار، والشروط وغيرها.. لاستطعنا أن نوفر لسوق المال الإسلامية عددًا كبيرًا من العقود التي تحقق مصالحها، وتعطيها المرونة والانسياب.
стр. 12951
الاستفادة من عقد الإيجار سواء كان واقعًا على العين، أو العمل، أو الذمة، ولاسيما عند الحنابلة في الإجارة في الذمة حيث أجازوا تأخير الأجرة ما دام العقد جرى بلفظ الإجارة (١)
٩ - ٩ ـ الاستفادة من بقية العقود:
كالشركات، الوكالة، والحوالة والرهن، والصلح، والقراض، والمساقاة والمزارعة والجعالة، والضمان، وإحياء الموات، والوقف، ونحوها من العقود التي ذكرها فقهاؤنا الكرام.
ومع ذلك علينا أن ندرسها دراسة متعمقة على ضوء حاجاتنا العصرية، بحيث نستفيد من القواعد الثابتة فيها، وندخل فيها من الاجتهادات ما يكتمل بها، وتجعلها صالحة لوقتنا الحاضر، دون أن تصطدم هذه الاجتهادات المكملة بالقواعد الأصلية.
١٠ ـ الاستفادة من إنشاء عقود جديدة:
والذي نرى رجحانه هو أن الأصل في العقود والشروط الإباحة،وهذا هو الرأي الذي اختاره المحققون من العلماء مثل ابن تيمية، وابن القيم وغيرهما، بل وجدنا أن هذا الأصل معتبر عند المذاهب الأربعة (٢)
وبناء على ذلك فعلى الفقهاء أن يبحثوا عن عقود جديدة وشروط جديدة لم تكن موجودة لدى فقهائنا العظام؛ لأن عصرهم لم يكن بحاجة إليها، ولذلك لو وجدت الحاجة إلى أي عقد جديد قالوا به استحسانًا.
стр. 12952
الاجتهاد الانتقائي، والاجتهاد الإنشائي:
والمقصود بهذا العرض الموجز أننا بحاجة ـ كما يقول الأستاذ الدكتور القرضاوي (١) ـ إلى نوعين من الاجتهاد، هما الاجتهاد الانتقائي بحيث يقوم الفقهاء بغربلة الفقه الإسلامي بمختلف آرائه ومذاهبه ومدارسه للوصول إلى ما هو الأرجح دليلًا، والأوفق بمقاصد الشريعة، والأكثر تحقيقًا للمصالح، مع مراعاة ضوابط الشرع، وتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.
والاجتهاد الإنشائي في المسائل التي لا نجد فيها آراء لفقهائنا الكرام ولأنها لم تكن موجودة في عصرهم، وإنما هي ظهرت في عصرنا نتيجة للتطورات الاقتصادية والطبية، والاجتماعية، والسياسية.
فإذا أردنا النجاح فعلينا أن نسير بتوازن على هذين الأمرين، وهما: الاعتماد على فقهنا العظيم مع تنقيته، وغربلته، والاستفادة من كل نظرية من نظرياته، وكل رأي من آرائه ما دام صادرًا من فقيه ثقة، صحابيًّا كان أم تابعيًّا، أم إمامًا للمذهب أو غيره.
ثم التجديد في الاجتهاد، وعدم الوقوف على ما قالوه ولاسيما في الأمور الجديدة، والقضايا المستحدثة، مشجعين على هذا النوع ما دام صاحبه أهلًا للاجتهاد الكلي، أو الجزئي، أو الترجيح، وما دام يريد به وجه الله تعالى، ولا نغلظ عليه إن أخطأ، بل يصوب بعضنا البعض من خلال المنابر الفقهية المعتبرة كهذا المجمع الموقر الذي يحتضن الجميع، أو من خلال المناقشات العلمية الهادفة التي تريد إحقاق الحق، وإظهاره على لسان أي شخص كان، والله المستعان.
الخلاصة
بعد هذا الاستعراض الشامل الموجز للتطبيقات الشرعية لإقامة سوق المال الإسلامية نلخص بأن سوق المال الإسلامية تحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية بعد ترتيب النواحي الإدارية والفنية، هي الأسهم والسندات أو الصكوك، والعقود النمطية، أو العقود العادية، وهي:
أولًا: في نطاق الأسهم نجد فيها سعة من الناحية الشرعية حيث إنها تعني حصة المساهمة بنسبة من الشركة، ولذلك فالأصل فيها الحل إلا إذا كانت طبيعة الأسهم ـ كأسهم الامتياز بالمال ـ مخالفة للشرع، أو أن محلها ونشاطها محرم.
стр. 12953
وقد أصدر المجمع الموقر قرارًا في دورته السابعة حول هذا الموضوع.
ثانيًا: في نطاق السندات، حيث بما أنها تقوم اليوم على القرض بفائدة فإنها محرمة ـ كما صدر بذلك قرار من المجمع الفقهي الموقر.
ولكن المجمع قد وصل إلى بعض البدائل من خلال صكوك المضاربة التي أقرها في دورته الرابعة بجدة من ١٨ ـ ٢٣ جمادى الآخرة ١٤٠٨هـ، كما وضع مجموعة من الضوابط لها. وقدمنا في هذا البحث بدائل أخرى، ويمكن أن يشكل مجمع الفقه الموقر لجنة من علماء الفقه والاقتصاد والبنوك لصياغة صكوك من العقود التي تقبل أن تصاغ منها، وقد قدمنا في البحث البدائل الآتية:
أـ صكوك مضاربة طويلة الأجل.
ب ـ صكوك مضاربة لمشروع معين.
ج ـ صكوك المضاربة المستردة بالتدرج.
د ـ صكوك المضاربة المستردة في آخر المشروع.
هـ ـ صكوك المضاربة المنتهية بتمليك المشروع.
وـ صكوك المضاربة على فئات متنوعة، مثل ١٠٠ دولار.
ز ـ شهادات الاستثمار للبنك الإسلامي.
ح ـ شهادات التأجير أو الإيجار المتناقصة، كما في تجربة بيت التمويل التونسي السعودي.
ط ـ صكوك المشاركة بجميع أنواعها، وهي تشمل:
الأسهم بجميع أنواعها المباحة كما سبق.
صكوك ـ أو شهادات ـ المشاركة في مشروع معين.
صكوك المشاركة المؤقتة بفترة زمنية محددة.
صكوك المشاركة المنتهية بالتمليك.
صكوك المشاركة المستردة بالتدرج.
стр. 12954
صكوك المشاركة المستردة في نهاية المشروع.
ي ـ سندات الخزينة المخصصة للاستثمار.
ك ـ صكوك المرابحة.
وأما العقود التي يمكن صياغة الصكوك، أو السندات الشرعية منها فهي ـ في نظرنا ـ ما يأتي:
المضاربة بجميع صورها.
المشاركة بجمع صورها.
الإجارة بجميع أنواعها (العين والعمل والذمة) وكذلك الإجارة المنتهية بالتمليك.
السلم بضوابطه.
بيع الأجل.
الاستصناع.
،٨ـ المزارعة، والمساقاة.
المرابحة.
وقد ارتأينا أنه لا مانع شرعًا من وجود ضمانات للصكوك لكنها ليست من المضارب، أو الشريك، أو نحوهما، وإنما من جهة ثالثة كالدولة، أو مؤسسة النقد.
وكذلك لا مانع شرعًا من تعهد الجهة المصدرة للصكوك بشراء نسبة منها كما هو الحال بالنسبة للبنك الإسلامي للتنمية.
стр. 12955
ثالثًا: في نطاق العقود التي يمكن الاستفادة منها في سوق المال فهي ما يأتي:
أـ السلم حيث يمكن الإفادة منه من ناحيتين: الناحية الأولى أنه عقد يحقق المنفعة للعاقدين، وينشط حركة السوق بشكل كبير، حيث يكون لدى البائع (المسلم) سلع ومعادن وبضائع ومواد غذائية ونحوها في المستقبل فيدخل في عقد لضمان تصريفها، وكذلك المشتري يستفيد من رخص الثمن واستثمار فائض أمواله.
الناحية الثانية من خلال صكوك السلع على ضوء ما رجحناه من جواز التصرف في المسلم فيه بالبيع، والإقالة، والتولية، والشركة، والحوالة ونحوها بضوابطها الشرعية.
ب ـ الاستفادة من عقد الاستصناع الذي يتسم بمرونة أكثر من السلم، والبيع الآجل، ولاسيما بعد إقرار كونه ملزمًا للطرفين من قبل مجمع الفقه الموقر في دورته السابقة.
جـ ـ الاستفادة من الوعد الملزم، والمواعدة بضوابطها.
د ـ الاستفادة من بيع الدين بالدين، إن لم يكونا نسيئين من المدين ومن غيره بضوابطه الشرعية.
هـ ـ الصلح بجميع أنواعه، ولاسيما الصلح على الدين.
وـ البيوع بجميع أنواعها.
ز ـ الإجارة بجميع أنواعها ولاسيما الإجارة في الذمة.
ح ـ الإفادة من جميع العقود الموجودة في فقهنا العظيم.
ط ـ الاستفادة من إنشاء عقود جديدة ما دامت لا تخالف نصًًّا شرعيًّا من الكتاب والسنة بناء على أن الأصل في العقود والشروط الإباحة إلا إذا دل دليل معتبر على حظرها.
واللهَ أسأل أن يجعل أعمالي كلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يعصمنا من الخطأ والزلل في القول والعقيدة في العمل.
الدكتور / علي محيي الدين القره داغي